eKtab
EN ع
البئر الأولى
اقرأ عينة مجانية

البئر الأولى

بقلم جبرا إبراهيم جبرا

صفحة 1
في المستهل
 
لماذا سيرة الطفولة هذه ؟
 
أردت في البدء أن أكتب سيرة ذاتية كاملة، لا سيما بعد أن طالبت أدباء جيلي أكثر من مرة بكتابة مذكراتهم، وتسجيل تجربة التغيير، والنمو، والصراع، التي تجعل لحياتهم، وحياة كل منا، بل للحياة في عصرنا كله، مذاقها وبعض معناها·
 
ولكنني أدركت أنني إذا أردت الدقة والتفصيل، يجب عليّ أن أعود إلى عدد ضخم من المدوّنات، وبخاصة الرسائل التي كتبتها، وتلك التي تسلمتها، في سني حياتي· وهي بالآلاف، وبالعربية والإنكليزية، وفي أقطار عديدة· فاكتشفت عندها عسر المهمة، لاستحالة العودة إلى معظم تلك الرسائل - وليس في حوزتي إلاّ بعضها· وأدركت أنني بدون هذه الرسائل سأضطر إلى الاعتماد فيما أقول على الذاكرة فحسب، بكل ثغراتها وخلخلاتها واضطرابها·
 
فقررت أن أكتب عن السنين الأولى فقط من حياتي: ابتداءً من طفولتي، بأبعد ما تسعفني الذاكرة منها، إلى أن انتهيت من دراستي في إنكلترا، وعدت إلى القدس مليئاً بالأفكار ومحموماً بها، وممزّقاً بين ضروب متناقضة من الوعي، في مطلع سنتي الرابعة والعشرين·
 
ثم شعرت أن سنوات دراستي في أكستر، وكمبردج (وبعض الوقت في أكسفورد)، تحتاج وحدها إلى مجلّد خاص، إن أنا أردت الصدق مع نفسي والتعمق في تجربتي· فقلت : إذن أكتب أولاً عن حياتي حتى سن التاسعة عشرة، وهي السن التي حالما تخطيتها - بأسبوعين اثنين أو أقل - غادرت القدس طلباً للدراسة الجامعية في انكلترا· فهي خاتمة مرحلة، وبداية أخرى، ومهما يكن من أمر، فإن سني حياتي الأولى تلك تزدحم بتجارب وأحداث شخصية لا بد من متابعتها واستيضاحها· والكتابة عنها ستكون شيئاً مثيراً، ولو صعباً، وقد تسهّل عليّ الدخول في سرد المرحلة اللاحقة·
 
ولكن حالما بدأت أكتب عن أولى ذكرياتي الطفولية، وجدت أن عليّ أن أختصر كثيراً، وأحذف كثيراً وأهمل الكثير، وإلاّ فإنني لن أنتهي· وأدركت مرة أخرى أن الفترة التي طالبت نفسي بالكتابة عنها أطول مما ينبغي، كمسألة أساسية· لأن الطفولة شيء، والمراهقة شيء آخر، ورغم أن المراهقة امتداد بتجارب الطفولة من حيث الجوهر - من حيث الرؤية المتنامية للحياة - فقد كان في فترة المراهقة من الغنى، والتشعّب، واللذة، والألم، والحب، والصداقات، ما لن أفي بعض حقه إلا بمجلّد منفرد· فقررت أخيراً الاكتفاء بالسنين الاثنتي عشرة الأولى من حياتي - أو بالأحرى بسبع أو ثماني سنوات منها - منتهياً بانتقالي مع والديّ من بيت لحم إلى القدس عام 2 3 9 1· وكان هذا حدثاً حاسماً بالنسبة لما جرى لي فيما بعد·
 
وعندما أخذت أراجع نفسي بشأن أحداث هذه الطفولة، وجدت أنني، عبر أكثر من أربعين سنة من الكتابة، استعرت العديد منها في مقالاتي وقصصي القصيرة، وبخاصة في رواياتي· فهل أتناول بعض ما كتبته هناك كأجزاء إيضاحية أو قصصية، وأعيد كتابته في سياق جديد، كترجمة ذاتية صرف؟ لا· لن أفعل ذلك· ولأترك على حاله ما صغتُه من طفولتي قصصاً وأحداثاً روائية، وللدارسين أن يستخلصوه ويفهموه كيفما شاؤوا· ولأتناول ما لم أدخله في صياغاتي تلك، وهو ليس بالقليل·
 
أذكر أنني كنت يوماً في مقهى في القدس، بُعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية (عام 5 4 9 1)· فتعرّفت بسيّدة جذابة وذكية اسمها هايدي لويد، قالت إنها نحّاتة وتدرّس النحت في بغداد، وزوجها سيتون لويد آثاري مشهور، وكنت يومئذ رئيساً لنادي الفنون، ومدرّساً للأدب الانكليزي في الكلية الرشيدية، وأكتب الشعر بالإنكليزية وأنشره، ويظهر أنها قرأت بعضه، ولكن ظروفي المعيشية كانت قاسية، وأرفض أن أعلم أحداً بتفاصيلها·
 
وقد فاجأتني، حين جاءت قهوتنا، إذ قالت بشيء من الإغراء : حدثني عن حياتك! يقولون إنك عشت وما زلت تعيش حياة مثيرة·
 
ضحكت عندها، وقلت : حياة مثيرة؟ أنا لست بطل الأبطال، إن كنت لا تعلمين
 
قالت : لا، لا··· أنا أعني ذلك النوع من الحياة· ولكن تجربتك الفيزيائية، النفسية، الذهنية، علاقاتك العاطفية···
 
وبلمح البصر، عاودني خليط من أحداث طفولتي ومراهقتي وسنواتي في إنكلترا بتداخل وتسارع عجيبين·
 
قلت : إذا كان هذا ما تقصدين، فسأفعل ولكن ليس الآن، لأن القصة طويلة، طويلة جداً·
 
قالت : إذن أنتظر أن أقرأ سيرتك الذاتية يوماً ما؟
صفحة 2
قلت : أخشى أن يطول انتظارك··· والآن حدثيني عن نحتك، وحدثيني عن بغداد·
 
وإذا كنت في أول الشباب قد شعرت أن القصة طويلة، طويلة جداً، فماذا أقول الآن، وقد طالت القصة أربعين سنة أخرى؟ ولقد طال انتظار السيدة الفنانة، التي لم أرها مرة ثانية، حتى بعد مجيئي إلى بغداد بعد ذلك بسنوات ثلاث· هل أقول إنها أول من زرع البذرة في ذهني بضرورة التحدث عن حياتي بشكل من الأشكال؟
 
أنا لا أكتب هنا تاريخاً لتلك الفترة· ثمة من هم أعلم، وأجدر، وأبرع مني في سلسلة ووصف أحداث العشرينات وأوائل الثلاثينات في فلسطين· ولا أنا أكتب هنا تاريخاً لأسرتي، لأن ذلك شأن آخر، ولا أزعم أن لديّ القدرة عليه· ولا أنا أكتب تحليلاً اجتماعياً لبلدة فلسطينية كانت يومئذ صغيرة، لا يتعدى سكانها خمسة آلاف نسمة، إن لم يقلّوا عن ذلك، ولا تتعدى مدارسها الطور الابتدائي من التعليم الذي تتحكّم بمعظمه الأديرة والكنائس، وهي اليوم مدينة ذات شأن اقتصادي وسياسي، يقارب سكانها مئة ألف نسمة، وفيها مدارس عديدة، وفيها جامعة يتخرّج منها سنوياً عشرات الطلبة·
 
إن ما أكتبه هنا شخصيّ بحت، وطفوليّ بحت· ومقتربي يتركز على الذات إذ يتزايد انتباهها، ويتصاعد إدراكها، ويعمق حسّها، ولا تنتهي بالضرورة حيرتها· ولئلا أنزلق إلى التاريخ العائلي بتفرّعاته (وفي ذلك ما فيه من الإغراء)، آثرت الاستمرار باستقصاء كينونة واحدة تتنامى مع الأيام وعياً ومعرفة وعاطفة، تحيا براءتها، وتتشبّث بها، والبراءة تزايلها· وهي طبعاً جزء من محيطها: إنها بعض تلك البيوت والأشجار والوديان والتلال، بعض الشموس والأمطار والوجوه والأصوات، التي بها تحيا، وبها تكتشف القيم والأخلاق، وتكتشف الجمال والقبح، والفرح والبؤس جميعاً·
 
ولعلني، عن قصد أو غير قصد، جعلت من الذات والمحيط أحياناً موضوعين متبادلين، في الواحد انعكاس للآخر، بل وتجسيد رمزي له أحياناً· ولأنه في زوال مستمر مع الزمن، فإني أحاول أن أضع يدي عليه وآسره في شبكة من الكلمات، لئلا يضيع بالمرّة·
 
ولكن الذات والمحيط كانا أحياناً على طرفي نقيض· وكان على الذات أن ترفض، بضرب من الجنون، أن تجد انعكاسها في المحيط، وأن تخلص من فعله المدمّر، إلى أن يأتي اليوم الذي تريد فيه أن تتحكّم به، وتغيّره· لعل تلك هي قصة المراهقة، أو بعضها، وما سوف يواكبها ويليها من تنامي المعرفة والإرادة، وتنامي القدرة على التحليل والتعليل، والقدرة كذلك على إعادة التركيب والخلق عن طريق الخيال· إنها قصة البراءة المفقودة، ومحاولة استعادتها·
 
إن المرء ليهجس بأن قصة الطفولة، مع هذا البعد الزمني السحيق، وهذا التحول الاجتماعي الكبير، قد تأتي غير مستكملة مغزاها الحقيقي، حين تفصل عن سياقها اللاحق، الذي هو حياة المرء بتمامها· والطفولة أصلاً ليست قصة واحدة، بل هي قصص متباينة يصعب في معظم الأحيان وصل أجزاء بعضها ببعض، رغم تواتر شخصياتها، إلا بشيء من الحيلة الروائية· غير أنها تطالب الذهن بالعودة إليها، على نحو ما، بإلحاح يتكرّر· ونجد بعض هذا الإلحاح في مثولها في أحلام الليل كل مرة بشكل جديد وتوتّر مغاير، كما نجده في مثولها، على غير ما توقّع، في أحلام اليقظة بشكل يختلف عن مجرّد استعادات الذاكرة·
 
قصص الطفولة إذن هي قصص أحداث غدت مزيجاً من الذكرى والحلم، مزيجاً من الكثافة الوجودية والغيبوبة الشاعرية، مزيجاً يتداخل ويتواشج فيه المنطق واللامنطق· ولكنه مزيج يؤكّد حضوره أبداً في عمقٍ ما من النفس، يستحيل إيفاؤه حقه مهما تابع الذهن جزئياته وتشعباته· بل إن معظم كتّاب السيرة الذاتية، منذ أقدم الأزمان وفي آداب الأمم جميعاً، يميلون إلى تجنّبه، أو إهماله، ربما بسبب من صعوبته الخاصة· وقد جرت عادتهم، إذا ركزوا على أحداث طفولتهم، أن ينظروا إليها بعين النضج الذي أدركوه مع تقدّم السنّ وتقدّم القدرة على التعليل والتعليق· فهم يحاولون استيضاح ما جرى لهم في الماضي كمقدّمة أو تبرير لحاضرهم· وهم يستبقون المعلّقين والنقاد بشأن تجربتهم، بأن يعلّقوا هم على تجربتهم وينقدوها· وبما أنهم لا يجدون دائماً الكثير للتعليق والنقد مما يتصل بسنوات الطفولة، فإنهم نادراً ما يتوقفون عندها لأكثر من فصل أو فصلين· إنهم يستعجلون القلم لبلوغ المرحلة الأهمّ في نظرهم، مرحلة المراهقة، وبخاصة حين تتفتح النفس على بواكير الأحاسيس الجنسية، ولذاتها، وأوجاعها المتسارعة· وبعد ذلك يولون عنايتهم للمراحل اللاحقة من تجارب الشباب والنضج، تدليلاً على ما حققوا - أو لم يحققوا - من منجزات في ميادين الفعل، أو الفكر، أو كليهما·
 
مهما يكونوا محقين في ذلك، فإني آثرت اتباع طريقة تغاير طريقتهم، ربما مستذكراً قول الشاعر وردزويرث إن الطفل هو والد الرجل، ولكن عن رغبة عميقة في التأكيد على روعة تلك الفترة من حياة الإنسان بحد ذاتها، ربما لقربها من أصل الكينونة، ولا سيما إذا ذهبنا مع وردزويرث مرة أخرى إلى أن هذا الأصل منبته في السماء، عند الله· لقد حاولت أن أعود فأحيا تلك الفترة من جديد طفولياً، دون تحرّق للتحليل، ودون أن أفلسف ما جرى أو أعقّب عليه· واسترسلت في محاولتي بقدر ما استطعت، ولكن مضطراً إلى الانتقاء والحذف مدركاً مشكلة الكاتب الأبدية، وهي كيف يوفّق بين سيولة التجربة وشكلانية الكلمة· وكان لا بد من أن أنتقي أحداثاً معينة بقيت تفرض نفسها على ذاكرتي، وتنضح في دمي برقّة لا أستطيع تفسيرها، وجمال يتزايد مع الزمن، وشاعرية تزيدها الآلام توقداً، ومفارقاتٍ تتوازى بغرابتها مع العشق الطفولي لكل دقيقة من تلك الحياة - تلك الحياة التي قد تبدو الآن في الكثير منها قاسية، وظالمة، ومرفوضة·
 
ورغم أن أحداث المرحلة التالية أغنى جداً بالضرورة وأشدّ تعقيداً وتشعّباً، وهي أيضاً تطالب المرء بأن يأسر أحداثها في شباك من الكلمات لعلّ معالمها تتحدّد بصيغة مفهومة، فإن الطفولة تبقى مبعث سحر يستديم فعله الغامض، ومصدر وهج يعجز عنه التفسير· وكلا السحر والوهج يغرينا دوماً بالشخوص إليه والاندهاش به مجدداً، محققاً للنفس انتعاشاً هي بحاجة إليه كلما راكمت عليها الأيام أحداثها، وحطّت السنون عليها أعباءها·
 
جبرا إبراهيم جبرا
 
بغداد كانون الثاني 6 8 9 1
صفحة 3
مقدّمة
 
هذه البئر الأولى
 
كلما أردنا التحول إلى دار جديدة نسكنها، كان أول ما نسأل عنه هو البئر· هل توجد بئر في حوش الدار؟ هل هي عميقة؟ وفي حالة جيدة؟ هل ماؤها طيب؟ أم أنها لم تُنزح من طينها منذ سنين؟
 
كانت الآبار أنواعاً، بقدر ما كانت الدور· وكانت خرزاتها أنواعاً كذلك· وخرزة البئر أشبه بسجل تاريخي للدار وبئرها معاً: مع تقادم السنين، تترك حبال الدلاء، وهي تُنزّل في البئر وتُصعد، آثارها في فم الخرزة، فتصقله أولاً، ثم تحفر فيه أخاديد تعمق مع مضيّ الزمن، وتتكاثر·
 
أما الآبار التي تركّب على كل منها قوس من الحديد تتوسطها بكرة، يُنزل الحبل بها ويُرفع وهي تقرقع، فكانت قليلة، ولا توجد إلاّ في الدور الكبيرة التي ينعم أصحابها بشيء من الرفاه، وتنزل المياه إلى آبارهم من على السطوح بأنابيب مدفونة· وقد تركّب على هذه الآبار المحظوظة مضخّات تُغني أهليها عن الدلاء·
 
غير أن الدور التي كنا نأوي إليها كانت دائماً من النوع البدائي: ينسكب ماء المطر من مزراب سطح الواحدة منها إلى الحوش، ويلتقي بما ينحدر من تجمّع الماء في الحوض نفسه، وتصب المياه كلها في حفرة لا يزيد عمقها على المتر الواحد قرب البئر، وعلى ارتفاع قليل من قعرها مسرب يتصل بباطن البئر· ففي هذه الحفرة تترسب الشوائب الطينية التي تحملها معها مياه المطر المنصبّة فيها، قبل أن تدخل إلى المسرب الذي يؤدّي بها إلى أعماق البئر، وقد صُفِّيت قليلاً· ولكن التصفية لن تتمّ إلاّ بعد أيام، إذ تترسّب الشوائب الطينية وغيرها مرة أخرى إلى قاع البئر نفسها·
 
ولذلك كان لا بد من تنظيف البئر، كلما مرّت عليها بضع سنوات، من الرواسب المتراكمة·
 
آبار كهذه هي التي حفظت الحياة في المدن والقرى في المناطق الجبلية من فلسطين طوال العصور، حيث كان الاعتماد كلياً على أمطار الشتاء، التي تسقي بهطولها الحقول المزروعة بالقمح والشعير والذرة، كما تسقي الوديان والروابي الملأى بأشجار الزيتون، والمشمش واللوز، ودوالي العنب، وتحفظها الآبار للشرب والسقاية لبقية مواسم السنة· (أما بيارات البرتقال، فهي في السهول المحاذية للسواحل، ولسقايتها وسائل أخرى منتظمة) ومحظوظة هي القرى التي تنعم بعينٍ، يكون ماؤها في صفاء البلّور، وبرودة الجليد·
 
ولئن كنا نحتفظ بالماء في الزير في ركن من الدار، فنغرف منه بطاسة كلما أردنا الشرب أو الطبخ، فإن ماء البئر، أيام الحر، هو الذي نصعده بالدلو، لكي نشربه بارداً منعشاً· وفي أيام الشتاء، يبدو ماؤه أقل برودة من ماء الزير· وحواكيرنا نسقيها من ماء البئر· وإذا نضب هذا الماء، وجب علينا أن نشحده من آبار الجيران، أو أن نشتريه من السقّاء الذي كان من شخصيات بيت لحم التقليدية في تلك الآونة، وبخاصة في الأحياء القريبة من عين القناة، تلك العين التي تجري مياهها من الينابيع الجبلية التي قُنّيت في عهد بعيد، لكيما تتيسّر للكثير من الناس الذين لم تكن في بيوتهم آبار·
صفحة 4
كان السقّاء يحمل الماء من هذه العين في قربة سوداء كبيرة على ظهره· ولكن مع توفّر صفائح البنزين في سنوات الحرب العالمية الأولى - إذ جاء بها أولاً الجيش العثماني لاستعمالاته الخاصة، ثم جاءت بها شركات النفط بعد ذلك - جعل يأتي بالماء في صفائح أربع محمّلة على حماره، وقد تدثّر هو بمريول جلدي أسود يتقي به البلل المستمرّ· وكثيراً ما اضطررنا إلى الذهاب إلى العين بأنفسنا، لملء جرارنا وتنكاتنا بين جموعٍ شديدة الضجيج والصياح من النساء والأطفال، ثم نحملها إلى الدار، مهما بعُدت، فرحين بها·
 
البئر! كم كانت مهمة، وأساسية· وأيام اضطرارنا إلى الإقامة في دار لا تتمتع بوجود بئر في حوشها، كانت أياماً قاسية حقاً·
 
والبئر في الحياة إنما هي تلك البئر الأوّلية التي لم يكن العيش بدونها ممكناً· فيها تتجمّع التجارب، كما تتجمّع المياه، لتكون الملاذ أيام العطش· وحياتنا ما هي إلا سلسلة من الآبار· نحفر واحدة جديدة في كل مرحلة، نسرّب إليها المياه المتجمّعة من غيث السماء وهمي التجارب، لنعود إليها كلما استبدّ بنا الظمأ، وضرب الجفاف أرضنا·
 
والبئر الأولى هي بئر الطفولة· إنها تلك البئر التي تجمّعت فيها أولى التجارب والرؤى والأصوات، أولى الأفراح والأحزان، والأشواق والمخاوف، التي جعلت تنهمر على الطفل، فأخذ إدراكه يتزايد، ووعيه يتصاعد، لما يمر به كل يوم، يعانيه أو يتلذذ به· وكلما استقى من تلك البئر، ازداد مع ريّه فهمه لهذه التجارب والرؤى والأصوات، بأفراحها وأحزانها، وإذ يمتح من مائها، لن يعرف ما الذي سيصعد إليه من صفوٍ قرير، أو طين وعكر· وقد يكثر الطين والعكر، ويقلّ الصفو القرير· ولم لا؟ إنه بذلك يعيش ويتغذّى: إنها البئر التي لن يكون له عنها غنى· وإذ يعود إليها كل مرة، فهو إنما يرد ينبوعاً دائم الفيض في طوايا إنسانيته·
صفحة 5
- 1 -
 
انتبهت إلى أن أهلي يسمّون المكان الذي نسكنه بالخان· ثم انتبهت إلى أن من يأتي عندنا يصفنا بساكني الخان· وهو لا ريب قد كان خاناً في يوم مضى: غرفة فسيحة، عميقة، في الطابق الأرضي من مبنى عتيق على الشارع العام، خلف الجامع· وعلى مقربة منه دكاكين كثيرة من كل نوع، من البقّال إلى صانع الأحزمة وبرادع الحمير· وليس للغرفة نافذة· ليس لها إلا باب حديد كبير، كأبواب المخازن، أكاد أعجز عن زحزحته لثقله، وقرب الباب مرحاض صغير، أضيف حتماً بعد الفراغ من بناء الدار في يوم من أيام العهد العثماني الطويل·
 
وبين بابنا الكبير والشارع بوابة خشبية أصغر منه، جعلت مدخلاً للبناية، وهي أيضاً إضافة لاحقة، لعزل المبنى قليلاً عن الشارع، فحالما نتخطى عتبتها العالية، يواجهنا باب الخان على مسافة ست خطوات أو سبع· وإلى اليسار، في الفضاء، درج حجري مكشوف يصعد إلى الطابق الأعلى الذي كانت فيه غرفة طُلي بابها بالأخضر، كلما صعدت إلى فوق، حيث يقيم رجل ذو لحية قصيرة يلبس السواد دائماً، ولا أراه إلا وهو جالس إلى طاولته، يفكّك ويركّب آلات صغيرة بين يديه - ويقولون إنه الراهب يوسف· وهو خبير في تصليح الساعات والأجهزة الآلية· ومن جانب غرفته يصعد الدرج المكشوف إلى طابق ثالث كانت فيه العليّة
 
كانت العليّة غرفة مستطيلة كبيرة، يؤمها صباح الأحد الكثير من الرجال والنساء، وبعض الصبية الذين يرتدون قمصاناً بيضاء طويلة، ويرتلون، وفي وسطهم شيخ أبيض اللحية، طويلها، في جلباب أزرق مزركش، يرتفع صوته نشازاً بين حين وآخر بالترتيل، والشموع تشتعل في كل مكان·
 
أفهمني أبي أن تلك الغرفة هي كنيسة، وأنها بيت الله، وأن الشيخ هو القسّ أبونا حنا، الذي يجب أن نقبّل يده كلما التقيناه· وكانت رائحة البخور تعبق في هذا الطابق الأعلى طوال أيام الأسبوع، وتتكرّم كلما هبّت ريح ملائمة، فتنزل إلينا، نحن ساكني الخان، بشذاها الطيّب، فتعطّر الجو·
 
كان الخان عميقاً، رطباً، مظلماً، إلاّ إذا اقتحمه شعاع من الشمس في الصباح، والباب مفتوح· وفي ركن منه، كانت أمي تطبخ على البابور البريموس، الذي كان يطلق صوتاً يتفاوت حدة بتفاوت حجم لهيبه، فأشعر أنه يغنّي· وأمي (التي كانت تغنّي معه أحياناً) بارعة في معالجته بإبرة خاصة، كلما أبدى تمنّعاً في الاشتعال كما هي تريد·
 
يخرج أبي إلى الشغل وأنا نائم· وعندما نستيقظ أنا وأخي يوسف، ثم نشرب الشاي الذي تهيؤه عادةً جدتي، مع شيء من الخبز والزيتون، نخرج إلى الشارع، وأرضها مبلّطة بالحجارة التي يلسع بردها أقدامنا الحافية· ثم يتوافد صبية مثلنا، فننحدر معاً من وراء الجامع باتجاه ساحة باب الدير، حيث عربات الخيول، وقد تكون هناك سيارتان أو ثلاث· ويتقاطر الناس على مهل، فيركبون العربات والسيارات، أو يجلسون في المطاعم والمقاهي المحيطة بالساحة، وقد غمرت الشمس المكان بضياء ليس في الخان ما يماثله - وغمرت كذلك حبلات الوادي، والجبال البعيدة التي تشرف عليها الساحة، فأخذت تتألق، ويزول البرد الذي كان أول ما ما نحس به عند الخروج·
 
وفي صباح أحد الأيام، بعد أن ذهب أخي الى المدرسة، بقيت مع أمي وجدتي أرقب طبخة وعدتني أمي بها: هيطليّة - أرز بالحليب· كانت بائعة الحليب قد طرقت بابنا، فاشترت أمي منها بالكيلة عدة أوقيّات صبّتها البائعة في الطنجرة· وكان هذا حدثاً مهماً، لأن أمي تقول أن لا قدرة لها على شراء الحليب إلاّ في المناسبات وعند الضرورات· وبين صعودي إلى الطابق العلوي لأقول للراهب يوسف صباح الخير، ثم إلى طابق الكنيسة الأعلى لأنظر من السطح المكشوف الذي أمامها إلى الصبية الذي هم في الأسفل يلعبون في الحارة، وأناديهم وينادونني، وبين نزولي لأرى كيف يجري طبخ الهيطلية، كانت الأكلة اللذيذة، الموعودة، قد حضرت·
صفحة 6
صبّتها أمي في وعاء معدني مسطح، وضعته على الأرض في الركن، وقالت: لنتركه ساعتين ليبرد· سأعطيك منه قليلاً، عند الظهر، ولكننا سنحتفظ به للعشاء، عندما يعود أبوك من الشغل، فهو مثلك يحب الهيطلية·
 
أوصتني أمي بألا أكثر من الخروج والدخول، وبأن أكون عاقلاً، ريثما تذهب مع جدتي إلى السوق لشراء الخضرة· وقالت: إذا خرجت، أغلق الباب وراءك جيداً· ولا تسمح لأحد بالدخول
 
ما كدت أبقى وحدي، حتى تطلّعت إلى الأكلة البيضاء الشهية بحرقة، ومددت اصبعي إليها، وذقتها· ما ألذّّها ! ولكنها ما زالت حارّة، وأمي تريدها باردة· طيّب· فلأخرج الى الحارة· وأخذت لطعة أخرى قبل الخروج·
 
في الشارع، عند باب الدكان المقابل، لقيت أحد أصدقائي، فقلت له : أتعرف؟ أمي طبخت لنا اليوم هيطلية
 
وعندما تمشّينا وراء الجامع، التقانا صبيّان آخران، وقال لهما صديقي : أمه طبخت اليوم هيطلية· وبعد قليل، كان المزيد من أطفال الحي قد تجمعوا عند المنعطف، يلعبون· فقلت لهم: أمي طبخت هيطلية!
 
قال أحدهم : كذاب!
 
قلت: أنت كذاب· تعال وشوف
 
ثم التفت إلى الآخرين، وقلت : يلاّ تعالوا إلى بيتنا في الخان· عندنا هيطليّة
 
قالوا : ولكن نخاف من أمك
 
قلت : أمي ذهبت مع جدتي إلى السوق،
 
جعلنا نتقافز ونتراكض باتجاه الخان· كان الباب الخارجي، كالعادة مفتوحاً· أدخلت أصدقائي، ودفعنا معاً الباب الحديدي الكبير لمسكننا· ودخلنا جميعاً - وكنّا سبعة أو ثمانية·
 
رغماً عن العتمة، كانت قصعة الأرز بالحليب المستقرة على الأرض تتوهج كالشمس· سحبتها إلى بقعة قرب الباب، للمزيد من الضوء، وقلت للأولاد: اقعدوا!
 
وقعدوا على الأرض جميعاً في حلقة حول الطبق الأبيض· وصحت بهم: انتظروا! لا تأكلوا بأيديكم! عندنا ملاعق!·
 
وكان قرب البابور صحن فيه مجموعة من الملاعق الخشب والألومنيوم من أحجام مختلفة، وزّعتها عليهم، واحداً واحداً· ووجدت أنه لم تبق لي أنا ملعقة، وراحوا هم يأكلون· فتناولت المغرفة بسرعة، وشققت لي مكاناً بينهم، وغرفت بها، وأكلت مع الآكلين·
 
وفي تلك اللحظات الرائعة، وقد كدنا نأتي على ما في القصعة، دخلت أمي ووراءها جدتي، وصاحت بنا صيحة اهتزّ لها الخان· ورمى الصبية عنهم ملاعقهم، وأنقذوا بسرعة العفاريت من الباب المفتوح، وأطلقوا سيقانهم للريح· وقبل أن تطبق يدا أمي عليّ، وجدتني أنا أيضاً أسابق الريح، وقد تشتّت أصدقائي في كل اتجاه· وبقيت أركض حتى وصلت باب كنيسة المهد مبهور النّفس، وحيداً لا رفيق لي·
 
وأدركت حينئذ أن أبي لم يبق له شيء يأكله في المساء عند عودته متعباً من العمل، وأنا السبب· وخفت أن أرجع إلى البيت·
 
لم أجد أحداً من رفقتي ألعب معه· على بعد قليل في باب المهد، على طرف من الساحة، كان رجل يسحب الماء من دلو جلدي من بئر كبيرة الفم، ويصبّه في جرن حجري مستطيل قربها، وثلاثة جمال قد أحنت رؤوسها فيه حتى كادت مشافرها الضخمة تصيب قعره، وقد تكشّفت عن أسنان صفراء رهيبة، وهي تشفط الماء بشراهة· وقفت أتفرّج عليها، على استدارة أعناقها الطويلة، وضخامة أبدانها، وارتفاع سيقانها الهائل، وأخفافها المفلطحة، التفّ حولها وأخشى الدنو منها كثيراً· وما يكاد صاحبها يفرغ ماء الدلو في الجرن، حتى تأتي عليه الجمال في الحال·
صفحة 7
تركتها، متلكئاً في السير، إلى الطريق المجاور، وتوقفت عند بوابات مخازن السوفنير أتفرّج على ما في واجهاتها من مسابح وصور وصلبان من الصّدف، وجمال صغيرة من خشب الزيتون، وقد صُفّت في قوافل، مقطور بعضها ببعض·
 
بعد مدة زايلني الخوف، أو نسيته، وجعلت أشعر بجوع شديد· فسرت باتجاه الدار، ولكن، عند الباب، عاودني الخوف مما ستفعله بي أمي، فأطللت نصف إطلالة، وصحت : يمة! ستّي!
 
فخرج إليّ أخي، وكان قد عاد من المدرسة، وهو يضحك ويقول: تعال، ادخل! تطعم غيرك بالملعقة، وأنت تأكل بالمغرفة! عال والله! كيّفنا! يلاّ، تعال· وجرّني إلى الداخل، لأقابل أمي، وعيناها تقدحان بالغضب·
 
وفجأة رأيت الغضب في عينيها يذوب إلى ما يشبه الضحك، حين قالت: يا شيطان! أتوزع أكلنا على الناس؟ أتحسب نفسك ابن سليمان جاسر؟ اشبع أولاً، وبعدين أطعم الناس···
 
ثم التفتت إلي أخي، وقالت : خذ الطنجرة يا يوسف، وخذ هذين القرشين، وأركض الى بيت بائعة الحليب· وإذا وجدت أنه بقي عندها شيء من الحليب، اشتر ستّ أواق، وعد على عجل، لأطبخ وجبة أخرى من الهيطلية لأبيك··· أما أخوك هذا، فلن يذوقها، والله! وخذه معك· لا أريد أن أرى وجهه!
 
في المساء، تنازلت أمي عن تهديدها، وقالت في نفرة مفتعلة : يلاّ، اقعد مع أبيك وأخيك· أتريد المغرفة لتأكل بها،أم أن الملعقة تكفيك؟
 
صبيحة اليوم التالي أصعدني أبي مع أخي إلى الكنيسة مبكّراً، وأوقفني في أحد صفّي الصبية المرتلين، ومع أنني لم أكن أعرف ما الذي يرتلون بالسريانية، فقد جعلت أتمتع بما أسمع، وأحاول أن أرفع صوتي معهم، كلما رفعوا أصواتهم· كنت أرقب الولد حامل المبخرة وهو يدنو بها من أبونا حنّا، فيأخذ أبونا بملعقة صغيرة قليلاً من البخور من طاسة نحاسية في يد الولد، ويلقمها جمرات المبخرة، ويرسم عليها إشارة الصليب· ثم يدور الولد بين أرجاء الهيكل، والمصلّين، ويهزّ المبخرة عليهم بإيقاع منتظم، وهي تطلق سحب العطر·
 
وتمنيت لو أنني أحمل أنا أيضاً مبخرة مثله، لأبخّر الناس، والدار، والدرج، وكل ما في الحارة من بشر ومساكن· فقد قال أبي إن مع سحب البخور تنطلق الملائكة، وتستمطر بركات الله على كل من يتلقى الرائحة الزكية··· وكم تمنيت لو رأيت أولئك الملائكة·
 
وبقيت رؤية الملائكة حسرة في نفسي، جعلتني أتوهم أحياناً أنني أراها كالأشباح - مخلوقات وسطاً بين الطيور والنساء - وأنني ألعب معها، وأدعوها إلى قصعة من الأرز بالحليب· ولسوف نستطيع أن نأكل على هوانا، لأن أمي لن ترى الملائكة، ولعلها لن تراني أنا أيضاً وأنا بصحبتها·
 
وكنت أسمع أحاديث عن الشياطين أيضاً: وهي سوداء، لها قرون حادّة، وتنفث من أفواهها النيران، وتطرقع بأذيالها الطويلة، غير أنها لا تحب رائحة البخور، ولا التراتيل الجميلة· ولا أظن أنها تحب مصادقة الأطفال، أو أكل الأرز بالحليب، والحمد لله! لن أريد رؤيتها! وإذا ظهر لي واحد منها، أغلقت بابنا الحديدي في وجهه· وليدقَّ عليه بذيله إلى أن يشبع!
 
كان أخي يذهب إلى مدرسة الألمان في المدبسة· فقالت له أمي: خذ أخاك معك، حتى أعرف كيف أنصرف إلى شغلي·
 
غير أن مدير المدرسة، عندما أخذني أخي إليها معه، نظر إليّ نظرة سريعة، وهزّ رأسه، وسأل يوسف: أخوك هذا، كم عمره؟·
 
أجاب : خمس سنوات
 
قال المدير: أرجعه إلى البيت· وليأتِ إلينا بعد سنة
 
غضبت أمي عندما أعادني أخي الى البيت، وفي الحال أسرعت بي إلى مدرسة الروم الأورثوذكس،وهي أقرب مسافةً من مدرسة الألمان، وقابلت المعلّم· فقال لها : أهلاً وسهلاً· خليّه عندنا وروحي مع السلامة· أو أحضريه غداً صباحاً، قبل الساعة الثامنة
 
ولكننا في اليوم التالي انشغلنا جميعاً بالانتقال إلى بيت آخر، في مكان نصعد إليه بدرج كثير· وانتبهت إلى أن بيتنا الجديد هذا نسميه بكلمة جديدة عليّ : الخشاشي·
صفحة 8
- 2 -
 
في المدرسة رأيتهم يكتبون· يمسك الواحد منهم باللابصة (قلم الرصاص)، ويفتح الدفتر، ويكتب على الورق الأبيض المسطّر· كانوا يرفعون رؤوسهم وينظرون عبر رأس المعلم إلى اللوح - وهو مجموعة من أخشاب شدَّت معاً على شكل مربع، ورُكّزت على مسند ثلاثي الأرجل، وصُبغت يوماً بالأسود، ولكنها الآن تكاد تكون بيضاء من تراكم أثر الطباشير، رغم مسحها، وتفارقت الأخشاب بعضها عن بعض· وقد خط المعلم على هذا اللوح بضعة حروف· والصبية يكتبون· ومن عادة كل منهم أن يمدّ لسانه، ويبلل طرف القلم على حافة لسانه، ويكتب· ويمحو بممحاة صغيرة عليها صورة فيل· وينقرم القلم· فيبريه بالبرّاية· ويغمس الأسود المبريّ بلعاب لسانه· وينظر إلى اللوح ويكتب·
 
كان ذلك أول يوم لي، أو أحد أيامي الأولى في مدرسة الروم الواقعة خلف كنيسة المهد· قلت للمعلم، وأنا على بنك طويل بين أربعة أو خمسة أطفال مثلي : معلمي، هل أكتب أنا أيضاً؟
 
قال : هل أحضرت معك دفترك وقلمك؟
 
قلت : لا·
 
قال : كيف تكتب إذن؟
 
قلت: في دفتر أحد الأولاد الذين عندهم دفاتر·
 
فضحك الصبية· حتى المعلم ضحك، وقال : لا يا ولد· غداً أحضر دفترك وقلمك، واكتب
 
بعد قليل دق المعلم جرساً· وخرجنا إلى الملعب· كانت هناك شجرة صنوبر كبيرة منحنية، تكاد تقسم الساحة الصغيرة إلى قسمين· قفزت على الجذع المنحني، ومنه تسلقت إلى الأغصان العليا· ولحق بي جماعة من الصبية· وما كدنا نلعب قليلاً حتى رأينا المعلم يدق جرسه مرة أخرى· وعدنا إلى الصف كنا على الأقل خمسين ولداً، من أعمار شتى· كنت أرى معظمهم كبيراً بالنسبة إليّ: في العاشرة، والثانية عشرة، وربما كان بعضهم في الرابعة عشرة· وأنا في الخامسة، حافي القدمين· وأكثرنا حفاة، غير أن بعض الأولاد الكبار يلبسون أحذية ضخمة، خلّّفها الجيش العثماني لآبائهم·
 
قبل الظهر خرجنا إلى البيت، في ساعة الغداء· رحت ركضاً إلى بيتنا، ووجدت جدتي في الحاكورة تنظر إلى ظل شجرة اللوز الواقع على حائط البيت· فقالت: لماذا جئت قبل الوقت؟·
 
- ولكنها ساعة الظهر
 
- لا يا حبيبي· لم يصل الظل إلى هذا الحجر بعد· وأشارت إلى حجر ناتئ في الجدار· أتعتقد أنني لا أعرف متى تكون ساعة الظهر؟
 
- لا أدري· أخرجنا المعلم، وقال ارجعوا في الساعة الواحدة·
 
فصاحت جدتي: مريم! حضّري الغداء· ابنك جاء!
 
كانت لي علاقة خاصة بجدتي، من وراء ظهر أمي· فهي تعلم أن أمي عصبية، وإذا فعلت أنا شيئاً لا ترضى عنه أمي وعرفت به، أطعمتني قتلة فكانت جدتي تتستّر عليّ·
صفحة 9
اقتربت منها - وكان فستانها طويلاً يكاد يبلغ الأرض· تلمسته، فقالت: ها؟ عندك شيء تقوله؟ فعلت شيئاً غير لائق؟
 
فقلت وأنا أنظر في عينيها العسليتين: ستّي، أريد أن أشتري دفتراً وقلماً·
 
- دفتراً وقلماً! ليش؟
 
- لكي أكتب·
 
- قل ذلك لأمك· أطلب ما تريد من أمك· أو انتظر إلى أن يعود أبوك في المساء·
 
عندما دخلت البيت، كانت أمي تتأمل في الطنجرة، وتخلط ما فيها· وقالت: أهلاً بابن المدارس!
 
قلت: يمّه، المعلم يقول أن عليّ أن آخذ معي دفتراً وقلماً للمدرسة
 
- صحيح؟ ومن أين أجيء لك بالدفتر والقلم؟
 
- الدفتر والقلم بنصف قرش· هكذا يقول الأولاد
 
- وأنا من أين لي نصف قرش؟ يلاّ أقعد وكل، وبلا دفتر وبلا قلم· نصف قرش، قال! وقبل أن تأكل، خذ شويّة حشيش للخروفين
 
أخرجت شيئاً من الحشيش الذي كنا نجمعه في كيس كبير في طلعاتنا الى الحقول، لكي لا نضطر إلى أخذ الخروفين للرعي كل يوم· وأخذته للخروفين الأبيضين، المربوطين في الخشيّة، كانا كلاهما متمرّغين في تراب الأرضية يجترّان· وحالما رأياني، نهضا، ووضعت لهما الحشيش، وأقبلا عليه بنهم، وأنا أربت على ظهر هذا وظهر ذاك·
 
صبّت أمي الطعام في قصعة كبيرة على الأرض وجلسنا حولها· وقالت أمي: هه! الآن دقّ الظهر! إذ راحت قباب الأديرة المنبثّة في البلدة تقرع أجراسها لتعلن انتصاف النهار، وأصوات الأجراس تتمازج عبر الفضاء، وهّاجة فرحة·
 
بعد الغداء عدت إلى المدرسة، ولعبنا، إلى أن دق المعلم جرسه· ودخلنا الصفّ· ولم يكتب أحد شيئاً هذه المرّة· كتب المعلّم حروفاً على اللوح، وطلب من جماعة منا أن نكررها وراءه :
 
ألف! فنصيح: ألف!
 
- باء!
 
- باء!
 
- تاء!
 
- تاء!
 
- ألف باء!
 
- ألف باء!
 
عندما خرجنا عصراً· جعلنا أنا واثنان من رفاقي نردد ونرنّم : ألف با بوباية، نصّ رغيف وكوساية··· ومررنا بدكان حنا الطَّبش، وواجهته مليئة بالدفاتر والأقلام والمحّايات· دخلت وسألت البائع : عمّي، بدّي قلم ودفتر
 
- معك تعريفة؟
 
- لا
 
- روح وأحضر نصف قرش· وخذ أحسن قلم وأحسن دفتر
 
وعدت إلى البيت، ووجدت جدتي في الحاكورة تلمّ الغسيل· ونظرت إليها راجياً، ففهمتني في الحال· ودون أن تقول كلمة واحدة، وضعت يدها في عبّها، ووأخرجت منديلاً معقوداً· وحلّت عقدتين وانفتح المنديل عن أربع أو خمس قطع نقدية، التقطت منها نصف قرش مدوّراً مثقوباً، وقالت : خذ· ولا تخبر أمك· يلاّ من قدامي، عنفص!
صفحة 10
وركضت معنفصاً إلى دكان الطبش، وناولت صاحبه قطعة النقد العزيزة، وناولني دفتراً وقلماً· فطلبت إليه أن يبري لي القلم، ففعل· وقال : إذا لم تكن لديك برّاية، مش ضروري· إبر القلم بالشفرة
 
وطرت بما اشتريت عودة إلى البيت· لم تكن أمي في البيت، وجدتي كالعادة مشغولة بشؤون العائلة· كان قرب باب بيتنا مصطبة حجرية طويلة، تمددت فوقها على بطني، وفتحت الدفتر عند أول صفحة· وأمسكت بالقلم المبريّ لأكتب· بلّلت طرفه الحاد على رأس لساني· ولكن ماذا أكتب؟ جعلت أستذكر الحروف التي كتبها المعلم على اللوح في الصباح، وبعد الظهر· كانت الألف سهلة· شكلها، كما يقول المعلم، كالعصا، والباء؟ عصا نائمة، معقوفة من الطرفين، وكتبت ا ا ا ا، ثم ب ب ب، وامتلأ السطر· وبدأت سطراً آخر· وآخر··· ولكنني وجدت أن أسطري، غصباً عني، تميل انحداراً، مهما حاولت· غيّرت وضع الدفتر أمامي، وكتبت - والأسطر تهبط بي من اليمين الى اليسار··· وامتلأت الصفحة أسطراً مائلة، ثم ملأت صفحة أخرى، فأخرى، وفجأة انقرم القلم· فتوقفت·
 
في ذلك المساء، كان دفتري فرجة العائلة· أبي قال عفارم! يوسف قال : أسطرك نازلة من الجبل، لتشرب الماء؟ أمي قالت: أكتب كتابة مضبوطة، ودر بالك على الدفتر· ولا تضيّع القلم: أتسمع؟ وجدتي غمزتني جانبياً، متفاهمة معي·
 
في صباح اليوم التالي أخذت عدتي معي إلى المدرسة، وقلت للمعلم : جلبت معي الدفتر والقلم فقال : : طيّب، اقعد مكانك واكتب·
 
برى المعلم لي القلم، واستعرت ممحاة، وكتبت، ولكن الأولاد الذين بقربي كانوا لا يكتبون، لأن ليست معهم دفاتر، ويضحكون، ويتململون، وأرجلهم الحافية في عبث متواصل، هذا يدفع ذاك بقدمه تحت البنك، وذاك يركل قدمي، ويروح قلمي شاحطاً على الصفحة المفتوحة بين يدي·
 
عند الغداء سألتني أمي : هل رأى المعلم دفترك؟
 
قلت : نعم· وجعلني أكتب
 
قالت : الحمد لله
 
ولما حاولت أن أريها ما الذي كتبت، قال : هل أعرف أنا القراءة حتى أقرأ دفترك؟
 
بعد الظهر، لم نكتب شيئاً· كان المعلم نعساناً· قعد إلى المنضدة، وأقام ولداً كبيراً وقال له : إلياس، أنت العريف اليوم· كل من يتكلم، أو يضحك، أو يتنفّس، اكتب لي اسمه على اللوح··· أنتم أولاد الصف الأول والثاني، افتحوا كتب القراءة، الصفحة خمسة، واقرأوا· بس بلا حسّ! وأنتم الجالسين في الخلف، اجعلوا سواعدكم على البنك، هكذا، وأنزلوا رؤوسكم وأسندوها عليها، وناموا· وبلاش حركة! فاهمين!
 
وفي الحال أغمض عينيه، وسقط رأسه على صدره، وراح في نومة هنيئة·
 
دفنّا وجوهنا بين سواعدنا، كما أوصانا المعلم، ولكن من منا نحن العفاريت يستطيع النوم؟ قضينا ساعة ورؤوسنا على البنك، في الثرثرة والضحك· عندما رفعنا رؤوسنا كان الياس قد كتب ثلاثة أو أربعة أسماء على اللوح· وجعل علامة ضرب إزاء أحدها· وانطلقت فجأة شخرة عاتية من المعلم، رفع رأسه على أثرها مباشرة، وأجال عينيه الرهيبتين في وجوه الأولاد· وببطء، أدار رأسه نحو اللوح، فرأى الأسماء· فنادى أولها: جريس ! شرّف!
 
وخرج جريس من بين رفاقه، وسار خائفاً نحو المعلم: والله يا معلمي ما حكيت· ولا ضحكت
 
قال المعلم، وقد تناول مسطرته الطويلة: افتح يدك!
 
- والله معلمي····
 
- افتح يدك، بلا حكي!
 
وفتح الولد يده، وضربه المعلم بالمسطرة على كف يده ضربة واحدة·