صفحة 1
مقدمة
الحمد لله حمدا يُبلّغني رضاه! والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد خير من اصطفاه، وعلى آله الطيبين، وصحبه المخلصين الصادقين، وعلى من اتبع هداه إلى يوم الدين!.
أمّا بعد:
فما كان بودّي أن أكتب في موضوع عفى عليه الزمن، ونُكست راياته، وأخفقت شعاراته، في البلاد العربية، بعد أن ظلّ مدّة ليست بالقصيرة من الزمن رافعا رأسه هنا وهناك، وصارت له شعبية جماهيرية كبرى، حتى صار النّاس يقيسون إخلاص المخلص لأمته بقدر تحمّسه للدعوة إلى هذه القومية أو تلك: فمن القومية الطورانية التي دعا إليها (حزب الإتحاد والترقّي) في تركيا، إلى القومية الفينيقية التي دعا إليها (أنطوان سعادة) في سوريا ولبنان، إلى القومية الفرعونية التي دعا إليها عدد من الأدباء الذين يُشار إليهم بالبنان في مصر، إلى القومية الآشورية التي دعا إليها غير المسلمين في العراق، إلى القومية الكردية التي دعا إليها القوميون من الأكراد-وما زالوا كذلك- إلى القومية البربرية في الجزائر، إلى غيرها من القوميات...! وقد اختطت كل قومية من هذه القوميات وغيرها منهجا لها: فبعضها نهج منهج الأخذ برابطة الطين والأرض، كما فعل دعاة القومية السورية، وبعضها أخذ بالرابطة العنصرية: كدعاة القومية الكردية والبربرية، وبعضها نهج منهج الأخذ برابطة اللغة والتاريخ كدعاة القومية العربية... وهذه الدعوات وإن كانت أُميتت وصارت في ذمة التاريخ، إلاّ أنّها تنتفض بين حين وآخر، ويقف دعاة لها هنا وهناك يرفعون راياتها من جديد، ويدعون إليها، سواء كان الدعاة لتلك القوميات من العرب أو الأكراد أو التركمان أو غيرهم.
ولا نريد أن نميط اللثام في هذه المقدمة عن الوجوه التي كان لها الأثر الكبير في إثارة تلك النعرات القومية التي فرّقت أمتنا، ومزّقت وحدتنا، وأضعفت كياننا، حتى استبدل دعاة القومية رابطتهم القومية بالرابطة الإسلامية، فكان الشتات والضياع، وكان الضعف والهوان.!
وفي مقابل الدعوات إلى القومية العربية رفعت عقيرتها (الشعوبية الحديثة): فقد وجدت مرتعا خصبا للنيل من العرب بعد دخول قوات الاحتلال إلى العراق، حتى صار الشعوبيون يرفضون القول بأنّ العراق بلد عربي، مع أنّ ما يقرب من 80% (ثمانين في المائة) من سكانه هم من العرب، بل إنّ العراق كان عربيا في العصور الإسلامية الأولى-وما زال كذلك- وإنّ أعدادا كثيرة من القبائل العربية سكنت العراق، حتى قبل بعثة النبي محمد، وإنّ هذا البلد الذي يتنكرون لعروبته هو من المؤسسين للجامعة العربية. ولو كان (طرفة بن العبد) الشاعر الجاهلي بيننا، ورأى الشعوبية تصول وتجول بعد احتلال العراق لأنشد:
يا لكِ من قبَّرةٍ بمَعمر
خلا لك الجو فبيضي واصفري
ونقّـري ما شِـئت أن تنقِّــري
ولابد لي أن أسجل هنا أنّ قسما من دعاة الإسلام في العراق، كانوا يتحاشون من ذكر العروبة والعرب، مجاملة للأكراد والقوميات الأخرى أولا، وكردّ فعل على حركات القومية العربية العلمانية التي أساءت في نهجها؛ فنفَّرت القوميات الأخرى ثانيا.! ولكن لا يجوز أن يكون هذا مؤديا إلى غمط النّاس حقّها، فإنّ العرب هم الذين نشروا الإسلام في بقاع الدنيا؛ ولولاهم-بعد الله- لما دخلت هذه الأمم والشعوب في دين الله.
ولا يفوتني أن أذكر أنّ هذا البحث لا يُرضي المتعصبين للفكر القومي، سواء كانوا من العرب أو الأكراد أو التركمان أو غيرهم! وهذا امر طبيعي؛ لأنّ كثيرا من دعاة القومية لا يريدون أن ينسب إلى قوميتهم أي نقص كان، فيعمل كل واحد منهم على الدفاع عنها بأي أسلوب كان. وقلّما نجد من هؤلاء من يعترف بالأخطاء التي ارتكبوها، والإساءات التي وقعوا فيها. ولا يهمني سخط هؤلاء أو أولئك، فحسبي أنّي أرضيت ضميري، وكتبت ما اعتقده صوابا، فإن أصبت فمن الله وحده، وإن أخطأت فمنّي ومن نفسي المقصرة.
وفي هذا البحث المتواضع ذكر عن نشأة الدعوة القومية، ومناهج دعاتها، وموقف الغرب من نشرها، وحكم الإسلام فيها، ولماذا اختار الله العرب لحمل رسالة الإسلام، وما موقف المؤرخين من العرب في العصر الجاهلي، وأنهيت البحث بخاتمة. والله أسأل أن يسدد خطانا، ويلهمنا الصواب فيما نقول ونعمل، ويجمع كلمتنا تحت لواء الإسلام، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل!.
إبراهيم النعمة
بغداد في الخامس عشر من شعبان سنة 1429هـ
الموافق للسادس عشر من آب سنة 2008م
صفحة 2
الدعوات القومية وحكم الإسلام فيها
تعريف القومية
القومية في اللغة: مصدر صناعي بإضافة ياء النسبة وتاء التأنيث إلى القوم.
والقوم: مصدر قام، وقد غلب على الرجال دون النّساء، وقوم كل رجل: شيعته وعشيرته.
أمّا في الاصطلاح: فإنّ دعاة الفكر القومي لم يتفقوا على تعريف واحد للقومية، حتى قال بعضهم:
((إنّ التعريف الجامع المانع للقومية يكاد يكون مستحيلا)).
وهناك من اختار التعريف الآتي لها فقال: هي مبدأ سياسي اجتماعي، يفضل معه صاحبه كل ما يتعلّق بأمته على سواه مما يتعلّق بغيرها.
صفحة 3
حب الإنسان لقومه ووطنه فطرة
إنّ الله فطر الناس على اختلاف أجناسهم وألوانهم ولغاتهم على حب كل واحد منهم لأهله وعشيرته وقومه وأمته ووطنه. ويظلُّ هذا الحب مغروسا في قلبه ونفسه، حتى ولو أصابه من أهله وعشيرته الظلم والغبن، وقد قال الشاعر:
بلادي وإن جارت عليّ عزيزة
وأهلي وإن ضنوا عليّ كرام
وقال آخر:
نقّل فؤادك حيث شئتَ من الهوى
ما الحـبُّ إلا للحبيـب الأوّل
كم منزلٍ في الأرض يألفه الفتى
وحنيـنه أبــدا لأوّل مـنزل
وقال آخر:
ذكرت بلادي فاستهلّت مدامعي
بشوق إلى عهد الصبـا المتقادم
حننت إلى أرض بها اخضرّ شاربي
وقطّـع عنّـي قبـل عقد التمائم
لذلك نجد النبي صلوات الله وسلامه عليه وقد أخرجه المشركون من موطنه -وهي أحبُّ بلاد الله إليه- يحنُّ إليها، وقد خاطب مكة يوما فقال:
(ما أطيبك من بلد، وأحبّك إليّ، ولولا أنّ قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك) .
وفي المدينة المنوّرة كان النبي يدعو الله أن يحبب إليهم المدينة كما حبب لهم مكة أو أشد فقال:
(اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت مكة أو أشد).
ويدلنا على هذا-ايضا- ما كان من امر النبي-وهو في المدينة- حين يأتيه آت من مكة، فقد كان يسأله عن آخر أحوالها. فلما جاءه (أُصيل بن عبد الله الهذلي) قادما من مكة سأله النبي الكريم:
(يا أُصيل، كيف عهدت مكة؟!)
وبدأ أُصيل يصف له دروبها وأشجارها وثمارها، فتملك النبي الحنين لها،حتى بلغ مبلغ الحزن؛ فطلب منه أن يقف عن الاسترسال في وصفها قائلا له:
(حسبك يا أُصيل.. دع القلوب تقر.. لا تحزنا).
وكذلك كان صحابته الكرام الذين هاجروا هجرتهم المباركة إلى المدينة، فكان سيدنا بلال بعد أن تقلع عنه الحمى التي أصابته يقول:
الا ليت شعري هل ابيتنّ ليلةً
بواد وحولي اذخـر وجليل
وهل أرِدَن يوماً مياه مجنةٍ
وهل يبدون لي شامة وطفيل؟!.
والذي كان يشعر به النبي وصحابته انما هو فطرة فطر الله الناس عليها، يستوي فيها الناس كلهم: عربهم وعجمهم، أبيضهم وأسودهم ...
صفحة 4
الإسلام والعصبية القبلية
كانت العصبية القبلية سببا مهما من أسباب صد الناس عن صراط الله المستقيم، حين أرسل الله محمدا. فقد كانت القبائل العربية تتبارى في الشجاعة والكرم والغيرة والنجدة وكل خلق كريم، ولا تخشى من شيء خشيتها أن تسبقها إلى تلك السجايا والمثل العالية قبيلة أخرى من القبائل. وننظر في المجتمع الذي بُعث فيه النبي، فنجد فيه ناسا كانوا يعرفون صدقه ، وانّه نبي الله بحق، ولم يمنعهم من الإيمان بنبوته إلا الحسد القبلي الذي سدّ عليهم طريق الهداية. ويدلنا على هذا ما كان من أبي جهل حين سأله الأخنس بن شريق عن رأيه فيما سمعه من آيات كان يتلوها رسول الله بالليل في داره، فقال أبو جهل:
((ماذا سمعت! تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف: أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تحاذينا على الركب، وكنّا كفرسي رهان، قالوا: منّا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك مثل هذه! والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه)).
ولم يكن هذا رأي أبي جهل وحده، بل هو رأي الكثير من الكفار والمشركين الذين ناصبوا رسول الله العداء.
وإذا كانت بنو هاشم وبنو المطلب قد دافعوا عن النبي، ولم يسلموه إلى المشركين، وانحازوا مع المسلمين، ودخلوا معهم شعب أبي طالب لمّا قاطعتهم القبائل، فإنّ ذلك لم يكن إلا بسبب العصبية القبلية. ولم يسلم اليهود مع علمهم أنّ محمدا رسول من الله بحق بسبب العصبية النسبية. فقد كانوا يتوقعون أن يبعث النبي المرتقب من بني إسرائيل، فلما بُعث من بني إسماعيل كذّبوه ولم يؤمنوا بدعوته، وانحازوا إلى المشركين، وتآمروا عليه.!
مفهوم القومية بين الجاهلية والإسلام
ولقد اتجه الإسلام بالقومية اتجاها يختلف عن اتجاه الجاهلية. فقد كان مفهومها في الجاهلية: العصبية للأهل والعشيرة والقوم والدم؛ ونصرتهم في الحق والباطل كما قال الشاعر الجاهلي قريط بن أنيف:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم
في النائبات على ما قال برهانا
لكن يسيرون أشتاتا إذا فزعوا
وينفرون إلى الغارات وحدانـا
لذلك كثرت الحروب القبلية بينهم، فغيّر الإسلام هذا المفهوم فجعله متمثلا بالفكر الإسلامي: بعقيدته وشريعته. ونجد في المجتمع الإسلامي الأوّل ناسا لم يتشرّبوا هذا المعنى الإسلامي للقومية، فتعجبوا من حماسة غير العرب من الموالي مثل بلال الحبشي وسلمان الفارسي وصهيب الرومي من حماستهم لدعوة النبي العربي مع أنّهم غير عرب ولا يمتّون إليه بنسب، فلمّا علم النبي الكريم بذلك أمر بدعوة النّاس إلى المسجد، وخطب فيهم قائلا:
((أيّها النّاس، إنّ الرب واحد، والأب واحد، وإنّ الدين واحد، وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم، وإنّما هي اللسان، فمن تكلم العربية فهو عربي)).
وبهذا جعل النبي للقومية مفهوما آخر غير المفهوم الذي كان عليه القوم في الجاهلية: إنّها اللغة العربية لأنّ القرآن لا يُفهم إلا بها، والمجتهد لا يكون مجتهدا إلا إذا كان ملمّا بها: نحوا وبلاغة...لذلك لابد أن تكون دولة الإسلام عربية بهذا المفهوم.
وهذا لا يعني أن يتجرّد الإنسان من حبه لقومه، فإنّ هذا شيء فطر الله النّاس عليه، ولكنّه يعني أن يكون عادلا في احكامه على الأشياء كلّها: فلا ينصر قومه إذا كانوا ظالمين، بل يعمل على منعهم من الظلم، فحين سأل الصحابي (وائلة بن الأسقع) رسول الله قائلا:
((يا رسول الله، أمن العصبية أن يحب الرجل قومه؟))
فأجابه النبي الكريم بقوله:
((لا، ولكن من العصبية أن ينصر الرجل قومه على الظلم..)).
صفحة 5
حكم الإسلام في العصبية
إذا اردنا معرفة الحكم الشرعي في اية قضية كانت من القضايا، فلا بد لنا ان نرجع إلى مصادر تشريعنا، وأولها القرآن، وثانيها السنة النبوية، فماذا يقول القرآن في أمر العصبية القومية؟
يقول الله :
( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ )الحجرات/13
والاية صريحة في مبدأ المساواة بين البشر؛ فان الله -سبحانه وتعالى- خلق الناس من أب واحد وأم واحدة: فهم متساوون في أصل الخلقة؛ فلا وجه للتفاخر بين الناس بالنسب أو اللون أو الجنس.
ويقول تعالى:
( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا )(سورة النساء /1)
وحين نقرأ اسباب نزول بعض ايات القران، نرى أن الله-سبحانه- يؤكد على هذا الجانب، فقد روى ابن جرير بسنده عن عبد الله بن مسعود قال:
(مر الملأ من قريش بالنبي، وعنده صهيب وعمار وبلال وخباب ونحوهم من ضعفاء المسلمين؛ فقالوا: يا محمد، رضيت بهؤلاء من قومك؟ أهؤلاء الذين منَّ الله عليهم من بيننا؟! أنحن نكون تبعا لهؤلاء؟! اطردهم عنك؛ فلعلك إن طردتهم ان نتبعك؛ فنزلت هذه الاية:
( وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ )
أما النبي ، استهداءا بمنهج القرآن الكريم، فقد طفر بالامة طفرة في محاربته للتعصب القومي لم يسبقه اليها سابق ولم يلحقه لاحق، وذلك في جانبين اثنين :
أولهما: التطبيق العملي لحقيقة المساواة بين العناصر والاجناس والالوان، فساوى بين العربي والأعجمي، والأسود والأبيض، والقوي والضعيف... فآخى بين المهاجرين والانصار، والضعفاء من غير العرب وكبار الصحابة من العرب: فآخى بين مولاه زيد بن حارثة وعمه حمزة بن عبد المطلب، وآخى بين سلمان الفارسي وأبي الدرداء، وآخى بين خارجة بن زيد وأبي بكر الصديق، وآخى بين عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان، وآخى بين بلال الحبشي وأبي رويحة عبد الله بن عبد الرحمن الخثعمي. ولم يكتف النبي الكريم بهذا، بل ساوى بين الناس كلهم في الوظائف، فجعل بلالا والياً على المدينة في وقت كان فيها كبار الصحابة، وجعل أسامة بن زيد قائدا على جيش فيه ابو بكر وعمر...هذه المساواة التي طبقها النبي هي التي جعلت الموالي من غير العرب يتسنمون -فيما بعد- أعلى المكانة في الفقه والعلم والسياسة...
ثانيهما: أحاديثه الشريفة التي وضعت حدا لأي تعصب قومي كان، من ذلك:
1- عن جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله :
(من قتل تحت راية عميَّة، يدعو عصبية أو ينصر عصبية فقتلة جاهلية).
2- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله:
(...ومن قاتل تحت راية عُميَّة، يغضب لعصبةٍ، او يدعو إلى عصبة، فقتل، فقتلة جاهلية...).
3- عن جبير بن مطعم أنّ رسول الله قال:
(ليس منّا من دعا إلى عصبية، وليس منّا من قاتل على عصبية، وليس منّا من مات على عصبية).
4- عن ابن مسعود قال: قال رسول الله:
(من نصر قومه على غير الحق فهو كالبعير الذي ردّي، فهو يُنزع بذنبه).
5- (لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا إنّما هم فحم جهنّم، أو ليكوننّ أهون على الله من الجُعل الذي يدهده الخراء بأنفه. إنّ الله قد أذهب عنكم عِّبيّة الجاهلية، إنّما هو مؤمن تقي وفاجر شقي. النّاس كلهم بنو آدم، وآدم خُلق من تراب).
6- عن ابيّ بن كعب قال: قال رسول الله:
(إذا رأيتم الرجل يتعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه ولا تكنوا).
7- روى الحافظ ابن عساكر بسنده إلى الإمام مالك قال:
جاء قيس بن مطاطية إلى حلقة فيها سلمان الفارسي، وصهيب الرومي، وبلال الحبشي، فقال: هذا الاوس والخزرج قد قاموا بنصرة هذا الرجل، فما بال هذا، فقام إليه معاذ بن جبل بتلبيبه، ثم أتى النبي فأخبره بمقالته فقام النبي مغضبا يجر رداءه حتى أتى المسجد ثم نودي أن الصلاة جامعة، وقال النبي: (يا أيها النّاس إنّ الرب واحد، والأب واحد وإنّ الدين واحد، وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم وإنّما هي اللسان فمن تكلم العربية فهو عربي).
صفحة 6
ولاء المسلم
لا يكون ولاء المسلم الا لله ولرسوله وللمؤمنين قال تعالى:
( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) (سورة المائدة 55).
فلا يكون الولاء للقوم ولا للأهل ولا للقبيلة ولا للجنس ولا للنسب ولا للمصاهرة إن استحبوا الكفر على الإيمان، فقد كان (أبو لهب) عماً للنبي، وهو في الذؤابة من قريش، ولما وقف موقفه ذاك من الإيمان بالله، وعدائه للنبي، نزلت (سورة اللهب) في تبيان خيبته وخسارته، وأنه سيصلى نارا ذات لهب، يقرأ هذه السورة المسلم العربي والفارسي والهندي وكل مسلم؛ فإذا كان الأمر هكذا بالنسبة لأبي لهب وهو عمُّ النبي فكيف بمن دونه؟!.
ونأتي إلى القرآن الحكيم، فنتلو قوله تعالى:
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ ۚ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) ( سورة التوبة 23).
وقوله:
( قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) ( سورة التوبة/24).
فإن قول الله تعالى:( قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ )فيه اشارة إلى رابطة الجنس والنسب.
وفي قوله:( وَأَزْوَاجُكُمْ )فيه إشارة إلى رابطة المصاهرة.
وفي قوله: (وَعَشِيرَتُكُمْ )اشارة إلى رابطة القومية او القبلية.
وفي قوله:( وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا)اشارة إلى المصالح الاقتصادية.
وفي قوله:( وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا ) اشارة إلى رابطة الأرض والوطنية.
وفي قوله: ( أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ)اشارة إلى رابطة العقيدة.ورابطة العقيدة هذه، هي التي يجب على المسلم أن يكون ولاؤه لها. فإذا انساق وراء اية رابطة غيرها، فيصير قد نأى عن المنهج الذي يجب عليه أن يسير على وفقه.
وفي هذا المعنى ورد قول الله تعالى:
( لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) ( سورة المجادلة/22).
وهكذا تحول المسلم في ولائه من تلك الولاءات إلى الولاء لله ورسوله؛ فصار الابن يقاتل أباه، والقريب يقاتل قريبه. ونجد النبي لم يهادن أقرباءه من قريش الذين كانوا وثنيين مشركين.
ولقد أدرك السياسيون الغربيون الذين عملوا في البلاد العربية والإسلامية، أن الإسلام له المكانة الأولى في قلوبهم، فلا يُقدّم شيء عليه، وانّ انتماء المسلم لا يكون إلا لهذا الدين على العكس من الرجل الغربي الذي يكون انتماؤه لوطنه. فهذا (ديلسبس) قنصل فرنسا العام في سوريا، كتب تقريرا إلى حكومته في 19/8/1965 جاء فيه:
(من أبرز الحقائق التي يلحظها من يريد درس هذه البلدان المكانة التي احتلها الدين في نفوس الناس، والسلطة التي له في حياة الناس. فالدين يظهر في كل مكان وفي كل أمر ففي المجتمع الشرقي يظهر أثر الدين في الأخلاق العامة، وفي اللغة وفي الأدب، وفي جميع المؤسسات الاجتماعية. والرجل الشرقي لا ينتمي إلى وطن ولد فيه -الشرقي ليس له وطن- بل إلى الدين الذي ولد فيه. وكما أنّ الرجل في الغرب ينتمي إلى وطن، فإنّه في الشرق ينتمي إلى دين، وأمة الرجل الشرقي: هي مجموعة الناس الذين يعتنقون الدين ذاته الذي يعتنقه هو، وكل فرد خارج عن حظيرة الدين هو بالنسبة إليه رجل أجنبي غريب).