مدخل في تحديد المفاهيم والمصطلحات التي ترد في البحث
يحسن بنا في البداية قبل أن نشرع في ذكر المطالب الخاصة بهذا الموضوع، أن نحدد بعض المفاهيم والمصطلحات التي تعتبر مدخلاً وتمهيداً أساسياً في البحث، لأن عدم وضوح المفاهيم خطر كبير على استقامة الفكر، والمصطلحات والمفاهيم هي الوعاء التعبيري الذي من خلاله تطرح الفكرة التي تشكل مفهومات الناس وتصوراتهم وتنعكس على سلوكهم وتصرفاتهم، بما تحمله من مدلولات ومضامين لغوية وعقائدية وفلسفية وثقافية وحضارية، فإذا اضطرب الوعاء واختلت مدلولاته، اختل البناء الفكري واهتزت قيمته في الأذهان، وعظمت مضرته بانعكاساته في حياة الأمم وسلوكياتهم وثقافتهم، فالأمم الواعية الراقية في أفكارها والأصيلة في تصوراتها لا تقبل مصطلحات ومسميات الآخرين، وبخاصة في مجال العلوم الإنسانية دون تحليل أو تمحيص وتنخيل، لأنها في الغالب هي التي تسبب التشويش والنزاع بينها، وتخلخل بنية الأمة وتماسكها الفكري والثقافي. فكثير من أسباب الاختلاف والتعقيد – على سبيل المثال – التي تقع بين من يعالجون مثل هذا الموضوع – الثوابت والمتغيرات – وتسوية قضاياه المتشعبة، ناتج عن خلفية الثقافات والعقائد والفلسفات والأيديولوجيات التي تحملها أطراف النزاع، وثنائية المعايير عن الروح والمادة والإنسان والحياة المطروحة في وسائل الإعلام وأدبيات الصحافة المعاصرة، التي تغذي وتوجه كثيراً من المفكرين من دعاة الحداثة والإصلاح والتطور وتصوراتهم ومنطلقاتهم في معالجة المسائل المتعلقة بمسائل الثوابت والمتغيرات.
وكثير من أسباب الخلاف التي تقع بين من يحاولون معالجة قضايا الثوابت والمتغيرات وما يتبعها من مسائل الإصلاح والتغيير والتطور، تعود إلى ازدواجية السلوك وعبودية التقليد الأعمى، والانبهار الخادع والنقل العشوائي، والترجمة الخاطئة للألفاظ للمصطلحات الأجنبية، وما يرافقها من خلط عجيب في المفاهيم، التي أصبحت مثاراً للجدل والتنابذ العقيم(5)...
ومنها أيضا ما هو ناتج عن الجهل بالضوابط الشرعية وقواعد الدين، وعدم العلم بمقاصد الشريعة وأحكام الاجتهاد، أو عن نظرة سوداوية مريضة غير منصفة، إلى غير ذلك...، ونحن هنا لسنا بصدد الحديث عن أسباب الاختلاف في قضايا الثوابت والمتغيرات وعلاجها وتتبع مساراتها ومناقشة الطروحات بين أطرافها، ولعلنا نوفق بعون الله إلى دراستها في المطلب الثاني في الحديث عن القيم بين الثوابت والمتغيرات، ولكن أردنا أن نبين حجم المشكلة التي تعاني منها المصطلحات والحاجة إلى بحثها، كما أردنا أن نشير إلى أهمية تحديد المفاهيم، وخطورتها على الأبحاث، وما يحدثه عدم وضوحها من أزمات فكرية وخلافات في وجهات النظر....
ولهذا فإن من الواجب أن نبدأ بتحديد المفاهيم لتصحيح المداخل وتحديد التصورات، وتوضيح الموازين وتمييز الاتجاهات، حتى يزول الخلط ويذهب الالتباس.
أولاً: الضوابط الشرعية
المراد بالضوابط الشرعية: أصول كلية تضبط فروعاً تدور في باب معين واحد، أو أمور كلية جامعة لأشتات وفروع تختص في باب معين(6).
أما القواعد الفقهية: فالقاعدة في اللغة أساس البناء ومنه قوله تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ) (7) . وقوله تعالى: (فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ)(8).
والمراد بها في الإصلاح: نص كلي موجز جامع لفروع في موضوعات شتى(9).
وعرفها الشيخ مصطفى الزرقا بأنها: أصول فقهية كلية من نصوص موجزة دستورية تتضمن أحكاماً تشريعية عامة، في الحوادث التي تدخل تحت موضوعها(10).
والفرق بين القاعدة والضابط: أن القاعدة تجمع فروعاً من أبواب شتى، والضابط يجمعها في باب واحد، فالقاعدة أعم وأوسع من الضابط.
وهذا التفريق ذهب إليه بعض العلماء من أمثال ابن نجيم الحنفي حيث يقول: «الفرق بين الضابط والقاعدة أن القاعدة تجمع فروعاً من أبواب شتى، والضابط يجمعها من باب واحد»(11).
إلا أن البعض الآخر مثل ابن الأثير من فقهاء الشافعية لم يفرق بينهما، فقال في تعريف القاعدة: «وتطلق ويراد بها الضابط، وهو الأمر الكلي الذي ينطبق على جزئيات موضوعية»(12).
والواقع أن السلف لم يكونوا يفرقوا بين الضوابط والقواعد، ولعل تاج الدين السبكي أول من فرق بينهما في كتابه الأشباه والنظائر(13).
ولكن سبب اختلافهم ناتج عن اختلافهم في تعريف القاعدة، هل هي قضية كلية أم قضية أغلبية؟ بمعنى هل القاعدة أمرٌ ينطبق على كل الجزئيات أم على أغلبها؟
والأرجح والله أعلم سواء أكانت القاعدة أغلبية أم كلية، فإن هذا لا يخرجها عن أنها ضابط لجزئيات تصلح لان تكون تحته، أو تخلّف بعض الجزئيات لا يؤثر في كونها ضابطا ً، كما قالوا "لكل قاعدة شواذ ".
والواقع يؤيد ذلك، فإن الناظر في الكتب المصنفة في القواعد، يجد أصحابها يذكرون كثيراً من الضوابط حسب إصلاح من فرق بينها على أنها من عداد القواعد.
ومن العلماء من جعل القاعدة والقضية والأصل والضابط والقانون بمعنى واحد، وهو أمر كلي منطبق على جزئياته، ليعرف أحكامه منها.
ونخلص مما سبق أن الذين ذهبوا إلى أن القاعدة والضابط مترادفان، نظروا إلى أن الضابط جامع لجزئيات كثيرة في قضية واحدة، وبالتالي يضبط هذه الجزئيات فيها، وهذا هو المفهوم من القاعدة.
ومن المهم أن نشير إلى أن الذين نظروا إلى الضابط على أنه محدد لجزئيات كثيرة، يدخل فيه أن الضابط محدد لجزئيات القاعدة. ومثال ذلك: قاعدة "أن الأصل في الأشياء الإباحة" – هذه قاعدة، - "إلا أن ورد دليل على التحريم" – هذا ضابط للقاعدة -.
والحاصل أن المسألة اصطلاح، فمن رأى التفريق فلا مشاحة في الاصطلاح، ولكن عليه أن يلتزم الأصل الذي اصطلح عليه ولا يخرج عنه، ومن رأى عدم التفريق فله ذلك.
وهذا القول هو الأنسب لموضوع الدراسة التي نحن بصددها، ولما سنذكره من توجيهات لدعاة الحداثة والتغريب والتطوير عند الحديث عن القيم بين الثوابت والمتغيرات، وعند الحديث عن ضوابط الاجتهاد في النوازل والمستجدات.
فالذي نقصده من الضوابط والقواعد والشرعية في هذا المقام، هو الالتزام بالجوانب الفنية والعلمية المقررة في الفقه الإسلامي، وفق الأصول والمسلمات الشرعية اللازمة لتوجيه الأبحاث والمسارات المتعلقة بمسائل وقضايا الثوابت والمتغيرات، وتصحيح الاجتهاد في النوازل والمستجدات؛ والتي تسهم في علاج وضبط كثير من المزالق والانحرافات التي يقع فيها دعاة الحداثة والإصلاح العلماني وأصحاب التهويشات والمعايير المزدوجة، والمصالح الموهومة النابعة من أهوائهم وأمزجتهم، الذين يكيلون بمكاليين ويجهلون مقاصد الشريعة وأحكام الدين، وبخاصة في هذا العصر الذي كثر فيه المدعين للعلم والإصلاح، وكثر فيه المتصدرين للفتوى والمتسرعين في إصدار الأحكام.
فهذه الضوابط والقواعد هي بمثابة أطر ومؤشرات ومعالم إرشادية ومسلمات شرعية وصياغات عامة وعموميات مقررة من أهل الاجتهاد والاختصاص والفتوى، ومتفق عليها بين المسلمين، لا يجوز الخروج عليها أو تجاهلها أو الاستهانة بها، أو أن يرمى بها عرض الحائط بحجة أننا نعيش في واقع جديد وتحت ضغط قيمٍ عاتية ضاغطة، أو بحجة التكيف مع المتغيرات الثقافية والتأقلم والتطبيع مع المستجدات والتطورات.
ونحن هنا عندما نتحدث عن الضوابط والقواعد للثوابت والمتغيرات، لا نتحدث عنها بلغة الأصوليين والفقهاء البحتة أو بالمعنى المحدد الدقيق لقواعد الفتوى، فهذا شأن المتخصصين في علم أصول الفقه، فقد علم كل الناس مشربهم، ورحم الله رجلاً عرف قدر نفسه ووقف عند حده، ولكن نتحدث عنها – كما ذكرت – بصفة عامة من منظور الثقافة الإسلامية ومصطلحاتها التي تعالج أحكاماً خاصة تتعلق بموضوعات الثقافة الإسلامية ومجالاتها، من مثل هذا الموضوع والله ولي التوفيق.
ثانياً: الثوابت والمتغيرات
أ- الثوابت: يقصد بها في هذه الدراسة القطعيات ومواضع الإجماع، التي أقام الله بها الحجة بينه في كتابه أو على لسان نبيه (، ولا مجال فيها لتطوير أو إجتهاد أو زيادة أو نقصان، ولا يحل الخلاف فيها لمن علمه(14).
قال الشافعي رحمه الله: «كل ما أقام به الله جل جلاله الحجة في كتابه أو على لسان نبيه ( منصوصاً بيناً، لم يحل الاختلاف فيه لمن علمه»(15).
أو ما عبر عنه ابن تيميه بالشرع المنزل: وهو ما شرعه الله ورسوله من الأقوال والأعمال مما ليس للإجتهاد فيه مجال، أو النص الصحيح الذي لا معارض له أو الإجماع الصريح الذي لا منازعة في ثبوته(16).
فالأحكام قطعية الثبوت قطعية الدلالة والتي لا تحتمل التأويل تبقى ثابتة. «ويضم الثوابت السنن الهادية».
ب – المتغيرات: يقصد بها موارد الاجتهاد، وكل ما لم يقع عليه دليل قاطع من نص صحيح أو إجماع صريح، وهو ما عبر عنه ابن تيمية بالشرع المؤول، وهو مورد النزاع والاجتهاد بين الأمة، ويمثله أقوال المجتهدين من أهل العلم والإختصاص، فهذا هو الذي يقبل التطوير والاجتهاد والإضافة.
فالأحكام الاجتهادية تتغير بتغير الأزمان حسب تغير موجباتها وتغير مناطاتها، والحكمة تقتضي إختلاف الأحكام على حسب اختلاف الأمم والعصور، وكما قال الفقهاء: يجد للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من فجور، «ويضم المتغيرات السنن البانية».
وسوف نفصل القول في صور الثوابت والمتغيرات وتطبيقها عند الحديث عن أقسام الأحكام الشرعية وأنواعها من حيث الثبات والمرونة والسعة، ونسأله عز وجل التوفيق والسداد والصواب في الأمور كلها.
أقسام الأحكام الشرعية وأنواعها
من حيث الثبات والمرونة والسعة
لكي يتبين لنا كمال الشريعة الإسلامية وجمالها وشمول أحكامها وقدرتها على مواكبة المستجدات واستيعاب التطورات، يحسن أن تشير إلى أقسام الأحكام الشرعية بصورة عامة، التي اشتملت على ما يصلح الإنسان في معاشه ومعاده، ثم نذكر أنواع الأحكام الشرعية من حيث الثبات والمرونة والسعة، ثم نبين عوامل المرونة والسعة في الشريعة الإسلامية، وما تميزت به أحكامها من خصائص وما انفردت به من سمات.
أولاً: أقسام الأحكام الشرعية بصفة عامة
يمكن تقسيم الأحكام التي أتت بها الشريعة الإسلامية بصفة عامة إلى خمسة أقسام:
القسم الأول: الأحكام الشرعية الأصولية الاعتقادية (أصول الدين)
وهي تتعلق بمعتقدات الإنسان من الإيمان بالله وما يتفرع عنه من الإيمان بسائر الأمور الاعتقادية وهي تمثّل الفقه الأكبر وهو معرفة النفس مالها وما عليها، ومحل بحث هذا القسم هو علم التوحيد والعقائد(فقه الإيمان).
القسم الثاني: الأحكام الخلقية
وهي أحكام تهذيبية سلوكية تتعلق بما يلزم أن يتحلى به الإنسان من الصفات الحميدة، وأن يتخلى عنه من الصفات الرذيلة، ومحل بحثها هو علم الأخلاق.
القسم الثالث: الأحكام الكونية
وهي الأحكام المتعلقة بقوانين الله وسننه الكونية، وهي أحكام تعد من معجزات القرآن ودلالات النبوة، وحكمتها تقوية الإيمان وتثبيت العقيدة بأن القرآن وحي ليس من صنع البشر، والآيات الكونية لم يدرك المفسرون الأولون حقائها بالمعنى الذي نفهمه اليوم، بل منها ما اكتشفها التطور العلمي الحديث، ومنها ما تنتظر الاكتشاف في المستقبل.
القسم الرابع: أحكام العبر والاعتبار
وهي أحكام العبر بقصص القرآن والاعتبار بحوادث التاريخ وعواقب الأمم، وتؤخذ من الآيات التي تتحدث عما فعلته الأمم السابقة من خير أو شر وما نالته من جزاء، وهذه الآيات التي تسمى آيات القصص مليئة بالحكم والآيات والتوجيه والدروس والعبر، قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ) (17).
القسم الخامس: الأحكام الشرعية العملية
وهذا القسم هو المعني بدراستنا بصفة أكثر، والأحكام العملية هي التي تعالج تنظيم علاقة الإنسان بربه ومع نفسه ومع غيره. والحكم الشرعي العملي: هو مدلول خطاب الله المتعلق بتصرفات الإنسان والوقائع على درجة الاقتضاء أو التخيير أو الوضع. والتي تستسقى من الكتاب والسنة والقياس والإجماع...
إنَّ هذه الشريعة بما اشتملت عليه من أنواع الأحكام جاءت تبياناً لكل شيء، شاملة لكافة جوانب الحياة بما يفي بمصالح الخلق ويحقق مقاصد الشرع، وقد تناولت كل العلاقات التي يمكن تصورها، واتسعت لأحداث العصور المختلفة والبيئات المتنوعة، واستطاعت أن تواجه التطور وتعالج كل جديد وتنظم كل مسائل الحياة، وجاءت بأحكام كاملة في العقيدة والأخلاق والمعاملات تغطي جوانب الحياة، ولا يمكن أن توجد قضية تخص الفرد أو الجماعة أو الدولة أو المجتمع الدولي...... إلا والتشريع الإسلامي حكم فيها نصاً أو اجتهاداً، ولا يمكن أن تخرج من ذلك مسألة واحدة على الإطلاق، فلا تجد لها حكماً ينظمها في التشريع الإسلامي.
ثانياً: أنواع الأحكام الشرعية من حيث الثبات والمرونة والسعة
النوع الأول: ما يمثل الثبات
ويتجلى الثبات في المصادر الأصلية النصية القطعية للتشريع من كتاب الله وسنة رسوله (، وهذا النوع لا يتغير عن حالته التي هو عليها لا بحسب الأزمنة ولا بالأمكنة ولا بإجتهاد الأئمة كوجود الواجبات وتحريم المحرمات والحدود والمقدرة بالشرع على الجرائم ونحو ذلك، فهذا النوع لا ينصرف إليه تغيير ولا اجتهاد يخالف ما وضع عليه(18).
ونجد مظاهر هذا الثبات يتمثل فيما يلي:
أ - العقائد الأساسية من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.
ب- الأركان من الشهادتين والصلاة والزكاة والصيام والحج.
ج- المحرمات اليقينية، من السحر وقتل النفس والزنا وأكل الربا وأكل مال اليتيم وقذف المؤمنات الغافلات والتولي يوم الزحف والسرقة والغيبة والنميمة مما يتثبت بقطعى القرآن والسنة.
د– أمهات الفضائل من الصدق والأمانة والعفة والصبر والوفاء بالعهد والحياء وغيرها من مكارم الأخلاق التي اعتبرها القرآن والسنة من شعب الإيمان.
هـ- شرائع الإسلام القطعية في شئون الزواج والطلاق والميراث والحدود والقصاص ونحوها من نظم الإسلام التي تثبت بنصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة.
وقد جعل الله الثبات في أصول الشريعة وأهدافها لتستقر الحياة ولا تتميع القيم والمبادئ ولا تختل الأخلاق، فجعل الثوابت مغطاة بنصوص قطعية الدلالة.
النوع الثاني: ما يمثل المرونة والسعة والمتغيرات.
وتتجلى المرونة والسعة في المصادر الإسلامية التي اختلف الفقهاء في مدى الاحتجاج بها ما بين موسع ومضيق ومُقِل ومُكثر، مثل الإجماع والقياس والاستحسان والمصالح المرسلة وأقوال الصحابة... وغير ذلك من سبل الاجتهاد وطرائق الاستدلال، فجعل الشارع المتغيرات مغطاة بنصوص ظنية الدلالة.
وتتمثل المرونة والسعة في جزئيات الأحكام وفروعها العملية وخصوصاً في مجال السياسة الشرعية(19).
وهذا النوع من الأحكام الذي يمثل المرونة والتطور، يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له زماناً ومكاناً وحالاً، كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها، فإن الشارع ينوع فيها بحسب المصلحة، كما ذكر ذلك ابن القيم(20)، وهذا الذي ذكره المحقق ابن القيم، قرره بصورةٍ ما علماء محققون في المذاهب الأخرى مثل الإمام القرافي المالكي في كتابه «الإحكام في تمييز الفتاوي عن الأحكام» وكتاب «الفروق»، والعلامة الحنفي ابن عابدين في رسالته «نشر العَرف في بناء بعض الأحكام على العُرف».
فمساحة المرونة مساحة واسعة في الفروع والوسائل والظنيات، التي تتمثل في المصادر الشرعية التبعية كالإجماع والقياس والمصالح المرسلة... وهي منطقة مفتوحة للاجتهاد، وهي دليل على خصوبة الفقه الإسلامي وتشريعات الإسلام وقدرتها على النماء والتجدد.
ثالثاً: عوامل المرونة والسعة في الشريعة الإسلامية
نريد من وراء الحديث عن عوامل المرونة والسعة في الشريعة الإسلامية أن نبين إلى دعاة التحديث والعصرنة، أصحاب المشاريع الإصلاحية المعلبة، الذين يرددون صدى المناهج الغربية ويغازلون مشاريعهم في النهضة والتغيير ويصفون الشريعة الاسلامية وأحكامها بالثبات والجمود والعجز عن استيعاب المتغيرات، ويسعون بحجة هذه الأوهام، وبما يدعونه من ضغط الواقع وتطور الحياة، إلى التفلت من الشريعة والعبث في أحكامها وتأويل مفهوماتها بحسب أهوائهم، ونريد أن تبين ونؤكد لهم أن الشريعة الإسلامية شريعة ربانية وصفها منزِّلها جل جلاله بالكمال والجمال والشمول، وكانت أساس التشريع والقضاء والفتوى في العالم الإسلامي كله قريباً من أربعة عشر قرناً، دخلت فيها معظم الشعوب، ودخلت مختلف البيئات، وحكمت شتى الأجناس، وأقامت العمران وبنت الإنسان واقترن فيها السلطان بالقرآن والراعي بالرعية، والتقت بعدد من الحضارات.... فما ضاق ذرعها بجديد، ولا قصرت عن الوفاء بمطلب، بل كان فيها لكل مشكلة علاج ولكل حادثة حديث، وكانت تدفع الناس جميعاً إلى التقدم وتسير بهم إلى الخير والصلاح وسعادة الدنيا والآخرة، إلى أن سقطت الخلافة، وجاء عهد الاستعمار الغربي ببغيه العالمي الذي أهلك الحرث والنسل، فاستبدل بها تشريعاته الوضعية، فاحل بها ما حرم الله، وأبطل بها ما فرض الله.
وسنتحدث فيما يلي هذه العوامل – عوامل المرونة والسعة–(21)، وبعض دلائلها وتطبيقاها في الحياة الإسلامية بالقدر المناسب.
العامل الأول: سعة منطقه العفو المتروكة قصداً
إن أول هذه العوامل ما يلحظه الدارس ويلمسه لهذه الشريعة وفقهها من اتساع منطقه (العفو)(22)، أو الفراغ التي تركتها النصوص قصداً لاجتهاد المجتهدين من علماء الأمة ليملؤوها بما هو اصلح لهم، وأليقٍ بزمانهم وحالهم، مراعين في ذلك المقاصد العامة للشريعة. وإنما سميت (منطقه العفو) أخذاً من الحديث الشريف الذي رواه سلمان: (ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئاً )(23) ثم تلا: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) (24). وفي رواية أخرى: «أن الله حد حدوداً فلا تعتدوها، وفرض أشياء فلا تضيعوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم، غير نسيان، فلا تبحثوا عنها»(25). وفي رواية أخرى: (..... ذروني ما تركتكم)(26).
وجاء في القرآن الكريم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ)(27). والخطاب للصحابة في زمن نزول الوحي حتى لا يترتب على بحثهم وتقعرُّهم تشديد بزيادة التكاليف، وهذا يدلنا على أن تقليل التكاليف وتوسيع منطقة العفو، لم يجيء اعتباطاً ولا مصادفة، وإنما هو أمر مقصودٌ للشارع، الذي أراد لهذه الشريعة العموم والخلود والصلاحية لكل زمان ومكان وحال وهناك أدلة فيما لا نص فيه لملئ منطقة العفو بالتشريع والتنظيم بعد انقطاع الوحي وأهمها الاجتهاد، فهي منطقة متروكة لاجتهاد المجتهدين ما داموا أهلاً للإجتهاد.
أدلة التشريع فيما لا نص فيه:
أولاً: القياس:
يعرف القياس بأنّه: «إلحاق أمر لم ينص على حكمة بآخر قد نص عليه، لعله جامعه بينهما، ولم يوجد فارق معتبر بين الأمرين». ولا يخفى على أحد دور القياس وأهميته في الاجتهاد الإسلامي.
قال الإمام المزني صاحب الشافعي: الفقهاء من عصر رسول الله ( إلى يومنا، وهلم جرا، استعملوا المقاييس في الفقه في جميع الأحكام في أمر دينهم، وأجمعوا أن نظير الحق حق، ونظير الباطل باطل، فلا يجوز لأحد إنكار القياس لأنه التشبيه بالأمور والتمثيل عليها(28). وقد عمل بالقياس الأئمة الأربعة وأخذ به جمهور الأمة، وتركوا لنا ثروة فقهية وبحوثاً غزيرة ضافية في حقيقته وأركانه وشروطه وحدود استعماله وتطبيقاته، يجدها الباحث في كتب الأصول على اختلاق مذاهبها وطرائف تناولها(29).
ثانياً: الاستحسان:
الاستحسان في عرف الأصوليين: هو العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل شرعي خاص بتلك المسألة(30).
فهو عملية اجتهادية عقلية تستهدف ترجيح العمل بدليل الحكم الاستثنائي على العمل بدليل الحكم الأصلي في واقعة معينة إلى حكم استثنائي، لما يقتضيه من جلب نفع أو دفع حرج أو رفع ضيق، وهو يقوم على أصل شرعي ويستند إلى دليل.
وقد أرشدنا إلى ذلك القرآن الكريم في آيات كثيرة، وأثنى سبحانه وتعالى على اختيار الأحسن من بين الأمور المتعارضة، قال سبحانه: (ۚ فَبَشِّرْ عِبَادِ)(الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ)(31)، وكذلك أمر بالإحسان الذي هو جلب مصلحة أو دفع مفسدة قال سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ)(32).
فالاستحسان أصل من أصول الفقه الإسلامي أرشدنا إلى تطبيقه القرآن الكريم والسنة النبوية وقضاء الخلفاء الراشدين، وله أهمية كبيرة في الحياة العملية وفي الوقائع المحاطة بالظروف الطارئة، حيث أنَّ تطبيق الأحكام الأصلية فيها يؤدي إلى حدوث حرج أو تفويت مصلحة مشروعة، ولهذا فإن الاستحسان في صوره وأشكاله عبارة عن العدول عن العمل بالعزيمة إلى العمل بالرخصة لما يدعو إلى ذلك، وأن العمل بالاستحسان هو العمل بالنصوص التي تدعو إلى اليسر ورفع الحرج.
ثالثا ً: الاستصلاح
معنى الاستصلاح هو: الاستدلال (المصلحة المرسلة) التي لم يدل دليل خاص من نصوص الشرع على اعتبارها أو إلغائها.، وإنما قام الدليل العام على أن الشرع يراعي مصالح الخلق.
والاستصلاح كما قال المرحوم عبد الوهاب خلاف: أخصب الطرق التشريعية فيما لانص فيه؛ لأن فيه المتسع لمسايرة التشريع تطورات الناس، وتحقيق مصالحهم وحاجاتهم، ويقصد إليها في كل ما شرع من أحكام لرفع الحرج والضرر والفساد المادي أو المعنوي الواقع أو المتوقع، وهذا في أدنى رتب المصالح، بخلاف المصلحة التي شهدت لها أصول الشرع بالاعتبار، فإنها أقوى وأعلى، ولذا لم يختلف فيها(33).
وجمهور فقهاء المسلمين يعتبرون المصلحة دليلاً شرعياً يبنى عليها التشريع أو الفتوى أو القضاء، ومن قرأ كتب الفقه وجد مئات الأمثلة من الأحكام التي لم تعلل إلا بمطلق مصلحة تجلب، أو ضرر يدفع.
وكان الصحابة، وهم أفقه الناس لهذه الشريعة، أكثر الناس استعمالاً للمصلحة واستناداً إليها، فهذه المصلحة هي التي جعلت «أبا بكر» يجمع الصحف المفرقة، التي كان القرآن مدوناً فيها من قبل مصحف واحد، وهو أمر لم يفعله النبي (، ولهذا توقف فيه أول الأمر، ثم أقدم عليه بنصيحة عمر، لما رأى فيه من خير ومصلحة للإسلام...
وجعلته يستخلف «عمر» قبل موته مع أن الرسول ( لم يفعل ذلك.
وهي التي وجهت عمر إلى وضع الخراج وتدوين الدواوين، وتمصير الأمصار، واتخاذ السجون، والتعزيز بعقوبات شتى، مثل إراقة اللبن المغشوش، ومشاطرة الولاة أموالهم إذا تاجروا أثناء ولايتهم(34).
وهي التي جعلت عثمان يجمع المسلمين على مصحف واحد، ينشره في الآفاق ويحرق ما عداه، ويقضي بتوريث من طلقها زوجها في مرض الموت فراراً من إرثها.
وهي التي جعلت علياً يأمر «أبا الأسود الدؤلي» بوضع مبادئ علم النحو(35).
وهي التي استند إليها معاذ بن جبل في أخذ الثياب اليمنة بدل (العين) من زكاة الحبوب والثمار.
واستند إليها معاوية في أخذه مدَّيْن (أي نصف صاع) من القمح في زكاة الفطر في مقابل صاع من التمر(36).
وهي التي جعلت الراشدين يتخذون البريد، ويعربون الدواوين، ويضربون النقود، إلى غير ذلك من أعمال الدولة، دون أن يعترض عليهم أحد من علماء الأمة.
وهي التي جعلت الإمام أبا حنفية يوجب الحجر على المفتى الماجن، والطبيب الجاهل، والمكارى (المقاول ونحوه) المفلس، مع أن مذهبه – رضي الله عنه – عدم الحجر على العاقل البالغ وأن كان سفيها؛ احتراما لآدميته.
وجعلت جمهور الفقهاء يقولون بجواز قتل المسلم إذا تترس به الكفار ولم يكن من قتالهم بد(37)، وأجاز فقهاء الحنفية والشافعية وجماعة من المالكية وبعض الحنابلة شق بطن الأم بعد موتها لإخراج الجنين، إذا غلب على الظن أنه سيخرج حياً، برغم حرمة الميت المرعية شرعاً، وذلك لأن حق الحي مقدم على حق الميت عند التعارض، فيرتكب أخف الضررين.
رابعاً: العرف
العرف يعني: ما اعتاده الناس وألفوه، وتعارفوا عليه، في شئون حياتهم، حتى أنسوا به واطمأنوا إليه، وأصبح أمراً معروفاً، سواءٌ أكان عرفاً قولياً أو عملياً، عاماً أو خاصاً(38).
وعندما جاء الإسلام كان للعرب أعرافٌ مختلفة، فأقر منها ما كان صالحاً ويتلاءم مع مقاصده ومبادئه، ورفض ما ليس كذلك، وأدخل على بعض الأعراف تصحيحات وتعديلات، حتى تتمشى مع اتجاهاته وأهدافه.
وقد ترك الشرع أشياء كثيرةً لم يحددها تحديداً صارماً بل تركها للعرف الصالح يحكم فيها ويعين حدودها وتفاصيلها كما في قوله تعالى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ)(39). وقوله: (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ۖ)(40). فالعرف هو المحكم في تحديد النفقة للمرأة، والمتعة للمطلقة.
وقد نوه عامة الفقهاء بالعرف، وبنوا عليه كثيراً من الأحكام، واستشهدوا له بما جاء عن ابن مسعود رضي به عنه: «ما رآه المسلمون حسناً، فهو عند الله حسن»(41).
ومن القواعد الفقهية المشهورة: «العادة محكَّمة» ومن فروعها «المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً» «التعيين بالعرف كالتعيين بالنص»(42). ويعتبر العرف إذا لم يصادم نصاً ثابتاً أو إجماعا يقينياً أمراً مقرراً ومعتبراً في الشريعة، وكذلك إذا لم يكن من ورائه ضرر خالص أو راجح،لكن العرف المصادم للنصوص الذي يحل الحرام أو يبطل الواجبات، أو يقر البدع في دين الله، أو يشيع العادات الفاسدة والضرر في حياة الناس، فلا اعتبار له، ولا يجوز أن يراعى في تقنينٍ أو فتوى أو قضاء.