eKtab
EN ع
الدراما النسائية في المسرح العربي الحديث
اقرأ عينة مجانية

الدراما النسائية في المسرح العربي الحديث

بقلم رؤذان أنــور مدحت

صفحة 1

المقدمة

إن الانسان كائن غامض و ضبابي، حتى هناك من سمى الانسان " الانسان ذلك المجهول" و ما من علم أو فنٍ استطاع أن يعرفه و يكشفه كشفاً كلياً، فلا يُعلم ما يكمن داخل نفوس البشرية حتى لو استعنا بجميع العلوم. لذلك ليس غريبا أن يحصل أي شىء، من جانبه فقد يفعل كل ما يرضي نفسه و عقله، و لو تصور أحد أنه يستطيع سماع ما يجري في ساعة واحدة فحسب، ما يدور في داخل البشر، لأصيب بالجنون و لضاع بكل تأكيد. لأن الانسان أعظم مخلوق خلقه الله على وجه الأرض، و سخر له فيها كل شىء.

منذ خلق الكون و حتى الآن، و الانسان يحاول أن يفهم ما يدور خارجه، و ما يدور في دواخل بني جنسه، فالفضول شيء طبيعي في الانسان. يدفعه الى فهم ما يدور حوله، وقد بدأ بمحاكاة و تقليد الأشياء، و بعد أن تعرّف معظم ما يدور حوله، تحول الى التعرّف على من هو من بني جنسه، و لعلّ أحسن طريقة ليفهم من هو مثله هو أن يقلده، و يضع نفسه محله، لذا قام بمحاكاة الانسان الذي هو نفسه، و لكن كان من الصعب نقل ما في النفس بسبب خفته، و كثافة الكلمات المنطوقة.

هكذا بدأت الدراما بالظهور و النمو في كل مرحلة مرّ بها الانسان، تطور فيه التمثيل و المحاكاة، مع تطور عقلية البشر، و المستلزمات المستخدمة في هذه المحاكاة.

و كما قال جبران: إن هذه الأمة مريضة بعلتين مزمنتين، علة التقليد و علة التقاليد، من هنا بات بعض الخطوط الأولية للدراما تقليدا شائعا، غير قابل للتغيير، الى أن بدأت الدراما تدخل عهداً حديثاً تغير فيه معظم تقاليدها القديمة أو الأولية و من ضمنها تحولها من كونها فناً رجالياً فحسب الى فنٍ انساني، أي فن يظهر فيه صوت الجنسين معاً الرجل و المرأة، فمنذ زمن و المرأة تكافح من أجل الدخول في جميع العوالم البشرية، لأن روحها عطشى و متلهفة أن تثبت نفسها و كينونتها .

لقد آثرنا الدخول في هذا العالم، لاظهار طموحات المرأة في دخولها الى فنٍ كان رجالياً منذ ظهوره حتى أواخر القرن العشرين، هذا على الرغم من وجود اسهامات محدودة في القرن الثامن عشر و التاسع عشر، لكنها لم تستمر حتى تهيّأ لها جو و واقع غيرا مسار دروب المرأة جميعها، منها التغيرات التي جرت في أعقاب الحربين العالميتين، و لاسيما غياب الرجال في الساحة.

صفحة 2

إن الحديث عن الدراما النسائية تعترضه عوائق و حواجز كثيرة، منها تأريخية، و اجتماعية، و سياسية، و حتى نفسية... فلكي يتحدث الواحد عن أدب المرأة عليه أولاً أن ينقب في جميع تلك الظروف و الأجواء، ليفهم و يُفهم لماذا فعلت المرأة كذا شىء و كيف وصلت الى هذا المنعطف أو ذاك، و ما الى ذلك من الأسئلة.

وقع اختيارنا على هذا الموضوع (الدراما النسائية) لدوران أسئلة كثيرة في أذهاننا حول الدراما النسائية، و كيفية دخول المرأة في هذا المجال و أسباب تخلفها في الدخول الى عالم الدراما، و أسئلة كثيرة حول عدم استمراريتها في الكتابة لهذا الفن وحده، فمعظم كتاب المسرحية من النساء يكتبن القصة و الرواية مع الكتابة للمسرح، و كثيراً ما يتركن الدراما و يتوجهن الى الأشكال السردية، و هذه الأسئلة قد وجهتنا الى البحث عن أجوبة لها، و لهذا قمنا باختيار هذا الموضوع.

و لفهم موضوعنا هذا على نحو دقيق، كان علينا اختيار أنموذج مسرحي أنثوي. من هنا وقع اختيارنا على كاتبة أردنية ذات جذور فلسطينية. بدأت بممارسة الكتابة المسرحية منذ تسعينات القرن العشرين، أي هي من أوائل من مارسن الكتابة المسرحية في العالم العربي. و مع كونها طبيبة أي بعيدة بعض الشىء عن ممارسة الفن، الاّ أنها استمرت في الكتابة و لا تزال، حتى بلغ عدد مسرحياتها عشراً، فضلاً عن أن مسرحياتها جيدة السبك و الموضوع، و مثلت و طبعت و نالت جوائز عدة. و هذا كله دعانا الى اختيارها لبحثنا هذا.

قامت خطة الكتاب على تمهيدٍ و فصول ثلاثة. ففي التمهيد عالجنا علاقة المرأة بالدراما: كيف بدأت المرأة في نضالها للدخول في الأدب بشكل عام، ثم في عالم المسرح بشكل خاص، و في المسرح مؤديةً أولاً ثم كاتبةً.

و تكلمنا على المسرح في الأردن على نحو موجز لكونها تمارس الكتابة في الأردن، و هي جزء من تأريخ المسرح و من فناني المسرح الأردني، ثم نبذة عن سيرتها.

أما الفصول فقد قسمناها بحسب مرجعيات المسرحيات، أولاً و عناصر المسرحية ثانياً من حبكة و شخصيات و صراع و حوار.. .

صفحة 3

في الفصل الأول درسنا المسرحيات التي استلهمت مادتها من حكايات (ألف ليلة و ليلة)، و قسمناه على ثلاثة مباحثٍ، في المبحث الأول تناولنا المسرحيات التي تستلهم الحكايات اطاراً عاماً لها. وفي المبحث الثاني وقفنا عند المسرحيات التي استلهمت بعض شخصياتها من الحكايات. لكن المبحث الثالث خصصناه لتلك المسرحيات التي تشبه مواقفها مواقف حكايات الليالي. و حاولنا قدر المستطاع أن نوازن بين المرجعيات الأصلية و النصوص المسرحية، لنبين مدى تأثير المرجعيات في تلك المسرحيات، و كيفية افادة الكاتبة من تلك المرجعيات.

و في الفصل الثاني عالجنا المسرح الواقعي، أي تلك المسرحيات التي صورت مشكلات اجتماعية ونقدت الواقع الذي تعيشه شخصيات المسرحية، و لاسيما تلك المشكلات التي تواجه المرأة في المجتمع الذكوري، و المشكلات التي تواجه الانسان بسبب سلطة المال على نفوس البشرية.

و أما الفصل الثالث فقد جعلناه للمسرحيات التي بُنيت على التأريخ الممتزج بالاسطورة لتجسيد ما في الواقع من سوء و شر باتا قوة صارت تصارع الخير أينما وجد، و تخلق واقعاً باتت كل الأشياء حتى الروح البشرية فيه سلعاً يُتاجر بها.

و جعلنا لكل فصل مدخلاً نظرياً حيث بينّا خطوط العمل في كل فصل.

اخترنا النقد التحليلي في مقاربة المسرحيات و مكوناتها، و ذلك لكون هذا النقد عاملاً يعمل كآلة تفسيرية، مكّننا من التعمق و الاندماج في صُلب المسرحيات، و الوصول الى أجوبة عن الأسئلة و الاستفسارات التي بدت غامضة أول الأمر. وفي الوقت نفسه أفدنا من المناهج السياقية التي تربط النص بما هو خارجه كالظروف الاجتماعية و الواقع القائم، و شخصية الكاتب. فكل ذلك أعاننا على تفسير مضامين المسرحيات، و تحديد خصائص عناصرها من حبكة و صراع و شخصيات و حوار.

إستخدمنا عدداً من المصادر بعضها كانت أساسية للبحث. ففي التمهيد افدنا من كتابين أنارا لنا بعض دروب و مسالك الموضوع و هما: (السرد و الظاهرة الدرامية)، و (وجوه و اتجاهات في المسرح).

و المصادر - مع أنها كانت محدودة- في موضوع المرأة و الدراما اذ لم يكن أمامنا مصدر اهتم بهذا الشأن على نحو دقيق، الاّ أنّنا استطعنا الجمع، من الشتات، و من الانترنيت، الكثير، كما واجهتنا مشكلات في تحديد التواريخ، ففي المصادر وجدنا اختلافات كثيرة، فكل كاتب كتب عن بدايات المسرح، سواء أكان عربياً أم أجنبياً، حدّدَ تأريخاً مختلفاً عن تأريخ الكاتب الآخر، في ما يخص ظهور أول امرأة مثلت أو أول كاتبة كتبت للمسرح!. أو أوائل من تركن بصمات في هذا الميدان.

صفحة 4

التمهيد

أولاً: المرأة و الأدب و الدراما

ثانياً: المسرح في الأردن

لوحة الفنان: chidi okoye

يقولون

ان الكلام امتياز الرجال ...

فلا تنطقى !!

وان التغزل فن الرجال ...

فلا تعشقى !!

وان الكتابة بحر عميق المياه

فلا تغرقى ...

وها أنذا قد عشقت كثيرا ...

وها أنذا قد سبحت كثيرا ...

وقاومت كلّ البحارولم أغرق ...

(سعاد الصباح)

صفحة 5

المرأة و الدراما

المسرح رسالة هادفة يعبر عن المجتمع بكل أشكاله، الاجتماعية و الانسانية. و نشأت عن بعض الطقوس الدينية و الاحتفلات الشعبية، و كان الانسان البدائي يؤدي الرقصات، و هذه الرقصات كانت بمثابة هذه الطقوس الدينية التي من خلالها يتحدث الى آلهته لكن بلغة الحركة. ([1])

منذ بداية حس الانسان بما يدور خارجه، و ارتبط به ارتباطاً روحياً وثيقاً. و بعد أن تعرف الانسان ما حوله و أوّلَ الظواهر الطبيعية تاويلاً أسطورياً و وضع لكل هذه الظواهر الهاً خاصاً، و حاول أن يكسب رضاه بطرق شتى، و وضع الأناشيد و الطقوس الخاصة لكل اله من الآلهة.

كانت تلك الطقوس بمثابة عبادةٍ جماعية، و بعد مرور زمن على هذه المظاهر، تطورت الطقوس فأصبحت محاكاة و تمثيلاً للطقوس نفسها، و هذه المحاكاة كانت بدايات الفن المسرحي، التي مادتها الخام الدين، أو تمثيل العلاقة الروحية بين الاله و البشر. لقد ((وجد الانسان الأول في فن المسرح تجسيداً لكافة الظواهر الطبيعية التي يسعى الى فهمها و السيطرة عليها اذ أتاح له المسرح فرصة التفكير فيها، و تفسيرها، و كشف له عن مكنوناتها بشكل حسي، و جمالي، الأمر الذي أضفى على الفن المسرحي منذ البداية ذلك الطابع الاجتماعي في جوهره و وظيفته، عندما ساعد الانسان في تحويل الحياة التي يعيشها الى فن، و ذلك عن طريق المحاكاة التي اعتبرها "أرسطو" غريزة متأصلة في البشر))([2]). و المهم أن البشر هم الذين يحاكون و هم من جنسين الذكر والأنثى، و الأهم أنه لا وجود لتطور جنس دون الآخر، و معظم الآراء تؤكد لنا أن المسرح نشأ من الطقوس الدينية و الاجتماعية، فاذن الجنسان متشاركين في هذه النشأة، و هذا شىء طبيعي، لكن التوازن الطبيعي يختل بعد زمن، حيث نرى ركناً أساسياً من أركان المجتمع يختفي دوره في تطوير و استمرارية الدراما، أعني (الأنثى)، فالذكر هو صانع الدراما و لا وجود للأنثى الاّ ضمن الموضوعات أو بالاسم، فالذكر يملك ذمام كل شىء في الدراما تأليفاً و عرضاً و أداءً و اخراجاً... . لكن المرأة كانت في النصوص فحسب أي شخصية مرسومة في المسرحية، و هكذا كان وجودها بالاسم فحسب.

يكتبون في نصوصهم عن الحياة التي تتمحور حول البشر، و البشر جنسان، و أدوار النساء القائمة في النص، يؤديها الرجل، و مرّ زمن طويل لم يكن مسموحاً للأنثى منه بمشاهدة المسرحيات.

وبهذا سُلب حق المرأة بمشاهدة كيفية تصورها من قبل الجنس الآخر. فصوروها و تحدثوا بلسانها و صفقوا لأنفسهم بسبب نجاحهم، الذي نسبوه لأنفسهم و بذلك أصبحوا هم الذين يخلقون الأنثى. و ليس من حقها مشاهدة كيفية خلقها .

و الأنثى تتحمل كل تلك الضغوطات، و نسوا أن المرأة بعلة جنسها أدرى، و هي القادرة على تصوير نفسها و معالجة علاتها، و ليس الرجال([3]) الذين هم سبب علاتها، لكنها حتى لو كانت خزانة ملابس و خزن فيها الكثير لأنكسرت و خرج منها كل ما خزنت.

و الآن من حقها أن تنفجر لأنها حُملت فوق طاقتها بكثير، و الانفجار يكون بسبب أن الرجل لم يفكر فيما تريده الأنثى، بل فكّر بما يريده هو فحسب، لذلك لن تنجح الفرضية، وعلى الأنثى تصحيح الفرضية لكي لا يختل الميزان و ينقلب كل الفرضيات.

فانفجرت و طلبت عتق لسانها و يديها، و طلبت أن تؤدي واجباتها الانسانية نداً للرجل في المجتمع، التي هي من حقها الانساني، و هنا بدأ الصدام و الصراع الحقيقي بينها و بين الرجل، و الصراع كان بالقلم و الفكر و بتعبير ما استطاعت البوح به جهراً، خوفاً من قتلها و عدم سماعها، فأصبحت لدى الأنثى عقدة التعبير، و عقدة التميّز، فهي ينبغي أن تكون متميزة، لكي يُسمع صوتها.

صفحة 6

لذلك و للتطرق الى عملها و فهم خطواتها الأدبية منذ القديم و حتى الان، أخذنا المشكلات و الظروف التي عاشتها و واجهتها. و علينا أن لا ننسى أن الرجال رأوا في النساء الجسد و اللذة و أداةً للنسل فحسب، و كما تقول "فيرجينيا وولف": ((الرجل لا يرى المرأة سوى في أحمر العاطفة لا في أبيض الحقيقة))([4])، فلم يستطع رؤيتها كاتبة أو مفكرة أو فيلسوفة أو في أية مهنة أخرى في خدمة المجتمع، هو لم يرها خارج البيت بتاتاً، ولم يحسب لها أي حساب على أرض الواقع. فمكانها الطبيعي الفراش و البيت.

و مثال على ذلك، نذكر واقعة احدى الأديبات و هي " جورج صاند" ([5]) التي كانت شاعرة و روائية معروفة في زمانها، في زمن كان فيه قليلٌ من أمثالها، يحارب من أجل حقها الانساني في الكتابة، و حرية التعبير و التفكير و الحياة . حدث أن رأت "شوبان" الموسيقار المشهور، فأحبته و كتبت له رسالة و بعثت اليه بكتبها، و باحت له في الرسالة بعشقها اياه، و تحدثت عن اعمالها، و قالت انه اذا أرادها هي، فباستطاعته عدم الاهتمام بها كاتبة، وهو دون تردد او اختيار حرق جميع الكتب، و قبلها أنثى لكنه عذبها و كان معها انانياً الى درجة كبيرة، فلم يفكر في يوم بأنها كاتبة، تملك موهبة مثل ما يملك هو أيضاً. فهنا اللافت للنظر مدى أنانية الذكر المبدع امام عاطفة و تضحية الأنثى المبدعة، و هذا يؤكد مقولة فيرجينيا، فالذكر لا يرى الأنثى في بياض الحقيقة.

واجهت المرأة المبدعة في المجتمع الذكوري الاهمال و التصغير لجهودها، و حوربت و أُتلفت أعمالها، و بعبارة أخرى أن النقاد أهملوا أعمال المرأة، و أودعوها في قائمة النسيان. تقول "ديل اسبيندر" ([6]): أنها بعد تخرجها في الجامعة حيث درست اللغة و الأدب، عرفت ان الرواية رائدها الرجل، لأن كل الكتب و الأقاويل و الأساتذة نسبوا الرواية الى الرجل، بدايتها و نموها، و حتى ذلك الوقت كان مبدعوا الرواية من الرجال فحسب.

لكنها بعد دراسة موضوعات الرواية توصلت الى نتيجة أن هناك حلقة مفقودة و أن النساء هن المبادرات الى كتابة هذا الفن القيم و لكنها لم تستطع أن تذكر ذلك، فمن هي حتى تُعارض النقاد الذين يُرجعون أصل الرواية الى الرجل.

فأستأنفت الكتاب و وجدت أنه في القرن الثامن عشر 1700-1740 في سنة واحدة كان هناك تقريباً أربعة كتب تطبع و تنشر في السوق، لكن بعد زمن كثر عدد المطبوعات، و عَرَفت أن هناك مئتي رواية في هذه الحقبة لا تُعرف أسماء معظم مؤلفيها. فلربما كانت هذه الروايات من تأليف النساء. و وجدت مئة اسم كاتبات كتبن الرواية في القرن الثامن عشر وقد كتبن ستمئة رواية.

إذن نصف الأدب المكتوب هو من نتاج المرأة، لكن هناك شيئاً لافتاً للنظر، هو أن الروايات أو الأعمال المكتوبة من لدن هؤلاء الكاتبات مفقودة وقد ضاعت تماماً من المكتبات و من الأسواق جميعها بحيث أصبحت ظاهرة شاذة: الأسماء معروفة لكن الأعمال مفقودة!.و هذا أمر مثير للشك، لماذا ضاعت النُسخ جميعها في المكتبات على الرغم من أن الأعمال كانت جيدة و لها جمهور كبير، لكن في هذه الحقبة أعمال النساء ضاعت فحسب و بقيت أعمال الرجال.([7])

من كل ذلك نرى أن المرأة كتبت و ألفت و قامت بوظيفتها الاجتماعية أيضاً، حتى أن بعض الكاتبات كن يكتبن خفيةً و بأسماء مستعارة، خشية من نبذهن من لدن عوائلهن أو من قبل المجتمع، و هاهي "إيميلي برونتي" ([8]) تقول في مقدمة روايتها (مرتفعات ويذرنج): ((لقد حجبنا هويتنا خلف أسماء مستعارة، لأننا لا نرغب في أن يعرف الجمهور بأننا نساء إذ أن طريقتنا في الكتابة و التفكير لا تتفق و الأعراف، و مع ما يسمى "أنثوياً" ))([9]) فكثيرات من الكاتبات لا يستطعن خوض التحدي، بسبب ضعف كفتهن في المجتمع، و بسبب عدم وجود أي قانون يحمي مصالحهن، و لأن المطابع لا تطبع أي عمل يحمل اسم المرأة، لأن الكنيسة ترفض ذلك، و مشاكل أخرى لا نهاية لها في مواجهتهن، و لذلك يخفين أسماءهن الحقيقية .

و عملية النقد في العهود الماضية كانت عملية انطباعية و ليست موضوعية، و لذلك نرى أن النقاد حكموا على أعمال النساء بالموت من دون قراءة موضوعية، لأعمالهن، فبعضهم أشار الى أسمائهن و لكنه لم ينقد أعمالهن، فمثلاً "ايان وات" نقد أعمال معظم الرجال بصفحات متعددة لكنه لم يذكر خيرة اعمال النساء، بل قال، بأن العديد من الأعمال الروائية في القرن الثامن عشر مكتوبة من لدن المرأة. من دون أية ملاحظة حتى لو كانت سطحيةً.([10])لأنه ربما ظن أن نقد رواية المرأة ليس جزءاً من واجبه، او غير جدير بأن يُنقد من لدن ناقد مثله، و المعضلة الحقيقية في اهمال النقاد الرجال أعمال المرأة، يكون في اختلاف جنس الكاتب، أو الحتمية البيولوجية، فحسب.

صفحة 7

و هذا ما زعزع كيان النساء المبدعات و أصابهن بعقدة الأنثى و الأنثوية و الفيمينستية، و غيرها من المصطلحات. فالصراع و النظرة الدونية هما يصنعان التمييز العنصري، فما الفرق بين النظرة الدونية الى أسود البشرة و النظرة الدونية الى المرأة؟!.

الشىء نفسه و هذا التمييز يخلق العنصرية و يجعل من المقابل أن يصارع بطرق شتى ليثبت ذاته، و الهدف يصبح اثبات الذات و سحق المقابل، و بهذا تختل الغايات، و يدور صراع يسحق الطرفين، بسبب هذه النظرة، و هنا حصل الشىء نفسه، المرأة حاولت أن تثبت حالها و تتصدى للرجل، مثلما فعل هو، و ظهر أدب المرأة و أدب الرجل، و افترقت الأغراض، باتت بعض الأغراض خاصة بالنساء، و أخرى بالرجال، و ظهر النقد الفيمينستي، و الأسلوب الأنثوي غير الأسلوب الرجالي، و في زمن ما شجّع النقاد التفريق بين الأدب المكتوب بقلم الرجال، و المكتوب بقلم النساء، و سألوا أسئلة كثيرة، حول لغة النساء و موضوعات كتاباتهن وشحنة العاطفة الكامنة في أدبهن، فسؤال مهم طرح نفسه: هل الأدب الأنثوي باستطاعته أن يخلق له مملكته الخاصة و ملامحه المتفردة و جزره و عالمه و أجواءه؟، و هل حقاً اذا غيبنا اسم المرأة المبدعة استطعنا وضع اسم رجلٍ مبدعٍ مكانه؟ و هل ان روحها و أنوثتها تتجلى عبر فنها الابداعي؟.([11]) صحيح أن بيولوجية الجنسين تجعل كليهما مختلفين، و لكن ليس هناك ما يسمى لغة الرجل أو لغة النساء، فالكتابة تعتمد على المخزون الثقافي لكلا الجنسين، و هذا المخزون هو الذي يتحكم بلغة الكتابة و ليس اختلاف الأجناس. و كما ((يوجد اختلاف بين كاتب و آخر من الرجال أنفسهم فقد يلاحظ القارئ شيئاً من الاختلاف بين كاتبة و كاتبة وهو التنوع الطبيعي الذي تفرضه قوانين الابداع الحقيقي في كل زمان و مكان))([12]).

كما أن لكل كاتب أسلوبه الذي يميزه من كاتب آخر، و المبدع سواء أكان رجلاً أم امرأةً، يتفوق مهما جرى، على مر السنين. لذلك بعد أن نالت المرأة بعضاً من الحرية التي فقدتها زمناً طويلاً، خرجت من الصراع، و أبدعت و خفّ الصراع بينهما، و الآن الكل يكتب و مايميز مبدعاً عن آخر هو عمله و درجة ابداعه و ليس جنسه.

كذلك كانت المرأة معينة الرجل على أن ينظر اليها نظرة ذكورية كما يؤكد د. عبدالله الغذامي بوجود ((حس طروب يهش لأي نكتة أو خطاب يصور الجسد المؤنث على أنه معطي شبقي فحسب، تشير الى ذلك الخطابات الشائعة في لغة الأفلام و الأزياء و أغلفة المجلات و المعطي الاعلامي عموماً، مما هو ليس من نتاج الرجل وحده بل أن النساء أنفسهن تشاركن في انتاج هذه الصورة ))([13]) هذا ما فعلته فئة من النساء، ليثبتن أنفسهن، و لكن بهذا العمل شوهن النظرة الانسانية اليهن، لكن فئة أخرى هن المبدعات، حاولن العكس، و استطعن لفت الأنظار الى عقلهن و ادراكهن، فأثبتن أنهن كالرجال يملكن كل ما يملكونه، و بهذا ساعدن على اعادة النظرة الانسانية الى المرأة .

إن المرأة في المجتمع العربي و الاسلامي أسهمت في كل العصور، على الرغم من الصعوبات في النتاج الأدبي، و أول ما بدأت بالكتابة نظمت الشعر، و بثت مشاعرها و أحاسيسها بدلاً من كبتها و اخفائها، لكنها لم تستطع أن تبثها من دون مخافةٍ أو احراج، فماذا فعلت؟ بدأت بالرثاء و البكاء، و نأت عن الغزل و السياسة، مما أدى الى نسبة هذه الأغراض الشعرية اليهن و تحريم بعضها الآخر عليهن. لكن بعد مدة ظهرت شاعرات نظمن ما يشعرن به و ليس ما يجب أن ينظمنه، الا أن الخوف ظل يلاحقهن.

مثل: (الخنساء(575): و التي عرفت بشاعرة الرثاء، و كانت العاطفة قوام شاعريتها، و قد جمعت بعاطفة الخنساء بين لين الأنوثة و شدة الرجولة) و هذا نموذج من شعرها ترثي فيه أخاها:

ضاقت بي الأرض و انقضَّت مخارُمها

حتى تخاشعتِ الأعلام و البيدُ

و قائلين تعزّي عن تَذكّره

فالصبر! ليس لأمر الله مردودُ

يا صخر قد كنت بدراً يُستضاءُ به

فقد ثوى يوم متَّ المجد و الجود

فاليوم أمسيتَ لا يرجوك ذو أمل

لما هلكت و حوضُ الموت مورود([14])

ثم نأتي الى عهد صدر الاسلام و الأموي، فنرى (ليلى الأخيلية 695) التي نظمت في (المدح، و الهجاء، و الرثاء)، و قالت أشعاراً تصف فيها شجاعة حبيبها "توبة"، و شعرها هو شعر أنثوي خالص، مرهف العاطفة، سلس الكلام، يجمع بين رقة العاطفة و رقة اللفظ الى قوة السبك. وهي بعد "الخنساء" من كبرى شاعرات العرب.


تقول في رثاء حبيبها:

فآليت لا انفك أبكيك ما دعت

علي فننٍ ورقاءُ أو طار طائرٌ([15])

و هنالك رابعة العدوية (718م): و تكنى ب"أم الخير"، و هي عابدة ومتصوفة وأحد الشخصيات المشهورة في عالم التصوف الإسلامي، وتعتبر مؤسسة أحد مذاهب التصوف الإسلامي وهو مذهب العشق الالهي. أنعم الله عليها بموهبة الشعر وتأججت تلك الموهبة بعاطفة قوية ملكت حياتها فخرجت الكلمات منسابة من شفتيها تعبر عن ما يختلج بها من وجد وعشق لله، وتقدم ذلك الشعر كرسالة لمن حولها ليحبوا ذلك المحبوب العظيم. ومن أشعارها حول حب الخالق تقول:

فليتك تحلو و الحياة مريرة

و ليتك ترضى و الأنام غضاب

و ليت الذي بيني و بينك عامر

و بيني و بين العالمين خراب

إذا صح منك الود فالكل هين

و الكل الذي فوق التراب تراب([16])

وفي العصر الأندلسي ظهرت الشاعرة (ولادة بنت المستكفي بالله)، و هي أميرة و شاعرة، و صاحبة أول صالون أدبي في الأندلس، و هي عكست في شعرها صورة المرأة الأندلسية التي عرفت التألق الحضاري و الانعتاق الفكري. و لم تكن تحس بأي نقص حيال الشعراء الرجال في عصرها، بل كانت تقف نداً لهم، و تخاطبهم بلغتهم و تنافسهم في كل ما يفعلون.([17])

وهكذا في كل عهد و زمن برزت شاعرات عربيات أصيلات، حتى نصل الى القرن العشرين حيث برزت شاعرات أبدعن في فن الشعر، بسبب دخولهن التعليم العالي، مما فتح نافذة بصرهن على المديات الواسعة و الآفاق الرحبة، و التعليم العالي جعلهن يتطلعن على ثقافات العالم وهذا أدى الى أن يبدعن في مجال تخصصهن. منهن "نازك الملائكة" التي أسهمت في تطوير الشعر العربي و أخرجته من ركوده و من شكله التعبيري، اذ جاءت بشعر التفعيلة الذي كان دعوة للخروج من قيود الوزن و القافية الموحدة. و الآن هناك عدد كبير من الشاعرت ينظمن في جميع الأغراض الشعرية و بينهن مبدعات، كما بينهن أنصاف مبدعات، مثلهن مثل الرجال من الشعراء.

صفحة 8

هذا في ما يخص الشعر، أما الرواية فتأخر ظهورها في الأدب العربي، لأن ((مظهر الحياة الأدبية العربية هو الشعر، و أن النثر بالقياس اليه و بالقياس الى نهضته و تنوع فنونه و تعدد أعلامه في بعض الحواضر العربية ليس شيئاً مذكوراً))([18])ولكن الوضع لم يبق على حاله فقد تنوعت الأجناس الأدبية و برز الاهتمام بالنثر و لاسيما الرواية، حيث نرى تغيراً كبيراً طرأ على ذلك الوضع.

هناك أعلام روائيات غربيات، فمنذ القرن الثامن عشر بدأت النساء بكتابة الرواية و كن من قبل قارئات فحسب، حيث كان الرجال خارج المنزل طوال الوقت، و الأشغال اليدوية التي كانت تشتغل بها المرأة قلّت، كالغزل، و الحياكة، و الخبز، و صنع البيرة و الشموع، و الصابون، لأن أكثر هذه الضروريات صارت تُصنع في المصانع و المعامل([19]). و هي في البيت صارت تبحث عن بديل لتلك الأشغال فرأت الكتب و تناولتها، و الرواية و القصص مادة ممتازة لتثقيفهن و لملء فراغهن ففي الوقت الذي أصاب كثيراً من النبلاء تدهور ثقافي، اتجهت النساء الى الأدب، و أصبح الأدب هوايتهن من الدرجة الأُولى.([20])

و بعد تثقيف نفسها و تكوين مخزون ثقافي ثري لها، توسعت مخيلتها فبدأت تفرغ هذا المخزون و الخيالات بالكتابة، فالمخزون الثقافي يحتاج دوماً الى تفريغ و تنفيس في شىء نافع، و ليس في الجلوس بالبيت و الثرثرة في كلام فارغٍ فحسب، و سعت، فوق ذلك، الى أن تغير نظرة الذين يقولون لها: ((من ذا الذي يريد في بيته بقرة، اذا كان يستطيع شراء رطل الحليب بفلس واحد))([21])فبدأت الخروج للعمل و اعالة نفسها بنفسها، و أحياناً اعالة الرجال أيضاً. و شيئاً فشيئاً طالبت بجميع حقوقها في المشاركة بالاقتصاد و السياسة و أمور الدين و الدولة و الحياة الاجتماعية، حتى وصلت الى هذه المرحلة التي أصبحت فيها، أديبة، و ناقدة، و طبيبة، و محامية، و رئيسة وزراء، و عالمة كيمياء، و طّيارة، و الخ....... لأن القوي الآن من قوته في ذهنه و ليس من قوته في جسده، و عضلاته.

و أشهر كاتبة روايات في ذلك العصر هي "جين اوستن 1775-1817" اذ أن كتاباتها تصدرت القائمة الأولى للقراءة و كان لديها شيئ تقوله و لديها رسالة تؤديها و غاية تريد الوصول اليها عن طريق الكتابة. لكنها ليست الأولى من كتبت رواية، فهناك أخريات، لكن طُمست أسماؤهن و أعمالهن، لأسباب عدّة، منها اهمال النقاد إياهن و ضياع أعمالهن في المكتبات.([22])

ثم ظهرت "فيرجينيا وولف 1882-1941" و تقدمت بالكتابة على الآخرين و أبدعت في رواياتها في استخدام المنولوج و تيار الوعي، و تلألأ اسمها لكن بعد معاناة مضنية، أودت بحياتها و قتلت نفسها، لأنها لم تستطع أن تتلاءم نفسياً مع الظروف الاجتماعية التي كانت تعيش فيها.

و عن الكاتبات العربيات لمعت أديبات في كتابة القصص و في التعبير عن شعورهن تجاه الحياة و الكون و الأمور السياسية و الاجتماعية، و التعبير عن مشاعرهن كاناث و همومهن الأنثوية و أشواقهن في صدق و أمانة، و كن أقدر من غيرهن على رصد المواقف من حركة الحياة حول المرأة.

بعض هؤلاء الأديبات أثرن السلامة في التقدم، على نحو ما نجد عند (سميرة عزام- بنت الشاطئ- وداد سكاكيني- نوال السعداوي- سلمى الحفار).

و هناك أخريات أتجهن الى تصوير التحرر العاطفي للمرأة العربية، بعد كبت طويل، أذل روحها، فجاء أدبهن صرخة احتجاج عنيفة ضد كل ما عاناه جنسهن طوال عصور الانحطاط. أمثال: (صوفي عبدالله- جاذبية صدقي (مصر)- هند سلامة (لبنان)- غادة السمان (سوريا)، و هي قمة هذا الاتجاه. ([23])

ثم ظهرت "مي زيادة" التي كتبت النثر و النقد و المقالات و الرسائل و الأشعار و كانت متميزة، و سباقة في دخول عالم الرجال و المجالس الأدبية للرجال سافرة، وقد فتحت بيتها مجلساً أدبياً و اختلطت بالرجال و الأدباء، و ناقشت معهم الأمور الأدبية و الفنية و السياسية. و أسماء أخرى كثيرة أسهمت في التطور الأدبي. و الآن هناك: أحلام مستغانمي، مليكة مستظرف، سمر يزبك، نادية كوكباني، و هيفاء بيطار، ......الخ . و بدأ النقاد بالعناية بأعمال النساء و نقدها نقداً أدبياً موضوعياً، و التمييز بين الجيد و الردئ و لا يحكمون أحكاماً مسبقة، فأدب المرأة لا يحتاج الى من يصفها أو يذمها لأسباب عاطفية او لأنها كتبت من لدن المرأة، بل يحتاج الى النظر اليها أدباً بحتاً و بعيداً عن من كتبه، لتعرف الكاتبة نقاط ضعفها و نقاط قوتها، و لتعمل على وفق أساس متين في المستقبل. هذا هو عمل النقد و النقاد و ليس التسويق و الدعاية و عقد الصداقات معهن. تلك هي المرأة باختصار شاعرة و قاصة و روائية .

صفحة 9

المرأة في المسرح

تحدثنا عن الشاعرات و الروائيات و القاصات، والآن نأتي الى الحديث عن المرأة مسرحيةً، و قد رتبناه هكذا بحسب الترتيب الواقعي، أي المراحل التي مرت بها كتابة المرأة. فهي كتبت الشعر ثم القصة و الرواية ثم المسرحية. و سنقسم المرأة في المسرح على المرأة المؤدية (الممثلة)، ثم الكاتبة، لأنها بدأت بكتابة المسرحيات في وقت متأخر جداً، و لم تبرز في هذا المجال أسماء بارزة، كالتي برزت في دنيا الشعر و الرواية، فالمسرح يسمى فن الرجال، لأن أبرز الأسماء كانت و لا تزال للرجال.

نحاول هنا الكتاب في أسباب غياب المرأة في دنيا المسرح، فالمرأة واجهت كثيراً من المشكلات حين دخولها في هذا العالم ففي البداية حاولت أن تكسر قيودها العائلية و الاجتماعية لتمثل بنفسها دورها على الخشبة. و كما ذكرنا أن المسرح نشأ عن بعض الطقوس الدينية، و الرقصات و الأناشيد التي كانوا يؤدونها تكريماً للآلهة، و المؤدون سُميُ الكهنة.([24])و الكهنة كانوا يرفضون المسرحيات غير الدينية، و أصلاً اتجهوا الى تمثيل الطقوس الدينية عندما شاهدوا تحمس الراهبات و الرهبان لقراءة مخطوطات قديمة فيها مشاهد من المسرح للكتاب أمثال "بلوتوس" و "تيرانس" الاتينيين، و حاولوا محاكاتها([25])، وهنا حاول الكهان تأسيس مسرحيات أو مشاهد دينية كي لا يتجه الرهبان الى هذا النوع من القراءة و المحاكاة. و كانت الطقوس أو المشاهد التي يؤدونها تمثل فيما بينهم، و كانت تؤدّى من لدن كاهن أو شخص واحد يجلس و يروي المشهد الديني، و باقي الرهبان يرددون المقاطع الجماعية الدينية. و بعد ذلك تطور و أصبح التمثيل بين شخصين ثم أكثر فأكثر، و لكن المؤدين كانوا من الرهبان أي الرجال، و عندما تطورت هذه المشاهد الدينية و أصبحت تتداول بين العامة أيضاً، كان المؤدي رجلاً أيضاً، و ظهرت محاكاة غير دينية و المؤدي بقى رجلاً، و حتى المشاهدة لم تكن مسموحةً للمرأة، سواء أكانت المسرحية دينية ام غير دينية، و الحقيقة ((ان اصحاب الأديان السماوية استهجنوا المؤدين- سواء أكانوا ذكوراً أم اناثاً- الذين يقومون بأداء المسرحيات غير الدينية حتى و ان كانت هادفة))([26]).

فبأسم الدين منع الكهان و الرهبان أن تؤدي المرأة أو تشاهد المسرح، و بما أنهم كانوا يتحدثون باسم الله، و المجتمع يعوم في الجهل و الأمية و الفقر فقد صدقوا كل ما يقال لهم باسم الله اي بأسم الدين او بأسم العادات و التقاليد، و هكذا بُنيت التقاليد المسرحية على أساس الدين، او على أساس الفهم الخاطئ للدين، و استغلال الناس بأسم الدين.

فأمتنعت المرأة عن الايداء، و في المسرح الاغريقي كان الرجال هم الذين يؤدون أدوار النساء، ف"سوفوكليس" ([27]) كان يؤدي دور "الكترا" ([28]) في أثينا، مستخدماً القناع.([29])

و حتى قناع المرأة لم يكن موجودا و ((فرينكيوس، أول من أدخل العنصر النسائي في المسرحية، و ليس معنى ذلك أنه جعل النساء على المسرح، و انما أعطى قناع النساء للمؤدي حيث لم يكن يسمح قبل ذلك بظهور العنصر النسائي))([30]) اذن المسرح كان فن الرجال من التمثيل و المشاهدة و الكتابة، و لكن ليس منذ البداية، بل حورت هكذا. و التناقض هنا هو في وجود المرأة داخل النصوص و المشاهد المسرحية في هذا الفن الرجالي، و هذا ما أثار ثائرة المرأة فيما بعد.

صفحة 10

و بعد مدة من ظهور هذا القناع النسائي، بدأ الصبيان يؤدون أدوار النساء، فيلبسون ملابس النساء و يضعون المكياج على وجوههم مثل المرأة، و كانوا يتدربون تدريباً خاصاً كي يستطيعوا اقناع الجمهور بأدوارهم النسائية و ليس الصبيانية. و كانت محاولة الاقناع هذه تتطلب جسداً غير عادي أي مستعاراً قادراً على تقديم العلاقات الأنثوية، و بذلك أصبح للفتى حياتان و جسدان، حياة مسرحية فنية متمثلة في اداء دور المرأة و محاولة اقناع الجمهور بهذا التمثيل، أي أنه (هي) و ليس (هو)، و حياة عادية يومية متمثلة بكونه (هو) أي دوره الطبيعي في الحياة. ([31])

و قد بلغ التدريب و التركيز على اداء الصبيان دور المرأة حداً من الأهمية ما جعل دولة مثل (اليابان و الصين) تهتم اهتماماً كبيراً بتنمية العنصر النسائي في المؤدين الصبيان، عندئذ بدأت تربية الصبيان منذ الولادة تربية خاصة، تربية الفتاة أي دورهم الثاني في المجتمع، فكانوا يربونهم و كانهم فتيات على الحس و رقة المشاعر و الحديث الأنثوي و التصرف برقة، أي بدأوا بتغيير جنس الذكر الى أنثى تغييراً نفسياً و ليس بيولوجياً، و لو كان الطب متقدماً كما هو الآن فلربما غيروهم بيولوجياً أيضاً. و كانوا يسمون هؤلاء الصبيان (أوناجاتا) ([32]) و هذا حدث منذ بداية القرن الثامن عشر، و كانت تربية الفتيان هذه تربية خاصة على وفق الوراثة، أي ينتقل هذا الدور بين أفراد عائلة واحدة أباً عن جد.([33])

إنّ هذه الظاهرة ولدّت التناقض و التصادم بين الحقيقي و اللاحقيقي، و قد يكون الغزل الشاذ توَّلَد من افرازات هذه الظاهرة غير الانسانية. إذ بدأ الفساد يحل بالمجتمع حيث الذكر يحب الذكر، و الأنثى تحب الأنثى، لكن هناك أسئلة ملحة تطرح نفسها، لماذا بوجود المرأة الحقيقية يعتمد على الجنس الآخر ليؤدي دور المرأة؟! و مادام المجتمع لا يستطيع تقبل المرأة على خشبة المسرح، فلماذا يتوجب تجسيدها في المسرحيات؟! و لماذا يتلهفون الى تمثيلها اذا هم لا يريدونها ان تؤدي دورها الحقيقي و الطبيعي في المجتمع داخل البيت او خارجه؟!. أسئلة كثيرة و كثيرة لكن لا جواب لها، لأن المجتمع لمّا يفهم بعد خصوصية و طبيعة كلا الجنسين .

و اذا كان المسرح لصيقاً بحياة المجتمع، و محاكاة للواقع، فلماذا كل هذا التناقض اذن؟ و لكن كل هذا الكبت و الحرمان، جعل المرأة أن تبحث عن حلول كي تستطيع الخروج من قوقعة البيت، فرأت أنها تستطيع أن تفعل كما يفعل الرجال، أن تقنّع نفسها بقناع الرجال و تؤدي أدواراً رجالية، و بهذا تستطيع ان تخفي حقيقتها و ملامحها النسائية، و تستطيع الخروج، مثلها مثل الرجال، و تمثل أدوارهم، و كان بعض الممثلات يرين في الأدوار الرجالية مواجهة حقة مع التقاليد المهنية و الاجتماعية معاً، فلذلك مثلن أدوار الرجال و قصصن شعورهن و تصرفن كما يتصرف الرجال([34])، تحدياً للمجتمع و للعادات و التقاليد.

من هؤلاء الممثلات "سارة برنار" ([35]) التي مثلت أدوار الرجال، و كانت مدهشة في جذب انتباه المتفرجين و جعلهم في حالة اصغاء مستمر.([36])و لربما كانت على سجيتها حينما تمثل تلك الأدوار، لأنها لم تر في صورة المرأة ما يحقق أحلامها، و لم تجد في النصوص المسرحية شخصية تمثلها كما هي أحبت، و لذلك بحثت عن أدوار أخرى تعجبها و تتلاءم معها، ورأت في أدوار الرجال ما تبحث عنه، لذلك مثلت تلك الأدوار و تميزت فيها، لكن المجتمع لم يتقبل تمثيل أدوار الرجال من لدن المرأة، في حين قبل العكس و شجعته حوالي قرن من الزمن، و سبب عدم قبوله لهذه الظاهرة يقوم على مبرر واهٍ، و هو أن هذا التمثيل يترك بصماته مثل الخشونة أو اللفظ البذئ عليهن([37])، و بهذا يؤكدون كرةً أخرى بأنهم ينظرون الى المرأة مجرد جسد، و أنها للمتعة و يجب أن تكون رقيقةً و حنوناً و ما الى ذلك، يريدون أن يطبقوا عليها ما هم يريدون، و لا يحسبون أي حساب لما هي تُريد! فلا يتروكونها تتعامل كما هي، و تتصرف على سجيتها.

لكن بعد تطور العلم، و بعد صراعهن الطويل مع المجتمع، و مع تقاليد و سنن كثيرة فرضت عليها، استطاعت ان ترجّع حقها المشروع في التمثيل على الخشبة عام 1827، بعد انتظار دام نصف قرن حتى قيض لهن أن يحلن محل الممثلين الرجال. و ثمة من يعزو هذه الحركة المتقدمة الى تأثير السينما بانتشارها الواسع([38]).

لكن في المجتمع العربي كانت المرأة في المرتبة الثانية دوماً، و لا تزال فهي ((دون الرجال و تابعه و هو الوصيُّ عليها))([39])

و انما وجدت لتمتع الرجال في المرتبة الأولى ثم لتكون أداةً لحفظ النسل و صنع رجال الغد.