eKtab
EN ع
الدين والسياسة
اقرأ عينة مجانية

الدين والسياسة

بقلم د. محمد صالح المسفر

صفحة 1
مقدمة
 
كان السؤال الذي يشغل المواطن العربي والمسلم في نهاية القرن العشرين هو: ما رأي أئمتنا وشيوخنا الأفاضل ومجاهدينا من قادة الفصائل الإسلامية في قضايانا المصيرية، وأبرزها قضية الصراع العربي الإسرائيلي والحالة العراقية الكويتية، وغيرها من القضايا الهامة·
 
وهذا الكتاب يمثل محاولة للإجابة على ذلك السؤال من خلال حوارات أجريتها في النصف الأول من عقد التسعينيات مع نخبة من القيادات الدينية والمجاهدين، والمفكرين الإسلاميين، ضمن برنامج ( حوار في قضية ) عبر تليفزيون قطر·
 
ولا بد لي ان انوه في هذه المقدمة الموجزة بان بعض حلقات البرنامج أو أجزاء منها لم تدرج ضمن سياق هذا الكتاب لأسباب وجيهة منها تلف بعض الأشرطة بسبب الحرارة والرطوبة الناجمين عن عدم التقيد بشروط حفظها وتخزينها في أرشيف الكاتب·
 
ومن واجبي أن اعتذر لكل من أجريت معه حوارا لم اضمنه هذا الكتاب، ليس تجاهلا لفكره أو اعتراضا على رأيه، وإنما للأسباب أنفة الذكر·
 
وأنوِّه هنا أني لم أحذف أو أغير أي رأي ورد في الحوارات، وكل ما فعلته هو إعادة صياغة اللهجات غير الفصحى لتكون في قالب لغوي سليم، إضافة إلي تجنب التكرار والإسهاب الذي يحدث عادة في الحوارات التليفزيونية التي تذاع على الهواء مباشرة· واعترف بتقصيري في تحديد تواريخ بث الحلقات وتسلسلها الزمني·
 
أخيرا، قد يسأل سائل: لماذا يصدر هذا الكتاب بعد نحو عشر سنوات من تاريخ بث البرنامج؟ وأجيب: لان هذه الحوارات كانت وما زالت تسلط الضوء على نفس القضايا التي شغلتنا وتشغلنا اليوم، كما أنها تستشرف آفاق المستقبل المنظور الذي نأمل أن يكون مشرقا وعزيزا يليق بهذه الأمة العريقة·
 
محمد صالح المسفر
صفحة 2
1- فضيلة الشيخ أ· د· يوسف القرضاوي
 
مدير مركز بحوث السيرة والسنة ـ جامعة قطر
 
الإسلام والغرب : صراع أم تعاون، أم ماذا ؟(1)
 
د· المسفر : فضيلة الشيخ يوسف، هموم العرب والمسلمين، كما تعلم، كثيرة، وهناك أعداء يتربصون بهذه الأمة بعضهم من الداخل والبعض الآخر من الخارج· ولكن أستأذنك في الإشارة إلى أن الكثير من قادة الفكر الديني في عصرنا أكثروا من الحديث عن العلمانية والعلمانية (بفتح حرف العين أو بكسره) ومصدر معرفة معظمهم عن هذا المصطلح تعود إلى ما يكتبه بعضهم، ومعظمهم لا يعود إلى مصادر المعرفة في آداب عصر النهضة وتاريخها ليتبين مفهوم ذلك المصطلح وجذور نشأته· بعض الفقهاء في عالمنا الإسلامي يُعَرِّف العلمانية بالإلحاد رغم إنها اقتصرت على فصل الدين عن الدولة ولم يفصل الدين عن المجتمع والحياة· الفصل الأول ممكن وضروري وحققته المجتمعات الأوروبية، الفصل الثاني وهم لسبب واحد هو أنه لا أحد يملك حق فصل الدين عن المجتمع· إذا كنت تتفق معي في هذا القول، فلماذا هذا الخلط وهذه المعارك المصطنعة والتي هي عندي لا تزيد عن محاولات إلهاء العالم الإسلامي بخلافات جانبية؟
 
الدكتور القرضاوي : لقد بدأت بهذا الهم الأول من هموم المسلمين وما أكثر همومهم، وقد قال الشاعر قديماً :
 
ولو كان هماً واحداً لاتقيته
 
ولكنـه هم وثان وثالـث
 
إن مسألة العلمانية (بكسر حرف العين أو فتحه) هي مثار خلاف في المصطلح وخاصة القائلين بالعلمانية (بفتح حرف العين أو بكسره)، لأن الذين ترجموا هذا المصطلح من اللغة الفرنسية أو الإنجليزية كانوا يقصدون أن العلم مقابل الدين والعلمانية مقابل الدينية، هكذا في الفكر الغربي · هذه العلمانية دخيلة علينا نحن المسلمين· كان لها مبرراتها عند الغرب، كان هناك كهنوت متحكم في المجتمع، وكانت الكنيسة تتحكم في الحياة ووقفت مع الجهل ضد العلم ومع الجمود ضد التحرر ومع الملوك ضد الشعوب وكانت محاكم التفتيش·
 
لقد مس الغرب المسيحي نفحة من الشرق الإسلامي من خلال لقاءاته بالمسلمين في الأندلس وصقلية وغيرها من الأمصار، فبدأ الغرب ينهض ويستيقظ وينقل عن المسلمين وبدأ يحدث هذا الصراع فكانت النتيجة أنه لابد أن ينتصر أحد التيارين تيار العلم والعدالة والتحرر والتفكير والاختراع أو تيار الجمود والظلام، فانتصر التيار الأول على التيار الثاني الذي كانت تمثله الكنيسة في ذلك الزمان، وثار الناس على هؤلاء وقالوا فيما نقل عنهم اشنقوا أخر ملك بأمعاء آخر قسيس وتفاقمت الثورات التي لا تبقي ديناً ولا فكراً ·
 
نحن في العالم الإسلامي لسنا في حاجة إلى هذا· لا يوجد عندنا صراع بين العلم والدين، لا يوجد عندنا صراع بين الفكر والعقيدة، بل العلم عندنا معشر المسلمين دين والدين عندنا علم، لأننا أمرنا بطلب العلم، حتى علوم الدنيا اعتبر جمهور العلماء تعلمها وإتقانها فرض كفاية (طب ، هندسة ، الخ)· لا يوجد عندنا ما هو عند المسيحية التي تقول: اعتقد وأنت أعمى أغمض عينيك ثم اتبعني · عندنا، إيمان المقلد لا يقبل ، يقول الحق {هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} البقرة:1 1 1 ، { أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِي أَنفُسِهِمْ} الروم : 8 {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ} سبأ : 64· ولذلك كانت حملة القرآن الكريم على الظنون: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً} النجم: 82 وعلى إتباع الأهواء: {وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ا} ص: 62 وعلى التقليد: {قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} الزخرف : 32· ليس عندنا نحن المسلمين ما كان عندهم، ولذلك هذه قضية مستعارة ولسنا في حاجة إليها· أما فصل الدين عن الدولة وعن المجتمع وعن الحياة، فالمسيحيون ليست عندهم شريعة· المسيحية هي عبارة عن عقائد ومواعظ وأخلاقيات· ليس عندهم شريعة حاكمة مفصلة لشؤون الحياة كشؤون الأسرة وشؤون المجتمع والدولة والاقتصاد·· إلخ· ليس عندهم هذه الشريعة، أما نحن فلدينا شريعة فيها عبادات ومعاملات وقيم ونظم ونحن مأمورون بتحكيمها وإن أحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم وأحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما انزل الله إليك· ومن هنا نقاوم العلمانية إذا كانت بهذا المعنى· فإذا كانت العلمانية بمعنى إتباع العلم والعقل، فهذا نرحب به بل نحن مأمورون به ، أما إذا كانت العلمانية تعني أن الدين لا علاقة له بالمجتمع ولا علاقة له بالحياة فهذا مرفوض لأن ديننا له علاقة بكل مقومات الحياة، ولهذا يتوجب علينا معرفة لماذا نقاوم العلمانية بهذا المعنى الذي هو مفروض علينا وهو دخيل علينا ولسنا بحاجة إليه·
صفحة 3
د· محمد المسفر : إذن نتفق على أن العلمانية تعني فصل الدين عن الدولة في الفكر المسيحي إبان عصر النهضة، والإسلام ليس له علاقة بذلك المفهوم لأن نشأته في بيئة جغرافية واجتماعية وظروف سياسية ودينية تختلف عن واقعنا وبيئتنا منذ فجر الإسلام ·
 
الدكتور القرضاوي : ليست العلمانية كما جاءت في مقدمتك بأنها تعني عند البعض الإلحاد ، إنها لا تعني الإلحاد إطلاقاً لأن العلمانية تعترف بالله ولكن كما قال أحد الغربيين أنها تعترف بالله لكنها لا تجعل له مكاناً في تنظيم الحياة ·
 
د· المسفر : ما ذكرته عن إلحاد العلمانية هو ما جاء على لسان خطيب يوم جمعة في أحد المساجد وهذا ما دفعني أطرح هذا المصطلح لتبين فضيلتكم الرأي الصواب في هذا الشأن ·
 
الدكتور القرضاوي: يا دكتور محمد، لا تؤخذ الأفكار الإسلامية من خطباء المساجد، يجب أن تؤخذ من أهلها·
 
د· المسفر : في بيروت عقد المؤتمر القومي الإسلامي وقدمت سيادتكم بحثاً قيماً في ذلك المؤتمر جاء فيه أنه لا يوجد في الإسلام دولة دينية (كهنوت) وإنما دولة مدنية هل لك أن توضح ذلك؟
 
الدكتور القرضاوي : الدولة التي يريدها الإسلام ليست دولة بيروقراطية، ليست دولة الكهنة، إنها دولة مدنية مبنية على البيعة، دولة يختارها الشعب، لا تختار من المشايخ ولا من رجال الدين إنما يتم الاختيار من أكفأ الناس، من الأقوياء الأمناء الذين هم أقدر الناس على تحمل المسؤولية· ولذلك سيدنا أبو ذر الغفاري عندما طلب من الرسول عليه السلام أن يوليه إمارة أو ولاية قال له الرسول عليه السلام : يا أبا ذر إنك رجل ضعيف وإنها أمانة وإنها خزي وندامة يوم القيامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها وهو الذي يقول عن أبي ذر رضي الله عنه ما أقلت الغبراء ولا أضلت السماء أصدق لهجة من أبي ذر الغفاري لكنه لا يستطيع تحمل مسؤولية الولاية·
 
الدولة الإسلامية دولة مدنية أي أنها دولة تقوم على دستور وهذا الدستور يقوم على الشورى ويقوم على العدالة والمساواة، وتقوم على الأقوياء والأمناء من الناس ، دولة يستطيع فيها أي صاحب رأي أن يقول للحاكم: اتق الله، ويقول له: هذا خطأ وهذا صواب ·
 
وكما قال سيدنا أبو بكر في أول خطبة له أيها الناس إني وليت عليكم ولست بخيركم، إن رأيتموني على حق فأعينوني وإن رأيتموني على باطل فسددوني وعمر بن الخطاب عندما قال له رجل من عامة الناس اتق الله يا بن الخطاب، قال بعض جلساء عمر لهذا الرجل لا تقل هذا القول لأمير المؤمنين، فقال عمر عليه السلام دعه يقول ، فلا خير فيكم إذا لم تقولوها ولا خير فينا إذا لم نسمعها· أريد أن أقول هذه هي الدولة التي يجب أن تكون وليست دولة الكهنة· إنها دولة مدنية بالعقل لا دولة تقوم على القول إنما حللتموه في الأرض فهو محلل في السماء وما عقدتموه في الأرض فهو معقود في السماء دولة تعترف بأنه يمكن أن يخطئ الحاكم ويمكن ان يُصوَّب وقد صوبت امرأة عمر بن الخطاب واعترف لها بذلك حين قال أخطأ عمر وأصابت امرأة هذه الدولة المطلوبة ·
 
د· المسفر : بعض المفكرين يرون وجود أزمة بين التراث الإسلامي وبين العصر والحداثة هذا يقودنا إلى مسألة الإسلام والغرب، صراع أم تعاون أم ماذا؟ هل هناك صراع في مواجهة الإسلام الآن في ظل الظروف الراهنة؟
 
الدكتور القرضاوي: المشكلة في الحقيقة ليست فينا نحن، المشكلة في الغرب نفسه الذي ما زالت تحكمه عقد، هذه العقد تكمن في الخوف من الإسلام· بعضهم يسمي الإسلام الخطر الأخضر، بعد أن زال الخطر الأحمر بعد انهيار الاتحاد السوفيتي والخطر الأصفر وهو الصين حيث أصبح هناك تقارب بين الغرب والصين· فقالوا أن الخطر الجديد هو الخطر الإسلامي· هناك وهم عندهم بهذا الخطر المزعوم، أي أنه لا وجود لهذا الخطر، والحق أن ما نراه في البوسنة والهرسك مع الأسف هو تعسف ضد الإسلام والمسلمين· هناك حقد قديم على الإسلام والمسلمين بقايا الحروب الصليبية للأسف موجودة، عندما دخل اللورد ألنبي القدس في سنة 7 1 9 1 قال كلمة مشهورة اليوم انتهت الحروب الصليبية ، وعندما دخل القائد الفرنسي غوردن دمشق وقف عند قبر صلاح الدين الأيوبي وقال ها قد عدنا يا صلاح الدين· هذه الكلمات نطق بها القادة العسكريون من الأوروبيين بكل وضوح يقولها السياسيون ولكن ليس بصراحة العسكر، لكنها تظهر في مواقف مختلفة·
صفحة 4
نحن ندعو إلى حوار مع الغرب ونقول آن لنا أيها الغربيون أن ننفض الغبار القديم وأن نزيح هذا الصدأ ونبدأ صفحة جديدة· وأنا من الذين يدعون إلى الحوار مع الغرب ومع العلمانيين ومع القوميين وليس في ذلك حرج· إننا نقترب في القضايا المصيرية ونقف صفاً واحداً ضد الأخطار التي تهددنا جميعاً· نحن أيضاً نقف مع الغربيين وهم أهل كتاب ونقف معاً ضد الإلحاد ضد تيار الإباحية والانحلال نقف معاً ضد الظلم والطغيان ، إننا ندعو إلى حوار مع الغرب ولكنه لا يتعامل معنا بهذه الروح وإن كنت قد لاحظت في بعض المواقف أنه حينما يوجد فكر يكون الأمر أقوى لقد التقيت منذ سنتين مع الشيخ الغزالي وبعض من علماء الأزهر في ألمانيا مع مجموعة من المستشرقين وبعضهم من رجال الدين وبقينا لمدة يوم عمل كامل في نقاش فكري وقد أزلنا الكثير من الشبهات ورددنا على الكثير من التساؤلات التي كانت في أذهانهم وقال بعضهم أن مثل هذه اللقاءات مثمرة ونافعة ، وفي فرنسا جرى حوار بين المسلمين وبعض المستشرقين الفرنسيين والبريطانيين وكان حواراً نافعاً ولكن هناك أشياء ظهرت على الساحة هي مسألة الحجاب في فرنسا فالمسلمات في فرنسا يشتكين: لماذا لا يمكننا أن نلبس ما فرضه علينا الدين الإسلامي؟ الإسلام يفرض علينا الحجاب، لماذا يا فرنسا، يا بلد الحريات، تفرضين علينا أن نخلع هذا الحجاب؟ كأن فرنسا في هذا السياق تفرض على المسلمة أن تتخلى عن دينها· هذا الإجراء ضد مبادئ الثورة الفرنسية وضد حقوق الإنسان وضد كل الدساتير الحديثة· قال بعض الحاضرين: لأن هذا الحجاب رمز ديني· قلت هذا ليس صحيحا· لأن الرمز الديني ما ليس له وظيفة إلا إنه شعار وإعلان ، مثل الصليب المعلق في عنق الإنسان، مثل نجمة داود على صدر اليهودي أو اليهودية أو القلنسوة التي يرتديها بعض اليهود على رؤوسهم أو مثل عمامة السيخ· هذه رموز دينية· الحجاب في الإسلام له وظيفة يؤديها عند المسلمة، وهي الستر والحشمة، وهذا أمر إلهي· وقلت لهم: مع هذا، كأنكم لم تمنعوا من يضع الصليب أو نجمة داود على صدره أو القلنسوة اليهودية على رأسه، وأعفيتم السيخي (السيخ) من لبس ما يشبه الخوذة التي توضع على رأس راكب الدراجة النارية، ودينه يأمره بلبس ذلك، فلماذا تتهاونون مع إتباع الديانات الأخرى وتتشددون مع المسلمين؟ أن هذا العقل بكل أسف من رواسب الحروب الصليبية، والحق أن المشكلة ليست معنا وإنما هي مع الغرب· نريد من الغرب أن يتخلص من هذه الرواسب ونقف الند للند في حواراتنا، وحتماً هناك نقاط للالتقاء بيننا وبينهم·
 
د· المسفر : مؤتمر حوار الأديان الذي تم في أسبانيا مرة، ومرة أخرى في مالطا، ألم تعط هذه المؤتمرات ثماراً لتقريب الفجوة بين الإسلام والغرب؟
 
الدكتور القرضاوي: مثل هذه المؤتمرات وغيرها لابد لها من أثر· لقد حدثني الأستاذ محمد المبارك رحمه الله أنهم التقوا بالبابا وبرجال الكنيسة في الفاتيكان وحاوروهم في عدد من القضايا وكان معهم الأستاذ محمد علي الحرقان أمين عام رابطة العالم الإسلامي في ذلك الوقت والدكتور معروف الدواليبي، وصدر عنهم كتاب يتضمن حقوق الإنسان بين الإسلام والمسيحية· أن مثل هذه اللقاءات لها آثار إيجابية لصالح الفريقين· نحن نقبل الحوار الذي لا تكون خلفه أهداف معينة، إذا كان لا يراد به استغلال قضية خاصة· الإسلام يعتبر أهل الكتاب أقرب إلى المسلمين من الوثنيين الملحدين· في سورة الروم، نجد أن القرآن بشر المسلمين أن الروم سينتصرون على الفرس، لأنه عندما انتصر الفرس على الروم سعدَ المشركون، وشمتوا بالمسلمين وقالوا لهم: إخواننا الوثنيون عباد النار انتصروا على إخوانكم أهل الكتاب· لقد حزن المسلمون على ما أصاب الروم بوصفهم أهل كتاب والمشركين فرحـوا · نزل القرآن ليقـول {غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ا} الروم : 2-5·
 
نحن المسلمين نعتبر كل من لا يؤمن بالإسلام كافرا بهذا الدين وليس ملحداً، وحق بقية أتباع الديانات الأخرى اعتبار من لا يؤمن بدينهم كافرا· لكن الكفر درجات، هناك الإلحاد والوثنية وهناك أهل الكتاب، هناك النصارى أقرب إلى المسلمين {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى} المائدة : 28 · فلابد أن يراعى هذا في العلاقة فيما بيننا وبين غير المسلمين·
 
د· المسفر : جميل أن يتبنى شيخنا الداعية الدكتور يوسف القرضاوي الدعوة للحوار مع الأديان الأخرى، ولكن أليس من الأجدر والأولى ان ندعو إلى الحوار بين المذاهب والفرق الإسلامية· هناك جدل كبير بين بعض أهل السنة الذين يدعون إلى تكفير إتباع مدارس فقهية إسلامية أخرى· كان الأزهر الشريف في زمن الشيخ شلتوت رحمه الله قد عمل جاهداً من أجل الحوار بين أهل السنة والمذهب الجعفري، وقد حقق نجاحاً في ذلك الزمان للوصول إلى موقف موحد من بعض القضايا التي تمس الأمة الإسلامية· فبدلاً من الذهاب إلى الخارج للحوار مع أوروبا، كان الأجدر أن نبدأ الحوار فيما بيننا·
 
الدكتور القرضاوي: هذا القول فيه الشيء الكثير من الصحة· هناك بعض من المسلمين انتهى بهم الغلو إلى تكفير غيرهم وظهرت الجماعة التي تسمي نفسها جماعة التكفير، وكان لظهورها أسباب معروفة ولكن هناك تضخيماً لأهمية هذه الجماعات· إنها جماعات محدودة جداً وإن كان صوتها عالياً، وبعض أجهزة الإعلام تحاول أن تبرزه وتضخمه· وقد كتبت في هذا المجال قبل عشرين عاماً، رسالة اسمها ظاهرة الغلو في التكفير، لأني اعتبرت هذه الظاهرة خطيرة جداً· لأن بعضهم يكفر من لا يستحق التكفير· أن تكفر من يخالفك في شأن ما أمر لا يقبل· والإسلام شدد في أمر التكفير، فهذا في غاية الخطورة، لأن تكفير مسلم يعني إخراجه من الإسلام، وهذا يعني أنك حكمت عليه بالإعدام الأدبي والمادي معاً، حيث ان هناك رأي عند بعض الفقهاء يقول المرتد يقتل، وهناك من الفقهاء من رفض هذا الحكم وقال بل يُسجن ويُفرق بينه وبين زوجته وأولاده، لأن المرتد لا يؤتمن على أهله وليس مسلماً حتى يكون زوجاً لمسلمة· هذا أمر في غاية الخطورة· والعلماء قالوا لو عمل أحدكم عملاً فيه 99% يحتمل الكفر وعمل واحد يحتمل الإسلام نحمله على الوجه الذي يحتمل الإسلام إبقاءً لحال المسلم على الصلاح وإبقاءً له في دائرة الإسلام·
صفحة 5
لقد دعوت إلى الحوار مع جميع مذاهب المسلمين ومع غير المسلمين· ودعوت إلى الحوار مع المخالفين لبعض الأمور الدينية، وكما تعلم، في الساحة الإسلامية فصائل متعددة سموها فصائل الصحوة الإسلامية وهي مدارس مختلفة ولها اجتهادات مختلفة وهذا أمر محزن سواء على مستوى الدول والحكومات أو على مستوى الجماعات والفصائل· ونرى أيضا دولاً عربية وإسلامية تتقاتل على الحدود والموارد وهذا مع الأسف لا يجوز أن يحدث بين أمة واحدة· أن هذه الأمة لها عدو يهددها ويتوعدها وما تعانيه على مستوى عام تعانيه على مستوى خاص· أنني من القائلين أنه لابد من الحوار ولا يمكن أن تحل هذه الاختلافات إلا بالحوار البنَّاء والحوار لابد أن يكون مع العقلاء أصحاب الرأي· الشيخ رشيد رضا رحمه الله له قاعدة سماها قاعدة المنار الذهبية · هذه القاعدة تقول نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه · وطبقها الشيخ حسن البنا رحمه الله، ونحن متفقون على أشياء كثيرة، تعالوا نتعاون لننهض بالأمة من تخلفها، تعالوا نتعاون في محاربة الفساد والرذيلة والاستبداد، أما ما نختلف عليه فليسامح بعضنا بعضاً، من أجل الأخوة الصادقة وصلاح الأمة·
 
د· المسفر : هناك حملة ضد الإسلام والمسلمين، حيث يوصفون بأسوأ الصفات، وكل حادثة مشينة تحدث في أي مكان في الأرض تلصق في بادئ الأمر بالعرب المسلمين ـ على نحو ما جرى في العام الماضي 4 9 9 1م من أحداث في اليابان والأرجنتين وأمريكا وإيطاليا، نسبت إلى المسلمين·
 
وهناك رأي يقول بأن بعض الحركات الإسلامية هي في الأساس حركات مرتبطة بالغرب وخاصة بريطانيا منذ زمن نشأتها الأولى في مصر مثلاً، ورأي آخر يقول بأنها حركة الجياع ورأي ثالث يقول بأنها حركة الصحوة الإسلامية·
 
أين يقف شيخنا من هذا كله ؟
 
الدكتور القرضاوي: أنا لست من أنصار التفسير ألتآمري للتاريخ وللأحداث· هناك اتجاه عند البعض يفسر الأحداث تفسيراً تآمرياً متجاهلاً العوامل الداخلية والبواعث الذاتية النابعة من أنفسنا · القرآن عندنا عقب على غزوة أحد، قال {أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ ا عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} آل عمران : 5 6 1 ، فأنا لا أحاول أن أحمل كل ما يحدث على الغرب وإن كنت أعترف بأنه لا يجب علينا أن نتعامى عن الحقائق، فالغرب له دخل كبير فيما يحدث، أحياناً في إنشائه وأحياناً في تغذيته حتى يظل مشتعلاً· ما يحدث في مصر اليوم والجزائر وفي أكثر من دولة، للغرب مع الأسف له يد في هذه القضايا ولكن هناك قضايا داخلية، فمثلاُ الغرب في الجزائر قطع الطريق على الشعب الجزائري· هذا الشعب انتخب الإسلاميين ولكن لم يعط الإسلاميون فرصة، لقد جربوا النظام العسكري، وجربوا نظاما مختلطا بين القومية والماركسية ولم يجرب المسلمين، حكم عليهم بالحرمان، لماذا الخوف من الإسلام؟ ان لهذا الحرمان أبعاده، فإن الشباب المسلم حينما يضيق عليه الخناق، سيلجأ إلى المواجهة أي أنه سيبدأ يتعايش مع العمل السري ومن هنا تكون المشكلة الكبرى· نحن نريد أن يعطى الإسلام فرصته ليعمل في النور كغيره من المنظمات والأحزاب· في مصر مثلاً هناك حزب التجمع الوطني الذي يجمع بين القوميين والشيوعيين والناصريين وغيرهم، فلماذا لا يوجد حزب للإسلاميين؟ هناك إسلاميون موجودون وأنتم تعترفون بهم، وهم عندما يدخلون في أية انتخابات مهنية، يفوزون، أي أنهم موجودون على الساحة الشعبية، فلماذا لا تعترفون بحقهم في الوجود السياسي؟ فيعملون في النور لا في الظلام· إن هؤلاء يمثلون الوسطية، يمثلون الاعتدال والتوازن· إن الذي يحدث في مصر تحكمه عوامل عديدة ، وأعمال العنف التي تحدث من هؤلاء الشباب هي نوع من الثأر، أي الثأر من الحكومة لأنهم يرون أن أجهزة الأمن قتلت أو اعتقلت أصحابهم واعتدت على بيوتهم، وفتشتها دون مبرر وانتهكت الحرمات، هكذا يتصورون، ولهذا يقولون بأنهم يثأرون ممن يلحق بهم وبأصحابهم الأذى·
 
د· المسفر : الحركات الإسلامية في مصر نشيطة منذ زمن الشيخ حسن البنا وسيد قطب والهضيبي وغيرهم· وكان يقال بأن هذه الحركة هي حركة دينية بحتة وتحارب الإلحاد ولم توصف بالإرهاب منذ مطلع الخمسينات وإلى ما بعد حرب 7 6 9 1 بفترة قصيرة، لأنها في ذلك الوقت كانت تعادي بعض النظم السياسية الثورية في الوطن العربي وأن الغرب وبعض الأنظمة العربية كانوا راضين عن تلك المنظمات الإسلامية· أما الآن فهي توصف بأنها حركات إرهابية لأن هذه الحركات متواجدة في دول عربية مرتبطة بالغرب· فالعدو المفترض ابتداءً ـ وهو النظم الثورية القومية ـ لم يعد موجودا وعلى ذلك فإن صلاحية هذه الحركات أو المنظمات انتهت بالنسبة للغرب·
 
الدكتور القرضاوي: بعض هذا الكلام ليس مسلماً به على إطلاقه، لأن الحركة الإسلامية ما كانت دينية فقط، إنها حركة إسلامية شاملة، فالإسلام ليس ديناً فقط، الإسلام دين ودنيا، عقيدة وجهاد، عبادة وقيادة، مصحف وسيف، إنه منهاج للحياة· وفي وقت من الأوقات اتهمَت بالإرهاب لأن الإنجليز موجودون في مصر كقوة احتلال، وكانت هناك مقاومة لهم في مصر، وفي فلسطين أيضاً·
صفحة 6
إن الحركة الإسلامية في مصر في الفترة الأخيرة أصبحت تمثل الاعتدال· استفادت من التجربة وأصبحت تدعو إلى المسالمة والحوار والعودة إلى القواعد الشعبية وتعمل مع الشعب ·
 
المشكلة الآن أن الغرب أصبح يتهم الظاهرة الإسلامية في كل فترة بتهمة معينة· في فترة من الفترات، كانت التهمة هي التطرف الإسلامي، الآن تركت هذه التهمة، والنغمة السائدة الآن عندهم هي احذروا الإسلام المعتدل، الإسلام المتطرف لم يعد خطراً، الإسلام المعتدل أشد خطورة، المتطرفون لا يعمرون طويلاً، إنما الذي يستمر طويلاً هم المعتدلون· ويقولون ان الإسلام لا يمكن أن يكون معتدلاً، إنه يبدأ معتدلاً ثم يتطرف· هذه مجمل الأفكار التي يرددونها الآن في الغرب· ويقولون الإسلام السياسي! يا للعجب! هل هناك إسلام سياسي وإسلام روحي وإسلام اجتماعي· إن الإسلام فيه السياسة والروحانية وكل علوم الاجتماع ولا يمكن أن يكون الإسلام دين رهبانية، نحن نؤمن بأنه لا رهبانية في الإسلام· الآن جاؤا علينا بمصطلحات جديدة هي الأصولية والإرهاب·
 
شمعون بيريز يقول نحن لدينا ثلاثة أعداء كونيين هم: الجوع والمخدرات والأصولية· هؤلاء هم الأعداء الذين يجب أن نقف ضدهم· ما هي الأصولية؟ هذه الكلمات غامضة ومطاطة· هل كل من تمسك بدينه يعتبر أصولياً؟ كلمة الأصولية عندنا لا تخيف إذا كانت الأصولية هي التمسك بأصول الإسلام والدعوة إليه والجهاد في سبيله، فنحن كلنا أصوليون·
 
بقيت كلمة الإرهاب، من هو الإرهابي ؟ هل الذي يدافع عن وطنه وعرضه وماله إرهابي ؟ يقولون عن حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي وحزب الله في جنوب لبنان إنها حركات إرهابية ويقولون إن حركة المقاومة في الشيشان هي حركة إرهابية والذين يجاهدون في كشمير إرهابيون· كل من يقاتل دفاعاً عن وطنه وعرضه ودينه ويقاتل من أجل إخراج المحتلين من وطنه يعتبر في نظر الغرب إرهابيا·
 
منذ شهر ظهر برنامج تليفزيوني أمريكي يتكلم عن الإسلام والسلمين في أمريكا، وقال أن المسلمين يقومون بأعمال إرهابية ويعقدون مؤتمرات إرهابية ومن هؤلاء الدعاة الإرهابيين ـ الذين ذكرهم هذا البرنامج ـ يوسف القرضاوي·
 
وخلفية تلك التهمة تعود إلى حديث مطول عن انتفاضة 7 8 9 1م الفلسطينية وعن ثقافة المقاومة وأخلاقها وقلت كلمة أشد بها أزر رجال المقاومة التي تطالب بحقوقها التي أقرتها الشرعية الدولية، فاختار صاحب البرنامج الأمريكي كلمة استشهد بها على أن القرضاوي من دعاة الإرهاب·
 
نحن المسلمين ضد الإرهاب بكل صوره وأشكاله إذا كان يمس الأبرياء ويعتدي على حقوق الشعوب· هناك ضوابط شرعية حول من يستحق القتل ومن لا يستحق القتل، لا يجوز تجاوزها بأي ذريعة كانت·
 
د· المسفر : صدرت كتابات حديثة تقول أن حركة الإخوان المسلمين في مصر أسستها بريطانيا لاستخدامها في مواجهة النزوع القومي الذي نشأ في مصر أثر سقوط الدولة العثمانية وبدأ يأخذ دوره في مكافحة الاستعمار· والذين يتابعون حركة الإخوان المسلمين في مصر أو الحركة الإسلامية في الهند يجمعون على إنها لم توصف بأنها حركات إرهابية على الرغم من أن حركة الإخوان في مصر تآمرت ضد النظام السياسي المصري الذي نشأ عام 2 5 9 1 وعملت الحركة الإسلامية في الهند على فصل الباكستان عن بقية القارة الهندية· هل يمكن تصديق القول بأن هذه الحركات الإسلامية في مصر والهند كان لها علاقة ارتباط بالإنجليز؟
 
الدكتور القرضاوي: هذا القول ليس له أساس من الصحة· لقد كانت حركة الإخوان رد فعل لإزالة الخلافة لأنه عندما ألغى كمال أتاتورك الخلافة الإسلامية كان وقع ذلك الحدث شديداً في العالم الإسلامي·
 
لقد كان المسلمون في أنحاء العالم يعتبرون كمال أتاتورك أحد الأبطال· كان محارباً ضد الحلفاء ، ومحارباً للكفر وكان المسلمون يعتبرونه بطلاً من أبطال الإسلام، وقال أحمد شوقي عنه في أحدى قصائده:
 
الله أكبر كم في الفتح من عجب
 
يا خالد الترك جدد خالد العرب
 
ولكن خالد الترك انقلب على الإسلام وألغى الخلافة وفرض العلمانية وخرج عن جادة الدين الإسلامي فكان في العالم الإسلامي غضب شديد على ذلك كرد فعل لما حدث، كما قال شوقي :
صفحة 7
عادت أغاني العرس رجعاً واحـداً
 
ونعيـتِ بين معالـم الأفـراح
 
كفنـتِ في يوم الزفـاف بثوبـهِ
 
ودفنـتِ عنـد تبلج الأصبـاح
 
وهو يعني ان العروس كفنت في ثوب زفافها· أثر ذلك، نشأت حركة الأخوان المسلمين بهدف إعادة الدولة الإسلامية من جديد وإعادة الوحدة الإسلامية· وحركة الإخوان المسلمين لم يكن مرضياً عنها· في سنة 8 4 9 1م، اجتمع سفراء بريطانيا وفرنسا وأمريكا في معسكر فايد بمصر، وطلبوا من النقراشي باشا رئيس وزراء مصر في ذلك الزمان حل جماعـة الإخوان المسلمين، وحلوا واتهموا بالإرهاب واتهموا بقلب نظام الحكم وبعدها اغتيل الشيخ حسن البنا وقـدم هدية للملك فاروق في عيد ميلاده في ذلك الوقت وبقيت الحركة تقاوم يوماً بعد يوم·
 
د· المسفر : د· يوسف، لقد ذهبت مع مجموعة من قادة الفكر الديني إلى الجزائر من أجل ترويض الحركة الإسلامية هناك سواء على مستوى السلطة أو على مستوى الشارع· لكنكم عدتم دون ان تستطيعوا تنفيذ ذلك المشروع· قال البعض بأنكم عدتم لأنه لا يوجد تمويل مالي جيد، والبعض قال لم يجد وفد العلماء استجابة من إخوانهم في الحركة الإسلامية الجزائرية للترويض، لأن الوفد الضيف متورط في خدمة النظم السياسية في المشرق في رأي الأخوة في الجزائر· ما هي حقيقة ذهابكم للجزائر؟ وما هي النتائج التي توصلتم إليها؟
 
الدكتور القرضاوي: إن صلتي بالجزائر بدأت منذ مطلع الثمانينات، كنت أُدعى قبل ذلك لملتقيات الفكر الإسلامي في الجزائر وكنت أعتذر لاعتقادي أن هذه الملتقيات تديرها السلطة لحسابها، إلى أن زارني هنا في قطر أحد الأخوة الجزائريين وقال لي أن وزير الشؤون الدينية في الجزائر رجل من تلاميذ الشيخ بن باديس وهو رجل صدق ومن واجبك أن تعاونه، فلماذا لا تحضر ملتقى الفكر الإسلامي؟ فقلت إذا كان الأمر كذلك فأنا مستعد أن أحضر·
 
جاءتني الدعوة، ثم بدأت أشارك في مؤتمرات الفكر الإسلامي في الجزائر· أول ما ذهبت إلى هناك، جاءني الشباب الإسلامي وقالوا كيف تشارك في مثل هذه المؤتمرات التي تصنعها الحكومة؟ قلت أنا جئت من أجلكم، إذا كان مجيئي يضركم فأنا مستعد أن أسافر ومستعد أن يكون هذا أول مؤتمر وآخر مؤتمر أشارك فيه ·
 
ولكن أول مؤتمر حضرته كان له تأثير كبير، شاركت فيه بعدة محاضرات ولقاءات مع الشباب والطلاب والطالبات في الجامعات والمدارس· وفي آخر المؤتمر قلت لهم ما رأيكم هل أعود مرة أخرى أم لا؟ قالوا نعم، نريدك أن تعود إلينا· وبدأت صلتي بالجزائر في ملتقيات ومحاضرات مختلفة أُدعى إليه· وفي سنة من السنوات طُلب الشيخ محمد الغزالي ـ وكان هنا في قطر يعمل أستاذاً زائراً ـ ليكون مستشاراً للجامعة الإسلامية التي يراد إنشاؤها في الجزائر وهي جامعة الأمير عبدالقادر للعلوم الإسلامية في قسنطينة، بلد العلامة عبدالحميد بن باديس· وفعلاً ذهب الشيخ الغزالي وكان له دور مرموق في إيقاظ الصحوة وفي محاولة ترشيدها· والشيخ الغزالي من أهل الفكر الوسطي المعتدل، وكان له حديث أسبوعي يترقبه الناس باستمرار، وكانت له محاضرات· وبقي الشيخ الغزالي 5 سنوات هناك، ثم تعبت صحته فاعتذر وعاد إلى القاهرة وهنا شعر الناس في الجزائر أنهم في حاجة إلى رجل يخلف الشيخ الغزالي في مكانه· وهنا طلب الرئيس الجزائري من سمو الأمير حفظه الله أن أذهب إلى الجزائر مكان الشيخ الغزالي· وافقت على أن أذهب مدة سنة كتجربة لهذا الأمر· واشتغلت وكنت أعمل في الجامعة وفي وزارة الشؤون الدينية وأعمل مع الشعب، أدرس في الجوامع والجامعة وأذهب إلى المحافظات· والجزائر دولة كبيرة واسعة تضم 84 ولاية· فكنت أعمل وأحاول ترشيد الصحوة وتوجيه الفكر الإسلامي إلى الاعتدال وإلى الوسطية التي أؤمن بها ولا أتكلفها· ولكنها جزء من كياني فأنا رجل وسطي· فحاولت أن أقرب بين وجهات النظر الإسلامية· كانت هناك فصائل إسلامية مختلفة حاولت أن أقرب بينها، ولكني أقول لك بصراحة اصطدمت بنوع من التحجر في بعض العقول· لم يكن هناك لين، كما يقول الرسول (ص) في صلاة الجماعة : لينو بأيدي إخوانكم ، لكي تقووا صف الجماعة· لا بد من ان يكون هناك لين بمعنى ان يتقدم هذا في الصف وآخر يتخر عنه حتى يستقيم الصف، أما إذا وقفت متخشباً، لا يمكن أن يستقيم الصف· لم أجد هذا اللين ولم أستطع أن أفعل الكثير في التقريب الذي كنت أريده، إنما فعلت ما أستطيع في عملية الترشيد بالتنوير، ثم بدأت الأحداث الأخيرة· فأنا ذهبت في سنة كبيسة وهي سنة الغزو العراقي للكويت·
 
د· المسفر : هل أخلص إلى أن الدعوة أو التوجه من الحكومة الجزائرية محاولة ترويض الصحوة في الجزائر إذا جاز التعبير؟
 
الدكتور القرضاوي : أعتقد في الحقيقة ان الرئيس الشاذلي بن جديد كان رجلاً عاقلاً ومعتدلا، ودليل ذلك انه أعطى الإسلاميين حق الوجود السياسي الرسمي، وكانت الجزائر أول بلد تسمح بحزب إسلامي على المستوى الرسمي العام، وأنا ذهبت مع الشيخ الغزالي وشكرنا الرئيس الشاذلي بن جديد على هذا التوجه لأن الناس يريدون إسلاماً وسطياً، لا يريدون الإسلام الذي يتبع البلد الفلاني او البلد العلاني، وكان هذا هو ما نؤمن به حقاً، فلم نكن ننفذ رغبة هذا أو ذاك· ما نؤمن به وما نعيش به هو تيار الوسطية ومبدأ الوسطية، وكذلك جعلناكم أمة وسطا، أما عملية الترويض فلم تكن في حسابنا·
صفحة 8
د· المسفر : الشيخ يوسف القرضاوي له مواقف مشهورة من منابر المؤتمرات المتعددة والمنتشرة سواء في أمريكا أو أوروبا أو في الوطن العربي وكذلك على منابر الجمعة في قطر وفي الندوات والمنتديات المتلفزة في المنطقة، الشيخ القرضاوي ومعه أيضاً مجموعة من قادة الفكر الديني يتحدثون عن كل مصائب العالم الإسلامي، عن نساء العالم الإسلامي وما يتعرضن له في البوسنة والهرسك والفلبين وفي جنوب شرق آسيا والشيشان، ثم يعرجون تعريجة بسيطة جداً على ما يتعرض له الشعب الفلسطيني وخاصة النساء والأطفال والشيوخ، بالدعاء في آخر صلاة الجمعة أو في آخر الكلمات في المؤتمرات· وهناك مأساة أخرى فقد مضت أربع سنوات وشعب العراق بكامله يعيش تحت ظروف قاسية جدا، وتذكر احدى الإحصائيات أن 06 ألف طفل ماتوا حتى عام 4 9 9 1 نتيجة للحصار الظالم لأنهم بلا دواء· ولم نسمع أحداً من علماء الإسلام يتحدث عن مأساة هذا الشعب العظيم· والناس المحبون للشيخ القرضاوي لا يسمعون الكثير منه عن ذلك· هل هناك أسباب تكمن وراء هذا السكوت؟
 
الدكتور القرضاوي : بالنسبة لقضية فلسطين، اعتبرها القضية المركزية الإسلامية الأولى، هي قضية الصراع بيننا وبين اليهود في أرض النبوات وأرض المقدسات وأرض الإسراء والمعراج وأنا منذ وقت قريب كنت أتحدث عنها بمناسبة الإسراء والمعراج لأن الإسراء والمعراج دائماً يذكر بالمسجد الحرام والمسجد الأقصى والربط بين المسجدين وبين الحرمين· قضية فلسطين لا يمكن أن ننساها أو ان نعتبرها على الهامش· ولكن هناك قضايا تجِّد ، فلا نستطيع أن نهمل قضية الشيشان، فهناك دولة عظمى من الدول النووية الأولى تضرب هذا الشعب المسكين وتقصفه قصفاً بالطائرات والدبابات بدون داع، فكيف تريدون أن نسكت على مثل هذا الأمر؟ هناك أشياء تفرض نفسها· وبالنسبة لقضية العراق، كنت ممن وقف ضد غزو الكويت قطعاً، والعراق كان معتدياً في هذا، ولكن ليس معنى ذلك أن يظل العداء هذا أبد الدهر· العراق انسحب واعترف بالكويت رسمياً ولماذا تظل العقوبات على هذا الشعب؟ وليس العراق كله صدام حسين، وكما ذكرت أنت فهناك شعب كامل يعاقب· الذي نقوله أن الغرب لا ينظر إلينا نحن العرب والمسلمين كما ينظر إلى سائر الشعوب· انه ينظر إلينا نظرة أخرى· ومن هنا جاء موقفه من العراق· ومن أجل هذا يقف موقفا متشددا مع ليبيا والعراق والسودان وإيران· نحن ندعو أن ترفع هذه المعاناة عن الشعب العراقي الشقيق فهو منا ونحن منه· اختلفنا معهم فترة من الزمن ولكن لا يظل هذا يحكمنا أبد الدهر لقد انتهى ما اختلفنا عليه وهو احتلال الكويت، ويجب أن تعود المياه إلى مجاريها ويعود الصوت العربي إلى الوحدة ويقف الجميع صفاً واحداً· نحن شعب واحد وعقيدة واحدة وأرض واحدة ومصير واحد والآم واحدة وآمال واحدة ولا بد ان يحس بعضنا ببعض كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالحمى والسهر·
 
د· المسفر : منذ حرب الخليج أو حرب الكويت بالذات، تعددت الفتاوى الإسلامية، البعض أيد الاستعانة بقوات أجنبية لتحرير الكويت من العراق والبعض رفض· في الأيام الحالية جدت فتاوى أخرى بالتعامل مع الإسرائيليين أو ما يسمى بالسلام مع إسرائيل· هناك فتاوى كثيرة من دمشق وعمان والرياض· لو توجد آلية أو هيئة عليا تختص بإصدار الفتاوى هذه، دون أن يكون لكل إنسان الحق في الإفتاء، وخاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا مثل هذه القضايا السياسية؟
 
الدكتور القرضاوي : المؤسف قطعاً أن هناك فتاوى متضاربة وهذا غير مقبول، وخصوصاً في القضايا الكبرى· أما في القضايا العادية، قضايا الفقه العادي وقضايا العبادات وما يختلف حوله الناس، فهذه أمور لا خلاف على الاجتهاد فيها، والمسلمون عرفوا من القديم شدائد بن عمر، ورخص بن عباس، واحد متشدد وواحد متسامح· إنما في القضايا الكبيرة التي تحدث البلبلة· لكن ليس من السهل تكوين مجمع أو هيئة عليا للفتوى، فالسؤال المطروح: من الذي يكوِّن هذا المجمع الذي تتحدث عنه؟ هل تكونه الحكومات؟ هناك مجامع موجودة وأكبر مجمع هو مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، إنه مجمع يمثل الدول الإسلامية، كل دولة لها ممثل واحد، هذا الواحد ليس هو أفضل العلماء في بلده وإنما قد يكون أقرب واحد إلى وزير الأوقاف أو وزير الشؤون الدينية، ولعله يكون في دولته من هو أفضل منه وأكثر منه علماً· إن هذا المجمع لا يمثل كل علماء المسلمين أو أغلبهم وما يصدر عنه من فتاوى لا يمكن اعتبارها تمثل الإجماع، ثم إن هناك ضغوطا أو مؤشرات شئنا أم أبينا· الدولة التي تنفق على هذا المجمع قد يكون لها رأي، إذن، ليست هناك حرية كاملة للعمل· هذه الهيئة قد تصلح لو دعونا إلى مجمع حر بعيد عن تأثير السلطات المختلفة، ليس لأحد سلطان عليه· لكن أين سيكون مقره؟ أي دولة إسلامية ستقبل أن تستضيفه دون أن يكون لها تأثير على أعماله؟ ومن أين يكون تمويله؟ هذه القضايا يجب أخذها في الاعتبار ·
 
أما الفتاوى فدع كلا منهم يجتهد ويرد بعضهم على بعض ثم يتبين الحق من الباطل· والخلاف في هذه القضايا قد يكون أحياناً ناتجا عن عدم وضوح الحكم الشرعي وقد يكون أحياناً أخرى ناتجا عن عدم فقه الواقع، قد يقول عالم ان ربنا يقول {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} الأنفال : 16 · هل اليهود في فلسطين يعتبرون جانحين للسلم؟ هؤلاء الذين اغتصبوا الأرض وشردوا أهلها، هل هم أهل للسلام؟ الواقع هنا ليس واضحاً لمن أفتى بالجنوح للسلم· وهناك من قال أن الرسول عليه السلام هادن قريشاً وقبل الهدنة معهم، والسؤال: هل ما حدث مع إسرائيل هو مجرد هدنة أم هو اعتراف كامل بأنها صاحبة السيادة على هذه الأرض وأن أصحابها الفلسطينيين ليس لهم حق فيها ولا حق المطالبة بها؟ إن الاعتراف شيء والهدنة شيء آخر· هنا نستدعي فقه الواقع، فنحن نخالف العلماء الذين أفتوا في هذا، في أنهم لم يفقهوا الواقع كما نفقهه· من أجل هذا نختلف معهم·