eKtab
EN ع
الفارابي وتأسيس الفلسفة الإسلامية السياسية
اقرأ عينة مجانية

الفارابي وتأسيس الفلسفة الإسلامية السياسية

بقلم محسن مهدي

صفحة 1
تمهيد

يقدم محسن مهدي في كتابه هذا، عرضاً شاملاً جديداً تمام الجدّة لتعاليم الفارابي في حقْلَيْ الملّة والعلم المدني (السياسة) (*). وهو هنا يقوم بهذا العمل متحلياً بفهم عميق وتبصُّر فلسفي مستندٍ إلى عقود من البحث الأكاديمي، وإلى ما حققه من مخطوطات، وكذلك إلى إعادة اكتشافه لمجال الفلسفة المدنية الوسيطية في التراث الإسلامي ولمركز اهتمامها. وهو أقدم على ذلك لسبب وجيه، هو إظهار الكيفية التي اعتمدها فيلسوف بارع في تناوله المسائل الملّية والمدنية بصورة عامة، وتلك التي نشأت أيضاً ضمن السياق الإسلامي الوسيط بوجه خاص. لذلك تجده يطرح مباشرة، أمام القارئ، تلك المسائل وما يتصل بها، من دون اللجوء، في مثل ذلك المشروع، إلى إجراءات تقليدية كتقديم تقييم مفصّل عما يدور حوله الكتاب، أو عن منهجه، ومن دون أن يفيد الكثير عمّا هو ناجع في الأدبيات العلمية المعاصرة عن الفارابي. ويمكن تبرير قرار المؤلِّف بتجاوز مثل تلك الأمور بالقول أنه أراد التركيز، منذ البدء، على ما هو أكثر أهمية، والمتمثل بعرض كيفية تأسيس الفارابي للفلسفة المدنية الإسلامية. ولمزيد من توضيح هذا التوجّه لدى مهدي، ليس من الخطأ أن نقدِّم هنا موجزاً عن كلا الموضوعين.

***

لقد ركّز مهدي في المدخل، على العقبات الكبرى التي يواجهها كل الذين يسعون إلى فهم الفارابي، وعلى ما يظهر من أعماله على أنها ذات طابع أفلاطوني محدث. فقد تكلم بإيجاز عن حياة الفارابي والسياق الفكري الذي نما فيه؛ وكان هدفه من ذلك أن يشير إلى أن الفارابي، عندما صاغ فلسفته المدنية، مال أكثر إلى الحركة التي سبقت الأفلاطونية المحدثة، ألا وهي الأفلاطونية الوسيطة. فلقد ازدهرت تلك المدرسة في تفسير أفلاطون من حوالي عام 25ق.م. حتى حوالى عام 250م، وهي الفترة الممتدة من Antiochus of Ascalon حتى زمن أفلوطين Plotinus . وبالرغم من أن Didaskalikos لـ Alcinous هو أفضل النصوص الموجودة تمثيلاً لمعتقدات هذه الحركة، فإن مهدي لم يحاول هنا أن يعيِّن مصادر يُفترض أن الفارابي قد اعتمد عليها. إن توكيده على كيفية استعمال الفارابي لمثل هذا المنهج الأفلاطوني في التفسير، أكثر منه للمنهج الأفلاطوني الجديد المرتبط بمسائل لاهوتية، قد سمح له، أكثر فأكثر، بالتركيز على اهتمامات أفلاطون المدنية محاولاً، وفي الوقت عينه، جعل أرسطو أكثر قبولاً لدى قرائه. وبالإضافة إلى ذلك، أشار مهدي إلى أن الفارابي، على الرغم من سلوكه هذا المسلك، استعمل مواضيع الأفلاطونية المحدثة ولغتها الأساسية ليقترح شكلاً من التوافق بين الأنواع، بين الفلسفة والملّة، وإن كان يُخضع الأخيرة للأولى في نهاية المطاف. إنّ اكتشاف مهدي يتمثَّل في إبراز ما شكلته الأفلاطونية الوسيطة من أهمية بالنسبة إلى الفارابي، ويتمثل أيضاً في تأكيده على أن المصنَّفين اللذين يُعتبران عادة ممثلين لكامل تعاليم الفارابي المدنية - مبادئ آراء أهل المدينة الفاضلة، والسياسة المدنية - يلعبان في الزمان الحاضر دوراً آخر لا يمكن تقديره حق تقدير، إلّا في ضوء مشروع الفارابي الجديد الذي عرضه فيما بعد في مصنّف إحصاء العلوم، الفصل الخامس، وخصوصاً في مصنّف كتاب الملّة.

وبعد اعترافه بما تستحقه أعمال إبراهيم مدكور المبكرة عن الفارابي من تقدير، والتي بقيت غير مكتملة كما كانت بالضرورة، عيّن مهدي ليو شتراوس (Leo Strauss) كأول باحث أدرك أهمية ثلاثية الفارابي، فلسفة أفلاطون وأرسطو، واستكشف بعد ذلك استعمال الفارابي لأفلاطون في بحثه الذي استعرض فيه فلسفة هذا الأخير . وفي نظر مهدي، فإن نفاذ بصيرة شتراوس جعل من الممكن إعادة النظر بمصنّف إحصاء العلوم، الفصل الخامس، وقد سمح اكتشاف مهدي الخاص لمصنَّف كتاب الملّة، البالغ الأهمية، أن يرى بأي معنى يحتاج مصنَّفا آراء أهل المدينة الفاضلة، والسياسة المدنية إلى أن يُفهما أساساً كنموذجين أو أسلوبين يعرض فيهما الفارابي العلم المدني عرضاً جديداً (علم السياسة)، وخصوصاً للعلاقة بين المدينة والملّة التي سلط عليها الضوء في مصنَّف كتاب الملّة. إن اكتشاف تعاليم الفارابي الجديدة في العلم المدني يعتبر مركزياً وأساسياً للحجة التي يستند إليها مجمل الكتاب، ويشكِّل أيضاً لبَّ إسهامات مهدي الفريدة الكامنة في فهم الفارابي، والأبحاث الدائرة حول هذا الفيلسوف البالغ الأهمية. ولهذا السبب خصّص معظم مقدمته لشرح دواعي قراءة مصنّفي آراء أهل المدينة الفاضلة، والسياسة المدنية بطريقة جديدة ولكي نفهم، بالإضافة إلى ذلك، السبب الحقيقي، الذي جعل الفارابي يستهل كتابه، الذي يبدو أولاً وبشكل أساسي على أنه تعاليم مدنية، بتعاليم تتناول أصل الكون.

وبالتالي، منذ نشر ليو شتراوس مقالته عنه في العام 1945، فإن مهدي لا يشير إلى الدراسات التي أجريت حول الفارابي، باستثناء إحالته غير المباشرة إلى تفسير ريتشارد والتزار الخاطئ للمدينة الفاضلة - كما هو بيِّن في طبعة وترجمة المصنّف، المرفقة بتعليق، والتي نشرت بعد أربعة عقود لاحقة. لا شك إن صمت مهدي مفهوم، إذ لم يظهر شيئ ذو أهمية فيما يتعلق بفلسفة الفارابي المدنية خلال تلك السنوات الفاصلة، إذ إن مقدمة الأستاذ د. م. دنلوب لطبعته وترجمته لمصنّف الفارابي فصول المدني (1961) كررت، فقط، الأفكار الرائجة حول أفلاطونية الفارابي الجديدة. وقد استندت آن ك. لامبتون استناداً واسعاً إلى كتابات مهدي الخاصة عند تناولها فلسفة الفارابي المدنية في ملحق كتابها المعنون (الدولة والحكم في العصور الإسلامية الوسيطة: مدخل إلى دراسة نظرية الإسلام السياسية: الفقهاء) (1983). ولم ينشر، منذ ذلك الحين، سوى كتابين، وكلاهما لطالبين من طلاب محسن مهدي.

لقد كانت سنة 1990، سنة صدور كتاب ميريام غالستون، السياسة والفضيلة: فلسفة الفارابي المدنية. وبعده بخمس سنوات، صدر كتاب يوشوا بارينز الميتافيزيقا كبلاغة: تلخيص نواميس أفلاطون، للفارابي. ويمثل الكتابان محاولة لشرح كامل تعاليم الفارابي المدنية. لقد تناولت غالستون من خلال ذلك الموضوع الأفكار الرئيسية، متفحصة المواضيع المختلفة التي تطرق إليها الفارابي في كتاباته المتنوعة - بما فيها كتاباته في المنطق - وقارنت فهمها الخاص لتعاليمه مع الفهم الخاص الذي طرحه، من قَبْل، شارحو الفارابي منذ مدكور. إن هذا الكتاب على شيء من الأهمية نظراً لما أظهرته من حرص في تتبعها وإبرازها للأفكار الخاصة التي تضمّنتها مختلف نصوص الفارابي ولاستعمالها الهادئ، إنما الحازم لهذه التحليلات، في آن، من أجل تصويب التفسيرات السابقة. وقد تناول بارنز، من ناحيته، تعاليم الفارابي المدنية متفحّصاً مختلف وجوه كتاب تلخيص نواميس أفلاطون، القليل الشهرة. كما أجبره مشروعه أن يتناول مصنَّفيّ النواميس، والجمهورية وحوارات أخرى لأفلاطون، وكذلك مصنفات الفارابي - خصوصاً السياسة المدنية، وآراء أهل المدينة الفاضلة، وإحصاء العلوم، وكتاب الملّة، إضافة إلى سلسلة واسعة من الدراسات عن الفارابي عموماً، كما تناول تلخيص نواميس أفلاطون للفارابي بخاصة.

وما إن يدرك القارئ طريقة عرض مهدي للأدبيات الثانوية في المقدمة - خاصة لجهة تعيين تلك الكتابات التي قادته إلى فهمه الخاص لتعاليم الفارابي، وإلى إيحائه الحذر إلى أبعد حد بأن فهمه هذا يختلف كثيراً عمّا شاع من آراء في تلك التعاليم مؤخراً - حتى يصبح صمت مهدي عن تلك المصنّفات التي كتبها طلابه مفهوماً تماماً. فضلاً عن ذلك، وعلى افتراض أن تلك الكتب كانت، بالضرورة، تعتمد على بحثه، وتعكس بالتالي تأثيره، فإن تكتمه عنها يبدو جديراً بالثناء. هكذا، أيضاً، هو تردده في التنازع معها، وحتى محاولته تصويب ما وجده فيها من عيوب في التفسير. لقد اعتمدت حجج مهدي وتفسيراته على دراسات شاملة، وعلى بحث مضنٍ في المصادر الأولية، وعلى التحقيق الدؤوب، وعلى عرض للمخطوطات التي اكتشفها، وهي مخطوطات لم تُحقّق حتى الآن في هذا السياق، وعلى التفكير في العقائد والمدارس الفكرية، وعلى تقديره المتمعن لأهمية الأدبيات الثانوية. غير أن هذه الحجج والتفسيرات معروضة هنا، كاستدلالات مقنعة، وكأحكام فلسفية تعتمد على استنتاجات منطقية أكثر من اعتمادها على الجدل الأكاديمي.

مرة ثانية، ولأن آخرين كتبوا لاحقاً حول تعاليم الفارابي الفلسفية الأكثر شمولاً - دومينيك مالّيه وتيريز - آن ودروار وشكري عابد، حتى لا نذكر سواهم من الذين تابعوا دراستهم أيضاً مع مهدي ـ فقد امتنع من جهته عن ذكر كتاباتهم. ويبدو أن رغبته في ألا يصبح الكتاب مجرّد مدح أكثر من كونه مناظرة جدلية، قد حالت دون قيامه بذكر أعمال أولئك أو مناقشتها، سواء كانوا ممن يتفق معهم أو لا يتفق، باستثناء حالة واحدة سبق ذكرها. ولاعتبارات أخرى ذات الصلة أيضاً، فقد اتبع مهدي مقاربة فريدة في هذا الكتاب: إذ أن اشتهاره بالبحث العلمي المضني والشامل جعله يتجنب التقيّد بالعرف العلمي المتمثل بالإحالة إلى الأدبيات الثانوية التي تمتُّ بصلة إلى موضوعه الخاص من قريب أو بعيد. ومن جهتي، فإنني أعتقد أنه قام بذلك لإجبار القارئ على أن يتفحص معه نصوص الفارابي التي يستعرضها، وأن يفكر أولاً بما تتضمَّنه من معانٍ فلسفية. لذلك، فإن كتابه لا يوازيه كتاب في تاريخ الدراسات عن الفارابي.
صفحة 2

إن هدف مهدي هو أن يشجِّع القارئ المهتمّ على التأمل في كيفية عرض الفارابي السبيل إلى جملة تعاليمه المدنية. فقد جرى التعامل مع الأسئلة التي أثيرت في المقدمة - وخصوصاُ تلك المتصلة بالعلاقة بين الملّة والفلسفة من جهة، وبين المدينة والملّة من جهة أخرى - وفي المقالات التي يتكوَّن منها الكتاب بالذات، بطريقة تبيّن كيف عمل الفارابي على معالجتها، بشكل كامل، مع عرضه لكامل المشروع الفلسفي لأبرع ثاني معلِّم، أمام أعين القراء. لذا توزعت الفصول على أجزاء ثلاثة.

يهدف الجزء الأول، إلى إعطاء معنى عام للجدال الفلسفي، وتحديد وجهة ما للمجالات الخاصة بالفلسفة والفكر المدني، واللاهوت، والفقه خلال عصر الإسلام الوسيط، أيام الفارابي، بشكل خاص. وثمة ذكر هنا للتمييز، ضمن الإسلام عموماً، بين الفلسفة المدنية وعلم الكلام المدني، وبالقدر عينه بين الفلسفة المدنية والتصوّف. كما وأنه ينبه إلى الطريقة التي يتميّز بها الفارابي عن سلفه المباشر، الكِنْدي، وعن معاصره القريب، الرازي، بتركيزه على أفلاطون باعتباره قصد أولاً إلى تفسير كيف أن الموجودات الإنسية يمكن تماماً أن تعيش بحال جيدة بعضها مع بعض ضمن أمّة مدنية. وليس أفلاطون الفارابي أفلاطون تيماوس (Timaeus) ، المنكبّ على فهم السماوات، بل أفلاطون الجمهورية، وبخاصة أفلاطون النواميس المنكبّ على فهم ما ينبغي قوله للمدنيين حول السماوات والآلهة، لكي يعيشوا بطريقة حسنة التنظيم ومسؤولة تماماً.

أما القسم الثاني فقد ركّز على المدينة، وخاصة على المدينة الفاضلة. وهنا، تمّ تمييز الفلسفة عن العلم وعن الملّة. كما وأنه قد جرى الفحص عن دور الرئيس الأوّل كمؤسس - سواء كان المؤسِّس ملهماً بالوحي أم معززاً بالعقل - والاعتبارات التي حسبها أساسية للتأسيس بوصفه تأسيساً صريحاً. وكذلك يركز العرض على شرح دقيق لمصنفي إحصاء العلوم وكتاب الملّة للفارابي كمصنفين يبيِّنان المبادئ الأساسية للعلم المدني أو للفلسفة المدنية التي أسّس لها. وقد أتبعها بمحاولة جديدة ربما كانت غير مسبوقة أبداً، للبرهنة على أن المصنّفات الأخرى التي اعتبرت عادة دليلاً على فلسفة الفارابي المدنية ليست من هذا النوع. ولهذا الغرض، فإن مصنّفي الفصول المنتزعة، والسياسة المدنية (والذي حمل عنواناً كاملاً هو السياسة المدنية، الملقب بـــ "مبادئ الموجودات" )، وخصوصاً المدينة الفاضلة، كانت موضع تحليل دقيق وقراءات مقارنة، كوسيلة لحل لغز محاولة الفارابي عرض عدد من الأمثلة المختلفة للطرق التي يمكن من خلالها تطبيق مبادئه في العلم المدني أو الفلسفة المدنية. والحجة جديدة بالتأكيد، وهي تتعارض مع الافتراضات المعتمدة في الزمان الحاضر، والتي تعتبر مقدسة لدى دارسي الفارابي، وبتخصيص أكثر ذلك الفرع الذي أنشأه ريتشارد والتزر ومريدوه، هذه الحجة سوف تصمد أو تسقط بفعل ميزاتها الخاصة.

وقد يصدم الفصل الرابع، الذي يتناول إحصاء العلوم، القراء، لصعوبة سبر غوره، وبالتأكيد لإسهابه. ولتقدير ما يستحقه هذا الفصل لا بد أن نتبيَّن، التفسير الكامل، اللافت للنظر، للعمل الذي يعرضه. في الحقيقة، فإن هذا الفصل يمثِّل المحاولة الأولى التي قام بها شخص لتحليل العمل ككل. وبمعنى حرفي ومجازي، يتناول مهدي بعناية أقسام المقالة من عدة وجوه مختلفة لإظهار انسجام العمل ككل، وليقترح بالتالي، طريقة الاستفادة منه كمدخل لأوسع تعاليم الفارابي المدنية. فلا أحد ممن يتابع تفسيره لــــ إحصاء العلوم من البداية حتى النهاية، على صعوبة الموضوع، سيسقط أبداً ثانية فريسة الميل لاعتبار العمل مجرد خلاصة أو جردة موسوعية مبسطة للعلوم. إذ يبيّن مهدي هنا، وبمهارة عالية في التفسير، كيف أن مفتاح فهم تعاليم الفارابي الفلسفية الشاملة يكمن في القبض المتين على تفاصيله الدقيقة.

وفي الجزء الثالث، ينبّه مهدي بشكل خاص إلى العمل الذي حثّ دارسي الفارابي على التفكير العميق وعلى أن يحتضنوا الفكرة القائلة بأن تعاليمه مدنية، بالدرجة الأولى، خاصة منها الثلاثية المعروفة بفلسفة أفلاطون وفلسفة أرسطوطاليس. والفارابي يستهل هذا العمل بمقالة حملت عنوان تحصيل السعادة، يستكشف فيها الفارابي العلاقة بين العلوم النظرية والعلوم العملية، وخصوصاً كيف يؤدي تحصيل العلم النظري بشكل متكرر إلى مأزق يمكن تجاوزه فقط بعد النظر من جديد إلى العلم العملي. يلي هذا البحث مصنّف فلسفة أفلاطون، ثم مصنّف فلسفة أرسطوطاليس. في الجزء المذكور أعلاه يتم التركيز بشكل خاص على المصنف الأخير لشرح الاستخدام الجديد لأفلاطون في كتابات الفارابي، ومن أجل الإشارة إلى الدور غير العادي الذي ينسبه إلى أرسطو. وشدد الشرح أيضاً على مصنف الفارابي الأقل شهرة كتاب الحروف (أحد المصنّفات التي اكتشفها مهدي في بداية بحثه حول الفارابي) وعلى كتاب ما بعد الطبيعة لأرسطو، كتاب لامبدا، وكذلك كتاب لأريسطوتيليس أو أرسطوكليس ، في الفلسفة. وفي هذا الجزء، يسارع القارئ، أيضاً، إلى تقدير أهمية رأي الفارابي حول الدورات التي تميل حياة الإنسان إلى المرور فيها، وكيف يصبح ذلك ظاهراً في تعليمه المدني.

لقد كُتبت الفصول في هذا الجزء، كما في الكتاب ككل، بحيث أن القارئ غير المتنبه سيتساءل عن الهدف الذي يسعى مهدي إلى التوصل إليه. لماذا، مثلاً، استفاض في شرح كتاب تحصيل السعادة في الفصل الثامن وكذلك فلسفة أفلاطون و فلسفة أرسطوطاليس في الفصل التاسع؟ وبصورة مماثلة، لماذا ينتهي الكتاب بجردة لمختلف وجهات النظر الدورية حول التاريخ؟ نكرر القول إن مهدي قام بذلك من أجل الإشارة إلى ما يمكن أن تكون عليه العلاقة بين العلم النظري والعلم العملي وفقاً لاقتراح الفارابي، وكيف أن كلاً منهما بحاجة إلى متابعة مستقلة وإنما بالتلازم، وأن بينهما علاقة تبادل لا علاقة اعتماد متبادل، وفي ذلك تكمن بداية الجواب. وللدخول في صميم الموضوع يمعن مهدي النظر في مثل هذه المسائل لكي يفسر الفروقات الدقيقة، وليشير إلى تشعباتها من دون اختزالها إلى صيغة بسيطة. ونظراً لإدراكه أن هذه المسائل قابلة للفهم كمشكلات أكثر منها كقضايا وجدت حلولاً، فقد دأب على تزويد القارئ بكل الأدوات اللازمة لتقدير مقاربة الفارابي، واستعماله لها. وهذا أيضاً سبب إلحاحه على الاستخدام الجديد لأفلاطون من قبل الفارابي في كتاباته، وتنبيهه القارئ إلى الأهمية التي يعلقها الفارابي على النظريات الدورية في تطور الإنسان.

وباختصار، فإن مهدي يقدِّم هنا قراءة فلسفية وتأويلاً لأحد أكثر الفلاسفة أهمية في العصر العربي الوسيط وفي التراث الإسلامي. إن هذا العرض يعتمد على عقود من البحث المتواصل وعلى التحلِّي بفهم عميق لتاريخ الفلسفة، خصوصاً الفلسفة المرتبطة بالحياة المدنية، وهو يُظهر الفارابي كمبدع للفلسفة المدنية في الإسلام، ويزوِّدنا، إلى حد بعيد، بأكمل وأوفى شرح لما أراد المعلم الثاني أن يقدمه لنا في هذه الكتابات التي قد تعصى على الفهم وتحيّر الجميع، إلّا القارئ الأكثر مثابرة والأعمق تفكيراً.

شارلز. إ. بتروورث
صفحة 3
المقدمة

حظي الفارابي (أبو نصر الفارابي، حوالي 870 - 950) خلال العصر الوسيط، بتقدير عالٍ من قبل فلاسفة كبار، أمثال ابن سينا في المشرق الإسلامي، وابن رشد في المغرب الإسلامي. ولئن تراجعت شهرته جزئياً، فيما بعد، أمام خليفتيه العظيمين، فقد اعتُبر، رغم ذلك، كأهم فيلسوف مدني في تلك الحقبة. وقد تأكّد هذا الحكم أثناء النصف الثاني من القرن العشرين بعد نشر ما تبقى من أعماله الفلسفية - المدنية، بما في ذلك مقالات أساسية بمثل أهمية فلسفة أفلاطون، ونواميس أفلاطون وفلسفة أرسطو.

لقد دشنت ملل الوحي عصراً جديداً وأرست نظاماً مدنياً (سياسياً) ملّياً جديداً مما شكَّل تحدّياً للتراث الفلسفي اليوناني بوجوب تحليل هذه المرتبة وجعل النبوة والوحي والشريعة (السنّة الإلهية ) معقولة. وفي وسعنا التأكيد على أن الفارابي كان أول فيلسوف كبير تصدى لذلك التحدي.

لا يعرف إلّا القليل عن حياة الفارابي، باستثناء أنه توفي، في العام 950 م، في سن متقدمة، قرب دمشق. لكن من المعروف أنه ولد في بلدة فاراب، في تركيا، وأنه ترعرع ودرس في تلك البلدة قبل أن يأتي إلى بغداد لمتابعة تحصيله العلمي. ثم سافر، بعدها، متجولاً في أرجاء الإمبراطورية البيزنطية، لاستكمال أبحاثه، على ما يظهر، في إحدى مؤسسات تعليم اللغة العربية، وهي مؤسسات قريبة من الحدود، وقفل عائداً إلى بغداد، حيث درّس حتى اضطرته شروط العاصمة العباسية لمغادرتها إلى سوريا وفيما بعد إلى مصر، ثم قفل عائداً منها إلى سوريا، ليستقر فيها حتى وفاته. ومن بين أساتذته في آسيا الوسطى، وفي بغداد كان ثمة علماء مسيحيون يعيدون أصل تعاليمهم الفلسفية إلى مدرسة الإسكندرية، تلك المدرسة الفلسفية الوثنية الأفلاطونية التي كانت قد تنصّرت في نهاية الحقبة الرومانية، حيث أن آخر أعضائها قد انتقلوا إلى أنطاكيا وحرّان وبغداد وآسيا الوسطى. وبالنظر إلى الوظائف التي كانوا يشغلونها وإلى الكتابات اللاهوتية التي بقيت، يتبيّن أن هؤلاء الأساتذة كانوا من المسيحيين النسطوريين ممن ورثوا تعاليمهم عن الأفلاطونية المحدثة المسيحية التي نقلها أحد آخر ممثّلي هذه الفلسفة إلى مدرسة الإسكندرية.

وبفضل أساتذته النسطوريين وكتابات المفسرين الكبار الأفلاطونيين المحدثين من مدرستَيْ أثينا والإسكندرية، أصبح الفارابي ضالعاً كفاية في التراث الفلسفي للأفلاطونية المحدثة والتراث اللاهوتي المسيحي الأفلاطوني المحدث. فلم يكن مفاجئاً، إذن، أن يتبنى هذين التراثين، وأن يطور علم كلام إسلامياً أفلاطونياً محدثاً. إلّا أنه لم يحدث شيء من هذا القبيل، وما يثير العجب، في هذا السياق هو رفضه للمعتقدات الرئيسية للتراث الوثني، ولتراث الأفلاطونية المحدثة المسيحي على حدٍّ سواء، وعودته إلى تراث فلسفي سابق على الأفلاطونية المحدثة، كان قد اكتشفه في أعمال أفلاطون وأرسطو وفي أعمال معلقين، أكثر قدماً، سابقين على الأفلاطونيين المحدثين، وبصورة أدقّ أفلاطونيي العصر الوسيط. إن تقدير الفارابي للاستخدام الهام والممكن للمراحل وللمستويات المختلفة للفلسفة المدنية الأفلاطونية هو موضوع لا يزال بحاجة لأن يدرس. والميزات الظاهرة لهذا التقدير تتمثل في استعادة الفلسفة المدنية الأفلاطونية، والاستفادة من بعض عناصرها المتحدِّرة من التراث الفلسفي اللاحق للأفلاطونية، وبصورة رئيسة من الأرسطية والأفلاطونية الوسيطة. وأما القسم الثالث من هذا الكتاب فقد تناول، جزئياً، وتحت عنوان "فلسفة أفلاطون وفلسفة أرسطو"، هذا الوجه من فكر الفارابي، وترك أمر تقديم عرض أوفى لعلاقة الفارابي بالتراث الفلسفي الأفلاطوني ليشكِّل موضوع كتاب آخر.

ولم يبيّن الفارابي، فقط، أن فلسفة أفلاطون وأرسطو تناسب دراسة ملل الوحي، بل إنه يؤكِّد على أن العلم المدني (علم السياسة)، أو الفلسفة المدنية، هو العلم الفلسفي الذي ينبغي أن تتمّ في نطاقه مثل تلك الدراسة. وهكذا، فإن أهمية الفارابي في تاريخ الفلسفة تقوم، خصوصاً، على أنه أول فيلسوف طوَّر فلسفة للملّة تعتمد في أساسها على التراث الفلسفي الأفلاطوني والأرسطي بشكل عام، وعلى الفلسفة المدنية الأفلاطونية بصورة خاصة، عارضاً إياهما في سياق مماثل لسياق الجمهورية والطيماوس و النواميس لأفلاطون، في الوقت الذي استخدم فيه التراث الفلسفي اليوناني الذي سبق الابتداعات المذهبية التي أدخلتها الأفلاطونية المحدثة.

لقد كان الفارابي مدركاً تماماً للأعمال الكبرى للأفلاطونية المحدثة ولاندماج مذاهب تلك الأفلاطونية المحدثة في اللاهوت المسيحي، والذي كان مسيطراً كلاهوت فلسفي عبر أساتذته وطلابه في بغداد. وقد قرأ واستخدم أعمال أساتذة الفلسفة المرموقين من الأفلاطونيين المحدثين من مدرستي الإسكندرية وأثينا في العصر الروماني، وهي أعمال قد نقلت إلى العربية في القرن التاسع الميلادي، وفي القسم الأول من القرن العاشر. وقد استوعب قيمة التراث الفلسفي الأفلاطوني المحدث في مشروع التوفيق بين الفلسفة والعقيدة الدينية المتشددة، وفي إنشاء أفلاطونية شعبية. إذن، الأمر مفهوم: إن مؤرخي الفلسفة الذين لم يدرسوا أعماله بعناية كافية، قد ظنّوا، كما يبدو، أنه اتبع التراث الأفلاطوني المحدث الذي سيطر في مدرستي الإسكندرية وأثينا. ومع ذلك، فإن الغياب الكامل للمذاهب الفلسفية الأفلاطونية المحدثة - مذهب الواحد والعقل والنفس - في كتاباته الأصيلة كان يجب أن يكون كافياً لتنبيه الاختصاصيين وطلاب الفلسفة الإسلامية إلى أنهم أمام فيلسوف استخدم بعض العناصر المستمدة من تراث الأفلاطونية المحدثة، إنما أقل ما يقال فيه إنه تراث أفلاطونية محدثة مشكوك بصحتها.

***
صفحة 4
لقد أرسى الفارابي في الفلسفة الإسلامية تقليداً في العودة إلى ما يسميه المصدرين الأولين للتحرّي الفلسفي، ألا وهما أفلاطون وأرسطو، من دون تجاهل التطوّرات الفلسفية اللاحقة ومساهماتها المحتملة في علوم الإنسان والطبيعة. والذين جاءوا بعده، من أتباع ملل الوحي الثلاث، أكَّدوا موقعه المرموق باعتباره السلطة الأعظم منذ أرسطو، بإطلاق اسم "المعلِّم الثاني" عليه.

وسيتبيّن القارئ في الفصول اللاحقة أن الفارابي قد أنعش الفلسفة المدنية الأفلاطونية ورفعها إلى مرتبة علم يسمح بدراسة بسط ملل الوحي لنفوذها داخل المجتمعات، وكذلك بدراسة المجتمعات عينها المستندة إلى تلك الملل أيضاً. ولقد قام الفارابي، في سياق تسود فيه مشكلة العلاقة بين الفلسفة والملّة، بإبراز موضوع العلاقة بين الفلسفة والمدينة (السياسة)، فأثار مسألة الصلات بين الملّة والمدينة، وبين فلسفة الملّة والفلسفة المدنية.

أما موضوع طريقة استعمال تلك المقاربة أو طريقة تعديلها، من قبل الذين جاءوا بعده، في النقاشات حول مِلل الوحي، فيشكل فصلاً من فصول تاريخ الفلسفة لم يُكتب بعد. مع ذلك، يبدو أنه لولا كتابات الفارابي في مجال فلسفة الملّة، لبقي قسم كبير من تاريخ الفلسفة الإسلامية، وفلسفة العصور الوسيطة، بشكل عام، غير معقول فكرياً.

وقد احتوت كتابات الفارابي، في الفلسفة المدنية وفي الملّة (الدين)، على نصوص سهلة المنال، وأخرى تميّزت بطابعها الفلسفي بالمعني الدقيق. فكانت أعماله الأكثر شهرة، حتى الحرب العالمية الثانية، هي: الجمع بين رأيي الحكيمين... وآراء أهل المدينة الفاضلة، والسياسة المدنية، وهي التي قدمت للقارئ ما اعتبر في حينه مجمل فلسفته المدنية. وثمة أعمال سهلة نسبياً، لم تكن منشورة بعد، أو لم تكن مأخوذة في الحسبان، كان من شأنها ربما أن تفسر نصّي آراء أهل المدينة الفاضلة والسياسة المدنية، أمثال الفصل الخامس من مصنَّفي إحصاء العلوم وكتاب الملّة.... أما الأعمال الأكثر صعوبة، التي تعتبر من الأعمال الأساسية، التي توضِّح للقارئ كيف قرأ الفارابي وشرح مصنّفات أفلاطون وأرسطو، أمثال فلسفة أفلاطون وفلسفة أرسطوطاليس، فلم تكن سوى عناوين مدرجة في قائمة المراجع في العصور الوسطى.

في ظل تلك الشروط، كان من العسير على الباحث الذي كان يقرأ مصنّفات أمثال آراء أهل المدينة الفاضلة والسياسة المدنية، أن يصوغ أسئلة ملائمة تماماً متعلقة بافتراضاتها المسبقة: فهل هذه الافتراضات تسمح بتفسير المذاهب المتضمنة في كلا المصنفين؟ ولماذا يبدآن بطريقة متباينة؟ ولماذا يكون أحدهما "أكثر علمية" من الآخر؟ وكذلك لماذا تميل المسائل المتعلقة بالعقل الفعّال، والمخيّلة، والنبوة، والدولة العالمية (universal state) إلى أن تكون حاضرة، أو أن تحتل مكاناً أكثر أهمية في أحدهما وليس في الآخر؟

لقد كان بالإمكان إيجاد أجوبة عن بعض تلك الأسئلة بواسطة مقارنة متمعِّنة لكلا المصنّفين، مع ذلك، فإن قسطاً كبيراً مما لم يُقل، بقي بعيداً عن متناول القارئ، في غياب أعمال ممنهجة (programmatic) وأساسية أكثر من غيرها حيث يميل المرء إلى طرح أسئلة حول علم الكون، وعلم الأحياء، وعلم النفس، البالية تماماً، والعائدة إلى مصنّفي آراء أهل المدينة الفاضلة والسياسة المدنية. وفي الحقيقة، فإن وجوهاً عدَّة من علم الكون وعلم الأحياء الحاضرة في هذين المصنّفين قد تقادمت مع دخول المقراب والمجهر، دون الحديث عن آلات أخرى أحدث عهداً. ولكن هل أن جميع الأسئلة المطروحة قد تخطاها الزمن؟ وماذا عن العلاقة بين المدينة (السياسة)، والملّة (الدين)، وعلم الكون؟ وعن العلاقة بين الإنسان والمجتمع والمحيط الطبيعي؟ ماذا عن فكرة وحدة العلم؟

وقد يبدو أنّ مصنَّفي آراء أهل المدينة الفاضلة والسياسة المدنية غير متقنين إلّا أنهما يتيحان للقارئ التفكير في مثل تلك الأسئلة. فهو يستهلّ هذين المصنفين الشاملين في السياسة بمناقشة عن الكون ومبادئه، ويضع الإنسان ومجتمعه في هذا السياق الأرحب؛ ومع ذلك فإنه يعرض علم الكون والعلم المدني في آن على نحو يختلف من عمل إلى آخر، ومن منظار مغاير تماماً لتصوراتنا الراهنة. ويجري التعويض هنا عن الطابع المتقادم للأجزاء المخصصة لعلم الكون، إلى حدٍّ ما، بأهمية المسألة وعلاقتها بزمننا الراهن. وفي العلم، فإن السؤال أو الإطار يبقى هو الأهمّ.

وعلى سبيل المثال، لنأخذ فقط الفصل الخامس من مصنّف إحصاء العلوم، وموضوعه الرئيسي العلم المدني، حيث يختتم بعروض موجزة عما يشبه علمي الفقه والكلام الإسلاميَّيْن، حتى وإن دلّ تفحص أكثر دقة على أن الفارابي فكّر في الفقه والكلام كما لو كان يفكر في علوم حاضرة في أي نظام سياسي (regime) ، وبمعزل عن تجاور العلم المدني والفقه من جهة، والفقه وعلم الكلام، من جهة أخرى، فإننا لا نجد تفسيراً لوجود هذه العروض عن الفقه وعلم الكلام كملاحق لفصل مكتوب عن العلم المدني. وهذا سؤال يعالجه الفارابي بصورة واضحة، فقط في مصنّفه كتاب الملّة...، حيث يظهر جليّاً أن الآراء في الله والعالم ليست حكراً على العلوم التي جرى إحصاؤها من قبْل في الفصل الخامس من مصنَّف إحصاء العلوم؛ وهي في معظمها علوم يشرِّعها ويعرِّفها ويدافع عنها أناس ليسوا بباحثين علميين، وهم غير ملمِّين بالضرورة بعلم المنطق، والرياضيات، والفيزياء وعلم ما بعد الطبيعة (الميتافيزيقا)، أو بالعلم المدني. فتلك هي صناعات تتنافس مع العلوم الصحيحة، النظرية منها والعملية على حد سواء. فضلاً عن ذلك، فإن الأهمية المدنية لأنواع الصنائع التي يستعملونها، من برهانية وجدلية وسوفسطائية وخطبية و شعرية إضافة إلى التجربة العملية ومحاكاة المشرِّعين والملوك الماضين، إلخ، فإنها كلها صناعات بحاجة إلى أن تُفهم وتُقدَّر أهميتها.

***

إن أول دراسة شاملة كرِّست لمكانة الفارابي في الفلسفة الإسلامية، نشرها إبراهيم مدكور في العام 1934. حيث كان ذلك العمل من أول الأعمال الناضجة عن الفارابي في العصر الحديث، وقد مثَّل ما كان يمكن للدراسة الأكاديمية أن تحقّقه انطلاقاً من الأعمال المنشورة والمخطوطات المعروفة آنذاك في المكتبات الأوروبية. وفي الفترة عينها (1936)، كان ليو شتراوس قد توصّل بعد تفحُّصه لكتاب "راشيت حكمه" لفلقيرا، إلى أن يحدِّد بنية أهمّ أعمال الفارابي الفلسفية، ألا وهي الثلاثية بعنوان فلسفة أفلاطون وفلسفة أرسطو وتتألَّف من تحصيل السعادة، وفلسفة أفلاطون، وفلسفة أرسطوطاليس. غير أن الخطوة الأهمّ، كانت نشر فلسفة أفلاطون (1943) والدراسة - المراجعة التي أعدها ليو شتراوس ( 1945) لهذا العمل الهام.
صفحة 5
ومن بين الأعمال التي تناولها بالتحليل، مصنّف إحصاء العلوم، المعروف منذ العصر الوسيط، فإنها قد اقتبست، حقاً، تكراراً ولُخِّصت بالعربية والعبرية واللاتينية. غير أن ذلك العمل اعتبر مجرَّد استعراض "موسوعي" للعلوم. ومع ذلك، لقد تمّ الاعتراف بأهمية الفصل الخامس، حول "العلم المدني، والفقه، وعلم الكلام"، وكان يقتبس، جزئياً بسبب توسّعه نسبياً في عرض العلم المدني الذي أعقب أفلاطون؛ ولصعوبة إيجاد ذلك في مكان آخر، إذ إن العلم المدني كان قد اختفى تقريباً كمعرفة فلسفية. والحال، أنه لم يكن واضحاً ما هي علاقة الفقه وعلم الكلام، الملحقين بالعلم المدني، بهذا العلم الأخير، أو بالفلسفة بشكل عام. لقد اتَّضحت تلك العلاقة بين الفلسفة المدنية وعلمي الفقه والكلام وأصبحت مفهومة، فقط بعد أن عرضها الفارابي في شرحه للعلم المدني في مصنّف كتاب الملّة...، وهو عمل لم يتوافر لطلاب الفلسفة المدنية عند الفارابي، إلى أن نشره في العام 1968؛ فحتى هذا التاريخ، كان المرء يستطيع فقط التكهن حول كيفية تصور الفارابي للصلة بين العلم المدني من جهة، وعلم الفقه وعلم الكلام، من جهة أخرى. وبالإضافة إلى ذلك، كان مصنّف كتاب الملّة... هو الذي أفاد عن، وفسّر بوضوح وبشكل جليّ، تصور الفارابي للعلاقة بين المدينة والملّة باعتباره الموضوع الأهم للعلم المدني أو للفلسفة المدنية.

لقد قُرئ مصنّف آراء أهل المدينة الفاضلة للفارابي، على الدوام، واقتبس أيضاً منذ العصر الوسيط، كما وأنه طبع وترجم مرات عدة في الأزمنة المعاصرة. ويبدو أن العمل المرافق له، والمتمثل بمصنّف السياسة المدنية، كان أكثر شهرة وحائزاً على تقدير أكبر في الغرب الإسلامي، في الأزمنة الوسيطة. وقد ترجمه ديتريشي، في أواخر القرن التاسع عشر، وطبع في حيدرآباد في أوائل القرن العشرين. ومع ذلك لم يُعَرْ إلّا قليلاً من الانتباه، لأنه ساد افتراض أن المصنّف مجرد صيغة أخرى من مصنّف آراء أهل المدينة الفاضلة. وقد دأب الرأي السائد على ألّا يرى فيه، كما في مصنّف آراء أهل المدينة الفاضلة، إلّا نوعاً من الموسوعة التي تتضمن أيضاً موجزاً عن العلوم الفلسفية، وهي بمثابة صيغة أخرى لمصنّف إحصاء العلوم، باستثناء علوم أمثال علم المنطق والرياضيات؛ وتتكرر مثل هذه النظرة في تقديم الطبعة الأخيرة والتعليق المرفق بها (1985).

لقد كانت واحدة من المهام الأولى المطروحة أمام تحليل فلسفة الفارابي المدنية وتفسيرها، متمثلة في تأسيس العلاقة بين الفصل الخامس من مصنّفي إحصاء العلوم وكتاب الملّة...، والذي تضمّن عرضاً عن العلم المدني أو الفلسفة المدنية، وفي توضيح، بعد ذلك، العلاقة بين هذه العروض العامة للعلم المدني ومصنَّفي آراء أهل المدينة الفاضلة والسياسة المدنية، وهما بناءان من نتاج نموذج علم مدني قد وصفه الفارابي. وبعبارات أخرى يمكن اعتبار آراء أهل المدينة الفاضلة والسياسة المدنية ، من الآن فصاعداً، كمثلين، أو نموذجين بناهما الفارابي وفقاً لبعض القوانين التي وصفها في عرضه للعلم المدني. وكان هذان النموذجان برسم محاكاتهما من قبل رؤساء أوَل ومشرِّعين مقبلين، وبرسم استعمال طلاب الفلسفة لكي يفهموا مأزقهم السياسي-اللاهوتي. فإذن، ليس هذان العملان تجسيداً لفلسفة الفارابي النظرية أو العملية؛ إنما يمثلان فقط مثلين في نوع السياسات التي تستطيع الفلسفة المدنية أن تبنيها.

إن إحدى المسائل الرئيسة المطروحة في مصنَّفي آراء أهل المدينة الفاضلة والسياسة المدنية هي تلك المتعلقة بالمرتبة التي يحتلُّها القسم الأول من كلا المصنَّفين - القسم الذي يبدأ بتعداد الصفات الإلهية وينتهي بخلق الإنسان والوصف الأولي لملكاته - وعلاقته بالقسم الثاني، وهو القسم المدني الصِرف. ولم تجد المسألة حلّاً كاملاً في مصنّف إحصاء العلوم، حيث المقطع الرابع الذي يحصي بعض المواضيع المعالجة في القسم الثالث والأخير من العلم الإلهي، أو علم ما بعد الطبيعة، الميتافيزيقا)، ومطلع الفصل الخامس (حيث يبدأ الفارابي عرضه للعلم المدني) متجاورين فقط، من دون شرح العلاقة بين العلم الإلهي والعلم المدني. كما وأن المرء يلاحظ أن المقطع المخصص للعلم المدني (باستثناء علمي الفقه والكلام) له في البداية وجهة عملية. يحيل الفارابي إلى العلوم النظرية أو إلى الفلسفة النظرية (1.106، 16)، فقط عندما يبيّن كيف تلتئم المهنة الملكية الفاضلة (في 105، 15 ff ).

إن وصف الله والعالم مركزي في عرض علم الكلام، بما في ذلك الحاجة إلى دحض ما هو زائف من الآراء - الآراء التي يُفترض أنها لا تتوافق مع تفسير الطبيعة والإلوهية الوارد في الفصول السابقة لمصنَّف إحصاء العلوم، خصوصاً في الفصل الرابع، وبتخصيص أكثر في جزئه الأخير. وفي العرض عن علمي الفقه والكلام، فإنه مطروح في كل ملّة، أن الآراء في الله والعالم مشرَّعة في كل ملّة، وأنه بعد وفاة النبي-المشرِّع فإن علمي الفقه والكلام يهدفان إلى أن يستمر الاجتهاد لاستنتاج رؤى جديدة، ومناصرة القديمة. وتتبع الأجزاء المكرسة لعلمي الفقه والكلام، مباشرة، بعد الشرح الأخير عن العلم المدني المخصص للرئاسات الجاهلة، ولذكر أنها لا تحتاج إلى الفلسفة، سواء كانت نظرية أم عملية. ومن المفترض أيضاً، أن الآراء في الله والعالم هي من مقومات المهنة الملكية، الفاضلة وغير الفاضلة على حدٍّ سواء، ومن مقومات المشرِّع نفسه، وملّته، لا بل من مقومات كل ملّة.

لذلك، ليست معالجة الفارابي لهذه المواضيع عبر كتاباته في الفلسفة المدنية ابتداعاً. فهي تشير إلى التشابه بين المهنة الملكية الفاضلة وصناعة المشرِّع، وبين المدينة الفاضلة كما تصورها أفلاطون والأمّة الملّية المؤسَّسة على الوحي. إنَّ ذلك يدلّ على الحاجة إلى فهم التصور الفلسفي الأفلاطوني للمهنة الملكية الفاضلة، وهي صناعة أصبحت قريبة المنال مع حلول مِلل الوحي. ومن نافلة القول والتشديد على أن السياسة الأفلاطونية ومِلل الوحي على الرغم من التباينات فيما بينها تتمتع بأوجه شبه فيما بينها يمكن أن تشجع طالب الفلسفة والملّة على حد سواء، على البحث عما توفره له السياسة الأفلاطونية من تعاليم عن ملل الوحي. ومن المؤكد أن وجود آراء في الله والعالم داخل أمّة ما غير كافٍ لاعتبارها شبَهَ المدينة الفاضلة حسبما تصورها أفلاطون، أو لرؤية الملك الحكيم عند أفلاطون داخل كل رئيس سنّة. فهناك أنبياء حقيقيون وأنبياء زائفون، وصناعتا الكلام والفقه موجودتان في الاجتماعات المليّة، الفاضلة منها كما الخسيسة. ويحيل الفارابي إلى ذلك في الفصل الخامس من إحصاء العلوم، عندما يقدم علمي الفقه والكلام على نحو محايد، كما هما مطبّقان في مختلف الملل، وخاصة عندما يصف بعض النشاطات المليّة بأسلوب ساخر.
صفحة 6
ليس في وسع المرء، إذن، القبول بمواقف الفقهاء والمتكلمين، كما هي عليه في الظاهر، حول الآراء والأفعال المفروضة في مللهم الخاصة، لأنهم مدافعون عن ملّتهم الخاصة وليسوا بعلماء ذوي وجهات نظر محايدة. وبخلاف العلم المدني عند الفارابي، ليس الفقه والكلام علميَّين، إذ إنهما صناعتان عمليتان مبنيتان على الآراء والأفعال التي وضعها الرئيس الأوّل لكل ملّة. غير أن الأهمية الممنوحة لآراء الفقهاء والكلاميين تتطلب أيضاً إيلاء اهتمام كبير للآراء والأفعال. لذلك ينبغي التخلي عن العلم المدني الأرسطي الذي يركز وجهته بصورة أساسية على الأفعال، أو يجب ضمَّه إلى علم مدني أفلاطوني يكترث بصورة متكافئة، إن لم يكن أكثر، للآراء أيضاً. وينبغي على المهنة الملكية الفاضلة، أيضاً، أن تكون موضع عناية عظيم الشأن. ففي الفصل الخامس من مصنّف إحصاء العلوم ، ينتقل الفارابي من وصف موجز لعلم مدني عملي يأتي في المرتبة الثانية بعد العلوم النظرية المذكورة في الفصل الرابع إلى علم مدني أكثر انسجاماً مع فلسفة أفلاطون، مركِّزاً بذلك على الناحية العملية من العلم المدني.

إن آراء أهل المدينة الفاضلة والسياسة المدنية مصنَّفان يعينهما عنوانهما بوضوح كجزءين من الفلسفة العملية؛ فهما مصنَّفان مدنيَّان. مع ذلك، يحتويان على مواضيع تنتمي بالمعنى الحقيقي إلى العلوم النظرية، والعلم الطبيعي والإلهيات. ولا يسعنا التأكيد بصورة كافية على الطابع المدني لهذين المصنَّفين إذا ما أخذا بإجمالهما، بما في ذلك ما يسمى بالجزءين ما وراء الطبيعي والطبيعي، أو على الطابع المدني لهذين الجزءين اللذين يبدوان نظريين ليس إلّا. ولأننا نعلم من كتاب الملَّة ومن الفصل الخامس من مصنَّف إحصاء العلوم أن الآراء في الله والعالم، والآراء في أفعال الإنسان، يمكن عرضها بطريقة ليست نظرية وعلمية بحتة، فإنه لأمر حاسم، إذن، أن نحدِّد ما إذا كان مصنَّفا آراء أهل المدينة الفاضلة والسياسة المدنية مصنَّفين علميَّين وإلى أي مدى هما كذلك، خصوصاً أن المصنَّفين لا يدّعيان لنفسهما هذه الصفة، ولا يتبعان خطوات البحث العلمي الذي يفترض بالعلوم أن تتبعها؛ فليس الكتابان كتابين في الاستقصاء والبرهان. ويكفي ذلك لحملنا على عدم اعتبار ما يعرضه الفارابي وكأنه عرض علمي، لاسيما إذا كان طابعه مدنياً ولا يدّعي لنفسه الصفة العلمية. من المهم أن نتذكَّر هذا دائماً نظراً للخلط المتكرر الحاصل بين الرؤى المعبَّر عنها في آراء أهل المدينة الفاضلة والسياسة المدنية وتلك التي تعبِّر عن رؤية الفارابي الفلسفية والعلمية.

كما وأن الآراء المعبَّر عنها في هذين المصنَّفين ليست وليدة سياق مدني محدَّد وحسب (كونها مشرَّعة)؛ بل هي وثيقة الصلة بالسياسة وهامّة، لا بل حاسمة لأنها تشير إلى الغايات (أو رؤية السعادة) التي لأجلها تفعل الأفعال، الأمر الذي يشكِّل مسألة أساسية في العلم المدني. كذلك تشير إلى أساس التمييز بين الخيرات والأفعال الجميلة والفضائل، والأشياء المفيدة، ونقائضها 102.14ff )، كما تبيّن أساس التمييز بين الأنظمة السياسية وبين أنواع الرئاسات 103.1ff ).

***

باختصار، فإن مصنَّفي آراء أهل المدينة الفاضلة والسياسة المدنية عملان متوازيان، علماً بأنهما ليسا متماثلين في كل أمر. وبشكل عام، فإن كلاهما مقسمان إلى ما يمكن أن يبدو قسماً تصورياً للكون (علم كون مدني أو علم كلام مدني)، وقسماً مدنياً. ويحتويان على عناصر مشتقة من فلسفة أفلاطون وأرسطو، إنما إطارها العام أفلاطوني أكثر منه أرسطي.

يستعرض مصنّفا إحصاء العلوم وكتاب الملّة وظائف العلم المدني التي تماثل جزئياً موضوع مصنّفي آراء أهل المدينة الفاضلة والسياسة المدنية. لذلك، فإنّ تقسيم مادة هذين المصنَّفين إلى قسمين، أحدهما تصوري للكون وثانيهما مدني، ليس تقسيماً دقيقاً لأن الشأن المدني متمثَّل بموضوع علم الكون، والشأن الكوني متمثَّل بالشأن المدني. فإذا تغاضينا عن الشأن المدني سوف لن نتمكن من أن نفسِّر لماذا يحتل الإنسان والاجتماع مثل هذا الموقع المسيطر في هذين المصنَّفين، بالمقارنة، على سبيل المثال، مع كتاب إسطقسات اللاهوت (Element of Theology) لبروكليس (Proclus) ؛ لأن الإنسان ليس الموجود الأول (فالله هو الأول) أو الجسم الأول (الأجسام السماوية هي الأولى). وسوف لا يسعنا تعريف العلم الذي يعالجه هذان العملان. ووفقاً لـ كتاب الملّة، فإن كل شيء فيهما يشكّل جزءاً من موضوع العلم المدني. ومن ناحية أخرى ليس واضحاً أولاً لماذا ينبغي على مصنَّف في الشأن المدني أن يبدأ على هذا النحو وأن يتَّبع هذا المنهج. فبالإمكان، في المصنَّفين، اعتماد طرق متنوعة ومختلفة للاستقصاء: (1) الإنسان: موقعه داخل الكل (المبادئ والأجسام التي يبدأ بها مصنّف السياسة المدنية ) والعلاقة بين نفسه، والصورة، والمادة وبقية المبادئ والأجسام في الكون. (2) المطلوب من العلم المدني في كتاب الملّة... أن يستقصي ويستعلم عن كوامن الكون، وعن الجسم، وعن المدينة، من أجل استخراج بعض الوجوه أو الخصائص التي تميزهم في الداخل؛ فقد أحصيت تلك الأنشطة تفصيلاً في كتاب الملّة. ينبغي العودة من جديد إلى مصنّف السياسة المدنية وإلى آراء أهل المدينة الفاضلة لإيجاد تفسير لكيفية قيام العلم المدني ببعض المهام التي حددت له في الفصل الخامس من مصنّف إحصاء العلوم وفي كتاب الملّة، ولكيفية تطبيق بعض القوانين العامة التي وصفت على هاتين الحالتين الخاصتين. (3) بما أن العلم المدني يعني العلم المهتم بالمدينة، فمن المناسب التنبّه بشكل خاص إلى أقسام مصنّفي السياسة المدنية و آراء أهل المدينة الفاضلة التي تعالج شؤون المدينة، لكي نفهم كيف تشكلت المدينة وفقاً لنموذج الكون أو جسم الإنسان. وبالعكس، يحتاج المرء إلى أن يتفحَّص عن كيفية عرض الكون وجسم الانسان في هذين الكتابين، أي ما إذا كانا يهدفان إلى إثبات الخصائص، أو التشديد على الخصائص، الملائمة للعلم المدني والتي يمكن محاكاتها. وهذا يعني أن الفارابي يمكن ألَّا يكون راغباً في التقصي عن الطبيعة في حدّ ذاتها، إنما هو راغب في استخدام التفسير الأكثر احتمالاً للكون، وهو التفسير الذي عرضه أرسطو وعدّله بطليموس، ثم استعاده الفارابي نفسه مضفياً على عرضه لها الطابع المدني ليجعل منه مدخلاً لعرضه عن المدينة. والسؤال المطروح هنا هو معرفة ما إذا كان الكون وجسم الإنسان، قد شرحا مدنياً من قبل، وإلى أي مدى تمّ ذلك، أو ما إذا ما كانت استنتاجات الاستقصاءات العلمية قد عدِّلت لجعلها تتوافق مع آراء المدنيين وتقديمها كمثل لبناء المدينة. وبهذا المعنى، لا يصحّ تماماً التحدّث عن "علم كون مدني" أو عن "أسطورة"، أي عن كون أو جسم إنسان يتم تفسيره من دون الاكتراث بالتفسيرات العلمية لهما. وذلك بالضبط لأن العلاقة بين العلم والمدينة، وهي مسألة موضع جدل، وهي معضلة ناقشها الفارابي بتفصيل أكثر عندما تفحص عن جذور آراء المدن (أو الملل)، الجاهلة أو الضالة، في نهاية مصنَّفي آراء أهل المدينة الفاضلة والسياسة المدنية. وهذا والمغزى هنا هو أنه مثلما كانت الآراء القديمة، الصائبة منها والفاسدة، تفسر رؤى تلك المدن، يفترض بأن تكون الآراء الحديثة غير الفاسدة أساساً لرؤى المدينة الفاضلة. غير أن عبارة "غير فاسد" تعني أن المعرفة العلمية يجب ألا يبطلها أي تعديل أو عرض ذو منحى مدني. وبطريقة مفارقة، ينبغي المحافظة على نزاهة المعرفة العلمية حتى لو استعملت كمساعد لتشكيل آراء المدنيين.
صفحة 7
القسم الأول

الفلسفة وعلم الفقه وعلم الكلام

الفصل الأول

الوجهة المدنية للفلسفة الإسلامية

"بادئ ذي بدء، اسمحوا لي أن أتكلم عن مؤسستنا الكنسية والتي هي أولى أحكامنا المسبقة، وحُكمنا المسبق هذا ليس حكماً يفتقر إلى العقل، إنما هو قناعة تتضمَّن حكمة واسعة وعميقة الجذور. ولئن تكلمت عنها أولاً فلأن هذه المؤسسة هي، في أذهاننا، البداية والنهاية والوسط. وكذلك لأننا، عندما نعتمد على نظامنا الديني الذي نؤمن به اليوم، نستمر في عملنا، متوافقين مع الفهم المتّسق والمستمر للجنس البشري منذ الأزمنة السحيقة. إن هذا الفهم لم يَبنِ، مثل معماري حكيم، نسيج الدول الجليل فحسب، ولكنه، مثل مالك، بعيد النظر، عازم على حماية بنائه من الامتهان والخراب - على غرار هيكل مقدس طهِّر من كل شوائب الاحتيال والعنف والظلم والطغيان - كرّس الجمهورية، وكل من يؤدي فيها وظيفة، رسمياً وإلى الأبد. وقد تمّ هذا التكريس لكي يكوِّن كل الذين يمارسون وظيفة أو دوراً في الرئاسة، حيث يمثِّلون مقام الله نفسه، فكرةً سامية، وقيّمة، عن وظيفتهم وغايتهم، لكي يكون أملهم بالخلود كبيراً. ويجب على هؤلاء أن لا يتعلقوا باعتبارات الربح الخسيسة ولا بالمديح العابر الآتي من العامة، إنما بالوجود الدائم، ولكن الثابت، ضمن القسم الدائم من "طبيعتهم"، وكذلك بسمعة ومجد يخلدهما المثال الذي يتركونه إرثاً غنياً في هذا الكون".

في هذا البيان المقتطف من أفكار حول الثورة الفرنسية (47-644)، يوجز بورك (Burke) واحدة من المقدمات المنطقية الأساسية التي قام على أساسها اللاهوت والفلسفة المدنية الغربيتين قبل القرن السادس عشر، واللذين تمرّد عليهما فلاسفة السياسة الغربيون منذ ذلك الحين. (يستطيع المرء بالتأكيد إيجاد بعض قدامى أتباع المذهب الإبيقوري ـ مذهب اللذة ـ وفلاسفة ملّيين غربيين ممن يقفون موقفاً مختلفاً، غير أنهم لم يستطيعوا قط، في الماضي، أن يشكلوا تحدياً جدياً لوجهة النظر المذكورة أعلاه، كما لم يعرقلوا ما تلاها من تمرّد ناجح ضدها)، ونحن هنا سنتصدى للمسألة نفسها كما طرحت في الفلسفة الإسلامية.

وحسب الرأي الشائع، فإن فعل الإنسان، الذي يطلق عليه اسم الفلسفة، ليس ضرورياً ولا مفيداً، ولهذا تجبر سيادة هذا الاعتقاد الفلسفة على أن تبرر نفسها. غير أنه من الملائم، قبل ذلك، طرح السؤال حول ما هو ضروري ومفيد للإنسان، وعند الضرورة حول طبيعة الإنسان. ويتمثّل أحد أشكال مقاربة مسألة "ما هو الإنسان؟" في النظر إلى المكان الذي يحتلّه في العالم، والتأمّل في ما يمكن أن يميِّزه عن باقي الكائنات التي نراها أو نتخيَّلها. ويرجع السؤال إلى ما يلي: هل يختلف عقل الإنسان أو ذكاؤه عن بقية العالم الطبيعي وتلك الأجزاء الأخرى من وجوده التي يشاطرها مع الحيوانات الأكثر تطوراً من غيرها؟ أم هل أن عقل الإنسان هو مجرّد آلية ذهنية أكثر تعقيداً من آلية الحيوانات الأخرى، ومجرّد توسيع، أو تحسين للمؤهلات الحيوانية المستخدمة في تلبية الحاجات، والشهوات، والأهواء عينها التي تتمتع بها الحيوانات، ولكن بطريقة أكثر فعالية واكتمالاً؟ إن هذا السؤال غير منفصل عن السؤال المتعلِّق بمكوّنات العلم المدني. لقد أدرك الأقدمون والأحدثون، على حد سواء، الإنسان باعتباره "حيواناً مدنياًً"؛ وحيواناً يختلف عن الحيوانات الأخرى في أنه يعيش ويتصرف ويتتبع أهدافه ضمن جماعة مدنية. وإنَّ هدف السؤالين اللذين أطرحهما وهما: "ما هو الإنسان" و"ما هي المدينة" هو هدف واحد ينطلق من موقعين مختلفين.

لقد شاطرت الفلسفة الإسلامية الأقدمين نظرتهم إلى الإنسان باعتباره كائناً من نوع خاص، يتميّز عن بقية الحيوانات بقدرته على عقل الأشياء، أي على أن يعرف نفسه ويعرف الكل، وبالتالي فإن عقل الأشياء هو الغرض النهائي لوجوده. وقد اعتبرت الفلسفة الإسلامية هذا الفرق بين الإنسان والموجودات الحيّة الأخرى فرقاً جذرياً، يعادل في جذريته، إن لم يكن أكثر، جذرية الفرق بين الموجودات الحيّة والأشياء الجامدة، بين الموجودات التي تتمتع بنفس وتلك العديمة النفس.

وهذه الرؤية هي في الواقع رؤية فلسفية. مع أن الفيلسوف لا يعيش بين موجودات عديمة الحيوية أو حيوانات أخرى يجادلها، أو يبرر لها موقفه، إنما بالأحرى يتحادث مع بشر آخرين؛ بشر مثله، سبقوه في الانتماء إلى جماعة سياسية كأعضاء أو كمواطنين. مع ذلك هم، عموماً، محصنون ضد الفلسفة والسيرة التي تستلزمها هذه الفلسفة. وبدلاً من ذلك، ينطلقون من قناعتهم العامة بأن الآراء الأساسية المقبولة من الجماعة المدنية، والتي تتبعها هذه الجماعة، هي آراء معيارية وليست موضع تساؤل من أي نوع؛ فالتشكيك بهذه الآراء يمكن أن يعرِّض صاحبه إلى تهمة الخيانة، ويبرر نفيه أو هدر دمه. ويطرح هذا الأمر على الفيلسوف المعضلة التالية: إذا كان سبب وجود الإنسان وتميّزه عن بقية الحيوانات هو استعمال عقله وقدرته على المعرفة - وهذا ما يعتقد به الفيلسوف اعتقاداً راسخاً - وإذا كانت مثل هذه المعرفة موجهة لتتفحص عن القناعات والآراء وبالتالي للتقصّي عن كل شيء، وإذا كانت الجماعة المدنية تنكر الحاجة لمثل هذا التقصّي وتحول دون إمكانية نيله، فإن الجماعة المدنية، بنتيجة ذلك، تكون قد اعتمدت سابقاً رؤية تقول بأن الهدف الحقيقي للحياة المدنية والإنسان نفسه هو اكتساب فعالية أكبر في بلوغ غايات ليست خاصة بالإنسان، إنما هي صيغ أكثر تعقيداً لغايات تسعى إليها بعض الحيوانات الأخرى: اللذة والغنى والشرف، إلخ. ومن هذه النقطة بالذات ينطلق النزاع التقليدي (الكلاسيكي) بين الفلسفة والجماعة المدنية.
صفحة 8
الفلسفة والشريعة الإلهية

وإذا كان ثمة موقف تميَّزت به الأمّة المسلمة جمعاء عبر العصور، فهو العرفان بالجميل للوحي وللشريعة الإلهية؛ والمتمثل بالتقيد بالأقوال والأعمال النموذجية للرسول، ناقل الوحي؛ وكذلك بالالتزام بسيرة الرسول والصحابة، وهي الصراط المستقيم الذي ينبغي على الأمّة المحافظة عليه والاقتداء به والعودة إليه دوماً؛ والاقتناع بأن كل ابتعاد عن النهج الذي سلكه السلف الأتقياء خطأ وتمرد يقود إلى انحرافات، وإلى التخلي عن وصايا الله، والتيه والنفي إلى عالم الخيانة الذي ينبغي على الأمّة المسلمة أن تخرج نفسها منه وترجع ثانية إلى مقرِّها. وليس هناك من تفسير مهما بلغ من تعميم، ومن أدوات شرعية، ومن رأي تجمع عليه الأمّة، ومن تبرير يؤسس على حاجة أو تبدّل زمنيين، يستطيع إضعاف الاعتقاد الأساسي بأن التقدم الأصيل يتطلب العودة إلى الأصول. ليس هناك من قوس قزح في الأفق، ولا من عصر ذهبي في آخر زمان البشر، سواء كان ناتجاً عن كمال علوم الإنسان وصناعاته، أو عن سيطرة الإنسان على الطبيعة وتحكمه بها. ويتمثل التقدم في مقاومة الغربة والمسارات الخاطئة، ويتمثّل أيضاً في العودة إلى الأصول بإقفال الدائرة: ففي نهايته تكمن بدايته. لذلك فإن الأمّة المسلمة ليست، البتة، راضية عن الحاضر. وهي تنظر إلى المستقبل، إنما فقط بمقدار ما هي مدعوّة إلى إشعال فتيل الثورة التي ستلغي تمردها بالذات، وإلى إثارة التأمل في مسألة الغاية النهائية وحساب الآخرة. وبعد العودة إلى الصراط المستقيم، صراط السلف الأتقياء، ثمة عودة نهائية لجميع البشر إلى خالقهم، إلى العالم الآخر، عالم الآخرة. وتعتبر حالة السهو عن الآخرة واللامبالاة بها تمرداً وخيانة ونفياً من قبل أمّة لديها منذ البدء الإحساس الطاغي بهذا الأجل القريب.

إنَّ مستلزمات الفلسفة الإسلامية ومستلزمات الشريعة الإسلامية الإلهية، كما هي مدركة عادة، ليست متوافقة من جميع الأوجه. وبالمقابل، فإن الاختصاصي الغربي الحديث في الإسلام يرى أن هنالك غلوّ كبير في الحديث عن أوجه التوافق. أما بالنسبة للفلاسفة وللمتكلمين القدماء، فقد فرض الاختلاف عليهم أن يكونوا متنبهين وأن يتقدموا بحلّ مناسب في بعض الحالات.

وبادئ ذي بدء، يُعد الإنسان القضية المركزية لفلسفة ولشريعة على حد سواء: الفلسفة من عمل الإنسان، والشريعة تخاطب الإنسانَ وليس الحيوان والكواكب أو الملائكة. وبالإضافة إلى ذلك، كلاهما يتطلبان من الإنسان أن يبحث عن شيء أسمى من ذاته، وأن يصبح إلهياً، وأن يتمسَّك بما هو أعلى وأبعد من ذاته. ويواجه الإنسان فريضة أن ينفتح على الكل أو على المبدأ الأسمى للكلّ. كما وأن لا الفلسفة ولا الشريعة، صُمِّمتا لخدمة الإنسان؛ بل الأحرى أن الإنسان هو الذي ينبغي أن يكون في خدمة كل منهما. إنهما ليستا معنيتين بتلبية حاجاته، أو تحسين حالته، كما كانت قبل أن يصبح مدركاً للفلسفة أو للشريعة، لأن الفلسفة والشريعة تعتبران حاجات الإنسان وحالته بائسة وغير جديرة بقدراته ككائن إنساني. ومن الآن فصاعداً، يتم تشكيل إنسية الإنسان، أو إعادة تشكيله، بفضل دعوة أسمى. فالفلسفة تدعو الإنسان إلى معرفة الكون المرئي وقوانينه بواسطة مَلَكته الأسمى، أي عقله أو ذكائه؛ أما الشريعة فتلزمه بالامتثال مخلصاً إلى وصايا الله. غير أنه، في كلتا الحالتين، يؤدي فريضة أكثر مما يطالب بحقوق. فالحقوق الأولى ليست حقوق الإنسان، إنما هي حقوق الكون ومبدأه الأوّل، ألا وهو حق الله على الإنسان أن يعرفه ويطيعه. فلذلك، تفرض كلٌّ من المدينة التي يبنيها الفلاسفة وتلك التي تؤسسها الشريعة، على الإنسان رؤية شاملة إلى الكون ومبدئه الأوّل وإدراكاً لمرتبته في النظام العام للأشياء.

إن التوكيد على واجب الإنسان هو أيضاً المبدأ المسيطر في الحياة المدنية والاجتماعية كما تدركها الفلسفة والشريعة في آن، ولذلك تنبني الحياة المدنية على واجب أن يتصرف المرء بطريقة فاضلة. ولا يعني إنجازه لنشاط فاضل السعي وراء شهواته وأهوائه ولذّاته، إنما تلبية متطلبات الفضيلة كما حدّدها العقل الإنسي أو الشريعة الإلهية. ولهذا فإنَّ النشاط الفاضل ليس في خدمة اللذّة، بل إن هذه اللذّة مشتقة، بالمصادفة، من ذاك النشاط. لذلك، فإن المدينة التي يبنيها الفيلسوف، والمدينة التي وضعتها الشريعة معنيتان كلتاهما بالفضيلة؛ وبالتالي فهما مدينتان فاضلتان. إن الفضيلة هي مركز كل منهما، وهي مبدأ سياستهما وتدبيرهما خلافاً للمدينة المتغلبة التي ليس غرضها أن يفوز الرئيس والمرؤوسون بذلك الخير، إنما أن ينال الرئيس وحده ذلك الخير. ويقود المدينة الفاضلة رئيس حكيم، بينما يقود المدينة المتغلبة رئيس جاهل يسعى وراء ميوله الخسيسة وشهواته ولذاته فحسب.

وإنَّ الفضيلة الرئيسة في كل من المدينة التي يصوغها الفيلسوف وتلك التي تضعها الشريعة هي العدالة؛ والعدل يعني طاعة القانون، أي القانون الذي يشمل كل حالات الحقوق، المدنية منها والجزائية، والعامة منها والخاصة، والأخلاقية منها والملّية، أو الحقوق المتعلقة بالأفعال والمعتقدات في آن. إن الفلاسفة والمتكلمين قد انتصروا طويلاً لأولوية هذه القوانين الشاملة على تلك التي لا تشمل سوى الأفعال فحسب أو الأفعال المقبولة اجتماعياً أو مدنياً. سوف لن نتناول هذه الحجج هنا. وبدلاً من ذلك، سنفحص عن كيفية دفع قانون شامل بعض أعضاء الأمّة المسلمة إلى تجاوز ما تلزم به المتطلبات الشرعية العامة للفضيلة والعدل، فارضاً عليهم واجب المضي إلى ما يتعدى ذلك الإلزام، وكيف تميل هذه المبادرة الإضافية إلى أن تصبح نشاطاً لا اجتماعياً أو نشاطاً خاصاً، وبالتالي كيف يصبح الفيلسوف، انطلاقاً من الفكرة التي يكوِّنها عن هذه المبادرة، مضطراً إلى الافتراق عن بعض أتباع الشريعة الإلهية.

وثمة حاجة، لفهم كيفية حصول ذلك الافتراق، للانطلاق من القيود الشرعية العامة التي تضغط على المعتقد والمعاملات الاجتماعية. لقد ظهرت الشريعة مجهزة بقوانين تهدف إلى تأمين الطاعة، بإثارة ملامح طباع، وهيئات عقلية، ومشاعر، يمكن للمرء إيجازها بالتقوى والتواضع، والخوف والأمل: خشية الله والعقاب؛ والمكافأة الربانية والأمل في الحصول على الجزاء خيراً، لاحقاً، وعلى رحمة الله. وبخلاف القيود القانونية العادية للشريعة، فإن التقوى والتواضع تقبلان تفاوتاً في الدرجات. وعلى المنوال نفسه، إذا كانت الشريعة تلزم الإنسان بأن يبحث في الكون، ويتوصل إلى معرفة مبادئه العليا، وبخاصة منها المبدأ الأعلى، ألا وهو الله نفسه، فإن تلك المعرفة تقبل التفاوت في الدرجات. ولكن، في حين أن متطلبات الحد الأدنى من التقوى والتواضع، إضافة إلى المعرفة، تقع على كاهل الجميع، فإن الحد الأقصى من المتطلبات الممكنة يقع على كاهل بعض المنتجبين دون سواهم.

والحاصل الآن، أن الأفراد القادرين بطباعهم وحالتهم الذهنية، على الإيفاء، على أكمل وجه، بهذين النوعين من المستلزمات، فإنهم إلى حد بعيد مختلفون عن بعضهم بعضاً، إن لم نقل متضادين: إن تلبيتها بحدٍ يتعدى الحدّ الأدنى، يتطلَّب فضائل إضافية من نوع مختلف، وبالتالي يتطلَّب نوعين من التدريب، أو التربية، متميزَيْن الواحد عن الآخر. إن حياة يمضيها المرء في الخوف والقلق الدائمين، ليست مؤاتية لاستفادة المعرفة، وللتقصّي والتفهم والتأمل. فهذه مهام تتطلب بالأحرى أن يحظى الإنسان بالسكون، وأن يجد لذّة في النظر في ما حوله، وفي التساؤل حول ما يرى، وأن يكون متحرراً من الخشية عندما يرى نتائج استقصاءاته، فيفحص عن تصورات مختلفة ويقبل حقيقة ما يكتشف، عن طريق البرهان، ويقرّ بجهله أو شكِّه حين لا يبلغ اليقين.

صحيح، أنَّ التقصي والتقوى، لا يتطلبان معرفة المبادئ الأسمى أو ما يسمى جوهر الله، كما وأنهما لا يفترضان مسبقاً الحكمة التي تحيط بالكل. فالمرء يستطيع أن يخشى المجهول أو الفحص عنه، وهما موقفان ممكنان أيضاً، ويتماشيان مع حالة جهل أولية. غير أن الإنسان لا يحصر نفسه عادة في مرتبة يقرّ فيها بحالة جهله؛ بل إنه يجادل مع الجميع ويبحث عن أرض أصلب من حالة الجهل، للوقوف عليها وبناء تصورات أكثر إيجابية في الكون ومبادئه الأسمى.
صفحة 9
الفقه الإسلامي وعلم الكلام

لنفحص، بادئ ذي بدء، عن العصر الذي بلغت فيه الدراسة الفقهية للشريعة، وعلم الكلام والتصوّف والفلسفة إلى الدرجة التي أصبحت فيه ناضجة، ولنتتبع الدرب الذي كان يمكن أن يسلكه امرؤ مسلم مهتم بهذه العلوم لامتلاك هذه المعارف وشق طريقه عبرها. وفي هذا الصدد، قام الغزالي، في نهاية القرن الثاني عشر، في كتابه المنقذ من الضلال، بالتفحص عن دروب المعرفة تلك من دون أن ينهمك بالدراسة الفقهية التي كان له باع طويل فيها من قبل؛ وأسبابه بالأحرى بسيطة، فحسبما يقول، تعالج هذه الدراسة أولاً القضايا العملية الدنيوية منطلقة من الأحكام المذكورة بوضوح في القرآن وفي أقوال النبي-المشرِّع وأفعاله، وفي تلك الخاصة بخلفائه المباشرين. تسعى هذه المعرفة إلى التوصل إلى تقدير صحيح للحالات التي لا يتوافر لها سوابق بيّنة في النص القرآني، مستخدمة مناهج منطقية مثل قياس التمثيل (Analogy) . وينحصر منظور الفقيه ضمن الحدود التي رسمها رئيس السنّة والقانون الإلهي. وباعتباره فقيهاً، فإنه لا يطرح على نفسه، فيما يتعلٌق بركائز الشريعة، أسئلة مثل: لماذا نركن إلى الشريعة الإلهية إذن؟ ولماذا هذه الشريعة الإلهية الخاصة بدلاً من شريعة أخرى؟ ولماذا نظام مبني على هذه الشريعة بدلاً من شريعة أخرى؟ ولماذا هذه الصورة من ترتيب شؤون أمّة إنسية بدلاً من صورة أخرى؟

فمن الجدير ذكره أنَّ غالبية المؤمنني والعديد من قادتهم يؤمنون، ربما عن حق، أن كل محاولة للمضي إلى ما يتعدى نوعاً من التقدير لما تلزم به الشريعة، وبالتالي الطاعة الصادقة لها، يشكِّل هدراً للوقت أو شكلاً من التمرُّد. وهكذا فإنّ هذه المعادلة التي تساوي بين ما هو عادل وما هو شرعي تشكِّل السّمة المميِّزة للمواطنية الفاضلة، إنما لا ترضي أبناء الملّة الذين يرون أن الشريعة تدعوهم إلى البحث عن أسرار الخلق الإلهي. ويشعر هؤلاء بالحاجة إلى معرفة أسرار الشريعة الإلهية نفسها خصوصاً عندما تنشطر آراء الأمّة إلى أشكال متعددة حول مسائل مثل صفات الله، وطابع الوحي ومسؤوليات الإنسان، أو عندما تصطدم بدخيل ينكر حقيقة الشريعة الإلهية ويؤكِّد بأن شرائع إلهية أو إنسية أخرى تتفوَّق عليها. فعلم الكلام علم ينتصر للشريعة الإلهية، ويثبت حقيقةَ وحْي خاص، وأصالة رسالة المشرِّع الأوّل وصحة المعتقدات والأفعال التي تفرضها تلك الشريعة. ومع ذلك، فمن أجل صوغ رؤية عقلية، متماسكة نسبياً، عن المصدر النهائي للشريعة، وهو الله، وتوضيح ما يمكن أن يكون أو لا يكون ملزماً إلزاماً دقيقاً، وعمّا تكون عليه النبوة والطريقة التي يتم بها التمييز بين الأنبياء الحقيقيين والأنبياء المزيّفين، وعمّا هو الإنسان وما يمكن أن يكون ملزماً به شرعياً، فإنه لا يسع علم الكلام الاكتفاء بالنصوص البيّنة للشريعة. وبخلاف ذلك، لن يكون بمقدورك أن تدافع عن صلاحية الشريعة الإلهية الخاصة، وعن الطابع القويم والعادل لما تلزم به، أو عن الصفة الفاضلة والإلهية للذين يخلصون في تطبيقها. إن كل ذلك يفترض مسبقاً أن الإنسان يعرف هذه الأمور، ليس فقط انطلاقاً من الشريعة، أنما أيضاً بالاستقلال عنها بالذات. ويفترض ذلك أيضاً أن ما يقود إلى هذه المعرفة هو نوع خاص من الخطاب أو من الاستقصاء الكلامي.

ولكن، هل بالإمكان إدراك كل تلك المسائل بمعزل عن الشريعة الإلهية؟ ذلك على ما يبدو هو السؤال الذي شطر المتكلمين إلى فئتين: فئة الذين أطلق عليهم اسم العقلانيين، وفئة التقليديين. لقد كان من الصعب معالجة تلك المسألة، أولاً لأن قصد علم الكلام كان الانتصار للشريعة، وكان عاجزاً عن إنجاز هذه المهمة من غير تخطيها وشرح معناها وأهدافها وفي ما جعلها ممكنة؛ وبعبارات أخرى، من دون الوصول إلى رؤية أكثر شمولاً حول بنية الكون والمبادئ الموجِّهة له، وحول جوهر الله وصفاته وبنية الذات الإنسانية وإرادتها. لقد استكشفت مختلف مدارس علم الكلام التصورات العامة المتعددة الممكنة، غير أننا إذا أخذنا بما يقوله الغزالي، فإن نقطة انطلاقها الثابتة المتمثلة بالشريعة الإلهية، وقصدها الأولي الثابت المتمثل بنصرة هذه الشريعة، قد حالا دون إجراء مثل تلك الاستقصاءات إلى المدى الضروري لإرواء عطشهم لمعرفة حقيقة الأشياء، أو للتغلّب على انعدام اليقين الذي يعتريهم حيال هذا العدد من المواقف المتضاربة. فضلاً عن ذلك، فإنّ علم الكلام، المريب بنظر الفقهاء الذين وجدوا أن استقصاءاتهم حول الشريعة الإلهية لامست التجديف، كان عليه أن يواجه الآن الفلاسفة والمتصوّفة الذين أكدوا أنهم وجدوا وسائل أرقى وأكثر جدوى لإجراء تلك الاستقصاءات.

وكما الدراسة الفقهية للشريعة، فإنَّ علم الكلام كان منذ البدء مفرطاً في التركيز على العلم المدني. وفي الواقع، فإن مسألة رئاسة الأمّة الإسلامية كانت واحدة من المسائل الأساسية، إن لم نقل المسألة الأساسية، التي قادت إلى نشوء علم الكلام الإسلامي.

ومع أن العلم المدني بهذا المعنى الأوسع قد انتقل، في زمن الغزالي، إلى الموقع الخلفي في الدراسة الفقهية للشريعة وفي علم الكلام على حدٍّ سواء. استمرّت مناقشة الصفات الشرعية للحكام، غير أن الملوك أنفسهم كانوا قد كفّوا منذ زمن طويل عن التصرف كخلفاء جديرين بخلافة الرسول. فلم يعودوا سوى ملوك دنيويين يخضعون إلى حدٍ أدنى من الواجبات الشرعية، واقتصرت مهمتهم الشرعية بعد ذلك على تعيين القضاة المنوط بهم تطبيق الشريعة؛ ولم يعودوا ملتزمين بصوغ تلك الشريعة أو تفسيرها، أو تطبيقها أيضاً. لذا كانت تلك المهام ملقاة على عاتق الفقهاء والمتكلمين، الذين نجحوا في فرض أنفسهم كمؤتمنين على الشريعة، ونجحوا من ثمّ في فصل دائرة التشريع و الفقه عن دائرة التدبير. لقد حافظ الفقهاء والمتكلمون على الشريعة، وأصبحت الأمّة المسلمة تشكِّل مجال تطبيق لها، أي لتلك الشريعة، بدلاً من أن يكون مجالها هو حكم أي سلالة خاصة. غير أن ذلك كان يعني أيضاً أن دائرة تطبيق الشريعة الإلهية قد مالت إلى أن تنحصر في حدود السنن الشخصية وسنن المعاملات، وبالتالي، تُرك للملوك وديوانيتهم أمر التحكم بالسنن الدستورية والإدارية وبعض أوجه العدالة الجنائية. وبشكل موازٍ، اهتمّ علم الكلام بدرجة متزايدة بمسائل أخلاقية عوضاً عن مسائل متعلقة بالشأن المدني بالمعنى الواسع، ما عدا عندما تبنّى بعض اعتبارات الفلسفة حول الأنظمة السياسية.

وهكذا أصبح العلم المدني ميداناً حكراً على الذين يمارسونه، من ملوك ووزراء وديوانيين. كذلك حدد الفقه وعلم الكلام مهمتهما في التأكّد من أن الملوك الدنيويين لا يحاولون أن يدّعوا لأنفسهم حقوقاً إلهية، وأن ينشئوا حقاً وراثياً لسلالتهم في الخلافة على أساس الشريعة، أو أن يتصرفوا كوسطاء بين رعاياهم المسلمين والرسول أو الله؛ وقد نجحا بهذه الطريقة في رفع الطابع الأسطوري لنظام الملوك الأساسي والإطاحة بصورة نهائية بالآراء التي كانت سائدة في الشرق الأدنى حول ألوهية الملوك. علاوة على ذلك، ناقش الفقهاء والمتكلمون طويلاً ما إذا كان من المفروض شرعياً على الأمّة المسلمة أن تخلع، بالقوة إذا لزم الأمر، ملكاً جائراً؛ غير أنهم تبنوا حيال هذه المسألة وجهات نظر شديدة التباين يصعب معها الكلام على حدٍ أدنى من توافق الرأي في ما بينهم حيال تلك المسألة. إلّا أنهم أظهروا لامبالاة كلية حيال قضايا الحياة المدنية الكبرى. لذلك، لم يكونوا مؤهلين لفهم الطابع العام للأنظمة أو السياسات المدنية التي يعيش المسلمون في كنفها، ولا لفهم تنوع صورها مع انتشار الإسلام تدريجياً في قسم كبير من أرجاء العالم المتحضر، أو التغييرات التي كانت تطرأ أثناء تعاقب الملوك، وتوسع المُلك أو انحطاطه، والتغييرات الاقتصادية والاجتماعية التي تتحمّلها الأمّة التي راحت تشهد تحولاً تدريجياً في خصائصها وأفكارها وممارساتها.
صفحة 10
الطبيعة والسنَّة

في ما يتعلق بالفلسفة، قال الغزالي إن أتباعها كانوا يتبنون ثلاثة آراء لم تشاركهم فيها الأمّة المسلمة، ألا وهي الفكرة القائلة بأزلية العالم، وإنه لم ينشأ من عدم؛ وبأنَّ الله عالم بالكليات بدلاً من الجزئيات؛ وأن الثواب والعقاب في العالم المقبل سيطبق على النفوس والأرواح بدلاً من الأبدان. وكان الفارابي قد عالج هذه المسائل سابقاً في كتابه الجمع بين رأيي الحكيمين أفلاطون الإلهي وأرسطوطاليس، وتناولها ابن رشد ثانية في كتاب فصل المقال؛ وحاول كلاهما، إثبات زيف هذه التهم كما عرضها الغزالي، لأن مواقف الفلاسفة حول هذه المسائل كانت متنوعة ومعقدة وأقل دغمائية مما أكّده الغزالي. غير أن الفارابي وابن رشد قد بيّنا أيضاً أن الطريقة الجازمة التي تسعى فيها أي ملّة وحيٍ إلى فرض رؤيتها في خلق العالم وفي معرفة الله للجزئيات، وفي بعث الجسد، تضع الاستقصاء الفلسفي في مواجهة صعوبات خطيرة وأخرى غير قابلة للتذليل في بعض الحالات. فالغزالي الذي ماثل تصوّرات الفلاسفة بجملة من المذاهب أو العقائد الدغمائية، لا يسعفنا في تقدير حجم تلك الصعوبات. فإذا أردنا استبعاد هذه الصعوبات، يجب علينا، بادئ ذي بدء، أن نقر بالأهمية التي توليها الفلسفة لاكتشاف الطبيعة وللتمييز بين الطبيعة والسنّة.

لنبدأ بفحص سريع عن تاريخ عبارَتَي الطبيعة والسنّة في اللغة العربية. في الاستعمال السابق على الفلسفة، لم تكن الصورة التجريدية للطبيعة سائدة، وكانت الصور المشتقة الأخرى (أمثال طَبَعَ، وطَبْع، يعنيان "ختم"، و "ترك أثر" أو "بصمة"، ومن هنا الكلام عن "مزاج" و"طَبْع" بمعنى الشيء المختوم أو المطبوع في نفوس الناس، عقب تناول الطعام أو الشراب) أموراً عصيّة على الفصل عن السنّة و"العرف" أو "الصراط"؛ وفي الحقيقة، فإن الطَبْع يُدرك في بعض الحالات باعتباره خاضعاً للسنّة التي يمكن أن يكون لها دلالة أكثر شمولاً وأكثر ثباتاً من طَبْع، خاصةً عندما تستعمل عبارة سنّة للإشارة إلى صورة الحياة وسلوكها، أي "صراط الأوَّلين" أو "صراط الله". فلقد فرض الاكتشاف الفلسفي للطبيعة تبديل المعنى المرتبط بكلمة طَبْع والاستعانة بالصورة الأكثر تجريداً لعبارتي "طبيعة" و"طبيعي" للدلالة ليس على "أثر" أو "ختم"، إنما على "تعبير": تعبِّر الطبيعة عن نفسها بنفسها، والموجودات الطبيعية هي تلك الموجودات التي تعبِّر عن نفسها أو تتراءى أمام ناظرينا كما هي وتكشف لفكرنا عن ماهيتها.

لقد كان الغزالي يدرك، طبعاً، أنه كان لدى الفلاسفة مثل تلك الرؤية في الطبيعة، ولم يكن في وسعه أن يدينها لأنه، كما قال في نهاية كتاب تهافت الفلاسفة، كان ثمة متكلمون مسلمون يناصرون وجهة نظر مماثلة. وكان مجبراً على الاعتراف بأن هذا الإدراك للطبيعة وليد تأويل إسلامي للعالم ممكن وشرعيٍّ في آن. غير أن هناك تأويلاً آخر، ممكناً وشرعياً أيضاً، وهو التأويل الذي شرحه المتكلمون الذين حذا الغزالي حذوهم، وخصوصاً في ما يتعلق بذلك التأويل الذي أكّد أن العالم لا طبيعة له إنما له سنّة، وسيرة. ولقد مثّل المذهب الذري الذي نفى وجود سببية داخلية، الصياغة العقلانية والمنهجية للفكرة القائلة بأنه ليس هناك شيء في العالم لديه طبيعة بذاته، إنما لديه سنّة خارجة عنه. لكل شيء سنّة، أي أن كل شيء مقدّر، أو مُقرّ، من الخارج وبواسطة شيء آخر.

باختصار، لقد تصور هؤلاء المتكلمون، إذاً، عملية الخلق الإلهي مشبّهين لها بأشياء من صنع الإنسان، وشبهوا الله نفسه بالحرفيين والصانعين من البشر. ولقد انطلق الفلاسفة بدورهم من التمييز بين الأشياء من صنع الإنسان وتلك التي ليست من صنعه بل تمتلك مبادئها في ذاتها. وبالنسبة إليهم، فإن العالم المرئي عالم طبيعي تتمتع أجزاؤه بنظام طبيعي، مبدأه الأول العقل الأول، الخالق المبدع الذي يعرف ويدعم هذا النظام. والإنسان موجود طبيعي أيضاً، تتكشف طبيعته في تحقيق قدراته الفطرية. وهذه الطبيعة تعبِّر عن نفسها بواسطة شهواته وانفعالاته، وقدرته على التفكير، وقدرته على الكدّ لتلبية حاجاته، وأهليته لتنمية الصناعات و الأنظمة المدنية والأخلاقية والاجتماعية المتناسبة مع حاجاته والتي تمكّنه من بلوغ الكمال الذي أُعِدَّ النوع البشري لتحقيقه بفطرته. إن طبيعة الإنسان، هي مصدر سعادته، لهذا ينبغي فهم أنَّ كل ما يصنعه الإنسان متوقف على طبيعته ومرتبته في إطار الكل الطبيعي، وعلى غايات طبيعته باعتباره موجوداً يعيش ضمن هذا الكل الطبيعي المتمثل بالعالم المرئي.

ليس عسيراً على المرء أن يدرك لماذا كان الذين يحملون مثل هذا الإدراك للطبيعة بشكل عام ولطبيعة الإنسان خصوصاً، لا يقبلون بسهولة التصور التقليدي القائل بأن مبدأ العالم الأوّل هو موجود كُلّي القدرة ليس على الإطلاق محدوداً بمعرفته للعالم أو بطبيعة الخلق، أي إلهٌ جرى تصوره باستخدام قياس التشبيه كمدبِّر مهتم بكل حادثة وعارض جزئيّيْن، ملوِّحاً بثواب وعقاب ماديّين. ويكمن أحد المخارج المتوافرة لمواجهة تلك الصعوبات في اعتبار هذه الرؤية المتعارف عليها بمثابة ضرورة لتعليم أكثرية المؤمنين الذين لا يستطيعون، أو لا يتسنى لهم فرصة درس هذه المسائل، علماً بأنهم يحتاجون لآراء محددة جيداً وسهلة على الإدراك، لتعزيز تمسكهم بالشريعة الإلهية.

ولهذه الغاية، فإن الفلاسفة والمتصوّفة وافقوا على أن الشريعة احتوت معنىً ظاهراً يناسب العامة ومعنى أرقى يناسب النخبة وحدها. وبهذه الطريقة استطاعوا القيام بمحاولة تتجاوز الرؤية الفقهية والكلامية المشتركة للشريعة الإلهية من دون إنكار صحتها وجدواها، غير أن الشبه بين الفلسفة والصوفية يتوقف هنا.