الاهداء
إهداء الى والدي ,,,, حبا و وفاء
عماد
المقدمة
بيّن الله -سبحانه وتعالى- غاية القرآن الكريم، فقال :}إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا{([1]) فهو كتاب هداية في العقيدة والفكر والتشريع. ولا يمكن أَنْ نفهمه على هذا الوجه، ما لم ندرك واقعه العربي من حيث اللغة، على مستوى ألفاظه وتراكيبه وتصرفه فيها.
ومن هنا تظهر أهمية دراسة ألفاظه، ومعرفة دلالتها على المستويين الإفرادي والتركيبي. وأَنْ تدّرس ألفاظ موضوع معيّن في القرآن إجمالاً أجدى من دراستها متفرقة في السور، لما يتيح ذلك للباحث من وجوه التحليل والاستقصاء والموازنة.
وتأتي أهمية موضوع الثواب من علاقته الوثيقة بعقيدتنا الاسلامية، وأن دراسة دلالة الألفاظ تتصل بمنهج الأصوليين القائم عليها. والمهتم بها استعداداً لاستنباط الأحكام الشرعية من القرآن والسنة. ولن يتأتى فهمنا للقرآن الاّ بتعرف دلالات ألفاظه وضبطها عن طريق دراسة اللغة دراسة جادة.
أما المدخل:
فقد حددنا فيه مفهوم الدلالة لغة واصطلاحاً، وعرضنا لمشكلات الدلالة اللفظية المتمثلة: بالاشتراك، والترادف، والمجاز. وناقشنا فكرة نشأة الدلالة وبدايتها بالمحسوسات، فضلاً عن بيان أهمية النظم والتركيب. وبيان أثر السياق وأنواع القرائن في الكشف عن دلالة اللفظ، والتنبيه على معنى اللفظ الاستدعاء، ولم يخلُ هذا المدخل من إشارة الى ظاهرة التغيّر الدلالي، وفي ضوء ذلك كلّه شرحنا الطريقة التي يمكن أَنْ تدرس بها دلالة ألفاظ القرآن الكريم.
وأما الباب الأول:
فقد عقدناه لدراسة ( وجوه معاني (الثواب) في القرآن الكريم) ووزعنا الحديث عنها في خمسة فصول:
الفصل الأول: وعني بالجذر (ث ، و ، ب) في الاستعمال القرآني موازنة باستعمال العرب له، وبيّن أنّ استعمالات القرآن له تحددت بسبع صيغ هي: (ثُوِّبَ، أثابَ، ثَواب، ثِياب، مَثُوبَة، ثَيِّب، مَثابَة) ووقف عند دلالة كل صيغة.
وتحدّث الفصل الثاني: عن المرادفات القرآنية لمعنى (الثواب)، وتناول أربعة ألفاظ هي: الأجر والجزاء والحرث والخراج، وبيّن الفروق الدلالية بينها.
وتناول الفصل الثالث: المتواردات القرآنية على معنى (الثواب)، وبيّن دقة استعمال القرآن الكريم للألفاظ التي تعبّر عن المعنى المعين في سياقات مختلفة.
وأفردنا الفصل الرابع: لدراسة الأسماء والصفات الإلهية الدالة على الثواب، معتمدين تأويل دلالة اللفظ بما يليق بذات الله - عزّ وجّل -.
وخصصنا الفصل الخامس: بالحديث عن صفة أهل الثواب في القرآن، وبيّنا أَنَّ صفاتهم تكشف عن وجوه الثواب الذي ينالونه.
أما الباب الثاني:
فقد تحدث عن ألفاظ الثواب الأخروي والثواب الدنيوي في القرآن الكريم. وتقدم الحديث عن الثواب الأخروي لأهميته، من حيث أنه غاية المؤمن، فضلاً عن أنّ ألفاظ الثواب الدنيوي قد تتصل بالثواب الأخروي وتعبّر عنه. واشتمل هذا الباب على مدخل موجز وخمسة فصول.
وقد أفردنا الفصل الأول لدراسة: (لفظ الجنة: الأسماء والصفات) مسبوقاً بمدخل تناول اثبات الثواب الأخروي والثواب الدنيوي.
وبينّا في هذا الفصل أن كل اسم أو صفة للجنة تصف جانباًَ من جوانب الثواب الأخروي. واستعمل القرآن الاسم أو الصفة حسبما يقتضيه السياق ليؤكد دلالة معينة يقصدها.
وتحدثنا في الفصل الثاني عن: (أَلفاظ الوعد والبشارة). وبينّا طريقة القرآن في استعمال الألفاظ لمخاطبة الكينونة البشرية. لينشئ فيها حالة من الاطمئنان الى جنب الله وثوابه، وتداخلت فيها البشارة في الدنيا بما سيلقاه المؤمن من ثواب في الآخرة أو يتحقق له بعضه في الدنيا.
وعقدنا الفصل الثالث لدراسة: (ألفاظ النجاة)، وقد حصرنا الألفاظ التي استعملها القرآن في نجاة المؤمنين في الدنيا من العذاب الذي يأخذ الأمم. وجاء الفصل صغيراً في حجمه موازناً بالفصول الأخرى. مما أشعرنا بوجود خلل منهجي، ولكننا آثرنا أن نفرده فصلاً مستقلاً لسببين:
الأول: أنّ المادة الخاصة بالفصل كانت قليلة، إذ وقفنا على أربعة ألفاظ استعملت للدلالة على النجاة من العذاب الذي يصيب الأمم، وهي (نجا، أنجى، نصر، بلاء).
الثاني: أَنَّ هذه الأَلْفاظ استعملت استعمالاً خاصاً في القرآن الكريم، فأردنا أن نظهرها مستقلة عن الفصول الأخرى.
وتناولنا في الفصل الرابع: (ألفاظ التيسير والبركة)، وتمثل هذه الألفاظ ألطاف السلّة المترتبة على أَعمال العباد في الدنيا.
وخصصنا الفصل الخامس بالحديث عن: ( ألفاظ النصر والتمكين) وبيّنتْ هذه الأَلْفاظ أنّ الجهاد والثبات على العقيدة يثمران نصراً، عبّر القرآن عنه بألفاظ عديدة، دلت على الثواب الدنيوي الذي يناله المجاهدون فضلاً عن الثواب الأخروي.
وبعد هذه الدراسة تأتي خاتمتها لتلّم بالأفكار الرئيسة، والنتائج المهمة في الموضوع.
ومن الجدير بالذكر في هذا الموضع أَنّنا قد تركنا الموضوع يُحَدِّدُ منهجه. فكان المنهج الوصفي أكثر ملاءمة لطبيعة البحث، ولكننا لم نستغن عن المنهجين التاريخي والمقارن حين نجد ضرورة لذلك.
وأود أن أشير الى أنني قد استبعدت من البحث صور الثواب في الجنة، لما فيها من تفصيلات تبعدني عن الألفاظ الخاصة بالثواب، واستبعدت التراكيب التي عبّرت عن الثواب أَيضاً نحو قوله – تعالى -:}فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ{([2])، }فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى{([3]) لأنها تخرج عن دائرة بحث الألفاظ.
و مما له علاقة بطريقة عملي في هذه الدراسة أني ذكرت الآيات التي تمثل موضوع البحث منسوقة على تاريخ النزول للوقوف على التغيرات الدلالية، ما عدا المواضع التي لم أَلحظ فيها تغيّراً دلالياً، فقد آثرت أن أذكرها منسوقة على ترتيبها في المصحف.
واعتمدت في ضبط الآيات مصحف ديوان الأوقاف في بغداد المطبوع مصوراً على نسخة مخطوطة بقلم محمد أَمين الرشدي، ثم اتبع المشرفون على طبعه ما يوافق رواية حفص بن سليمان بن المغيرة الأسدي (ت 180 هـ) لقراءة عاصم بن أبي النَّجود الكوفي ( ت 127 هـ)، وأخذوا تقسيم أجزائه وأحزابه وتحديد عنوانات سوره والإشارة الى المكيّ منها والمدني من مصحف الحافظ عثمان، بيد أَنّهم قد اتبعوا طريقة الكوفيين في عدّ الآيات.
وليس غريباً أن يقودني موضوع ألفاظ الثواب الى مصادر قديمة ومراجع حديثة، يمكن أن نجعلها في ثلاث مجموعات:
المجموعة الأولى: كتب التفسير والدراسات القرآنية، وكتب معاني القرآن وغريبه وعلومه، وكتب الوجوه والنظائر، وكتب أصول الفقه والمنطق، وكتب الحديث.
المجموعة الثانية: كتب اللغة.
المجموعة الثالثة: كتب البلاغة والنقد.
وقد أفدت من كتب الأدب والأمثال ودواوين الشعر، بقدر حاجة البحث إليها، مشيراً في هوامش الرسالة ومفهرس المصادر والمراجع إليها كافة. ومن الاعتراف بالفضل أن أشير الى أنّ كتاب (من وحي القرآن) للدكتور ابراهيم السامرائي هو الذي وجهّني الى دراسة ألفاظ القرآن الكريم، ولا سيّما ما جاء - في فصليه الثاني والثالث من الباب الثاني- من أبحاث في موضوع الدلالة.
وعلى سبيل الاحتراز، أعتذر عن عدم رجوعي إلى (الموسوعة العربية في الألْفاظ الضدية والشذرات اللغوية) للعالم القاضي محمد بن محمد عبدالجبار السماوي، التي صدر الجزء الأول منها عن مركز الدراسات والبحوث اليمني، مشتملاً في بابه الأول على الخير والشر، ومعنى الثواب والمثوبة، ومعنى النّزل وغير ذلك من الموضوعات. ولم أتمكن من الحصول على هذا الجزء من مكتباتنا، وقد اطلعت على هذه المعلومة في: ( مجلة: ألف باء، العدد: 928، في 2/ذي القعدة/ 1406هـ= 9/تموز/1986).
أما بعد:
فإنّي لا أبّرئ نفسي، وهذا البحث من القصور، فالكمال لله وحده، فما كان فيه من صواب، وسداد رأي فلله الفضل والمنّة. وما كان فيه من تقصير أو مجانبة للصواب فمن نفسي. وأسأله -عزّ وجّل- المغفرة وحسن الثواب، وهو وليّنا في الدنيا والآخرة.
المؤلف
مدخل إلى الدراسة الدلالية
لألفاظ القرآن الكريم
اتجه البحث في دلالات الأَلْفاظ في اللغة العربية اتجاهات مختلفة، باختلاف مناهج الدارسين وتخصصاتهم. وتعّد بحوث اللغويين من أقدم هذه الاتجاهات([4]). ولذا حدّدت الصيغة والبنية دلالة اللفظ، مثّل الصّرفيون هذا الاتجاه([5]). وإذا بحثت دلالات الأَلْفاظ من خلال النظم والتركيب([6])، كان النحويون والبلاغيون ممثلين للاتجاه الثالث. ومن ثمّ تأتي أبحاث الأصوليين الذين نفذوا من هذه الاتجاهات الى استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية.
وليس غريباً أَنْ تشمل دلالات الأَلْفاظ هذا الميدان من البحث، لأَنّها تتصل بمشكلة المعنى، والقوة المدركة له؛ أعني: الفكر وعلاقته بالألفاظ([7]).
ومن متطلبات البحث أن نبدأ بتفسير معنى (الدلالة) لغة واصطلاحاً.
أما لغة: فلفظها مشتق من جذر: الدال واللام، وبالرجوع الى المعجمات وجدنا استعمالين رئيسين لهذه المادة:
أحدهما: إبانة الشيء بأمارة تتعلمها.
والآخر: اضطراب في الشيء.
فالأول قولهم: دللت فلاناً على الطريق، والدّليل الأمارة في الشيء([8]) أو:(ما يُسْتَدَلُّ به، والدّليل: الدالّ)([9])، والمصدر منه: (دَلالة ودِلالة ودُلولة، والفتح أعلى، وأنشد أبو عبيد [القاسم بن سلام لمجهول] :
إِني امْرُؤٌ بِالطُّرْقِ ذو دَلالات-) ([10])
وقد عدّ ابن دريد (ت 321هـ) الدَّلالة -بفتح الدال-: حرفة الدّلال، -وبالكسر- من الدّليل ([11]). ومما جاء مصدراً من هذه المادة أَيضاً ألّدِليّلي، إذ عدّه سيبويه (ت 180هـ) فيما جاء من المصادر وفيه ألف التأنيث، ويراد به: (كثرة علمه بالدَّلالة ورسوخه فيها)([12]). إذ إِنَّ (الفعّيل([13]) إنما تستعمل في الكثرة)([14]). وذكر الفيروز آبادي (ت 817هـ) أَنَّ (قول الجوهري: الدّليلي الدليل، سهو، لإنّه من المصادر)([15]).
ومما يبدو من أَقوال اللغويين: أّنَّ (الهداية) من معاني الاستعمال الأول لمادة (الدلالة)، فقد قال الزمخشري (ت 538هـ): (أدللت الطريق اهتديت اليه،... ومن المجاز: الدّال على الخير كفاعله، ودلّه على الصراط المستقيم، ولي على هذا دلائل، وتناصرت أدلة العقل، وأدلة السمع، واستدل به عليه، واقبلوا هدى الله ودَليّلاه)([16]) وهذه الاستعمالات المجازية لا تخرج عن أن تكون بمعنى: الهداية أو العلامة والبرهان.
أما الاضطراب وهو معنى الاستعمال الثاني فإنَّهُ لم يأت إلا رباعيا مضاعفاً، كقول أوس بن حجر([17]):
أَمْ مّنْ لِقَومٍ أَضاعوا بَعْضَ أَمْرِهُمُ بَيْنَ القُسوطِ وبين الدّينِ دَلْدالِ
وقال أبو معدان الباهلي:
جاء الحَزائِــمُ والزبّائِنُ دُلْـــــــــدُلاً لا ســـابقين ولا مَـــــــــــعَ القُطّانِ
قال ابن السكيت (ت 244هـ): (وقوله دُلْدُلا، أي: يتدلدلون بين الركبان، لا إلى هؤلاءِ ولا إلى هؤلاءِ)([18]).
ومن هذه المادة: دَلُّ المرأة ودلالها، وفلان يُدِلُّ على أقرانه، كالبازي يُدِلُّ على صيده، وهو يدل بفلان، أي: يثق به([19]).
والاستعمال الأول هو الذي نركز عليه هنا، لأنّ فيه معنى: الهداية والأمارة، ذلك أًنّ دَلالة اللفظ بمعنى: هدايته الى معناه.
وأَمّا معنى الدَّلالة اصطلاحاً، فهي – مطلقاً -: (كون الشيء بحالة يلزم من العلم به العلم بشيء آخر. والشيء الأول هو الدال، والثاني هو المدلول)([20]).
وقسّم المناطقة والأصوليون (الدّلالة) إلى ثلاثة أقسام:
1. عقلية؛ اذا كانت بين الدال والمدلول ملازمة ذاتية في الواقع الخارجي، كالنار والدخان.
2. طبيعية؛ إذا كانت الملازمة بين الدال والمدلول بما يقتضيه طبع الانسان، كالتأوّه والوجع.
3. وضعية؛ اذا كانت الملازمة بين الدّال والمدلول ناشئة من الاصطلاح والمواضعة، وهذه قد تكون غير لفظية، كالإشارات والخطوط، ولفظية إذا كان الدال لفظاً([21]).
والذي يعنينا في هذه الدراسة، هو الدَّلالة اللفظية التي تعني: (كون اللفظ بحيث متى أُطلِقَ أو تُخُيِّل، فُهِمَ منه معناه للعلم بوضعه)([22]). وأداتها: اللفظ أَو الكلمة([23]).
وهذا التعريف يثير مسألة مهمة، هي مسألة الوضع: ومن المعروف أن اللفظ موضوع للتعبير عمّا في الذهن، وليس للماهية([24])، فهو غير الفكر، الذي هو نقل الواقع الى الّدماغ بوساطة الحواس، وربطه بمعلومات سابقة، تفسّر هذا الواقع، وتحكم عليه. أَمّا اللفظ فقد وضع للتعبير عن الصورة الذهنية سواء طابقت الواقع أَمْ خالفته، فهو دائر مع المعاني الذهنية دون الخارجية([25]). ولأظهر أن يقال: إنّ اللفظ موضوع بإِزاء المعنى من حيث هو، مع قطع النظر عن كونه ذهنياً أو خارجياً([26]).
ويبدو أَنَّ دراسة دلالة اللفظ لا تقتصر على بيان العلاقة بين الدال -وهو اللفظ- وبين المدلول- وهو الصورة الذهنية-. بل لا بد من إدخال الواقع، وهو العنصر الثالث، وقد نبّه حازم القرطاجني (ت 648هـ) على دراسة هذه الجوانب بالإشارة الى ضرورة معرفة جهة ما يكون عليه اللفظ الدال على الصورة الذهنية في نفسه. وموقعه من النفوس، ومن جهة ما تكون عليه الصور الذهنية في أنفسها، وموقعها من النفوس، ومن جهة ما تكون عليه في أنفسها الأشياء التي تكون المعاني الذهنية صوراً لها وأمثلة دالة عليها، وموقعها في النفوس([27]).
وعلى هذا فما ذهب اليه أحد الدارسين من (أننا لا نحصل على معاني الأشياء بمجرد الربط بين الألفاظ ومدلولاتها في العالم الخارجي فحسب، بل ضمن مفهومنا للعالم الخارجي من خلال معانينا السابقة له)([28])رأيٌ تعوزه الدقة. ولأن مدلول اللفظ هو المعنى من حيث هو، أَمّا ما يقابله في العالم الخارجي، فهو الواقع، وفهم هذا الواقع -كما أسلفنا- يتم عن طريق نقله بوساطة الحواس إلى الدماغ. وتفسيره في ضوء المعلومات السابقة، أَمّا تحديد الدّلالة فيكون بالنظر الى عناصرها الثلاثة؛ اللفظ والمعنى والواقع، وبيان العلاقة بينها([29]).
أَمّا من فسّر الدّلالة بأَنّها: رابطة مخصوصة بين اللفظ والمعنى، مترتبة على الوضع([30]). فقط أهمل جانب الواقع، لأنّ الدّلالة لا تعني: مجرد المعنى. والوضع الأول -وإنْ كان يمثل الحقيقة الوضعية للفظ- إلاّ أَنَّه لا يمنع من (تتبع التطور الدّلالي لتلك اللفظة، وما يظللها من المفاهيم التي تتوارد عليها بعرف الاستعمال)([31])، ومن هنا نشأت الحقيقة العرفية التي تعّد مجازاً لغوياً، اكتسب معناه في اصطلاح التخاطب([32]).
وقد ذكر الدارسون حقيقة أخرى، هي الحقيقة الشرعية، باعتبار أنّ اللفظ موضوع لمعنى شرعي([33]). وهو يمثل نوعاً من المجاز اللغوي أيضاً، لأنّ كلتا الحقيقتين؛ العرفية والشرعية لا تثبت صلتهما بالمعنى الوضعي.
وقد عُدَّ المجاز المعتمد على القرينة وضعاً تأويلياً([34])، لأنّ (القرينة مردّها للعرف.. ومن ثَمَّ، فدلالة المجاز على المعنى مطابقية، لأنها دلالة اللفظ على تمام الموضوع له)([35]).
وهذا يقودنا إلى أَنّ المناطقة والأصوليين قد جعلوا دلالة اللفظ على المعنى في ثلاثة أوجه: المطابقة، والتضمن، والالتزام، وقد سبق بيان المطابقية، أَمّا التضمنيّة، فتُعَدُّ جزءاً من الدلالة المذكورة، لأنهّا، تدلّ على جزء المعنى الموضوع له. والالتزامية: أن يدل اللفظ على معنى خارج عن معناه الموضوع له بطريق مستتبع خارج عن ذاته([36]). ومنهم من عدّها من قبيل الدلالة العقلية([37]).
وذهب الغزالي (ت 505 هـ) إلى أَنَّ الدلالة بطريق الالتزام غير معتبرة في التعريفات، بخلاف الدلالة بطريق المطابقة أَو التضمن، لأنها ليست من واضع اللغة، والمدلول فيها غير محدود ولا محصور([38])، ويأتي عدم انضباطها لأنّ التعويل فيها يكون على فهم السامع والتلازم الذهني.
إنَّ اللفظ إذا نُسِبَ إلى معناه، فالدال عليه بإحدى الدلالات السابقة، يكون على أقسام: ذكر منها الشافعي (ت 204هـ): الترادف والاشتراك، فقال: (خاطب الله بكتابه العرب بلسانها ، على ما تعرف من معانيها، وكان مما تعرف من معانيها اتساع لسانها.. وتسمي الشيء الواحد بالأسماء الكثيرة، وتسمي بالاسم الواحد المعاني الكثيرة)([39]).
أَمَّا الغزالي، فقد ذهب إلى أَنَّ: (الأَلْفاظ المتعددة بالإضافة الى المسميّات المتعددة على أربعة منازل([40])... وهي المترادفة والمتباينة([41]) والمتواطئة و المشتركة)([42]). والمتباينة هي ألفاظ مختلفة، تدل على معان مختلفة حدّاً وحقيقة.
أَمّا المتواطئة، فهي ألفاظ تدل على أَعيان متعددة بمعنى واحد مشترك بينها، كدلالة الإنسان على زيد وعمرو، أَو هي التي تطلق على أَشياء متغيرة بالعدد، ولكنها متفقة بالمعنى الذي وضع الاسم عليها ([43]).
إنّ الأَلْفاظ المتباينة والمتواطئة لا تمثل مشكلة دلالية، بيد أَنَّ الاشتراك والترادف يُعدّان من مشكلات الدلالة اللفظية التي عرضت للغة العربية([44]). ولهذا سيكون حظّهما من الدراسة أوفر من غيرهما في هذا البحث.
أَمّا المشترك، فقد أَشار اليه سيبويه بقوله: (أعلم أَنَّ من كلامهم.. اتفاق اللفظين والمعنى مختلف)([45]). وعدّه الشافعيُّ نوعاً من أنواع العموم، والعام غير ممتنع في كلام الله -تعالى-([46]). وذكره أَبو حاتم الرازي (ت 323 هـ)، مشيراً إلى أَنَّ من الأسماء ما يجرّ معنيين، ومنه ما يجرّ ثلاثة معان وأكثر، ومثّل لذلك بلفظي الزكاة والدين([47]). وأشار اليه ابن فارس (ت 395 هـ)، بقوله: (وتسمى الأشياء الكثيرة بالاسم الواحد)([48]).
أَمّا الغزالي فقد كان أكثر تحديداً في تعريفه لهذا النوع بقوله: و أَمّا المشتركة، فهي الأسامي التي تطلق على مسميات مختلفة، لا تشترك في الحّد والحقيقة البتة)([49]).
وقد نبّه على أَنَّ المشترك قد يدل على المتضادين أَيضاً، كما أَنَّه قد يكون مشكلاً قريب الشبه من المتواطيء، وفرّق بينهما من حيث أَنَّ المشترك لا مشاركة بين حقيقة ذات مسميّاته([50]).
وذكر الأمدي (ت 631 هـ) أَنَّ المشترك يكون موضوعاً على الكل حقيقة بالوضع الأول ([51]). وعرّفه البزدوي (ت 772 هـ) بقوله: (هو اللفظة الموضوعة لحقيقتين مختلفتين أَو أَكثر وضعا أَولاً من حيث هما مختلفان)([52]).
وعرّفه الشريف الجرجاني (ت 816 هـ) بقوله: (ما وضع لمعنى كثير بوضع كثير)([53]).
وذكر السيوطي (ت 911 هـ) أَنَّ المشترك هو (اللفظ الواحد الدال على معنيين مختلفين فأكثر دلالة على السواء عند أهل تلك اللغة)([54]).
ومن هذه التعريفات وجد عبدالكريم شديد أَنَّ المشترك اللفظي، لا بدّ أَنَّ يقوم على وحدة البناء اللفظي، واختلاف معانيه التي يدل عليها([55]). وإذا كان الشرط الثاني لا خلاف فيه، فإنّ وحدة البناء اللفظي ليست شرطاً. وذهب توفيق محمد شاهين إلى أَنَّ اختلاف الأبنية لا ينفي المشترك، لأَنَّ الاستعمال العربي في أساليبه الفصيحة شهد بوجود أكثر من وجه في كل لفظة وبناء ومصدر، واستدلّ على ذلك بلفظ (وجد)، الذي هو عمدة في ألفاظ المشترك([56]). ويظهر من التعريفات أَيضاً: أَنَّ دلالة اللفظ المشترك على معنيين أَو أَكثر يكون بطريق الحقيقة لا المجاز([57]).
واللفظ إذا دار بين الاشتراك وعدمه (كان الأغلب على الظن عدمه، لأَنَّ الاشتراك يخلّ بالفهم في حق السامع لتردد الذهن بين مفهوماته)([58]). إذ هو خلاف الأصل([59]).
وقد وقع خلاف بينهم حول وجوده في اللغة، فأنكره ابن درستويه (ت 347هـ) في أَثناء إنكاره للأضداد في أَصل الوضع ([60])، وتأكيده على أَنَّ ما يُظَنُّ من الاشتراك في لفظ (وجد)، إنمّا هو واقع على معان متحدة وهي، إصابة الشيء خيراً كان أو شراً ([61]). وأثبته جمهور اللغويين([62]).
وذهب حسن ظاظا إلى أنه (قليل جداً في اللغة، بالرغم مما يبدو من كثرته)([63]). والمشترك إنما وقع (إمّا لغفلة من الواضع.. بأن نسي وضعه الأول، وقد اشتهر في قوم، فوضعه ثانياً لمعنى آخر. واشتهر في آخرين، ثم تراضى الكلّ على الوضعين، أَولاختلاف الواضعين بأَنَّ ما وضعه واضع لمعنى، وضعه آخر لآخر. ثم اشتهر كلاهما بين الأقوام، أَو للقصد إلى تحريف الشيء لغيره مجملاً غير مفصل)([64]).
وهذا يعني: أَنَّ تعدد معاني اللفظ المشترك راجع الى تعدد وضع اللفظ([65])، كما أَنَّه لا يعلم أَنَّه وقع في اللغة من واضع واحد، ونتيجة لشيوع اللغة المشتركة، عرض الاشتراك([66]).
ويبدو أَنَّ القول بالوضع أمر لا يمكن اعتماده، لأَنَّه غير معروف، لذا كان عامل التغير الدلالي من العوامل التي أسهمت في ظهور المشترك، إذ هو مؤثر في دلالة اللفظ، فتتغير من وقت لآخر. وبتسجيل هذه الدلالات تكون للفظ الواحد دلالات مختلفة([67]).
وذهب بعضهم إلى أَنَّ المجاز والتوسع فيه من العوامل التي أسهمت في ظهور المشترك([68]). إذّ إنَّ وظيفة (الاستعمال المجازي (هي) إلحاق مدلول جديد بمدلول قديم، عن طريق العلاقة المباشرة بين المدلولين)([69]).
والذي يبدو لنا: أَنَّ المشترك اللفظي لا يمثل هذه العلاقة بين المدلولين، و إنَّما هو موضوع لحقيقتين مختلفتين أَو أَكثر، كما رأينا من تعريفاته، ولهذا فهو (يعبّر عن معنيين متباينين)([70]). ومن هذه العوامل، أَيضاً: الاقتراض اللغوي والتغير الصوتي واختلاف اللهجات العربية القديمة، والتغيير في الحياة الاجتماعية والعقليّة، والتطور الدلالي الديني الاصطلاحي، وسوء فهم المعنى([71]).
ومما لا شك فيه: أَنَّ المشترك يحتاج إلى قرينة، تصرفه إلى أحد معانيه([72]). لأَنَّ اللغة تقرر أَنَّه لا يصح أَن يُراد من اللفظ كلا معنيية ولا كل معانيه دفعة واحدة، بلا لا بد أن يراد منه معنى واحد في الاستعمال الواحد، لأَنَّ الكلام للإفهام ([73]). فاذا تجرد عن القرائن ا لصارفة، وجب حمله على معانيه كسائر الأَلْفاظ العامة، وذهب أُستاذنا كاصد ياسر الزيدي إلى أَنَّ ذلك يغني دلالة اللفظ، ويدفع اختصاصه لواحد من معانيه المتعددة بلا مخصص قطعي أَو قرينة حاسمة([74]).
وعند بعض المتأخرين من الأصوليين يُحْمَل على أحد معانيه مجازاً لا حقيقة، والحق أَنَّ اللّفظ في هذا الحكم بمنزلة العام([75]). فهو محمول على الاشتراك المعنوي([76]).
وثمة ألفاظ يظن أَنَّها من المشترك اللفظي، وهي من الاشتراك الكاذب، كوجود كلمة في صيغة الجمع، أَشبهت أُخرى في صيغة المفرد، أَو تشابه اسم وفعل في النطق أَو تشابه صيغ مختلفة الأصل والاشتقاق([77]).
وقد أَسهم أصحاب المعجمات في تضخيم مشكلتي المشترك والمترادف على حد سواء لاختلافهم في تفسيرهما، ولا سيما إذا شحّت النصوص الواضحة التي يتحدد فيها معنى لفظة من الأَلفاظ([78]).
والذي ينبغي أَنّْ يشار اليه، هو أَنَّ المشترك اللفظي يمكن أَنّْ نجده في الأَلْفاظ مجردة من النصوص. أَمّا إذا كان اللفظ مستعملاً في نصوص مع قرائن معينة، فإنَّ هذه القرائن قد تصرفه إلى معنى محدد، كما أَنَّ هذا التخصيص في المعنى لا يقتصر على القرينة اللفظية فقط، بل يعتمد القرينة السياقية والعقلية والحالية أَو مقتضى المقام([79]).
وعدّ هيوراث دن: المشترك اللفظي من عيب اللغات وقصورها، وذلك في معرض حديثه عن اللغة في بدء نشأة الإنسان مشيراً إلى أَنَّ الإنسان كان يعبر باللفظ الواحد على المعاني الكثيرة. وبنى على ذلك: أَنَّ المشترك ينبغي أَلاّ يعد دليلاً على رقي اللغة، إلاّ إذا استطاع المتكلم أَنَّ يجد لهذه المعاني دوالّ أخرى مستقلة، غير هذا المشترك اللفظي. ومن الأمثلة التي ذكرها دلالة الروح على ما حياة، والملك والوحي، والقرآن، وجبريل، وعيسى، وكذلك العين الباصرة، والجارية، والسحاب، واليد، والذهب، والجاسوس([80]).
والحق أَنَّ قدرة الكلمة الواحدة على التعبير عن مدلولات متعددة، إنمّا هي خاصية من الخواص الأساسية للكلام الإنساني.. وقد تعيش المدلولات القديمة جنباً الى جنب مع المدلولات الجديدة... [إنَّ اللغة في استطاعتها أَنْ تعبّر عن الفِكَرِ المعددة بواسطة تلك الطريقة الحصيفة القادرة التي تتمثل في تطويع الكلمات وتأهيلها للقيام بعدد من الوظائف المختلفة، وبفضل هذه الوسيلة تكتسب الكلمات نفسها نوعاً من المرونة والطواعية([81]).
وقد دُرِسَ المشترك اللفظي في علوم القرآن تحت مصطلحي (الوجوه والنظائر)، وعرّفه الزركشي (ت 794 هـ) بقوله: (فالوجوه: اللفظ المشترك الذي يستعمل في عدة معان كلفظ الأمة، والنظائر كالأَلْفاظ المتواطئة. وقيل: النظائر في اللفظ ، والوجه في المعاني، وضّعف (هذا الرأي) ، لأنه لو أريد هذا لكان الجمع في الأَلْفاظ المشتركة، وهم يذكرون في تلك الكتب اللفظ الذي عناه واحد في مواضع كثيرة، فيجعلون الوجوه نوعاً لأقسام، والنظائر نوعاً آخر. كالأمثال)([82]).
والملاحظ: أَنَّ الوجوه للفظ الواحد في القرآن الكريم، قد نجد بينها علاقة واضحة في الظاهر، وقد تكون هذه العلاقة غير ظاهرة([83]). وتكشف الوجوه والنظائر عن الإحساس بأنّ اللفظ الواحد في القرآن الكريم ذو دلالات عديدة تبعاً لِتعدد السياقات واختلافها. ومما لا شك فيه: أَنَّ للفظ الواحد معنى محدداً أو وجهاً محدداً. و أَنَّ باقي الوجوه أَو المعاني دلالات فرعية([84]). وهذا هو ما سيتضح في مستقبل هذه الدراسة.
أَما المشكلة الثانية في دراسة الدلالة، فهي: الترادف، الذي أَشار اليه سيبويه بقوله: (من كلامهم... اختلاف اللفظين والمعنى واحد... نحو ذهب وانطلق)([85]). وأشار الشافعيّ إلى أَنَّ من سنن العرب في كلامها: أَنْ (تسمي الشيء الواحد بالاسماء الكثيرة)([86]). وفسره عبدالقاهر الجرجاني ( ت471 هـ) بمعنى: (التقابل في كل الخصائص)([87]).
أَمّا الغزالي، فقد حدّ المترادفات بدقة، فقال: (هي الأَسماء المختلفة الدّالة على معنى يندرج تحت حد واحد)([88]). واشترط في هذه الأسماء المتواردة على المسمى الواحد أَنْ يتناول كل واحد المسمى (من حيث يتناوله الآخر من غير فرق)([89]). وهو بهذا يحلّ المغالطة التي قد تنشأ من التباس الأَلْفاظ المترادفة بالمتباينة (وذلك إذا أُطلقت أسام مختلفة على شيء واحد باعتبارات مختلفة ربما ظُنَّ: أَنّها مترادفة)([90]).
فالاتحاد في المفهوم أَو الاعتبار الواحد شرط لا بّد منه لتحقق معنى الترادف([91]). وهذا – كما قال أُستاذنا الزيدي- : (وهو الأَقْرب في ما يبدو إلى واقع اللغة وقصد المتكلم)([92]).
وقيّد التهانوي (ت ؟ هـ)([93]) الترادف بالوضع والحقيقة، فأخرج المجاز([94]). بيد أَننّا لا نملك القطع بحقيقة الأَلْفاظ من ناحية الوضع الأصلي. لأَنَّ ذلك أمر مجهول، كما أَنَّ الحقيقة والمجاز متداخلان في اللغة، وليس لهما صفة الثبات ([95]).
ولعل من الشروط الدقيقة للمترادفات: الاتحاد التام في المعنى، أو التطابق في المدلول العقلي والعاطفي، وقابلية التبادل فيما بينها في أَيّ سياق([96]). وأن يكون من لغة واحدة لا لغات متعددة([97]). يضاف إلى ذلك الاتحاد في البيئة اللغوية والعصر([98])، وأَلا يكون أحد اللفظين قد نشأ نتيجة تطور صوتي([99]).
والحقّ: إنَّ أَدَقَ وسيلة لتحديد الترادف هي: الاستعمال في الواقع اللغوي مع الاهتداء بتلك الشروط ([100]). وملاحظة عدم المبالغة فيها (لأَنَّ اللفظ كثيراً ما يستعمل في غير ما وضع له لحال شبيهة بحال وضعه ومعناه، وقد لا يلمح بسهولة أصل اللفظ المنقول فيما نقل إليه لكثرة استعماله فيه، وقد يُنسى الوضع الأصلي، حتى اختلف العلماء حينئذ : هل هو وضع ثان؟ أَمْ هو باق على المجاز؟)([101]).
وليس من المفيد هنا أن نناقش آراء الذين أَنكروا الترادف، أو أَثبتوه، وأدخلوا فيه العبارات والتراكيب([102])، ويكفي أَنْ نشير إلى أَنَّ الترادف في المفردات، وإحساس الناطقين باللغة والاستعمال النصّي هما اللذان يحددانه([103]).
فقد ذكر السيوطي أَنَّ المازني قال: سمعت أَبا سرار الغنوي يقرأ: (وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَسَمَةً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا)([104]). فقلت له: إنما هي نَفْساً. قال: (النَّسَمَةُ والنفس واحد)([105])، فيمكن أن تعزى كثرة المترادفات في العربية إلى الأسباب الآتية:
- عدم التفريق بين النعوت للمسمى الواحد وأسمه.
- اختلاط لغات قبائل مختلفة، واختلاف البيئات وعدم تنبيه اللغويين على ذلك.
- التوسّع في طرق الفصاحة.
- الاقتراض اللغوي.
- التغيّر الدلالي الذي يحدث للألفاظ في أَطوار حياتها([106]).
والترادف في القرآن الكريم نادر في رأي ابن تيمية (ت 728هـ) فقد قال: (وقلّ أن يعبّر عن لفظ واحد يؤدي جميع معناه، بل يكون فيه تقريب لمعناه)([107]). لأَنَّ الأَلْفاظ التي تبدو وكأنها مترادفة في القرآن الكريم، يتميز كل منها بخاصة من صاحبه، ويستعمل في موضع، يناسب تلك الخاصة أو الصفة([108]). تشعر بدقة استعمال القرآن لمفرداته([109]).
ولعل إبراهيم أنيس - رحمه الله - قد تعجلّ بمؤاخذة المفسرين لالتماسهم فروقاً بين المترادفات في القرآن الكريم، ومثّل لذلك بألفاظ، وردت في سياقات معينة في القرآن الكريم منها: عدم تفريقه بين مثوى ومأوى([110])، والذي يبدو أَنَّ لفظ (مأوى) من معانيه: الالتجاء والتجمع في مكان ليلاً أَو نهاراً، على حين نجد أَنَّ لفظ (مثوى) من معانيه: الإقامة بالمكان ليلاً، قال الأَعشى:([111])
أَثْوى وَقَصَّرَ ليلةً لِيزوَدَّا فَمَضَت وَأَخْلَفَ مِن قُتَيْلَةَ مَوعِدا
... والثانية: حجارة ترفع فتكون علماً بالليل للراعي إذا رجع([112]). ومما لا شك فيه أَنَّ الارتباط الزمني لكل من اللفظين يلقي ظلاله على قوله تعالى:
}وَبِئْسَ مَثوَى الظَّالِمِينَ{([113])
وقوله: }فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى{([114]).
وأَنَّ الترادف إذا ما وقع في آيات القرآن الكريم فإنَما هو (لمعان أبعد مما يدل عليه ظاهر اللفظ)([115]). وسنأتي على توضيح هذا وتحقيقه في المستقبل من هذه الدراسة.
والمشكلة الثالثة من مشكلات الدلالة بعد الاشتراك والترادف موضوع: المجاز، الذي يعّد شاهداً على التغيّر الدلالي للأَلْفاظ، وقد اشترط الجاحظ (ت 255 هـ) لنقل اللفظ من دلالته الحقيقية إلى دلالته المجازية أَنْ يكون بين المعنى المنقول إليه اللفظ، والمعنى المنقول عنه علاقة ما، و أَنَّ حرية النقل من حق الجماعة، لأَنَّ وظيفة اللغة هي التواصل والإبانة([116]). وهذا لا يمنع أن يمارس الأَفْراد المبدعون حقهم في النقل، ولكن شيوع هذا اللفظ المنقول تحدده الجماعة في استعمالها([117]).
وقد أشار عبدالقاهر الجرجاني إلى اشتراط العلاقة بين المعنى المنقول إليه اللفظ والمعنى المنقول عنه، إذْ عرّف اللفظ الحقيقي بأَنّه (كل كلمة أريد بها ماوقعت له في وضع واضع... وقوعاً لا تستند فيه إلى غيره... وأَمّا المجازي فكل كلمة أريد بها غير ما وقعت له في وضع واضعها لملاحظة بين الثاني والأول):([118])وهذه الملاحظة تكون إمّا تشبيها، وإمّا لصلة وملابسة بين ما نقلها إليه، وما نقلها عنه([119]).
وذكر الغزالي أَنَّ اللفظ الحقيقي هو : (ما استعمل في موضوعه، والمجاز ما استعملته العرب في غير موضوعه)([120]). وقد أشار بعض الباحثين إلى أَنَّ مسألة الوضع الأول لا يمكن القطع أو الإحاطة بها([121]). وإنّما يُعَوَّل في الدلالة على الاستعمال. ولذلك ذهب الآمدي إلى أَنَّ الأَلْفاظ (إنّما تصير حقيقية ومجازاً باستعمالها)([122]).
وأَكّد ابن خلدون (ت 808 هـ) أَنَّ معرفة الوضع الأَوّل ليست كافية في التركيب حتى يشهد لهذا الوضع استعمال العرب له([123]). وإذا كان السيد الجرجاني؛ صاحب: التعريفات قد اشترط في المجاز اللغوي: القرينة المانحة عن إرادة المعنى في اصطلاح التخاطب([124]) فإنَّ ابن تيميمة قد جعل من هذه القرينة قيداً يبيّن المعنى، ولم يفرّق بين الحقيقة والمجاز، بل جعل أَلفاظ القرآن كلها حقيقة([125]).
واللفظ إذا صُرِفَ عن ظاهره إلى مجازه، فلا بدّ من بيان امتناع إرادة الحقيقة، وبيان صلاحية اللفظ لذلك المعنى المجازي، وبيان تعيين ذلك المجمل إنْ كانت له عِدة مجازات، والجواز عن الدليل الموجب لإرادة الحقيقة([126]). لأَنَّ الأساس أَلاّ يحمل اللفظ على المجاز، إذا أَمكن حمله على الحقيقة([127]).
ومما لا شك فيه: أَنَّ المجاز ضرب من ضروب التنمية اللغوية([128]). وحدث لغوي يفسّر لنا نموّ اللغة بتغيّر دلالة أَلفاظها بما يضيفه من قرائن وعلاقات جديدة بين المعاني والأَلْفاظ([129]). وإذا كانت الحقيقة استعمالاً شائعاً مألوفاً للفظ من الأَلْفاظ، والمجاز انحرافاً عن المألوف الشائع([130])، فَإنَّ هذا المجاز لا يلبث أَنَّ يصير حقيقة متعارفاً عليها، مقيدة بعرف البيئة وتواضعها([131]). لذا فالمعتبر من العلامات: (أَنَّ اللفظ إذا تبادر مدلوله إلى الفهم عند الإطلاق بلا قرينة فهو حقيقة، وإنْ لم يتبادر إليه إلاّ بالقرينة، فهو مجاز)([132]).
ومن المسائل التي تتعلق بالحقيقة والمجاز ما ذهبت إليه وفرة من الباحثين في تفسير نشأة الدلالة بأَنَّها (بدأت بالمحسوسات، ثم تطورت إلى الدّلالات المجردة بتطور العقل الإنساني ورقيّه، فكلمّا ارتقى التفكير العقلي جنح إلى استخراج الدلالات المجردة وتوليدها والاعتماد عليها في الاستعمال، وهنا نلحظ أَنَّ الدلالة تنتقل من مجال المحسوس إلى مجال الدلالات المجردة، ويمكن تسمية هذه الظاهرة بالمجاز أَيضاً)([133]).
ويبدو أَنَّ التسليم بفكرة الجذور الحسية للأَلْفاظ أَمر لا يمكن إعمامه لأننّا قد نجد أَلفاظاً لا تُعرَفُ لها دلالات حسية كـ: (الايمان، الود، الصّدق..) فما هي دلالاتها الحسية؟.
هذا من جهة ومن جهة أخرى، فالدلالات الحسيّة نفسها تعبّر عن إدراك الإنسان وتصوراته للأشياء، فهي من الناحية العملية تعبّر عن موقف إنساني مركب. وإذا كانت الجذور الحسية تمثّل معاني الكلمات في حقبة من حقب التاريخ([134]). فإنَّ المعجم التاريخي هو الذي يقطع بالانتقال في دلالة الأَلْفاظ التي يشهد لها الواقع اللغوي، وغياب المعجم التاريخي هو الذي يقّوي التحرز المذكور.
وإذا كان المجاز اللغوي في القرآن الكريم كثيراً ما يستعمل لتجسيم أمور معنوية، ولإثارة معان حسيّة قديمة([135]). كاستعمال: الخراج والحرث في موضع: الثواب- كما سيأتي بيانه – فالحقيقة في القرآن الكريم تكتسب دلالات ثانية، مبعثها: النظم والتأليف([136]). (إذْ به تُتَبَيَّنُ أُصول المقاصد بالدّلالة)([137]) ولأَنَّ (من الأَلْفاظ المفردة لا تستعمل لإفادتها مدلولاتها المعنوية إلاّ عند التركيب)([138]).
وعلى الرغم من أَنَّ اللفظ يحمل معنى إفرادياً خاصاً به، إلاّ أَنَّه يحمل معنى تركيبياً من خلال وضعه في الأسلوب([139]).
وقد بيّن استاذنا محيي الدين توفيق أَنَّه قد (تجتمع لفظتان فأكثر في تركيب معنى إسنادي فينشأ عن هذا التركيب معنى جديد لا تدل عليه معاني الأَلْفاظ الداخلة فيه كل على حدة. غير أن هذا المعنى الجديد لم ينشأ اعتباطاً بل تربطه بمعاني الأَلْفاظ روابط مختلفة)([140]).
وأَوضح أَنَّ التركيب الإسنادي قد يسلك سبيل الجملة الفعلية، أَو سبيل الجملة الاسمية، وقد لا يكون التركيب تركيباً إسنادياً، بل شبه جملة. وبيّن السبل التي يتخذها المصطلح اللغوي في الانتقال من المعاني الحقيقية إلى المجازية، فوجدها:
- إمّا أَنْ تكون على سبيل علاقات المجاز المرسل.
- و إمّا أَنْ تكون على سبيل الاستعارة.
- و إمّا أَنْ تكون على سبيل الكناية([141]).
وهذا الكلام يقود إلى بيان أَثر السياق في تحديد دلالة اللفظ، لأَنَّ اللفظة قد لا تكفي في الدلالة على المقصود، فتنشأ الحاجة إلى السياق كله لاستجلاء المعنى المراد([142]). (وكأَنَّ هذا السياق هو الحقيقة الأولى، ولا وجود للكلمات في خارجه)([143]). وما البحث في دلالات المفردات إلاّ مِنْ أَجل أَنْ نرى مدى نهوضها أَو عجزها عن تحمل الأَعباء الفكرية المنوطة بالسياق([144]).
وقد أَشار الشافعيّ إلى أَهميّة السياق- قديماً- وسمّاه: الصنف الذي يبيّن سياقه معناه([145]). بيد أَنَّ سياق الكلام ليس المؤثر وحده في تحديد الدلالة، و إنَّما تضاف إليه الظروف الحالية والمقالية([146]). وقد بيّن الغزالي أَنواع القرائن، فذكر أَنَّها:
- إمّا لفظ مكشوف...
- و إمّا إحالة على دليل العقل...
- و إمّا قرائن أَحوال من إشارات ورموز وحركات وسوابق ولواحق لا تدخل تحت الحصر ([147]).
وأفضل قرينة هي موافقة اللفظ لما سبق له من القول، ونهوضه بجملة المعنى، واتفاقه مع قصد الشارع([148]).
ويلاحظ أَنَّ اللفظ لا يعيش منعزلاً في المعجمات([149])، و إنمّا تستنتج دلالته من خلال الاستعمال في مجموع النصوص([150])، وتبقى دلالته في الاستعمال متصلة بالمعنى الأصلي، ويبقى السياق كاشفاً عن معنى محدد كامن من المعاني التي يحملها اللفظ خلال العصور([151]).
ولا بد أَنْ ننتبه إلى المعاني القديمة والمعاني الجديدة للفظ لأَنَّ (المعنى في كل استعمال يتجدد تجدداً كلياً)([152]). مع ملاحظة أَنَّ المعاني الجديدة لا تنفك عمّا فيها من دلالات على معانيها اللغوية، ولا سيما الأَلْفاظ الشرعية([153]). إذْ إنَّ أصل المعنى اللغوي موجود، ولكنّ الشارع تصرّف فيه إمّا بتقييد أَو إطلاق([154]).
وقد نظر الشاطبي (ت 790هـ) إلى اللغة باعتبارين:
أَحدهما: من جهة كونها أَلفاظاً مطلقة دالة على معانٍ مطلقة، وهي الدلالة الأصلية.
والثاني: من جهة كونها أَلفاظاً وعبارات مقيدة دالة على معان خادمة، وهي الدلالة التابعة التي تُنْشِئُها أُمور تتعلق بالحال والمقام والسياق وغير ذلك([155]).
ومن الدارسين من نظر إلى المعنى بوصفه مجموعة من الدوائر المتحدة المركز المختلفة الحدود، وهذا المركز هو القدر المشترك من الدلالة، واختلاف حدود الدوائر يتمثل في قوة الكلمات على الاستدعاء البيئي والشعوري والعقلي باختلاف المتلقين([156]). وهذا المعنى الاستدعائي قد يتمثل في جرس الكلمة واستجابة الذوق إليه([157]).
وقد بيّن أُستاذنا الزيدي أَنَّ الجرس في القرآن الكريم كان أَداة فنية مرتبطة بقيم القرآن ومفاهيمه عن الله والطبيعة والإنسان. وهو ذو تأثير مباشر في نفس المتلقي. إذ استعمل القرآن أَلفاظاً ذات جرس وإيقاع يتلاءمان مع الجو الحسّي والنفسي الذي أراد بيانه([158]).
وإذا كنا فيما تقدم بيانه قد توصلنا إلى أَنَّ دلالة الأَلْفاظ متغيرة، فإنَّ لهذا التغيّر مظاهره التي تتلخص في تخصيص الدلالة وتعميمها وانتقالها ورقيّها وانحطاطها([159]).
ولا ريب في أَنَّ التغيّر الدلالي قد حدث في اللغة العربية، وما زال يحدث، وقد تغيرت دلالات كثير من الأَلْفاظ التي كانت مستخدمة قبل الإسلام وبعده قليلاً أو كثيراً. ولا يمكن -والحال هذه- أَنْ نفهم الإسلام إلاّ بدراسة دلالات مفردات اللغة العربية ونصوصها في العصرين المذكورين ([160]). مع التسليم بأَنَّ العلاقة بين اللفظ ومدلوله علاقة اصطلاحية، تستند إلى العرف الاجتماعي([161]). إلاَّ أَنَّ ثمة مشكلة تثار في دراسة دلالة أَلفاظ القرآن الكريم، يمكن تلخيصها والنفاذ إليها بالسؤال الآتي:
هل إِنَّ أَلْفاظه لها دلالة أَصلية هي المتعارف عليها في عصر نزوله، تضاف إليها دلالة ثانوية يحددها الاستخدام النصي؟ أَم أَنَّ دلالة الأَلْفاظ يبينّها النص القرآني من جهة، وفهمها يكون على أساس تاريخي من جهة أخرى؟([162]).
والذي يبدو أَنَّ أَلْفاظ القرآن الكريم، إذا عرف تفسيرها، وما أُريد بها من جهة النبي r كان ذلك أَولى([163])، فالرسول r قد بيّن مثلاً الدلالة الشرعية للفظ: الصلاة، وإِنْ كان الملاحظ أَنَّ هذه الدلالة مشتملة على الدلالة اللغوية، لتضمن الصلاة شرعاً معنى الدعاء. لذا ينبغي أَنْ (يلحظ الترابط بين المفهوم الشرعي واللغوي للأَلْفاظ وما بينها من وشيجة في الدلالة)([164]). والذي لا مراء فيه (أَنَّه لا بد في فهم الشريعة من اتباع معهود العرب الذي نزل القرآن بلسانهم. فإِنْ كان للعرب في لسانهم عرف مستمر، فلا يصح العدول عنه في فهم الشريعة..( و ) يلزم أن ينزل فهم الكتاب والسنة، بحيث تكون معانيه مشتركة لجميع العرب)([165]). كما أَنَّه يمكن (أَنْ يفهم اللفظ من القرآن نفسه بأن يجمع ما تكرر في مواضع منه وينظر، فربّما استعمل بمعان مختلفة)([166]).
ومما لا شك فيه: أَنَّ القرآن الكريم (حينما يستعمل كلمة ما في تعبير، يقصد من استعمالها بعينها دون غيرها معنى لا يوجد في سواها... حتى لا تضلّ المعاني في الأَفهام، ويضيع المقصود بين الاحتمالات)([167]).
أَمّا بيان دلالة الأَلْفاظ القرآنية على أّساس تاريخي، فلا خشية منه، إذا كان المقصود النظر إلى دلالة اللفظ في عصر ما قبل الاسلام ودلالته القرآنية، أَمّا أَنْ ندرس دلالة اللفظ في القرآن بالنظر إلى التغيّر الدلالي الذي طرأ على اللفظ بعد عصر نزوله، فهذا ليس جائزاً، لأَنَّ هذا التغير معنى حادث بعد النص، وقد تكون له دلالة اصطلاحية مغايرة([168]).
وهكذا نجد (أَنَّ فهم القرآن بدراسة دلالة أَلْفاظه تقريناً من الصورة التي فهمها العرب، ذلك لأَنَّ الله -سبحانه وتعالى- أَنزل القرآن بلغة العرب وأَساليبهم الكلامية)([169]). وعلى هذا فسنعمد في دراستنا الدلالية هذه إلى مجموعة من الأَلْفاظ التي تنتمي إلى موضوع: الثواب لتقويمها بمنهج وصفي، تقف فيه على المعنى أَو المعاني التي تدل عليها الكلمة عند نزول القرآن، وقد نشير إلى كيفية اكتساب الكلمة لمعناها هذا من خلال المنهج التاريخي، قبل محاولة الوقوف عند دلالاتها الإيحائية([170]).
وفي كل ذلك نحتاج إلى (الرجوع إلى الأصل عند النظر في الاشتقاق، وتصريف اللفظة على وجوهها المختلفة، وبيان الصيغ المتعددة، والإشارة الى نظائرها، ونقائضها في اللغة وغير ذلك مما يعد من صميم البحث اللغوي)([171]).
ومن: ثاب، قولهم: (ثائب)، يقال: ثائب البحر.. أَي: ماء مَدِّهِ، وإِذا وُصِفَ قوم بِأَنَّ لهم ثائبا، عُنِيَ بذلك: أَنَّهم وفدوا جماعة إثر جماعة كموجات المد. قال النابغة الجعدي([189]):
ترى المعشرَ الكُلفَ الوجوهِ إِذا انْتَدوا لَهُمْ ثائِب كالبحر لم يَتَصَرَّمِ
والثائب أَيضاً: (الريح الشديدة، تكون أَوَّل المطر)([190])، وسمّوا الرياح ذوات اليُمْنِ والبركة التي يرجى خيرها: مستثابات، قال كثيرّ([191]):
إِذا مستثابات الريّاح تنّسمت وَمَرَّ بسفافِ التُرابِ عَقيمها
وسُمِّيَ خيرُ الرياح: ثوابا([192]). وقد أطلقت صيغة (ثواب) نفسها على العسل والنحل، أَمّا العسل فَلأَنَّ النحلَ يثوب إليه، قال الشاعر([193]):
فهو أَحلى من الثواب إِذا ذُقْتُ فاهـــــــا وبـــــارئ النَّسَمِ
و أَمّا النّحل فلأَنّها تثوب، قال ساعدة بن جُؤَبيّة([194]):
مِنْ كُلِّ مُعْنِقَةٍ وكلّ عِطافَةٍ مِمّا يُصدِّقُهــــــــــا ثوابٌ يَزْغَبُ
وممّا لا شك فيه: أَنَّ معنى الرجوع والمعاودة في هذا الاستعمال واضح.
ومن دلالات هذه الصيغة: العطايا أَيضاً؛ قال عديّ بن زيد([195]):
إذا أَنْتَ طالبتَ الرجالَ ثوابهم فَعِفَّ ولا تطلبْ بجهدٍ فتنكدِ
يعني: ما يرجعون إِليه من العطايا.
أما: ثاب، فمعنى: رجع، فقد استعمل في اللغة بعدة سياقات، منها: (ثاب الحوض إِذا امتلأ، قال (الراجز):
* إِنْ لم يَثُبْ حوضُك قبل الرِّيِ *
وهكذا كأنه خلا ثم ثاب إليه الماء، أَو عاد ممتلئاً بعد أَنْ خلا)([196]).
(ومن المجاز ثاب إليه عقله وحلمه)([197])، وجاء من غير الثلاثي قولهم:
أَثاب الرجل، أَي: رجع إليه جسمه، وصلح بدنه([198])، بعد الهزال([199])، وحسنت حاله بعد تحوله، ورجعت إليه صحته([200])، ومنه قولهم: (ذهب مال فلان، فاستثاب مالا، أَي: استرجع، ويقول الرجل لصاحبه: استثبتُ بمالك، أي: ذهب مالي، فاسترجعته بما أَعطيتني)([201])، قال الكميت([202]):
إِنَّ العشيرةَ تَستثيبُ بمالــه فتغير، وهو موفرٌ أَموالَها
أَمَّا (ثّوَّبَ) المضّعف، فأَصله: أَنَّ الرجل: (إِذا جاء فزعاً أَو مستصرخاً لوّح بثوبه فكان ذلك كالدعاء والإنذار)([203])، قال الفرزدق([204]):
وبهنَّ ندفع كربَ كلّ مثوّبِ وترى لها حُدَداً بكل مجالِ
والثّوّابُ: صاحب الثياب الملبوسة([205])، ويحتمل أَنْ يكون القول من معنى: الرجعة (لأَنَّه يلبس، ثم يلبس، ويثاب إليه)([206]). أَو ربّما سمي بذلك (لرجوع الغزل إلى الحالة التي قُدِّرَتْ له)([207]). (وربّما عبروا عن النفس بالثّوب فيقال: هو طاهر الثياب)([208]). أَي: (بريّ من العيب، وعكسه دنس الثياب، ولله ثوبا فلان،... قال الراعي([209]):
فأومأت ايماءً خفيّاً لِحَبتَرٍ فَلِلّهِ ثَوبا حَبْتََرِ أَيَّما فتى
أَمَّا (ثبة): فهي: (ما اجتمع إليه الماء في الوادي أَو في الغائط)([210]). وهي أيضاً: (الجماعة من الناس)([211]). وقال القرطبي( ت 672 هـ) في توجيه العلاقة بين اللفظين بالمعنيين: (ربما توهم الضعيف في العربية أَنَّهما واحد، و أَنَّ أَحدهما من الآخر؛ وبينهما فرق، فثبة الحوض يقال في تصغيرها: ثُوَيْبَةٌ، لأَنَّها من ثاب يثوب. ويقال في ثُبَةِ الجماعة: ثُبَيَّةٌ... فثبة الحوض محذوفة الواو وهو عين الفعل، وثبة الجماعة معتل اللام من ثبا يثبو مثل خلا يخلو. ويجوز أَنْ يكون الثبة بمعنى الجماعة من ثبة الحوض لأَنَّ الماء إذا ثاب اجتمع)([212]).
وهذا أرجح من القول بأَنَّ ثبة الجماعة )(إِنَّما اشتقت من ثبيّت على الرجل. إِذا أثنيت عليه في حياته)([213]). لأَنَّ الشائع في معنى: ثاب: الرجوع والاجتماع.
أما (الثيّب) فيقال: (بئرٌ لها ثَيّبٌ، أي: يثوب الماء فيها)([214]). والثيّب من النساء (التي تزوّجت، وفارقت زوجها بأي وجه كان بعد أَنْ مسّها. قال أَبو الهيثم: امرأةٌ ثيّب، كانت ذات زوج، ثم مات عنها زوجها، أَو طلقت ثم رجعت إلى النكاح.. وقال الأصمعي: امرأة ثيّب ورجل ثيّب، إِذا كان قد دُخِلَ به، أَو دُخِلَ بها، الذكر والأنثى في ذلك سواء.. وقد يطلق: الثيّب على المرأة البالغة، وإِن كانت بكرا مجازاً واتساعاً([215]).
وبعد هذا الاستعراض لدَلالات الصيغ التي جاءت في استعمالات العرب لجذر: (الثاء والواو والباء) يبدو لنا أنها تشتمل على معنى: الرجوع والاجتماع بعد تفرق، وقد ارتبطت في الأَغلب بمعاني الخير، فقد اقترنت بالماء سواء أكان في الآبار أَم غيثاً، أَو مدّا، والماء مصدر الحياة، قال تعالى:}وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ{([216]).
وهو عند العربي ذو مكانة خاصة في بيئته الصحراوية القاسية. ومن معاني الخير فيها: إطلاقها على العسل الذي فيه شفاء للناس([217])، وإطلاقها على رجوع العقل والصحة إلى الإنسان، ومما يتصل بتلك المعاني أَيضاً دلالتها على المنزل، وما فيه من سكن وطمأنينة. ولم يتصل منها بما يبتعد عن معاني الخير إلى قريب من الشرّ إِلاّ (ثَوَّبَ) مضّعفاً، في حالة الخائف والمستصرخ الملوّح بثيابه كما تقدم. ([218])
أما استعمالاتها القرآنية التي سنعرض لها بالتحليل والتفسير فسبعة: (ثوّب، أثاب ، ثواب، ثياب، مثوبة، مثابة ، ثيّب). منها ما استعمل في دلالته اللغوية، ومنها ما حمل دلالة شرعية:
الثياب :
ويحسن أَنْ نبدأ بهذه الصيغة، ولأَنّها أسبق الصيغ وروداً في السور منسوقة على تاريخ النزول، فقد وردت في سورة المدثر المكية الرابعة في تسلسل النزول([219]) ، وقد استعملت بدلالتها اللغوية ثماني مرات في القرآن الكريم.
الأولى: في قوله تعالى:}يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ{([220]).
وقد دار لفظ (الثياب) عند المفكرين بين الحقيقة والمجاز، والذي أداروه على المجاز([221]) جعلوه كناية عن النفس، أو الأعمال التي تصدر عنها، فعبدالله بن عباس (ت 68 هـ) ومولاه أَبو عبدالله عكرمة البربر..(ت 104 هـ) قد ذهبا إلى أَنها تُشير إلى النهي عن الغدر، لأَنَّ الغادر دنس الثياب، واستشهدا بقول غيلان بن سلمة([222]):
وإنيّ بِحَمْد اللهِ لا ثوبَ فاجِرٍ لَبِسْتُ ولا مِنْ غّدْرَةٍ أَتَقَنَّعُ
وذكر قتادة بن دعامة السدوسي (ت 117 هـ) أنَّ العرب كانت تصف الرجل، إذا نكث، ولم يف بعهد، بأنَّه دنس الثياب، وإِذا وفّى وأَصلح، قالوا إنّه مطهر الثياب([223]).
وإِذا صحّ هذا التأوُّلُ في بيت غيلان، فالمظنون أنَّه لا يصح في الآية الكريمة، لأنَّ الرسول r لم يكنْ مشتملاً على غدر وخيانة عهد، حتى يُؤْمَرَ بأَمر على سبيل الوجوب.
وصرّح مجاهد بن جبر التابعي ( 104 هـ) بأنَّها كناية عن العمل، فقال في تفسير قوله تعالى:(وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ): إِن المراد : (عملك فأصلح)([224]). وقال غير الأربعة المذكورين: (كنّى بالثياب عن القلب)([225]). لأنَّ العرب قد كنّت بها عن النفس والقلب، قال امرؤ القيس([226]):
ثيابُ بني عوفٍ طَهارى نقيّةٌ وأَوجُهُهم عند المشاهد غرّان
ومعناه: هم في أنفسهم طاهرون([227]). وقال النابغة الذبياني في هذا المعنى([228]):
كان ابنُ أَشْفَةَ طيــــــبّاً أَثوابه عَفّا شَمائِلُه غزيــــــــــر النّائِل
وقول عنترة([229]):
كَمَّشتُ بالرمح الطويل ثيابه ليس الكريم على القنا بمحرم
أراد: شككت قلبه([230]). وقيل: درعه، وقيل: بدنه([231])، وعلى المعنى الأَول أَوَّلوا قول امرئ القيس أَيضاً([232]):
ِفَإنْ تك قد ساءتك منّي خليقة فسلّي ثيابي من ثيابك تنسلِ
أَيْ: قلبي من قلبك([233])، أو نفسي من نفسك، ومن الناس من حمل (الثياب) في البيت على الثياب الملبوسة([234]). وروي: أَنَّ الرجل كان يقول لامرأته: ثيابي من ثيابك حرام، كناية عن الصريمة([235]) ، بمعنى: القطيعة.
أمّا ابن قتيبة(ت 276 هـ) فقد جعلها كناية عن الجسم، لأنَّ الثياب تشتمل عليه، وتمثل بقول ليلى الأخليلية وقد ذكرت إبلا([236]):
رموها بأثوابٍ خفافٍ فلا ترى لهــا شَبَها إِلاّ النعام المُنَفرَّا
وذكر الرازي ( ت 606 هـ): أنَّ اللفظ إِذا حمل على معنى الجسد فذلك (لأنَّ العرب ما كانوا يتنظفون وقت الاستنجاء، فَأمِر r بذلك التنظيف)([237]).
وذكر الشريف الرضي (ت 406 هـ) وجها آخر فيها، فقد جعلها كناية عن الأزواج (فكأنه -تعالى- أمره أَنْ يستطهر النساء، أي: يختارهنّ طاهرات من دنس الكفر، ودرن العيب، لأنهن مظانّ الاستيلاد ومضامّ الأولاد)([238]).
بيد أنَّ الرازي قد استبعد هذا التأويل ملاحظاً تتابع الآي. فعلى هذا الوجه لا يحسن اتصال الآية بما قبلها([239]).
أمَّا القرطبي فقد نقل قولين آخرين فضلاً عما ذكر:
الأول: أَنَّها كناية عن الخُلُق، ونسب هذا التوجيه إلى الحسن بن أبي الحسن يسار البصري (ت 110 هـ)، ومحمد بن كعب القرظي (ت 118 هـ)، وعلل ذلك بقوله : لأّنَّ خُلُقَ الإنسان مشتمل على أَحواله، اشتمال ثيابه على نفسه، قال الشاعر:
ويحيى لا يلام بسوء خلق ويحيى طاهر الأثواب حُرُّ ([240])
وهذا الرأي -فيما يبدو- قريب من رأي ابن عباس، أَو مِنْ رأيِ مَنْ تأوّلها بالنَّفْسِ وما يصدر عنها.
والثاني: إنها كناية عن الدين، ونسب هذا التوجيه إلى الإمام مالك (ت 179 هـ). وأصله أنه تأويل الرسول r:([241]).
وقد أدار بعض المحدثين اللفظ على المجاز أَيضا، فقال: (وطهارة الثياب كناية في الاستعمال العربي عن طهارة القلب والخلق والعمل. طهارة الذات التي تحتويها الثياب، وكل ما يلم بها أو يمسها)([242]).
وها هنا يمكن أن نَسْأَلَ أَوْ نُسْأَلَ: ألم تستعمل العرب طهارة الثياب على الحقيقة، وهي الأصل؟!، لأنّنّا نجد من المعنيين بدلالات الأَلْفاظ القرآنية من أدار لفظة ( الثياب) على الحقيقة كمحمد بن سيرين (ت 110 هـ)، وعبدالرحمن بن زيد بن أسلم (ت 182 هـ)، والشافعي، فقد ذكروا أَنَّ تطهير الثياب: غسلها([243])، ونقل الفرّاء: أنّ تطهيرها تقصيرها([244]). وهم يستلهمون في هذا سنن العرب في كلامها لا محالة.
أَمَّا الثعالبي (ت 876 هـ) فقد ذهب إلى أَنَّ الآية تحمل (على عموم المراد فيها بالحقيقة والمجاز)([245]). وهذا جائز، لأَنَّ الكناية لاتمنع من إرادة معنى اللفظ على الحقيقة([246]).
ويترجح للباحث، وهو يقرّ بأن القرآن في معاني أَلفاظه حمّالُ أَوجه، أَنْ يحمل لفظ الثياب على الحقيقة، لأَنَّ حمله على الكناية يمثل دلالة التزامية، يكون المدلول فيها غير محدود ولا محصور، وهي بهذا التصور قد تؤدي إلى ما لا يتناهى من المعاني([247]).
وأَغلبُ الظن: أَنَّ اللفظ لا يمتنع من إرادة الحقيقة فيه لأَسباب تتعلق بالحال والسياق، فقد ذُكِرَ في أسباب النزول أن الرسول r طلب أَنْ يتدثر بعد مشاهدته الثانية للوحي([248]). والسياق يؤيد هذه الحال، إذ افتتح الخطاب بقوله تعالى:}يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ{ والمدثّر: الملتفّ بالدثار؛ وهو كل ما كان من الثياب فوق الشعار([249]). فإذا كان المنادى موصوفاً بهذا الوصف، هذه واحدة.
والثانية: أَنَّ الأمر بإنذار قومه والتصدّي لأعباء الدعوة يتطلب إعداداً روحياً، وبناء صلة قوية بالله، نبّه عليها القرآن في سورة المزّمل السابقة في النزول لسورة المدثّر([250]). فقد أُمِرَ فيها بقيام فترة من الليل للصلاة وقراءة القرآن. فلا غرابة في أَنْ يُشار بقوله تعالى:}وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ{ إلى تكبيرة الصلاة، والصلاة تتطلب طهارة الثياب، فضلاً عن طهارة البدن. قبل التعقيب بقضية المفاصلة بين عبادته وعبادة المشركين لأصنامهم بقوله:}وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ{، واختتم الأمر بوجوب الصبر، وقد قرنت الصلاة في غير موضع من القرآن الكريم بالصبر، قال تعالى:}وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ ...{.
ويبدو على هذا من قرائن الحال والسياق، أنّ لفظ ( الثياب) حقيقة، أريد بها ثوب الصلاة والطهارة للنبي r، فلا حاجة للعدول عن ظاهر اللفظ إلى حمله على المجاز([251]). وقد وردت صيغة (الثياب) ثانية في سورة هود في قوله تعالى:}أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ{([252]).
ووردت ثالثة في سورة الكهف في قوله تعالى:}وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ..{([253]).
ووردت رابعة في سورة نوح في قوله تعالى:}وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا{([254]).
والثياب في الآيتين من سورتي هود ونوح محمولة على الحقيقة. بيد أَنَّ الأولى مرتبطة بسياق، يصف حالة واقعة من المشركين، تشير إلى الاستخفاء من الله والرسول r([255]) ، ولا تخفى الظلال الموحية التي ألقتها جملتا: (يستغشون) و(استغشوا) على السياق عموماً، فهما تشيران إلى التغطي بالثياب لأجل ألاّ يسمع الإنسان، ولا يرى كناية([256]) عن الإعراض.
أما الثياب التي وردت في الآية الحادية والثلاثين من سورة الكهف فقد جاءت في سياق ما وصف به اليوم الآخر، ونظيرها الخامسة في قوله -تعالى -:}عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ{([257]).
وهما خاصتان بالمؤمنين، وحقيقة الثياب هنا في علم الله -سبحانه- ، إلاّ أَنَّ ظلال اللون الأخضر ونعومة السندس تلقيان إيحاءاتهما على هذه الثياب، وهي بلا شك مرتبطة بالنعيم وصور الثواب في الآخرة.
وقد وردت سادسة في سورة النور في قوله تعالى:}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ{([258]).
وواضح من السياق أَنَّ المقصود بها سائر الثياب، لأنَّ الأوقات المذكورة يكون فيها التجرد من ثياب اليقظة والالتحاق بثياب النوم([259]). وخصها الفيروز آبادي (ت817 هـ) بثياب الفراغ والاستراحة([260]). وأغلب الظن : أَنَّها ثياب اليقظة، فهي التي توضع. ووضع الثياب: حطّها والتجرد منها([261]).
ووردت سابعة في قوله تعالى:}وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاَّتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ{([262]).
وقد فسرت الثياب في هذه الآية بِأَنَّها: (القناع الذي فوق الخمار وهو الجلباب والرداء الذي يكون فوق الشعار)([263]). والواضح من سياق النص أَنَّ المراد بها: الثياب الظاهرة([264]).
ويبدو أَنَّ الفيروز آبادي بدل أَنْ يُفَسِر ( وضع الثياب) بحطّها مرة أخرى، جعل معناها: ارتداءها، فقال في هذه الثياب: إنَّها (لباس التجمل والزينة)([265])، وهي كما لا يخفى ثياب خارجية، لاشتراط القرآن الكريم ألاّ تنكشف عوراتهن، ولا يكشفن عن زينة بقوله: }غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ{([266]) التي أرادها بقوله تعالى:}وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ{ وهي الزينة الخفية([267]).
أَمّا الثامنة فقد وردت في سياق ما وصف به اليوم الآخر، وهي ثياب الكافرين التي قال عنها - سبحانه - في سورة الحج:}فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ{([268]). وقد ذكر الشريف الرضي (أَنَّ النار - نعوذ بالله منها - تشتمل عليهم اشتمال الملابس على الأَبدان. حتى لا يسلم منها عضو من أَعضائهم، ولا يغيب عنها شيء ما أَجسادهم، وقد يجوز –أَيْضاً- أَّنْ يكون المراد بذلك - والله أعلم- أَنَّ سرابيل القطران التي ذكرها سبحانه فقال:}سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ{([269]) إذا لبسوها، واشتعلت النار فيها، صارت كأنها ثياب من نار، لإحاطتها بهم واشتمالها عليهم)([270]).
ونحن نعّد الثياب في كل ما تقدم على الحقيقة، لأنَّها تدخل تحت معنى الرجوع إلى الحالة المقصودة المقّدرة بالفكرة([271]).
ثيّب:
وهذا اللفظ من الصيغ التي استعملت بدلالتها اللغوية في القرآن الكريم في قوله تعالى:}عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا{([272]) فالثيّب هي المرأة التي افترعت، وذهبت بكارتها، وفارقت زوجها، ورجعت إلى بيت أَبيها([273]). وتلمح في هذا العلاقة المعنوية بين دلالة الثيّب، والأصل في دلالة (ثاب)، وهو الرجوع بعد تفرّق. كما أَنَّ توسط العاطف بين (ثيبّات) و (أَبكارا) بخلاف سائر الصفات يشير إلى التنافي بين الصفتين([274]). فلا يمكن اجتماعهما، فتعيّن العطف، لأَنَّ المقصود أَنْ يُزَوِّجَهُ بالنوعين، الثيّبات والأبكار([275]).
مثابة:
وقد استعمل القرآن الكريم هذه الصيغة مرة واحدة في قوله تعالى:}وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ{([276])واختلف أهل العربية في معناها وسبب تأنيثها، فذهب الأخفش الأوسط (ت ؟) ([277]) إلى أَنَّ الهاء أُلحقت بها لما كثر من يثوب اليه، كما تقول : ( نسّابة) و(سيّارة) لمن يكثر ذلك منه([278]). وقال بعض نحويّي الكوفة كالفرّاء (ت 207 هـ): (والمثابة في كلام العرب كالواحد، مثل المقام والمقامة)([279])، والهاء لتأنيث المصدر، أو لتأنيث البقعة... قال الشاعر([280]):
أَلَمْ تَرَ أَنَّ الأَرْضَ رَحْبٌ فَسيحَةٌ فَهَل يُعْجِزَنِّي بقعةٌ مِنْ بِقاعها
وقيل في معناه: مباءة ومرجعاً ومعاذاً، يرجعون اليه على مرور الأوقات، وقيل: مكاناً يكتب فيه الثواب([281]).
والظاهر من أَسباب النزول أَنَّ الآية نزلت في حجة الوداع([282])، بعد فتح مكة وعودة المؤمنين إلى البيت الحرام الذي لم يجدوا فيه الأمن والسلام يوم كانت سدانته لرجال قريش، الذين آذوا المؤمنين، وعذبوهم في البيت الذي أراده الله مكانا، يلجأ إليه الناس منذ عهد إبراهيم، ليكون لهم مرجعا يشعرون بالأمن فيه، فاليوم يعود البيت مرجعا لعباده. وإذا كان الربط بين مقام النص وسياقه يحدد دلالة صيغة (مثابة) -وهي المكان الذي يتفرق عنه الناس يرجعون إليه - يضاف إلى ذلك ظلال السياق وايحاءات الدلالة اللغوية المرتبطة في ذهن العربي بمبلغ جموم ماء البئر ومنزل الرجل وسكنه. ففي هذا نلمح الأمن والسكينة التي عادت للمؤمنين وللبيت بعد الفتح.
وثمة دلالة ترتبط باستعمال المصدر الميمي ( مثاب) بدلا من المصدر (ثواب)، وهي تضمنّه معنى الزمان والمكان، فضلا عن الحدث مقروناً بالحالة والهيئة المستمرة على البشر([283]).
وإذا كانت هذه الصيغ قد ارتبطت بالدلالات اللغوية، فإنَّ الصيغ الأُخرى، على الرغم من تضمنها الدلالة اللغوية، إلاّ أَنّها استعملت في دلالة شرعية، وسنشير فيما نستقبل إلى أَنَّ منها ما استعمل في دلالته اللغوية خلافاً لما ذهب إليه بعض الدارسين.
والدلالة الشرعية للثواب؛ (ما يرجع الإنسان إليه من العمل الذي قدمّه إلى الله – جلّ ذكره- لأَنَّه يثوب إليه في الآخرة، ويصير إليه)([284]). ورجوع الأعمال إلى الإنسان في الآخرة يكون بما يترتب عليها من جزاء. (فيسمى الجزاء ثوابا تصورا أَنَّه هو هو، ألا ترى كيف جعل الله تعالى الجزاء نفس الفعل في قوله: } فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ {([285])، ولم يقل: جزاءه)([286]).
وإذا كان السجستاني (ت 330 هـ) قد بيّن أَنَّ الثواب (أجر على العمل)([287])، فإنَّ ثمة مَنْ فرّق بينهما ذلك (أَنَّ الأجر يكون قبل الفعل المأجور عليه، والشاهد أَنَّك تقول: ما أعمل حتى آخذ أجري ولا نقول:
لا أعمل حتى آخذ ثوابي، لأنَّ الثواب لا يكون إلاّ بعد العمل ([288]). والشاهد القرآني على هذا قوله تعالى:}قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ{([289]). ويُعَدُّ الثواب من جهة أخرى نفعاً خالصاً مستحقا، يقارنه تعظيم وتبجيل([290])، وهو يقع على جهة المكافأة على الحقوق، على حين يرتبط الأجر بمعنى الأجرة التي هي من طريق المثامنة بأدنى الأثمان، وفيها معنى المعاوضة بالانتفاع([291]).
وقالوا: إنَّ ( الثواب ) يستعمل في الخير والشرّ، لكنّ الأكثر استعماله في الخير([292]). ويبدو أَنَّ صيغة (ثواب) لم تستعملْ في القرآن الكريم إلاّ في الخير بدلالتها الشرعية، وقد وردت ثلاث عشرة مرة، خمس مرات في ثلاث سور مكية([293])، وثماني مرات في سورتين مدنيتين([294]).
في قوله تعالى من سورة مريم:}وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا{([295])، جاءت الصيغة المذكورة في سياق([296]) بيان ما تعود به الباقيات الصالحات في الآخرة على المؤمنين إزاء ما يفتخر به المشركون من مقاماتهم المتمثلة بالترف والأبهة على أهل الإيمان في الدنيا([297]).
وجاءت مضافة إلى لفظ الجلالة في قوله تعالى من سورة القصص}فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الصَّابِرُونَ{([298]).
والسياق يشير إلى ما سيناله من الله تعالى مَنْ آمن، وعمل صالحا، وصبر على فتنة الزينة، وأَنَّه خير من العرض الدنيوي الذي ناله قارون. وفي هذا بيان للدلالة الشرعية لصيغة (ثواب) ([299])، التي وردت ثلاث مرات في سورة الكهف:
الأولى: في قوله تعالى:}إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً * أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا{([300]).
وجاءت معرفة بالألف واللام، لأَنَّ صورة الثواب قد تقدمت في الآية، فضلا عن ورودها بدلالتها الشرعية لبيان ما سترجع به الأعمال الصالحة التي أَحسنها المؤمنون عليهم يوم القيامة([301]). وجاء السياق كله مقابلاً لصورة العذاب والعقاب الذي سيناله الكافرون([302]).
والثانية: في قوله تعالى:}وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا * هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا{([303]). وقد جاءت في نهاية ما وصف به مشهد الدمار الذي لحق بجنّة الرجل الذي قال:}..مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا{([304])، فأراه الله عاقبة اعتقاده الخاطيء وغروره، وانتقل إلى ما سيناله صاحبه المؤمن – الذي قال له في محاولاته معتزاً بإيمانه : }فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ{([305]) من ثواب الله وخير العاقبة. ومما لا شك فيه أَنَّ الصيغة قد وردت في سياق الخير أَيضا بدلالتها الشرعية([306]).
والثالثة: في قوله تعالى:}الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلا{([307]).
وقد جاءت الصيغة في سياق الموازنة بين زينة الحياة وقيم الأعمال والأقوال الصالحة الباقية التي تؤول ثوابا وأملا كان مرجواً ومرتقبا، ذلك أن صاحبها يأمل في الدنيا ثواب الله، ولا يصيبه إلا في الآخرة([308]).
والملاحظ أَنَّ صيغة (الثواب) في هذه الآيات المكية متعلقة بالجزاء في الآخرة، لأنَّ القرآن في السور المكية كثير في تأكيد هدم قيم الجاهلية المعتمدة على المال ومظاهر الأبهة، وتعزيز قيم الإيمان في النفوس والسياقات التي لاحظناها كلّها مرتبطة بالخير، متعلقة بمكافأة الله وفضله([309]).
بيد أنَّ هذه الصيغة في السور المدنية قد توجهت دلالتها وجهتين:
الأولى: تتعلق بما يعود على الإنسان من عمله في الدنيا.
والثانية: بما يعود عليه في الآخرة.
ففي سورة آل عمران يقول تعالى:}وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ * َمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ * َكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآَتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآَخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ{([310]).
وهذه الآيات تبين أنَّ ثَمّةَ ثوابا دنيويا وآخر أخرويا. ولا خلاف في وجود الثواب الأخروي، وفي فهم دلالته، ولكنّ الاختلاف بين المفسرين قد جرى في تحديد دلالة الثواب الدنيوي. ولكي نكون على بينّة من دلالة اللفظ. نحاول أنْ نستعين بأَسباب النزول وسياق النص.
فالآيات لمذكورة قد نزلت تعقيبا على أحداث وقعت في معركة أحد، لتصحيح تصورات وتثبيت معتقدات، فقد ذُكِرَ: أنَّ ناسا أشاعوا خبر مقتل الرسول r فتراجع الناس في المعركة، فقال بعضهم: لو كان نبيا ما قتل، وقال آخرون: قاتلوا على ما قاتل عليه نبيّكم حتى يفتح الله عليكم أو تلحقوا به([311]). وفي السياق تأكيد لجملة حقائق، منها:
- أنَّ الرسالة أكبر من الرسول، فموت الرسول لا يعني التخلي عنها.
- وأَنَّ الموت والحياة بيد الله، ولكل أجل كتاب، وفي هذا تحريض على الجهاد.
- ومآل العمل ثواب من الله.
وفي ضوء ما تقدم نعرض لآراء، قيلت في الكشف عن دلالة (ثواب الدنيا) التي وردت في الآية الخامسة والأربعين بعد المئة من سورة آل عمران، فقد ذهب الطبري (ت 310 هـ) إلى أنَّ ثواب الدنيا أعراضها([312])، وذهب الشريف الرضي إلى أنَّ ثواب الدنيا (منافعها ولذاتها، وإنمّا سميت ثوابا على طريق المجاز وتشبيها بالثواب، لما كانت في حكم المستحق عند أمور، جعلت أسبابا لذلك)([313]). أما القاضي عبدالجبار (ت 415 هـ) ، فقد ذهب الى أن ثواب الدنيا هو : اختيار الراحة بترك الجهاد، وليس في ذلك إلاّ نفع معجل([314]). وقد أورد الطوسي (ت 460هـ) ثلاثة أقوال:
أحدها: ما قسمه الله للإنسان.
وثانيها: النصيب من الغنيمة([315]).
وثالثها: جزاء النوافل في الدنيا مع مواقعة الكبائر، لأنَّها تحبط العمل([316])، وهذا بعيد.
والذي نرجحه هو النصيب من الغنيمة، لأنَّ واقع المسلمين في معركة أحد كان على قسمين:
- منهم: من أخلص النية في جهاده.
- ومنهم: من كانت الغنائم هدفا له. فالآية حضٌّ على الجهاد، وإخلاص النيّة لله.
أما الصيغة التي وردت في الآية الثامنة والأربعين بعد المئة من السورة المشار إليها آنفا، فقد اتفق المفسرون على أنَّ ( ثواب الدنيا) يدل على النصر والغنيمة والتمكين في الأرض وطيب الذكر، وهذا حاصل لمن ابتغى الآخرة([317]).
وأكثر النصوص تمثيلاً للدلالة الشرعية لصيغة الثواب قوله تعالى: }فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ{([318]).
فهو سبحانه بعد أنْ عدّ ما سترجع إليه الأعمال، فسّرها([319]) بقوله:}ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ{.
ونخلص من هذه النصوص إلى أنَّ صيغة (ثواب) استعملت في سياق الخير في القرآن الكريم للدلالة على ما يرجع إلى الإنسان من جزاء أَعماله المتربطة بنيته([320]).
أمّا صيغة ( مثوبة) فقد وردت مرتين:
الأولى: في قوله تعالى:}وَلَوْ أَنَّهُمْ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ{([321]).
والثانية: في قوله تعالى:}قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ{([322]).
وذهب الراغب (ت 502 هـ) والفيروز آبادى إلى أَنََّ المثوبة تستعمل في الخير، وتستعمل استعارة في الشر([323]) واستشهد لذلك بآية المائدة، أَمّا آية البقرة فدلالة المثوبة واضحة فيها على المعنى الشرعي للثواب المختص بالجزاء على الأعمال الصالحة . فهي عند الجمهور بمعنى الثواب . ([324]) وأشار الأخفش إلى أنه أراد بـ(المثوبة) معنى : (لأُثيبوا). ([325]) والحق : أَنَّ إيثار القرآن للجملة الاسمية على الفعلية في جواب لو واضح، (لما فــي ذلك من الدلالة على إٍثبات المثوبة واستقرارها)([326]). ومما لا شك فيه أَنَّ المثوبة هنا مستعملة في الخير .
أَمّا استعمالها في آية المائدة فبدلالتها اللغوية، بمعنى : المرجع والمال، وليس لها علاقة بدلالة الثواب شرعاً، وجعل الثعالبي([327]) من ذلك قوله تعالى:}وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ...{([328]). وعلى هذا فصيغة (مثوبة) بدلالتها الشرعية لم تستعمل إلا في الخير، أَمّـــا استعمالها في الشر فبدلالتها اللغوية.
أما الصيغ الفعلية من هذه المادة، فلم يرد في القرآن الكريم منها إٍلاّ صيغتا: (أَثـاب) و (ثُــوِبَ) . وذكر الراغب والفيروز آبادى : أنّ الإثابة مستعملة في المحبوب والمكروه ([329]):
فمن الأول: قوله تعالى:}فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ{([330]). فأثاب هنا بمعنى: (وعد الكرامة)([331]) الذي وعد الله - سبحانه - به النصارى الذين سمعوا القرآن فبكوا لما عرفوا فيه من الحق فـآمنوا به، والإثابة تدخل في الدلالة الشرعية ،([332]) وقد فسر سياق النص ذلك بقوله:}وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ{.
وفي المعنى نفسه – نعني : وعد الكرامة جاء قوله تعالى: }لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (2) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا{([333]). وهذه الإثابة تدخل فيما أسماه القــرآن الكريم (ثواب الدنيا) وقيل فيه : إنه الفتح والغنيمة .
ومن الثاني: نعني : من الإثابة بالمكروه قوله تعالى:}إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ{([334]). وقد ذهب الفرّاء - وتابعه آخرون -إلى أَنّ (الإثابة هاهنا بمعنى العقاب ، ولكنه كما قال الفرزدق ([335]):
أخافُ زِياداً أنْ يَكَونَ عَطاؤُهُ أداهِمَ سوُداً أوْ مُحَدْرَجَةً سُمْرا
وقد يقول الرجل الذي اجترم إليك : لئن أتيتني لأُثيبنّك ثوابك، معناه: لأعاقبنّك ، وربما أنكره من لا يعرف مذاهب العربية ، وقد قال الله تبارك وتعالى:}فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ{([336]).
والبشارة : إنما تكون في الخير ، فقد قيل ذلك في الشر([337]). (وذهب الأخفش إلى أن الباء في:}فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ{ إنما على غم)([338]). وترتب على هذا أَنْ تكون الإِثابة بمعنى: الزيادة ([339]).
ونميل نحن إلى أنَّ الإثابة هنا لا يمكن أنْ تكونَ بمعنى : العقوبة دون قيد، بحيث تربط بسخط الله وعدم رضاه([340]). وإنمَّا هي بمعنى : الابتلاء والفتنة، فإذا كان فيها وجه عقوبة، فهي نعمة من وجه آخـر وإنْ كان الذي يؤدي إلى تلك النعمة مؤلماً . والسياق يشير إلى هذا المعنى بقوله تعالى: }... لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ ..{([341]) وقد قال الزمخشري في تفسيره : أي: (لتتمرنوا على تجرّع الغموم ، وتضروا باحتمال الشدائد ، فلا تحزنوا فيما بعد على فائت من المنافع، ولا على مصيب من المضار)([342]). كما أنّ الغمّ الذي تركوه في نفس الرسول r نتيجة فرارهم، سبب لهم غمّا، ملأ نفوسهم على ما كان منهم ، وهذا دليل على صحوتهم، حتى إنّ القرآن الكريم صرّح بأَنّ الأمر كان ابتلاء، قُرِن بعفو الله ، بدليل قوله سبحانه: }..ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ{([343]). وعلى هذا أَيضا : فإِنّه لا داعي لجعل الباء نائبة عن (على)، ولا نتأول الإِثابة بالزيادة .
أَماّ صيغة (ثـوّّب) فقد وردت مرة واحدة في قوله تعالى:}فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ{([344]) وقد قال أَبوعبيدة ( ت 210 هـ ) في تفسيره : أي : (هل جوزى)([345]) وقيل : إِنَّ منه : (ثوب فلان فلاناً على صنيعه ، وأثابه منه)([346])، بمعنى : جازاه ، قال أوس بن حجر([347]):
سَأَجزيكِ أَوْ يَجزيّكٍ عَنّى مُثَّوِبُ وَقَصْرُكٍ أَنْ يُثنى عليكٍ وَتُحْمَدى
وقد رأَينا أَنَّ صيغ الثواب استعملت في المجازاة على الأَعمال بالنعيم في العرف([348]). إٍلاّ في المكروه([349]). وفي هذا أَكثر من دلالة، لأَنَّ التثويبَ مرتبط بذهن العربي بالرجل الفزع المستصرخ الذي يلوّح بثوبه([350]) . وأَيُّ فَزَعِ واستصراخ ذاك الذي يتلبس الكفار في الجحيم يوم لا ناصر من بطش الله وحسابه . وفي استعمال هذا اللفظ مع الكفار في عذابهم مقابل صورة الثواب الذي ينعم به المؤمنون سخرية ما بعدها من سخرية ([351]).