صفحة 1
استهلال
يضم هذا الكتاب بين جنبيه عدداً من المقالات الأسبوعية، والتي دأبت جريدة الحياة (الطبعة السعودية) على نشرها صبيحة كل يوم ثلاثاء، وعلى صدر صفحة الرأي طوال العام 2012. قد يتساءل القارىء، وهو محق في تساؤله: ما الحاجة إلى إعادة نشر مقالات يفترض أن صلاحيتها قد انتهت وفائدتها قد أدبرت بمجرد قرائتها لأول مرة؟ وجوابي على ذلك هو أن المقالات التي بين يديك لا تعنى بالمشكلات الآنية ولا بالهموم اليومية، ولكنها تنصرف إلى قضايا العقل وهموم الفكر، وتحديداً الديني منه، وتلك مسائل، كانت، ولاتزال، وستظل، قابلة للجدال وصالحة للنقاش، مهما تلاحقت الأيام وتوالت الأزمان.
بداية، وقبل أي شيء، لا بد لنا من التفريق بين الدين والفكر الديني. إن الدين بشقه العقائدي والتعبدي موطنه القلب لا العقل، وهو لا يخضع للسؤال ولا للشك، ولا يقبل التغيير ولا التبديل. أما الفكر الديني فهو ما يصدر عن الفقهاء أو رجال الدين من تفسيرات أو تأويلات للنصوص الدينية، وبالتالي فهي اجتهادات بشرية لا تحظى بالقدسية، مما يجعلها قابلة للأخذ والرد والقبول والنقض. ولكن، هل يمكن للمرء في عالمنا الإسلامي حيث تضيق مساحة الحريات أن يتناول قضايا الفكر الديني تمحيصاً وتفحيصاً دون أن تلحقه دعاوى التجديف واتهامات التكفير من شيوخ الدين؟ طبعاً الإجابة هي لا. لماذا؟ لأنّ الفكر الديني أصبح لصيقاً بالدين، لدرجة أن نقد الفكر الديني صار تعدياً على الدين، والاعتراض على فتوى دينية صار تطاولاً على الدين، واستنكار سلوك رجل متدين صار انتهاكاً للدين! كل هذا يجري، ولانزال نردد كالببغاوات، بلا تفكير أو تدبير، بأن لا كهنوتية في الإسلام!
عموماً، هذا الكتاب الذي بين يديك، ينقسم إلى ستة أجزاء بحسب الموضوعات، لا بحسب تواريخ النشر، وذلك على النحو التالي:
القسم الأول: ويتناول جماعات الإسلام السياسي، سلوكاً وفكراً، محذراً من الانسياق وراء شعاراتها الدينية البراقة، والتي لا تتردد من التلويح بها، بقصد دغدغة الغرائز التحتية للجماهير وكسب تأييدها لتسهيل وصولها إلى السلطة. إن سلوك تلك الجماعات السياسية، المستترة بالدين، هو استمرار لما دأبت عليه الحركات السياسية في التاريخ الإسلامي من توظيف براغماتي لشعارات دينية جذابة تؤمن لها كسب الأتباع في معاركها مع عدوها، حتى إذا ما حققت أغراضها وتمكنت من السلطة، داست على شعاراتها وتناست وعودها.
القسم الثاني: يحرص رجل الدين على تغليف التاريخ بغلاف سميك من الأساطير، لدرجة تجعل الاقتراب منه بأدوات النقد ومشارط البحث أشبه بمغامرة محفوفة بالمخاطر. نحن ننظر إلى التاريخ كما لو أنه كتاب مقدس، وكما أن من يتحرك فوق مسرحه أنصاف آلهة وليسوا ببشر. ولكي نعيد للتاريخ بشريته، ونمحو عن وجهه ملامحه الأسطورية، يتوجب علينا إعادة قراءته متخففين من الأحكام المسبقة والرغبات المبطنة. إننا عندما نضع التاريخ ضمن سياقه الإنساني متجرداً من ثوب الأسطورة، نكون بهذا قد انتزعنا من رجل الدين ورقة رابحة طالما لعب بها للتبشير بالعودة إلى ماضٍ أبيض لا شية فيه.
القسم الثالث: لم يتحرر الفكر الديني بعد من إسار فقه القرون الوسطى، فيما يتعلق بالنظرة إلى الآخر، أو المختلف دينياً أو مذهبياً. ومافتئ فقهاء اليوم يستعيرون المفاهيم القروسطية ذاتها، والتي تختزل العالم إلى داري حرب وسلام، وتقسم البشر إلى مسلمين وغير مسلمين. إن هذا الشعور المفرط بالاصطفائية، والإيمان المتوهم بامتلاك الحقيقة المطلقة يعتبر أحد العوامل التي يمكن التعويل عليها في تفسير السلوك العنفي الذي تنتهجه الجماعات الجهادية. لقد آن الأوان لهذا الخطاب الديني أن يتحرر من تبعيته لفقه القرون الوسطى، وأن يعاد تأسيسه وفق قواعد جديدة تتكيف مع التغيرات الدولية والقانونية المعاصرة، وتستلهم من النص القرآني وسيرة النبي الكريم مبادىء التسامح والتعايش.
القسم الرابع: يتصف «الإسلام الشعبي» للعامة من الناس بالنزعة إلى التحريم، والميل إلى التسطيح، والانقياد وراء الخرافة، والانسياق وراء سطوة رجل الدين. بدءاً مما يعرف بـ «زمن الصحوة» أصبحت العامة أكثر اتكالاً على رجل الدين في كل كبيرة وصغيرة وفي كل منشط من مناشط الحياة، ابتداءً من حكم التبرع بالأعضاء وليس انتهاءً بحكم الاستظلال بشجرة زرعها بنك تجاري «ربوي!». لقد أدرك رجل الدين ما بين يديه من قوة جماهرية عمياء، فصار لا يتورع من التهديد بها لتخويف كل من يغرد خارج السرب. وإذا كان رجل الدين قادراً على تحريك أتباعه بكلمة منه، إلا أنه ليس بقادر أن يظهر أمامهم بمظهر اللين والمتسامح، وإلا خسر جاذبيته وفقد جماهيرته!
القسم الخامس: لايزال الفقه اليوم كما كان عليه في القرون الخالية فقهاً فحولياً، لا مكان للمرأة فيه ولا اعتبار. تبقى المرأة في عيون رجال الدين باب الفتنة، ومصدر الغواية، وحبائل الشيطان. وعلى الرغم من وصول بعض النساء إلى رئاسة الوزارة في عدد من دول الإسلام والغرب، إلا أن الفقهاء لايزالون يرددون «لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة». وعلى الرغم من نجاح النساء في ميادين التعليم والطبابة والتجارة والأدب والفن، إلا أن الفقهاء لايزالون يقولون «ناقصات عقل ودين». لقد وقف الفقهاء، قديماً وحديثاً، حجر عثرة في طريق تعليم وعمل المرأة بدعاوى تحريم الاختلاط ومخافة الفتنة. ولولا لطف الله وتدخل السلطة السياسية لبقيت المرأة ما بقي من عمرها حبيسة الجدران الأربعة.
القسم السادس: يقال إن الدين يسر وليس عسراً، ولكن جمهور الفقهاء قلبوها رأساً على عقب، فصار الدين عسراً وليس يسراً. لقد أثقل الفقهاء دين الله بأحمال فقهية شديدة التعقيد، وأرهقوا المسلم بأحكام شديدة العناية والتفصيل. لا عجب بعدئذ إن رأيت المسلم يقف كالتائه لا يقدر أن يمض خطوة دون أن يسترشد بفقيه لينير له الطريق ويهديه إلى سواء السبيل. لم يترك الفقهاء لنا أمراً في الدنيا أو في الآخرة إلا وخاضوا فيه، من الاستجمار بالحجارة والمسح على الخفين إلى عمليات التلقيح الصناعي واستكشاف المريخ.
يضم هذا الكتاب بين جنبيه عدداً من المقالات الأسبوعية، والتي دأبت جريدة الحياة (الطبعة السعودية) على نشرها صبيحة كل يوم ثلاثاء، وعلى صدر صفحة الرأي طوال العام 2012. قد يتساءل القارىء، وهو محق في تساؤله: ما الحاجة إلى إعادة نشر مقالات يفترض أن صلاحيتها قد انتهت وفائدتها قد أدبرت بمجرد قرائتها لأول مرة؟ وجوابي على ذلك هو أن المقالات التي بين يديك لا تعنى بالمشكلات الآنية ولا بالهموم اليومية، ولكنها تنصرف إلى قضايا العقل وهموم الفكر، وتحديداً الديني منه، وتلك مسائل، كانت، ولاتزال، وستظل، قابلة للجدال وصالحة للنقاش، مهما تلاحقت الأيام وتوالت الأزمان.
بداية، وقبل أي شيء، لا بد لنا من التفريق بين الدين والفكر الديني. إن الدين بشقه العقائدي والتعبدي موطنه القلب لا العقل، وهو لا يخضع للسؤال ولا للشك، ولا يقبل التغيير ولا التبديل. أما الفكر الديني فهو ما يصدر عن الفقهاء أو رجال الدين من تفسيرات أو تأويلات للنصوص الدينية، وبالتالي فهي اجتهادات بشرية لا تحظى بالقدسية، مما يجعلها قابلة للأخذ والرد والقبول والنقض. ولكن، هل يمكن للمرء في عالمنا الإسلامي حيث تضيق مساحة الحريات أن يتناول قضايا الفكر الديني تمحيصاً وتفحيصاً دون أن تلحقه دعاوى التجديف واتهامات التكفير من شيوخ الدين؟ طبعاً الإجابة هي لا. لماذا؟ لأنّ الفكر الديني أصبح لصيقاً بالدين، لدرجة أن نقد الفكر الديني صار تعدياً على الدين، والاعتراض على فتوى دينية صار تطاولاً على الدين، واستنكار سلوك رجل متدين صار انتهاكاً للدين! كل هذا يجري، ولانزال نردد كالببغاوات، بلا تفكير أو تدبير، بأن لا كهنوتية في الإسلام!
عموماً، هذا الكتاب الذي بين يديك، ينقسم إلى ستة أجزاء بحسب الموضوعات، لا بحسب تواريخ النشر، وذلك على النحو التالي:
القسم الأول: ويتناول جماعات الإسلام السياسي، سلوكاً وفكراً، محذراً من الانسياق وراء شعاراتها الدينية البراقة، والتي لا تتردد من التلويح بها، بقصد دغدغة الغرائز التحتية للجماهير وكسب تأييدها لتسهيل وصولها إلى السلطة. إن سلوك تلك الجماعات السياسية، المستترة بالدين، هو استمرار لما دأبت عليه الحركات السياسية في التاريخ الإسلامي من توظيف براغماتي لشعارات دينية جذابة تؤمن لها كسب الأتباع في معاركها مع عدوها، حتى إذا ما حققت أغراضها وتمكنت من السلطة، داست على شعاراتها وتناست وعودها.
القسم الثاني: يحرص رجل الدين على تغليف التاريخ بغلاف سميك من الأساطير، لدرجة تجعل الاقتراب منه بأدوات النقد ومشارط البحث أشبه بمغامرة محفوفة بالمخاطر. نحن ننظر إلى التاريخ كما لو أنه كتاب مقدس، وكما أن من يتحرك فوق مسرحه أنصاف آلهة وليسوا ببشر. ولكي نعيد للتاريخ بشريته، ونمحو عن وجهه ملامحه الأسطورية، يتوجب علينا إعادة قراءته متخففين من الأحكام المسبقة والرغبات المبطنة. إننا عندما نضع التاريخ ضمن سياقه الإنساني متجرداً من ثوب الأسطورة، نكون بهذا قد انتزعنا من رجل الدين ورقة رابحة طالما لعب بها للتبشير بالعودة إلى ماضٍ أبيض لا شية فيه.
القسم الثالث: لم يتحرر الفكر الديني بعد من إسار فقه القرون الوسطى، فيما يتعلق بالنظرة إلى الآخر، أو المختلف دينياً أو مذهبياً. ومافتئ فقهاء اليوم يستعيرون المفاهيم القروسطية ذاتها، والتي تختزل العالم إلى داري حرب وسلام، وتقسم البشر إلى مسلمين وغير مسلمين. إن هذا الشعور المفرط بالاصطفائية، والإيمان المتوهم بامتلاك الحقيقة المطلقة يعتبر أحد العوامل التي يمكن التعويل عليها في تفسير السلوك العنفي الذي تنتهجه الجماعات الجهادية. لقد آن الأوان لهذا الخطاب الديني أن يتحرر من تبعيته لفقه القرون الوسطى، وأن يعاد تأسيسه وفق قواعد جديدة تتكيف مع التغيرات الدولية والقانونية المعاصرة، وتستلهم من النص القرآني وسيرة النبي الكريم مبادىء التسامح والتعايش.
القسم الرابع: يتصف «الإسلام الشعبي» للعامة من الناس بالنزعة إلى التحريم، والميل إلى التسطيح، والانقياد وراء الخرافة، والانسياق وراء سطوة رجل الدين. بدءاً مما يعرف بـ «زمن الصحوة» أصبحت العامة أكثر اتكالاً على رجل الدين في كل كبيرة وصغيرة وفي كل منشط من مناشط الحياة، ابتداءً من حكم التبرع بالأعضاء وليس انتهاءً بحكم الاستظلال بشجرة زرعها بنك تجاري «ربوي!». لقد أدرك رجل الدين ما بين يديه من قوة جماهرية عمياء، فصار لا يتورع من التهديد بها لتخويف كل من يغرد خارج السرب. وإذا كان رجل الدين قادراً على تحريك أتباعه بكلمة منه، إلا أنه ليس بقادر أن يظهر أمامهم بمظهر اللين والمتسامح، وإلا خسر جاذبيته وفقد جماهيرته!
القسم الخامس: لايزال الفقه اليوم كما كان عليه في القرون الخالية فقهاً فحولياً، لا مكان للمرأة فيه ولا اعتبار. تبقى المرأة في عيون رجال الدين باب الفتنة، ومصدر الغواية، وحبائل الشيطان. وعلى الرغم من وصول بعض النساء إلى رئاسة الوزارة في عدد من دول الإسلام والغرب، إلا أن الفقهاء لايزالون يرددون «لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة». وعلى الرغم من نجاح النساء في ميادين التعليم والطبابة والتجارة والأدب والفن، إلا أن الفقهاء لايزالون يقولون «ناقصات عقل ودين». لقد وقف الفقهاء، قديماً وحديثاً، حجر عثرة في طريق تعليم وعمل المرأة بدعاوى تحريم الاختلاط ومخافة الفتنة. ولولا لطف الله وتدخل السلطة السياسية لبقيت المرأة ما بقي من عمرها حبيسة الجدران الأربعة.
القسم السادس: يقال إن الدين يسر وليس عسراً، ولكن جمهور الفقهاء قلبوها رأساً على عقب، فصار الدين عسراً وليس يسراً. لقد أثقل الفقهاء دين الله بأحمال فقهية شديدة التعقيد، وأرهقوا المسلم بأحكام شديدة العناية والتفصيل. لا عجب بعدئذ إن رأيت المسلم يقف كالتائه لا يقدر أن يمض خطوة دون أن يسترشد بفقيه لينير له الطريق ويهديه إلى سواء السبيل. لم يترك الفقهاء لنا أمراً في الدنيا أو في الآخرة إلا وخاضوا فيه، من الاستجمار بالحجارة والمسح على الخفين إلى عمليات التلقيح الصناعي واستكشاف المريخ.
صفحة 2
المقدس والمدنس
الملك بالدين يبقى والدين بالملك يقوى
(الشاعر والخليفة العباسي عبد الله بن المعتز)
نسيج العنكبوت
يتهم بعض الكُتّاب المصريين دول الخليج عموماً، والسعودية خصوصاً، بإفساد الحياة الدينية المصرية المعروفة بطابعها اللين، وذلك من خلال تصدير التزمت الديني إلى البلاد عبر قوافل المغتربين والعائدين إلى الوطن بعد سنوات من العيش والعمل في الخليج. يؤرخ هؤلاء الكُتّاب فترة حكم السادات، وما شهدته أيامها من انتعاش للعلاقات السعودية – المصرية في أعقاب حرب اكتوبر 1973، كنقطة ارتكاز لتديين الفضاء الاجتماعي وتوطين ما يعرف بالفكر الديني البدوي المطبوع بميوله التشددية والإقصائية.
ومما يستعان به للتدليل على تسرب الفكر السلفي السعودي إلى أرض الكنانة، انتشار النقاب بين النساء المصريات، وحرص شيوخ السلفية المصريين على ارتداء الغترة تأسياً بشيوخ الدين السعوديين، فضلاً عما تحظى به رموز السلفية في السعودية، أمثال الشيخين الجليلين بن باز وبن عثيمين – رحمهما الله – من احترام وإجلال لدى أطياف السلفية المصرية كافة. وبالرغم من وجاهة هذا الادعاء، إلا أن هناك من يعيد بواكير السلفية في مصر إلى بدايات القرن العشرين، أي قبل رصد أي تماس بين السلفية السعودية والمصرية. عموماً، وإذا سلمنا جدلاً بدور السلفية السعودية في تلوين المشهد الديني المصري، فإن ما يحسب لها هو إحجامها عن الدخول في معترك الحياة السياسة وتجنبها الصدام مع السلطة الحاكمة، وهو ما يعكس في جوهره موقفاً أصيلاً في أدبيات السلفية من السياسة.
إذا كان بعض المثقفين المصريين يشعرون بالامتعاض من دور ما ينعت بـ»فقه الصحراء» في تشويه الروح الدينية لمجتمع زراعي عُرف بالتسامح، فإن الرصد التاريخي الدقيق سيكشف الغطاء عن الدور التقويضي لجماعة الإخوان المسلمين ممن شرّعت لهم السعودية أبوابها منذ منتصف الخمسينيات، فراراً من المطاردات القمعية في بلادهم وتلهفاً على المغريات المالية في بلد لايزال يتلمّس خطواته في الظلام.
لا أحد ينكر الدور الدعائي الذي أنيط بالإخوان منذ دخولهم المملكة في سياق الحرب الإيديولوجية الدائرة يومئذ بين التيارين الإسلامي والقومي، ولكن الإخوان سرعان ما أفادوا من التسهيلات الموفرة لهم محلياً لإحكام السيطرة على مفاصل القطاع التعليمي، وذلك من أجل بناء قاعدة تحتية يمكن لهم الإفادة منها مستقبلاً. يذكر ستيفان لاكروا في كتابه «زمن الصحوة» ما يلي: «وعندما تأسست جامعة الملك سعود في سنة 1957، لم يكن يعمل فيها إلا عدد قليل جداً من الإخوان، حتى إنها اشتهرت بأنها جنة الإنتلجنسيا، وعزّز هذه السمعة وجودها في حي الملز «الليبرالي»...إلا أنه في مستهل السبعينيات، بات الوضع في الجامعة شبيهاً بأوضاع المؤسسات التعليمية الأخرى عندما زاد عدد الإخوان في هيئة التدريس في أقسام العلوم وفي كلية التربية التي أصبحت حصنهم الحصين...». وبدورها لم تسلم بقية الجامعات الأخرى والتي بدت وكأنها «مستعمرات أخوانية» من كثرتهم. ولعل أشهر وألمع الأسماء الإخوانية التي احتضنتها الجامعات السعودية كانت: محمد قطب، محمد الغزالي، علي الطنطاوي، منّاع القطان، دون أن نغفل بالطبع محمد سرور زين العابدين وعمر عبد الرحمن اللذين درّسا في المعاهد العلمية الدينية.
وشيئاً فشيئاً، شرع الإخوان الممسكون بدفة التعليم في المملكة في تكثيف جرعات المواد الدينية ولكن بنكهة إخوانية، وفي أسلمة فروع المعرفة والعلوم الاجتماعية. إضافة إلى ذلك، شجع الإخوان على تأسيس جماعات التوعية الدينية في المدارس، وإقامة المراكز والمخيمات الصيفية، وتشكيل حلقات حفظ القرآن الكريم، باعتبارها حاضنات لتربية النشء وغرس المفاهيم الإيديولوجية الإخوانية. وانطلاقاً من الثمانينيات الميلادية، وتحديداً بعد إخماد حريق جهيمان العتيبي، هيمن الصحويون ذوو التوجه الإخواني على المشهد الديني. وبما أن الفكر الإخواني، بشقه القطبي (نسبة إلى سيد قطب) يتعكز على تجهيل المجتمعات وتكفير الحكومات، لذا كان لزاماً أن تصل العلاقة بين الصحويين والقيادة السياسية إلى مرحلة الصدام بدءاً من التسعينيات. وعلى الرغم من الاحتواء السياسي والأمني للانتفاضة الصحوية إلا أن محفزات هذا الفكر لاتزال حتى اليوم تنبض بالحياة.
الملك بالدين يبقى والدين بالملك يقوى
(الشاعر والخليفة العباسي عبد الله بن المعتز)
نسيج العنكبوت
يتهم بعض الكُتّاب المصريين دول الخليج عموماً، والسعودية خصوصاً، بإفساد الحياة الدينية المصرية المعروفة بطابعها اللين، وذلك من خلال تصدير التزمت الديني إلى البلاد عبر قوافل المغتربين والعائدين إلى الوطن بعد سنوات من العيش والعمل في الخليج. يؤرخ هؤلاء الكُتّاب فترة حكم السادات، وما شهدته أيامها من انتعاش للعلاقات السعودية – المصرية في أعقاب حرب اكتوبر 1973، كنقطة ارتكاز لتديين الفضاء الاجتماعي وتوطين ما يعرف بالفكر الديني البدوي المطبوع بميوله التشددية والإقصائية.
ومما يستعان به للتدليل على تسرب الفكر السلفي السعودي إلى أرض الكنانة، انتشار النقاب بين النساء المصريات، وحرص شيوخ السلفية المصريين على ارتداء الغترة تأسياً بشيوخ الدين السعوديين، فضلاً عما تحظى به رموز السلفية في السعودية، أمثال الشيخين الجليلين بن باز وبن عثيمين – رحمهما الله – من احترام وإجلال لدى أطياف السلفية المصرية كافة. وبالرغم من وجاهة هذا الادعاء، إلا أن هناك من يعيد بواكير السلفية في مصر إلى بدايات القرن العشرين، أي قبل رصد أي تماس بين السلفية السعودية والمصرية. عموماً، وإذا سلمنا جدلاً بدور السلفية السعودية في تلوين المشهد الديني المصري، فإن ما يحسب لها هو إحجامها عن الدخول في معترك الحياة السياسة وتجنبها الصدام مع السلطة الحاكمة، وهو ما يعكس في جوهره موقفاً أصيلاً في أدبيات السلفية من السياسة.
إذا كان بعض المثقفين المصريين يشعرون بالامتعاض من دور ما ينعت بـ»فقه الصحراء» في تشويه الروح الدينية لمجتمع زراعي عُرف بالتسامح، فإن الرصد التاريخي الدقيق سيكشف الغطاء عن الدور التقويضي لجماعة الإخوان المسلمين ممن شرّعت لهم السعودية أبوابها منذ منتصف الخمسينيات، فراراً من المطاردات القمعية في بلادهم وتلهفاً على المغريات المالية في بلد لايزال يتلمّس خطواته في الظلام.
لا أحد ينكر الدور الدعائي الذي أنيط بالإخوان منذ دخولهم المملكة في سياق الحرب الإيديولوجية الدائرة يومئذ بين التيارين الإسلامي والقومي، ولكن الإخوان سرعان ما أفادوا من التسهيلات الموفرة لهم محلياً لإحكام السيطرة على مفاصل القطاع التعليمي، وذلك من أجل بناء قاعدة تحتية يمكن لهم الإفادة منها مستقبلاً. يذكر ستيفان لاكروا في كتابه «زمن الصحوة» ما يلي: «وعندما تأسست جامعة الملك سعود في سنة 1957، لم يكن يعمل فيها إلا عدد قليل جداً من الإخوان، حتى إنها اشتهرت بأنها جنة الإنتلجنسيا، وعزّز هذه السمعة وجودها في حي الملز «الليبرالي»...إلا أنه في مستهل السبعينيات، بات الوضع في الجامعة شبيهاً بأوضاع المؤسسات التعليمية الأخرى عندما زاد عدد الإخوان في هيئة التدريس في أقسام العلوم وفي كلية التربية التي أصبحت حصنهم الحصين...». وبدورها لم تسلم بقية الجامعات الأخرى والتي بدت وكأنها «مستعمرات أخوانية» من كثرتهم. ولعل أشهر وألمع الأسماء الإخوانية التي احتضنتها الجامعات السعودية كانت: محمد قطب، محمد الغزالي، علي الطنطاوي، منّاع القطان، دون أن نغفل بالطبع محمد سرور زين العابدين وعمر عبد الرحمن اللذين درّسا في المعاهد العلمية الدينية.
وشيئاً فشيئاً، شرع الإخوان الممسكون بدفة التعليم في المملكة في تكثيف جرعات المواد الدينية ولكن بنكهة إخوانية، وفي أسلمة فروع المعرفة والعلوم الاجتماعية. إضافة إلى ذلك، شجع الإخوان على تأسيس جماعات التوعية الدينية في المدارس، وإقامة المراكز والمخيمات الصيفية، وتشكيل حلقات حفظ القرآن الكريم، باعتبارها حاضنات لتربية النشء وغرس المفاهيم الإيديولوجية الإخوانية. وانطلاقاً من الثمانينيات الميلادية، وتحديداً بعد إخماد حريق جهيمان العتيبي، هيمن الصحويون ذوو التوجه الإخواني على المشهد الديني. وبما أن الفكر الإخواني، بشقه القطبي (نسبة إلى سيد قطب) يتعكز على تجهيل المجتمعات وتكفير الحكومات، لذا كان لزاماً أن تصل العلاقة بين الصحويين والقيادة السياسية إلى مرحلة الصدام بدءاً من التسعينيات. وعلى الرغم من الاحتواء السياسي والأمني للانتفاضة الصحوية إلا أن محفزات هذا الفكر لاتزال حتى اليوم تنبض بالحياة.
صفحة 3
أحياناً.. الديمقراطية تكون سماً!
لماذا لم تنجح التجارب الديمقراطية – على ندرتها – في العالم العربي في نقل تلك الدول من الظلمة إلى النور، ومن الاستبداد إلى الحريات؟ يجيب المفكر هاشم صالح على هذا السؤال الشائك في كتابه «الانسداد التاريخي: لماذا فشل مشروع التنوير في العالم العربي؟» بالقول إن تجارب العالم المتقدم برهنت على أن النظام الليبرالي الدستوري كان دوماً يسبق الاستحقاق الديمقراطي وبسنوات طوال. إن وجود الدولة الليبرالية الدستورية يعد شرطاً لا مندوحة عنه من أجل تأمين حق الملكية، وصيانة حق التفكير والتعبير، وضمان حق التدين أو عدمه، وحماية حق تأسيس الجمعيات والتنقل بحرية. إضافة إلى ذلك، يؤدي وجود النظام الليبرالي الدستوري إلى الفصل ما بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وإلى الفصل بين الفضاء الديني والسياسي مما يخلق مناخاً من التسامح الديني بين المكونات الدينية. إنكلترا، على سبيل المثال، لم تنضج ديمقراطياً إلا بعد عقود طويلة من تكريس دولة الليبرالية الدستورية، أي دولة الحق والقانون، طوال القرن التاسع عشر. فرنسا، أيضاً، انتظرت قرناً ونصف منذ اشتعال فتيل الثورة الفرنسية حتى تتحول في هدوء إلى دولة ديمقراطية. إذن، فلسفة الديمقراطية – كما يستنتج صالح – كانت تقوم في كلتا الدولتين العريقتين على ضرورة تثقيف الشعب وتنويره ومحو أميته أولاً قبل منحه حق التصويت السياسي.
لقد أبانت السياسات الواعية والحكيمة لقيادات تلك الدول المتحضرة عن نجاعتها، لأنّ التجارب تقول إن الشعب غير الناضج حضارياً سيدفع إلى الأمام بأشخاص عنصريين أو طائفيين وباسم الديمقراطية ذاتها، مما قد يشطب ما تحقق آنفاً من مكاسب دستورية! إن تأصيل القيم الليبرالية داخل المجتمع غالباً ما سيعمل كصمام أمان لحماية المكتسبات الحداثية من الزوال، والحؤول دون سقوط الدولة في مهاوي الطائفية والعنصرية. يسوق صالح في سبيل تدعيم رؤيته عدداً من الوقائع التاريخية. فقبل أكثر من مائة عام، انتخب الشعب النمساوي رجلاً يمينياً متطرفاً عمدة للعاصمة فيينا. آنئذ خشيت النخبة المثقفة، وعلى رأسها فرويد، أن تتسبب الإرادة الشعبية، وباسم الديمقراطية في خنق نسمة الحرية وإطفاء شمعة الفكر، فبذلوا ما في وسعهم لإلغاء الانتخابات، فكان لهم ما أرادوا. وفي أواخر العشرينيات من القرن المنصرم، جعل الألمان المنهكون سياسياً واقتصادياً عناج أمرهم إلى أدولف هتلر، ذلك القائد الديماغوجي والخطيب المصقع والذي يجيد دغدغة الغرائز التحتية والعصبيات الشوفينية، فكان منه ما تعلمون.
عربياً، جرّب العرب الديمقراطية. فماذا كانت النتيجة؟ كانت النتيجة أن الشعوب غير المستنيرة أوصلت إلى القمة رجالاً غارقين في ماضويتهم، موغلين في طائفيتهم، ناقمين على قيم الحداثة، ومعادين للديمقراطية التي رفعتهم عالياً. أنظر إلى العراق، مثلاً. لقد جلبت الديمقراطية للعراق بعد حكم الطاغية كل الرزايا والبلايا بتفجيرها للمكبوتات الطائفية القبيحة. ثم أنظر إلى ديمقراطية الكويت الحالية التي محت ما كان الفرد الكويتي يحظى به من هوامش حرية، وزجت بالبلاد في وحل الطائفية البغيضة والقبلية القميئة.
أكثر من مرة، عبّر الكاتب العراقي خالد القشطيني في مقالاته المنشورة في جريدة «الشرق الأوسط» عن امتعاضه من ديمقراطية العرب المتهالكة التي ابدلت الاستبداد العسكريتاري بالاستبداد الديني. ينحي القشطيني باللائمة على الكثرة الأمية التي منحت أصواتها، جهلاً أو طمعاً أو خوفاً، لجماعات الإسلام السياسي والمعروفة بامتهانها لحقوق الإنسان وعجزها عن مواكبة إيقاع العصر واللحاق بمستجداته. نعم، اتفق مع القشطيني في تشخيصه للداء، ولكني لا أرى الأمية وحدها وراء تعثر التجارب الديمقراطية لدينا وتخبطها. ثم، ألا يمكن للعلم أن يلعب دوره التقويضي كالجهل أيضاً؟ للتدليل، إن أكثر من يعادي الحرية والديمقراطية ويحاربها، ويخاصم قيم الاستنارة والحداثة ويناهضها، هم من نالوا من العلم نصيباً. شخصياً، أنا أؤمن أن العلم، إذا كان تلقينياً، وتعبوياً، ومبرمجاً، فإنه لا ينتج إلا أفراداً متعصبين ومؤدلجين، وهؤلاء في رأيي أشد خطورة ممن فاتهم قطار التعلم!
لماذا لم تنجح التجارب الديمقراطية – على ندرتها – في العالم العربي في نقل تلك الدول من الظلمة إلى النور، ومن الاستبداد إلى الحريات؟ يجيب المفكر هاشم صالح على هذا السؤال الشائك في كتابه «الانسداد التاريخي: لماذا فشل مشروع التنوير في العالم العربي؟» بالقول إن تجارب العالم المتقدم برهنت على أن النظام الليبرالي الدستوري كان دوماً يسبق الاستحقاق الديمقراطي وبسنوات طوال. إن وجود الدولة الليبرالية الدستورية يعد شرطاً لا مندوحة عنه من أجل تأمين حق الملكية، وصيانة حق التفكير والتعبير، وضمان حق التدين أو عدمه، وحماية حق تأسيس الجمعيات والتنقل بحرية. إضافة إلى ذلك، يؤدي وجود النظام الليبرالي الدستوري إلى الفصل ما بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وإلى الفصل بين الفضاء الديني والسياسي مما يخلق مناخاً من التسامح الديني بين المكونات الدينية. إنكلترا، على سبيل المثال، لم تنضج ديمقراطياً إلا بعد عقود طويلة من تكريس دولة الليبرالية الدستورية، أي دولة الحق والقانون، طوال القرن التاسع عشر. فرنسا، أيضاً، انتظرت قرناً ونصف منذ اشتعال فتيل الثورة الفرنسية حتى تتحول في هدوء إلى دولة ديمقراطية. إذن، فلسفة الديمقراطية – كما يستنتج صالح – كانت تقوم في كلتا الدولتين العريقتين على ضرورة تثقيف الشعب وتنويره ومحو أميته أولاً قبل منحه حق التصويت السياسي.
لقد أبانت السياسات الواعية والحكيمة لقيادات تلك الدول المتحضرة عن نجاعتها، لأنّ التجارب تقول إن الشعب غير الناضج حضارياً سيدفع إلى الأمام بأشخاص عنصريين أو طائفيين وباسم الديمقراطية ذاتها، مما قد يشطب ما تحقق آنفاً من مكاسب دستورية! إن تأصيل القيم الليبرالية داخل المجتمع غالباً ما سيعمل كصمام أمان لحماية المكتسبات الحداثية من الزوال، والحؤول دون سقوط الدولة في مهاوي الطائفية والعنصرية. يسوق صالح في سبيل تدعيم رؤيته عدداً من الوقائع التاريخية. فقبل أكثر من مائة عام، انتخب الشعب النمساوي رجلاً يمينياً متطرفاً عمدة للعاصمة فيينا. آنئذ خشيت النخبة المثقفة، وعلى رأسها فرويد، أن تتسبب الإرادة الشعبية، وباسم الديمقراطية في خنق نسمة الحرية وإطفاء شمعة الفكر، فبذلوا ما في وسعهم لإلغاء الانتخابات، فكان لهم ما أرادوا. وفي أواخر العشرينيات من القرن المنصرم، جعل الألمان المنهكون سياسياً واقتصادياً عناج أمرهم إلى أدولف هتلر، ذلك القائد الديماغوجي والخطيب المصقع والذي يجيد دغدغة الغرائز التحتية والعصبيات الشوفينية، فكان منه ما تعلمون.
عربياً، جرّب العرب الديمقراطية. فماذا كانت النتيجة؟ كانت النتيجة أن الشعوب غير المستنيرة أوصلت إلى القمة رجالاً غارقين في ماضويتهم، موغلين في طائفيتهم، ناقمين على قيم الحداثة، ومعادين للديمقراطية التي رفعتهم عالياً. أنظر إلى العراق، مثلاً. لقد جلبت الديمقراطية للعراق بعد حكم الطاغية كل الرزايا والبلايا بتفجيرها للمكبوتات الطائفية القبيحة. ثم أنظر إلى ديمقراطية الكويت الحالية التي محت ما كان الفرد الكويتي يحظى به من هوامش حرية، وزجت بالبلاد في وحل الطائفية البغيضة والقبلية القميئة.
أكثر من مرة، عبّر الكاتب العراقي خالد القشطيني في مقالاته المنشورة في جريدة «الشرق الأوسط» عن امتعاضه من ديمقراطية العرب المتهالكة التي ابدلت الاستبداد العسكريتاري بالاستبداد الديني. ينحي القشطيني باللائمة على الكثرة الأمية التي منحت أصواتها، جهلاً أو طمعاً أو خوفاً، لجماعات الإسلام السياسي والمعروفة بامتهانها لحقوق الإنسان وعجزها عن مواكبة إيقاع العصر واللحاق بمستجداته. نعم، اتفق مع القشطيني في تشخيصه للداء، ولكني لا أرى الأمية وحدها وراء تعثر التجارب الديمقراطية لدينا وتخبطها. ثم، ألا يمكن للعلم أن يلعب دوره التقويضي كالجهل أيضاً؟ للتدليل، إن أكثر من يعادي الحرية والديمقراطية ويحاربها، ويخاصم قيم الاستنارة والحداثة ويناهضها، هم من نالوا من العلم نصيباً. شخصياً، أنا أؤمن أن العلم، إذا كان تلقينياً، وتعبوياً، ومبرمجاً، فإنه لا ينتج إلا أفراداً متعصبين ومؤدلجين، وهؤلاء في رأيي أشد خطورة ممن فاتهم قطار التعلم!
صفحة 4
ربيع الزهور.. أم ربيع القبور؟!
مع إطلالة شهر مايو المنصرم، قامت عناصر تنتمي إلى الجماعة السلفية في تونس بتدنيس قبر الطاهر الحداد (ت 1935). ترى، من هو الطاهر هذا؟ ولماذا قامت تلك العصبة المتطرفة بشطب الكلمات التي خطها رفيق دربه الهادي العبيدي على القبر «ضريح شهيد الحق والواجب.. المصلح الاجتماعي الطاهر الحداد» باللون الأسود؟ يصف بوعلي ياسين في كتابه «حقوق المرأة في الكتابة العربية منذ عصر النهضة» الطاهر الحداد بأنه كان ذا نزعة وطنية، وكان ناقماً على الاستعمار الاقتصادي والثقافي، ولديه حس فائض بالعدالة الاجتماعية. وإذا ما ذكر الطاهر، ذكر كتابه الذائع الصيت «امرأتنا في الشريعة والمجتمع»، وهو ما يجعل من صاحبه امتداداً لفكر وإصلاح الشيخ محمد عبده وقاسم أمين.
يفرق الطاهر في كتابه بين ما جاء به الإسلام وبين ما جاء من أجله. فما جاء به الإسلام، كان متصلاً بالذهنية السائدة والوضعية القائمة للعرب حينها: «فما يضع لها من الأحكام إقراراً لها وتعديلاً فيها، باق ما بقيت هي. فإذا ما ذهبت، ذهبت أحكامها معها، وليس في ذهابها جميعاً ما يضير الإسلام، وذلك كمسائل العبيد، والإماء، وتعدد الزوجات...». أما ما جاء من أجله، «وهو جوهره ومعناه، فيبقى خالداً بخلوده، كعقيدة التوحيد، ومكارم الأخلاق، وإقامة قسطاس العدل والمساواة بين الناس».
لقد مهّد كتاب الطاهر، كما تذهب آمال موسى في كتابها «بورقيبة والمسألة الدينية»، الطريق الوعرة لبروز ما يعرف بمجلة الأحوال الشخصية في عام 1956 أيام الزعيم التنويري بورقيبة. تمثل مجلة الأحوال الشخصية انقلاباً ثورياً وإشعاعاً حداثياً، ألغت بظهورها إلى النور المسافات الفاصلة بين الرجل والمرأة، وجعلت من الأخيرة صنواً للرجل. احتوت المجلة على جملة من القوانين كمثل: تحجير تعدد الزوجات، وتحديد السن القانونية للزواج، والتنصيص على ضرورة موافقة كلا الطرفين لانعقاد الزواج، ونقل حق الطلاق من يد الرجل إلى يد المحكمة، ومنح المرأة حقها في السفور، ومنح المرأة حق الحصول على كامل الميراث. إذن، لقد أمضى الطاهر سحابة عمره يبحث عن وجه الإسلام المشرق المدفون تحت آكام الظلمة والتقليد بغرض تحريره من أغلال التخلف ومن جنازير الممارسات الاجتماعية للدين. لم يكن طريق الطاهر مفروشاً بالورد، فقد لاقى هجوماً قاسياً من أنصار التقليد والإتباع وخصوم التجديد والإبداع، فرموه بالكفر والإلحاد، ونعتوه بالزيغ والظلال، إلى أن خار عزمه، وانكسرت نفسه، فمات مهموماً محسوراً.
أي ثورة تلك التي جاءت بالمخابيل! وأي ربيع هذا الذي ينبت الشوك لا الورد، ويرنو إلى الماضي وليس إلى الغد، ويبشر بالعبودية لا بالحرية! إن في قيام «طالبان» تونس بشطب كلمات الضريح وباللون الأسود لدلالة رمزية على أمرين. أولهما، أن تونس سترى في القادم من الأيام أياماً سوداء إذا ما ظل هؤلاء يصولون ويجولون ويأمرون وينهون دون حسيب أو رقيب. وثانيهما، أن ما أودعه الطاهر قبل أكثر من ثمانين عاماً بين دفتي كتابه من بذور المساواة والعدالة والكرامة، والتي بقيت المرأة التونسية تتفيأ ظلالها وتنعم بثمارها قد تصادر وتشطب تحت ضغوطات وتهديدات المتشددين وميوعة وليونة مواقف حزب النهضة.
إن ما وقع في تونس، قد يقع في أماكن أخرى من الدول التي زارها الربيع العربي! ما الذي يمنع، مثلاً، الجماعات السلفية في مصر من التطاول على قبور أهل الفكر ورموز الإصلاح الديني؟ لا عجب أن يعبث هؤلاء النكوصيون بالأضرحة وهم الذين لا يشربون إلا من بئر الماضي، ولا يقتاتون إلا على كتابات السلف، ولا يتحركون إلا بين قبور الموتى. لست أخشى المساس بقبور من ماتوا فحسب، ولكني أخشى المساس بكل ما هو جميل ومبهج له صلة بالماضي. ألم تفتتح «طيور الظلام» عصرها الميمون بمنع فيلم «أبي فوق الشجرة»؟! ماذا يمنع هؤلاء من مطاردة ومحاربة الروايات والأشعار والأفلام التي لا تلتزم خطوطهم الفكرية؟ ويبقى السؤال الأهم: هل ستظل الأهرامات المصرية صامدة أم ستلحق بتماثيل بوذا التي نسفتها من قبل جماعة طالبان؟!
مع إطلالة شهر مايو المنصرم، قامت عناصر تنتمي إلى الجماعة السلفية في تونس بتدنيس قبر الطاهر الحداد (ت 1935). ترى، من هو الطاهر هذا؟ ولماذا قامت تلك العصبة المتطرفة بشطب الكلمات التي خطها رفيق دربه الهادي العبيدي على القبر «ضريح شهيد الحق والواجب.. المصلح الاجتماعي الطاهر الحداد» باللون الأسود؟ يصف بوعلي ياسين في كتابه «حقوق المرأة في الكتابة العربية منذ عصر النهضة» الطاهر الحداد بأنه كان ذا نزعة وطنية، وكان ناقماً على الاستعمار الاقتصادي والثقافي، ولديه حس فائض بالعدالة الاجتماعية. وإذا ما ذكر الطاهر، ذكر كتابه الذائع الصيت «امرأتنا في الشريعة والمجتمع»، وهو ما يجعل من صاحبه امتداداً لفكر وإصلاح الشيخ محمد عبده وقاسم أمين.
يفرق الطاهر في كتابه بين ما جاء به الإسلام وبين ما جاء من أجله. فما جاء به الإسلام، كان متصلاً بالذهنية السائدة والوضعية القائمة للعرب حينها: «فما يضع لها من الأحكام إقراراً لها وتعديلاً فيها، باق ما بقيت هي. فإذا ما ذهبت، ذهبت أحكامها معها، وليس في ذهابها جميعاً ما يضير الإسلام، وذلك كمسائل العبيد، والإماء، وتعدد الزوجات...». أما ما جاء من أجله، «وهو جوهره ومعناه، فيبقى خالداً بخلوده، كعقيدة التوحيد، ومكارم الأخلاق، وإقامة قسطاس العدل والمساواة بين الناس».
لقد مهّد كتاب الطاهر، كما تذهب آمال موسى في كتابها «بورقيبة والمسألة الدينية»، الطريق الوعرة لبروز ما يعرف بمجلة الأحوال الشخصية في عام 1956 أيام الزعيم التنويري بورقيبة. تمثل مجلة الأحوال الشخصية انقلاباً ثورياً وإشعاعاً حداثياً، ألغت بظهورها إلى النور المسافات الفاصلة بين الرجل والمرأة، وجعلت من الأخيرة صنواً للرجل. احتوت المجلة على جملة من القوانين كمثل: تحجير تعدد الزوجات، وتحديد السن القانونية للزواج، والتنصيص على ضرورة موافقة كلا الطرفين لانعقاد الزواج، ونقل حق الطلاق من يد الرجل إلى يد المحكمة، ومنح المرأة حقها في السفور، ومنح المرأة حق الحصول على كامل الميراث. إذن، لقد أمضى الطاهر سحابة عمره يبحث عن وجه الإسلام المشرق المدفون تحت آكام الظلمة والتقليد بغرض تحريره من أغلال التخلف ومن جنازير الممارسات الاجتماعية للدين. لم يكن طريق الطاهر مفروشاً بالورد، فقد لاقى هجوماً قاسياً من أنصار التقليد والإتباع وخصوم التجديد والإبداع، فرموه بالكفر والإلحاد، ونعتوه بالزيغ والظلال، إلى أن خار عزمه، وانكسرت نفسه، فمات مهموماً محسوراً.
أي ثورة تلك التي جاءت بالمخابيل! وأي ربيع هذا الذي ينبت الشوك لا الورد، ويرنو إلى الماضي وليس إلى الغد، ويبشر بالعبودية لا بالحرية! إن في قيام «طالبان» تونس بشطب كلمات الضريح وباللون الأسود لدلالة رمزية على أمرين. أولهما، أن تونس سترى في القادم من الأيام أياماً سوداء إذا ما ظل هؤلاء يصولون ويجولون ويأمرون وينهون دون حسيب أو رقيب. وثانيهما، أن ما أودعه الطاهر قبل أكثر من ثمانين عاماً بين دفتي كتابه من بذور المساواة والعدالة والكرامة، والتي بقيت المرأة التونسية تتفيأ ظلالها وتنعم بثمارها قد تصادر وتشطب تحت ضغوطات وتهديدات المتشددين وميوعة وليونة مواقف حزب النهضة.
إن ما وقع في تونس، قد يقع في أماكن أخرى من الدول التي زارها الربيع العربي! ما الذي يمنع، مثلاً، الجماعات السلفية في مصر من التطاول على قبور أهل الفكر ورموز الإصلاح الديني؟ لا عجب أن يعبث هؤلاء النكوصيون بالأضرحة وهم الذين لا يشربون إلا من بئر الماضي، ولا يقتاتون إلا على كتابات السلف، ولا يتحركون إلا بين قبور الموتى. لست أخشى المساس بقبور من ماتوا فحسب، ولكني أخشى المساس بكل ما هو جميل ومبهج له صلة بالماضي. ألم تفتتح «طيور الظلام» عصرها الميمون بمنع فيلم «أبي فوق الشجرة»؟! ماذا يمنع هؤلاء من مطاردة ومحاربة الروايات والأشعار والأفلام التي لا تلتزم خطوطهم الفكرية؟ ويبقى السؤال الأهم: هل ستظل الأهرامات المصرية صامدة أم ستلحق بتماثيل بوذا التي نسفتها من قبل جماعة طالبان؟!
صفحة 5
سياحة المقابر!
ورد في موقع «العربية الإلكتروني» وبتاريخ 29 يوليو، 2012، أن رجلي أعمال ينتميان لجماعة الإخوان المصرية قد أنشأ أول شركة سياحة – ربما الأولى في العالم– تعمل وفق ضوابط الشريعة الإسلامية! وبحسب الخبر، فإن سياسة الشركة لا تقوم على تنظيم رحلات سياحية إلى الأماكن والمزارات الدينية في مصر وخارجها، وإنما على تقديم نوع متميز وفريد من النشاطات السياحية لزبائنها المنتخبين بعناية فائقة. بداية، لا تتيح الشركة خدماتها الحلال الزلال إلا للملتحين من الرجال وللمنقبات من النساء! يُذكر أن الشركة تفضل المنقبات على المحجبات، وكأن الحجاب لم يعد يكفيهم. أما السافرات الكاسيات العاريات فلا مكان لهن بالطبع بين الطيبين والطيبات من الإخوان والإخوانيات! وبما أن الاختلاط بين الرجال والقوارير من النساء هو انحراف دونه سائر الموبقات، فقد قضت أحكام الشركة بألا يختلط الذكور بالأناث، مخافة الفتنة، والفتنة أشد من القتل. فإذا ما أرادت النسوة الذهاب إلى مكان ما لترويح القلوب وتفريج الكروب، وجب عليهن التريث حتى يفرغ بعولتهن من اللهو البريء فيمضين إليه وهن متنقبات متخفرات. وبما أن الشركة تخشى أن تقع عيون زبائنها على ما يجرح المشاعر أو أن تصل إلى آذانهم أصوات المعازف، فقد قامت باستئجار فندق أو قرية سياحية بالكامل حتى تضمن «طهارة» المكان من الفاسدين والفاسدات!
تذكرت، وأنا أقرأ عن ولادة تلك الشركة في زمن الإخوان، ما دوّنه المفكر المغدور فرج فودة في حوار له مع أحد عناصر الجماعات الدينية في مصر فترة التسعينيات الميلادية حول بدائل السياحة، خصوصاً بعد أن تكاثرت اعتداءات الجماعات الدينية على الأفواج السياحية. يقول فودة، نقلاً عن عضو الجماعة الدينية: «ما الذي يدفع الإنسان إلى السياحة؟ لا شك أنه اكتئاب النفوس وضيق الصدور، وإذا ضاقت الصدور فعليكم بزيارة القبور، وما من مؤمن إن ضاق صدره أو اكتأبت نفسه، ألا يذهب لزيارة المقابر فهناك العبرة والموعظة، وهناك السياحة الإيمانية، وسوف يعود بإذن الله منشرح الصدر، مجبور الخاطر، مسرور النفس، مقبلاً على الحياة كل الإقبال...». أتمنى أن يفطن القائمون على الشركة إلى فضل زيارة القبور حتى يعود السائحون منها خفافاً بعد أن كانوا ثقالاً، مجبورين بعد أن كانوا مكسورين، مستبشرين بعد أن كانوا مكتئبين!
يقول مالكا الشركة إن الغرض من تأسيسها هو وضع شعار الجماعة الأثير «الإسلام هو الحل» موضع التطبيق (كذا!). ليس غريباً أن نسمع بمثل تلك المشروعات التلفيقية والمغلفة بشعارات الدين، والدين منها براء. ألم نسمع بسوبر أكاديمي إسلامي.. وسوبر ستار إسلامي.. وباربي إسلامية.. وكوكا كولا إسلامية.. وإنترنت إسلامية.. وأفلام كرتون إسلامية.. وبيرة إسلامية.. وبوصلة إسلامية.. وسيارة إسلامية.. و.. و؟ إن مشروعات الأسلمة كافة التي طالت كل كبيرة وصغيرة منذ ما يعرف زوراً بالصحوة الدينية لم تنجح في فرض نفسها، ومن تقديم بدائل مقنعة، ومن منافسة المنتجات التقليدية. إن طلاء منتجات الغرب بدهان إسلامي لا يجعل منها منتجاً إسلامياً صرفاً. لا يفعل صُنّاع الوهم الإسلامي أكثر من تزيين المنتج «العلماني» بألوان وظلال ونقوش دينية حتى يقال عنها إسلامية! بصراحة، لا أرى في الأسلمة إلا محاولات بائسة ويائسة للبحث عن الدور التاريخي المفقود وردم الهوة الحضارية بيننا وبين الغرب. بزعمي أن جل مشروعات الأسلمة لا تستهدف في حقيقتها إلا استنزاف جيوب البسطاء من خلال دغدغة المشاعر الدينية. حدثني أحد الأصدقاء أنه سأل موظفاً يعمل بأحد فروع مصرف بدولة خليجية عن الفارق الحقيقي بين الخدمات التقليدية والإسلامية التي يقدمها البنك لعملائه، فقال له متبسماً: الفارق الوحيد بينهما هي مسافة الأمتار الثلاثة التي أقطعها بين شباك المنتجات التقليدية وشباك المنتجات الإسلامية! بعبارة أخرى، ما من فرق بين هذا وذاك إلا في الوصوف والكلمات!
ورد في موقع «العربية الإلكتروني» وبتاريخ 29 يوليو، 2012، أن رجلي أعمال ينتميان لجماعة الإخوان المصرية قد أنشأ أول شركة سياحة – ربما الأولى في العالم– تعمل وفق ضوابط الشريعة الإسلامية! وبحسب الخبر، فإن سياسة الشركة لا تقوم على تنظيم رحلات سياحية إلى الأماكن والمزارات الدينية في مصر وخارجها، وإنما على تقديم نوع متميز وفريد من النشاطات السياحية لزبائنها المنتخبين بعناية فائقة. بداية، لا تتيح الشركة خدماتها الحلال الزلال إلا للملتحين من الرجال وللمنقبات من النساء! يُذكر أن الشركة تفضل المنقبات على المحجبات، وكأن الحجاب لم يعد يكفيهم. أما السافرات الكاسيات العاريات فلا مكان لهن بالطبع بين الطيبين والطيبات من الإخوان والإخوانيات! وبما أن الاختلاط بين الرجال والقوارير من النساء هو انحراف دونه سائر الموبقات، فقد قضت أحكام الشركة بألا يختلط الذكور بالأناث، مخافة الفتنة، والفتنة أشد من القتل. فإذا ما أرادت النسوة الذهاب إلى مكان ما لترويح القلوب وتفريج الكروب، وجب عليهن التريث حتى يفرغ بعولتهن من اللهو البريء فيمضين إليه وهن متنقبات متخفرات. وبما أن الشركة تخشى أن تقع عيون زبائنها على ما يجرح المشاعر أو أن تصل إلى آذانهم أصوات المعازف، فقد قامت باستئجار فندق أو قرية سياحية بالكامل حتى تضمن «طهارة» المكان من الفاسدين والفاسدات!
تذكرت، وأنا أقرأ عن ولادة تلك الشركة في زمن الإخوان، ما دوّنه المفكر المغدور فرج فودة في حوار له مع أحد عناصر الجماعات الدينية في مصر فترة التسعينيات الميلادية حول بدائل السياحة، خصوصاً بعد أن تكاثرت اعتداءات الجماعات الدينية على الأفواج السياحية. يقول فودة، نقلاً عن عضو الجماعة الدينية: «ما الذي يدفع الإنسان إلى السياحة؟ لا شك أنه اكتئاب النفوس وضيق الصدور، وإذا ضاقت الصدور فعليكم بزيارة القبور، وما من مؤمن إن ضاق صدره أو اكتأبت نفسه، ألا يذهب لزيارة المقابر فهناك العبرة والموعظة، وهناك السياحة الإيمانية، وسوف يعود بإذن الله منشرح الصدر، مجبور الخاطر، مسرور النفس، مقبلاً على الحياة كل الإقبال...». أتمنى أن يفطن القائمون على الشركة إلى فضل زيارة القبور حتى يعود السائحون منها خفافاً بعد أن كانوا ثقالاً، مجبورين بعد أن كانوا مكسورين، مستبشرين بعد أن كانوا مكتئبين!
يقول مالكا الشركة إن الغرض من تأسيسها هو وضع شعار الجماعة الأثير «الإسلام هو الحل» موضع التطبيق (كذا!). ليس غريباً أن نسمع بمثل تلك المشروعات التلفيقية والمغلفة بشعارات الدين، والدين منها براء. ألم نسمع بسوبر أكاديمي إسلامي.. وسوبر ستار إسلامي.. وباربي إسلامية.. وكوكا كولا إسلامية.. وإنترنت إسلامية.. وأفلام كرتون إسلامية.. وبيرة إسلامية.. وبوصلة إسلامية.. وسيارة إسلامية.. و.. و؟ إن مشروعات الأسلمة كافة التي طالت كل كبيرة وصغيرة منذ ما يعرف زوراً بالصحوة الدينية لم تنجح في فرض نفسها، ومن تقديم بدائل مقنعة، ومن منافسة المنتجات التقليدية. إن طلاء منتجات الغرب بدهان إسلامي لا يجعل منها منتجاً إسلامياً صرفاً. لا يفعل صُنّاع الوهم الإسلامي أكثر من تزيين المنتج «العلماني» بألوان وظلال ونقوش دينية حتى يقال عنها إسلامية! بصراحة، لا أرى في الأسلمة إلا محاولات بائسة ويائسة للبحث عن الدور التاريخي المفقود وردم الهوة الحضارية بيننا وبين الغرب. بزعمي أن جل مشروعات الأسلمة لا تستهدف في حقيقتها إلا استنزاف جيوب البسطاء من خلال دغدغة المشاعر الدينية. حدثني أحد الأصدقاء أنه سأل موظفاً يعمل بأحد فروع مصرف بدولة خليجية عن الفارق الحقيقي بين الخدمات التقليدية والإسلامية التي يقدمها البنك لعملائه، فقال له متبسماً: الفارق الوحيد بينهما هي مسافة الأمتار الثلاثة التي أقطعها بين شباك المنتجات التقليدية وشباك المنتجات الإسلامية! بعبارة أخرى، ما من فرق بين هذا وذاك إلا في الوصوف والكلمات!
صفحة 6
علاج الفقر والإملاق عند أبي إسحاق
يطرح أبو إسحاق الحويني – أحد أعلام التيار السلفي في مصر – خيار الجهاد المقدس كمخرج مؤكد، وحل مجرب للإزمة الاقتصادية الطاحنة في مصر. يقول أبو إسحاق في محاضرة نفاها مريدوه، وأكدها هو بنفسه ما يلي: «هو الفقر اللي إحنا فيه ده مش بسبب تركنا للجهاد؟ مش لو كنا كل سنة عمالين نغزو مرة ولا اتنين ولا تلاتة مش كان هيسلم ناس كتير في الأرض؟!». كيف بالله عليك يا مولانا سيسلم هذا المغلوب الذي اختطفت منه زوجته وبناته، وسرقت منه ممتلكاته وأمواله، وكسرت في داخله رجولته وكرامته؟! تذكرني هذه الطرفة «الحوينية» بأخرى قالها شيخ المجاهدين بن لادن من جوف كهفه عشية تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر من أن آلاف الأمريكيين قد دخلوا دين الإسلام زرافات ووحداناً بعد أن قام تسعة عشر كوكباً بخطف الطائرات، وتفجير المباني والناطحات، وإزهاق أرواح الآلاف!
لنمضي مع مولانا أبي إسحاق، وهو يضع في أيدي مريديه الوصفة السحرية لتطليق أيام الفقر والسنوات الشقية: «كل واحد كان هيرجع من الغزوة جايب معاه تلات أربع أشحطة (= رجال) وتلات أربع نسوان وتلات أربع ولاد. اضرب كل رأس في ستميت درهم ولا ستميت دينار (لاحظ استخدام الشيخ لنقود العصور الإسلامية التاريخية) يطلع بمالية كويسة». أتحدى أن يكون جهابذة الاقتصاد وفطاحلته قد تمخضت عقولهم عن مثل هذا الحل السحري والذي سيجفف منابع الفاقة، ويردم مستنقعات البطالة، ويملأ جيوب المجاهدين بالدراهم والدنانير؟
نسيت أن أخبركم بشيء هام. يقول أبو إسحاق إن من يرفض هذا الحل الاقتصادي المذهل، فإنه، أي أبو إسحاق، سوف يملأنها عليه خيلاً ورجالاً. إسمع ما يقوله مولانا أبو إسحاق: «واللي يرفض هذه الدعوة نقاتله، ونخدوا أسير وناخد أموالهم ونسائهم وكل دي عبارة عن فلوس». أسمعت؟ اللهم أني بلغت.. اللهم فاشهد.
إن عبارات أبي إسحاق الواردة أعلاه قد جاءت بالكامل – دون تصريف – من كتاب «السلفيون في مصر ما بعد الثورة»، والصادر عن مركز الدين والسياسة للدراسات. رغم النفحة الفكاهية الطاغية على كلمات الرجل إلا أنه لم يكن يمزح أو يهرج. ما جرى على لسان أبي إسحاق من عصارة كلام ليس سوى ما يطحن في رأسه من أفكار. فعلى الرغم من أن أبا إسحاق وأنصاره يحيون في الألفية الثالثة أجساداً إلا أن أفئدتهم وعقولهم مازالت تحيا في الماضي. إذن، لا غرابة بعد ذلك لو التمس أبو إسحاق وأمثاله حلول القرون القديمة في الإجابة على أسئلة القرون الحديثة. ولكن، هل سيبقى السلف أسرى هذه العقلية الإتباعية والماضوية، إلى الأبد؟ لا أظن. أعتقد أن أبا إسحاق، لو سئل اليوم، وبعد أن صار للسلف كلمتهم المسموعة ورايتهم المرفوعة، عن العلاج لمتاعب مصر الاقتصادية، لما طرق باب الجهاد! قبل انفجار الثورة المصرية، وانهيار النظام الحاكم، وصعود التيارات الدينية، كانت الجماعات السلفية تقول: المشاركة السياسية حرام.. الديموقراطية حرام.. التظاهرات حرام.. معاهدة كامب ديفيد حرام.. ولاية المرأة حرام.. حرام.. حرام. اليوم، السلف يشاركون في الانتخابات رغم حرمتها، ويعترفون باتفاقية كامب ديفيد رغم حرمتها، ويقبلون بترشيح ناقصات العقل والدين رغم حرمتها! كيف نفسر هذا الانقلاب السلفي على مبادئه الأصيلة؟ الجواب ببساطة: إن للعبة السياسية اشتراطاتها وقواعدها الملزمة لكل الأطراف المشاركة. لا يمكن للسلف أن يقتحموا عوالم السياسية بكل تلك الأثقال التاريخية، وما تحمله من مشاعر إنعزالية ومصدات فكرية. لا يمكن للسلف خوض بحور السياسية المتلاطمة بعقلية أبي إسحاق. ألم أقل مراراً إن التيارات المتأسلمة لا تفترق عما سواها في شيء سوى تنميقاتها الدينية وقشورها الخارجية؟
يطرح أبو إسحاق الحويني – أحد أعلام التيار السلفي في مصر – خيار الجهاد المقدس كمخرج مؤكد، وحل مجرب للإزمة الاقتصادية الطاحنة في مصر. يقول أبو إسحاق في محاضرة نفاها مريدوه، وأكدها هو بنفسه ما يلي: «هو الفقر اللي إحنا فيه ده مش بسبب تركنا للجهاد؟ مش لو كنا كل سنة عمالين نغزو مرة ولا اتنين ولا تلاتة مش كان هيسلم ناس كتير في الأرض؟!». كيف بالله عليك يا مولانا سيسلم هذا المغلوب الذي اختطفت منه زوجته وبناته، وسرقت منه ممتلكاته وأمواله، وكسرت في داخله رجولته وكرامته؟! تذكرني هذه الطرفة «الحوينية» بأخرى قالها شيخ المجاهدين بن لادن من جوف كهفه عشية تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر من أن آلاف الأمريكيين قد دخلوا دين الإسلام زرافات ووحداناً بعد أن قام تسعة عشر كوكباً بخطف الطائرات، وتفجير المباني والناطحات، وإزهاق أرواح الآلاف!
لنمضي مع مولانا أبي إسحاق، وهو يضع في أيدي مريديه الوصفة السحرية لتطليق أيام الفقر والسنوات الشقية: «كل واحد كان هيرجع من الغزوة جايب معاه تلات أربع أشحطة (= رجال) وتلات أربع نسوان وتلات أربع ولاد. اضرب كل رأس في ستميت درهم ولا ستميت دينار (لاحظ استخدام الشيخ لنقود العصور الإسلامية التاريخية) يطلع بمالية كويسة». أتحدى أن يكون جهابذة الاقتصاد وفطاحلته قد تمخضت عقولهم عن مثل هذا الحل السحري والذي سيجفف منابع الفاقة، ويردم مستنقعات البطالة، ويملأ جيوب المجاهدين بالدراهم والدنانير؟
نسيت أن أخبركم بشيء هام. يقول أبو إسحاق إن من يرفض هذا الحل الاقتصادي المذهل، فإنه، أي أبو إسحاق، سوف يملأنها عليه خيلاً ورجالاً. إسمع ما يقوله مولانا أبو إسحاق: «واللي يرفض هذه الدعوة نقاتله، ونخدوا أسير وناخد أموالهم ونسائهم وكل دي عبارة عن فلوس». أسمعت؟ اللهم أني بلغت.. اللهم فاشهد.
إن عبارات أبي إسحاق الواردة أعلاه قد جاءت بالكامل – دون تصريف – من كتاب «السلفيون في مصر ما بعد الثورة»، والصادر عن مركز الدين والسياسة للدراسات. رغم النفحة الفكاهية الطاغية على كلمات الرجل إلا أنه لم يكن يمزح أو يهرج. ما جرى على لسان أبي إسحاق من عصارة كلام ليس سوى ما يطحن في رأسه من أفكار. فعلى الرغم من أن أبا إسحاق وأنصاره يحيون في الألفية الثالثة أجساداً إلا أن أفئدتهم وعقولهم مازالت تحيا في الماضي. إذن، لا غرابة بعد ذلك لو التمس أبو إسحاق وأمثاله حلول القرون القديمة في الإجابة على أسئلة القرون الحديثة. ولكن، هل سيبقى السلف أسرى هذه العقلية الإتباعية والماضوية، إلى الأبد؟ لا أظن. أعتقد أن أبا إسحاق، لو سئل اليوم، وبعد أن صار للسلف كلمتهم المسموعة ورايتهم المرفوعة، عن العلاج لمتاعب مصر الاقتصادية، لما طرق باب الجهاد! قبل انفجار الثورة المصرية، وانهيار النظام الحاكم، وصعود التيارات الدينية، كانت الجماعات السلفية تقول: المشاركة السياسية حرام.. الديموقراطية حرام.. التظاهرات حرام.. معاهدة كامب ديفيد حرام.. ولاية المرأة حرام.. حرام.. حرام. اليوم، السلف يشاركون في الانتخابات رغم حرمتها، ويعترفون باتفاقية كامب ديفيد رغم حرمتها، ويقبلون بترشيح ناقصات العقل والدين رغم حرمتها! كيف نفسر هذا الانقلاب السلفي على مبادئه الأصيلة؟ الجواب ببساطة: إن للعبة السياسية اشتراطاتها وقواعدها الملزمة لكل الأطراف المشاركة. لا يمكن للسلف أن يقتحموا عوالم السياسية بكل تلك الأثقال التاريخية، وما تحمله من مشاعر إنعزالية ومصدات فكرية. لا يمكن للسلف خوض بحور السياسية المتلاطمة بعقلية أبي إسحاق. ألم أقل مراراً إن التيارات المتأسلمة لا تفترق عما سواها في شيء سوى تنميقاتها الدينية وقشورها الخارجية؟
صفحة 7
فقاعات الصابون
يصف الفيلسوف الألماني الشهير وعرّاب النظرية الماركسية «فرديريك أنجلز»، نقلاً عن كتاب «التعبير الديني عن الصراع الاجتماعي في الإسلام» لمصطفى التواتي، الإيقاع الثوري للحركات الاجتماعية والسياسية العربية بالتالي: «في الوقت الذي تقدم تاريخ أوروبا عبر الحركات الثورية، كان تاريخ الشرق الإسلامي ثابتاً لا يتحرك رغم كثرة الثورات، وذلك لأنّ كل ثورة تعيد نمط الإنتاج السابق عليها». لقد وجدت ملاحظة أنجلز تعضيداً كاملاً من المفكر العراقي المرحوم «هادي العلوي» الذي لاحظ أن الحركات الاجتماعية الثورية التي ولدت في الإسلام كانت سرعان ما تتخلى عن وعودها المعسولة وتتنكر لأحلامها المنشودة بمجرد تربعها على كرسي السلطة. ويدلّل العلوي على صواب هذه الفرضية بالنهايات المؤلمة والمتشابهة لدولة الأدارسة في المغرب، والدولة الفاطمية في مصر، ودولتي المرابطين والموحدين في الأندلس والمغرب.
ماذا يعني هذا؟ أيعني أن التاريخ يعيد إنتاج نفسه؟ أخشى أن تكون الإجابة بنعم، ولكن هذا ما يمكن استخلاصه من رصد المآلات الثورية لكثير من الحركات والانتفاضات الاجتماعية والسياسية. بتعبير آخر، التاريخ في هذه المنطقة لا يتخذ مساراً أفقياً، بل يسلك مساراً دورياً يتكرر المرة تلو الأخرى. ولكن مهلاً! الإنسان هو من يحرك مياه التاريخ، وليست مياه التاريخ هي من تجرف الإنسان إلى مصيره المقدر والمحتوم. سأعطيك مثالاً بسيطاً وطريفاً. في منتصف القرن الثالث الهجري، نجح رجل يدعى علي بن محمد في تأليب مئات الألوف من الزنوج والذين كانوا يحيون في أوضاع بائسة أقل ما يقال عنها إنها حيوانية في منطقة البطائح بجنوب العراق على أسيادهم من العرب الإقطاعيين. وعوضاً عن تحطيم هياكل العبودية وإلغاء نظام الإقطاع الدراكولي، سقط الثوار في فخ أحقادهم، فقاموا باسترقاق أسيادهم العرب من الرجال والنساء وتحويلهم إلى عبيد لهم! كل ما فعله الثوار المقهورون هو قلب الهرم الاجتماعي رأساً على عقب!
لعل ابن خلدون هو أول من تفطن بذكاء للصيرورة التاريخية للدولة (= الحضارة). يقول محمد عابد الجابري عن ابن خلدون: «إن حركة التاريخ عند ابن خلدون هي حركة انتقال مستمرة من البداوة إلى الحضارة. الانتقال من البداوة إلى الحضارة يتم عبر الدولة، ولكن الدولة عند ابن خلدون تحمل معها منذ نشأتها، بذور انهيارها، مما يجعلها محكوماً عليها بالاضمحلال والزوال، تاركة المجال هكذا مفتوحاً لقيام جماعة بدوية أخرى بتأسيس دولة جديدة تلاقي هي الأخرى المصير نفسه». يمكنك تطبيق القانون الخلدوني- إن صح التعبير – على مجمل التحولات التاريخية التي شهدتها تلك البقعة من الأرض. في زمن ملوك الطوائف بالأندلس، أخذت الوحدة السياسية تتفكك، والنظم الاقتصادية تتحلل، والهياكل الاجتماعية تتفسخ، إلى أن اندفعت من جوف صحارى المغرب وموريتانيا قوة بدوية فتية – عرفت بالمرابطين- فضخت في عروق الأندلس دماء حارة وجديدة. ولكن، وبمرور الوقت، تقلب ملوكها المتأخرون في النعيم والغضارة، ونسوا ما كانوا عليه من عهود الخشونة والبداوة، إلى أن هبت قوة صاعدة جديدة أطاحت بهم وأزالت ملكهم. وما جرى للمرابطين، جرى مثله للموحدين والسلاجقة وغيرهم.
ماذا عن ثورات اليوم؟ هل ستنزع هذه الثورات عن أكتافها عباءة التاريخ؟ هل ستوقف هذه الثورات عجلة التاريخ من الدوران في مكانها؟ ربما الوقت لايزال مبكراً للحكم، ولكن ثمة شكوك عميقة تساورني حول قدرة تلك الثورات على الخروج عن النص المكتوب. لم يعد الصراع اليوم بين ثنائية الحضارة والبداوة، وإنما بين ثنائية الاستبداد والحرية. الشعارات التي تنتصب في ميادين الغضب تؤكد مدى تعطش وتلهف هذه الجماهير إلى قيم الكرامة والحرية والعدالة التي كانت النظم السلطوية تضن بها عليهم. المشكلة أن المسافة ما بين وعود وأحلام الثورات ونتائجها الملموسة والمنظورة لا تبشر بخير. لقد سرق المتأسلمون عرق الثورات، وصاروا الآن في صدارة المشهد السياسي. لا أحسب أن عصور الاستبداد الطويلة سوف تطوى بمجرد سقوط عتاة الدكتاتورية. ما أراه الآن ليس إلا مبادلة لاستبداد قديم باستبداد جديد، ولكن بنكهة ثيوقراطية. سوف نكتشف بعد زمن ليس بالطويل أن سرعة عجلات الثورة لا تزيد عن الصفر!
يصف الفيلسوف الألماني الشهير وعرّاب النظرية الماركسية «فرديريك أنجلز»، نقلاً عن كتاب «التعبير الديني عن الصراع الاجتماعي في الإسلام» لمصطفى التواتي، الإيقاع الثوري للحركات الاجتماعية والسياسية العربية بالتالي: «في الوقت الذي تقدم تاريخ أوروبا عبر الحركات الثورية، كان تاريخ الشرق الإسلامي ثابتاً لا يتحرك رغم كثرة الثورات، وذلك لأنّ كل ثورة تعيد نمط الإنتاج السابق عليها». لقد وجدت ملاحظة أنجلز تعضيداً كاملاً من المفكر العراقي المرحوم «هادي العلوي» الذي لاحظ أن الحركات الاجتماعية الثورية التي ولدت في الإسلام كانت سرعان ما تتخلى عن وعودها المعسولة وتتنكر لأحلامها المنشودة بمجرد تربعها على كرسي السلطة. ويدلّل العلوي على صواب هذه الفرضية بالنهايات المؤلمة والمتشابهة لدولة الأدارسة في المغرب، والدولة الفاطمية في مصر، ودولتي المرابطين والموحدين في الأندلس والمغرب.
ماذا يعني هذا؟ أيعني أن التاريخ يعيد إنتاج نفسه؟ أخشى أن تكون الإجابة بنعم، ولكن هذا ما يمكن استخلاصه من رصد المآلات الثورية لكثير من الحركات والانتفاضات الاجتماعية والسياسية. بتعبير آخر، التاريخ في هذه المنطقة لا يتخذ مساراً أفقياً، بل يسلك مساراً دورياً يتكرر المرة تلو الأخرى. ولكن مهلاً! الإنسان هو من يحرك مياه التاريخ، وليست مياه التاريخ هي من تجرف الإنسان إلى مصيره المقدر والمحتوم. سأعطيك مثالاً بسيطاً وطريفاً. في منتصف القرن الثالث الهجري، نجح رجل يدعى علي بن محمد في تأليب مئات الألوف من الزنوج والذين كانوا يحيون في أوضاع بائسة أقل ما يقال عنها إنها حيوانية في منطقة البطائح بجنوب العراق على أسيادهم من العرب الإقطاعيين. وعوضاً عن تحطيم هياكل العبودية وإلغاء نظام الإقطاع الدراكولي، سقط الثوار في فخ أحقادهم، فقاموا باسترقاق أسيادهم العرب من الرجال والنساء وتحويلهم إلى عبيد لهم! كل ما فعله الثوار المقهورون هو قلب الهرم الاجتماعي رأساً على عقب!
لعل ابن خلدون هو أول من تفطن بذكاء للصيرورة التاريخية للدولة (= الحضارة). يقول محمد عابد الجابري عن ابن خلدون: «إن حركة التاريخ عند ابن خلدون هي حركة انتقال مستمرة من البداوة إلى الحضارة. الانتقال من البداوة إلى الحضارة يتم عبر الدولة، ولكن الدولة عند ابن خلدون تحمل معها منذ نشأتها، بذور انهيارها، مما يجعلها محكوماً عليها بالاضمحلال والزوال، تاركة المجال هكذا مفتوحاً لقيام جماعة بدوية أخرى بتأسيس دولة جديدة تلاقي هي الأخرى المصير نفسه». يمكنك تطبيق القانون الخلدوني- إن صح التعبير – على مجمل التحولات التاريخية التي شهدتها تلك البقعة من الأرض. في زمن ملوك الطوائف بالأندلس، أخذت الوحدة السياسية تتفكك، والنظم الاقتصادية تتحلل، والهياكل الاجتماعية تتفسخ، إلى أن اندفعت من جوف صحارى المغرب وموريتانيا قوة بدوية فتية – عرفت بالمرابطين- فضخت في عروق الأندلس دماء حارة وجديدة. ولكن، وبمرور الوقت، تقلب ملوكها المتأخرون في النعيم والغضارة، ونسوا ما كانوا عليه من عهود الخشونة والبداوة، إلى أن هبت قوة صاعدة جديدة أطاحت بهم وأزالت ملكهم. وما جرى للمرابطين، جرى مثله للموحدين والسلاجقة وغيرهم.
ماذا عن ثورات اليوم؟ هل ستنزع هذه الثورات عن أكتافها عباءة التاريخ؟ هل ستوقف هذه الثورات عجلة التاريخ من الدوران في مكانها؟ ربما الوقت لايزال مبكراً للحكم، ولكن ثمة شكوك عميقة تساورني حول قدرة تلك الثورات على الخروج عن النص المكتوب. لم يعد الصراع اليوم بين ثنائية الحضارة والبداوة، وإنما بين ثنائية الاستبداد والحرية. الشعارات التي تنتصب في ميادين الغضب تؤكد مدى تعطش وتلهف هذه الجماهير إلى قيم الكرامة والحرية والعدالة التي كانت النظم السلطوية تضن بها عليهم. المشكلة أن المسافة ما بين وعود وأحلام الثورات ونتائجها الملموسة والمنظورة لا تبشر بخير. لقد سرق المتأسلمون عرق الثورات، وصاروا الآن في صدارة المشهد السياسي. لا أحسب أن عصور الاستبداد الطويلة سوف تطوى بمجرد سقوط عتاة الدكتاتورية. ما أراه الآن ليس إلا مبادلة لاستبداد قديم باستبداد جديد، ولكن بنكهة ثيوقراطية. سوف نكتشف بعد زمن ليس بالطويل أن سرعة عجلات الثورة لا تزيد عن الصفر!
صفحة 8
مرحى بالخلافة في أرض الكنانة!
(*)
يقف السلف في مصر من الدولة المدنية موقف الضد؛ فالدولة المدنية تستلزم إحلال الديموقراطية، والديموقراطية تؤدي إلى تأليه هوى الفرد، وتأليه هوى الفرد يقود إلى الكفر والاستعلاء! ماالبديل، إذن للدولة المدنية؟ إنها دولة الخلافة. عندما تستعاد الخلافة، فإن الأمة ستختار خليفتها بإرادتها، وبمعونة من العدول من أهل الحل والعقد. وفي ظل الخلافة المباركة، سوف يحكم الخليفة وفق شريعة السماء التي لا تتحول ولا تتبدل. أنظر كتاب (السلفيون في مصر ما بعد الثورة: مجموعة باحثين).
يتحدث السلف، ومن لفّ لفّهم، عن الخلافة وكأنها نظام إلهي، وليس نظاماً بشرياً. يتحدثون عن الخلافة كما لو أنها الحل الوافي والدواء الشافي لكل ما أصاب جسد هذه الأمة من أعطاب وأمراض. يتحدثون عن أمراء المؤمنين كما لو أنهم لم يستبدوا، ولم يظلموا، ولم يبطشوا، ولم يقتلوا، ولم يسرقوا، ولم.. ولم.. ولم. من المؤكد أن السلفيين، ومن سار في ركابهم، لم يقرأوا التاريخ كما هو بقضّه وقضيضه. إنهم ينتخبون من التاريخ ما يطيب لهم ويوافق هواهم. يقطفون من التاريخ حكاية من هنا وحكاية من هناك، وواقعة من هنا وواقعة من هناك. ما لا يوافق أهواءهم، ولا يخدم أغراضهم، يهال عليه التراب، ويضرب عليه النسيان.
يقول المستشار محمد العشماوي في كتابه القيم (الخلافة الإسلامية) إنّ هناك تصوّراً خاطئاً، مفاده أن الخلافة أمر لازم لتمام الاعتقاد واكتمال الإيمان. إن الخلافة ليست في أصلها أمراً دينياً، وإنما أمر دنيوي. ولو كانت الخلافة ديناً، لكان القرآن الكريم أو السنّة النبوية قد أكدا عليها وأمرا بها. بتعبير آخر، لم يحدد الله ورسوله للعباد شكل الرئاسة أو رسم الإمامة. لقد تبنى المسلمون بعد وفاة النبي الكريم الخلافة نظاماً لإنهم لم يعرفوا في زمانهم نظاماً بديلاً يقوم مكانها. بإيجاز، الخلافة لم تكن عند نشأتها نظاماً دينياً، ولكنها حولت فيما بعد إلى نظام ديني من أجل تحصين الخليفة وتأثيم كل محاولات الثورة ضده والخروج عليه.
إن الخلافة التي يلح عليها ويحن إليها المتأسلمون ليست جزءاً من الإسلام، وإنما جزء من تاريخ الإسلام، والفرق واضح بينهما. الإسلام هو ما جاء مسطراً في كتاب الله، ومعبراً عنه في سنة نبيه الكريم. أما تاريخ الإسلام – كمثل تاريخ الخلافة- فهو خليط من الخير والشر، ومن الحسن والقبح، ومن العدل والظلم. من يتباكى على زمن الخلافة، حيث توزعت الفتوحات شرقاً وغرباً، وتلاشت الحدود بين الأوطان والأمصار، وازدهرت فيه العلوم والمعارف، نقول له: إقرأ التاريخ بشيء من التعقل والتبصر والتجرد. لقد أدى الصراع من أجل الخلافة إلى تمزيق لحمة المسلمين، وإلى تفشي الحروب والفتن، وإلى استباحة الدماء وهدم العمران، وإلى تفتيت الإسلام إلى فرق وشيع. ألم يكن الصراع على الخلافة سبباً في أحداث الفتنة الكبرى، وحربي الجمل وصفين، وتسميم الحسن ومقتل الحسين، وثورات الخوارج الحروريين، وحروب الأمويين والهاشميين، وحروب العباسيين والطالبيين؟ ألم يكن التنافس بين علي ومعاوية على الخلافة سبباً في ما نحن فيه الآن من تخندق طائفي مقيت؟
أي خلافة تلك التي يتحسر عليها هؤلاء المتأسلمون؟ ألم تكن قصور الخلفاء والأمراء والوزراء مرتعاً للمغاني والمراقص والمقاصف والمشارب؟ من قال إن الخلافة قد حفظت للمسلمين وحدتهم وتماسكهم؟ ألم تنفجر الثورات وتندلع الحروب منذ أيام الأمويين للانعتاق من ربقة الحكم المطلق؟ ألم تتفسخ الدولة العباسية إلى دويلات وإمارات متنافرة ومتناحرة فيما بينها حتى صارت يد خليفة بغداد لا تصل ما هو أبعد من أسوار المدينة؟ ألم يأت يوم كان للمسلمين خلفاء ثلاثة في بغداد، والقاهرة، وقرطبة؟ ولولا ضيق المقام، وقِصَر المقال، لسودنا عشرات الصفحات حول الخلافة، وما جنته الخلافة على الإسلام والمسلمين، ودليلنا على ما نقول ما خلفه لنا المؤرخون المسلمون في بطون كتبهم من عشرات، بل مئات الشواهد والبراهين.
(*)
يقف السلف في مصر من الدولة المدنية موقف الضد؛ فالدولة المدنية تستلزم إحلال الديموقراطية، والديموقراطية تؤدي إلى تأليه هوى الفرد، وتأليه هوى الفرد يقود إلى الكفر والاستعلاء! ماالبديل، إذن للدولة المدنية؟ إنها دولة الخلافة. عندما تستعاد الخلافة، فإن الأمة ستختار خليفتها بإرادتها، وبمعونة من العدول من أهل الحل والعقد. وفي ظل الخلافة المباركة، سوف يحكم الخليفة وفق شريعة السماء التي لا تتحول ولا تتبدل. أنظر كتاب (السلفيون في مصر ما بعد الثورة: مجموعة باحثين).
يتحدث السلف، ومن لفّ لفّهم، عن الخلافة وكأنها نظام إلهي، وليس نظاماً بشرياً. يتحدثون عن الخلافة كما لو أنها الحل الوافي والدواء الشافي لكل ما أصاب جسد هذه الأمة من أعطاب وأمراض. يتحدثون عن أمراء المؤمنين كما لو أنهم لم يستبدوا، ولم يظلموا، ولم يبطشوا، ولم يقتلوا، ولم يسرقوا، ولم.. ولم.. ولم. من المؤكد أن السلفيين، ومن سار في ركابهم، لم يقرأوا التاريخ كما هو بقضّه وقضيضه. إنهم ينتخبون من التاريخ ما يطيب لهم ويوافق هواهم. يقطفون من التاريخ حكاية من هنا وحكاية من هناك، وواقعة من هنا وواقعة من هناك. ما لا يوافق أهواءهم، ولا يخدم أغراضهم، يهال عليه التراب، ويضرب عليه النسيان.
يقول المستشار محمد العشماوي في كتابه القيم (الخلافة الإسلامية) إنّ هناك تصوّراً خاطئاً، مفاده أن الخلافة أمر لازم لتمام الاعتقاد واكتمال الإيمان. إن الخلافة ليست في أصلها أمراً دينياً، وإنما أمر دنيوي. ولو كانت الخلافة ديناً، لكان القرآن الكريم أو السنّة النبوية قد أكدا عليها وأمرا بها. بتعبير آخر، لم يحدد الله ورسوله للعباد شكل الرئاسة أو رسم الإمامة. لقد تبنى المسلمون بعد وفاة النبي الكريم الخلافة نظاماً لإنهم لم يعرفوا في زمانهم نظاماً بديلاً يقوم مكانها. بإيجاز، الخلافة لم تكن عند نشأتها نظاماً دينياً، ولكنها حولت فيما بعد إلى نظام ديني من أجل تحصين الخليفة وتأثيم كل محاولات الثورة ضده والخروج عليه.
إن الخلافة التي يلح عليها ويحن إليها المتأسلمون ليست جزءاً من الإسلام، وإنما جزء من تاريخ الإسلام، والفرق واضح بينهما. الإسلام هو ما جاء مسطراً في كتاب الله، ومعبراً عنه في سنة نبيه الكريم. أما تاريخ الإسلام – كمثل تاريخ الخلافة- فهو خليط من الخير والشر، ومن الحسن والقبح، ومن العدل والظلم. من يتباكى على زمن الخلافة، حيث توزعت الفتوحات شرقاً وغرباً، وتلاشت الحدود بين الأوطان والأمصار، وازدهرت فيه العلوم والمعارف، نقول له: إقرأ التاريخ بشيء من التعقل والتبصر والتجرد. لقد أدى الصراع من أجل الخلافة إلى تمزيق لحمة المسلمين، وإلى تفشي الحروب والفتن، وإلى استباحة الدماء وهدم العمران، وإلى تفتيت الإسلام إلى فرق وشيع. ألم يكن الصراع على الخلافة سبباً في أحداث الفتنة الكبرى، وحربي الجمل وصفين، وتسميم الحسن ومقتل الحسين، وثورات الخوارج الحروريين، وحروب الأمويين والهاشميين، وحروب العباسيين والطالبيين؟ ألم يكن التنافس بين علي ومعاوية على الخلافة سبباً في ما نحن فيه الآن من تخندق طائفي مقيت؟
أي خلافة تلك التي يتحسر عليها هؤلاء المتأسلمون؟ ألم تكن قصور الخلفاء والأمراء والوزراء مرتعاً للمغاني والمراقص والمقاصف والمشارب؟ من قال إن الخلافة قد حفظت للمسلمين وحدتهم وتماسكهم؟ ألم تنفجر الثورات وتندلع الحروب منذ أيام الأمويين للانعتاق من ربقة الحكم المطلق؟ ألم تتفسخ الدولة العباسية إلى دويلات وإمارات متنافرة ومتناحرة فيما بينها حتى صارت يد خليفة بغداد لا تصل ما هو أبعد من أسوار المدينة؟ ألم يأت يوم كان للمسلمين خلفاء ثلاثة في بغداد، والقاهرة، وقرطبة؟ ولولا ضيق المقام، وقِصَر المقال، لسودنا عشرات الصفحات حول الخلافة، وما جنته الخلافة على الإسلام والمسلمين، ودليلنا على ما نقول ما خلفه لنا المؤرخون المسلمون في بطون كتبهم من عشرات، بل مئات الشواهد والبراهين.
صفحة 9
القبور المقدسة
خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته.
(حديث نبوي)
شورى مؤمنة.. أم ديموقراطية كافرة؟!
(**)
كثيراً ما قرأت وسمعت من يقول: «ما لكم تكثرون من الكلام عن ديمقراطية الغرب وعندنا ما يكفينا ويغنينا من ديمقراطية حقة عرفها الأسلاف الأوائل!». وإذا ما قلت لهم هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين، جاؤوك ببضع كلمات تروى عن الشيخين أبي بكر وعمر، وكأن كلمات قليلة تكفي لغسل عهود طويلة من التسلط والطغيان والاستبداد! إنّ من يقول بمثل هذا القول لا يعلم أنه قد سقط في الخطأ مرتين. في الأولى، أنه خلط بين الديمقراطية والشورى، وفي الثانية أنه حسب أن الشورى منتج ديني ملفع بالقداسة والإجلال!
إن المسافة بين الديمقراطية والشورى بعيدة كبعد المشرق من المغرب. فالديمقراطية تنزع السلطة من يد السلطان لتضعها في يد الشعب، والشورى تنزع السلطة من يد الشعب لتضعها في يد السلطان. والديمقراطية تؤمن بتعدد الأحزاب وتقبل بالمعارضة، والشورى تنكر الحزبية وتمنع المعارضة. والديمقراطية تنزل طوعاً أو كرهاً على حكم الأغلبية، والشورى قد تضرب بحكم الأغلبية عرض الحائط. إن في تلك المقارنات السريعة ما يكفي لتبيان أن ما عرفه العرب والمسلمون قديماً كان شورى لا ديمقراطية. أما القول بأن الشورى لم تكن قبل الإسلام شيئاً مذكوراً فهذا قول مبتسر لا يلبث أن يتداعى عند قراءة تاريخ العرب قبل فجر الإسلام. إن الشورى عرف اجتماعي ونظام سياسي توارثته ومارسته قبائل العرب منذ آماد طويلة. على جري العادة، كان شيخ القبيلة لا يقطع في أمر ذي جلل إلا بعد أن يستمزج آراء مجلس قبيلته الذي لا يتسع إلا لعلية القوم من أهل النسب والحسب ورجاحة العقل. وللشيخ أن يأخذ بأرائهم أو أن يطرحها جانباً. أما القيل، وهم بقية أفراد القبيلة وأرذالها، فلا يؤخذ بقولهم ولا ينظر إليهم.
ولما جاء الإسلام، ورث عن عرب الجزيرة نظام الشورى كما ورث عنهم من قبل كثيراً من النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتعبدية. وكما كان لشيخ القبيلة الحق في الأخذ بالمشورة أو ردها، سار أهل الزعامة في الإسلام على هذا المبدأ دون تبديل أو تعديل. فعندما آلت الخلافة لأبي بكر الصديق، كانت الردة قد ذرت قرنها وأوشكت القبائل أن تنقض على المدينة من كل صوب. وبدلاً من أن يدخر أبو بكر جيش أسامة بن زيد لإطفاء نار الردة، نراه يصر على إنفاذ بعث أسامة والذي كان الرسول الكريم جهزه لحرب الروم قبل أن يلحق بالرفيق الأعلى. ورغم إلحاحات الصحابة الكرام على أبي بكر بأن يرمي أهل الردة بجيش أسامة، إلا أنه قال لهم: «والذي نفسي بيده لو ظننت أن السباع تأكلني بالمدينة لأنفذت هذا البعث». وفي زمن الخليفة عمر بن الخطاب، أشار عليه أصحابه أن يخرج على رأس الجيش لقتال الفرس ما خلا عبد الرحمن بن عوف الذي رأى بقاء الخليفة بموضعه لأن قتله يعني انكسار المسلمين. وبالرغم من إجماع الصحابة، فإن عمر استطيب رأي ابن عوف وعدل عن المسير.
إن في هذين المثالين، وغيرهما مما تزدحم به صفحات التاريخ، لدليل ساطع على أن الحاكم له مطلق الحرية في الأخذ برأي الأكثرية أو الأقلية أو الاستبداد برأيه. لقد شغل فقهاء الإسلام على كر العصور بالمساجلة حول ما إذا كانت الشورى ملزمة أم معلمة، لكن لا أحد منهم قد شغل نفسه بالسؤال عن أولئك المهمشين من العوام أو الهمل كما يجري توصيفهم! ما من أحد يلوم هؤلاء الفقهاء، مادام أن العوام من الناس لا ينظر إليهم أصلاً إلا كقطيع من الأغنام يساق بالعصا.
إن ما يفرق الديمقراطية عن الشورى أن الأولى تمنح الناس لساناً وأذنين وعينين فيما تمنع الأخيرة الناس من هذا. إن الشورى بميوعتها وضبابيتها هي ما أعانت على تجذير الطغيان والتسلط عربياً. لقد آن الأوان للعرب لاستنبات الديمقراطية لأجل صد الاستبداد حتى ولو كان في هذا تقليداً لأهل الجحيم! ولكن، الخوف كل الخوف أن يجعل العرب من الديمقراطية مطية يركبها طغاة من لون آخر. ولنا في مآلات الربيع العربي خير مثال!
خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته.
(حديث نبوي)
شورى مؤمنة.. أم ديموقراطية كافرة؟!
(**)
كثيراً ما قرأت وسمعت من يقول: «ما لكم تكثرون من الكلام عن ديمقراطية الغرب وعندنا ما يكفينا ويغنينا من ديمقراطية حقة عرفها الأسلاف الأوائل!». وإذا ما قلت لهم هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين، جاؤوك ببضع كلمات تروى عن الشيخين أبي بكر وعمر، وكأن كلمات قليلة تكفي لغسل عهود طويلة من التسلط والطغيان والاستبداد! إنّ من يقول بمثل هذا القول لا يعلم أنه قد سقط في الخطأ مرتين. في الأولى، أنه خلط بين الديمقراطية والشورى، وفي الثانية أنه حسب أن الشورى منتج ديني ملفع بالقداسة والإجلال!
إن المسافة بين الديمقراطية والشورى بعيدة كبعد المشرق من المغرب. فالديمقراطية تنزع السلطة من يد السلطان لتضعها في يد الشعب، والشورى تنزع السلطة من يد الشعب لتضعها في يد السلطان. والديمقراطية تؤمن بتعدد الأحزاب وتقبل بالمعارضة، والشورى تنكر الحزبية وتمنع المعارضة. والديمقراطية تنزل طوعاً أو كرهاً على حكم الأغلبية، والشورى قد تضرب بحكم الأغلبية عرض الحائط. إن في تلك المقارنات السريعة ما يكفي لتبيان أن ما عرفه العرب والمسلمون قديماً كان شورى لا ديمقراطية. أما القول بأن الشورى لم تكن قبل الإسلام شيئاً مذكوراً فهذا قول مبتسر لا يلبث أن يتداعى عند قراءة تاريخ العرب قبل فجر الإسلام. إن الشورى عرف اجتماعي ونظام سياسي توارثته ومارسته قبائل العرب منذ آماد طويلة. على جري العادة، كان شيخ القبيلة لا يقطع في أمر ذي جلل إلا بعد أن يستمزج آراء مجلس قبيلته الذي لا يتسع إلا لعلية القوم من أهل النسب والحسب ورجاحة العقل. وللشيخ أن يأخذ بأرائهم أو أن يطرحها جانباً. أما القيل، وهم بقية أفراد القبيلة وأرذالها، فلا يؤخذ بقولهم ولا ينظر إليهم.
ولما جاء الإسلام، ورث عن عرب الجزيرة نظام الشورى كما ورث عنهم من قبل كثيراً من النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتعبدية. وكما كان لشيخ القبيلة الحق في الأخذ بالمشورة أو ردها، سار أهل الزعامة في الإسلام على هذا المبدأ دون تبديل أو تعديل. فعندما آلت الخلافة لأبي بكر الصديق، كانت الردة قد ذرت قرنها وأوشكت القبائل أن تنقض على المدينة من كل صوب. وبدلاً من أن يدخر أبو بكر جيش أسامة بن زيد لإطفاء نار الردة، نراه يصر على إنفاذ بعث أسامة والذي كان الرسول الكريم جهزه لحرب الروم قبل أن يلحق بالرفيق الأعلى. ورغم إلحاحات الصحابة الكرام على أبي بكر بأن يرمي أهل الردة بجيش أسامة، إلا أنه قال لهم: «والذي نفسي بيده لو ظننت أن السباع تأكلني بالمدينة لأنفذت هذا البعث». وفي زمن الخليفة عمر بن الخطاب، أشار عليه أصحابه أن يخرج على رأس الجيش لقتال الفرس ما خلا عبد الرحمن بن عوف الذي رأى بقاء الخليفة بموضعه لأن قتله يعني انكسار المسلمين. وبالرغم من إجماع الصحابة، فإن عمر استطيب رأي ابن عوف وعدل عن المسير.
إن في هذين المثالين، وغيرهما مما تزدحم به صفحات التاريخ، لدليل ساطع على أن الحاكم له مطلق الحرية في الأخذ برأي الأكثرية أو الأقلية أو الاستبداد برأيه. لقد شغل فقهاء الإسلام على كر العصور بالمساجلة حول ما إذا كانت الشورى ملزمة أم معلمة، لكن لا أحد منهم قد شغل نفسه بالسؤال عن أولئك المهمشين من العوام أو الهمل كما يجري توصيفهم! ما من أحد يلوم هؤلاء الفقهاء، مادام أن العوام من الناس لا ينظر إليهم أصلاً إلا كقطيع من الأغنام يساق بالعصا.
إن ما يفرق الديمقراطية عن الشورى أن الأولى تمنح الناس لساناً وأذنين وعينين فيما تمنع الأخيرة الناس من هذا. إن الشورى بميوعتها وضبابيتها هي ما أعانت على تجذير الطغيان والتسلط عربياً. لقد آن الأوان للعرب لاستنبات الديمقراطية لأجل صد الاستبداد حتى ولو كان في هذا تقليداً لأهل الجحيم! ولكن، الخوف كل الخوف أن يجعل العرب من الديمقراطية مطية يركبها طغاة من لون آخر. ولنا في مآلات الربيع العربي خير مثال!
صفحة 10
عمر
بالرغم من إرجافات المرجفين، وتحريمات المحرمين، فقد حظي مسلسل «عمر» بنسب مشاهدة فائقة طوال رمضان. وها قد أثبت المتشددون، المرة تلو المرة، أنهم أحسن وأرخص مروج دعائي لكل عمل فني وأدبي يعكر صفوهم وينغص منامهم. ولو أنهم صانوا ألسنتهم، وأطفأوا نيرانهم، لما سمع بالمسلسل القاصي قبل الداني.
مع انطلاقة شرارة «عمر»، كتب الأستاذ «يوسف أبا الخيل» في جريدة الرياض مقالاً بعنوان (مسلسل الفاروق: 21 يوليو، 2012) متسائلاً عما إذا كان العمل التاريخي سيبعث من الرقاد بعضاً من النماذج العمرية المضيئة، وخصوصاً فيما يتعلق بـ: التسامح الديني، الموائمة بين النصوص الدينية ومصالح العصر، والمساواة بين الناس. ظننت للوهلة الأولى أن كاتب العمل سيضرب صفحاً عن تلك الصفحات المكتوبة بماء الذهب، ولكنه خيّب ظنوني، ولله الحمد والمنة.
لقد أخرج لنا المسلسل من تحت أنقاض الأحقاد تلك الوثيقة المعروفة بـ«العهدة العمرية» لعلنا نرى بين سطورها وجه الإسلام المشرق الذي أطفأه المتعصبون. تقول الوثيقة التي كتبها الخليفة عمر لأهالي إيليا (القدس): «هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيليا من الأمان، أعطاهم أماناً لأنفسهم ولأموالهم ولكنائسهم ولصلبانهم، سقيمها وبريئها وسائر ملتها، أنه لا تسكن كنائسهم، ولا تهدم ولا ينتقص منها، ولا من حيزها ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم...». ماذا سيقال اليوم لو خرج من بيننا رجل ليخط كتاباً كمثل كتاب عمر بلغته المتسامحة والمتعالية على الضغائن الدينية والسخائم العنصرية؟ أترك الإجابة لك...!
كما كشف لنا المسلسل عن ملامح شخصية إبداعية تمتلك القدرة على قراءة تضاريس الواقع، واستشراف آفاق المستقبل، من خلال التمرد على متاريس النص والاحتكام إلى الحيثيات العقلانية. لقد شاهدنا معاً كم كان عمر جريئاً وهو يعطل حد السرقة الإلهي في عام الرمادة بعد أن جف الضرع وهلك الزرع. وبالرغم من وجود آية قرآنية تنص على دفع الزكاة إلى ما يعرف بالمؤلفة قلوبهم، إلا أن عمر منع دفعها إليهم بعد أن اشتد عود الإسلام وقوي صلبه. وعمر كذلك هو من أوقف توزيع أرض السواد بالعراق على الفاتحين، رغم صراحة النص القرآني، توخياً للعدالة الاجتماعية ومتطلبات الأجيال اللاحقة. ومرة أخرى، ماذا سيقال لو خرج من ظهرانينا رجل أراد أن يفكر ويجتهد كما فكّر واجتهد عمر بالأمس؟ ألن يرمى بالكفر والخروج عن الدين؟!
أما فيما يتصل بالمساواة بين الناس، فقد كان عمر مضرب الأمثال في العدل والمساواة. فمن منا لم يهزه مشهد القبطي الذي اقتص له الخليفة من ابن والي مصر عمرو بن العاص الذي اعتلاه بالسياط ظلماً؟ كما أظهر لنا المسلسل مدى حرص عمر الشديد على ألا ينعزل ولاته، مهما عظم قدرهم وعلا شأنهم، عن الرعية بالسكنى في الدور العلية.
إضافة إلى ما سبق، فقد أحسن القائمون على العمل صنعاً بتجريدهم لشخصية عمر مما علق بها من عناصر أسطورية جراء تباعد الأزمان وانحسار البطولات. فمن أمثلة ما يروى عن عمر من خوارق أن المصريين قد هموا بالجلاء عن أراضيهم بعد أن أخلف النيل موعد فيضانه، فبعث الخليفة إلى واليه ابن العاص بكتاب يقول فيه: «من عبدالله أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر – أما بعد فإن كنت تجري من قبلك فلا تجر وإن كان الواحد القهار يجريك فنسأل الواحد القهار أن يجريك»، فألقى عمرو بالكتاب في جوف النيل. فلما كان من الغد، فاض النيل بمياهه، فأخصبت البلاد، وصلحت أحوال العباد!
ختاماً، مضى مسلسل عمر بعد أن نقش في ذاكرتنا صوراً معطرة بالحب والتبجيل والإعجاب لعمر. إني حقاً لأجد عمر متلفزاً أكثر جمالاً وإشراقاً مما هو عليه مسطراً في الكتب. ألا يقال إنّ الصورة أبلغ من الكلام؟ ولكن أكثر الناس لا يعقلون!
بالرغم من إرجافات المرجفين، وتحريمات المحرمين، فقد حظي مسلسل «عمر» بنسب مشاهدة فائقة طوال رمضان. وها قد أثبت المتشددون، المرة تلو المرة، أنهم أحسن وأرخص مروج دعائي لكل عمل فني وأدبي يعكر صفوهم وينغص منامهم. ولو أنهم صانوا ألسنتهم، وأطفأوا نيرانهم، لما سمع بالمسلسل القاصي قبل الداني.
مع انطلاقة شرارة «عمر»، كتب الأستاذ «يوسف أبا الخيل» في جريدة الرياض مقالاً بعنوان (مسلسل الفاروق: 21 يوليو، 2012) متسائلاً عما إذا كان العمل التاريخي سيبعث من الرقاد بعضاً من النماذج العمرية المضيئة، وخصوصاً فيما يتعلق بـ: التسامح الديني، الموائمة بين النصوص الدينية ومصالح العصر، والمساواة بين الناس. ظننت للوهلة الأولى أن كاتب العمل سيضرب صفحاً عن تلك الصفحات المكتوبة بماء الذهب، ولكنه خيّب ظنوني، ولله الحمد والمنة.
لقد أخرج لنا المسلسل من تحت أنقاض الأحقاد تلك الوثيقة المعروفة بـ«العهدة العمرية» لعلنا نرى بين سطورها وجه الإسلام المشرق الذي أطفأه المتعصبون. تقول الوثيقة التي كتبها الخليفة عمر لأهالي إيليا (القدس): «هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيليا من الأمان، أعطاهم أماناً لأنفسهم ولأموالهم ولكنائسهم ولصلبانهم، سقيمها وبريئها وسائر ملتها، أنه لا تسكن كنائسهم، ولا تهدم ولا ينتقص منها، ولا من حيزها ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم...». ماذا سيقال اليوم لو خرج من بيننا رجل ليخط كتاباً كمثل كتاب عمر بلغته المتسامحة والمتعالية على الضغائن الدينية والسخائم العنصرية؟ أترك الإجابة لك...!
كما كشف لنا المسلسل عن ملامح شخصية إبداعية تمتلك القدرة على قراءة تضاريس الواقع، واستشراف آفاق المستقبل، من خلال التمرد على متاريس النص والاحتكام إلى الحيثيات العقلانية. لقد شاهدنا معاً كم كان عمر جريئاً وهو يعطل حد السرقة الإلهي في عام الرمادة بعد أن جف الضرع وهلك الزرع. وبالرغم من وجود آية قرآنية تنص على دفع الزكاة إلى ما يعرف بالمؤلفة قلوبهم، إلا أن عمر منع دفعها إليهم بعد أن اشتد عود الإسلام وقوي صلبه. وعمر كذلك هو من أوقف توزيع أرض السواد بالعراق على الفاتحين، رغم صراحة النص القرآني، توخياً للعدالة الاجتماعية ومتطلبات الأجيال اللاحقة. ومرة أخرى، ماذا سيقال لو خرج من ظهرانينا رجل أراد أن يفكر ويجتهد كما فكّر واجتهد عمر بالأمس؟ ألن يرمى بالكفر والخروج عن الدين؟!
أما فيما يتصل بالمساواة بين الناس، فقد كان عمر مضرب الأمثال في العدل والمساواة. فمن منا لم يهزه مشهد القبطي الذي اقتص له الخليفة من ابن والي مصر عمرو بن العاص الذي اعتلاه بالسياط ظلماً؟ كما أظهر لنا المسلسل مدى حرص عمر الشديد على ألا ينعزل ولاته، مهما عظم قدرهم وعلا شأنهم، عن الرعية بالسكنى في الدور العلية.
إضافة إلى ما سبق، فقد أحسن القائمون على العمل صنعاً بتجريدهم لشخصية عمر مما علق بها من عناصر أسطورية جراء تباعد الأزمان وانحسار البطولات. فمن أمثلة ما يروى عن عمر من خوارق أن المصريين قد هموا بالجلاء عن أراضيهم بعد أن أخلف النيل موعد فيضانه، فبعث الخليفة إلى واليه ابن العاص بكتاب يقول فيه: «من عبدالله أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر – أما بعد فإن كنت تجري من قبلك فلا تجر وإن كان الواحد القهار يجريك فنسأل الواحد القهار أن يجريك»، فألقى عمرو بالكتاب في جوف النيل. فلما كان من الغد، فاض النيل بمياهه، فأخصبت البلاد، وصلحت أحوال العباد!
ختاماً، مضى مسلسل عمر بعد أن نقش في ذاكرتنا صوراً معطرة بالحب والتبجيل والإعجاب لعمر. إني حقاً لأجد عمر متلفزاً أكثر جمالاً وإشراقاً مما هو عليه مسطراً في الكتب. ألا يقال إنّ الصورة أبلغ من الكلام؟ ولكن أكثر الناس لا يعقلون!