eKtab
EN ع
الفكر النقدي وأسئلة الواقع
اقرأ عينة مجانية

الفكر النقدي وأسئلة الواقع

بقلم باقر جاسم محمد

صفحة 1

الفدرالية وأزمة الحكم في العراق

1. مقدمة

تعود بدايات الفكر السياسي في صيغته الناضجة إلى أفلاطون (ولد في العام 428 وتوفي في العام 347 ق. م.)، وذلك حين قدم في كتابه «الجمهورية» أولى التأملات الفكرية حول ما يجب أن تكون عليه الدولة. وقد شهدت البشرية منذ ذلك الحين كثيراً من الجهود في مجال تطوير النظرية السياسية وتطوير العقد السياسي والاجتماعي بما يؤمن أفضل علاقة ممكنة بين من يشغلون مركز السلطة من جهة ومكونات المجتمع من الناس كافة من جهة أخرى. ولعل المجال لا يتسع هنا لعرض شتى صور الفكر السياسي ومناقشتها لأن ذلك قد يتطلب مكتبةً كاملة. على إنه لا بد لنا من أن نعرض بشكل سريع لطبيعة التنظيم السياسي للدولة الحديثة ولبنيته القانونية، فنقول: تتشكل بنية التنظيم السياسي في أية دولة من دول العالم المعاصر على وفق أصول وعقائد مختلفة، وتتخذ صورا ً متباينة. ولذلك يمكن تقسيم الدول من حيث بنية النظام إلى نظام حكم ملكي ونظام حكم جمهوري. ومن حيث صورة أو أسلوب ممارسة الحكم إلى أنظمة دكتاتورية وأنظمة ديمقراطية. وهذه قد تكون ملكية أو جمهورية. وهناك أنواع متعددة للديمقراطية (ديمقراطية مباشرة، وديمقراطية شبه مباشرة، وديمقراطية نيابية، وديمقراطية توافقية)، ومن حيث تنظيم العلاقة بين السلطات الثلاث إلى النظم القائمة على الفصل والتوازن بين السلطات الثلاث وتلك التي تقوم على تداخلها. والحقيقة أن تداخل السلطات الثلاث يعني، بالنتيجة، تغليب السلطة التنفيذية على السلطتين التشريعية والقضائية للنظام. وهناك تقسيم آخر بين النظام الرئاسي والنظام البرلماني. وكذلك يمكن تقسيم النظم السياسية في الدول على وفق طبيعة العلاقة بين مركز الحكم والأجزاء أو الأقاليم إلى دول مركزية ولا مركزية وفدرالية وكونفدرالية. وبالنسبة للتقسيم على وفق العلاقة بين مركز الحكم والأجزاء والمكونات، نلاحظ بأن لكل نوع منها مزايا ومثالب.

ويمثل الدستور الوثيقة القانونية الأهم في التنظيم القانوني للدولة. فكل دولة حديثة تحتاج لدستور يحدد طبيعة هذه الدولة وشكل نظام الحكم فيها، كما يحدد علمها وعاصمتها ولغتها أو لغاتها والأسس الفكرية والسياسية لنظام الحكم فيها. والمسألة الثانية التي ينظمها الدستور هي السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية من حيث تشكيلاتها واختصاصاتها، وطبيعة العلاقة الدستورية فيما بينها، ويُنظم الدستور الحقوق والواجبات والحريات السياسية والمدنية بين الحاكم والمحكوم سواء على صعيد الفرد أو على صعيد مؤسسات المجتمع المدني. كما لا تصدر القوانين إلا إذا كانت موافقة للدستور بوصفه الشرعة القانونية العظمى التي يتم الاحتكام إليها في كل الأمور القانونية والتنظيمية للدولة. وهنا، نورد تعريفاً خاصاً بالدستور في الدولة الاتحادية ينصٌّ على أن الدستور الاتحادي «اتفاقية سياسية تقرٌّ صراحة بوجود المصالح المتضاربة بين الجماعات المشكلة للبلاد وتسمح لها بأن تبحث عما يناسبها مما يؤمن لها الفاعلية السياسية المريحة، وبدون تجاوز أصوات الأقليات وكذلك بدون استخدام القوة.» ونظراً لأن مثل هذه الاتفاقية السياسية لم تكتسب صورتها النهائية بعد في بلادنا رغم وجود الدستور الحالي الذي ينص على أن الحكم في العراق ديمقراطي إتحادي، فقد كانت هذه الورقة جهداً في البحث في صلب هذه القضية.

2. الفدرالية: أهي حل أم مشكلة؟

بعد احتلال العراق في 9/4/2003، ونظراً لانهيار نظام الحكم الذي كان قائماً وما أعقب ذلك من تفكك الدولة، كان لابد من البحث عن صيغة جديدة للحكم. وقد برز مفهوم الفدرالية (أو الحكم الاتحادي) في دائرة النقاش والجدل السياسي حين طرح بوصفه صيغة مقترحة للحكم في عراق المستقبل وبديلاً للحكم المركزي الذي ساد البلاد طويلاً. وذلك حين تبنته ما كانت تسمى بالمعارضة العراقية التي آلت إليها مقاليد الحكم. ولكن الأمر لم يخل من مشكلات أساسية واعتراضات جوهرية مهمة. فقد أثار بعض الباحثين والسياسيين كثيراً من اللغط حول المفهوم السياسي للفدرالية وطبيعة نظـام الحكم المستند إليه، وكذلك حول محاولة تطبيقه في العراق فقالوا:

1. أن الفدرالية تشكل نقيضاً للوحدة الوطنية العراقية لأنها ستقوم على أسس طائفية أو عرقية.

2. وأن الشعب العراقي غير مهيأ لخوض مثل هذه التجربة في الحكم.

3. وأن الظروف الدولية والإقليمية غير مناسبة لتطبيق النظام الفدرالي لأنه سيكون توطئة لتكوين كيانات ضعيفة تكتسب قوتها من بعض القوى الإقليمية أو الدولية المؤثرة في مواجهة الحكومة المركزية من جهة وحكومات بقية الأقاليم من جهة أخرى.

4. ولذلك كله، فإن تطبيق الفدرالية يمثل مقدمة عملية لتقسيم العراق.

ولعل هذه النقاط الأربع هي الأبرز مما يمكن استخلاصه من بين ما يردده الرافضون أو المتخوفون من تجربة الحكم الفدرالي أو الاتحادي. فهل هناك من أساس موضوعي لمثل هذه الاعتراضات أو المخاوف؟

قبل الإجابة على هذا السؤال لا بد لنا أن نبدأ بتعريف للفدرالية أو نظام الحكم الاتحادي فنقول: إن الفدرالية نظام للحكم يقوم على الاتحاد الطوعي والاختيار الحر بين الكيانات السياسية المكونة لشعب أو عدد من الشعوب فيكون هناك برلمان وحكومة مركزيان يسميان بالبرلمان الفدرالي والحكومة الفدرالية. ولهذه الحكومة سلطة على كامل البلاد في أمور محددة في الدستور، وحكومات محلية أو إقليمية لكل واحد من هذه الكيانات المرتبطة برقعة جغرافية معينة محلية بصلاحيات تنفيذية وإدارية واسعة وتساعد هذه الحكومة مجالس برلمانية محلية بصلاحيات تشريعية واضحة ومحددة في الدستور. ويحدد الدستور الاتحادي ويضمن حدود وطبيعة سلطات الحكومات والبرلمانات المحلية وحدود ومديات سلطات الحكومة الاتحادية والمجلس النيابي الاتحادي؛ كما ينظم العلاقة بين السلطات الاتحادية والإقليمية بشكل دقيق، وبما يمنع التضارب بين صلاحيات وسلطات المركز وصلاحيات وسلطات الأقاليم من النواحي التشريعية والتنفيذية والقضائية. ويعرف جوليان شوفيلد الفدرالية قائلاً: «إنها تقسيم دستوري للسلطة بين حكومة عامة واحدة لها السلطة على كامل أراضي البلاد، وعدد من الحكومات المحلية الممثلة للأقاليم المكونة للبلاد. وكل حكومة محلية تتمتع بقدر كبير من الاستقلال في ما يخص الإقليم الذي تحكمه.» ثم بورد تعريفاً مختصراً للفدرالية قائلاً بأنها «اتحاد غير قابل للتخريب لوحدات أو مكونات غير قابلة للتخريب.» وهذا يعني أن الكيان الاتحادي سيكون صلباً وغير قابل للتخريب لأنه مكون من وحدات، أو أقاليم، سليمة وصلبة لكونها غير قابلة للتخريب أيضاً. فهل أن وضع الكيانات التي يراد لها أن تكون الأقاليم الفدرالية غير قابلة للتخريب؟ ذلك ما سنحاول الكشف عنه لاحقاً.

ومن أهم مستلزمات نظام الحكم الاتحادي وجود محكمة دستورية اتحادية عليا تقوم بمراقبة أداء السلطات الاتحادية وسلطات الأقاليم وتفصل في الخلافات التي قد تنشأ نتيجة لتجاوز أي من الأطراف المذكورة أعلاه للصلاحيات والسلطات المنصوص عليها دستورياً. وتكون قرارات هذه المحكمة قطعية ولا سبيل للطعن بها. وتسهم مثل هذه المحكمة في تعزيز النظام السياسي وصيانة الدستور من الخرق كما تعزز من هيبة واستقلال السلطة القضائية. وتمثل أنظمة الحكم في ألمانيا والسويد والمملكة المتحدة وسويسرا والهند، على سبيل المثال لا الحصر، نماذج وصوراً مختلفة لنظام الحكم الاتحادي. وهي أنظمة حكم فدرالية وديمقراطية في آن واحد. أما الإمارات العربية المتحدة فهي تمثل تجربة خاصة من حيث كونها دولة فدرالية اتحادية دون أن تكون دولة ديمقراطية، ودون أن يكون ممكناً وصفها بالدكتاتورية. وقد يجوز لنا أن نصفها بأنها تجربة في الحكم الفدرالي تتطور نحو الديمقراطية خصوصاً وقد ذكرت الأخبار مؤخراً أن الانتخابات النيابية ستجري في الدولة قريباً. وهذا يعني أن الفدرالية نظام حكم متطور أخذت به أمم كثيرة وأنها كانت على الدوام مقترنة بالديمقراطية باستثناء حالة الإمارات وحالات التطبيق المزيف للفدرالية كما في حالة الاتحاد السوفيتي السابق مثلاً. فإذا كـان نظام الحكم المركزي يقترن في كثير من التجارب السياسية، وخاصة في عالمنا العربي، بالدكتاتورية فأن التجربة البشرية أظهرت أن الدكتاتورية لم تجد لها أرضا خصبة قط في البلاد التي تأخذ بنظام الحكم الاتحادي الحقيقي لا المزيف. وهذا ما يجعلنا نستنتج بأن الفدرالية إحدى الضمانات الأساسية لنظام الحكم الديمقراطي. ولكن إذا كانت الفدرالية هي الضمانة لعدم عودة الدكتاتورية للحكم في المركز فإن ذلك يدعونا إلى التأمل ملياً في الإجراءات الدستورية والتنظيمية لهيكل الدولة الاتحادية بما يمنع الممارسة الاستبدادية للسلطة على مستوى أي من أقاليم الدولة الاتحادية وبما يجعل من الفدرالية ضامنة أيضاً لعدم تكون سلطات محلية في الأقاليم ذات طابع دكتاتوري. ولعل هذا الأمر، على أهميته، لم يحض بالاهتمام الكافي في النقاشات التي تدور حول الفدرالية. ومن المهم أيضاً أن نشير إلى أن تعديل صيغة الحكم الاتحادي دستورياً ينبغي أن يتسم بالتوازن فلا يكون غاية في الصعوبة ولا غاية في السهولة مثل اشتراط حصول موافقة ثلثي الهيئة التشريعية الوطنية المحلية وثلاثة أرباع الهيئة الهيئة التشريعية على مستوى الدولة.

وينبغي لنا أن نؤكد أن اختيار نوع نظام الحكم المنشود في العراق حق أساسي من حقوق الشعب العراقي جميعه، وطبقاً لإرادته الحرة ودون تأثير أو ضغوط من أية جهة. لأن إنشاء عقد سياسي جديد بعد انهيار الدولة العراقية هو من صلب مسؤولية العراقيين كافة وهو حق من حقوقهم. ولهم أن يستفيدوا في هذا الشأن من تجربتهم مع نظام الحكم المركزي لمدة ثمانين عاماً. ولعل الجميع يتفق على أن الجوانب السلبية من تجربة الحكم المركزي في العراق لم تكن بالضرورة نتيجة الحكم المركزي بقدر ما هي نتيجة لافتقار ذلك الحكم إلى الديمقراطية خصوصاً بعد 14 تموز 1958. فليس كل نظام حكم مركزي يؤدي بالضرورة إلى الدكتاتورية. وعلى أية حال، فإن ممارسة هذا الحق لا تنفصل عن حقيقة مهمة وجوهرية إلا وهي أن اختيار طبيعة نظام الحكم الفدرالي مسألة ترتبط بجملة من المخاوف والهواجس التي قد تراود هذه الجهة أو تلك. ويمكن أن نجمل هذه المخاوف والهواجس في مضمون الأسئلة الآتية: هل هناك حاجة فعلية لتبني النظام الفدرالي في إنشاء نظام الحكم الجديد؟ وهل الفدرالية آلية مناسبة لحـل مشكلات الحكم، أم أنها قضية مثيرة للخلاف والجدل والصراع الفكري والسياسي الذي قد يؤدي إلى تقسيم البلاد في حال تم فرضه دونما مراعاة للظروف الخاصة التي يمر بها العراق حالياً؟ وهل تعبر الفدرالية عن قناعة لدى كل القوى السياسية الأساسية الفاعلة؟ وهل الظروف الإقليمية مناسبة للشروع بتطبيق هذا النظام؟

وفي حال كون اختيار نوعيه العقد الاجتماعي المعبر عنه بطبيعة الحكم المنشود في العراق لم ينته بعد لأن عملية تعديل الدستور لم تنجز، فإن مسألة خيار تطبيق الفدرالية لا يخص حزباً سياسياً بعينه أو مجموعة أحزاب دون إسهام الآخرين في القبول أو الرفض، دونما قسر أو تخويف، بالأخذ بالنظام الفدرالي. ومما يزيد الأمور تعقيداً، هو أن بعض الجهات التي تعارض الفدرالية وتقف منها موقفاً سلبياً توافق على تطبيقها في أقليم كردستان دون بقية أجزاء العراق زعماً منها بأن الوضع في كردستان له خصوصيته. وهنا نواجه بمشكلة أساسية، إلا وهي أن الحقوق السياسية التي تمنح لجزء من البلاد لا ينبغي أن تحجب عن بقية أجزاء البلاد إلا بالموافقة الحرة لمواطني تلك الأجزاء.

صفحة 2

3. الفدرالية: مزايا ومزالق

يقرر بعض الباحثين في القانون الدستوري بأن من شأن تطبيق الفدرالية تطبيقاً سليماً إن يؤدي إلى تحقيق فوائد مهمة، منها:

1. أن الفدرالية تحمي البلاد ضد الضغوط الخارجية؛ فالنظام الفدرالي، في جوهره، دفاع ضد التقسيم والغزو الخارجي وليس موجهاً ضد الداخل.

2. أنها تركز الموارد والجهود البشرية والعسكرية والدبلوماسية والاقتصادية والعلمية في قطب عام وموحد يكرس لخدمة المصالح العامة لكل البلاد.

3. أنها توفر سوقاً اقتصادية أوسع وتكاملاً أكبر للكيانات المكونة للدولة الاتحادية.

4. أنها يمكن أن تكون وسيلة لحماية الوحدة الوطنية بما توفره من ممارسة للحرية السياسية ومن مرونة اقتصادية وإدارية.

وينبغي أن نقول، هنا، بأنه لكي تتحقق الفدرالية ينبغي أن تكون هناك قيم سياسية عامة مشتركة ومتفق عليها بين الأغلبية العظمى من أبناء الشعب. فالفدرالية ليست شراً مطلقاً ولا خيراً مطلقاً. وإنما هي نظام حكم قد ينجح في التطبيق أو قد يفشل اعتماداً على توفر جملة من الشروط الذاتية والموضوعية، وعلى توفر العناصر الممهدة التي تجعل الأخذ بنظام الحكم الفدرالي إجراءً علاجياً ناجعاً لأزمة نظام الحكم أو لتقرير نوع نظام الحكم. ويمكن إجمال هذه الشروط في الآتي:

1. أن يكون تبني النظام الفدرالي تعبيراً عن إرادة عامة للشعب العراقي، وأن تكون هذه الإرادة صادرة عن وعي سياسي وقناعة فكرية بأهمية نظام الحكم الفدرالي وأفضليته بالقياس مع الحكم المركزي. وليس انطلاقاً من حاجات مرحلية أو قناعات ظرفية لهذا الطرف السياسي أو ذاك. فهذه الحاجات قد تتغير في فترة لاحقة إلى النقيض من الإيمان بضرورة العيش المشترك في ظل الدولة الاتحادية، وهو ما سيؤدي إلى نقض الميثاق الدستوري الذي بنيت على أساسه الفدرالية. ونقترح بصدد ذلك أن يتضمن الدستور مادة أو مواد صريحة ضد أية خطوات تؤدي إلى تفتيت كيان البلاد أو تهدد وحدتها بالصميم، كأن ينص الدستور، بما هو تعبير عن إرادة حرة لجميع الفرقاء المنضوين تحت عنوان ممثلي البلاد، على تحريم الانسحاب من الدولة الاتحادية لأي سبب كان. وهذا ما سكت عنه الدستور العراقي الحالي.

2. أن لا تكون هناك محاذير منطقية ومسوغة، واستناداً إلى الظواهر الجزئية المنبئة بما سيكون، التي تحدث حالياً في البلاد، من أن تطبيق النظام الفدرالي سيؤدي لا محالة إلى تكوين حكومة أو كيان سياسي ضعيف في المركز مؤلف من كيانات سياسية ضعيفة أيضاً، والضعف يولد المخاوف والهواجس كما هو معلوم. وهو الأمر الذي سيؤدي بالنتيجة إلى البحث عن دعم جهات ساندة من خارج البلاد. ولذلك لا بد من تعزيز دور المركز دستورياً وتحريم أية علاقات للأقاليم مع أي طرف خارجي يمكن أن تؤدي إلى تعويق التفاعل الإيجابي الداخلي بين السلطة الاتحادية وسلطات الأقاليم نتيجة للتدخل في الشؤون الداخلية للبلاد. فكما أنه لا رأي لنا ولا تدخل في شكل السلطة السياسية أو مسألة العلاقة بين السلطة المركزية والجهات التي تعارضها في البلدان المجاورة، كذلك لا رأي لأية دولة من دول الجوار ولا تدخل لها في شؤوننا الداخلية.

3. من المعلوم أن تشكيل الدولة الاتحادية من أقاليم أو ولايات ينبغي أن يستند إلى حدود داخلية واضحة لهذه الأقاليم. ويجب أن لا تكون هذه الحدود موضع خلاف أو تجاذب من أي نوع كان؛ وإلا فإن تطبيق الفدرالية دون حسم مسألة حدود الأقاليم سيؤدي إلى بداية فعلية للحرب الأهلية، وكما صرح بذلك أحد أقطاب السياسة العراقيين مؤخراً. فالفدرالية يجب أن تكون نهاية حقيقية لكل أشكال النزاع الداخلي وتعزيزاً للسلم الأهلي والاستقرار الدائم في البلاد وليست فترة استراحة وتجميع للقوة قبل الشروع بالحرب.

4. أن تكون طبيعة العلاقة بين السلطات الاتحادية وسلطات الأقاليم أو الولايات واضحة لا تحتمل اللبس أو الغموض مع التوكيد على مبدأ دستوري صريح هو أن سلطة الأقاليم هي دون سلطة المركز الاتحادي. وفي حال حدوث تعارض بين الصلاحيات الدستورية للسلطتين فإن الأرجحية في التطبيق تكون لصالح السلطة الاتحادية. ونلاحظ هنا بأن الدستور الدائم قد نصَّ في أحد مواده على أرجحية السلطة المحلية الإقليمية في حال حدوث مثل هذا التضارب. وهذا يعني أن العراق دولة كونفدرالية وليس دولة فدرالية. لأننا نعلم جيداً أن بين من أهم الخطوط الفاصلة بين الدولة الفدرالية والدولة الكونفدرالية هو هذه المسألة. لذلك فإن تقديم لسلطة الأقاليم على السلطة الاتحادية انتقال من الفدرالية إلى الكونفدرالية كما يعرفها فقهاء القانون الدستوري. وهو ما يرقى إلى أن يكون توطئة لنزاعات وخلافات تؤثر سلباً على مجمل العمل السياسي والاقتصادي والأمني في البلاد نظراً لأن البلاد لا تكاد تتفق على الفدرالية التي تحافظ على كثير من قوة وسلطة الحكومة الاتحادية فما بالك بالكونفدرالية التي هي تجميع لكيانات أو ولايات أو دويلات شبه مستقلة وتملك حق الاستقلال في الوقت الذي تراه مناسباً، كما هو الحال في دولة كندا الكونفدرالية التي يمكن أن يستقل عنها إقليم كيوبك حالما يتمكن دعاة الاستقلال من الفوز في الانتخابات التشريعية في الإقليم.

5. أن ينص في الدستور على أن القرار في قضايا الدفاع، ويتضمن ذلك مسألة تشكيل القوات المسلحة وعديدها وتجهيزها وتدريبها ونشرها في أرجاء البلاد كافة، هو حق للسلطات الاتحادية حصراً. وأن لا يسمح بتشكيل قوات في الأقاليم، وخارج سيطرة الحكومة الفدرالية، تتجاوز حاجة الأقاليم لتنفيذ الواجبات الأمنية الاعتيادية وذلك لانتفاء حالة التهديد الداخلي.

6. وأن ينص في الدستور على أن القرار الأخير في السياسة الخارجية والتمثيل الدبلوماسي والعلاقات الاقتصاد الخارجية ذات الطابع الاستراتيجي، مثل اتفاقيات التصدير والاستيراد لمواد مثل النفط والغاز والمعادن الأخرى، حق حصري للسلطة الاتحادية.

7. كما أن للبرلمان والحكومة الاتحاديين السلطة العليا بخصوص السياسات المعتمدة في التنقيب والاستثمار والتوزيع والتصرف بعوائد موارد الثروات الوطنية من مياه ونفط وغاز وفوسفات وأية موارد أخرى لصالح الشعب العراقي. على أن يكون ذلك مشروطاً بما يؤمن تنمية متوازنة للبلاد تؤدي تدريجياً إلى القضاء على مظاهر التباين في مستويات التطور بين الأقاليم من جهة وبين الريف والمدينة من جهة ثانية.

8. ولا بد أن تكون للسلطات الاتحادية السلطة العليا في خطط التنمية الاستراتيجية ومشاريعها التي تتجاوز في انتشارها الجغرافي حدود الإقليم أو أن تكون آثارها البيئية مما يتجاوز حدود الإقليم، مثل مشاريع إنشاء السدود والبنى التحتية الإستراتيجية من طرق وجسور وخطوط نقل الطاقة الكهريائية ومد أنابيب النفط والغاز، إذ مما لا شك فيه أن من شأن مثل هذه الخطط أن تستثمر الطاقات الاقتصادية والبشرية والموارد الفنية والتقنية على مستوى البلاد كافة، وهو الأمر الذي قد يصطدم بسلطة الحكومات المحلية في هذا الإقليم أو ذاك، أو بالتشريعات الإقليمية فيها. ومن المعلوم أن التنفيذ الفعلي لمثل هذه الاستراتيجيات والخطط التنموية يعبر عن حاجة فعلية للبلاد كافة وليس لإقليم بعينه. وهو مما سيؤدي إلى تعزيز الوحدة الوطنية وإقامتها على أسس أكثر رصانة. ولا مجال للخوف من حكومة وبرلمان اتحاديين من هذا النمط لسبب جوهري مهم للغاية لأن الحكومة الاتحادية ستكون مكونة من أبناء الأقاليم كافة. كما أن أعضاء البرلمان الاتحادي سيكونوا ممثلين لأبناء الأقاليم كافة. وهو مما يكفل أن تتفرغ كل من السلطات الاتحادية وسلطات الإقليمية التشريعية والتنفيذية والقضائية إلى إنجاز مهماتها دون الدخول في دوامة تداخل الصلاحيات وعدم وضوح المسؤوليات والصراع القانوني العقيم بشأن كل ذلك.

9. أن ينص في الدستور على تشكيل محاكم عليا في كل إقليم تتمتع بسلطة تفسير مواد الدستور الخاص بالإقليم فضلاً عن مراقبة أداء الأجهزة القضائية فيه. وأن ينص الدستور أيضاً على حق المواطنين سواء أكانوا أشخاصاً طبيعيين، أو الأفـراد، أو أشخاصاً معنويين، أو الهيئات والشركات، في طلب التقاضي والتمييز أمام القضاء الفدرالي لا أن يقتصر الأمر على الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم فقط لأن المظالم والتجاوزات قد لا تكون سياسية عامة بقدر ما هي شخصية وفردية أو تخص هيئة أو جمعية أو شركة ما.

10. أن ينص في الدستور على أن للمواطن العراقي حرية الانتقال والعمل والسكن في أي من أقاليم البلاد دون أية عوائق أو إجراءات خاصة تجعل من وضعه شبيهاً بوضع الأجانب.

11. أن ينص في الدستور الاتحادي على عدم جواز سن البرلمان الاتحادي أو البرلمانات الإقليمية أي قانون يتعارض وأحكام الدستور. وأن تجري مراجعة شاملة للقوانين التي صدرت قبل قيام الحكم الفدرالي في صورته النهائية لكل القوانين التي صدرت سابقاً لإلغاء ما يتعارض مع الدستور، أو تعديله بما ينسجم وأحكام الدستور.

12. وأن تكون السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية الدولة، سواء أكانت اتحادية أم إقليمية، وكل ما يرتبط بكل منها من أجهزة وهيئات، مبنية مادياً وفنياً على أسس تنسجم مع طبيعة ممارسة السلطة في النظام الفدرالي وهي مهيأة لإنجاز ما يتوقعه المواطن منها. وفضلاً عن هذا الجانب التقني، يجب أن لا تكون في الأقاليم وزارات للخارجية والدفاع أو أن تنشئ بنوكاً مركزية أو أن تصدر عملات خاصة بها.

وأخيراً، قد يقول البعض أن صورة الحكم هذه تشبه الحكم المركزي، وأنها بعيدة عن الحكم الفدرالي. فنقول أنها تمثل جوهر الحكم الفدرالي الذي يحافظ على مزايا النظام الاتحادي. وفي تقديري بأن النظام الفدرالي ليس بالصيغة الجامدة، وإنما هو صيرورة متواصلة من التفاوض الدائم الذي يبحث في قضايا لم يجر الإقرار بها، وقضايا قابلة للحل، وأخرى غير قابلة للحل في الوقت الراهن. وأن من الممكن تطوير التجربة استناداً إلى تطور المعطيات السياسية والاجتماعي من خلال نقد ومراجعة ما أفرزه التطبيق الفعلي للفدرالية من مشكلات وإمكانيات للتطور المستقبلي. وإذا كان البعض يعبر عن هواجس ومخاوف في حال عدم الإسراع بتطبيق النظام الفدرالي فإن للآخرين هواجسهم ومخاوفهم أيضاً من الإسراع في عملية التطبيق هذه. ولما كانت الدول والأنظمة السياسية لا تبنى على الهواجس والمخاوف وإنما على الثقة المتبادلة، فإننا نعتقد بأن على جميع السياسيين والمثقفين والمختصين بالقانون الدستوري والمهتمين بالشأن العام أن يتصدوا للبحث في هذه القضية الأساسية حتى يكون بناؤها على أسس قويمة تدفع بالعراق كله على طريق التقدم الاجتماعي والاقتصادي السياسي وتمكنه من أن يلعب دوراً فاعلاً وإيجابياً يتناسب مع مكانته الجيوستراتيجية التي يستحقها بوصفه بلداً محورياً مهماً في المنطقة والعالم.

أليس كذلك؟

صفحة 3

العلمانية والدولة والمجتمع

حوار متخيل مع المفكر علي الوردي

في هذا الحوار المتخيل، حاولت أن أصنع أمراً شبيهاً بما فعله أفلاطون مع سقراط، مع الفارق بالطبع، فأجريت حواراً مع الأستاذ الدكتور المرحوم علي الوردي الذي غادرنا منذ ما يزيد على عقد من السنين. وهذا الحوار لا يجري على نسق المحاورة الأفلاطونية من حيث وجود عدد من المتحاورين المختلفين فضلاً عن سقراط نفسه الذي يستثمر قدراته الفذة في تغليب إحدى وجهتي النظر على الأخرى. وإنما اتخذ صيغة لقاء صحفي بين الكاتب والمرحوم علي الوردي. وقد يقول قائل: لكن سقراط قد مات ولم يترك كتاباً مدوناً، فقام أفلاطون بجعله المحاور الرئيسي في محاوراته المعروفة. أما الوردي فإنه مؤلف معروف، وله كتب ما زالت تطبع حتى هذه اللحظة. فما المسوغ لما فعلت؟ فأقول: كان علي الوردي شخصية عامة مهمة. ولا شك بأن مؤلفاته، ولا سيما (وعاظ السلاطين)، و(مهزلة العقل البشري) و(أسطورة الأدب الرفيع) و(لمحات اجتماعية) بأجزائه الخمسة تمثل ثروة فكرية ممتازة قد تجعل الاستنارة بفكر صاحبها أمراَ سائغاً. ونظراً لأن العراق يعيش حالة تشبه حالة أثينا في زمن أفلاطون، فإن من الجائز أن نستحضر فكر هذه الشخصية العراقية الأصيلة ونسألها عن واقعنا الراهن وقضاياه الرئيسية التي استحدثها التطور التاريخي المعقد بعد وفاته. ومن المهم هنا أن أعيد التوكيد على أنني وإن كنت قد حاولت أن أستقرئ واستلهم ما عرف عن الدكتور الوردي من آراء، إلا أنني لم أتوقف عندها. ولذلك فأنا مسؤول مسؤولية كاملة عما ورد في هذا الحوار من آراء جملة وتفصيلاً.

الحوار الافتراضي

السؤال الأول: ما هو مفهوم العلمانية؟ وما هي أهميته؟ وما هي الأسس الاقتصادية والاجتماعية والفكرية التي يجب أن تتوفر لإشاعة العلمانية وترسيخها؟

الدكتور الوردي: بداية، أود أن أبين بأنني أميز تمييزاً واضحاً بين نمطين من العلمانية: النمط الأول سلبي ومدان لنتائجه الكارثية، وتمثله العلمانية الشمولية كما تجسدت في أنظمة الحكم: النازي في ألمانيا والفاشي في إيطاليا والنسخة الستالينية من الشيوعية والأنظمة الشمولية في المنطقة العربية وبعض دول المنطقة الأخرى. وهذه النماذج تمثل، في تقديري، أسوأ أشكال الحكم لأنها تستبدل الاستبداد باسم الدين بالاستبداد باسم أيديولوجيا شمولية من نوع ما، قد تكون قومية أو ماركسية أو حتى نسخة مذهبية من الإسلام. وهي، بالطبع وبحكم تكوينها البنيوي، تنزع إلى تقديس الحزب في البداية ثم سرعان ما تتحول إلى تقديس الفرد وجعله معياراً أوحد للممارسة السياسية. ولذلك فإن هذا النمط من العلمانية يرتبط بالنتيجة ارتباطاً وثيقاً بالدكتاتورية وبالاستبداد. والنمط الثاني إيجابي وصحيح وله نتائج طيبة على الصعد الداخلية كافة، وتمثله العلمانية الديمقراطية، كما هو الحال في فرنسا بعد هدوء بركان الثورة وانتهاء مرحلة روبسبير وبونابرت وحتى الآن، وكما يتجلى هذا النمط في أنظمة الحكم في السويد وبريطانيا واليابان وسويسرا والهند والبرازيل. مع ضرورة التنويه بأن هذا التقويم يستند إلى الممارسة السياسية الداخلية تحديداً، ولا يشمل ممارسة الأنظمة العلمانية خارج حدود البلاد التي تحكمها لأن ذلك حديث آخر قد تتساوى فيه الأنظمة العلمانية الشمولية وبعض من الأنظمة العلمانية الديمقراطية. وأعتقد بأن هذه العلمانية الديمقراطية هي المقصودة في سؤالكم. وهي ما سوف ينصرف إليه كلامي في الأجوبة على الأسئلة اللاحقة.

إذن، فالعلمانية الحرة والحقيقية مفهوم سياسي يتعلق بحسم مسألة الدور السياسي للدين في المجتمع والدولة، وذلك بجعل الدين شأناً شخصياً بين الفرد وخالقه، بين الإنسان والسماء من جهة، وجعل السياسة شأناً مختصاُ بقضية السلطة وعلاقة الإنسان بالإنسان في نطاق الدولة والممارسة السياسية بين الحاكمين والمحكومين من جهة أخرى. ودون أن يكون معنى ذلك التقليل من شأن الدين مطلقاً. كما أن هذا المفهوم يرتبط على نحو وثيق بنظام للحكم ذي جوهر ديمقراطي حقيقي. وبهذا المعنى فإن العلمانية مكسب إنساني مهم لم يتحقق إلا بعد تضحيات جسيمة وتجارب مريرة قدمتها شعوب الأرض كافة؛ حتى ليمكن القول إن العلمانية هي أحد أهم أشكال التعبير عن نضج التجربة السياسية الإنسانية. ولعل مراجعة سريعة لتاريخ البشرية المدون تظهر بما لا يدع مجالاً للشك بأن واحداً من أهم أسباب الحروب الداخلية في نطاق الشعب الواحد والحرب بين الشعوب هو استغلال الدين في السياسة لأن المصالح والأهواء البشرية والتفسيرات المختلفة قد استغلت وتستغل الدين وتلبست وتتلبس دعاواه. وقد وصل الأمر، في حالات كثيرة، إلى أن الشعب الواحد قد يتقاتل في حرب أهلية طاحنة باسم الدين كما هو الحال في الحرب بين اللبنانيين بكل طوائفهم في الأعوام 1975-1980، أو باسم الطائفة كما هو الحال بين الإيرلنديين الكاثوليك والبروتستانت. وعموماً يمكن القول بأن دور الدين في أوروبا قد ارتبط بسيطرة الكنيسة البابوية والأرثوذكسية على السلطة السياسية بالرغم من وجود ملوك وأباطرة، فكان للبابا رأي حاسم في تعيين وعزل الملوك والأمراء. أما في البلاد الإسلامية، وبعد وفاة الرسول محمد (صلعم)، فقد كان الحكم باسم الدين دون أن يكون رجل الدين نفسه حاكماً. ولذلك كان هناك خلفاء يمثلون السلطة السياسية، وفقهاء يمثلون السلطة الروحية و/ أو التشريعية. وعلى اية حال فإن هاتين السلطتين تؤولان إلى قبضة واحدة هي قبضة ولي الأمر. والسلطة التشريعية لم تكن تعني ما نفهمه في أيامنا من مصطلح السلطة التشريعية، وإنما كانت سلطة تشمل الإفتاء في العبادات والمعاملات وممارسة قضاء. ولم يكن مسموحاً لها مطلقاً أن تجتهد بما يخالف رأي ولي الأمر، وهو الحاكم السياسي، أو أن تبحث في مسألة الخلافة وشروطها بما لا يتفق مع تفسير ولي الأمر. ومع ذلك فقد حرص الخلفاء على أن يحكموا باسم الدين. وفي حالات معينة ومحدودة كان بعضهم لا يلتزم بتعاليم الدين. ونضيف هنا أمراً آخر، ألا وهو أن مراجعة بسيطة لتاريخنا تظهر أن حروبنا الداخلية، وهي كثيرة، قد كانت في الأغلب ذات طابع مذهبي استغل فيه الدين لستر المطامع السياسية الدنيوية. وقد أراقت هذه الحروب دماءً غزيرة جداً.

أما الأسس الاقتصادية والاجتماعية والفكرية للعلمانية فإن الاقتصاد الحر القائم على المبادرة الفردية واحترام الملكية الخاصة (وإن كان هذا الاحترام لا يعني غياب دور الدولة في ضمان التوازن الاجتماعي بين مختلف طبقات الشعب) والمجتمع المدني والنظام السياسي القائم على الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وعلى التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة عن رضا وقناعة ودون قسر، فضلاً عن حرية الاعتقاد السياسي للأفراد والجماعات ووجود قاعدة شعبية عريضة للثقافة الديمقراطية، والفكر السياسي الحر الذي يتسم بمرونة أيديولوجية فعلية، والقبول بالآخر، وكذلك وجود منظمات للمجتمع المدني، وتعدد منابر التعبير الحر والصحافة الحرة، ووجود للأحزاب السياسية التي تبني فلسفتها السياسية على أسس ديمقراطية وتمارس الديمقراطية في حياتها الداخلية، وليس الأحزاب التي تدعو للديمقراطية دون أن تطبقها في حياتها الداخلية، وكذلك ضمان حرية المرأة ومساواتها مساواة حقيقية بالرجل، هذه هي، في رأيي، أهم وأنسب الشروط التي تجعل من العلمانية ممكنة على أرض الواقع. وهي شروط قد تبدو مثالية في ظرف العراق الراهن. لكنها تمثل الأسس السليمة لبناء دولة بنظام سياسي علماني حقيقي.

صفحة 4

السؤال الثاني: ما العلاقة بين العلمانية والدين والدولة؟

الدكتور الوردي: أولاً ينبغي القول بأن مبدأ المواطنة هو أحد أهم المفاهيم الفكرية التي ترسي الأسس السياسية للعلمانية. والواقع أنه إذا فرضنا أن جميع المواطنين في دولة افتراضية، وذلك لعدم وجود مثل هذه الدولة على الأرض، هم من دين واحد ومذهب واحد فلن يكون للدين أي دور في الفلسفة والمفاضلة السياسية لهذه الدولة الافتراضية لأنه أمر يتساوى فيه الجميع من جهة ولأن هناك افتراض آخر ضمني هو أنه في هذه الدولة الافتراضية لن يكون هناك صراع سياسي ذو جذر ديني إذ لن تكون لدينا قوى اجتماعية مناهضة لتطبيق المفاهيم السياسية المستمدة من الدين في الحياة السياسية من جهة ثانية. وتصور عدم وجود جهات وقوى اجتماعية تناهض تطبيق الرؤيا الدينية في السياسة في هذه الدولة الافتراضية تصور مثالي أيضاً، ولذلك فهو مستحيل في التطبيق وفقاً لما تؤكده التجربة البشرية. فالبشر يختلفون، حتى إن كانوا من دين واحد أو طائفة واحدة، ولأسباب قد تكون دنيوية أو دينية ذات طابع فقهي، وهي أسباب كثيرة كما نعلم. وإذا ما عدنا إلى حقيقة أن المواطنين في أية دولة هم من أديان ومذاهب مختلفة، وهو واقع الحال في كل الدول بدون استثناء، فإن جعل الدين أساساً في الفلسفة السياسية سيسحب الدين من عليائه لكي يتخذه الحاكمون ستاراً لتنفيذ رؤيتهم المستمدة من مصالحهم الشخصية. وبالطبع فإن ذلك سيؤدي إلى إغفال مغزى التجارب البشرية كافة، بما فيها تجاربنا نحن، مع الدولة الدينية بعد الخلافة الراشدية. وهي تجارب مهمة وقاطعة في دلالاتها. وقد أثبتت هذه التجارب مراراً وتكراراً خطورة استثمار الدين سياسياً، فضلاً عن أن ذلك سيؤدي بالضرورة إلى جملة مشكلات تتعلق بحق المواطنة، وبأهمية المساواة في الحقوق والواجبات لكافة المواطنين بصرف النظر عن أديانهم أو مذاهبهم، وكذلك مشكلة النص الثابت والواقع المتغير... إلخ. ولعل فحص الخارطة السياسية بعد الاحتلال، وبعد تيسر الظروف التي سمحت بتشكل الأحزاب على أسس طائفية، وهي ظروف شاذة أصلاً، يظهر أنه لا يمكن أن يكون الدين أو الطائفة أساساً لوحدة التنظيم السياسي أو الحزبي لكل طائفة أو دين أو قومية على حدة. فليس هناك حزب واحد بعينه يمثل السنة أو الشيعة أو المسيحيين أو الأكـراد أو التركمان. إذن فهذه المسميات الأثنية لا تمثل جوهراً سياسياً واحداً، وهي غير ممثلة بأحزاب موحدة على أرض الواقع. وبهذه المناسبة أود التذكير بأن قيام دولة إسرائيل على أساس ديني قد دفع كتاباً كثيرين إلى تفنيد مبدأ قيام الدولة على أساس ديني. وقد أراق هؤلاء حبراً كثيراً في هذا المجال. وقد كانوا على حق فيما طرحوه. فهل يراد لنا الآن أن نرتكب ما كنا ندينه سابقاً!؟ كما أود الإضافة بأن عبد الرحمن الكواكبي في كتابه الرائد في الفكر السياسي العربي، وهو كتاب «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» قد أشار قبل أكثر من قرن إلى أن من أهم تجليات الاستبداد كان الحكم باسم المقدس أو الاستبداد المتلبس باسم الدين. ويصرح رجل دين شيعي متنور هو هاني فحص، دائماً بأن تجربة الربط بين الدولة والسياسة لمدة أربعة عشر قرناً قد أثبتت فشلها وأدت إلى ويلات كثيرة. وقد قال في ندوة عقدت في مؤخراً «رأيي أن القرآن بعد ِّه نصاً تأسيسياً لم يصف دولة، وتعامل معها ضرورة اجتماعية، وهذه تقدر بظروفها المتغيرة، ومـن الممكن تكييف أي شكل للدولة ويكون مقبولاً إسلامياً» وعن فكرة ولاية الفقيه قال: «إنها تكييف فقهي للدولة الإيرانية» وأضاف مؤكداً: أن الدين إذا ما أنتج دولة يفسدها ويفسد بها.» ولك بعد هذا أن تتصور أهمية وضرورة فصل الدين عن الدولة حتى نحفظ للدين هيبته وقدسيته.

السؤال الثالث: هل العلمانية مناهضة للدين ومتناقضة معه فكرياً واجتماعياً؟ وهل هي رؤية إلحادية؟ وهل تعني فصل الدين عن الدولة أم عن المجتمع؟

الدكتور الوردي: ليست العلمانية مناهضة للدين مطلقاً. بل على العكس، توفر العلمانية أفضل الظروف لممارسة الطقوس الدينية بحرية تامة، وللأديان كافة بحرية، دون خوف أو إكراه. ولكن العلمانية قد لا تكون متوافقة مع الدين فكرياً أو اجتماعياً لأنها تطرح تصوراً فكرياً لنظام سياسي يختزل الدور السياسي للدين ، كما أنها قد تتناقض معه اجتماعياً لأن كلاً من المؤمنين بدور الدين السياسي والمؤمنين بالمنهج العلماني في إدارة الدولة الحديثة يتنافسان على كسب رضا الناس وتأييدهم. فالصراع إذن هو على أرض الواقع الاجتماعي، وليس صراعاً في فراغ نظري معزول عن الحياة الاجتماعية. ولكن العلمانية في الحقيقة تحفظ للدين هيبته وسموه لكونه حاجة روحية أصيلة في النفس البشرية وتبتعد به عن (السوق) السياسية، فالعلمانية تسعى لإبعاد المقدس ممثلاً بالدين عن المدنس ممثلاً بالسياسة. وليس ما نقرأه ونسمعه من كلام ذي طبيعة سجالية حول هذه المسألة بين العلمانيين الحقيقيين من جهة والتفسير أو الفهم المحدد للدين الذي يتبناه بعض ممن يمارس الدين السياسي من جهة ثانية إلا تعبيراً عن الحاجة إلى الوصول إلى قناعة مشتركة تكون أساساً في حل هذه المسألة المعقدة. فهناك من يرى بأن للرؤيا الدينية ولرجال الدين دوراً في الحكم، وهناك من يرى خلاف ذلك. ولعل من المناسب أن أشير هنا إلى أن العلمانية الحقيقية قد أوجدت المناخ الضروري للحريات العامة للازدهار، وسمحت للأديان كافة وللمتدينين بممارسة طقوسهم الدينية في حرية شبه مطلقة. ومن الضروري هنا أن أشير إلى أن العلمانية الجزائرية قد فشلت في فسح المجال أمام الجبهة الإسلامية للإنقاذ حين فازت في انتخابات 1991. وكان ذلك بسبب وجود عسكرتاريا فاسدة تمثل الجذر الشمولي للدولة فضلاً عن مخاوف لا مبرر لها من صعود الإسلام السياسي وهشاشة التجربة السياسية في الجزائر وكونها وليدة نظام شبه شمولي كما أسلفت القول. ولكن العلمانية الديمقراطية الحقيقية والراسخة تسمح للأحزاب الدينية بالوصول إلى السلطة، كما حصل حين فاز حزب العدالة والتنمية بالحكم في تركيا عن طريق الانتخابات. أما حين يحكم من يتخذون الدين سلماً للسلطة، كما هو الحال حين حكمت طالبان في أفغانستان، فإن الحريات كافة ستشهد انحساراً عاماً إن لم نقل غياباً شاملاً، وتزدهر حملات القتل بالشبهات، فضلاً عن أن العلمانيين سيكونون هدفاً أول للقمع والتصفية الجسدية. فتأمل.

وأما بالنسبة لمسألة هل العلمانية رؤية إلحادية؟ وهل تعني فصل الدين عن الدولة أم عن المجتمع؟ فيمكنني أن أقول باطمئنان بأن لا علاقة بين العلمانية والإلحاد. إنما هي نهج في الفلسفة السياسية والحكم. إذن فالعلمانية نهج يفصل بين الدين والدولة ولا يفصل بين الدين والمجتمع. ولعلنا نتذكر بأن بين المؤمنين بالعلمانية كثير من المشتغلين بالشأن الديني أو رجال الدين أو المؤمنين بهذا الدين أو ذاك. كما أنه يمكن ملاحظة أن أحزاباً ذات فلسفات سياسية مستمدة من الدين، وليست أحزاباً دينية، قد أسهمت في الحكم في دول علمانية دون أن تنقض على الديمقراطية التي جاءت بها إلى سدة الحكم وتقوضها. وخير مثال على مثل هذه الحالة نجده في الأحزاب الديمقراطية المسيحية في إيطاليا وألمانيا وعدد من الدول الأوروبية. وقد يقول البعض بأن الدين بحاجة إلى حماية الدولة، إلا أن العكس هو الصحيح ؛ فالدين بحاجة إلى الحماية من تدخل الدولة في شؤونه، وإفساح المجال له ليلعب دوره الروحي الكبير، وليس إلى حماية الدولة له من أية أخطار متوهمة. فقد كان الدين منذ القدم وسيبقى مطلباً روحياً مهماً دون أن تؤثر عليه أية افتراءات أو أخطار مهما كان نوعها أو مصدرها.

السؤال الرابع: هل يمكن تحقيق مجتمع مدني وعلماني وديمقراطي في ظل دولة تستند إلى الشرائع الدينية كمصدر أساسي للتشريع؟

الدكتور الوردي: الشرائع الدينية جزء مهم من التكوين الروحي والثقافي والأنثروبولوجي لأي مجتمع. ولذلك فهي يمكن ويجب أن تكون أحد مصادر التشريع. ولكن في ظل دولة من الطراز الذي يجعل الدين مصدراً وحيداً أو أساسياً للتشريع مع وصف للمصادر الأخرى يجعل منها أقل أهمية، يمكن فقط تحقيق نوع من الدولة المركزية ذات الجوهر الدكتاتوري حتى وإن كانت ذات مؤسسات تبدو للوهلة الأولى ديمقراطية الطابع. إذن في هذه الحالة لن يكون المتحقق مجتمعاً مدنياً أو علمانياً أو ديمقراطياً. لأن من طبيعة أية فلسفة سياسية مستمدة من الدين أن تكون مرتبطة بالذات العليا وبالمقدس، أعني أنها ستكون ذات جوهر يؤمن بالمطلقات. وهي بذلك لن تسمح لأية فلسفة اجتماعية أخرى أن تزدهر في الأرض التي تقف عليها؛ بينما لا يزدهر المجتمع المدني إلا في ظل المساواة في الحقوق والواجبات ومن أهم هذه الحقوق الحق بالحرية في الفكر والسلوك وعلى المستويات الفردية والاجتماعية والسياسية. والحقيقة أن الكثير ممن يؤمنون بالدور السياسي للدين يؤكدون على أن له دوراً مهماً في رقابة الضمير لدى المواطن. ولكنني أعتقد بأن رقابة الضمير قد تستمد من الدين أو من العقل أو من أية موارد أخلاقية أخرى. وحصر مهمة رقابة الضمير في مورد واحد تضييق لهذه المسألة وتفريط بالمصادر الأخرى لرقابة الضمير. كما إن من شأن المجتمع العلماني أن يوكل الأمور إلى التشريعات الدقيقة التي تقلل من الاعتماد على فحص ضمائر الناس وتزن الأفعال الفردية بما هو ظاهر وملموس من فعل أخلاقي. وفضلاً عن ذلك فإن التشريع المستمد من الدين أساساً سيثير مشكلة التعددية الدينية والمذهبية، لأن الشعب في أية دولة ليس من دين واحد ولا من مذهب واحد. لذاك نقول أن لا حرية حقيقية للدين إلا في ظل الدولة العلمانية. ونقول بأن الدين مصدر مهم من مصادر التشريع.

السؤال الخامس: كثير من الأنظمة العربية الحاكمة تدعي العلمانية غير أنها وفي الوقت نفسه تمارس أقصى درجات الاستبداد والقمع السياسي ضد خصومها السياسيين وتمارس قمعاً متواصلاً للحريات الأساسية مثل حرية التعبير عن الرأي وحرية الصحافة كاشفة بذلك عن محتواها الدكتاتوري البغيض، كيف ترى أفق ومستقبل العلمانية في العالم العربي في ظل حكومات دكتاتورية ومستبدة؟

الدكتور الوردي: مقدمة سؤالكم تذكرنا بما ذهبت إليه في بداية حديثي حين أشرت إلى ضرورة التفريق بين العلمانية الشمولية والعلمانية الحرة والحقيقية. وعلى أية حال، أود القول بأن ممارسات الحكومات الدكتاتورية قد ألحقت أفدح الخسائر بالمشروع النهضوي الوطني على مستوى العراق والبلاد العربية وبالحركة العلمانية الحقيقية التي كان يمكن لها، في تقديري، أن تحقق نجاحات كبيرة من حيث فشلت الدكتاتوريات العلمانية الحاكمة. تلك الدكتاتوريات التي زرعت، من خلال ممارساتها القمعية وفشلها العظيمين، اليأس من مفاهيم العقل والحرية والمساواة السياسية في صفوف الناس، ولوثت الممارسة السياسية ودمغتها بطابع الفهلوة والكذب والتدجيل واعتماد مبدأ الغلبة مقدمة الولاء على الكفاءة. وهي بذلك جعلت كثيراً من الناس يتحولون إلى القوى المحافظة في المجتمع بحثاً عن الخلاص دون أن يكون خيارهم هذا نابعاً عن موقف عقلي ونقدي حقيقيين أو عن اختيار حر. ومن الطبيعي أن تكون حصة القوى السياسية الدينية من هذه القوى اليائسة هي الأكبر لأنها ذات وجود راسخ ومستديم منذ أزمنة قديمة، وهي تملك بنية تحتية دائمة الوجود، وأعني بها الجوامع والمساجد. فكانت هذه القوى هي المستفيد الأول نتيجة ذلك. وفي تقديري، أنه لن يشهد المستقبل نهضة جديدة لمجتمعنا دون تغيير البنية الثقافية السائدة، بنية التعصب والانغلاق واليأس من تجربة الحرية المحدودة والمشوهة التي عرفناها. تلك البنية التي تقف بوجه التحولات الفكرية والاقتصادية والاجتماعية من استكمال تكوين بيئة مناسبة لازدهار الفكر السياسي الحديث وتمنعها بكل ما ملكت من قوة. وهذا يتطلب عملاً دؤوباً وجهداً ونقداً ذاتياً لمن يؤمنون بالعلمانية الحقيقية أفراداً وجماعات. وعليهم أن يتبنوا بوضوح نهجاً وفكراً لا يضع العلمانية في مواجهة الدين. فالعلمانية، في حقيقتها، ليست قسيماً للدين ولا غريماً له على الإطلاق. بل لعلي أقول بأن ما تسعى إليه العلمانية الحقيقية يلتقي في نهاية المطاف مع الأهداف السامية للدين.

السؤال السادس: لماذا العلمانية في ظل الدولة الحديثة؟ وما علاقتها بالمجتمع المدني، وبالديمقراطية وحقوق الإنسان؟

صفحة 5

الدكتور الوردي: كما قلت سابقاً فإن العلمانية هي ثمرة تطور بطيء للتجربة السياسية البشرية منذ أقدم الأزمنة التي عرفت أول أشكال الحكم البدائية في بلاد ما بين النهرين، ومن ثم المجتمعات التي عانت من العبودية والإقطاع وسيطرة رجال الدين وصولاً إلى المجتمع الحديث. كما أن العلمانية ثمرة تطور الفلسفة السياسية المستمدة من ذلك التقدم الذي كان ثمنه فادحاً. وإذا اتفقنا على أن التجربة والوعي، أو الممارسة والفكر هما ما يدفع الإنسان إلى المراجعة والتأمل والنقد العقلانيين ومحاولة تطوير تجربته السياسية، وبأن الأفكار لا تولد من فراغ وإنما هي نتيجة الصيرورة والتطور الاجتماعيين، فإن الارتباط بين مستوى نضج التجربة السياسية البشرية في الأزمنة الحديثة وتقدم الفلسفة السياسية هو الذي فرض مثل هذا الاقتران بين العلمانية والدولة الحديثة. كما أن العلمانية هي التعبير الحقيقي والإطار الفكري السياسي الشامل الذي يضم كل تكوينات المجتمع المدني والمنظمات الديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق المرأة. وبما أنه لا يمكن تصور وجود مجتمع فيه ممارسة ديمقراطية حقيقية ويتمتع فيه الناس بحقوق الإنسان كما أقرَّتها الأمم المتحدة دون أن يكون ذلك المجتمع في إطار دولة علمانية، جاز لنا القول بأن المجتمع المدني وضمان حقوق الإنسان يمثلان أساسين مهمين من أسس الدولة العلمانية. كما يمكن لنا أن نستنتج بأن العلمانية الشمولية هي مسخ لمفهوم العلمانية الحقيقية، لأنها قد تسمح بوجود منظمات مجتمع مدني مفرغة من محتواها الحقيقي فقط. وهي منظمات مشوهة وتمثل أذرع أمنية للسلطة الدكتاتورية القائمة، ومهمتها إسكات الأصوات المعارضة حتى على المستوى المهني والنقابي. ولذلك كله فهي تجربة مدانة سياسياً وأخلاقياً. وهي نمط مشوه من العلمانية ينبغي الحذر الشديد من عودتها تحت أية لبوس أو مزاعم وبأية قيادات أو زعامات جديدة. وهنا ينبغي التنويه بأهمية أن يأخذ النشاط الفكري والسياسي المستقل دوره الإيجابي في تفعيل دور منظمات المجتمع المدني، وأن لا يقتصر الأمر على الأحزاب السياسية القديمة أو الحديثة التكوين.

السؤال السابع: هناك من يقول بأن العلمانية مفهوم غربي لا يصلح لمجتمعنا لأنه غير نابع من ثقافتنا وتجربتنا الحضارية. فكيف ترى ذلك؟

الدكتور الوردي: لا يمكن لأحد أن ينكر وجود خصوصيات فكرية ثقافية لكل مجتمع، ومنها مجتمعنا العراقي. ولكن أيضاً لا يمكن لأحد أن يزعم بأن على المجتمعات أن تنغلق على تجاربها الذاتية وتجترها، دون أن تأخذ أو أن تعطي. ولعل أهم مميزات المجتمع العربي الإسلامي في مرحلة ازدهاره أنه أخذ من الآخرين وأعطاهم دونما عقد أو حساسيات لأنه شعر بحاجته الماسة إلى ما لدى الآخرين فأخذ منه. وقد حصل كل ذلك في عصر كان ما يحدث في مراكش لن يصل خبره إلى بغداد إلا بعد أسابيع، وذلك لتخلف سبل المواصلات والاتصالات و وسائل نشر المعرفة. أما الآن، وبعد أن حقق العالم هذه الدرجة من ثورة الاتصالات التي جعلت التواصل ميسوراً وسهلاً بحيث صار العالم قرية كونية يعلم كل فرد فيها بما يدور في شتى أصقاع الأرض لحظة حدوثه وكأنه شاهد عيان للحادث، فإن فرز ما هو محلي عما هو عالمي لم يعد بهذه السهولة. كما أننا لا نستطيع أن نتقبل نظاماً سياسياً غير واضح المعالم، أو هو عرضة للاختلاف العميق بشأن سياسة الدولة بزعم أنه منبثق من حضارتنا ونرفض آخر يمكن أن يصلح من شأننا ويحقق العدالة الاجتماعية والحرية السياسية بزعم أنه لم يكن نتاج حضارتنا وإنما هو مجلوب من حضارات العالم الأخرى. وهنا يمكن أن استشهد بحديث يردده كثير من رجال الدين هو «الحكمة ضالة المؤمن، أنـَّى وجدها فهو أولى بها . وهذا يعني أن لا مجال للدفع ببطلان فكرة ما لكونها ليست نتاج حضارتنا، وإنما الحجة الوحيدة المقبولة هي لا عقلانية الفكرة نفسها. ولا أعتقد بأن أحداً قد زعم بأن العلمانية الديمقراطية ليست عقلانية أو أن لها نتائج ضارة. كما أن الأفكار اكتسبت الآن صبغة عالمية شئنا ذلك أم أبينا. وهنا أرجو الانتباه إلى أنني لا أروج للعولمة في نسختها الأمريكية أو الأوروبية. ذلك أن علماء الفكر السياسي في العالم، وبينهم علماء مسلمون وعرب وعراقيون، يدرسون كل النظريات بحثاً عما هو صالح لمجتمعاتهم. ولكن رغم ذلك لا بد من القول بأن الواقع العربي والعراقي ما زال متردداً في قبول الفكر العلماني بالمعنى الذي أوضحته. وهو يطرح نوعاً من المقاومة للفكر السياسي العلماني لجملة أسباب ذكرناها سابقاً. وهذا الوضع المعقد والصعب هو ما يجعل مهمة من يتصدون للمنافحة عن الفكر العلماني الحقيقي شاقة وتتطلب منهم عملاً وصبراً كبيرين. ذلك أن عملهم هو نوع من التأسيس لنهضة فكرية تنويرية ثانية بعد انكفاء النهضة التنويرية الأولى..

السؤال الثامن: أستنتج مما قلت أنك متشائم من الوضع الراهن. فكيف تنظر إلى قولي هذا؟

الدكتور الوردي: في القضايا التي تتعلق بالتحولات الاجتماعية، لا بد أن يكون الموقف الفكري للمثقف موضوعياً وبعيداً عن موقفين كلاهما مغلوط، وأعني بهذين الموقفين: التهوين من شأن السلبيات وما يرتبط به من تفاؤل مفرط،، والتهويل من شأنها وما يرتبط به من يأس عميق. لذلك فإن وجهات النظر التي قدمتها تمثل رؤيا شخصية للمسألة تستجيب لهذا الوصف. فهي إذن رؤيا تصف واقعاً بعينه، وتحاول رسم ملامح مستقبل مأمول. وهي بهذا المعنى أقرب للتفاؤل منها إلى التشاؤم.

أليس كذلك؟

صفحة 6

التطور الاجتماعي بين الحتمية والاحتمال

«الأفكار كلها صحيحة إذا لم يكن معيارها الواقع الاجتماعي والتاريخي»

د. برهان غليون

1. مقدمة

تثير المقولات الفكرية المستمدة من الشق الأيديولوجي من الماركسية، في الغالب، نقداً هو أقرب إلى الحوار منه إلى التفنيد؛ لما تتضمنه من آراء وتنبؤات ذات طابع قطعي فيما يخص التطور التاريخي للمجتمعات البشرية. ولكن البعض سرعان ما يتهم من يمارسون مثل هذا النقد بالتحريفية حتى وإن كانوا ممن يكتبون من داخل المظلة الأيديولوجية للماركسية. وفي تقديري أن مثل هذه التهمة تشين من يطلقونها وتشرف من تطلق عليهم. فهي تكشف عن نزعة تقديسية للنصوص مهيمنة في نفوس القوم وعقولهم تؤدي بالضرورة إلى انكفائهم عليها. وهي تنزع عن الفكر الماركسي، في الوقت نفسه، أهم مقوماته، أعني حيويته وصلته الدائمة بأسئلة الواقع وقضاياه وتحولاته وبالتجربة البشرية في تنوعها وتطورها. تلك المقومات التي يمكن أن نجدها مجسدة في أهمية مفهوم الممارسة أو praxis عند ماركس الشاب في إغناء وتطوير علاقة الفكر بالواقع.

ولعلنا نتفق جميعاً بأن العالم الراهن قد شهد تطورات جسيمة كماً ونوعاً تجعله عالماً مختلفاً على نحو جوهري عن العالم الذي استند كل من ماركس وانجلس ولينين إلى معطياته في تحليلاتهم واستنتاجاتهم. وهذا مما يجعل من تلك التحليلات والاستنتاجات تراثاً جديراً بالاعتبار غير أنه لا يصادر حق مفكري عالمنا الراهن في فحص المعطيات الجديدة. لا بل أنه يفرض عليهم مهمة شاقة ألا وهي تفعيل الجوهر الجدلي للعلاقة بين الفكر والواقع، التي هي سمة أساسية في الفلسفة الماركسية (وأنا أميز دائماً بين الفلسفة الماركسية والأيديولوجيا المستمدة منها)، بغية السعي للكشف عن فهم أفضل للعالم في تحولاته وصيرورته. ولعلنا نتفق أيضاً أن إحدى أهم المقولات الأساسية، ولكن الخلافية، في الفكر الماركسي الأيديولوجي، وفي المادية التاريخية تحديداً، هي قضية وجود حتمية أو سياق للتاريخ البشري يمكن التنبؤ به. وهو سياق مقرر سلفاً بحكم قوانين للتطور ماثلة في المجتمع قد تكون مذكورة صراحة أو ضمناً. ومسألة وجود مثل هذا الحتمية من عدمه قضية شائكة تناولها أكثر من باحث مهتم بالدراسات الماركسية. ومن الباحثين المهمين الذين تصدوا لبحث هذه المسألة الدكتور سمير أمين الذي سعى ويسعى إلى محاولة إثبات حتمية التطور التاريخي من خلال إثبات وجود مثل هذه القوانين ولكن ليس في الصيغة نفسها التي طرحها ماركس في كثيرمن مؤلفاته. ومن ذلك محاولته في بحث لـه مهم نشره ملحقاً بكتاب (خروج العرب من التاريخ) للدكتور فوزي منصور. ولن أناقش ما أورده من كلام في هذا الصدد وإنما سأحاول أن أستفيد من بعض كلامه في طرح المسألة بصيغة سؤال: هل يترتب على القول «بأن الإنسانية واحدة منذ بداياتها» أن نبذل جهوداً للبحث في «احتمال وجود قوانين للتطور الاجتماعي عالمية النطاق»؟ (فوزي منصور- تعليق د. أمين-: ص 214 -215).

ونظراً لجسامة السؤال الذي قد لا ينجح الباحثون في الإجابة عليه إجابة حاسمة ونهائية سواء أكان ذلك بالسلب أم بالإيجاب، ونظراً لأن القول بوجود القوانين المنظمة لحركة المجتمع هو بالضرورة قول بالحتمية التاريخية، فأنني سأركز الكلام في هذه المقالة على جوانب لم يتطرق إليها بعض ممن اطلعت على كتاباتهم من الباحثين يدفعني إلى ذلك اعتقادٌ تكون لدي عبر بحثي الدائب في هذه القضية أن إلقاء الضوء على هذه الجوانب ربما يسهم في تأسيس المهاد العلمي الموضوعي لجواب محتمل حول النقاش في هذه القضية الجوهرية. ولذلك سأحصر الكلام في مسألتين هما:

أولا ً، القراءة المعرفية للعنصر الفلسفي غير المباشر الذي لا بد وأن تتضمنه أية إجابة محتملة حول وجود القوانين المنظمة للتطور الاجتماعي، سواء أكان ذلك بالسلب أم بالإيجاب، بوصف أن أجوبة القضايا الكبرى تنطوي بالضرورة على بعد فلسفي، وسواء أكان التعبير عن هذا البعد صراحة أم ضمناً .

ثانيا ً، البحث في البعد المعرفي لمفهوم القانون ومصطلحه، وهو المفهوم الذي يتردد صراحة أو ضمناً في كتابات بعض القائلين بوجود مثل هذه القوانين سواء أكانوا من المؤرخين أو الفلاسفة أو من المفكرين الاجتماعيين.

صفحة 7

إن نفي أي وجود موضوعي لقوانين تنتظم التطور الاجتماعي ذات بعد عالمي، كما يذهب إلى ذلك كثير من المفكرين وعلى رأسهم كارل بوبر في كتابه «بؤس الأيديولوجيا»، يؤدي بالنتيجة إلى التوكيد على وقائع التاريخ العينية وخصوصيتها في كل مجتمع على حدة واستبعاد أي احتمال لوجود إطار موضوعي عام وشامل للتجربة البشرية. وهذا هو الحد العلمي الوحيد الممكن في نظر هؤلاء. وهو إطار لا يرقى إلى مصاف القانون؛ لأنه ينطوي على نفي للتاريخ بتحويله إلى نوع من القصص المسلية من جهة، وعلى إقرار بالسوسيولوجيا الآنية أو الوصفية وتثبيت لها بوصفها الحقل المعرفي الوحيد الذي يمكن أن يقترب منهجياً من العلوم الطبيعية دون أن يضارعها في دقتها، من جهة أخرى. يدرك القائلون بهذا الرأي، وهم في الغالب من الوضعيين المنطقيين، أنهم ينزعون إلى التوكيد على نوع من تفرد التجربة الاجتماعية ونسبيتها، وإلى التركيز على الجوانب والمقومات المحددة والخاصة بكل مجتمع على حدة وذلك على حساب النظر الفلسفي الشامل للتجربة البشرية. وهؤلاء المفكرون والفلاسفة لا ينفون ذلك ولا يأنفون منه، بل يعتبرونه ميزة لهم لأنهم، كما يزعمون، أقرب إلى الواقعية وإلى الوصف الأمبريقي (التجريبي) وابعد عن التصورات الفلسفية ذات الجوهر الميتافيزيقي من سواهم.

أما الآراء الأخرى التي تؤكد على وجود مثل هذه القوانين، فإنها متنوعة المنابع الفكرية ومتعددة الاتجاهات، ولكنها تلتقي في مسألة توكيد وجود القوانين التي تنظم التجربة البشرية منذ الأزل وإلى الأبد. ومن الحق أن نؤكد بأن العنصر الميتافيزيقي ماثـل ضمنياً في كل قول بوجود قوانين يمكن استنباطها من تاريخ التطور البشري. ويستند هذا الزعم إلى نقطتين: النقطة الأولى هي أن التجربة البشرية لم تفرز مثل هذه القوانين المزعومة التي تفتقر للوجود الموضوعي. فالتجربة البشرية أعطت وتعطي إشارات متوافقة أحياناً، وهي بذلك قد تغري بالتعميمات الفلسفية أو القول بوجود قوانين، أو تعطي إشارات متضاربة تقضي على أية إمكانية لصوغ تعميمات فلسفية في أحيان أخرى. وهذه الإشارات، سواء أكانت متوافقة أم متضاربة، يمكن أن يقرأها الباحثون قراءات مختلفة ليتوصلوا، في نهاية المطاف، إلى نتائج شديدة الاختلاف. فضلاً عن أن هؤلاء الباحثين قد يردوا تلك القوانين إلى عوامل ميتافيزيقية أو مادية، وذلك بحسب وجهة نظر كل فريق منهم. بيد أن القول بالعوامل المادية لا يعني عدم وجود بعد ميتافيزيقي لدى من يأخذون به. لأن هذه المادية يمكن أن تؤول ميتافيزيقيا لذلك يمكن القول إن مثل هذه «القوانين» لا تمثل إلا جزءاً تكوينياً من بنية فكرية ميتافيزيقية في عقول القائلين بها. والنقطة الثانية هي أنه حتى لو افترضنا جدلاً وجود مثل هذه القوانين فإن ذلك يستلزم ضرورة الإقرار بوجود عقل متعال وكلي ومطلق وشامل هو من أوجد هذه القوانين وقام بفرضها. وهذا الرأي قد يوحي بأصداء فلسفية تتردد من فكرة الروح الكلي والمطلق الذي قالت به الميتافيزيقا الهيجلية، كما أنه يمثل عودة إلى الفكر الديني في شتى تجلياته، وبخاصة نظرية الاستخلاف الإلهي والقول بالمخلص. وهو ما سيجمع في الأقل بين الاتجاهات الدينية والاتجاهات الماركسية على صعيد القول بغائية التاريخ المقررة سلفاً. ومن هنا فهذا الاعتقاد ينطوي ضمنياً على موقف الانتساب الصميمي إلى شبكة التصورات الميتافيزيقية بكل ما في هذه الكلمة من معنى.

ولعل القارئ الكريم قد لاحظ أن المحور الأساس للمسالة الفلسفية الخاصة بطبيعة الحتمية المفترضة في التجربة البشرية هو وجود «القوانين «الشاملة التي تسمح لنا، حسبما يزعمون، بالقول إن السياق المستقبلي للتطور الاجتماعي سيتخذ هذه الشاكلة لا تلك، وسيكون على هذا النحو لا ذاك. وقد يصل الأمر إلى حد الزعم بإمكانية «تخطيط» مثل هذا التطور أو التأثير على سياقه المستقبلي للتعجيل بوتائره. فليس المهم تفسير العالم، بل المهم تغييره، كما يقول ماركس. وهذا يعني أنه بوجود جملة معطيات مستمدة من الواقع الاجتماعي الراهن، وباستعمال منظومة مقولات تفسيرية مستمدة من التجربة البشرية، وهي المنظومة التي تعزى لها صفة القوانين، يمكننا أن نتـنبأ بما سيحدث مستقبلاً دون احتمال لأن تنقض الوقائع الفعلية اللاحقة ما قررناه من تنبؤات. وهكذا يمكننا أن نؤثر في سياق الأحداث اللاحقة استناداً إلى فعل قوى اجتماعية بعينها. وهذا يظهر مدى التعقيد الذي يكتنف مثل هذه القضية. ولا نزعم أن بمقدورنا حسم هذه المسألة الشائكة، ولكننا سنحاول الإسهام بمناقشة أحد جوانبها المهمة، أعني احتمال وجود قوانين للتطور الاجتماعي. ولا شك أن هذا المسألة تستدعي حصر معنى مصطلح القانون في الكتابات التاريخية؛ وكذلك تفرض أن نبدأ بالفحص المعرفي لمفهوم القانون المستعمل هنا بصيغة الجمع لأنه يمثل الركن الأساس في مثل هذه المناظرات. ومن أجل تحديد المعنى الذي يقصده كل من الفريقين من استعمالهما لهذا المصطلح. فما هو المفهوم العام لمصطلح القانون؟ وهل يعني مصطلح القانون الشيء ذاته لدى الفريقين، أم أن معناه يختلف من فريق إلى آخر؟ وما الذي يمكن استنتاجه في كل حالة؟ وهل يجوز، منهجياً ومعرفياً، أن نستعمل مصطلح القانون في حقل الدراسات التاريخية؟

2. في إشكالية مصطلح القانون

يكشف استعمال مصطلح القانون في مختلف العلوم وحقول المعرفة عن تنوع دلالي غزير. فهو يستعمل بمعان مختلفة في العلوم الطبيعية مثل الفيزياء، والعلوم الرياضية مثل المثلثات، وعلوم الحياة مثل الوراثة، والعلوم الاجتماعية مثل الاقتصاد والقانون والتاريخ. ونلاحظ أن استعمال المصطلح يضفي وجاهة على كثير من الأفكار والاستنتاجات في مثل هذه العلوم. ولكن استعماله في حقل معرفي ما قد يكون بمعنى أو معان تتفق في دلالاتها الاصطلاحية حيناً فتنتج بعداً مفهومياً موحداً وقابلاً للتوصيف المعرفي. وقد تختلف دلالات المصطلح فتؤدي إلى الإرباك والتشويش في أحيان أخرى نظراً لافتقار مثل هذا الاستعمال إلى الدقة والموضوعية. وهذا الاختلاف والتباين يمكن أن يدرس استناداً إلى القواعد العلمية المقررة في كل علم أو حقل معرفي على حدة؛ على أن يمتحن ويمحص هذا الاختلاف في معنى المصطلح، في النهاية، استنادا إلى معطيات فلسفة العلم نفسها. وإذا كان الأمر على ما وضحنا فإنه سيجعل من التعرف على حدود التشابه والاختلاف في الدلالة الاصطلاحية لكلمة «قانون» ضرورة مهمة للغاية لتحديد المهاد المفهومي أو المعنى الدقيق للمصطلح في كل علم مما ذكرنا سابقاً. وهو ما سيؤدي بنا لاحقاً إلى فحص وتقرير الفروق الدقيقة في معنى مصطلح القانون بين الفرقاء الفكريين في حقل التاريخ نفسه. ومن ثم يمكننا أن نبني استنتاجاً حول طبيعة القوانين في هذا الحقل. وهذا الاستنتاج يمثل أساساً لفرضية معرفية تسوغ لنا قبول أو رفض فكرة وجود القوانين المنظمة لتطور المجتمع البشري، أعني فكرة وجود منطق حتمي للتاريخ.

3. 1. مصطلح القانون في بعض العلوم الصرفة

في علم الفيزياء يستعمل مصطلح القانون للوصف الموضوعي المطلق في موضوعيته الذي يقرر، وعلى نحو شامل، السلوك الحتمي لظاهرة ما ضمن شروط التجربة ذاتها في الماضي والحاضر والمستقبل وفي أي مكان على وجه الأرض. ويمكن التثبت من صحة القانون العلمي من خلال إعادة التجربة لأي عدد من المرات، وفي أي مكان، وباستعمال أجهزة القياس والتسجيل. كما أن الباحث أو العالم الذي يكتشف القانون العلمي ويصوغه لا يمثل عنصراً داخلياً من عناصر الظاهرة موضوع البحث. ويكون القانون العلمي كلياً وشاملاً، إذ لا يوجد قانونان متعارضان بصدد الظاهرة نفسها كما تخبرنا فلسفة العلم. فإذا ما زعم أحدهم وجود مثل هذين القانونين بخصوص ظاهرة ما فإننا نملك من الوسائل ما يمكننا من حسم الأمر بشأن صحة أحدهما وبطلان الآخر. ففي الفيزياء التقليدية كانت هناك قوانين الحركة قانون التي صاغها الفيزيائي اسحق نيوتن (1643- 1727 م). فهذه القوانين، وخصوصاً فيما يتعلق بظاهرة التجاذب بين أية كتلتين في الكون، تصف وتقنن، على وفق ما شرحنا، هذه الظاهرة في الماضي والحاضر والمستقبل دونما أي احتمال لحدوث أي نسبة من الشذوذ عن منطق هذا الجزء من القوانين. وحين تطورت علوم الفيزياء الحديثة على أيدي كبار الفيزيائيين، ومنهم آينشتاين (1879-1955) الذي قدمت نظريته النسبية العامة فهما جديداً للظواهر نفسها التي وصفتها وفسرتها قوانين نيوتن في الحركة، لم يؤد ذلك إلى نقض تلك القوانين بل جرى تحديد نطاق اشتغالها. وقل مثل ذلك عن طبيعة الضوء وهل هي موجية كما ذهبت إلى ذلك الفيزياء التقليدية أم جسيمية كما تؤكد فيزياء الكم. فقد أظهرت بعض خصائص الضوء ما يؤكد الرأي الأول في حين أكدت بعض خصائصه الأخرى صحة الرأي الثاني، فتكامل الرأيان ولم يتنافيا. وفضلاً عن ذلك يمكن أن نضيف بأن هذا القانون هو صيغة «عقلية» مشتقة من المشاهدة للظاهرة الطبيعية الموجودة سلفاً في تكرارها السرمدي منذ الأزل وإلى الأبد. لذلك فهو كشف عقلي مبدع لما هو موجود فعلاً. وفي العلوم الرياضية يختلف امهاد الاشتغال المفهومي للقانون لأنه هنا ليس مشتقاً من مشاهدة حسية لأية ظاهرة طبيعية خارجية وإنما هو يقرر سلوك ظاهرة هي في الأصل عقلية لأن الرياضيات، من حيث الجوهر، من العلوم العقلية. وفي حقل علوم الحياة، تمثل قوانين مندل (1822- 1882) صياغات عقلية مشتقة من ملاحظة ظاهرة موضوعية هي انتقال الصفات الوراثية الغالبة والمتنحية من الخلف إلى السلف واحتمالاتها على شكل معادلات رياضية بسيطة. والمدهش أن صوغ تلك القوانين قد تم قبل التوصل إلى اكتشاف الكروموسوم والمورثات الجينية بزمن طويل. بمعنى أن التطور اللاحق في علم الوراثة لم يفند هذه القوانين وإنما عززها.

صفحة 8

3. 2. مصطلح القانون في بعض العلوم الإنسانية

يختلف الأمر كثيراً عند استعمال مصطلح القانون في العلوم الإنسانية التي تدرس الظواهر البشرية. لأننا هنا نتحدث عن ظواهر نحن جزء منها، بمعنى أننا نلاحظ الظاهرة بعينين: واحدة خارجية عند مشاهدة الظاهرة كما تتجلى لنا وللآخرين بوصفنا راصدين خارجيين، وأخرى داخلية لأننا ندخل تصوراتنا القبلية، الدينية والأيديولوجية والسياسية عن أنفسنا وعن علاقاتنا بالعالمين الطبيعي والاجتماعي المحيطين بنا ضمن فهمنا للظاهرة، (و لعل من المؤكد أنني أفعل شيئاً مما ذكرته تواً في هذه اللحظة) وبما يؤثر على الصفة العلمية لاستنتاجاتنا وبما نزعم من وجود موضوعي لنظريات و«قوانين» تنتظم الظاهرة. كما تتصف هذه الظواهر الإنسانية بكونها غير قابلة للتكرار من جهة وهي عصية على التقنين التام والدقيق للعوامل الكثيرة المؤثرة فيها منذ البدء. وأيضا ً لوجود عوامل مؤثرة في الظاهرة قد تتلاشى أثناء فحصنا لها وأخرى تدخل على مسار فحص الظاهرة أثناء ذلك. ذلك الفحص الذي يأخذ زمناً طويلاً في العادة،. ولنلاحظ كذلك أننا لا نكاد نتحدث عن تجارب بل عن مشاهدات لحالة حيوية في صيرورتها وتجددها. وهي مسألة تجعلنا نقرر بأن كثرة العوامل الفاعلة والمؤثرة فيها وعدم إمكان حصرها بدءاً وانتهاءاً لا تجعلنا قادرين على معرفة مقدار تأثير كل عامل منها على حدة. وكل ذلك يقلل إلى أدنى حدٍ من إمكانية القطع بأن ظاهرة إنسانية ما يمكن أن تتكرر على نحو بعينه ناهيك عن الزعم بوجود قوانين لها صفة الشمول تنتظم الحراك الاجتماعي وظواهره التاريخية. وكما اختلفت جزئياً دلالة مصطلح «القانون» بين الفيزياء والرياضيات فإن دلالة هذا المصطلح تختلف بين علم اجتماعي إنساني وآخر على نحو أكبر، وذلك آخر فضلاً عن اختلافها بعداً أو قرباً عن دلالة المصطلح في العلوم الطبيعية.

ففي علم الاقتصاد نتحدث عن قانون العرض والطلب من حيث ثبات واطراد الظاهرة المشاهدة في الماضي والحاضر والمستقبل. وأية مشاهدة أو دراسة لاحقة ستعمل على تعزيز منطق هذا القانون الاقتصادي مع إمكانية ضئيلة جداً لحدوث شذوذ عن ذلك المنطق. وبالرغم من نقطة الاختلاف هذه في دلالة مصطلح القانون بين الفيزياء والاقتصاد، إلا أنه يظل أقرب من حيث الدلالة والمهاد المفهومي إلى دلالة القوانين بالمعنى الذي تستعمله العلوم الطبيعية لموضوعيته وشموله.

أما في حقل علم القانون، وهو ما يدرس في كليات القانون، فإن هذا المصطلح يكتسب دلالات متعددة ومختلفة تماماً. فالقانون الدستوري مثلاً يقتصر في دلالته على تنظيم الدولة وأسلوب ممارسة السلطة والعلاقة بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية والعلاقة بين الحاكم والمحكوم والموازنة بين الحقوق والواجبات وعلى ضرورة أن تصدر القوانين التنفيذية والتفصيلية بما لا يتناقض مع جوهر الدستور ونصوصه. فهو إذن ليس وصفاً لظاهرة موجودة بقدر ما هو توصية بما يجب أن يكون. وإذا كانت القوانين الدستورية تختلف بين دولة وأخرى، فإنه لا ينبغي أن يكون القانون الدستوري لدولة ما منسوخاً من القانون الدستوري لبلاد أخرى. لأن القانون الدستوري نتاج لتجربة بعينها عاشتها تلك البلاد فإن ذلك لا ضمان قط أن الأمور في المجتمع الذي يتبنى مثل هذا الدستور سوف تسير على السياق نفسه الذي مرَّ به المجتمع الذي اُخذ عنه الدستور. أما في القانون الجنائي فنحن لسنا بصدد تبيان كيفية الحدوث الحتمي للجرائم التي قد توصف في مواد القانون وفقراته بقدر ما نحن بصدد صوغ النصوص التي تجرم وتحدد العقوبات لتلك الجرائم من أجل الحيلولة دون ارتكابها مستقبلاً. وقل مثل ذلك عن القانون التجاري الذي يحدد العقود وما يترتب عليها من حقوق والتزامات بين المتعاقدين كما ينظم أسلوب ممارسة المهن. من هنا نلاحظ أن دلالة القانون في علم القانون تنصرف إلى تحديد المباح أو ما يجب أن يكون، وغير المباح أو ما لا يجب أن يكون. ومن الطبيعي أن المباح وغير المباح لا يتطابقان بالضرورة بين مجتمع وآخر. لذلك فمصطلح القانون في حقل علم القانون ينطوي على سمة النسبية التي تجعل منه أقرب إلى مفهوم القواعد المنظمة لحياة كل مجتمع على حدة. وحتى مبادئ ما يسمى بالقانون الدستوري أو المدني، وهي ما يصطلح عليه بالقواعد القانونية، تختـلف كليا عن مفهوم القانون في الفيزياء أو في الاقتصاد بسبب من صفة النسبية المتأصلة فيها.

ونلاحظ الآن أن هناك الكثير مما يجمع بين دلالة مصطلح القانون في العلوم الطبيعية وبعض قوانين الاقتصاد من مثل تكرار الظاهرة المقننة والعموم في الدلالة زماناً ومكاناً ومجتمعاً، وندرة أو انعدام حالات الشذوذ، أما من حيث الوظيفة فإننا نلاحظ أن وظيفة القوانين في مثل هذه العلوم هي زيادة فهمنا للظواهر المشاهدة أو المفكر بها على نحو يمكننا من السيطرة على تلك الظواهر. فدلالة القانون هنا لا تشمل حالة أو معنى ما مرغوب فيه أو آخر غير مرغوب فيه؛ إنما هي تصف ظواهر متكررة الحدوث بالكيفية نفسها. أما دلالة مصطلح القانون في علم القانون فهي مختلفة تماماً إلى الحد الذي يجعلها تنصرف إلى أمور دستورية وتنظيمية وعقابية ذات وظيفة اجتماعية وتاريخية. والسمة الجوهرية الأخرى التي تميز بين دلالة مصطلح القانون بين العلوم الطبيعية والإنسانية هو أن القانون في حالة العلوم الطبيعية لا يكاد يخضع للتأويل، بمعنى أنه قطعي الدلالة دائماً؛ أما في العلوم الإنسانية فإن إمكانية التأويل تكاد تشمل القوانين كافة حتى كأن علم التأويل hermeneutics يجد في «القوانين» الاجتماعية ساحة ممتازة لإظهار براعته وجدواه.

3. 3. مصطلح القانون في الدراسات التاريخية

والآن، كيف يمكن أن نحدد المهاد المفهومي والدلالة الاصطلاحية لمصطلح القانون في حقل الدراسات التاريخية؟ وهل تسمح وقائع التاريخ الملموسة لمجتمع ما في حضارة، ما في زمن ما، بأية إمكانية لاستنباط «قوانين عامة يمكن تطبيقها على بقية المجتمعات؟ وهل يجدي إضفاء كلمة «قانون على حوادث تاريخية بعينها في جعلنا قادرين، وبأية درجة من درجات اليقين، أن نقرر باطمئنان بأن هذه الحوادث ستتكرر حتماً وبالكيفية نفسها في المستقبل في مجتمعات وأماكن أخرى؟

بداية نقول أن من يذهبون إلى نفي وجود القوانين إلى حد الجزم بأنه «لا يمكننا التنبؤ بمستقبل سير التاريخ الإنساني» (أنظر بوبر بؤس الأيديولوجيا: ص 8) يستندون في ذلك على مجموعة حجج لعل من أهما عدم انطباق دلالة مصطلح القانون بالمعنى المعروف في العلوم الطبيعية على مصطلح القانون في العلوم الاجتماعية وبخاصة التاريخية منها. فهم إذن يستعملون مصطلح القانون بالمعنى نفسه الذي نجده في بقية العلوم الطبيعية. ولكن مصطلح القانون قد يتخذ شكل إطار عام لتفسير حركة التاريخ. فمثلاً يقرر المؤرخ آرنولد توينبي (1889-1975) بأن القانون في التاريخ هو دورات النكوص والصعود للأمم والحضارات نتيجة لمنطق التحدي والاستجابة. ولكن، وعلى سبيل المثال لا الحصر، أثبتت التجربة المريرة أن العرب مثلاً لم يكونوا يمتثلون لهذا المنطق أو القانون على الرغم من كونهم قد اطلعوا عليه وترجموه إلى العربية؛ وعدّوه فكرة مهمة مثلت بالنسبة لهم أملاً عزيزاً على أنفسهم فكانوا أكثر احتفاءً به وتهليلاً لـه من البريطانيين أنفسهم! كما لم يستجب لـه أغلب الأفارقة الذين ارتكس لديهم حلم التقدم بعد الاستقلال فتحول هذا الحلم إلى حروب أهلية طاحنة! فلماذا لم ينطبق قانون التحدي والاستجابة في هاتين الحالتين!؟ وقد يقول ماركس بأن القانون هو الصيرورة التاريخية «التقدمية» (و التقدمية، كما نعلم، صفة تقويمية. والصفات التقويمية ليس لها وجود قط في القوانين العلمية) من المشاعية البدائية إلى العبودية إلى الإقطاع إلى الرأسمالية إلى الاشتراكية فالشيوعية بفعل التناشز أو التناقض بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج (دون أن ينسى طبعاً أن يشير إلى نمط الإنتاج الآسيوي بوصفه سياقاً مختلفاً عن السياق الأوربي للتطور التاريخي وموازياً له). وأن محرك هذه الصيرورة التاريخية هو الصراع الطبقي الذي تقوده في المرحلة الرأسمالية الطبقة العاملة. ولكن هل كان بإمكانه، حتى لو عاش كفاية ليشهد ما شهدناه، أن يفسر لنا السبب في عدم نضوج الظروف الموضوعية لقيام الطبقة العاملة بثورتها المأمولة حتى الآن!؟ أو لماذا فشلت التجربة الاشتراكية في بلدان بعينها‍‍!؟ ‍‍ أشك في ذلك لأن من أخطأ مرة قد يخطئ مرة أخرى.

وقد يرى د. برهان غليون، وهو ممن يرد مصطلح القانون صراحة في كتاباته الممتازة، أن حركة المجتمع وتطوره تخضع لقوانين حركة يمكن أن تدمج في «قانون عام يشمل حركة المجتمع ككل». (غليون، اغتيال العقل: ص 39)، سعياً منه إلى تفسير «وجه من وجوه حركة التاريخ الاجتماعي» محولاً فكرة صحيحة استمدها من بحث معمق وأصيل في مسألة «تطور الثقافية» إلى قانون دون الالتفات إلى أكثر سمات مصطلح القانون أهمية. وهو ما يجعلنا نقبل كثيراً من تحليلاته دون أن نتـفق معه على أن النتائج التي توصل إليها ترقى إلى مصاف القوانين.

4. خاتمة

يظهر الفحص المعرفي لدلالة استعمال مصطلح القانون في حقل الدراسات التاريخية، وبعد قراءة مدققة ومركزة للمهاد المفهومي للمصطلح نفسه في العلوم الطبيعية والإنسانية ودلالاتها الاصطلاحية، أن هذه الدلالة بعيدة كل البعد عن الاستجابة للتوصيف العلمي لمصطلح القانون. فهي قد تعبر عن رغبات وتصورات وانحيازات مسبقة وتنبؤات. فما يسمى بالقوانين التاريخية لا يتطابق مع أهم حدود مصطلح القانون العامة إلا وهي: العموم، والوصفية، والموضوعية، ووجوب تكرار الظاهرة موضوع القانون دون أية حالات شذوذ، وعدم وجود قوانين متضاربة لتفسير الظاهرة نفسها، وقلة أو انعدام إمكانية تأويل القوانين. وبذلك يمكن لنا أن نستنتج بثقة أن «القوانين» التاريخية تنتسب إلى حقل الأيديولوجيا عن جدارة. فأنا حين أقرر بكامل الاطمئنان أنه «إذا غمر جسم ما في مائع ما فإنه يفقد من وزنه بقدر وزن المائع المزاح»، فلن ينظر إلى أحد، بعد أن يتحقق من مطابقة الواقعة الملاحظة مع ما قلته مذهولاً ويقول لي: يا لك من متنبئ عظيم!

لأنه ببساطة يعرف جيداً أنني أقرر قاعدة معروفة وصحيحة دائماً قالها أرخميدس في القرن الثالث قبل الميلاد. أما إذا قلت، وبعد دراسات مستفيضة، بأن السياق المستقبلي للتطور سيكون على نحو بعينه ثم جاءت الأحداث لتثبت جزئياً أو كلياً صحة ما قلته فأن من حق أي فرد أن يصف ما قمت به على أنه نبوءة صدقت، وليس لـه أن يزعم بأن ما قلته قانون أثبتت صحته الأحداث. تلك الأحداث التي ربما لن تتكرر مطلقاً. وهذا يعني أن مهمة دراسة التاريخ البشري ما زالت بعيدة عن التوصيف العلمي الموضوعي. فكل ما لدى المؤرخ من وسائل، كما يقول لوسيان جولدمان، ينحصر في النزاهة والنظرة الشمولية والروح النقدية والإخلاص في العمل ناهيك عن الفطنة والذكاء دون أن تكون القوانين من ضمن وسائله (جولدمان، العلوم الإنسانية والفلسفة: ص 50). أما ما يصوغه المؤرخ من استبصارات فهو نوع المقولات التفسيرية التي تساعدنا على فهم التجربة البشرية السابقة على نحو قد يجعلنا أكثر حنكة وموضوعية حين نعالج المشكلات التي يطرحها الواقع الراهن وقد يمكننا من تجنب مواضع الزلل في المستقبل. ولعل هذا النهج الفكري هو الذي كان وراء الجهد العلمي الذي قدمه المؤرخ بيتر جران، وهو من أتباع المفكر الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي، في كتابه الذي حاول فيه أن يؤسس لنظرية جديدة في تفسير التاريخ اعتماداً على تحليل أسلوب ممارسة السلطة والحكم ليقرر، بعد فحص دقيق لنظم الحكم، أن التطور التاريخي قد أفرز طرائق أربع. وهذه الطرق هي الطريق الروسي، والطريق الإيطالي، والطريق القبلي الأثـني، كما يتجسد في ألبانيا والكونغو البلجيكية، وأخيراً الطريقة الديمقراطية البرجوازية كما تتمثل في بريطانيا وأمريكا. والملاحظ أنه لم يزعم أن لرأيه هذا صفة القانون. وقد توصل في نهاية دراسته المطولة هذه إلى أن الجدل/ الديالكتيك/ الحديث الحقيقي للمجتمع الحديث لمَّا يوضع بعد» (جران 1996: ص 658) وهذا يعني أنه لا وجود لحتمية تاريخية. إذ حتى مع الترخص في فهم دلالة مصطلح القانون تظل المهمة الشاقة للكشف عن طبيعة التطور التاريخي للمجتمعات بحاجة إلى مزيد من البحث والاستقصاء لأنها مهمة غير منجزة. وكل ما يمكن أن يقدمه التاريخ لنا، حتى الآن، هو معرفة مفيدة في توقع احتمالات المستقبل. أما القول بأن التطور التاريخي مرسوم سلفاً على وفق إرادة عليا أو عقل كلي فإن ذلك يعني الانتقال من محاولة الفهم العلمي للتاريخ إلى المنطق الديني أو منطق الإيمان. وهنا أيضاً لا وجود للقوانين بالمعنى العلمي؛ لأن ما يجري في المستقبل، على وفق التصور الديني، هو في علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله. وبذلك تفقد دراسة التاريخ أهم مسوغاتها. أعني الزعم بأنها تسعى إلى جعل الإنسان على قدر من المعرفة يمكنه من التحكم بصيرورة مستقبله. ولعل فقدان هذا المسوغ هو السبب في اقتصار الدراسات التاريخية العربية عموماً على التدوين التاريخي، أو التأريخ بإثبات الهمزة، أو ما يسمى historiography بالإنجليزية دون دراسة التاريخ وتفسيره. والاستثناء المهم لهذا القول هو أبن خلدون في مقدمته الشهيرة لكتاب (المبتدأ والخبر) التي فاقت في أهميتها ما دونه من تأريخ في المتن.

أليس كذلك؟

صفحة 9

الهوية الوطنية: محاولة في التعريف الوظيفي

يثير التباس مفهوم الهوية الوطنية وعدم وضوح حدوده في بلاد كثيرة من بلاد العالم، ومنها العراق وبعض البلاد العربية الأخرى، أسئلة أكثر بكثير مما يطرح من الإجابات نظراً لكونه من أكثر المفاهيم إثارة للخلاف بين المواطنين والمتحاورين والكتاب والفرقاء السياسيين. ويستعر أوار الخلاف حولـه أكثر فأكثر في أزمنة الأزمة التي تضع كثيراً من المسلمات التي سادت لفترة ما موضع الشك والمساءلة. ولعل الحال في العراق يمثل تجسيداً ملموساً لهذه الحقيقة. إذ على الرغم مِـنْ أن مَـنْ يتحاورون حول ماهية مفهوم الهوية الوطنية وحدوده يتفقون جميعاً على أهميته الجوهرية في إرساء الوحدة الوطنية على أسس راسخة، إلا أنهم نادراًىما يتفقون بصدد ماهية هذه الهوية وأبعادها الثقافية والفكرية والسياسية ناهيك عن إطارها السياسي العملي. والواقع أنه يمكن استعمال مفهوم الهوية الوطنية على أنه شعار سياسي ذو بعد استراتيجي لهذا الطرف السياسي أو ذاك، أو أن يُـصاغ على وفق الرؤيا الأيديولوجية لهذه الجهة أو تلك دون أن تتوفر النية الفعلية للعمل على وفق ما يحقق هذا الشعار على أرض الواقع. بيد أن مثل هذه الممارسات السياسية أنتجت وتنتج تصورات كثيرة في عددها ومتباينة في أُسسها النظرية وفي أهدافها. وهو ما يغيب البعدين الموضوعي والمعرفي للمفهوم ويقلل من قيمته الفكرية ومن فاعليته الإجرائية على أرض الواقع فيجعل منه دافعاً نحو الفرقة والتناحر داخل المجتمع بدلاً من أن يكون حافزاً للتوحيد والتعاضد. ولعل من نافلة القول أن تحديد طبيعة المفاهيم الاجتماعية والسياسية العامة، ومفهوم الهوية الوطنية واحد من أهمها، بحث في ماهيات لمفاهيم مؤسسة على وجود متحقق وعيني وليست مقامة على أساس من التمنيات. إن الفرد يوجد في مجتمع ما أولاً ثم يكتسب هويته أو ماهيته لاحقاً. بمعنى أن الهوية ليست معطى مقدساً وثابتاً ونهائياً، وإنما هي معطى تاريخي في حالة صيرورة وحركة دائمين. ولذلك فمفهوم الهوية الوطنية عرضة للمراجعة والنقد والتقويم لجعله أكثر فاعلية في أداء وظائفه الأساسية في توحيد المجتمع وتحديد من ينتسبون إليه وتمييزهم عمن سواهم. فنحن نتفق تماماً مع من يقول أن «... ليس لهوية قيمة في ذاتها أو فيما تخلقه من شعور بالخصوصية، وإنما تنبع قيمتها مما يقدمه الإطار الذي تخلقه من فرص حقيقية للتقدم وتوسيع هامش المبادرة التاريخية للشعوب والجماعات التي تنطوي تحت شعارها» (برهان غليون، حوارات من عصر الحروب الأهلية: 312-313، والتوكيد لكاتب السطور). وهذا يعني ضرورة البحث في ماهية مقومات الهوية وصولاً إلى تحديد ما يفرضه الواقع الراهن في العراق من وظائف على الهوية الوطنية أن تؤديها لكي تجعل أبناء العراق يستعيدون لحمتهم الوطنية التي توشك أن تتفكك عراها؛ ويستعيدون مبادرتهم التاريخية وفرص تقدمهم في المستقبل.

ولسوف يشكل ذلك حافزاً لكاتب هذه السطور، بوصفه عراقياً مستقلاً، لكي يقدم رؤياه الفكرية بخصوص مفهوم الهوية الوطنية إسهاماً منه في إغناء الحوار حولـه. وهو يعترف أنه لن يكون بمنجاة من تأثيرات فكرية بعينها؛ ولكنه سيسعى، قدر المستطاع، للحد من تأثيرها على ما سيقول. ولكي يجعل أطروحته أكثر موضوعية، وبالتالي أكثر موثوقية، فإن الكاتب سيخضع قراءته هذه لإجراءين منهجيين: أولهما تحديد المنظور المعتمد في هذه الأطروحة، وثانيهما الالتزام بمنهجية صارمة تلتزم الحياد في عرض الآراء المختلفة وتحليلها ومناقشتها وبناء الاستنتاجات المترتبة عليها.

لعل من المناسب بداية أن نقرر مبادئ عامة نحتكم إليها في مسعانا لتحديد مقومات الهوية الوطنية. وهي المبادئ التي يمكن حصرها بالآتي:

1. أن تكون الهوية منسجمة مع معطيات الفكر السياسي والقانوني الحديث الذي يستند إلى قاعدة المواطنة بوصفها معياراً جوهرياً ومبدأ قانونياً في تأمين المساواة في الحقوق والواجبات لجميع أبناء الشعب ممن يحملون هذه الهوية.

2. أن تكون الهوية معبرة عن الواقع الراهن للشعب العراقي بوصفه كلاً غير قابل للتجزئة. بمعنى أنها لن تكون انعكاساً لتصور فئة ما دون غيرها. وهذا الأمر يجعل منها هويةً وطنيةً بحق وليست تعبيراً عن موقف سياسي ضيق.

3. أن تكون الهوية عامل توحيد وتقوية وتفعيل للحراك السياسي الاجتماعي والاقتصادي في البلاد على الأسس الواردة في المبدأين أعلاه، وأساساً راسخاً لتعزيز الكيان السياسي الموحد للدولة واستكمال بناء مؤسساتها المعبرة عن وحدتها من جهة واستعادة سيادة البلاد ومواصلة دورها الإقليمي والدولي من جهة أخرى.

صفحة 10

في مشكلة مقومات الهوية

لعل مسألة تحديد مقومات الهوية من أكثر القضايا صعوبة وحساسية لأنها تنطوي بالضرورة على إغراءات أيديولوجية قد تطيح بالبعد المنهجي والموضوعي للبحث في تحديد هذه المقومات. فقد طرحت الأيديولوجية الماركسية مفهوماً أُممياً للهوية تجسد في شعار (يا عمال العالم اتحدوا) الذي يدعوا إلى وحدة عمال بلاد العالم كافة على أساس طبقي. ولكنه في الوقت نفسه ينطوي ضمناً على وحدة من نوع آخر هي وحدة الرأسماليين على أساس طبقي أيضاً. وبذلك ظهرت أولى ملامح الهوية الطبقية التي تتجاوز الحدود والمقومات القومية والدينية. لكن المفهوم الطبقي هذا كان فضفاضاً وطوباوياً إلى درجة أنه لم يصمد طويلاً حين اختار العمال في ألمانيا وبريطانيا وفرنسا الوقوف وراء حكوماتهم الرأسمالية أثناء الحروب الأوروبية المحلية والعالمية متجاهلين هويتهم الطبقية ومنحازين لهويتهم القومية. ومنذئذ بقيت مسألة الهوية وعناصرها التكوينية مطروحة للجدل والسجال الفكري والأيديولوجي. فما هي الهوية؟ وما هي العناصر أو المقومات التي يجب أن تدخل ضمن مكوناتها؟ وهل ينحصر تعريفها على الدين والقومية فحسب؟ وما هي خيارات الهوية المتاحة الآن أمام العراقيين؟

ليس القصد من التوكيد على الآنية في السؤال قبل الأخير الزعم بآنية الهوية المرجوة؛ وإنما هو فقط للإشارة إلى الوضع المتفاقم لأزمة الهوية في العراق في هذه المرحلة بالذات. وهو وضع يتطلب، وبإلحاح، إجابة تتوافر لها عناصر تاريخية ملموسة ومقومات حقيقية على أرض الواقع فضلاً عن تطلعات مستقبلية مشروعة من جهة وممكنة من جهة أخرى. وسوف فنبدأ بالإجابة على السؤال الأخير لأن الإجابات على بقية الأسئلة ستحدد وتجد إجاباته أثناء التوسع في الإجابة عليه.

إذا استبعدنا الخيار الطبقي لأنه فضفاض وطوباوي، ولأنه لم ينجح تاريخياً في البلاد المتقدمة التي توجد فيها طبقة عاملة ناضجة، وتأملنا في خيارات الهوية المتاحة أمام العراقيين لرأينا أنها تتلخص في ثلاثة خيارات متمايزة جوهرياً هي:

1. الهوية الدينية: وتستند هذه الهوية إلى الدين الإسلامي. وهي ذات بعد تاريخي يستحضر بالضرورة تاريخ الدولة الإسلامية التي قامت بالإسلام وعلى الإسلام. تلك الدولة التي كانت لها إنجازات حضارية عظيمة. وكانت لها، في الوقت نفسه، أخطاء جسيمة على المستوى السياسي. وليس الغرض من هذا الكلام نقد الدين الإسلامي الذي نرجو أن يحظى باحترام يبعده عن الاستعمال في الصراعات السياسية والاجتماعية. إنما هو نقد لتجربة الحكم والحاكمين باسم الإسلام. وبما أن هؤلاء الحاكمين من البشر، فهم إذن ليسوا بمنأى عن النقد. ويمثل حلم استعادة الدولة الإسلامية مجدداً الركن الأساس في مثل هذه الهوية والبعد المستقبلي لها أيضاً. لكن هذه الهوية الحلم تبتعد كثيراً عن أرض الواقع وما يحفل به من حقائق وقضايا ساخنة ليرسم حدود هوية فضفاضة وطوباوية أيضا ً تتجاوز حقائق التاريخ في الماضي ومتغيرات الواقع الاجتماعي والحضاري في الوقت الراهن؛ وذلك لكونها تتجاهل ذلك التنوع الهائل عرقياً ولغوياً وثقافياً للشعوب الإسلامية في عصرنا. وتتجاهل تمدد تلك الشعوب وانتشارها على جغرافية شاسعة تشكل في نهاية المطاف حاجزاً يحول تماماً دون حلم الدولة الإسلامية الواحدة. فلهذه الشعوب سياقات تطور اجتماعي واقتصادي وسياسي شديدة الاختلاف، فضلاً عن كون الهوية الإسلامية المفترضة تتجاهل أيضاً الاختلافات الفقهية. فالدين ليس نصوصاً مقدسة فحسب، وإنما هو نصوص مقدسة وتفسيرات مختلفة لها. بمعنى أن مثل هذه الهوية ستدخلنا في مشكلة تاريخية مزمنة وتجعلنا جزءاً من كل غير موحد من حيث طبيعة المشكلات الاجتماعية التي تعانيها أو الثقافة التي تتبناها أو الأهداف التي تتوخى تحقيقها. (أنظر يوسف سلامة: ص 6) وهذا سوف ينعكس سلبياً على الوضع في العراق. وهو البلد الذي يعيش في وضع مترد ٍ ومأزوم أصلاً. ويمكن أن نضيف أيضاً أن مثل هذه الهوية ستكون بالضرورة ذات طابع شمولي لأمرين: أولهما كون الإسلام، كباقي الأديان، دين شمولي، وثانيهما أن هدفاً بهذه الجسامة، وهو هدف يمكن أن يوصف بالاستحالة أيضاً، لا يمكن السعي لتحقيقه دونما فلسفة في الحكم ذات طابع شمولي. لذلك فإن الهوية الإسلامية تتجاهل وجود مواطنين يعتنقون أديان أخرى في العراق (و في باقي أجزاء البلاد الإسلامية). وهؤلاء يأملون بهوية لا تـُعطى لهم كمنحة دالة على تسامح الأكثرية المسلمة بقدر ما هي حق طبيعي لهم غير منازع. وهذا الأمر يمثل أهم نقاط الضعف في فلسفة الهوية الإسلامية. وهو لا ينطبق على العراق فحسب، بل ينطبق أيضاً على مصر والسنغال ولبنان وتركيا وإيران وكثير من البلاد الإسلامية الأخرى في آسيا وأفريقيا وأوروبا.

2. الهوية القومية: للوهلة الأولى، تبدو الهوية القومية أكثر قرباً من الواقع بالمقارنة مع الهوية الدينية. فهي ترتكز على العروبة متخذة منها منطلقاً في تحديد الهوية القومية للشعوب التي تعيش في البلدان التي يصطلح عليها بالوطن العربي. وبذلك يصح القول أن هذه الهوية ترتبط بواقع مجزأ فعلياً من جهة، وبتطورات سياسية واجتماعية قد تحصل، أو قد لا تحصل، في هذه المنطقة في المستقبل من جهة أخرى. بمعنى أنها هوية معرفة بواقع سياسي مجزأ وسلبي هو كون البلدان العربية مقسمة إلى أقطار. والحقيقة أنها هوية معلقة على شروط مستقبلية غير متحققة على أرض الواقع مثل القول بتحول هذه الكيانات القطرية إلى التعاون الحقيقي البناء وبنضج الشروط الذاتية والموضوعية المناسبة ليتحول هذا التعاون المأمول إلى شكل من أشكال التوحيد للبلاد العربية. وهذا مما يجعلها غير مناسبة إجرائياً في حل مشكلة أزمة الهوية التي يعيشها الشعب العراقي حالياً وحتى زمن مستقبلي منظور. كما إن هذه الهوية لا أساس تاريخي لها إذ لم يسبق أن تكونت دولة في هذه البلاد الموصوفة بالعربية على أسس قومية عربية محضة. فالإسلام هو الذي وحَّدَ العرب الذين كانوا قبله قبائل متناحرة. وقد وحَّدَ الإسلام كثيراً من الأمم الأخرى في دولة واحدة. وقد يقول قائل: أليس هذا إقرار منك بقدرة الهوية الدينية، وهي التي سبق لك أن رفضتها، على توحيد المختلفين والمتفرقين سواء أكانوا عرباً أم من أُمم أخرى؟ فأقول أن التوحيد الإسلامي قد جرى على مراحل استغرقت أكثر من القرن. وحدث ذلك في مرحلة تاريخية مواتية داخلياً من حيث زخم الانطلاق الأول لحضارة ناهضة تواجه حضارات آيلة للتفكك الوشيك. أعني أن التوحيد حدث في ظرف تاريخي فريد من جميع النواحي. وهو وضع لم ولن يتكرر على النحو نفسه مطلقاً. إذ نعرف من تاريخنا العربي الإسلامي نفسه أن التوحيد في دولة واحدة، وهو توحيد أستمر حتى قيام الدولة العباسية ونشوء مركزين للحكم وفي بلاد الأندلس، سرعان ما انحسر ليحل مكانه التفتيت التدريجي الذي استغرق حوالي ثلاثة عشر قرناً. وفي أثناء ذلك، دارت حروب بينية داخلية دموية في دول أو دويلات الإسلام. وهذا يجعلنا ندرك أن تعريف الهوية على أساس الإسلام ضرب من البناء على أسس مشتقة من خيال ورغبات وتوق إلى تاريخ ٍ انتهى ولم يعد لـه وجود. واستناداً إلى ذلك نقول أن لا فرصة لهذه الهوية في النجاح مرة أخرى. وأما بالنسبة الهوية القومية العروبية، فالحقيقة أنها تستند، تاريخياً، إلى نموذج الدولة- الأمة التي ظهرت في أوروبا؛ ثم تجسدت في التوحيد الإيطالي والألماني في القرن التاسع عشر. وما أعقب ذلك من تفكك الإمبراطوريتين العثمانية (الإسلامية) والنمسا والمجر (المسيحية) إلى مكوناتهما الأساسية في أعقاب الحرب العالمية الأولى. والهوية القومية تشترك مع الهوية الدينية الإسلامية في كونها تحاول إعادة تجربة حدثت في ظرف تاريخي متفرد ولا يمكن تكراره. ولكنها تختلف عن الهوية الإسلامية في كونها تحاول تكرار تجربة لم تحدث في الشرق العربي الإسلامي، وإنما حدثت في بعض بلدان أوروبا. وهي تجربة أدت إلى حروب طاحنة بين تلك البلدان. ولعل من المناسب أن نذكر بأن أوروبا تسعى حالياً لتجاوز تجربة الدولة القومية بعد أن استنفدت أغراضها. فهل يراد لنا أن نجرب نموذجاً مستهلكاً للهوية؟ ويستند الفكر القومي العربي أيضاً في كثير من أطروحته النظرية، وإن كان منظروه ينكرون ذلك، على كتابات الفيلسوف الألماني فيخته (1762-1814 م) وخصوصاً ما جاء في خطاباته إلى الأمة الألمانية. ويمكن أن يبنى نقد هذه الهوية أيضاً على تجاهلها لحقائق الدولة القطرية على الأرض التي صارت الآن، كما يقول محمد عابد الجابري، وهو أحد القائلين بالهوية القومية، أنها حقائق صارت «حقيقة نفسية فضلاً عن كونها واقعاً اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً ودولياً» (الجابري: 14). كما أن من شأن التوكيد على مثل هذه الهوية القومية العربية أن يحفـِّز الأكراد إلى العمل على مشروعهم القومي الخاص بهم. ويحفـِّز التركمان إلى المطالبة بالعودة إلى حضن دولة مجاورة. كما أنه سيحرك دول الجوار على رسم مشروعات تقسيم للبلاد بدعاوى حماية المتماثلين قومياً معها مما يقوض أسس بناء الدولة ووحدتها. كما أنه، من الناحية المنطقية والقانونية، ليس من حق المطالبين بجعل العروبة أساساً للهوية أن يقصروا ذلك على قومية بعينها دون القوميات الأخرى في البلاد. بمعنى أن التوكيد على العروبة شرطاً أساسياً لتحديد ملامح الهوية سيؤدي لا محالة، وبصرف النظر عن نوايا القائلين بذلك، إلى تقسيم العراق عاجلاً أم آجلاً.

3. الهوية الوطنية العراقية: تركز أغلب الدراسات والبحوث التي أطلعنا عليها على البعدين الديني و/ أو القومي عند تناولها لمسألة الهوية وأزمتها. وتغفل كلياً عن البحث في إمكان تعريف الهوية استناداً إلى مقومات وطنية أو قطرية وذلك اعتقاداً منهم أن الإقرار بالخصائص الوطنية للهوية يتعارض أو يتنافى أو يلغي الخصائص الدينية أو القومية أو كلاهما معاً. ولكن ذلك اعتقاد لا يقوم على أسس حقيقية، وإنما هو مستمد من مخاوف من أن تكون الهوية الوطنية بديلاً أبدياً عن الهوية القومية العربية، أو أن يقعد ذلك الشعوب العربية عن السعي نحو الوحدة. والحقيقة الناصعة هي أننا أصبحنا، وبعد تجربة سياسية مريرة لأكثر من نصف قرن من الزمان، بعيدين عن حلم الوحدة بفضل أسباب كثيرو، ومنها أفعال وسياسات الأحزاب والحكومات التي نادت بالوحدة. تلك الأحزاب والحكومات التي رفضت أي بحث في إمكانية تعريف الهوية استناداً إلى الواقع الراهن معتبرة إياه نوعاً من الهرطقة كما حصل مع رفض الهوية الفرعونية في مصر والهوية الفينيقية في سوريا ولبنان. ونعتقد أنه، وبعد تجربة طويلة من الهزائم والاخفاقات، فإن من حقنا أن نشك في جدوى ذلك الإقصاء المبرم للبحث في تعريف الهوية الوطنية، فنسأل: هل كان تحقيق الهوية القومية في كل من فرنسا وألمانيا وإيطاليا وأيرلندا.. إلخ، حائلاً دون تحقيق هوية أوسع هي الهوية الأوربية؟ وإذا كان الجواب بالسلب، فإن من حقنا أن نقرر بأن تحقيق الهوية الوطنية المرتبطة بكيان سياسي واجتماعي واقعي وقائم على الأرض شرط لا بد منه لتحقيق أية هوية أخرى أوسع منها. كما أن الخيار بين الهوية الشاملة ممثلة بالدين أو القومية والهوية الوطنية غير متاح الآن على نحو يجعل اختيار إحداهما نفياً ونقضاً للأخرى. والصحيح أن نقول أن الخيار الواقعي الوحيد الممكن هو خيار الهوية الوطنية لأنه يعبر عن حاجة ملحة يفرضها واقع التشتت والتناحر الحالي. وهو خيار لا يتعارض بالضرورة مع الخيارات الأخرى، بل يمكن أن يتكامل معها مستقبلاً. وفي الحالة العراقية، تتميز هذه الهوية بكونها تستند إلى وجود تاريخي موغل في القدم هو تاريخ بلاد ما بين النهرين. كما أن العراقيين كانوا مميزين في زمن الدولتين العباسية والأموية. إذ يشير كثير من المؤلفين العرب والمسلمين في كتب الأدب والرحلات والتاريخ العربية إلى العراقيين، وكذلك يفعلون بالنسبة لمصريين والشاميين، بوصفهم جماعة مميزة تقطن بلاد ما بين النهرين دون أن يتهم أحد القائلين بذلك على أنهم يسعون إلى نسف أسس الدولة الإسلامية القائمة آنذاك. وتستند الهوية العراقية أيضاً إلى التاريخ الحديث الذي بدأ مع تكوين الدولة العراقية في العام 1921م. وهو التاريخ الذي أستمر إلى الآن بالرغم من تفكك الدولة في العام 2003م وانهيارها الشامل نتيجة الغزو الأمريكي. ويجب أن تستوعب الهوية الوطنية العراقية، بحكم التعريف، كل ما يميزها عن الهويتين الدينية والقومية دون أن تتناقض معهما بالضرورة أو أن تلغي إمكانية التكامل مع ما يتحقق منهما فعلياً. كما يجب أن تكون الهوية الوطنية العراقية هي الوحيدة التي يجتمع العراقيون تحتها. أما الصفات الأخرى العرقية والدينية والمذهبية فهي ليست مما يرقى إلى مستوى الهوية الوطنية مطلقاً. أي أنها ليست هويات بديلة أو رديفة، ولكنها بالتأكيد من مقومات الهوية الوطنية العراقية. إنها خصوصيات تحظى بالاحترام وليس لها أن تكون على تناقض مع الهوية الوطنية العراقية مطلقاً. فإذا اتفقنا على أن أهم وظائف الهوية أن تحدد وتفرز وتميز على أسس واقعية وملموسة وليس في فراغ نظري مشتق من الرغبات والأمنيات، وإذا اتفقنا مع برهان غليون في أنه «لا تطرح مشكلة الهوية الحقيقية إلا داخل نظام موحد» (برهان غليون، نفسه: 309)، واختزلنا معنى النظام الموحد إلى ما هو محلي وعراقي تحديداً، وذلك لأسباب جوهرية يفرضها واقع العراق السكاني المعقد أصلاً وما يشهده الآن من اضطرابات وصراع يكاد يطيح بوحدة البلاد، فسيكون من المنطقي أن تتضمن الهوية الوطنية العراقية كذلك كل ما يميز العراقيين عن جيرانهم، سواء أكانوا من العرب أم من المسلمين. وأن تتضمن أيضاً كل ما يشكل أساساً راسخاً لوحدتهم من مقومات إيجابية يمكن أجمالها بالآتي : المقوم الأول هو مقوم النظام السياسي الموحد ضمن دولة واحدة وعلى أرض واحدة. وإذا كان القول بوجود النظام الموحد والدولة الواحدة يثير مسألة حساسة هي طبيعة نظام الحكم في الأرض الواحدة،. تلك الأرض التي تستمد وحدتها من وحدة الإرادة السياسية لمكونات الشعب العراقي كافة؛ ذلك أن وحدة الشعب على أسس موضوعية من أهمها الهوية الوطنية هي الضامن الوحيد لوحدة الأرض والدولة. على أن ذلك يدعونا إلى القول بأن المفاضلة بين أن يكون النظام السياسي في العراق الجديد مركزياً أو اتحادياً، على أهميتها، لا ينبغي أن تحول دون الأخذ بنظر الاعتبار ذلك التنوع الكبير في مكونات الشعب العراقية، وكذلك ذكريات الماضي القريب وما خلفته من مخاوف وشكوك. فهذه أمور قد تجعل اختيار النظام الاتحادي أمراً مرغوباً فيه شرط أن لا يكون ذلك تمهيداً لتقسيم وشيك للعراق. والمقوم الثاني هو الإقرار بالتنوع العرقي للشعب العراقي (عرب، كرد، تركمان، وأية أقليات أخرى). والمقوم الثالث هو الإقرار بالتنوع الديني والمذهبي(مسلمون، مسيحيون، إيزيديون، صابئة). وهنا سيكون التسامح القومي والديني سمة جوهرية من سمات الهوية العراقية حين لا يكون هناك مجال لأية نزعة استعلائية من أية جهة كانت إزاء المجموعات الأخرى. والمقوم الرابع هو الإقرار بالتنوع الثقافي واللغوي بما يخلق قاعدة أساسية من الشعور والممارسة لحرية تحقيق السمات الثقافية الخاصة بكل جماعة من المكونات دون تناقض مع سمات الآخرين الثقافية الخاصة. أما المقوم الخامس الذي يعد نتيجة لكل المقومات السابقة فهو الإقرار بالتنوع الفكري والسياسي الذي يسمح لكل الأفكار والآراء أن تزدهر بحرية ودونما وصاية أو منة من أحد. والشرط الوحيد لهذا المقوم الأخير هو أن لا ينطوي التنوع السياسي على أي تحريض، صراحة أو ضمناً، للاحتراب الداخلي أو ينسف أحد أسس الهوية الوطنية العراقية. وذلك استناداً إلى أن من أهم وظائف الهوية أن تحمي الكيان السياسي والاجتماعي والاقتصادي من أية محاولة لتدميرها. وحتى لا يتناقض هذا المقوم مع حرية الرأي إذ قد يغلق الباب أمام أي اجتهاد أو تغيير مما قد يراه بعض المفكرين ضرورياً، ونظراً لأن الحرية تعني المسؤولية، فإن بالامكان أن يكون شرط التعبير عن أية آراء مناقضة لما ورد أعلاه هو أن يكون بصيغة دعوة سلمية ومن خلال المؤسسات الدستورية. وأن يوكل البت في أية تهمة من هذا القبيل إلى القضاء النزيه والمستقل.

وأخيراً يمكن أن نقرر، ونحن ندعو الآخرين من كل الجهات إلى مناقشة ما طرحناه هنا بروح الحوار الإيجابي البناء، أن خيار الهوية الوطنية العراقية هو الأكثر تعبيراً عن تاريخ العراق البعيد والقريب، وهو الخيار الأكثر إنسجاما ً بحقائق الواقع الاجتماعي والسياسي الراهن في العراق، كما أن من المأمول أن يكون هذا الخيار هو الأكثر ضماناً لمستقبل عراق موحد مزدهر يسوده السلم الأهلي، ويعيش فيه مواطنون عراقيون أحرار وأسوياء ومتساوون في الحقوق والواجبات. وهو عراق يفخر أبناؤه بالانتساب إليه ويفخر هو بهم. كما إنه خيار هوية ذات مضمون سياسي وطني سيغلق باب الدكتاتوريات إلى الأبد. ويحظى فيه من تعرضوا للظلم بالإنصاف والعدل، دون أن تسمح مثل هذه الهوية بخلق مظالم جديدة لأية جهة كانت.

وفي تقديري أن العراق المعافى وذا الهوية الحقيقية والبناءة التي أوضحنا مقوماتها في أعلاه سيكون عنصراً إيجابياً في أية جهود تبذلها دول الجوار أو المنطقة للتعاون الإقليمي السلمي البناء وغير الموجه لعزل هذه الدولة أو تلك. كل ذلك سيكون ممكناً عندما تنضج الظروف الموضوعية المناسبة وتتمكن هذه الدول كافة من الخروج من دائرة الكيد والتناحر السياسي الضيقة إلى فضاء التعاون والعمل السياسي الخلاق. وبذلك أيضاً لن تكون أرض العراق منطلقاً للعدوان على أي من دول الجوار.

ولكي يتحقق هذا الحلم النبيل، حلم الهوية الوطنية العراقية، فإن ذلك يتطلب حواراً معمقاً ومتواصلاً بين المثقفين والباحثين والساسة من أجل صوغ صورة شاملة لمفهوم الهوية الوطنية العراقية التي تحفظ للعراق وحدته وتفتح أمام أبنائه كافة سبل العمل الحقيقي المثمر. وفي مثل هذا المفهوم سيجد كل مكون من مكونات الشعب العراقي نفسه فيه دون إلغاء أو تهميش للآخرين. كما أن من شأن مثل هذا المفهوم أن يتحول، من خلال الممارسة، إلى نسق فكري شامل ومعبر عن أهم ما يتميز به العراقيون. ولعل من المناسب أيضاً أن ندعو إلى مشاركة فعالة لوسائل الإعلام ولمؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الأكاديمية والبحثية. كما ندعو إلى أن يكون هذا الموضوع على رأس أولويات أي جهد يبذل للمصالحة الوطنية. ذلك أنه حين يتوصل المتحاورون إلى اتفاق على أسس هذه الهوية، سيكون ذلك مقدمة أساسية تسهل عليهم أن يتوصلوا إلى صوغ أسس المصالحة الوطنية. كما إن على الأحزاب والمواطنين والمثـقفين والساسة وكل من لـه اهتمام بالشأن العام أن يتولوا عملية إغناء فكرة الهوية الوطنية العراقية بالبحث المعمق، وأن يتبنوا منهجاً واضحاً وعن قناعة ورغبة في دفاعهم عنها، وأن يعملوا على تجسيد إيمانهم بهوية العراق الوطنية في السر والعلن، ومن خلال الخطاب والممارسة معاً، وليس عبر الشعارات فقط.

أليس كذلك؟