eKtab
EN ع
الفكر التربوي والتعليمي عند الخطيب البغدادي
اقرأ عينة مجانية

الفكر التربوي والتعليمي عند الخطيب البغدادي

بقلم د. صفاء داود سلمان التميمي

صفحة 1

بسم الله الرحمن الرحيم

(وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)

صدق الله العظيم

سورة النحل/الآية 78

صفحة 2

الإهداء
إلى المراحيم…

والدي والدتي، وإخوتي سليم ضياء، بهاء

أهدي هذا الجهد المتواضع

وأهديه إلى إخوتي…

لمياء، علاء، وفاء،

سناء، سمير، أوراس، جمال

وإلى…

زوجتي وولدي يعرب، وغسان، الذين كان لهم جميعاً الدافع لإصدار هذا الكتاب...

وإلى أحفادي: محمد يعرب، شمس يعرب، زين يعرب

صفحة 3

"تنويه للقارئ الكريم"
أولاً:

في البدء لا بد من الإشارة إلى أن الكتاب الذي بين يديك هو في الأصل أطروحة دكتوراة في (الفكر التربوي والتعليمي عند الخطيب البغدادي في كتابه الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع.

وقد نوقشت في معهد التاريخ العربي والتراث العلمي للدراسات العليا في بغداد بتأريخ 24/10/2004م/1425هـ، وحازت درجة (امتياز) من أساتذة متخصصين في الفكر التراثي العلمي العربي الإسلامي، واعتزازاً واحتراماً لمكانتهم العلمية في المجال الأكاديمي، وعملاً بما كان يقوم به أسلافنا في التراث العربي بوضع إجازاتهم لمن يدرس مادته من الطلبة ارتأيت أن أذكر أسماءهم تقديراً وعرفاناً بجميلهم واقتداءً بذلك التراث والأساتذة هم:

1- الأستاذ الدكتور شاكر محمود عبد المنعم نائب رئيس جامعة العلوم الإسلامية في بغداد- رئيس لجنة المناقشة.

2- الأستاذ الدكتور نافع توفيق العبود. أُستاذ التاريخ الإسلامي في كلية الآداب بجامعة بغداد.

3- الأستاذ الدكتور ناجي حسن أستاذ التاريخ الإسلامي في كلية الآداب بجامعة بغداد.

4- الأستاذ المساعد الدكتور غانم هاشم خضير السلطاني، تخصص مادة التاريخ في معهد الدراسات الاشتراكية العالي في بغداد.

5- الأستاذ المساعد الدكتور شاكر جاسم محمد، تخصص طرائق التدريس في كلية التربية للبنات بجامعة بغداد.

ثانياً: ارتأيت وبتواضع نشرها بالكامل لقيمتها العلمية للأسباب الآتية:

1- أنها دراسة تحليلية تتيح للقارئ استكشاف تسلسل بناء الأفكار وإسنادها بقائليها من الرجال الذين اعتمدهم الخطيب البغدادي في كتابة أول كتاب مهني في إعداد معلم وطالب الحديث النبوي.

2- الموضوع تراثي تربوي وتعليمي لا يخص دارسي ومحبي الحديث النبوي فقط، وإنما يتعداه في فائدته إلى كل المعلمين بمختلف مستوياتهم؛ من الأساسي (الابتدائي) والمتوسط، والثانوي، والجامعي المتخصصين في العلوم الإنسانية والصرفة للإفادة من مضمونه التربوية والتعليمي.

3- قراءة الكتاب، ستكشف للقارئ المنظومة الأخلاقية الواضحة والدقيقة التي وضعها الخطيب البغدادي لمعلم وطالب الحديث في كيفية العلاقة بينهما تعليمياً وأخلاقياً، وهي صالحة لجميع معلمي وطلاب العلوم الأخرى بتكييف منظومتها وفق تخصصاتهم العلمية عند إعداد طلبتهم في كليات أصول الدين الإسلامي، وكليات التربية، ومعاهد إعداد المعلمين التي هي أحوج التأصيل الإعداد المهني وفق أسس وقيم التراث العربي الإسلامي، والله من وراء القصد.

صفحة 4

المقدمة
يستدعي البحث أن نوضح أن التربية والتعليم كانا من اهتمامات الإنسان منذ قرون طويلة لعلاقتهما المباشرة بتطوره وتقدمه في حياته الشخصية والاجتماعية.

وقد أسفرت اهتماماته تلك عن تقدّم كبير وهائل في جميع المعارف والعلوم المختلفة التي هي حلقات متصلة بعضها ببعضٍ، ومؤثرة فيه، وأن الإنسان لا يستطيع أن يعلو في أي علم إلا من خلال البحث والتربية والتعليم، وتدوين ما يتوصل إليه وفق الضوابط العلمية للمجتمع الذي ينشأ فيه ذلك العلم.

ومن العلوم الأولى التي نشأت عن الحضارة العربية الإسلامية كان الحديث النبوي الشريف الذي كان له الفضل الكبير في الحياة الدينية والثقافية والعلمية.

ومهد نشوء وتدوين علوم التاريخ، والإنسان، وعلم اللغة العربية كما مهد باتباعه منهج السند في تتبع أثر الرواية للحديث، الذي نأمل الاقتداء به منهجاً بكل علم.

ومن خلال ما تقدم، وبحكم تخصصي في علم (التربية وعلم النفس) وجدت من المناسب أن أبحث عن كتاب مهني تراثي كتب في أحد تلك العلوم، فوجدت أن الخطيب البغدادي (ت 463هـ/1070م) قد دوّن كتاباً لمعلم الحديث النبوي الشريف وطالبه الذي يحمل عنوان (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع) الذي لم يدرس من قبل من باحثين آخرين.

فوجدت من المناسب أن أدرس الكتاب المذكور دراسة تحليلية، خاصة للخطيب البغدادي الذي يعرف من قبل المعنيين بالتراث بأنه محدّث ومؤرخ، ولم يعرف بأنه تربوي وتعليمي، فجعلنا كتابه ذلك في رحاب ثاني علم دولة العرب بعد القرآن الكريم.

إن دراستنا لهذا الكتاب هي دراسة للخبرات والمفاهيم والعلاقات الأخلاقية العملية التي تربط العلماء الطلاب بعضهم ببعض في المجالس التعليمية والثقافية آنذاك. وفي اعتقادي نحن بأمس الحاجة إليها بدراستها في جامعاتنا وكلياتنا ومعاهدنا التربوية المتخصصة في علم الحديث، وفي التربية والتعليم عموماً، وفي المنظومة الأخلاقية والأدبية خصوصاً التي أولى الخطيب البغدادي عنايته الخاصة بها كونه محدثاً ومؤرخاً وتربوياً ولغوياً.

ولا أخفي عليك عزيزي القارئ أن الكاتب وهو يدرس هذه الشخصية واجهته مصاعب، كون الخطيب البغدادي كان دقيقاً في اختيار كلماته وكان في بعض الأحيان يذكر كلمة دون توضيح وتعريف في الغالب، فكان علينا أن نذهب إلى كتب تاريخية وتراثية ذات علاقة بالفكر التربوي العربي الإسلامي ساعدتنا في بحثنا باستعمال المنهج التاريخي التحليلي الاستقرائي في هذا الكتاب.

ومن المصاعب الأخرى أن الخطيب البغدادي كان يستعمل أسلوب الرواية لآراء المحدثين وأفكارهم في موضوع معيّن، ولا يبدي رأيه، فجعلنا نعتقد أن هذه الطريقة هي لاستيعاب المزيد من الروايات التي تتناول الراوي والطالب وجعلها في أجوائهما كما وصلتْ إليه علمياً.

ولا بد من الإشارة أن الخطيب البغدادي كان في تناوله لواجبات الراوي (المعلم) والطالب في الجوانب المهنية والأخلاقية فيها الشيء الكثير من التداخل والتشابه حتّمت علينا استعمال التفكيك إلى بنود وقواعد لكل واحد منهم، ليكون البحث فيه واضحاً عند شروعنا بالكتابة متناولين كلاً بمفرده ليتوضح فكره التربوي والتعليمي ومنظومته الأخلاقية.

وبعد اختبارنا للصعوبات وغيرها تمكّن الكاتب من تدوين مادته فكان ثمرته هذا الكتاب الذي جاء في خمسة فصول احتوى كلّ فصل على عدد من المباحث المتسلسلة والمترابطة في الجانبين المنهجي والعلمي.

فالفصل الأول ضم خمسة مباحث، وقد تناول المبحث الأول الحياة السياسية في عصر الخطيب البغدادي أشرنا فيه إلى ما يثبت تفكك العالم الإسلامي لوحدته السياسية دولة واحدة، فالتسلطات الأجنبية البويهية، والسلجوقية التي شهدها الخطيب البغدادي خلال حياته، واضطراره في عام 450هـ/1058م مغادرة بغداد إلى دمشق ومكوثه هناك حتى عودته إليها بعد اثني عشر عاماً، وقد فصلت فيها بعض الشيء، ومبيناً وضعه في أحداث، ومجتمع عصره مختصراً بتقسيماته المختلفة.

أما المبحث الثاني، فتكون من مجتمع عصره مركزاً باختصار على تقسيماته المختلفة، والتركيب العرقي والديني للمجتمع، وحالته الاجتماعية، والاقتصادية، والأحوال السياسة المذهبية في عصره.

أما المبحث الثالث فكان مخصصاً للحركة الفكرية، ومراكزها، ومظاهرها وظهور المدارس في بغداد.

أما المبحث الرابع فقد تناول نشأة حياة الخطيب البغدادي ومسيرته (اسمه، ونسبه، ولادته، لقبه، كنيته، ونشأته)، وشيوخه وأسفاره الداخلية ورحلاته الخارجية، والرواة عنه، والمهام التي اضطلع بها خلال حياته رسمياً، وثقافته، وعقيدته ومذهبه، ومكانته العلمية، ورأي العلماء فيه، وصفات الخطيب البغدادي.

أما المبحث الخامس فقد ذكرنا فيه مصنفاته العلمية، واختلاف العلماء حولها، وتناولنا مصنفه (الجامع) عنوانه وتحقيقاته، ومضمونه، وهدفه، ومصادر كتابه، ومنهجه فيه، وأثر الخطيب في كل ما تقدم.

أما الفصل الثاني فقد حمل عنوان الفكر التربوي عند الخطيب البغدادي، وتكون من ثلاثة مباحث، الأول منها بعنوان مبادئ التربية عند الخطيب البغدادي، وضم الأصول الفكرية، وعبارات التربية وآلاتها، واتجاهات التربية والتعليم في عصره، وتقسيم العلوم عنده ورؤياه الفكرية في (الله - الكون-الإنسان) والتخصصية الأدبية والأخلاقية.

وأما المبحث الثاني فكان بعنوان الشواهد التربوية عند الخطيب البغدادي، وهي التربية العلمية للراوي، والمهتم بواجباته على واجباتهم، وربط العلم بالعمل وقيمة العلم، والعقل وتكونه وتربيته عنده والمعرفة، ومصادرها، والذكاء، والغباء، والثواب، والعقاب، والدافعية، والإجازة العلمية، والقدوة.

أما المبحث الثالث فضم غايات، وأهداف التربية عنده، وتركزت في الهدف الديني، والفردي، والاجتماعي، والصحي، والسياسي، وتربية المهن الثقافية، والتصنيف، والتدوين.

أما الفصل الثالث فكان عنوانه الفكر التعليمي عند الخطيب البغدادي، وتكون من ثلاثة مباحث، الأول كان بعنوان الأدوات التعليمية عند الخطيب البغدادي وهم الراوي، والطالب، والكتاب، والمراكز التعليمية المختلفة في عصره، ومواعيد المحاضرات، وتصنيف الكتاب، والتدوين، والنسخ، وأدواته.

أما المبحث الثاني فقد خص المنهج التعليمي، ووسائل التحصيل عنده.

وأما المبحث الثالث فحمل عنوان طرائق التدريس، والإجازة العلمية عند الخطيب البغدادي متطرقين فيه إلى أنواع طرائق التدريس، والإجازة العلمية.

وخص الفصل الرابع: أخلاق الراوي في العملية التربوية، والتعليمية، وتضمن أربعة مباحث فالأول منها كان أخلاقه في نفسه، والثاني أخلاقه في علمه، والثالث أخلاقه مع طلبته في مجلسه، والرابع أخلاقه مع السلطان، (الحاكم) متناولين فيها كيف يكون سلوكه، وتصرفه معهم كل في مبحثه.

أما الفصل الخامس والأخير، فحمل عنوان آداب الطالب في العملية التعليمية والتربوية عند الخطيب البغدادي، فتكون من أربعة مباحث، كان الأول منها آداب الطالب في نفسه، والثاني آداب الطالب مع شيخه، والثالث آداب الطالب في علمه والرابع آداب الطالب مع أقرانه وأترابه متطرقين فيها إلى أدب الطالب في هذه المباحث، وأخيراً خاتمة البحث، وما توصل إليه البحث من نتائج، ومن ثم ثبت المصادر والمراجع التي استعملت في البحث.

ولا يسعني وأنا أنتهي من المقدمة، ونطاق البحث، إلا أن أذكر أني قد بينت، ووضحت ما استطعت من رؤية الخطيب البغدادي في الموضوع هذا بالرجوع إلى المصادر والمراجع ذات العلاقة بالجانب التاريخي والتربوي والتعليمي التي لها علاقة بهذا الموضوع لغرض الكشف بوساطة التحليل لإنجاز هذا الكتاب والله من وراء القصد.

صفحة 5

المبحث الأول :الحياة السياسية في عصر الخطيب البغدادي

عاش الخطيب البغدادي من أواخر القرن الرابع الهجري، إلى ما بعد منتصف القرن الخامس الهجري، ابتداءً من عام 392-463هـ/904-1070م([1]). وبلغ من العمر إحدى وسبعين سنة، وشهد خلالها أحداثاً عسكرية مختلفة انعكست على الواقع السياسي والاجتماعي العام في البلاد.

فعاصر هذه الأحداث بحكم صيرورتها المسبقه، فمثلاً أدرك وجود الدولة الغزنوية[(*)] في مشرق الخلافة العباسية كما ذكرناها سابقاً، ووجود الفاطميين[(*)] في القاهرة ودمشق([2]) ومعاصرته لتسلطين أجنبيين، هما التسلط البويهي[(**)] (334-447هـ/945-1055م)، وردحاً من حياته في عصر الاحتلال السلجوقي[(]***)للعراق عام (447-552([3]) هـ/1055-1157م)، ومعاصرته واقع نظام الخلافة الفاطمية في الشام باستمرار منذ عام (450هـ/1059م) وعلى مدى اثني عشر عاماً([4]).

وقد تأثر الخطيب بأحداث عصره الذي عاش فيه بكل أبعاده السياسية والاجتماعية والثقافية خلال التسلطات والتدخلات الأجنبية وهي كالآتي:

صفحة 6

اولاً: التسلط البويهي:

امتد هذا التسلط 113 عاماً([5]) كان فيه الحكم وراثياً لسلالتهم الزيدية المناهضة للخلافة العباسية، فهم لا يعترفون بهم قادة للمسلمين([6]) لأسباب مختلفة، فسلب الأمراء البويهيون شيئاً كثيراً من سلطة الخليفة[*] العباسي ولم يبق له إلا الاسم، فمقادير الخلافة وقراراتها وأخبارها وإدارة شؤونها يقررها البويهيون([7]).

ولم يتردد البويهيون من الإيذاء، والتنكيل والإقصاء للخلفاء العباسيين منذ سيطرتهم على العراق فمثلاً حمل المستكفي[**] (ت338هـ/949م) من دار الخلافة جهراً أمام الحاضرين إلى دار معز الدولة، فاعتقل، وسُمِلَتْ عيناه، وبقي معتقلاً فيها حتى وفاته واستأثروا بكل مقاليد الحكم، واضطربت أحوال الخلافة العباسية، وصارت الوزارة لهم والأعمال تصدر عنهم وإليهم([8]).

لقد اعتمد البويهيون أسلوب الإقصاء، والتنكيل بالخلفاء كما حدث مع الخليفة المطيع لله[*] (ت364هـ/974م)، فدعاه سبكتكين[**] حاجب معز الدولة إلى خلع نفسه، ومبايعة ولده الطائع[***] (ت393هـ/1002م)، فخلع نفسه([9])، فمكنهم هذا من تركيز نفوذهم، وسيطرتهم على الدولة والمجتمع فعملوا على تشجيع التناحر بين المسلمين أنفسهم، وغيرهم كتلك الفتن التي وقعت في الأعوام (398هـ/1007م، 407هـ/1016م، 408هـ/1017م، 422هـ/1030م، 441هـ/1049م) فلجأ المواطنون إلى بناء الأسوار حول أمكنة عملهم، وعيشهم لتحصين أنفسهم من الغارات المفاجئة التي تحدث([10]).

ورافق الأحداث هذه ظهور قوة العيارين[*] ذات الانتماءات الفئوية المختلفة، فمنهم العباسي، والعلوي، وقوتهم تزداد وتضعف حسب الأحوال السياسية العامة في البلاد([11]). فارتفعت أسعار المواد الغذائية لأسباب مختلفة، فصعب على الناس شراؤها، فاشتدت المجاعة بينهم، فلجأوا إلى أكل ما هو غير مرغوب وغير معتادين عليه([12])، فأحدثت الأزمة المالية في البلاد لخراب الزراعة وقيام الإقطاع العسكري الذي أوجده البويهيون وساروا عليه فهو قد أضعف همة الفلاحين في زراعة الأرض وإصلاحها، فكان فساداً اقتصادياً فكثرت الضرائب، واضطرب الأمن([13]).

ولم يكتف البويهيون بذلك بل أنهم شاركوا الخلفاء في مراسيمهم الخاصة بهم بقرع الطبول على أبواب منازلهم عند الصلاة، والأعياد وعقد الألوية لهم وسك أسمائهم على النقود، والخطبة لهم في الصلاة، والتلقيب بملك الملوك، ولم يبقوا للخلافة شيئا إلا اسمها([14])، وتلك الألقاب لم يألفها العرب المسلمون من قبل، ونتيجة الاستئثار بالسلطة والمغانم تولدت الصراعات، والحروب بين السلاطين أنفسهم كما حدث في واسط عام (411هـ/1020م) فسببت المشاكل الاقتصادية لهم وللسكان، فبيع كُر[*] الحنطة بألف دينار، وتوقف ذهاب الناس إلى الحج([15]).

إن العلاقة المتردية بين الخلافة، والبويهيين لم تمنع من محاولة الود، والمصاهرة بينهم، فتزوج الخليفة القادر بالله ابنة عضد الدولة([16])، ولكن ذلك لم يمنع من حدوث الأمر المحتوم، في زوال تسلطهم بسبب تردي وضعف أوضاعهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، خاصة بعد أن توسع السلاجقة في إيران وأضحى نفوذهم قوياً هناك، فتقدموا بقيادة طغرلبك[**](ت455هـ/1063) بالزحف إلى بغداد بجيش لينهوا حكم البويهيين في عام (447هـ/1055م)([17])، فاستسلم آخر ملوكهم الملك الرحيم[***] إلى طغرلبك الذي أرسله أسيراً إلى قلعة (طبرك) في الري وسجنه فيها حتى وفاته عام (450هـ/1058م)([18]).

صفحة 7

ثانياً: التسلط السلجوقي:

لقد برز تسلطهم هذا على العراق منذ عام 447هـ/1055م وامتد إلى عام (552هـ/1157م) وهو خلاف سابقيهم في العرق، والمذهب[*]، لكنهم ساروا في خطوات متشابهة في نهجهم فتصاهروا مع البيت العباسي في عام (448هـ/1056م) بزواج الخليفة القائم بأمر الله على خديجة بنت داود بن ميكائيل بن سلجق شقيق طغرلبك، وبعد ستة أعوام اقترن الأخير بابنة الخليفة القائم بأمر الله([19])، لإحكام العلاقة بينهما واستمرارها لوجود مصالح متبادلة للطرفين فيها.

ومنذ السيطرة السلجوقية على العراق أصبح عميد الدولة الكندري[**] (ت457هـ/1064م) وزير السلطان طغرلبك ممثله في إدارة شؤون العراق، ولقب بعميد الملك([20]) ويكون رسوله إلى الخليفة لفض المشاكل، وما يريدون التفاوض حوله، ويقوم بعقد ضمانات الأراضي كما حدث في البصرة والأحواز عام (448هـ/1056م)([21]). وفي عام 449هـ/1057م منح الخليفة القائم بأمر الله السلطان طغرلبك لقب ملك الشرق والغرب وتوليته جميع ما بولايته بحضور المسؤولين والوجهاء([22])، فيكون السلاجقة بهذا التفويض قد شاركوا الخلافة العباسية بألقاب، وسيطرة سياسية مطلقة.

غير أنَّ الأوضاع في البلاد قد شهدت في العام (450هـ/1058م) تدهوراً خطيراً بقيام تمرد داخلي ضدهم من قريش بن بدران العقيلي[*] حاكم الموصل المساند من البساسيري[**] والفاطمين([23]).

وخروج إبراهيم بن ينال[***] عن الولاء لأخيه طغرلبك بتمرد اضطر الأخير أَن يلاحقه فتكون الأرض العراقية مفتوحة أمام البساسيري، فاستولى على الموصل، ومنها توجه إلى بغداد ليدخلها في ذي القعدة سنة (450هـ/1058م)، وقبض على الخليفة القائم بأمر الله وأرسله مخفوراً إلى حديثة عانة على الفرات، فانعكس هذا الوضع على البلاد، فعمت الفوضى، وصلى الناس من دون خطبة، وظهرت الرايات الفاطمية، والعيارين، وأهل الرساتيق[*] ونهبوا دار الخلافة وبيوت المسؤولين، وخطب لصاحب مصر في جامع المنصور*[*]، واستتب الأمر للبساسيري في بغداد وأعدم رئيس الرؤساء ابن المسلمة*[**]([24]).

فهذا الوضع أدى إلى خوف الناس على أرواحهم وممتلكاتهم، حتى إن الخطيب البغدادي قد استتر عن الأنظار ليتفادى المتاعب التي قد تحصل له من البساسيري وأتباعه، أو من خصومه الحنابلة بسبب الخلافات المذهبية معه وصلته العلمية الاستشارية بالوزير ابن المسلمة الذي أمر أن يكون الخطيب البغدادي المسؤول الأول[*] عن إجازة الحديث النبوي الشريف للخطباء في البلاد([25]).

وفي ظل الأوضاع المأساوية الحاصلة في البلاد، فقد تعرض للمضايقات والأذى في جامع المنصور في عام (450هـ/1058م) بإعطاء صبي مليح الوجه مبلغاً من المال ليوصل له رقعة كتب فيها كلام لا أخلاقي ليناولها له، وإعطاء مال لسقاء ليقف يوم الجمعة قربه ويميل رأس قربته وبين يديه أجزاء فتبتل فتتلف، كما كانوا يطينون عليه باب داره في الليل([26])، مما اضطره بالخروج من بغداد إلى دمشق في منتصف شهر صفر سنة (450هـ/1058م) ليصلها في عيد الأضحى من العام نفسه ليستقر فيها والمدن الشامية الأخرى اثني عشر عاماً ومعه مؤلفاته وسماعاته([27])، واستقراره هذا أطول مدة زمنية أمضاها خارج وطنه العراق.

لقد انعكس الوضع السياسي المضطرب على الناس خوفاً على أرواحهم، وأموالهم، وممتلكاتهم، ومعتقداتهم، ومؤسساتهم الثقافية فأحرقت دار الكتب (دار العلم) التي بناها أبو نصر سابور بن أردشير[*] وزير السلطان بهاء الدولة في سنة 383هـ/991م في جانب الكرخ ببغداد، وضمت كتباً كثيرة فالتهمتها النيران وأسواق الكرخ ودروبها كدرب الزعفراني[**]، وبيوتها التي قدرت قيمة كل بيت بألف ومئتي دينار([28]).

إن أحوال الناس الاجتماعية والاقتصادية قد ساءت، فانقطعت الطرق بسبب النهب، والقتل، فارتفعت أسعار المواد الغذائية الضرورية، حتى اضطر الناس إلى أكل الميتة([29]).

فنخلص إلى أن العراق في وقوعه تحت السيطرتين البويهية والسلجوقية قد تأخر حاله السياسي والاجتماعي، والاقتصادي جرّاء سياساتهم، وتعسفهم.

صفحة 8

الخطيب البغدادي في الشام:

أشرنا سابقاً إلى مغادرة الخطيب بغداد وقصده الشام التي كانت آنذاك تحت الحكم الفاطمي([30])، فاستقر فيها، ومعه سماعاته، وكتبه، واتخذ من جامع دمشق مقراً لإقامته، وإلقاء العلم فيه على حلقة علمية أسمعهم فيها سماعاته وكتبه، وقرأ عليه أبو زكريا التبريزي[*] كتب الأدب المسموعة له([31]).

لقد برز الخطيب في علمه هناك، فعده الذهبي محدث الشام، والعراق([32]) فكان هذا أثراً من آثاره العلمية على عصره، فإذا ذكر القرن الخامس الهجري الحادي عشر الميلادي ذكر الخطيب البغدادي أبرز محدث دَوَّنَ الحديث، والتاريخ([33]).

وأنشأ الخطيب البغدادي خلال إقامته هناك علاقات وروابط بمجالس العلم الرئيسة في المدينة وأمرائها، فسمع قطعاً من الموطأ لمالك[*] بحضور أمراء ومسؤولين في مجالسها في الأعوام (451-452هـ/1059-1060م)، ووقع السماع بخطه وعلى الرغم من ذلك تعرض لمضايقات وافتراءات([34])، بسببها تلبدت الأجواء المحيطة به، فعندما كان يحدث بكتب فضائل الصحابة الأربعة لأحمد بن حنبل (ت241هـ/855م)، وفضائل العباس لابن رزقويه[*](ت412هـ/1021م)، وهي مصنفات لا يحبذها الفاطميون، فعلموا بما حدث الناس به، فثارت ثائرتهم عليه، فهرب إلى صور[*] سنة سنة 459هـ/1066م، وفيها قام بإلقاء الدروس، وأمضى ثلاثة أعوام من عمره متنقلاً بينهما([35])، والقدس[*]* وطرابلس[*]** وحلب[**]، ثم عاد إلى بغداد في عام 462هـ/1069م([36]).

وشهد عصره تصدي المسلمين لعدوان الروم البيزنطيين على حدود الدولة العباسية عام 463هـ/1070م، وكانت الحرب بينهما في كرٍٍّ وَفَّرٍ، وفي ختامها أحرزت عساكر المسلمين النصر على جيش الروم وأسر ملكهم وفك رقبته بفدية مالية وإعادة الأراضي التي استحوذ عليها سابقاً ومنها أنطاكية[*] والرها[*]* ومنبج[***] وإطلاق سراح أسرى المسلمين([37]).

صفحة 9

تأثر الخطيب في أحداث عصره:

انعكس الوضع السياسي الآنف الذكر على حركة المجتمع، والدولة، فلمسنا من خلال مجريات الأحداث التدخلات الأجنبية المصحوبة بالعمل العسكري، والتمردات الداخلية، والصراعات الطائفية وضعف واضح لمؤسسة الخلافة وسيطرة الأجانب عليها فعجزت عن أداء مهامها السياسية والاجتماعية، ولم يبق لها إلا الدور الديني في أداء مراسيمهم وشعائره من خطب وفتاوى خلال التسلطين فبغداد حاضرة الخلافة كانت مسرحاً لأحداث مأساوية دامية، ونهب وسرقات حتى أَن دار الخلافة خلال تمرد البساسيري لم يسلم منها، فوصف الخطيب البغدادي ذلك الوضع الاقتصادي الاجتماعي للناس قائلاً: "…وكان البساسيري قد جمع العيارين وأهل الرساتيق وكافة الدعار، وأطمعهم في نهب دار الخلافة؛ والناس إذ ذاك في ضر وجهد قد توالت عليهم سنون مجدبة والأسعار غالية والأقوات عزيزة وأقام البساسيري بموضعه، والقتال في كل يوم يجري بين الفريقين…"([38]).

ولم يكن للخطيب البغدادي في كل الذي جرى من أحداث ووقائع سياسية أثر يذكر له فيها، فليس هناك من كتب التاريخ التي اطلعنا عليها قد ذكر خلاف ذلك، مستنتجين أن وراء ذلك تفرغه التام للعلم وإشغال نفسه به لصونها من الانغماس بالسياسة ليجنبها ضغوط السلاطين والساسة الآخرين، فالعالم عليه أن يصون نفسه منها ومن أخذ المال والأعواض المختلفة([39]).

فسيرة حياته تخبرنا، أنه في بغداد وخارجها وفي رحلاته العلمية الاجبارية الاختيارية لم يكن على علاقة بالسياسة، ولم يقحم نفسه في أحداثها مفضلاً الصمت والرحلة على سواها، فأبعد نفسه طواعية عن مراكز القوى والنفوذ، فوهب نفسه لصنعة الحديث فأقر أن الطاعة لله فيها مثوبة، وطاعة السلطان لا مثوبة فيها([40]). لهذا لم يكن له أي نشاط سياسي مؤثر في عصره، ونرى أن من بين الأسباب التي أبعدته عنها أنه استقرأ بإمعان أن أهل العلم أكثر ذكراً وخلوداً في التاريخ من السياسيين، فعلى سبيل المثال أن الماوردي[*] (ت450هـ/1058م) أدى دوراً سياسياً بارزاً في عصره، لقب لعلمه أقضى القضاة ولم نعثر على لقب سياسي يوازيه ويوازي مهامه السياسية، فالعلم سهل الأداء السياسي له وهذا انطبق على ابن المسلمة الذي اختير للوزارة لعلمه ونرى أن الخطيب البغدادي كان محقاً في نظرته بالابتعاد عنها كي لا يكون ضحية لمتاعبها، فهناك عقول لا تحتمل مشاقها، وعلى الرغم من إصابته المصاعب خلال تمرد البساسيري، فقد وظف عقله وقلمه للتأليف وكأنه خلق لهذه المهنة، فلكل إنسان قدرة فكرية معينة جبل عليها.

ومن المؤكد أن الخطيب البغدادي كان صاحب علاقات اجتماعية واسعة علمية عامة، وخاصة بحكم علمه الذي أهله للاستشارة العلمية عندما أصبح بأمر من ابن المسلمة المسؤول الأول عن إجازة وإذاعة الحديث النبوي من قبل القصاص والوعاظ([41]) فليس هناك ما يشير إلى وجود خصام له معهم أو مع غيرهم من الناس، باستثناء ما تعرض له من أذى ومزاعم خلال تمرد البساسيري في عام (450هـ/1058م) وفي دمشق الشام عام 459هـ/1066م، وتلك أمور معروفة أسبابها ومسبباتها لا نود الخوض فيها لطائفيتها اللاموضوعية، وهو محدِّث، ومؤرخ حتمت صنعته أن يكون ذا قدرة ورفعة على الصغائر، فإذا اتصل بصاحب مركز وظيفي في الدولة إنما يتصل بالعلماء منهم وحديثه العلم معهم "فيحضر مجالس التحديث معهم، أو ينقل عنهم من علم، ثم يغدو إلى رزانته ووقاره ولا يطريهم الإحسان سبق منهم إليه، وتأبى عليه نفسه أن يقدم تصانيفه إليهم كما كان يفعل علماء عصره، فيفيدون في ذلك مالاً وجاهاً"([42])، لذا نعده صاحب شخصية قوية من أهل العلم والحجة والبرهان والاهتداء العقلي، وأن معاصرته لخلفاء وسلاطين ومسؤولين في سني حياته التي عاشها في بغداد وخارجها، لم يذهب إليهم توقيراً وإجلالاً للعلم الذي اشتغل فيه، لأن المسؤول يحتاج إلى مداراة أفكاره ووضعه النفسي، والاجتماعي أثناء وجوده ولقائه فيختار كلماته وألفاظه بدقة ويقدمه على الآخرين.

صفحة 10

المبحث الثاني :مجتمع عصر الخطيب البغدادي

نشأ الخطيب البغدادي بمجتمع واقعه الطبيعي هو امتداد لمجتمع سبقه في التكون على أرض العراق، الذي كان دائماً بطبيعة أرضه ومناخه وشعبه قد أصبح محط أنظار الناس في مختلف الحقب التاريخية، فتوافدوا عليه لمركزه الحضاري الأول بين الدول ومركز العالم الإسلامي، فضلاً عن خصائصه الاقتصادية، والثقافية الأخرى، فأصبح مركز جذب للناس([43]).

إن أهم عناصره العرب الأكثرية الكاثرة، وأشهر عشائرهم كانت في القرنين الرابع والخامس الهجري قبائل خفاجة([44]) وبنو أسد، وخزاعة، وبكر، وبجيله، وقضاعة، وتميم، وحنظلة، ومذحج، وعبد قيس([45])، إلى جانب أجناس أخرى([46]) وبفعل الاحتلالات التي تعرض لها العراق في عهود النفوذ التركي والبويهي، والسلجوقي، فكانوا يأتون بجنودهم فيستقرون ويختلطون بسكان العراق الأصليين([47])، وأقاموا معهم العلاقات الاجتماعية المتنوعة، فتصاهروا، واستقروا، فأصبحوا من النسيج الاجتماعي الذي جمعتهم أرض العراق والدين الإسلامي والعلاقات الاقتصادية والثقافية المشتركة.