الاهداء
الى..
عبير
ونور
الزهراء..
شكر وتقدير
إلى كل من كان
حريصا على انجاز هذا العمل،
من اعضاء الرابطة العربية الاكاديمية للفلسفة،
فأسنده بمقال أو تنسيق أو رفد بالمراجع.
جزيل الشكر لكم.
المقدمة
الفلسفة والنسوية: التضايف تحت الكوني
تتضايف "النسوية والفلسفة" وتتداخل مفهومياً - دلالياً، إلى الحد الذي لايمكن التغاضي عن ملامسته وكشف جغرافيته. فبينما راحت النسوية تتمثل بحركة كفاح ونضال ومطالبة بحق المرأة على وجه الاجمال، فإننا نمسك بالمقابل معنى للفلسفة بوصفها تلك الفاعلية النقدية - العقلانية للذات والاخر والعالم، أو محاولات الفهم المكرورة لمانحن عليه ومايمكن ان نكونه، وفي كلا الامرين نجدنا نبحث في مكامن وميكانـزمات انوجادنا الاصيل في هذا العالم.
تعمل النسوية من اجل استدعاء الكوني/الانساني لانجاز فهمها وافهام الاخر بان المرأة هي ذلك الجزء الند لجزئية "الرجل" في كل "الانسان" الذي يلزمه الفهم الحقوقي الكافي للخلاص مماتكابدنه من حيف وظلم في اطار انجاز ذلك الكل وعدم تهشيمه لذاته بيديه. وتعمل الفلسفة محاكية للكوني في جنباتها: انه الانسان، خارجا عن قوالبه التي خلقتها التقاليد الهوياتية من دين أو مذهب أو عقيدة أو طائفة، أو تنشئة اجتماعية أو بيئة ثقافية، بل وكل محددات الهوية، وكل مصنعات النوع.
وهنا تتبين اهمية محاولات فك السحر عن العالم "بلغة فيبر" بوصفات نقدية -فلسفية، وفك السحر عن فهمنا للمرأة، وكشف المتوهمات فيه يحدو بنا إلى توظيف كل اليات وادوات القول الفلسفي من تأمل وتحليل ونقد وعقلنة، من اجل ان تحقق تلك النشدانات التحرر. والمطلبان يضعان لبنات التأسيس لمفهوم الفلسفة النسوية ومعناها.
ها نحن اذن امام فضاء من التقاطعات: تمثله مناطق "الكوني" و"التحرر" و"امكان ان نكون؛ بوصفنا مشاريع نخلقها ونتممها نحن". ها نحن، إذن، في مقام تناسٍ أو نسيان آخر حصل عمدا وسهوا في تاريخ الفلسفة! إنَّه المرأة.
ومهمتنا هي فضح: النسيان وكشفه، والازدراء ونقضه، والتمركز ونقده.
والمصطلحان يتضايفان (النسوية والفلسفة) فتنير تلك الشعلة التضايفية اشكاليات عديدة، تتجلى في سؤال الكل والجزء: هل النسوية تتضمن فلسفتها -سؤال امكان التفلسف النسوي؟، ام ان الفلسفة في ملامستها الكوني دائما هي ما تستدعي وصفة الكلي والعام لتضمن تحتها النسوية موضوعا وواضعا؟
لعل الأمر ليس بذاك القدر من الخطورة، إلا اننا لابد ان نفهم ان الانطلاق من النسوية نحو الفلسفة ليس الانطلاق عينه من الفلسفة نحو النسوية! ففي الحال الاولى نجد ان المرأة تقتحم عالم القول الفلسفي وانتاجه في مقابل طلبات بالاعتراف والاقرار، بسبب الاحتكار الذي ينشط لدى المركزية الذكورية الفلسفية المهيمنة على ذلك الانتاج؛ كما انها قد لاتكتنـز في داخلها روحية الكوني فتدخل ذلك الحيز بهاجس من رد الاعتبار ومكافحة الازدراء و...، بينما في الحال الثانية نجد باب الفلسفة أرحب لأن يكون مدخلاً لتضمين النسوية الفاعلة (المنتجة للقول الفلسفي) وذلك لخلاصها وانعتاقها من هموم الضحية من جهة ومن جهة اخرى لان الخطاب الفلسفي شمولي/كوني لايحتاج إلى اعتراف جنسي، وحينها ستكون افضل حالاً كترحيب بالنسوية بوصفها حقلاً فلسفيّاً.
أن تكون المرأة (وجوداً وحقاً وممارسةً) موضوعاً للفلسفة لايعني ذلك اننا نتكلم عن فلسفة نسوية، وإلّا لكان ماقدمه الفلاسفة من منكري الحق النسوي (من ارسطو وحتى نيتشه) يدخل في حيز الفلسفة النسوية! فالادق ان مناصرة ذلك الوجود والحق وتلك الممارسات المساواتية في اطار كونيتها هي الفلسفة النسوية. ولابد ان يشكل الاعتراف بالمرأة كياناً مستقلاً هماً فلسفياً انطلوجياً بقدر ماتشكل اعترافات الحقوق لذلك الكيان على مستوى الفكر والعمل بعداً وهماً ابستمولوجياً - اكسيولوجياً، حينها ترانا نقف اما فضاء منجز ومحدد المعالم للفلسفة النسوية.
ولأجل ذلك، فإننا في هذا الكتاب ونحن نـزاوج بين محاور عدة: من مقالات في نقد الهيمنة الذكورية للخطاب الفلسفي، ومقالات في البرهنة والتدليل والكشف للخطاب الفلسفي النسوي (ولاسيما المعاصر منه)، نحاول ان نفضح زيف الحذف الصارخ للنساء الفيلسوفات، والفلسفة النسوية في كثير من نصوص الفلسفة، التي احتكرت الذكورية قولها وأرّخته لصالحه، ودون النظر لتلك الذات (لا الاخر) التي جرحت واستلبت فبخست فاعدمت، فكان في الوقت نفسه نفياً للذات من جديد! لانها نحن: ذلك (النحن) الذي طالما حاكته الفلسفة بوصفنا بشراً لاذكوراً فقط.
الفلسفة النسوية تجعلنا مباشرة مع معطى الذات. فسؤال ساذج وبسيط هو ماجنسية الذات التي تعد اس وموضوع ومنتِج القول الفلسفي؟ يجعلنا نكتشف تهافت القول بتراتبية من شانها ان تميز القول النسوي عن الذكوري على المستوى الفلسفي!
قد يتبادر إلى الذهن ماتجلبه صور تاريخ الفلسفة من عار نفي المرأة واستحقاقها من ارسطو ومروراً بعصور ابادة الانثوية (العصور القروسطية) وكيف صوّرتها بانها تلك الخطيئة التي لافداء قبالها، ولاخلاص منها!! لكن ونحن نستذكر تلك الوصمة من العار والالام والعذابات في قاموسنا الفلسفي، لابد وان نتذكر جيداً اهم مرحلة من مراحل تاريخ الفكر البشري والفلسفي وهو مرحلة الانارة والتعقل والمحاولات الجادة والحقة للخروج من قصورنا على اصعدة الفكر والسياسة والاخلاق: انه عصر التنوير؛ الذي يمثل بحق حقبة احياء الحق الانثوي، وذلك، أيضاً، مشفوعاً بالاثر الكوني للفلسفة، وفي شرع حقوق الانسان التي انتجها القرن الثامن عشر ومابعده، أو في تبيئة واعادة تأثيث الخطاب الفلسفي بكونه صورة للنـزعة الانسانية.
ولذلك فكتابنا: نص في نقد تلك الهرمية المتوهمة بين فرعي الجنس البشري، والدونية المصنَّعة للمرأة، والقسرية البايولوجية الزائفة؛ أي القسر المنتج لتفوق الذكر على الانثى بسبب تركيبه البايولوجي ليس الا. وكذلك سيسلط الضوء على تاريخ تحرر المرأة بوصفه موضوعاً فلسفياً، وتبريزاً لانجازها الفلسفي بمقولاته من الانطلوجيا إلى السياسة، وكذلك في الادب الفلسفي؛ وهذا الاخير هو السمة البارزة لنسويات كثر، ولاسيما في عالمنا العربـي، ولعلنا نسوغه بكونه محاولة لخرق أو كسر عالم المركزية الذكورية ومنطقيته المنحازة والصارمة (الصلبة- الخشنة) ولذلك نقرأ المنجز الادبـي بوصفه انبجاساً لنسق الفلسفة من الداخل. ويمكن ان اجمل مطالب الفلسفة النسوية في ثلاث محاور هي:
1. المراة بوصفها موضوعاً للقول الفلسفي التحرري.
2. المرأة بوصفها واضعاً للقول الفلسفي.
3. المرأة بوصفها واضعاً وموضوعاً للقول الفلسفي.
وفي هذه المطالب يتبين سياق البحث والاعتراف والامكان والتصنيف للفلسفة النسوية. فالاول ماتبين انفا في تقديمنا، في حركات التحرر النسوية المؤسسة على قيمة الانساني، والتي يمكن ضمها بمجملها تحت هذا المحور، ولايمكن ان نختزل النسوية بكونها كتلة صماء لاتفاوت فيها أو توجهات مذهبية تحكمها أو تجعلها اسا لانتاج مقولا كبيرا لتفسير ظلامة المرأة أو امكانية فعلها أو تمكينها لتحصيل حقوقها، فهنالك نسوية ماركسية رأت في القضاء على الطبقية مدخلاً لتبديل كل التصورات الذكروية البرجوازية نحو المرأة؛ وهنالك النسوية الراديكالية التي لم تجد في الطبقية محوراً كافياً لانجاز خطاب نقدي كافٍ بل في نقد كل النظام الابوي الرعوي ومايحتويه من اضعاف للمرأة ومضاعفة للرجل؛ وكذلك لايمكن انكار النسوية الليبرالية التي انطلقت من مقولة الحقوق الكونية أو المساواة بين افراد موضوع الحق منطلقا لتحقيق المطالب النسوية، والاخير هو الاقرب في شرعنة الكوني الفلسفي النسوي.
ونحن نعلم ان هنالك تحولا في مسار النسوية من نشاطات الخلاص من الظُلامات، إلى المطالبة بالحقوق الخاصة للمرأة، إلى فحص مقولات الاختلاف الحقوقي مع الذكور، إلى تحقيق المساواة والدفاع عنها. وكذلك التحول من حيز احتكار خطاب النسوية داخل حيز العالم الاول أو الابيض أو المركز إلى العالمية وتضمين النسويات الملونة والاتجاه الواضح والقافز على تناقضات بداياته نحو الكونية والعالمية.
والمطلب الثاني هو ماسيكشفه الكتاب في المحور الثاني منه مع النماذج المختارة، ابتداءً من المدخل التاريخي في سرد الاعلام النسوية من اليونان إلى نهاية العصور المظلمة، وتخصيصا بالنماذج المعاصرة من روزا لكسمبورغ إلى سيلا بن حبيب مرورا بكولونتاي وحنّه آرنت وديبفوار واريغاري وكرستيفا وهيتشون وغيرهن الكثير، في سبرهن اغوار عالم الفلسفة واقتحامه من اوسع ابوابه واخطرها واهمها، في اللغة والسياسة والابستيمولوجيا والجمال والاخلاق. وهذا المطلب هو مثال حي لماتناضل من اجله الفلسفة النسوية في نيل حق الاعتراف بل في نقد الذكروية المتطرفة في عقر دارها؛ أي في مركزيتها المهيمنة على انتاج النص الفلسفي.
نحن إذ نتكلم عن فيلسوفات معاصرات يعني هذا اننا ندلل ونستشهد بامثلة تطبيقية لاقتحامات ونجاحات الفكر النسوي في ان ينافس بل ويتجاوز كل مايمكن ان يخبئه التصنيف الهرمي لصانع الخطاب الفلسفي. لا يمكننا القول ان الكتاب قد عرض وتطرق بالذكر لكل الفيلسوفات على مر تاريخ الفلسفة، وانما حاولنا من خلال نماذج البحث والدراسة ان نقدم شواهد وان نعمل على ترسيخ الامكان الانثوي في التفلسف.
أما المطلب الثالث يدمج بين التحرر والحق النسوي من جهة وصناعة النص الفلسفي من جهة ثانية، وتلك حكاية اخرى سيحكيها هذا الكتاب عن الفيلسوفات المنافحات عن حق المرأة.
هكذا انتج نصنا بمعية مجموعة ونخبة من الباحثين العرب لتحقيق تلك الاهداف في التحرر والتحصيل للحقوق ومن ثم الدفاع عنها، لاسيما ونحن نمر باحوال خطرة عالميا وعربيا تتمثل في عودة للاصوليات الدينية المتطرفة والتي لاتقر بكل ماقلناه انفاً.
د. علي عبود المحمداوي
بغداد - 2012
الذاكرة الذكورية للفلاسفة الغربيينضدّ قابلية المرأة للتفكير
نادرة السنوسي
باحثة من تونس
تراوحنا الأسطورة اليونانية ونحن بصدد تناول مسالة المرأة بين جدل الاتباع والقدرة على الابداع، محملة بالرموز والدلالة والمسكوت عنه، والتفكر، والتدبر، والحيلة، والقدرة، والاقتدار حينما نذكر المرأة التي، وإن بدأت مسالة النظر في انتاجاتها وقدراتها على الفعل محلّ نـزاع بين الرجل المفكر، القويّ، المقتدر، وبين الرجل الذي لا يفكر إلا إذا ما توفرت له أرضية وجدانية، روحانية، عاطفية، هي بمثابة طريق ملكي ليحسن التفكير، ناهيك أنّ المرأة موشور يدفع نحو تشفي خيوط ناظمة لحسن تفكيره (الرجل). هو بيغماليون لمّا نحت تمثالا، آية في الجمال، امتزج فيه فيها وجدهن وأنامله، حين كاد التمثال ينطق صمتا. فما كان على الآلهة إلا أن تبث في هذا الجمال قدحا، نفسا، روحا. فكاتب الحياة انثى حبلى بالمعنى والمبنى، فتجسّم التمثال مثالا للجمال. فكانت امرأة جميلة، جمالا لا بمعنى الاستيتيقي، ولكن بالمعنى الروحاني.
لنطرح السؤال: أليست المرأة عنوانا وديباجة للجمال؟ أليس الرجل، وإن بدى متعاظما في كبريائه الذكورية ينشد إلى نقطة أرخميدس الأنثوية حتى يُرشّد معاني الجمال تقنيا وجماليا.
هي الذاكرة الذكورية تأبى أن تنظر إلى منطلقاتها الحميمية، فتنكر الانتماء لتجسد الولاء، وتجعل من الأنوثة لحظة ضعف، تخطيها أمر مقضي لتبني أبراجا عاجية أساسها ذاكرة ذكورية نقيّة تلغي منطلقاتها الأنثوية إجلالا لمركزية فكرية تنطق لغة "ر"، رجل راجح، راق، رئيس، يحتاج إلى لغة "م"، امرأة، مرؤوسة، مدنسة، منسية، منقوصة الملكات.
هي اختلاجات تنتابنا ونحن بصدد لغز ولغة ذكورية لا تتفكر حينما تفكر ولا تتذكر حينما تذكر، علما أنّ المعرفة تذكّر والجهل نسيان. هكذا علّمتنا حكمة الأولين.
كيف إذن هي الذاكرة الذكورية؟ كيف تُبنى وكيف تُنشد، وما هي أوتادها وخلفياتها؟ هل جُعلت هذه الذاكرة الذكورية ليكون ضدّا ضديدا لقابلية المرأة أن تفكر؟ أليس التفكير فعل العقل، وأنّ العقل أعدل الأشياء توزّعا؟ ألا تطرح هذه المعضلة مسألة المساواة والعدالة؟ أليس الفكر مَلَكة، وأنّ كلمة مَلَكة مؤنثة كفاية حتى تجعله يعيد النظر في الكتابة التي تظلّ فيها الكلمات الأنثوية نقطة عبور، لا بل بوابة لنظام اللغة وحسن التفكير لدى الرجل، لكن اللغة تحتاج قداسة الأنثى حتى توسّع المعاني وتسقي الوجه والفكر، فيكون الوئام والانسجام نسيجا من الآمال بدفع الآلام عن المرأة طلبا لمآل، وهو أنّ النـزعة النسوية طريق ملكية تتقاسم وتضفي الدلالة والمعنى على الغيرية الذكورية.
ذكورية أبية وراء خلفية تيولوجية
لو تأملنا في بعض المرجعيات الدينية، فإننا نقف على صورة سلبية للمرأة، بل مكانة دونية، تفتقر إلى الرفع من مكانتها إلى مرتبة الإنسان. فنجد التحريم والتجوير، بل أنّ النظرة للمرأة تستند إلى بنية فكرية مُنشدّة إلى أفق فكري يكاد يكون قبرا ووأدا. إنها اللعنة التي تحيط بالمرأة، وكلما اقتربت من "جنان" الرجل إلا وأفقدته نظارته وصفاوة فكره.
فمثلا، بالرجوع إلى بعض ثنايا الديانة اليهودية وتعاليم التلمود، فإنّ المرأة لا يجوز لها تلاوة التوراة، بل ليس لها الحقّ حتى المشاركة في العبادة. والقصد من ذلك أنّ المرأة ليس لها القدرة والحكمة في تأويل نصّ التوراة، وفهمه وتفسير معانيه، بل أنها يمكن ان تُفرغه من قدسيّته. هي ذي منـزلة شيطانية للمرأة يراها القائمون على تعاليم التوراة. فهي إذن أدنى من الرجل، بل أنّ التحقير يصل إلى تصنيفها في مرتبة الحيوان.
هذا الاقصاء، وعدم الاعتراف بالمرأة يرتقي لدى بعض المفكرين والفلاسفة إلى اعتبار المرأة "لعنة" تطارد الرجال، وكان على الأب أن يبيعها. إنّ المرأة في بعض مآثرهم "أمرّ من الموت... وأنّ الصالح أمام الله ينجو منها". إنّه تصوّر يُوحي لنا بلحظة الجاهلية حيث أنّ المرأة وجب وأدها إنقاذا لشرف العائلة، بل إنّها تُفقد الرجل، كما العائلة صيتها في جاهلية يرى فيها وعاء يشرب منه الرجل، فيزداد ذكورية.
هي عقيدة إذن ترى المرأة ضلعا من آدم لتكون رفيقا للرجل وأنّ وظيفتها الأساسية هي السهر على أن يحقق الرجل لذائذه ليس إلا.
وهناك من الدعاة من يرون انّ اليهودي يحمد الله أن خلقه يهوديّا، وليس في غيره من الأديان، وأن خلقه رجلا وليس امرأة. من هنا استمدّ صكّ النواهي والاوامر والتصنيف والتحقير والابتذال. احتقار عميق يصل إلى حدّ اعتبارهنّ ثرثارات وكسولات. إنّ ضمنية هذا القول مفادها أنّ المرأة أمام هكذا تصنيف تبقى رهينة ذكورية تستمدّ ريادتها وسيادتها من نصّ ديني أساسه أن لا يُنظر إلى المرأة وكلّ عنصر أنثوي على أنّه عائق مثبّط فهي غير قادرة على أن تصل إلى درجة التفكير، فما بالك بلحظة الإبداع. فالإبداع يرتبط بالأنا المستقلة في آنيتها وشخصيّتها وصلابتها وقدرتها وصرامتها، وما المرأة في المستوى الديني، كما جاء في التلمود، إلا عبدا وقاصرا، لعدم استقلاليتها وارتباطها بزوجها. بهذا المعنى، تصبح المرأة نكرة وأنّ وجودها والعدم حدّ سواء، وأنّ ارتقاءها إلى درجة الإنسانية يظلّ كطلب الحكمة لأهل الكهف، حيث يستوي اليقين والجهل والخرافة لديهم، والظلال المرتسمة في عقولهم وأذهانهم وتصوّراتهم تدين الوضع والمكانة الإنسانيتين للمرأة في هكذا مسار.
ليس ببعيد عن هذا المسار، تمثّل المرأة في الديانة المسيحية. فهي الخادمة المطيعة لزوجها، بل أنها خاضعة إطلاقا لما يمليه عليها، فانتُزعت شخصيتها، بل ذاتها وانبتت انبتاتا في حقلها الوجودي.
هي صورة قاتمة للمرأة، موغلة في ظلمة ذكورية الرجل التي حوّلتها إلى فراغ يملأه الألم، ومآل مفرغ من الأمل.
لقد تصوّر البعض أنّ المرأة محراب لذة يقصده الرجل بعد ساحة وغاء، بل ركنا من أركان تعبّده الدنيوي ليفرغ شهواته الحيوانية ويتيمّم بطهر سحرها، فيزداد دنيوية ووحشية وتزداد ذكورته أنانة وتجبرا.
ألم تكن الأرض مهدا لكلّ زرع وأنّ لكلّ زرع هدف حتى وإن فقد دلالته ومنفعته؟ أليست الطبيعة بكلّ ما تؤتيه من تنوّع بيولوجي تخضع لسببيّة وانّ أضعف وأتفه ما في الطبيعة له من المكانة في حلقة التكوّن ما يجعل صغائر الأشياء أعظمها؟ أليست المرأة تكاملا: جسدا، وقلبا وعقلا؟ أليس عقل الرجل عُقالا على فكره إلى حدّ أنّه أصبح حدّا بينه وبين حسن تفكيره؟
تقودنا هذه التساؤلات إلى البحث عن سببية وعن مغزى لهذا الابتذال، أنّه عود على بدء لنتفحص هذه النظرة الدونية للمرأة وهل هي طبيعية أم أنّ تصلب نظرة الذكر لفكرة أنّ المرأة قادرة وجديرة هي التي تعيق تحرّرها فكريا وواقعيا؟
المرأة من الفكر السكولاستيكي إلى لحظة التمدّن
عرفت المرأة منذ التاريخ تأرجحا بين الفكر الكنسي الذي جعل منها خادمة وبين خيال الشعراء لتكون ملاذا آمنا للرغبة. وبذلك يظهر المشهد العجائبـي للمرأة، المتضارب بين القدرة على التأثير والمساهمة في الإبداع من جهة وحضورها السلبـي أنها خادمة لا تقوى إلا على الإتباع من جهة أخرى. إنّه نموذج يوحي لنا بزمن الإيديولوجيات الاجتماعية التي تعصف بالذوات من أجل فكرة. غير بعيد عن هذا المسار، نتتبع حضور المرأة في الحقل الفلسفي، وتحديدا لدى جون جاك روسو، لنرى كيف ينظر هذا المنظر للمجتمع وآدابه وقيمه لحضور المرأة من خلال كتابه إميل أو في التربية حيث يقترح تصوّرا لمفهوم المرأة ومكانتها في القرن الثامن عشر.
فهل كان التنوير نورا مضيئا للمرأة ومكانتها أم أنّه زاد من مأساوية حضورها ووضعها الاجتماعي؟
إنّ سؤال "ما المرأة"؟ الذي طرحه روسو في شذرات من كتابه إميل يجعلنا نقف على تحديد لهذا الكائن، الزوجة أو الأم، والتي لا يمكن أن يجد لها مكانة إلا كمرحلة أخيرة في تربية الرجل، بمعنى أنّ المرأة ليست طرفا أساسيا في تكوّن الرجل، بل مرحلة متأخرة. ويقدّم روسو في بابه الخامس من كناب إميل تعريفا للمرأة، مُحدّدا دورها ومكانتها أمام الرجل. فمن خلال مثال صوفي Sophie "المرأة الجميلة الساطعة أساسا لروحها وجمالها". نرى في هذا التعريف أنّ روسو يعتبر أنّ المرأة جُعلت أساسا لتحقيق رغبات الرجل وأنّ المرأة التي تصلح لأن تكون زوجة لإميل وجب أن تتوفر فيها خصائص كالجمال ونقاوة روحها القادرة على إضفاء المرح على الرجل. بهذا المعنى، تظهر المرأة على أنّها قانون طبيعي يرى فيه روسو شرط إمكان الفكر الاجتماعي وأنّ حضورها يقتصر على أن تكون وسيلة ووسادة. فالعلاقة بين الرجل والمرأة هي علاقة موازين أي علاقة بين طرف سلبـي والآخر يلعب دورا فاعلا. ويوكل روسو للرجل القوة والقدرة والسلطة وعلى المرأة أن لا تكون إلا ذلك الحمل الوديع، الضعيف. وينعكس هذا التصنيف بالضرورة على البناء الاجتماعي وكلّ أنواع العلاقات الاجتماعية.
ما يشدّنا حقا في هذا التصنيف بين رجل قويّ وامرأة ضعيفة هو سؤالنا من الذي حدّد وصف الرجل بالقوي والمرأة بالضعيفة. ألا يمكن أن يكون العكس أصح؟ أليست المرأة قادرة على أن تتمتع بالقوّة وتهبها للرجل؟ إنّ كبرياء روسو تأبى الإجابة عن هذا السؤال لتردّه إلى أنّ الرجل، بحركيته وحيويته، يحدّد مكانته كمسيطر وقوي لا في الحياة العاطفية فحسب، بل وكذلك في المجال الاجتماعي، لأنّ من يستشعر القوّة في ذاته والعظمة سيكون سيّد الموقف، وحضوره الاجتماعي عنوانا لمكانته وقوّته الأخلاقيتين.
لم يبتعد روسو عن هذه الفكرة التحقيرية للمرأة وأنّ سبب تصنيفها كمكمّلة أو "قانونا طبيعيا" أساسه أن تكون في خدمة الرجل، لذلك وجب أن تتلقى تربية تأهلها للعب هذا الدور. إذ أنّ تدريبها على مهارات جمالية وتكوينها في الرسم والفنون الجميلة يحسّن من طباعها الجمالية. فروسو يرى أنّه من الواجب أن تُحسن المرأة حسن فعل الأشياء جماليا وأن تتزين وتحسن اللباس حتى تعبر عن حضورها اجتماعيا. فالثقافة والتربية تظلان أساسية للمرأة في البناء الاجتماعي حسب نصّ روسو
هذا التصور يجعل من المرأة عنصرا يلعب دور تأمين حسن الحياة للرجل وأن تكون زوجة مهمّتها تربية الأطفال. ويعتبر هذا النوع من التربية الدور الطبيعي الذي وجب أن تلعبه المرأة. فهي التي تسهر على تأمين الترابط الأسري وعليها أن تتحمل كلّ ما يقدّمه الرجل حتى وإن أخطا. ويرى روسو في هذه الوظيفة إطارا يغذي إحساس الرجل بالقوّة والسيادة. إنّه صراع الأضداد: القوّة والضعف، الحكمة والاحتكام، القدرة والاقتدار. صراع حُتّم على المرأة أن تكون أحد نواة ذكورية ترى في اكتمالها Perfectibilité ضرورة تمدية المرأة. ولكن لمّا نستمع لروسو يمتدح المرأة بقوله: "إنّ المرأة هي في ذات الوقت صريحة، محبّة، وحكيمة، وهي من تُرغم الآخر على احترامها... إنها مملكة"، يدفعنا هذا القول في حدّ ذاته إلى الوقوف على الطابع الضبابـي لمؤسس التربية الحديثة، بل أنّ تلاطم أفكاره كالأمواج المنكسرة على الصخر تذكرنا بأنّ روسو، واضع أسس التربية الحديثة والسلوك التربوي، هو عينه من أقام علاقة غير شرعية وهو الذي ألقى بأبنائه أمام الملجأ. هذا المثال أردناه حتى نتبيّن بأنّ القوّة والقدرة ليست خاصية نوعية للرجل دون النساء، بل أنّها تُكتسب، وأنّ ما تعانيه المرأة أيضا ليس إلا إملاء من إملاءات ذكورية أبية تستمدّ عليائها من فكرة "الزعْم أنّ..."
إنّ النموذج المدرسي للقرن الثامن عشر ظلّ وفيا لإرث فلسفي كلاسيكي يراوح بين الأضداد من جهة، حتى وإن أقرّ بفكرة التناغم والتوافق Harmony من جهة أخرى، فإنّ الإقرار بأسبقية الفكر الرجولي تبقى نقطة الثبات وأنّ مجال التفكير يبقى مجالا للنخبة الرجولية. وهي فكرة متداولة إلى يومنا هذا حتى أنّ البعض يستسيغها ونبراسه في ذلك نصوص دينية متشدّدة أو تعاويذ أو أساطير.
إنّ تمثل صورة المرأة في هذا القرن الثامن عشر ككائن ضعيف وإرجاع سلوكها لكلّ الانفعالات، مردّه الطبيعة الطبقية والبنيوية للمجتمع في القرن الثامن عشر. ويبقى صداها إلى يومنا هذا في البنية الفكرية كما في البنية الاجتماعية. واعتبار المرأة هذا الكائن المتقادر والذي لا يمكن إلا أن يكون خاضعا لهذا "الضمير الجمعي" والأخلاق التي يمليها فينا المجتمع. وكأنّ الرجل يغنم بما قّدّمه المجتمع ليذبح فوق قدسيته كلّ لغة أنثوية، ومن ثمّة يستمدّ حضوره الفاعل. إنّ قواعد المجتمع تفرض على الرجل أن يكون فاعلا منافسا Compétitif في كلّ المجالات، ممّا جعله يفتح قارات جديدة باسم الريادة. فكان ذلك على حساب تقدّم المرأة.
منعرج القرن العشرين والحركة النسوية
مثلت نهاية القرن التاسع عشر ثورة فكرية أساسها التيار النسوي في أشكال تنظيمية، تعيد الحق والاعتبار للمرأة في مستويات عدّة ومختلفة كالعدالة الاجتماعية والمساواة السياسية بين الرجل والمرأة. وتمثل المنعرج تحديدا جديدا في المطالبة بالحقوق، ناهيك أنّ المرأة أصبح مطلب الاعتراف بها كمواطن، وهو أحد أهمّ مطالب هذه الثورة. إنّ المواطنة، كمفهوم أسست له أنوار القرن الثامن عشر، تدعو إلى عقد أساسه أنّ القانون هو المنظم للحياة الاجتماعية وأنّ الأفراد متساوون بمقتضى هذا العقد. فلا عبودية ولا تبعية، بل أنّ المواطن له حقوق وواجبات. وهو نفس المبدأ الذي يسري على المرأة، بل أصبح من حقها أن تنتخب وأن تكون على رأس أهمّ المناصب. فمنذ 1880 وقعت نقلة هامّة في الحركة النسوية في فرنسا. فبعض النسوة "استطعن أن ينفذن إلى وظائف كانت في ذلك الوقت حكرا على الرجال" وفي ذلك إقرار بقدرة المرأة على أن تكون لها قدرات تثبت حسن تفكيرها.
لقد مثلت هذه الفترة وحتى الحرب العالمية الأولى، فترة اتساع الصراع بين اليمين واليسار حول قيم الجمهورية والديمقراطية التي وجب إرساؤها. فدخل الفرنسيون في نفق وجدال حول أية قيم تكفل قيم الجمهورية. فتراوحت المقترحات بين الحلم الروسوي في الديمقراطية وبين فكر يشدّ إلى الوراء أساسه أنّ الرجال أقدر على أن يصوغوا ويطبقوا القوانين وقادرون أيضا أن يضعوا قيم الجمهورية.
لقد مثل الفكر الروسوي حجر عثرة أمام حضور المرأة، بل أنّه مثل حاجزا أمام إمكانية تحررها، وهو القائل فيها: "أنظروا للمرأة فقط كوسيلة للعب وفي ذلك تحقّق لرغبات الرجال."
أمام هذا التصوّر الروسوي، ظهر المفكر أوليمب ادوارد من خلال كتابه طبّ النساء Gynécologie حيث تعرض للمرأة في العصور القديمة. فقدّم نقدا لفكر روسو، إذ رأى أنّ هذا الأخير لم يفعل سوى تشبيه المرأة باللعبة، التي يستأنس بها الرجال حتى يجدوا توازنهم، وفي ذلك إقرار بأنّ حياة الرجال مليئة باللعب أكثر من امتلائها، بل هي خاوية من الأبعاد الأخلاقية. إقرار يقدّمه المفكر أوليمب ادوارد يقرّ ضمنيا بأنّ المرأة نحاسبها بنوايا ورغبات الرجال، لا بما تقوم به حقيقة. إنّ هذا الوهم والأحكام المسبقة في حق المرأة تبرهن أنّ روسو، واضع أسس التربية الحديثة، هو عينه من أقدم على ترك أولاده، بل ألقى بهم على قارعة الطريق. وفي ذلك تشكيك في كلّ القيم التي تبناها، وأنّ أحكامه على المرأة لا تعبر إلا عن سلطة رجولية ترفض الغيرية التشاركية.
وهذا ما يدفعنا إلى طرح سؤال: لماذا لم يمتثل روسو إلى مبدأ المساواة الذي تحدّث عنه في كتابه العقد الاجتماعي ومحاولة تطبيقه في مسألة المساواة بين الرجل والمرأة؟ ولماذا استثنى روسو المرأة في مسألة المساواة وهو الذي تحدّث عن المساواة كقيمة في عقده الاجتماعي؟
إجمالا، الحركة النسوية تدين كلّ ما قدّمه روسو من تصوّرات سلبية تجاه المرأة، بل أننا أصبحنا نتحدّث في القرن العشرين عن المرأة المثقفة. ولقد عرف هذا القرن ثورة، كانت المرأة فيها رائدة في الدراسة والتدريس والتعريف بقدراتها وملكاتها الفكرية من أجل تحطيم قيْد أرسى دعائمه الفكر الروسوي حينما اعتبر في كتابه إميل "أنّ المرأة جُعلت لتمتثل لغبات الرّجل، بل لتسهر على سعادته". وكأنّ الفكر التنويري ظلّ مشوّشا وكأنّنا ننتظر دافيد هيوم لينقذنا من سباتنا العميق ويرشد فكرا ذكوريا يستند إلى وتد الأنا في برجه العاجي، طلبا للمكانة وتمسكا بالكامل ليُقسم العالم إلى فكر ذكوري ووجد أنثوي. إنّ إميل وإن كان ذكوري المسعى، فإنّ من يُضفي الدلالة والقيمة عليه تظلّ حروف أنثوية. فالألف يظلّ فاتحة حروفنا الأبجدية، ومن ثمّة كانت الأنثى حبلى بالمعاني والدلالات، وما على الرجل إلا ان يتدثر بها.
إنّ هذه الفكرة حاولت الباحثة الألمانية إندنشانخ A. Eindenschanck في مقالها "المرأة الحديثة" أن تب دّدها وتجعل منها نواة واساس نقد لاذع موجّها إلى الروسوية، ومن خلاله إلى سقراط حيث أكدت أنّ هذين العالمين قدّما فهما سيئا لحظة مزجهما بين الفضيلة والجهل ما قد أضرّ بالمرأة ككيان وبالفكر الإنساني كمطلب يعي الكثرة والتنوّع والاختلاف دفعا لكلّ خلاف وأنّ مشكاة الأنوار ليست إلا جملة من الثنايا وإن تقاطعت فإنها تلتقي في آدم وحواء، عنصرين أساسيين للحياة.
إنّ هذه النـزعة الرافضة للتوجه الروسوي السفسطائي الساعى في طلبه للفضيلة والسعادة المطلقة اجتماعيا من جهة وفي اقصاء المرأة من جهة ثانية، ما يتعارض مع معنى القيمة في حدّ ذاتها. إذ هي غايةن سبلها متفرعة وما تناسي هذا الدور المكمل للمرأة إلا تأكيدا إلا على أنّ إميل عنيد إلى حدّ أنّه يتناسى أنّ الجمال مفردة أنثوية، وهو ما أكدت عليه الباحثة جان ديفلو Jeanne Deflou بقولها أنّ روسو جبار وأنّ إميل عملاق رجلاه من صلصال، وأنّ السعادة ليست حكرا على ذكورية، كما أنّ المرأة ليست وسيلة وإنما تدرّج نحو الفضيلة، وما على الرجل إلا أن يحسن التفكير فيها. توحي لنا هذه الفكرة بالنصّ الكانطي، حيث أنّ الفكر انبجاس وموشور يحمله عابر طريق ليهتدي في ظلمة هي إلى الكهف الأفلاطوني أميل، بمعنى أن نفكر هو أن نحسن التفكير بأنفسنا، وأنّ التفكير دُربة والخطأ هو السبيل للتمكن من ناصية المعرفة القويمة. فلم لا نخطأ، ويخطأ الرجل حتى يُرشد فكره ويعي أنّ الأنا ليس إلا مرحلة من النحن التي يلتقي فيها كلّ من المرأة والرجل على قيم تربوية تكون حاضنة لأسرة مدنية. أليست المواطنة فعل مشاركة في الحق والواجب، والمساواة والعدالة الاجتماعية؟ أليس هو واجب المجتمع المدني أن يعي دلالة الثورة بما هي حرب ضدّ صنم لا دلالة له إلا التعنت وفقدان المعنى، ما يستدعي إعادة النظر في التربية التي يحملها إميل وعلى أية أسس ومنطلقات تنظر إلى الأفراد.
المرأة من التبعية إلى الفاعل المبدع
انتهى عصر الجوارين عصر المرأة، عصر القوّة الناعمة والسيطرة الدقيقة. حواء، بلقيس، زنوبيا، عليسة عبرن برق التاريخ، لا بغرور، ولكن بقدرة على التدبّر والحيلة والذكاء. فرسم معالم التاريخ غنسانوي تشاركي تكون فيه المرأة شريكا إيجابيا. يميل الكثير من المفكرين إلى الاحتجاج على سيادة الهويّة الذكورية ويؤكدون على أنّ مسألة السيادة ليست إلا مسألة إدراك للذات، وإدراك الذات يقتضي الوعي بانّ للمرأة القدرة بأن تتخذ موقعا فكريا ووجوديا يرفع عنها كلّ القيود وتشعرها بأنّ الحرية ليست تمثلا نظريا، بل هي بالفعل اختيار وقدرة على اتخاذ قرار، هو وليد فكر منتظم. ووجود الاختيار والقدرة على الفعل دائما ما يكون داخل حدود ما يُنظر إليه على أنّه ممكن وقابل للتحقق نظرا إلى أنّ معيار الحقيقة قابعة في فكر قديم يرجح كفّة الرجل. ولهذا فإنّه من الضروري أن نعيد النظر في أصل التصنيف ودواعيه.
يشدّ انتباهي وأنا بصدد التذكر، تذكر هذا الكوجيتو الديكارتي الذي شدّ سماء الميتافيزيقا الحديثة إلى وتد الفكر، حتى كاد يصبح نقطة أرخميدس. فبالفكر وحده يكتسب الإنسان إنسانيته. فهذا الكوجيتو الذكوري، وهذه الأنانة الموغلة في برجها العاجي حكمت على كلّ ما هو أنثوي بأنّه عائق: الخيال والإحساس والجسد حتى اقصى كلّ ما هو حسي من مملكة الإنسان. وما يشدّ في هذا الكوجيتو حقّا هو أنّ الديكارتية وأبا الحداثة يستمدّ فكره عن جدارة من مدى توافقه مع ما تفترضه البنية الفكرية عصرئذ، بمعنى أنّ هذا الكوجيتو الذكوري لمّا عُرض على الملكة إليزابيث، وهي من تلميذات ديكارت وحين سألت أبا الحداثة عن الحداثة بقولها: "كيف لك أن تنفي حضور الجسد وإدراكه للأشياء وأنت الذي يجلس أمام المدفئة وأنت الذي يكتب تأملاته أمام النافذة وينظر"، فكانت إجابة ديكارت: "نعم، وانّ الجسد موجود وعلاقته بالنفس هي كعلاقة الربان بالسفينة". نلاحظ هنا أنّ المرأة قادرة على النقد والتنبه إلى ثنايا العقل وبنيته. فتراجع ديكارت عن الإقصاء الكلي للجسد في تأمّله السادس، فكان تحت تأثير أسئلة الملكة إليزابيث. وفي ذلك دليل على أنّ الفكر إذا ما استند إلى السلطان استمدّ وجاهته حتى وإن كان الفكر فلسفيا. فالسلطان كان كنيسة أو قديسا، رجلا أو ناسكا متعبّدا، فإنّه يضع دساتير وقوانين تراعي الأنا دون الغير في مقاربة انعزالية.
ويمكن للمقاربة الانعزالية أن تكون طريقة لإساءة فهم الآخر في العالم، رغم أنّنا في حياتنا العادية نرى أنفسنا أعضاء لعدد متنوّع من الجماعات المختلفة. إنّ الشخص نفسه، رجلا كان أو امرأة، يمكن أن يكون دون أيّ تناقض مواطنا مسيحيا، مسلما، ليبراليا، امرأة أو رجل، مؤرخا، روائيا ومناصرا لقضايا المرأة وطبيعيا في علاقته بالجنس الآخر، ومؤمنا بحقوق المرأة. هذا الكمّ الهائل في الاختلاف والتنوّع يحدّ من كلّ مقاربة انعزالية، اعتبارا إلى أنّ الهوية ليست عزلة وتفرّدا، بل هي مركبة، بمعنى أنّ الاختلاف إثراء للفكر وأنّ التفطن إلى نقائص الفكر الديكارتي ليس تحطيما لفكر ذكوري، وإنّما هو ترشيد لما كان طيّ النسيان، ألا وهو أنّ المرأة تتفطن بحدّة من البصيرة إلى أنّ الفكر الديكارتي يحتاج إلى رؤية موضوعية. وهو ما تفطنت إليه إليزابيث في قراءتها للتأملات الديكارتية.
تتعرّض إنسانيتنا المشتركة لتحديات أساسها أنّ الفوارق تطغى أكثر فأكثر، وأنّ إثارة الشقاق والنـزاع بكثير من التضييقات الجمعية والمتنوّعة، حكم على المرأة أن تكون صدى للتفكير، بل كائنا لا يفكر بأنفسنا.
المرأة من موضوع رغبة إلى صانعة للمعرفة
إنّ السؤال الذي يُطرح حقّا في مسالة إحاطة المرأة بالمعرفة هو لماذا نمثل حضور المرأة في المجال المعرفي حضورا محتشما؟ لماذا لا نعرف الكثير من النساء في حقل المعرفة حتى يُصنف الفكر الجماعي بأنّ المعرفة دائما خاصية رجولية؟ إنّ ما نريد الوقوف عنده ونحن أمام هذا السؤال هو التذكير بأنّ المرأة لم تغب في تاريخ حركة العلوم وإنّما وقع تغييبها وإقصائها. ففي كتابات إيريك سارتوري Eric Sartori وخاصة في مقاله "تاريخ النساء العلمي"، أكد هذا الأخير على أنّ الإقصاء ماثل في المجال المعرفي، كما في المجال السياسي، بل أنّ مكانتهنّ بقيت في ثنايا الرجل وأنّ الرجل هو الأقدر معرفيا.
إنّ الرجوع إلى الحقل التاريخي، وتحديدا القرنين التاسع عشر والعشرين، يمكننا من اكتشاف ثنايا خطيها المرأة باقتدار، رغم أنّها حُرمت من كلّ حق في المعرفة. فلم يكن ذلك إلا تحدّ لتثبت جدارتها وقدرتها على مقارعة الرجل في الحقل المعرفي، عصامية كانت لرفض الجامعات لها. فكانت عالمة فلك ورياضية، وتجيد حروف الفيزياء وتجاربها واكتشفت الكثير من التجارب، رسخها التاريخ في هذه المجالات العلمية، وكأنّ عصر التنوير الفكري الحقيقي كان القرن العشرين. هذا المنحى الجديد والمسار المحفوف بالمخاطر الذي شقته المرأة لتثبت أنّ ما نحتته المدينة اليونانية اجتماعيا وفكريا والذي تغذت منه فيما بعد الجامعات الغربية وحتى اليوم، ليس إلا وهْما. فقد لعب أرسطو دورا كبيرا في بناء هذا الفكر الغربـي القائم على اعتبار المرأة أقلّ مرتبة من الرجل فكرا وقدرة.
لقد مثل علم الفلك من العلوم التي بادرت المرأة بالاهتمام بها في بداية الأزمنة الحديثة، خاصة في ألمانيا فيما بين 1650 و1750 مثلت المرأة المهتمات بهذا العلم 14 بالمائة.فلنذكر على سبيل المثال ماري فينكلمان كيرش Marie Winkelman Kirch (1670-1720)، فقد أبدعت باختزال وإعادة احتساب جدول فلكي ليوهانس كيبلر، صاحب الثورة الفلكية إلى جانب غاليليو، بل أنّها قامت بكتابة ثلاثة مسائل فلكية. وهذا غن دلّ على شيء فإنّه يقدّم صورة للمرأة تكتسح المجال العلمي باقتدار وتعيد به تذكير ذاكرة ذكورية، بأنّ البحث والمعرفة ليست حكرا، بل حسن تدبّر. وما هذه العبقرية ماري فينكلمان، التي اكتشفها لالند Lalande، إلا امرأة تُضاف إلى عدّة نساء أخريات على غرار كارولين هيرشل Caroline Herschel (1759-1848)، التي اهتمت بدراسة المقربة télescope وقد تمكنت من صياغة مجلد في الفلك والنجوم. أليس هذا كفيلا بأن نعيد النظر في تصنيفات كلاسيكية سعت إلى إدانة المرأة واعتبارها فاقدة للقدرة على الإبداع، أليست هذه المجالات العلمية، كعلم الفلك والفيزياء والرياضيات من العلوم التي تمثل نواة التقدّم. وإذن تمثل المرأة، بنفاذها إلى هذه العلوم، شريكا في الحركة المعرفية والعلمية.
إنّ تعاظم دور المرأة في هذه المرحلة من تاريخ البشرية، كان نتيجة اغتراب أدركت أنّ الخلاص منه لن يكون إلا بخوض هذا الصراع على أصعدة مختلفة. ففي الوقت الذي بدت فيه النساء تأخذن نصيبهنّ في هذه الفسيفساء المعرفية والعلمية لرؤيتنا للعالم، الذي كان حكرا على الرجال ولا يزال، فقد اعتمدن الشك طريقا، فرفضن وضعهنّ بما هو آخر سلبـي وعدمي، ورفضهنّ المشاركة السالبة التي كانت تعني التخلي عن اتخاذ القرارات في لحظة كان فيها الرجل سيّدا، وهو من يرعى ماديا المرأة، وهو من يتكفل في النهاية بتبرير وجودها. إنّ التحرّر من هذا الخطر الميتافيزيقي هو شرط إمكان تمكنها من الإبداع. وما النفاذ إلى المعارف والعلوم إلا هذه الطريق الملكية لهذه الحرية، وانّه درب محفوف بالمخاطر. وذلك هو معنى الشجاعة التي لا تعني بالنسبة للمرأة نقيضة للخوف، بل تعني الشجاعة على تحمل المسؤولية والإيمان بأنّ التحرّر فعل يُدرك ذاتيا دون عون. وبالفعل فإنّ كلّ فرد يتوق إلى إثبات نفسه بما هو ذات مستقلة، وهو شوق إيتيقي يوحي بتنصل من إرث وثني كانت فيه المرأة فريسة أهواء وإرادات ذكورية، ومحرومة من كلّ كرامة إنسانية. إنّ الالتزام بخوض هذه الثورة يجعل من هذا الدرب، رغم مخاطره، طريقا محمّلا بالآمال تضطلع فيه المرأة بحريتها. نعم، بحريتها. لا دساتير ولوائح تُكتب وتُنقش في ذاكرة رجولية، بل تجربة وجودية تخوضها بكلّ ثقة.
إنّ إنسانيتنا المشتركة أي واقعنا الاجتماعي يتعرض إلى تحديات وحشية، نظرا للتجاهل الكلّي لما تقدّمه المرأة في الحقول العلمية. انجازات يقابلها تنكر وعنجهية ذكورية في مقاربة انعزالية ترفض التنوّع والمشاركة. ولهذا فإنّ من ضرورات خوض تجربة ثورية أن تتحمل المرأة مسؤوليات الاختيار والتفكير حتى تتجاوز كلّ عنف فكري يقصيها ويحرمها حقها في الإبداع.
إنّ حتمية الصراع من أجل الاعتراف تبقى شرط إمكان بناء شخصية مستقلة تؤكد نفسها بما هي ذات لها فرادتها، وليست آخرا مجهولا. إنّه صراع تشكل منه القرن التاسع عشر ويتشكل كلّ يوم أمام التغييرات الفكرية التي نحياها، وأمام طغيان بعض التصوّرات الموغلة في التعصب. صراع من أجل تملّك وسائل عينية وعملية تحصّن المرأة من كلّ غلو ومن كلّ خطر ذكوري ومنطق السيادة لديه. هذا الخط من التفكير يدعمه كثير من نسوة وعيْن بأنّ الإبداع في الحقول المعرفية والعلمية هو لبنة من لبنات البناء الاجتماعي والتشاركي
التحديات الكونية والسياسات النسوية المعاصرة
هنالك أسباب عديدة تجعل من المهمّ للغاية أن نتنبه إلى الفرق بين الرؤية المحلية للمرأة والرؤية العالمية أو الكونية للمرأة، أمام واقع ازداد تشعبا، من حيث الالتزامات الأسرية والاجتماعية وأمام الحاجة الملحة إلى إعادة هيكلة الوعي العربـي لضرورة تحفيز الدور الاجتماعي للمرأة، على أساس أنّ البناء لا يكون إلا بوعي يشمل المرأة، وبفهم، بشكل أوسع بناء، لانتمائها لفضاء كوني يعي خصوصيتها وقدرتها على المساهمة الفاعلة في نحت معالم أسرة معاصرة واقتصاد ديناميكي. إنّ هذا الإدراك ضرورة تمليها على الأمم، وخاصة العربية منها أن لا تلغي الالتزامات التي تنبع من روح كونية إنسانية، أساسها أنّ المرأة عنصر يبدع في المعرفة وأنّ لها من المساهمات الأدبية والفكرية والتوجهات السياسية ما يدعم القول بأنّ كلّ ما تبنى عليه قرارات ذكورية إنما هي حياكة نسوية. ولنضرب مثالا على ذلك. فقد لعبت المرأة دورا كبيرا في تاريخ الإنسانية، حيث أصبحت مثالا في الدراية والتدبير، مثل زنوبيا، وعليسة اللتين أدارتا شؤون المدينة بحنكة سياسية تعبّر عن دراية فكرية وحسن تدبير.
إنّ الكلاسيكيات الغربية والعربية حافلة بالنماذج النسوية كما ذكرنا، شقت طريقها رغم المخاطر. وهي نماذج نذكر بها لا لنؤرخ، بل لنذكر أنّ الحضور فعل وممارسة. والسبب أيضا في ذكر هذه النماذج هو الوقوف على القيمة المعرفية وأنّ وضوح الفهم له أهميّة في ذاته وأنّ له آثار بالغة في الذاكرة والأفعال. وعلى سبيل المثال، عندما نرى بعض الجمعيات النسوية التي تقوم بنشاطات اجتماعية وسياسية، فإنّها تحاول توسيع قاعدة الفهم والتوعية حتى تدفع فكرة الفشل والسلبية التي وصفها بها الرجل. وعلى الرغم من الاحتجاجات المتواصلة والتصدّي لكلّ جهد نسوي، فإنّ الحضور والفعل يبقى عقيدة للمرأة حتى ترفع عنها الظلم وتصبح المرأة العربية كغيرها من النساء الغربيات، حاضرة، لا مكملة للمشهد، بل فاعلة فيه. إنّ هذه المعركة ضدّ تسييس حضور المرأة والذي جعل من المرأة ورقة للزج بها في أتون المهاترات السياسية وجب أن تكون معركة قيمية بالأساس، يعني أن تكون المرأة واعية، كما وعت بحاجتها للفنون والعلوم. فإنّ صراعها السياسي هو صراع فكري بالأساس، حتى لا تبقى وجهة للاستقطاب الذكوري وحتى ترفع عنها الوصاية.
ليس الهدف من هذا الصراع هو نفي النفي، بقدر ما هو إعادة للتوازن. وحتى نفهم بشكل أوفى ما يجري داخليا في بلداننا وفي حركة التاريخ، وحتى نفهم بصورة شبه كاملة التطورات الثقافية والفكرية الجارية، حتى نجد مواطن الخلل في أحكام مسبقة، فمن المهمّ أن نعرف ونفهم بنية الديانات والمجتمعات التي تخوض صراعات دينية وسياسية في إطار مجتمع مدني، وعلى سبيل المثال خاضت المرأة الغربية، صراعات في إطار حقوق الإنسان حيث أدّت عملها بنجاح كبير في كثير من المستويات، شجاعة والتزام "المحاربين" ساندها في ذلك ذوو العقول المتفتحة لقضايا المرأة ولأسس المجتمع المدني، ووجود كيان سياسي تفطن لدور المرأة أثناء وبعد الحروب العالمية، ممّا جعلها تخوض غمار السياسة والحروب. الأهم من كلّ هذا، وليس آخرا، هو فاعلية وسائل الإعلام في لفت الانتباه إلى ما يعتبر مخالفة لحقوق الإنسان وانتهاكا للأصول المدنية والواقع. إنّ المشهد العربـي في بعض منه يتجاهل هذه الحقوق وهذه القيم الكونية التي تُقرّ بحقوق المرأة كفاعل نشيط. وما يثير لدينا تساؤلات عدّة أساسها ما قيمة حقوق الإنسان كدستور سياسي كوني داخل أنظمتنا العربية وما الذي يجعل منّا مواطنا كونيّا؟
هل أنّ توظيف الهوية الدينية يُعتبر جزءا من خلق صراعات منظمة داخل المجتمعات العربية بين الجنس، وتحديدا بين الرجل والمرأة؟
إنّ معرفتنا بكلّ هذه الإحراجات والتساؤلات لا تقلل بأي حال من الحاجة إلى التعامل الندّي مع "الآخر"، إذ أنّ التوجه نحوه ليس إلا تذليلا لعقبات، وأخطرها التعصب. فمن الأهمية بمكان أن نتنبه إلى أنّ التعصب آفة اجتماعية تغذي الطبقية والفوارق النوعية والاجتماعية وأنّ كلّ الخوف متأت من النفوذ غير المتكافئ الذي يتمتع به الرجل كان نتيجة رعاية موصولة في أغلب الأحيان من الدولة.
ليست المرأة نشازا ولا مكملا، ولكنها في صدام مع بيئة تسودها الأصولية الدينية والإيديولوجيات السياسية. فكانت أرضا خصبة لإنتاج وعي رجولي متطرف صدّر قيما تدّعي الكونية. وهذا الأمر وجب التنبيه إليه والحذر منه. إنّ الكونية إنسانية بالأساس تدعو للتواصل والتسامح والاعتراف المتبادل. هذه القضايا الجوهرية لا بدّ من تناولها على كثير من الأصعدة والدعوة للإصلاح والضغط من أجل الحقوق والديمقراطية وإعطاء مزيد من الحرية لتكون المرأة في مواقع القرار. لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الثقافة لها دور مؤثر. ولكن السؤال المؤثر والحقيقي هو بأيّ طريقة يكون للثقافة دورها المؤثر؟
إنّ حبس المرأة داخل صناديق الثقافة الصلبة والمنفصلة عن الواقع المعيش وعن الإطار الحضاري، حيث التجارب المختلفة والانجازات النسوية، هو ما يؤرّق المرأة حقا، لأنّ هذا الحبس داخل إطار ثقافة ذكورية لا يأخذ سوى نظرة شديدة الضيق ولا يمكن أن تقدّم إلا فهما شديد المحدودية لخصائص المرأة العربية. فعندما يجتمع وعي ذكوري ضبابـي مع واقع حتميته تصورات رجعية متخلفة يصبح الراهن سجنا ويُطلب من المرأة حقيقة أن تكون عبدا خياليا لقوّة وهمية.
لاشك في أنّ إرثنا الثقافي وخلفيتنا العقائدية يمكن أن يكون لها التأثير الكبير والهائل على شكل صورة المرأة وسلوكها وفكرها. كذلك نوع الحياة التي نعيشها بعُقدها ومخلفاتها الدينية والاستعمارية هذا التمايز والمفاصلة والفجوة الحاصلة. إنّ الشك الذي أحاول التعبير عنه من خلال عرض ثقافتنا وإرهاصاتها لا بطلب التهرب من ثقافتنا ولا طلبا للاعتراف بأهمية الثقافة لوعي الأفراد وسلوكهم الاجتماعي فحسب، بل أوّلا وأساسا المقصد من ذلك هو أن نقف على الطريقة التي تُرى بها الثقافة أحيانا من قبل الرجل، شكل أحاديّ أحيانا وشكل عنادي ورافض للاعتراف بالغير كحضور وقيمة.
إنّ هويتنا الأنوثية يمكن أن تكون عظيمة الأهمية، لكنها لا تقف في تصلب وحدها، معزولة عن التأثيرات الأخرى في فهمها لذواتنا وقدرتنا نحن النساء على التفكير والمساهمة في المسار الاجتماعي والتاريخي للإنسانية. إذ أنّ هناك العديد من الشروط التي وجب أن تتوفر، بينما نعترف نحن بتأثير ثقافة الرجل في حياتنا وأعمالنا. أوّلا، بقدر ما ساهمت الثقافة والتربية في تهذيب السلوك، فإنّ عليها أن تحسن النظرة للمرأة، إذ الثقافة عنوان الشعوب وتحضرهم. وهنالك أشياء أخرى وجب أن يضمحلّ تداولها الخاطئ مثل العنصر، والنوع، والطبقة، والسياسة لما لها من دور شديد ومؤثر في توجيه الرأي العام.
والحق أنّ الدفاع عن حقوق المرأة يظلّ حجّة قائمة على أنّ الحرية الثقافية تصير شرط إمكان بناء مجتمعات مدنية، إذ لا شيء يمكن تبريره باسم الحرية من دون أن يكون لدى الناس فرصة لممارسة تلك الحرية والتفكير بمعزل عن كلّ سلطة "ذكورية". فكلّ انتهاك لهذه الحرية يمكن أن يكون طغيانا باسم النصّ المقدس وبالتالي فصلا وإقصاء للمرأة من مملكة الإبداع.
لقد ذكر فرانسيس بيكون (1561-1626) في بعض أطروحاته بعنوان "تقدّم التعليم": "إنّ تسجيل الشكوك وعرضها لهما فائدتان". إحداهما فائدة مباشرة، فهي تدفعنا نحو تقصي الحقائق، والثانية كما يقول بيكون تختص بتعزيز عملية البحث والتدقيق التي يمكن ان تثري فهمنا وتعزز سبل تحرّرنا، رغم الدعوات المستمرّة من كلّ صوب والقائلة بأنّ المرأة شريك فاعل.
ومعنى هذا أنّ آلية الشك تقوم أساسا على توجيهنا أسئلة عن واقعنا نحن النسوة. وذلك هو عين التفكير وأساسه حتى نقوّم الاعوجاج وحتى نقدّم مساهمة جدّية وبناءة ولنحدّ من الشعارات المستخدمة والعناوين الساحرة المناهضة لتعذيب المرأة وحرمانها من كلّ الحقوق. أليس الشك آلية في آليات التقنية والعملية للتفكير التي تجعلنا نمعن النظر عن قرب من كلّ أشكال السفسطة والقضايا الهائلة التي تتطلب رؤية تشاركية بين المرأة والرجل. وهذا في حدّ ذاته مساهمة بالغة في بناء المجتمع.
لعلّ ما تقوم به اليوم النسوة في كلّ مجالاتها ليس إلا دليلا على أنّ للتعليم دور ريادي في صحوة المرأة وأنّ مساهمتها اليوم ليس إلا "وعيا" منها بأنّ قدراتها الفكرية والمعرفية هي التي بوأتها مناصب سياسية واجتماعية متقدّمة، وهو ما يجسّد دلالة الديمقراطية الكونية التي تلتقي على أنّ الإنسان مهما كانت انتماءاته ولا جنسه هو خاضع لقيم اجتماعية تنظمه وتحفظ له حقوقه المدنية. ولا يعني ذلك أنني أريد الإيحاء بأنّ مشكلات التحيّز للمرأة هو خرق لقوانين ولا لنواميس، وإنّما هو كشف لكلّ لبس ساهمت فيه بعض الأفكار الأصولية والرجعية التي أصبحت جزءا لإنتاج العنف والتعصب، فكانت المرأة ضحية له. ولكن أردتُ القول بأنّ فرصة تعهد العقل والتعرف على الحاجة لاختيار موقف مدقق والإقرار بالمشكل ليس في العقل، وإنما في كيفية استعمال العقل. وإنّ تنبيهنا للمخاطر لهو فعل العقل عينه، وأنّ المرأة قادرة، كما ذكرنا سابقا، على المساهمة لا في مجال المعارف والشعر، ولا في مجال السياسة، والأمثلة على ذلك كثيرة، فحسب، بل أنّ حسن التدبر والنقد والشك ليست وسائل رجولية فقط. فمن غير المنصف للنوع والجنس أن نقول إنّ المرأة لا تفكر، ومن غير المنصف القول لهنّ "هذه هي هويتكم، وهذا هو كلّ ما ستحصلون عليه".
إجمالا، إنّ الحركة نحو المدرسة تعكس رؤيتنا حول تحرير المرأة من كلّ قيد وأسر ولتثبت أنها جديرة بالتميّز حتى ترفع عنها وصية "وثنية" ونصحح مسارها أمام كلّ محاولات شدّها إلى القاع. فالمرأة موشور أو هي مشكاة أنوار أطرافها وجدان ومعرفة، فكر وقدرة، وتحدّ واقتدار أيضا. فهي كغيرها من الكائنات جدل بين قوّة وضعف وأنّ سرّ قوتها في ضعفها. ودون مبالغة شديدة، لقد أحسنت المرأة استعمال كلّ القدرات وإن كانت بسيطة لتسجيل حضورها. والفضل في ذلك لوجود التعليم والتمدرس الذين أعطياها فرصة لتعبّر عن طاقاتها وقدراتها اللامحدودة، وأنّ إعمال العقل بما يشمل الفحص المدقق والنقدي، أثبتت من خلاله قدرتها على المقارعة وعلى الكتابة في شتى الضروب. وهو يذكرنا بما أبدع شكسبير في قوله: "البعض وُلد عظيما والبغض يصل إلى العظمة والبعض تُثقل كاهله العظمة".
هي ذي طريق شقتها المرأة طلبا للحرية والعظمة لتفند القول بأنّ البعض وُلد عظيما.