eKtab
EN ع
الفنون التشكيلية
اقرأ عينة مجانية

الفنون التشكيلية

بقلم د. إياد محمد الصقر

صفحة 1
مقدمة المؤلف
 
إذا انتشر الظلام وتلاشى الجمال والفن بين ثناياه المدلهمة تحوّل الكون إلى عدمية محزنة. وإلى كآبة تامة، يلفّها ضباب الضجر.
 
وهل يمكن العيش هناك بين تلك الثنايا والبشاعة.
 
لولا الجمال والحب والفن ولولا الصورة والتعبير.
 
فلولا الإحساس بالفن لانعدمت الشفافية والتناغم والحنين والشاعرية الناعسة. ففي غروب الشمس، وبزوغ الفجر وما وراؤها من ألوان رائعة وهّاجة، هذا ما آثار الشوق عند رامبرانت، وليوناردو من حب للضوء واللون والنور.
 
ولا عجب إذا قال الفنانون «النور والتعبير هو الروح.. والروح هي الحياة ولا قيمة للحياة بدون فن أو عمل فني ولا قيمة للعمل الفني بدون فنان مبدع».
 
فلقد سطر أجدادنا البابليون مجدهم وفنّهم وبطولاتهم.
 
وها نحن نعود من جديد لنرسم معالم الفن والإبداع في إنساننا الجديد.
 
كما وأن للحياة معاني كثيرة، مرتبطة في معاني الإحساس والجمال، تمتد بالحياة إلى الخير والسلام والانتعاش والجمال. وكل هذه المفردات تقودنا بالتالي إلى معاني الصدق لكي نتحقق بالأماني السامية إلى القيم الجميلة للحياة.
 
والفن هو الرابط ما بين التعبير الفكري للنشاط الذهني بواسطة رموز غير منطوقة للتعبير عن معاني وأفكار عقلية وأنه نشاط يوفر لنا المعرفة البصرية عن طريق الشكل الفني..
 
والفن هو أوسع مدى من اللغة في التواصل البشري.
 
وهو تعبير عن العواطف الإنسانية للتكيف مع البيئة والمجتمع وهو نشاط بشري يرتكز بالذات على الخبرة الجمالية وأنه لا يمكن أن يقوم فن بدون فكر فالفكر هو أساس الحياة وهو منبع الفنون.. ومن هنا نستخلص القول إن الفن هو للفن.. وإن الفن للحياة.. هذا هو رأيي المتواضع.. ولكل له رأيه والله أعلم..
 
المؤلف
 
د. إياد محمد الصقر
صفحة 2
الحياة الإنسانية هي الأرض المشتركة التي يصول فيها كل من الفنان والأديب والفيلسوف. وهنا يكون التعبير عن معانيها تارة بلغة الأدب وتارة بلغة الفن التعبيري أو الرمزي وكلاهما نشاط إنساني يعبر عن رغبة الفنان أو الأديب.
 
وما بين ثنايا طيات الشاعر الأديب أو الفنان المعبر تحليلات لطرفي التجربة الإنسانية الغنية التي تثري واقعنا بالمفاهيم والرؤى وتمدها بمعين لا ينضب من تلك المفاهيم.
 
وبلا شك أن الفنان عنصر إبداعي إنساني وكذلك الفيلسوف والأديب. لأن كل منهما له تجربته الذاتية التي تتعلق بالميول والاتجاهات والرغبات وكذلك ما يحمله كل منهما من مواقف وتجارب.
 
يتم التعبير عن كل ذلك بصورة ممتعة وبراعة متناهية وأحياناً تتحول تجربة الأديب أو الفيلسوف إلى رؤى عميقة الغور تتبلور وتظهر في مواقف أو نظرية، فالاستفهام والاستيعاب هما تجربة كل من الفنان والأديب وهذه التجربة تقود كل منهما إلى تقديم تقنية أو أسلوب إنجاز التعبير وفي هذه الرؤى يلتقي الشاعر والفيلسوف. ومن خلال عالمهما ينطلقان، فالفنون قديماً وحديثاً وكذلك الأدب بينهما حقائق أساسية في الاتجاه العام للروح والأخلاق والمثل والقيم.
 
وحضارتنا هي حصيلة منطقية لإحياء أشكال خارجية كانت تعبر عن مشاعر دفينة وفي عصر سابق وهذا هو السبب في تعاطفنا الروحي مع البدائيين.
 
كذلك تشابهنا الذي له جذور لا مستقبل فيها. وكذلك يحمل بذور المستقبل فنرى أن الرسوم والشعر والأدب هما غذاء الروح ويشعر المتلقي بنشوة تسري في بدنه، لأن الروح الأساسية تعمق وتطهر روح المتلقي.. وهي شبه بمفاتيح ضبط الآلة الموسيقية فالفن والأدب والفلسفة يتطلب أكثر صلابة، أقل استجابة حسية، أكثر استجابة للروح.
 
إن التناغم هو حقيقة الوجود ما بين الطبيعة من ناحية وبين العالم الداخلي للإنسان. وهنالك تماثل طبيعي بين الإنسان والوجود. فالإنسان جزء من الوجود ومن الطبيعة. وهو لعنصر الحيوية لإدامة ذلك الوجود.
 
كما هنالك معادلة موضوعية ما بين الكل والوتر.. والذاتي والموضوعي الذي يكمل معنى الأشياء «تعادلاً وتنسيقاً وجمالاً».
 
وإن الوعي الإنساني وهو مركز الإبداع والخلق الفني والفكري هو المسؤول عن ذلك الاتساق والانسجام في تناغم الكتل.
 
وإن المفاهيم والمواقف الإنسانية لها أهداف عملية في تحسين وتطوير وتعميق وتجميل سبل الحياة.. مهما اختلف الطرح وأساليبه ولكن كلٌّ متفقون في حدود الرؤية، وإن اختلفت درجات الأصالة ومقاييسها وزواياها. المهم كلٌّ يسعى في أسلوبه وفي فلسفته لتعميق الرؤى الإنسانية بمفاهيم تعبيرية جديدة.
 
وسنبرز أهم أوجه التقارب ما بين الفن والفلسفة في دراستنا هذه.. وإن برزت بعض أوجه الاختلاف ولكن لفرض أبرز الترابط الفكري والتناغم ما بين الفكر والفن.. وكذلك تهدف الدراسة إلى اكتشاف النقاط المشتركة ما بين الفكر والفن عامة. والفن بين التقليد والإبداع وخصوصاً منذ القرن العشرين عصر بحث وتجارب وثورات وحروب وإبداعات نجد أن العالم الخارجي مرجع الفن والفنانين.
صفحة 3
الفلسفة والفن معاً هما في دأب دائم للبحث عن الحقيقة ليتم التعبير عنها بهيئة أفكار وتعبيرات واضحة نابعة من قوانين إنسانية بحتة في صياغة مجردة ودقيقة. الفن سواء كان تشكيلياً أم نثراً أم شعراً ما هو إلا بناء متماسك الوحدات تجمعه عناصر اجتمع العلماء والنقاد على تسميتها وبذلك ندرك الكون والوجود فالفن الشعري هو إرضاء لحماس القارئ وإشباع ذوقه الفني فالشعر يعتمد على الخيال الفني والخيال الخصب والعاطفة المركزة على المشاعر الإنسانية. وكما يرى شوبنهور (ما يرمي الشاعر إليه هو إنتاجه الفني وإتحافنا بمجموعة من الصور اللفظية التي تصور لنا أشكالاً من الحياة ونماذج مختلفة من المواقف البشرية وأنماطاً متنوعة من السمات الشخصية) واستناداً إلى هذا الكلام نجد أن الفنان لا يعتمد إلا تلك المسميات من الحياة البشرية وتلك النماذج المختلفة في صياغة التعبير في أي من التعبيرات الفنية سواء كانت رسماً أو نحتاً أو تصميماً ويعتمد الفنان على ما توحيه له الأشياء وما ترسمه المخيلة وبما ينفعل فيه من مواقف حياتية إنسانية فالشاعر والأديب والفنان والفيلسوف كلاهم عقلاني إنساني ينطلقا معاً في مشاعر ومعايير محددة للإبداع فإبداع الشاعر والفنان معاً تحدهما معايير الجمال والقبح وذلك في مديات متطابقة الرمز الأدبي الشعري مع الطاقة الانفعالية أو التصويرية ولتأكد ذلك ما يقول «أبولينير» ليس الشعراء رجال جمال فحسب، بل هم كذلك رجال حقيقة وذلك بقدر نفاذهم للمجهول.
 
ولا اختلاف على هذا الكلام فالفنانون هم رجال جمال حتى في رؤيتهم إلى القبح فهم يرون جمالاً ما لا يراه غيرهم ويصفون إبداعاتهم وصورهم في إبراز المشاعر من خلال مخيلتهم فهم إذاً رجال حقيقة بما يسهمون في إبراز لقيم الحق والجمال بما يسهمون به في بناء أممهم ومجتمعاتهم.
 
العالم بأسره هو محط اكتشافات ولقد ساعدت على تلك الاكتشافات التطورات في كافة الميادين، حيث التكنولوجيا المتطورة التي سهلت كافة ميادين الإبداع والفكر للعلم والعلماء. ودائماً العالم يحتفي باكتشافاته وتجدده واستمراره من خلال الأداة التي يعبر من خلالها وبأسلوبه الفريد المتميز والفنان كذلك يعبر بأدواته اللونية.
 
إذن هنالك أرض مشتركة ما بين الفن والفلسفة، فالفلسفة نتاج فكري والفن نتاج أيضاً وهو حصيلة المعاناة لذلك النتاج بوسائله المتعددة فالفلسفة تنظر إلى الشجر وتحلل صوره وآفاقه وكذلك الفنان ينظر إلى الواقع ويخلق صوراً سواء كانت واقعية أو غير واقعية (أي فوق الواقع)، لأن تصور الفنان ينطلق من انفعالاته وبالتالي يصل إلى حالة الصدق الفني في الاسترسال والعطاء.
 
كل ذلك يحتم على الفنان المبدع وجود الطاقة الكامنة والتي هي أرض خصبة لمجال الإبداع الفني، سواء كان شعراً أم فناً تشكيلياً. يتم التعبير فهي بواسطة الطاقة الانفعالية أو التصويرية. وبمعايير الفلسفة الحكم هما الصدق والكذب ويعتمد كلاً من الفنان والفيلسوف على تلك المعايير في إنتاج أعماله حتى وإن كانت خيالية. لكنها نابعة من تصور الفنان وفلسفته.
 
وإن ما يتجلى في عالم الفلسفة يتجلى في رؤية الفنان، لأنه تناول الواقع في حركة إبداعي خلاقة من خلال اتجاهه للمستحيل والمجهول.
 
وبذلك هو يسعى إلى التناغم العام ما بين الكون والطبيعة والوجود، وهو الذي يخلق الانسجام والتنظيم الذي هو ضرب من التآلف والانسجام بين العديد من العناصر المختلفة التي تعد بالنسبة للفنان مادة أولية، يصيغ منها كعناصر جزئية لعمله الفني فيكسب دلالة تعبيرية والتي تأتي في مجمل العمليات التي يقوم فيها الفنان من اختزال وتحوير وإضافة وترتيب تفضي إلى نسق تعبيري.
صفحة 4
الفن للحياة
 
1
 
الفن للحياة
 
اختلف رجال المعرفة حول الفن: هل هو للفن أم للحياة؟
 
ويبدو أن المسألة ذوقية أكثر منها معرفية أو فكرية أو اجتماعية! إذ أ الفنون الجمالية والبيانية، إنسانية الأداء والعرض أو حسب التذوق.. تذوق الإنسان لها أو لبعضها أو لمفردة منها.
 
لأن موضوعاً كهذا - بحسب رأيي - ليس هيناً أو بسيطاً. إذ أنه يحمل في طياته وحروفه ومعانيه جملاً من العلائق التي تصل الإنسان بحياته وتتعلق بعض ظرفها بها، أي بحياة هذا الإنسان وشعوره وذوقه وحسّه ومواقفه الاجتماعية والإنسانية كفرد من أفراد مجتمع الحياة، يعيش متطلبات حياته ضرورية كانت أو كمالية. في العصر الحديث فهي عطاءات شعورية وحسية لحياة الإنسان وذلك بتجدد نشاط هذا الإنسان فيها، وتقبله لهذه العطاءات بالإيجاب أحياناً وبالسلب أحايين أخرى!! وغني عن البيان فطرية الإنسان وعفويته ونفسيته المتغيرة باستمرار لمواجهة عطاءات الحياة ذاتها: وهو الأمر الذي يأخذنا إلى الميزان المتعادل: هل الفن يكون حياتياً أو فناً للفن؟ وقبل الدخول في موضوع يجدر معرفة معنى الفن الحقيقي! إذ أنه - فيما أرى - ذو دلالات متعددة ليس الموسيقى والرسم.. الخ هي المعنية فقط بل ثمة معنى جديد لعلي أبديه للنقاش.
 
وهذه المعاني الرفيعة الشأن فكرياً والعظيمة الشعور ذوقياً عما أقصده فيما سبق القول للجديد المعنى أو المعاني للفن في حياة الإنسان أو ما يمكن أن يلتمس تفكيرياً إلى حدٍّ ما؛ حين البحث عن تذوق الجمال الفني أو الفن الجمالي في حياتنا الإنسانية. إن الحياة جميلة بإنسانها ومحتواها ومخلوقاتها ولكن ذلك لا يتم إلا إذا كانت نفس الإنسان جميلة في ذاتها أو كما قال أبو ماضي:
 
والذي نفسه بغير جمال
 
لا يرى في الوجود شيء جميلا
 
إن الإنسان ينبغي له المعرفة والتذوق في عالم الحياة الفسيح، وأرجائها الشاسعة للجماليات والضروريات والكماليات أيضاً. وما لم يتجمل للحياة فهو غير جميل! ولكن الجمال - كما ينبغي أن يعرف.. ليس في الماديات الملموسة فقط، بل ليتحراها في كل جنب من جوانب الحياة المتدفقة بالخير والسلام والفكر والانتعاش لهذه المعاني الجميلة فعلاً لا قولاً فحسب، والتماساً لجمال الحياة في تناغماتها المكثفة بالمعاني الجميلة والإحساس النبيل والصادق في تفسير الأشياء التي تُعنى في شؤون الحياة وشجونها ومن ظواهرها وبواطنها، حتى نتحقق بمعانيها السامية وقيمها الجميلة أن للحياة معنى آخر غير ما يعرفه الماديون والملتمسون للمادة.
 
بعد هذا نخلص إلى القول إن يكون الفن للفن كما يكون للحياة. وهذا رأيي المتواضع ولكلٍّ رأيه، والله أعلم.
 
لقد أنعم الله على الإنسان بحواسه الخمس والتي منها البصر العضو الفعال في ذلك العين، ولكن من الضروري أن يكون هناك ضوء حتى تتم عملية الرؤية وإدراك الأشكال والألوان.
 
وعند الحديث عن الألوان فإن أول مشكلة تواجهنا هي طريق وصف الألوان، ونعني بذلك كيف يمكن التخاطب بلغة يكون لكلماتها المدلول نفسها عند القائل والسامع، فكلمة اللون تدل بمعناها الواسع على الكثير من المعاني، فهي تشمل ذلك الإحساس البصري المترتب على اختلاف أطوال الموجات الضوئية للأشعة المنظورة، كذلك تدل كلمة لون على مدى اختلاط أصل اللون وعلى التدرج اللوني والتعبير عن التباين وغير ذلك من معاني..
 
وأثبتت التجارب السيكولوجية في ميدان دراسة الألوان أن منها ما يبدو في الصورة أقرب للمشاهد وأكثر تقدماً من غير الذي يبدو بعيداً وتلعب دوراً في الإحساس بالعمق الفراغي.. والدلالة على الإحساس بالبُعد الثالث في الصور الملونة برغم من أنها صوراً مسطحة ذات بُعدين فقط.
صفحة 5
نظرة واحدة فيما حولنا كافية لرؤية آلاف الألوان التي تضفي على الأشياء مميزات خاصة بالإضافة إلى النواحي الجمالية الرائعة.
 
ولا بد لنا الاهتمام بدراسة العناصر المهمة في عملية التصميم التي لعبت دوراً هاماً عبر العصور في المجال الفني والجمالي لدى الإنسان منذ أقدم الأزمان وقد اهتم العلماء بالنظريات التي تهتم بدراسة الألوان سواء في الطبيعة أو في الفن أو حتى كيميائياً حيث تطورت صناعة الأصباغ اللونية وارتبط اللون بعملية التصميم كعنصر مؤثر وفعال يحقق نجاح هذه العملية.
 
إن أي فن هو في الأصل علم.. فلا يوجد فن بدون علم، والأبحاث الجديدة التي تدور حول الألوان لا تتوقف عنده..
 
«لقد استخدم الفنان القديم مواد التربة والمواد النباتية والحيوانية في عمل المساحيق الملونة، وكانت الألوان المشتقة من هذه الأصول ضعيفة في شدتها، كما كانت الألوان النقية نادرة الاستعمال بسبب غلو أثمانها وندرتها. أما في العصر الحديث فقد أحدث العلم ثورة اللون، فمن المستطاع الآن أن نصنع بسهولة الصبغات ومساحيق الألوان الكيميائية التركيبية الثابتة النقية، وهي متاحة على مستوى عالمي وبأثمان معقولة، ولذلك يجد الفنان الحديث مجموعة مختارة من الألوان لم يحلم بها الفنانون القدامى، ويعتبر تاريخ الفنون التشكيلية في جزء منه تاريخاً لتطور المساحيق الملونة.
 
يعتبر اللون من العناصر الأساسية في التصميم، وتساعد دراسته من الناحية النظرية، والخبرة التامة بالمكنيات المواد الملونة، واستعمالها استعمالاً ناجحاً المصمم على اختيار الألوان المناسبة المعبرة.
 
إذا نظرنا حولنا رأينا أن لكل شيء لوناً خاصاً، إن كان العلم يقول هذه الأشياء لا لون لها، ولكنها تمتص بعض إشعاعات الطيف وتعكس البعض الآخر فيكتسب كل شيء لون الإشعاع الذي يعكسه، ونحن نستعمل كلمة لون في هذا البحث ونقصد بها المواد التي تستعمل للتلوين، كما تبدو على سطح الأشياء.
 
إن الألوان ترتبط بمعاني راسبة في عقلنا الباطن نتيجة لخبرات بعضها موروثة في الجنس البشري، أخرى مكتسبة من الحياة والألوان بصفتها خبرة مريئة تزيد ثباتاً ودواماً في عقولنا تزيد على أي خبرات اكتسبناها عن طريق الحواس.
 
وكذلك نجد أن الألوان دلالات معينة وارتباطات بالظروف والأحداث التي مررنا بها في تفسير الأسباب التي تجعل البعض يميلون إلى ألوان دون غيرها».
 
العوامل المؤثرة على العمل الفني
 
هناك عدة عوامل تؤثر على الفنون منها العامل الاقتصادي والعامل الاجتماعي والعامل الثقافي وكذلك الخامات والأدوات المستخدمة في الفن وأيضاً الوعاء الزمني والوظيفة والمناخ. وهناك الكثير من العوامل التي تؤثر على الفن وفي الدرجة الأولى تأتي الموهبة فلا بد من توفر الموهبة في العمل الفني وأن هذه الموهبة يعطيها الله سبحانه وتعالى لمن يشاء من عباده وأنها تعطي الاستعداد الفطري عند الإنسان بحيث يراعي فيه النسب والتناسب والألوان والظل والضوء. وإن الموهبة كالبركان داخل الإنسان وعندما لا تجد المكان المناسب ولم تخضع للممارسة والتدريب سوف تقتل هذه الموهبة. وكذلك من العوامل المؤثرة على الفنون هو العامل الثقافي حيث يلعب دوراً مهماً لأن عدم الثقافة الفنية تؤدي إلى قتل الإبداع. والإنسان متثقف حتى يصل مرحلة التثقيف.
 
إن الفنان المثقف يشمل معرفته لجميع مجالات الحياة من فنون شعبية وأزياء وثقافات تقليدية وشرط أن يكون ملماً في علم الاجتماع وعلم النفس ومجالات العلوم السياسية والفيزياء والكيمياء. وكذلك عامل الخامة هي كذلك من العوامل المؤثرة على الفن وعلى التكوين البصري. وعند نجاح العمل الفني ووجود الفكرة فلا بد من توفر خامة جيدة لتنفيذ هذا العمل واختيار الخامات المناسبة والجيدة في تنفيذ هذا العمل وانتقاء الأدوات المستعملة في التنفيذ، وهناك خامات متعددة الأنواع في الأسواق المحلية وبحيث يختار المواد الجيدة والتي من الدرجة الأولى وأن الخامة الرديئة تعطي العمل الفني ردائه وعدم الاكتمال. وحتى التزيين عد النساء حيث هناك متخصصين في تزيين الوجه ومتخصصين في انتقاء الخامات الجيدة ليعطي الوجه ويزيده رونقاً وجمالاً. وكذلك المناخ لا تقل أهميته عن باقي العوامل المؤثرة على الفنان حيث إن التكيف بين الفنان وذاته وعدم وجود مؤثرات خارجية تعمل على الفصل بين الفنان وذاته أي توفير له المكان المناسب ومهيأ بشكل جيد، وبذلك تكون حالته النفسية جيدة. وأيضاً الوظيفة من العوامل الأساسية المؤثرة على الفنون وتلعب دوراً مهماً في سير البناء التشكيلي إلى منحنى معين تتلائم مع الوظيفة والخامة بحيث يبلور الذات في لتشكيل وتستخدم الوظيفة في الخداع البصري. وكذلك يعتبر الجانب الوظيفي وترابط مع الجانب الديني مثلاً اتجاه الحمامات في التصميم الداخلي أن لا يكون في اتجاه القبلة وبذلك أصبح ترابط بين العامل الديني والوظيفة بحيث يتخذ الجانب الإبداعي. وهناك عامل آخر هو الوعاء الزمني. لو طلب من أحد الفنانين تصميم ما، ونريده خلال ربع ساعة. وهذا مستحيل لأن لا بد من وجود الخبرة لإنجاح العمل الفني (التصميم المطلوب) وهناك الكثير من العوامل المهمة التي تؤثر على الفن وماهيته.
 
والفن يمثل استجابة وتجسيداً من الفنان لما ينفعل به انفعالاً وجدانياً عميقاً، فالفن في رأي الفيلسوف جود: هو النافذة التي يمكن أن نطل منها على حقيقة الجمال وقد لا يكون هذا تعريفاً حرفياً للفن وإنما تقديم الفن من خلال الوظائف التي يؤديها.
صفحة 6
مـاهيـة الفـن
 
عبر مسيرة الفن الطويلة والمتشعبة، لم يتوقف التساؤل حول «ماهية الفن» عن طرح نفسه، واستمرت حتى يومنا هذا - دون جدوى - محاولات إيجاد تعريف متفق عليه للفن، حيث وضعت للفن تعريفات متنوعة ومختلفة، بل ومتناقضة، مثل: «الفن متعة لذيذة»،«الفن مملكة الرائع»، «الفن مملكة الوهم الجميل»، «الفن حدس»، «الفن رؤيا»، «الفن أسلوب حياة».
 
كثيراً ما رُبط الفن بالوحي والإلهام والرؤيا والحدس والإبداع و.. الروح؛ الأمر الذي طرد الفن إلى خارج العالم والواقع والطبيعة، ورفعه فوق فضاءات الفكر والعقل والإدراك، بحيث بات أقرب إلى اللاهوت والمسائل الغيبية، مما أفسح المجال لقول أي شيء غير مفهوم أو بلا معنى عن المفاهيم الفنية المتنوعة. ونعثر على مقولات كهذه لدى المثاليين الذين يستخدمون لغة «صوفية» أقرب إلى اللغو، على الرغم من ترفعها وتعاليها الظاهري، وكذلك لدى الماديين الذين يتطرف بعضهم إلى درجة إلغاء الواقع والطبيعة لصالح فنٍّ ما أسمى من الواقع والطبيعة ويرتبط بحضارة الشعوب وتراثها.
 
فالتراث والحضارة معاً ساهما في بناء الإرث الإنساني وكذلك ساهما في بناء الإنسان الجديد مساهمة جدية وفعالة.
 
فالفن هو مرآة الشعوب والأدب والفلسفة هي غذاء الشعوب وكلاً من الأديب والفنان والفيلسوف يستلهموا المشاعر الإنسانية في أشكال التعبير. وما بين الجمال والقبح وخلود البشر وعبث الحياة.
 
وهو الصورة الفاصلة ما بين الحلم والخيال وقد مزج الفنان المبدع ما بين العلم والحلم، العقل والمخيلة، الواقع والخيال، فالفنون والآداب والفلسفة لهم هموم مشتركة في أرض الإبداع الفني، والتي هي لغة الأصالة مما دفع كل من الفنان والأديب معاً بجرأة وحزم للبحث عن الجديد والمفاهيم الحديثة في تحطيم الأشكال التقليدية فلم يتحدد على أسلوب معين وعلى مدرسة معين وإنما ظل يبحث في الماضي والتراث لينتقل من أسلوب إلى آخر للوصول إلى أسلوب التعبير الروحي في الرد على الطبيعة للتعبير عن الجمال والحب والأصالة في أعمالهم الأدبية والفنية.
صفحة 7
الفن .. ما هو؟
 
الجواب ليس صعباً عند بول فاليري: «إنه ما يبعث على اليأس»؛ وعند بيرنسون: «إنه ما يسبب اللذة»؛ وبالنسبة لأرسطو وألان «وهو ما ينظم الشهوات»؛ ورودان يعتبر الفن أنه «ما يهدف إلى تمرين الفكر على فهم العالم»؛ وتوماس مان يقول: «إنه مجرد تعزية»؛ وأفلوطين يراه أنه «علامة شيء آخر بالإضافة إلى نفسه»؛ أما ألان فيراه أنه «علامة نفسه فقط»... ولو تابعنا البحث عن التحديدات المعطاة إلى الفن خلال التاريخ، لتأكد لنا أنها ذات تنوع، وتناقض يظهر أنه من بين كل ما أنتجه الإنسان خلال التاريخ يبقى الفن الأكثر غموضاً، ويعقد مسيرة كل محاولة تهدف إلى دراسة الفن كأحد العلوم الإنسانية، كالاقتصاد أو السياسة أو التاريخ أو الاجتماع، أي كل محاولة تهدف إلى استخلاص قوانين من تاريخ الفن لتفسير ولادته وتطوره وقيمته وانحطاطه.
 
يعود أول إنتاج فني وصل إلينا إلى العصر الأوريناسي، أي إلى حوالي أربعين ألف سنة قبل الميلاد، وما بقي من فن تلك الحقبة هو عبارة عن بضعة رسوم وحوالي عشرة تماثيل عُثر عليها في بعض أرجاء آسيا الصغرى. ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم يستحيل الحديث عن أي مجتمع لم يعرف الفن على الإطلاق.
 
أحياناً، وفي بعض الظروف التاريخي الحرج، كالحروب والكوارث الطبيعية والأزمات التي تهدد مصير مجتمع ما، يعتقد البعض أن الاهتمام بالفن والجمال ليس له ما يبرره. ولكن التاريخ يظهر لنا عكس ذلك. فكم من المدن والمجتمعات البشرية والحضارات، التي تعرضت للتدمير الإبادة خلال التاريخ؟ كم من الناس تعرضوا لقوى الشر والهزيمة السياسية والعسكرية والأزمات الحياتية التي غيرت في مصائرهم؟ ومع ذلك كان الفن دائماً موجوداً حتى عند أكثر الشعوب خشونة وقسوة، والتي نسميها في العصر الحديث «بربرية»، وعند أكثر الشعوب تعرضاً للهزائم والاضطهاد والإذلال.
 
من الممكن أن يتعرض إنتاج فني معين للانقطاع نتيجة كارثة معينة. ويمكن لبعض الأعمال الفنية أن تدمر وأن تفنى في ظروف عينة. ولكن الفن كان يولد من جديد باستمرار. وهذا ما يؤكد على أن الفن ليس جزءاً من الكماليات، بل إن الحاجة التي يجيب عليها هي أساسية. إنه ضروري.
 
حتى منتصف القرن التاسع عشر، كان الفكر الأوروبي يتوقف عند تطلعه إلى الفن أمام الجمال. وهذا ما دفع هيغل إلى أن يكتب في الفصل الأول من الجزء الأول من كتابه «علم الجمال» - وكأن الأمر يأتي بمثابة تحذير - ما يأتي: «يبدو أن الفن عاجز عن تقديم نفسه كموضوع لدراسة علمية، لأنه إنتاج صادر عن الخيال الذي يتمتع بكل غنى الطبيعة، بالإضافة إلى إمكانية خلق أشكال جديدة يستخلصها من نفسه. أما كل علم فهو علم الضروري، وليس علم صدفي». ومن هذا القول يبدو أن هيغل استعمل عبارة «الفن» بدلاً من عبارة «الجمال»، خاصة وأننا نعرف جميعاً أن دراسته كانت حول علم الجمال. أما الاعتراف بأن للفن، أي للجمال الاصطناعي، وظيفة معينة، ودراسة وظيفة الفن ودوره الاجتماعي ومحاولات استكشاف القوانين التي سادت تاريخ الفن، كأنها أمور لم تبدأ إلا بعد النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
صفحة 8
الفن والجمال
 
قدمت الإنسانية خلال تاريخها أعمالاً فنية ذات تنوع يستحيل حصره. ولكن، سواء كانت هذه الأعمال من الصين أو اليونان، من بلاد سومر أو إفريقيا السوداء، من أميركا ما قبل كولومبس أو من الصين من عصر النهضة أو من القرن العشرين، فإن أهمها يدور حول نقطة مركزية واحدة وهي: تجسيد فكرة معينة للجمال.
 
الجمال هو الذي يضمن للعمل الفني، في النهاية، قدرته على التأثير. وهذه القدرة على التأثير في نفس الإنسان مستقلة تماماً عن الظروف التاريخية، حتى عن تلك التي شهدت ولادة هذا العمل الفني. فلكي يتأثر الإنسان بجمال لوحة أو منحوتة، ليس من الضروري أن تكون الحضارة التي أنتجت هذه اللوحة أو المنحوتة مألوفة عنده.
 
وحتى ولو عرف الإنسان هذه الحضارة المعنية، فليس من الضروري عندما يعجب بجمال فنها أن يكون منجذباً إليها من الناحية الفكرية أو السياسية. إذ يمكننا اليوم أن نعجب بالأسود المجنحة الآشورية. وفي الوقت نفسه، يمكننا أن نعرف وحشية الآشوريين خلال الحروب. وأيضاً، ومن دون أن يكون عندنا أي إعجاب بالسلطة الكنسية الكاثوليكية، أو أي استلطاف تجاه الرهبانية اليسوعية، يمكننا أن ننجذب بشدة إلى الرسوم الجدارية في قصور وكنائس الفاتيكان، وإلى لوحات روبنز التي أنجزها بناءً على طلب اليسوعيين.
 
لو فتحنا القواميس، وتطلعنا إلى تحدي الجمال لقرأنا شيئاً يشبه الآتي: الجمال صفة يطلقه الفرد على شيء يتمتع بخصائص مميزة قادرة على الوصول إلى مشاعره عن طريق الحواس وليس مجرد اقتناع أو رفض أو عدم اهتمام.
 
ولكن، هل يكفي هذا التحديد لحصر المفهوم للجمال، وبالتالي لإخضاعه لدراسة علمية؟ الجواب هو حتماً: لا.
 
موضوع .. تفسير الجمال
 
يمكن للجمال أن يكون موضوعاً لعلم يفسره بقوانين ثابتة، لو كانت تلك العبارة الغالية على قلوب البعض «جمال وحيد وخالد» وأكثر من ذلك أيضاً فإنني مقتنع بأن المثاليين هم أنفسهم لا يدركون معناها. كل تفكير بخصوص هذا الموضوع هو أدب. ما ينفي صفات الثبات والخلود عن الجمال، هو كون الجمال شيئاً نسبياً، ونسبية الجمال تظهر على مستويين اثنين:
 
أولاً: موضوع الجمال
 
على مستوى ما هو موضوع الجمال. فعندما يقول أحدهم إن هذه الوردة جميلة، فهذا يعني أن حكمه على هذه الوردة صدر بعد مقارنة هذه الوردة مع غيرها من الورود، أو بالمقارنة مع باقي النباتات، حتى ولو هذه المقارنة غير واعية. ولكن يحكم على جمال شيء، يجب أن تكون هناك أشياء مشابهة ذات مستوى جمالي مختلف تقارن بها. ولهذا السبب فإن الأشكال الهندسية البحتة، لا تثير في نفوسنا أي تأثير من تأثيرات الجمال لأنها ثابتة أينما كانت. أي لا يمكننا أن نقول إن هذا المكعب جميل، لأننا عندما نقارنه بغيره من المكعبات نكتشف أنه يحمل المواصفات والمميزات الشكلية نفسها.
صفحة 9
ثانياً: مميزات الجمال
 
إذا سلمنا جدلاً أن شيئاً معيناً يحمل مميزات جمالية قادرة على التأثير بشكل واضح، فهذا لا يعني أن تأثيرها يجب أن يطال كل العالم، وأن يكون الاعتراف بوجود هذا الجمال حتمية لا مفر منها. إذ يستحيل على أي وسيلة علمية الاقتناع بوجود الجمال، أو فرض الاعتراف بوجوده. فكم من الأعمال الفنية التي تذهل بعض الناس بجمالها وتسحرهم، هي في الوقت نفسه موضع لا مبالاة وعدم اهتمام عند أناس آخرين؟ هذا مع الإشارة إلى أنه ليس للثقافة أو الاطلاع أي دور في هذا الموضوع. إذ أن مما لا شك فيه أن الفئات الاجتماعية المختلفة هي ذات نظرات مختلفة للجمال. ويمكننا أن نعطي مثالاً على ذلك فرنسا حيث طبع كتاب «هيلويز الجديدة» لجان - جاك روسو ما لا يقل عن 80 طبعة بين عامي 1761 و1780 (أي ما يعادل 700-800 طبعة في الفترة الحالية). وفي العصر نفسه، عرف كتاب «كانديد» لفولتير نجاحاً كبيراً، وطبع أكثر من 50 مرة بين عامي 1759 و1780، وهذا ما يظهر تنوع جماهير الثقافة والفن، العائد إلى تنوع الطبقات والميول. وفي العصر الحديث، يمكننا أن نؤكد أن دراسة عميقة تسمع بالملاحظة أن هناك رسامين ينالون التقدير نفسه مهما كانت الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها الشخص الذي يتأمل إنتاجهم، مثل فان كوخ/غوغان، مونيه، بوفيه، ورسامين يرتفع مستوى الإعجاب بهم كلما ارتفع المستوى الاجتماعي الذي ينتمي إليه الجمهور، وهم ديغا، سيسلي، موديلياني، ورسامين مثل رينوار وسيزان، وبضعة رسامين يبدو أنهم يجيبون على متطلبات الطبقة المتوسطة مثل أوتوريو ودي تولوز لوتريك.
 
إن كان الجمال نسبياً، فإن ذلك لا يجب أن يعني بالضرورة أن تاريخ الفن عبارة عن تسلسل صدف، ولا يجب أن يثني المحاولات الهادفة إلى استخلاص قوانين من تاريخ الفن.
 
الفن يحوي، بالإضافة إلى نقطته المركزية، وهي الجمال، أموراً أخرى. فالجمال متوفر في الطبيعة وبأشكال غير فنية. من منا لم يعلق مرة في حياته (كي لا نقول مرة كل يوم) على وجه جميل، أو جسد إنساني جميل، أو زهرة جميلة، أو منظر طبيعي جميل.. الخ. الفن هو جمال اصطناعي. وعدم اكتفاء الإنسان بالجمال الطبيعي، ولجوئه منذ ولادته وحتى اليوم، ومن دون انقطاع إلى إنتاج جمال اصطناعي، يؤكد على أن هذا الجمال الاصطناعي يجيب على حاجة معينة، وبالتالي فإن له «قيمة» عالية لدى الإنسان لإشباع رغباته وميوله.
صفحة 10
تعريف الفن
 
لم يصل الباحثون إلى تعريف إجرائي للفن، وبالتالي لا توجد معايير لتقنينه وتقييمه والحكم عليه. فالقواعد تستخلص بعد إنجاز الأعمال الفنية الناجحة. كما يحدث في العلم، حين تستنبط القوانين بعد ثبوت صحة التجارب. والاستطيقا أو علم الجمال - كما يقول (جان برتيليمي) نابع من حصيلة النتائج الفنية الموفقة. ليس نموذجاً أفلاطونياً في عالم المثل، يعيش بذاته ولذاته. كما أنه ليس هدفاً، ولا قيمة له بين جماعة لا تطلبه. يستمد القيمة من أنه يلبى احتياجاً حيوياً للجماعة، ويحمل لها أفكاراً، ويعبر عن وجدان عام، وأنه مطلب روحي مجسم أو يمكن تجسميه بالأعمال الفنية والنشاط الإبداعي. لذلك يستعصي الفن على التعريف الإجرائي. وبالرغم من أنه غير ملموس، فهو موجود بدرجة ما في الكائنات التي تسفر عنها الطبيعة، أو يبدعها الإنسان.
 
حاول الدكتور مجدي عرفة - في مجلة الإنسان والتطور، العدد 15 - أن يقترب من تعريف الإبداع الفني فقال: إنه نتاج مستويين من التفكير: الأول فطري ذاتي بلا رموز تواصلية. والثاني راشد يتضمن رموزاً تواصلية: لفظية ورياضية وموسيقية وشكلية. ومهما يكن من اختلاف الباحثين الدائم حول تعريف الفن والجمال، فهم يتفقون بدون استثناء على أنه احتياج روحي إنساني، ضروري للتقدم واستمرار للحياة. وإن الناس بطريق أو بآخر ينتهجون مسلكاً جمالياً. ينقسمون بين مبدعين وذواقين، ليساعدوا قوى روحية بداخلهم. والإنسان يبدع في الفن كما يبدع العلم والأخلاق والنظم السياسية والاقتصادية، والأدوات الحضارية والتكنولوجيا، لكي يتعرف على العالم ويدرك إمكاناته، ويسيطر على البيئة.
 
لذا تطور الفن عبر العصور وتطور مفهومه، بتطور الثقافة وتعقدها. تراكمت عليه نظريات فلسفية كادت تخفي رسالته التكيفية التي ما زال يؤديها. بهتت العلاقة البسيطة بين الشكل والوظيفة، خاصة في النصف الثاني من القرن العشرين، بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها. ارتفعت صيحات تقول بأن الفن قائم بذاته ولذاته، وأن الفنان ينظر إلى داخل نفسه وليس إلى البيئة الخارجية. وظهرت فنون الأشكال الناجمة عن اللاوعي والحرية الفردية المطلقة.
 
إلا أن التعريفات الوصفية الحديثة لكبار الباحثين المعترف بهم مثل (جيروم ستولنتز) تحمل المفهوم الثابت للفن يصفه في كتاب (النقد الفني) الذي صدر مؤخراً باللغة العربية بأنه (تجسيد أحلام وخيالات باستخدام رموز وصور وأفكار تدل على المحتويات ويمكن قبولها جماهيرياً، وتفسيرها على وجوه مختلف وأن القيمة الجمالية توجد في العمل الفني. ويعرف الجمال بأنه الجاذبية، لكن الأعمال الجميلة ليست فنية بالضرورة. ويفسر الموقف الجمالي بأنه (إدراك موضوعات طريفة).