eKtab
EN ع
الفوضى الرتيبة للوجود
اقرأ عينة مجانية

الفوضى الرتيبة للوجود

بقلم هشام البستاني

صفحة 1

اضطراب كوابيس المدينة

[العمارةُ التي ترى وتسمعُ وتتكلّم]
العمارةُ مظلمةٌ وكئيبة، تُهوِّم فيها أشباحُ أُناسٍ كانوا يذرعون شققها وغرفها ويتدعثرون صعوداً ونزولاً على أدراجها. وهي أيضاً ترى وتسمعُ وتتكلّم: عيونها النفَّاذةُ تُحدّقُ من الشبابيكِ ومن شقوقِ الجدران، تَسمعُ من مزاريبِ تصريفِ مياهِ الأمطارِ وشبابيكِ الحمّاماتِ المفتوحةِ على المَنْوَر، لكنَّ كلامَها... آهٍ من كلامِها...
في الطابقِ الثاني كنتُ أسمعُ صراخَ عمّي وزوجتهِ كأسطوانةٍ قديمةٍ عالقةٍ على شرخِ خلافهما الأبدي: "يا بنت الكلب"، "يا مُنحَطّ"، وصوتُ تكسيرِ زجاجٍ وصَفقُ أبوابٍ، والعمارةُ ترتَجُّ كأنّها في بَرّاد.
كنتُ وحيدةً دائماً. أجلسُ على الدرجِ الخارجي كلَّ يومٍ كأنني أنتظر. أنتظرُ باصاً لا يأتي في موعده على الإطلاق ليأخذني بعيداً، والباصُ لا يأتي. خلتُهُ سيسقُطُ مرّةً من السماء، لكنّ ما سقطَ كانَ بلاطةً حفَّت برائحةِ عِطري وتكسّرت على الأرض. نَطَّيتُ كزنبركٍ ونظرتُ إلى الأعلى: لا أحد على السطح، والسّطحُ غير مُبَلّطٍ أساساً. سأتذكر ذلك حين تمطرُ السماءُ بلاطاً ذاتَ يومٍ قريب.
عمّي وزوجته يضربان بعضهما بعضاً. عليهِ ديونٌ كثيرةٌ وعليها تلميعُ زجاجِ صورتها أمام النّاس. لكنّ الحائطَ تصدّعَ، والمسمارُ أفلتَ من مكانهِ فسقطت الصورةُ وتحطّمَ الإطار والزجاج وكلّ شيء. العمُّ هرَبَ من المنزلِ، والدائنينَ، والناس. تسلّلَ من بين أعينِ زوجتهِ الغافيةِ إلى القاهرةِ حتى مات.
ذلك الصباح، سُمِعَ صوتُ الأم تضرب الصّغار، وحين مرّت مع حقيبتها خارجةً من العمارة، كنتُ لا أزال أجلسُ على درجِ المدخلِ أنتظرُ الباص. بَصَقَت عليّ، فيما هبطَ من فوق بكاءُ أطفالٍ وسطَ الحُطام.
[الباص الذي لا يأتي أبداً]
لونُهُ أخضَرُ كحَشائشِ السّهول، بابُهُ لا يُغلَقُ وشبابيكُهُ بلا زجاجٍ، وكراسيهِ ورودٌ جوريّة. رُكّابهُ كلُّ أصدقائي: دانتي، ستاندال، يانْ تيرْسِن، مريد البرغوثي، زهير أبو شايب... آه، وفيه قططٌ كثيرةٌ، وعصافير. يمشي على عجلاتٍ من موسيقى بلا سائق، وبلا مُحصّل أُجرة.
كُلّما يقفُ في محطّةٍ، ينزل الجميع، يفرِدون بساطاً ويتحلّقون حولَ أقداح النبيذِ وقطع الجبن واللبنة المُثَوّمةِ والخبزِ الأسمرِ المنمّشِ بالمُكَسّرَات، وإلى الجانبِ كيسٌ للنفايات: الجنودُ يُلقونَ ببساطيرهِم وبنادِقهم، المُخبِرُ يُلقي عيونهُ وآذانهُ، المُتبرّجةُ تُلقي كعبها العالي، طالبُ المدرسةِ يُلقي أُستاذَهُ، الانتهازيُّ يُلقي كرسيّهُ، العاهرةُ تُلقي مجتمعها، والزعيمُ/الإلهُ يُلقي نفسه.
عند ذلك فقط يشرب الجميعُ نخبَ الحبّ والحريّة، يتعرّون، ويشرَحُ كلُّ واحدٍ تفاصيلَ عيوبهِ وتشوُّهاتهِ وعقدِهِ النفسية، يتضاجعون جميعاً في أُورْجي كبيرٍ ليصبحوا جسداً واحداً ثمّ يتفتّتون إلى ذواتهم مَرّةً أُخرى، ويصعدون الباص يداً بيد إلى المحطّةِ التالية.
لكنّ الباص لا يأتي أبداً.
[غرفة الأشباح]
آهٍ من كلامِ العمارة...
في الطابق الأرضيّ منزلُ جدّتي الأرملة. ترمّلَت منذ ما قبل أن أولد، وبَقِيَتْ في العمارة حتى حين خَلَت من ساكنيها الآخرين جميعهم.
"صادَقتُ آثارَ أصابعِهم بجانب كبسات الاضواء على الحائط، وغُبارَهم المتكوّم تحت الكنبايات. إن رَحَلْتُ فلن يبقى لي شيءٌ منهم. على الأقل، هنا تبقى أشباحُهُم".
"هنا تعثّرَ أوّل أولادي وسالَ دَمُهُ، وفوق تلك الخزانة كان أبوكِ يختبئُ من أبيه بعدَ أن كسرَ الشُبّاكَ وشاهدَ حزاماً أسودَ في يدٍ غاضبةٍ يحثُّ في طَلَبِه".
تَمُرُّ على الزوايا وقطع الأثاث وتروي الحكايات. وحدهُ الطابق الثاني كان يستدرُّ دموعها. "لن أراهُ مرّةً أخرى". قالت هذا حين غادرَ خلسةً إلى القاهرة، وحين ماتَ فيها. وحدها غرفةٌ مغلقةٌ في آخر شقتها لم تتحدّث عنها بشيءٍ ولم تسمح لي بالاقترابِ منها.
في بعض الأيام كنتُ أُغافلها وألتصِقُ بثقبِ مفتاحها. كانَ صوتٌ ثقيلٌ يتسلّلُ بصعوبةٍ إلى أذُني، صوتُ ألمٍ ثقيلٍ بلا كلمات.
في يومٍ مللتُ فيهِ من انتظار الباص وأَخَذَتْ معِدتي تقرقع، ذهبتُ إليها. لا أحَدَ في الطابقِ الأرضيّ. "جدّتي..." ناديتُ متسائلةً أين ستذهبُ عجوزٌ تمشي بالكاد، ومن أين ستمرُّ وأنا متسمّرةٌ ببابِ العمارةِ منذ الصباح.
كانَ البيتُ نظيفاً جداً: الحيطانُ تلمعُ والأرضيّات. لا آثار أصابع حول كبسات الأضواء ولا غبار تحت الكنبايات. كان كلُّ شيءٍ جديداً جداً كأن أغلفتهُ قد فُكَّت قبل قليل. أما بابُ الغرفةِ الممنوعةِ، فكان مفتوحاً.
حين اقتربتُ على رؤوسِ أصابعي ومددتُ رأسي فوجِئتُ بالعتمةِ، وبصوتِ الألمِ الثقيلِ واضحاً بلا كلمات، وحين اعتادت عينايَ الظلامَ رأيتُ جَدّي جالساً إلى جانب سرير، منحنياً كأقواسِ جسرٍ عتيقٍ، مُسنِداً رأسهُ بِيَدٍ تضغطُ عينيهِ إذ يَكْبِتُ نشيجاً حارقاً، وعلى السرير يستلقي كائنٌ أسودُ ضئيلُ الحجمِ بلا حراك. كانَ أنا: متفحّمةً ويابسة.
بكلِّ الرُّعبِ المُختَزنِ في ذاكرتي عن غُرَفِ الأشباحِ والفئرانِ وتلكَ التي تحتَ الأدراج، انفجرتُ راكضةً من الغرفةِ، من الشقّةِ، من بابِ العمارةِ، إلى الشارع.
خلفي كانَ نشيجُ الألم الثقيلِ لا يزالُ واضحاً بلا كلمات.
صفحة 2
[زيارة خاطفة إلى ما كان]
أركضُ خارجةً من الغرفة، من الشقّة، من بابِ العمارةِ، إلى الشارع. أنفاسي سريعةٌ، ونَبْضي يدقُّ بعنفِ طبول الحربِ، أحسّهُ ينخزني من عروق يديّ، في أذنيّ وصدغي وأكادُ أنفجر. في لحظةٍ أستجمعُ عزمي وألتفتُ إلى الخلف، كنتُ أقِفُ ببابِ العمارةِ ألبسُ الأسود. ما أن التقت عينيَّ بعينيّ، ركضتُ خلفَ نفسي، وكدتُ أتعثّرُ. انسدلَ فجأةً ليلٌ ثقيلٌ واصطدمت بحائطٍ مرتفع: "هذه نهاية الطريق"، صاحَ صوتٌ خشن.
التففتُ بسرعةٍ فوجدتُني أمامي، وجهاً لوجه. انبثقت شلالاتٌ من الادرينالين، انفتح البؤبُؤان إلى الأقصى، وبدأت أرتجف - بينما كنتُ صامتةً بالكامل، هادئةً كجدارٍ مُعْشَوشِبٍ، وجهي ممسوحٌ بممحاةٍ ومصبوغٌ بمنقوعِ الليمون.
كنتُ أصارعُ لأفتحَ عينيّ، أريد أن أستيقظ. كانت أصابعُ لا مرئيةٌ تطبقها بإحكامٍ لا ينفِذُ الهواء. في لحظةٍ لملمت كلّ ما بقيَ في جسدي من قوّة، حوّلتُها إلى إزميلٍ ومطرقةٍ هويتُ بهما بعنفٍ فانفتح الجفنان. هاااااه، شهقتُ ساحبةً كلّ هواءِ الغرفة، وانفجرتُ بالبكاء.
كنتُ أكادُ أموتُ من النّعَس، لكن لم أُرِد العودة إلى تلك الغرفة، ذلك الشارع، والحائط الذي يسدُّ الطريق، تلكَ الأَنا الأُخرى، والشعور بعدم استطاعتي فتحَ عينيّ. كنتُ أرتجِف.
***
سَمِعَتْ أصواتَ أطفالٍ من بعيد. كَفْكَفَتْ دموعها ونظرت من الشُبّاك:
كانوا أربعةً خرجوا من مدرستهم المطلّة على القلعة، إلى جوار حاووز اللويبدة، ويلبسون الشورتات التي فَصّلتها الأم المُدَبّرةُ وتوارثها الإخوة. قَرَأَتْ على اليافطة: "مدرسة العلوم الإسلامية - أسسها تيسير ظبيان". نحن الآن في العام 1946.
سارَ الأولاد في الطريقِ الترابيِّ إلى أن وصلوا السناسلَ الحجريةَ التي تسوّرُ بستان طاش. قفزوا من فوقها، وعبّأوا معداتهم الصغيرة الخاوية باللوزِ والتين، وملأوا جيوبهم، فاليومُ طويل. عبروا البستان إلى جهتهِ الثانيةِ قافزين مرةً أخرى فوق السناسلِ فانفردتْ أمامهم فسحةٌ تطلُّ على وادي صقرة، وبعده يرتفعُ جبل عمان. على تلك الفسحة نصبوا أحجَارهم وانقسموا إلى فريقين ليلعبوا. سَمِعَتْهُم يقولون: قِرْد وشارَة. لا تعرفُ هذه اللعبة.
حين فَرغوا من لُعبَتِهِم، جلسوا على طرف الجبل ينظرون إلى البعيد حيثُ عربات الشركس التي تجرّها الثيران تتسلق طريقاً ترابياً بين البساتين يطلعُ من وسَط البلد ويتلوّى إلى وادي السِّير، ثمّ قاموا لِلَّهْوِ مرة أخرى: يتآمرون على الصخور والحجارة الكبيرة فيقلبونها من رأس الجبل إلى بطن الوادي، ويتكاثرون على ما يخرج من تحتها، عقرب، أو حية، أو حرذون. والحرذون له قيمة تعلو على أشباهه من الزواحف، فدَمُهُ يُدهن على كفوف اليدين لِتَكْتَسِبَ مناعةً استثنائيةً ضدّ عصا الأستاذ.
عندما تقتربُ الشمس الغاربةُ من الأفق، يبحثُ الأطفال عن حَلواهُم البريّة: الفُرْقُع. يأكلونه بتلذذ، وقبل أن تغطس الشمس خلف الجبال، يكونون قد جَمَعوا حشائش الأرض لعشائهم: خُبّيزِة وهِنْدْبِة ومُرِّير، فوَصِيّة الأم لا تُرَدّ.
عند الحاووز، وقبل أن يتبعثروا كلٌّ إلى بيته، التَفَتَ الأولادُ الأربعة إليها، وأشاروا مودّعين بأكفِّهِم الصغيرة، وغابوا بعد أن حلّ الظلام.
أغلقت شُبّاكها، وغابت مطمئنّةً في نومٍ عميق.
[حين أمطرت الدنيا بلاطاً]
كنتُ لا أزالُ جالسةً أمام بابِ العمارة بانتظار الباص، عاريةً تماماً، إذ لا شيء لديّ لأُلقيهِ في كيسِ النفايات قبل أن أصعد، عندما تلبّدت السماءُ فجأةً بغيومٍ لم أرَ مثلها من قبل: بيضاءُ رماديةٌ، وقريبةٌ جداً من الأرض إلى الدرجة التي تُرى جزيئاتها الدقيقةُ بالعين المجرّدة وتدفَعُكَ للعُطاس، أمّا رَعدُها فكانَ صريراً معدنياً مستمرّاً.
لحظاتٌ ثم سقطت أوّل قطرة: بلاطةٌ تكسّرت إلى جانبي على الأرض. "لكنّ السطح غير مُبَلّط" قلتُ لنفسي ولم أُكمِل حين هوَت بلاطةٌ ثانيةٌ، تلتها ثالثةٌ ورابعةٌ، وانهالت زخّةٌ شديدةٌ من البلاطِ والحجارةِ والشبابيكِ وقطعِ الأثاث.
هرَبتُ لاتّقاءِ زخّةِ البلاط، قطعتُ الشارع إلى بيت الجيران وقفزت إلى شرفتهم. نظرتُ إلى الجهة المقابلة: كانَ ضبابٌ رماديٌّ كثيفٌ يتصاعد من الأرض ويغَطّي كلّ شيء.
حين انقشعتِ الغيمة الرماديةُ، رأيتُ وحشاً أصفرَ ذي أسنانٍ معدنيةٍ وأقدامٍ من الكاوشوكِ الدائريِّ يجلسُ فوق العمارة، أو لنقُل: ما كانَ العمارة.
بعينهِ الزجاجيّة التي تتوسط رأسه الصغير، غمَزَني مزمجراً بصوتٍ خلّفَ وراءه ذيلاً من الدخان، ثمّ تلبّدت السماء بغيومٍ كنتُ رأيتها لأول مرّة في حياتي قبل قليل، وقصَف الرّعد المعدني.
صفحة 3
[Down Town]
أهلاً بكَ في العبدلي.
ثقوبٌ كبيرةٌ في الأرض، وزَرافاتٌ معدنيةٌ نحيلةٌ تدورُ حول محورها حاملةً ألواحَ الكونكريتِ وأكوامَ الطوبِ والحديد.
أهلاً بكَ فيما سيكون الـ Down Town الجديد لعمّان. لكن عمّان لم يكن لها Down Town قديم ليصبح لها واحدٌ جديدٌ. كان لعمّان وَسَطُ بَلَدْ. لكنْ في عصرِ الاشياءِ والكائناتِ المُعلّبة، سيكونُ لعمّان Down Town ، وربما Centre Ville كما لبيروت. والحبلُ السُرّي مع بيروت مربوطٌ من الجهتين: سوليدير بيروت هو نفسهُ سوليدير عمّان. القُفّازُ الحريريُّ الذي يهدمُ و"يُطوّر" واحِد، والارباح المليارية تصبُّ في الجيبة نفسها. وحدها السمسراتُ والعمولاتُ تذهبُ إلى جيوبٍ مختلفة، وكذلك الناس.
أهلاً بك في العبدلي.
على أطرافِ جبل اللويبدة العريق أخذت الجرّافات بالعمل. كان المشروع يتمدّدُ حتى قبلَ أن تُشترى العقارات من الناس. كُلُّ شيءٍ مرسومٌ مسبقاً. قدرُ السلطة التي لا رادَّ لقضائها.
أولادُ عمّان الاشقياء كانوا (في زمنٍ راحَ وانتهى) يُدَحْدِلونَ الأحجار الكبيرة والصخور من فوق جبل اللويبدة إلى عُمقِ وادي صقرة، يبحثون تحتها عن حيايا وعقارب وحراذين. يتعالى صراخُهمُ الفَرِحُ حين يجدون صديقاً جديداً لهم تحت الحجارة فيلاحقونه بأقدامهم الصغيرة.
اليوم، صارت الحجارةُ وكتل الكونكريت هي التي تُدَحْدِل الناس من فوق جبل اللويبدة لتتحطّم ذكرياتُهم وتاريخُهم وصوَرُهم في القاع. وما أن تُقْلَبَ العماراتُ القديمةُ حتى يُسْحَقَ ما تحتها بقدمٍ عملاقةٍ تتركُ خلفها علامةً بعمقِ عشراتِ الأمتار.
أهلاً بكَ في الـ Down Town الجديد لعمّان.
خلفَ اليافطاتِ العملاقةِ الملوّنةِ التي تُسوّرُ المكان بأوهامِ المستقبل، ليسَ سوى الغبارِ والحُفَرِ والرّوافع، وعمّالٍ شُحِنوا من بلادٍ بعيدةٍ ليُعصَرَ عرَقُهُم بلا تَبِعات.
تحت شمسٍ حارقةٍ تصفعُ المسطّحَ المنزوعَ الشجرِ والبشرِ والذكريات، كانت صبيّةٌ جميلةٌ لفحتها الأشعةُ الصفراءُ تركضُ مرعوبةً بلا اتجاهٍ محدّدٍ، وكأن أحداً يلاحقها بإصرار، ثمّ تقف فجأةً لتقول: هنا كانت العمارة، وتركضُ مرّة أخرى لتقفَ ثانيةً: لا، هنا كانت العمارة. وتركضُ، وتركضُ، وتركض. هنا كانت العمارة، بل هنا كانت، بل هنا.
بعد فترةٍ لم تَطُل، صارَ هناكَ من يلاحقها فعلاً: مجموعةُ الأمنِ المكلّفةِ بحراسةِ مشروعِ الثروة.
حين أمسكوا بها وسألوها عمَّ كانت تبحثُ وماذا تريد، أجابت بأنفاسٍ لاهثةٍ: "عن موقفِ الباص الذي لا يأتي أبداً".
دانتي أليغييري (1265 - 1321): يسميه الإيطاليون "الشاعر الأسمى"، أو ببساطة "الشاعر"، ويعتبر مؤلَّفُهُ "الكوميديا الإلهية" أعظم ما كُتِب بالإيطالية، وقد تأثر في عمله هذا بالفلسفة الإسلامية.
ستاندال (1783 - 1842): فرنسيّ من أوائل كتّاب الواقعية، عُرف بالتحليل النفسي العميق لشخصيات رواياته التي من أشهرها "الأحمر والأسود".
مريد البرغوثي: أحد أهم الشعراء الفلسطينيين، ولد في دير غسّانة قرب رام الله عام 1944، من دواوينه: "طال الشتات"، "منطق الكائنات"، و"منتصف الليل".
زهير أبو شايب : رغم قلة إنتاجه، إلّا أنه يعتبر من أبرز الأصوات الشعرية التي برزت منتصف ثمانينيات القرن العشرين في الأردن، ولد في دير الغصون - طولكرم عام 1958 ويقيم في عمّان. من دواوينه "دفتر الأحوال والمقامات" و"سيرة العشب".
يانْ تِيرْسِنْ : عازف ومُؤلّف موسيقيّ من مقاطعة بريتاني في فرنسا. من أهم ألبوماته: Le Phare (المنارة).
أورْجي : تعريب لـ orgy وهي الممارسة الجماعية للجنس.
الحاووز : خزّان الماء، يُنصَب على أعلى نقطة في الجبل ليسقي بيوته.
الأولاد الأصدقاء الأربعة عام 1946: هم عبد الهادي شقير، عبد الفتاح البستاني، محمد خميس وشقيقه شفيق خميس.
بستان طاش: بستان من الأشجار المثمرة كان يقع على جبل اللويبدة ويملكه محمد طاش، اندثر بعد أن احتلت العمارات السكنية مساحته الخضراء.
قرد وشارة: لعبةٌ انقرضت لأطفال عمّان، فيها فريقان، يَنْصُب كل فريقٍ حجراً صغيراً مفلطحاً هو القرد، وخلفه في صفٍّ عرضيّ ثلاثةُ حجارةٍ مفلطحةٍ أكبرُ هي الشّارات، تقف كلّها على حافتها. يحاول كل فريق بالتتابع أن يُسقط قرد الفريق الخصم وبعدها شاراته بقذفها بالحصى.
الفُرْقُع: نباتٌ برّي ما يؤكل منه قطعةٌ بحجم الكستناء (وطعمه يشبهها) مدفونةٌ تحت الأرض كالبطاطا، ويستدلّ عليه من زهوره البيضاء المميّزة.
[ألبومُ الصّورِ المنسيّة]
وجد عاملٌ هنديٌّ هذه الصّور في ألبومٍ كان ممزّقاً ومرميّاً بين حطامِ العمارة، وأُودعت لدى متحف الآثار الأردني في جبل القلعة. الشرح المثبّت تحتها كان مكتوباً عليها من الخلف بحبرٍ أزرق.
صفحة 4

سقوطٌ حُرّ في مرآةٍ مُهشّمة

مُعلّقةٌ فوق بحيرةٍ بشكلٍ أفقي. تستطيع أن ترى نفسها كاملةً على سطح الماء. ثَمّةَ دوائرُ تتشكّل وتتسع مخلخلةً الصورة بين الحين والآخر. أحياناً تنظر إلى انعكاسها بحزنٍ وأحياناً تَغُصُّ بمرارةٍ فتحاول أن تهرب، أن تقلب نفسها أو تقف في الهواء، لكن لا فائدة، ثباتٌ كامل، لكأنها مثبتةٌ هناك بحبالٍ لامرئية.
يمرّ ضبابٌ كثيف. تحتجبُ الرؤيةُ فتحسُّ بسعادةٍ غامرةٍ ونشوة، تحسُّ بنفسها تنقلب من الداخل إلى الخارج. يظهرُ لها شعرٌ قصيرٌ جميلٌ وأذنين كلُّ واحدةٍ فيها سبعةُ أقراط. يظهرُ لها جسدٌ مكتملُ الأنوثة، وتعبق برائحة الليمون وملمسه.
حين ينقشع الضباب، تظهر في الأسفل حفرةٌ عميقة، تتقطَّعُ الخيوط اللامرئية وتسقط بتسارعٍ مذهل، تسقطُ بأُفُقيةٍ -كما كانت- إلى القاعِ، وتتحطَّم.
***
رفَعَت رأسها عن المخدة وتحسَّسَت نفسها. لا تزالُ هيَ هيَ، قطعةً واحدة، وقطعةُ القماش ملقاةٌ مقابلها على الكرسي. مجرّدُ قطعة قماش، قد تكون ملونةً بفرح الأطفال، أو مُصمَتةً كرايات الغزو، لكنها في كلّ الحالات ناعمةٌ كانسياب الماء، وقاطعةٌ كنصلِ سكين، شفرةٌ تغوصُ في الرأس وتخرجُ من مفرق الفخذين.
قامت عن السرير. ألقت قطعة القماش على رأسها فالتفَّت حوله كالأفعى، وكادت تخنقها بعد أن أحاطت برقبتها أيضاً. نظرت إلى نفسها في المرآة فتسللت دمعةٌ من عينها اليسرى اذ غابت الأقراط السّبعة عن الرؤية، وما عاد يظهر شعرها القصير. "لستِ أنا.." قالت لصورتها في المرآة، وتساءلت إنْ كانت الصورةُ هي الأساس. "الشكليُّ أم الجوهريّ؟". لكنها جزمت بحدّة: "بل الشكليُّ هو ما يجب أن يعبّر عن الجوهريّ إلّا عند جمهور المنافقين، وما أكثرَهم".
حين فتحت الباب، كان الجميع يتحلَّقون حول طاولة الإفطار: الأب والأم والإخوة والأخوات، والجيران والأقارب، والحارة والمدينة كلّها. "ما أكثَرهم.." كَزَّت على أسنانها.
***
الضوءُ في الأعلى دائرةٌ كبيرةٌ من الألوان المختلفة. أحياناً تومضُ كنجوم، وأحيانا تَنْفَرِدُ كتشكيلٍ موندْريانيّ. بين حينٍ وآخر، تظهرُ رؤوسٌ هناك. تعرفها هذه الرؤوس، تنادي عليها: "تبقين هناك في القاع" يقول صوت أبيها، فيما يتسلل إلى سمعها صوت نحيب أمها المكبوت، وتَلُفُّ وجهها.
تحاول أن تصعد، تغرز أظفارها في الجدران المحيطة دون طائل، فما أن تلامسها الأصابع حتى تتحوّل مادةً هلاميةً، ويغدو الدفعُ والسحبُ فيها عبثياً.
***
صفحة 5
[تانجو أرجنتيني لشخصٍ واحد]
الفراغُ قماشٌ أبيض، والجسدُ ريشةٌ وألوان. يبدأ النصف الأيمن بالحركة، الذراع تلتفُّ حول ظهر النصف الأيسر بلطف، واليدُ تضغط بخفة: تدعوها للاستجابةِ فتستجيب. تتعالى في الخلفية موسيقى الباندونيون، لكن لا أحد هناك إلّا هيَ: هيَ وهيَ.
تحتَ وَهج الأضواء الملونة المتقطّعة يلتحمُ النّصفان، الأكتافُ متقابلةٌ والصدرُ مشدود. لا يتحرّك برخاوةٍ محسوبةٍ إلّا السيقانُ والأرداف، يدوران كلاهما حول المحور، وتلتف السيقان حول بعضها وتتشابك كأغصان أشجارٍ متجاورةٍ ما تلبثُ أن تنسلَّ عن تشابكها بسلاسة.
يخرجُ راقص التانغو من الكواليس، يمشي باعتدادٍ إلى حيثُ هيَ وهيَ: "لا أحدَ يرقص التانغو منفرداً. يَلزمُ اثنان". يمدُّ يدهُ باتجاهها. تتوقف. تدور باتجاهه لتضع راحة يدها في يده، لكن نصفاها لا يندمجان، وتظلّ تتعثر بنفسها.
"أتدرينَ كم أُشبهكِ؟ أعشقُ الرقص حدَّ الجنون. حين أرمي بجسدي في نهر الإيقاع لا أراني أنجرفُ بل أتحاورُ مع انسياب الماء بشبقيّة. الرقص كالجنس، بل أجملُ منه. أصِل الذروة مرّاتٍ ومرّاتٍ، وتنبعثُ مني طاقةٌ ساحرة. ثَمَّة سرٌّ لا يُدرَك. تجرِبةٌ صوفيّةٌ أتعالى فيها لكنّ الحبلَ ينقطعُ كلَّ مرّة. إلى آخر الأرض ذهبتُ، إلى الأرجنتين نفسها، وما فهمت. هل يظلُّ السّحرُ سحراً إن فُهِم؟ ربما، وربما سيكونُ ساحراً أكثر.."
"وربما لا.." قال نصفها الأيسر. "عندما فهموني بدّلوا حياتي ببساطةِ قَلْْبِ ساعةٍ رملية. قال أبي: لن تذهبي للدراسةِ في الخارج، أنتِ هنا هكذا، فكيف ستصيرين في الخارج؟ أيُّ خارج؟ هذا الأحمقُ لا يدري أني أنقلب هنا من الداخل إلى الخارج كلّ يوم. لا يدري أنّ قذارات نفسه تُمارسُ آلاف المرّات خلف حجابِ العفّةِ الكاذبة. الدعارةُ على بلكون جان جينيه أشرف من كلّ هؤلاء الكذبة".
"أتدرينَ كم أُشبهكِ؟" قال لها بينما انحنى إلى الأمام ليتقوَّس نصفاها على ذراعه في غير انسجام، فسحبها إلى الأعلى مرّة أخرى. "أعشقُ الرقص حدَّ الجنون، لكنّكِ لا تعلمين. حين ذهبتُ إلى مدرسةِ التانغو أوّلَ مرّة غرقتُ حتى أُذُنيّ في عرقٍ باردٍ قبل أن أنزل من السيارة. ماذا لو شاهدني أحدهم؟ لي مكانتي الاجتماعية، مهنتي المحترمة، علاقاتي الكثيرة، وأرقص؟ لن يفهموا، فانسللت ببراعة سحلية إلى الطابق الثالث، وهناك اخترت الغرفة الوحيدة ذات الباب الخشبي لأتلقى دروساً منفردة، فباقي الغرف بأبوابٍ زجاجية. ستة أشهر حتى تجرّأت أن أشارك بدرس جماعيّ. وها أنا اليوم، أُلقي بأغطيتي وأقنعتي ليلةً واحدةً في الأسبوع. أتكثّفُ هنا وأرقصُ حتى أدوخ. وقبل طلوع الصباح، ألبس أغطيتي وأقنعتي لأتبخّر في الخارج مرّةً أُخرى".
حين التفّ ليكمل حركة ساقه حول ساقها، تَعَثَّر. لم يكن ذلك عاديّاً، فهوَ، الراقصُ الباحثُ عن السرّ، ليس مبتدئاً، ولا هوَ بمدَّعٍ، يملكُ مفاتيح جسدٍ يريد أن يُشكّلَ الفراغ، فما بالهُ يَتَعَثَّر؟ وسُمِعَ صوت المايسترو: "أُريد أن أرى جسماً واحداً بأربعِ سيقان".
حين أمسكَ بيدها دافعاً إياها بخفّةٍ إلى الوراء، تفاجأ بأن الابتعاد لم يتوقف، بل كانَ -لدهشتهِ- يتزايد إلى الجانب وإلى الوراء. نظر بطرف عينه، فرأى نصفه الآخر يبتعدُ بهدوءٍ مع نصفِها. "كم أُشبِهُكِ.."
تعالت الموسيقى، فيما صَخُبت أربعةُ أنصافٍ بالرقص.
***
"أنتِ رماديّة، أو لِنَقُل: تعيشين في المناطق الرمادية، تخافين الصعود أو الهبوط، تخافين المواجهة، تدورين في المنتصف وتتفتتين رويداً رويداً هناك. رماديّةٌ في الموقف: تعيشين عالمين، واحدٌ بحجابٍ مع أبَويكِ، وثانٍ دونَهُ مع بقيّةِ الناس. رماديّةٌ في الحب: لا تقتربين مني بما يكفي لأُقبّلكِ، ولا تبتعدين عني بما يكفي لأنساكِ. رماديّةٌ في الدراسة: تخصصكِ الجامعيُّ لم يُعْجِبكِ فاخترتِ الاستمرار فيه برتابةِ وظيفةٍ حكومية. رماديّةٌ في العمل: تكدحين لأجلِ الراتب فقط لا للخلقِ أو الإضافة، ولا حتى للمتعة. أنتِ دائخةٌ تماماً، كراقصٍ يدور حول محورهِ بتسارعٍ كبيرٍ دون أن يُثبّت عينيه على نقطةٍ واحدة. دوَّختِني معكِ!"
وضَعت دُعاء كأس البرتقال من يدها واعتدلت على الكرسي ونظرت اليه. "كُلْ شي بْوَقْتو حِلو"، وابتسمت. "من غير الملائم أن نستعجل الأشياء. عندما يصير الوقت ملائماً سأثور، سألقي بتلك الخرقة القماشية في وجوههم جميعاً وأعيش كما أشتهي. المشكلةُ أعقد من مجرّد موقفٍ آخذُهُ وأمشي. المشكلة ليست في قسوةِ المجتمع عليّ، فجلديَ الناعم هذا والذي تنظر اليهِ دائماً برغبة -أراكَ حين تفعل ذلك! وغَمَزَت بعينها- يتحوّل إلى جلد تمساحٍ بأسنانٍ حادّة. المشكلة أنني لا أريد لأهلي أن يعانوا تلك القسوة".
----صمت----
"أتَدري.." نظرَت في عينيه مباشرةً وانسابت دمعةٌ من عينها، "البارحةُ كنتُ أحادثُ أمي عن أحلامي، قالت فجأة: أتمنى أن أموتَ قبل أن أكون شاهدةً على ما ستثيرينه لنا من مصائب. تخيَّل! أحلامي مصائب وأمي تَغُصُّ بي وأكاد أخنقُها.." وغصَّت بكلماتها.
وضعَ يدَهُ على يدها. "التاريخُ لا يسير بالتشعلقُ إلى الوراء" قال، "والوقتُ لا يصير ملائماً لوحده هكذا، بل نعيد تشكيله ليصير ملائماً. ثورتكِ التي تتحدثين عنها لن يكون لها داعٍ حين يصير الوقتُ ملائماً، لأنه صار وانتهى، أو أنها لن تكون لأن الوقت لن يجد من يُشَكِّلُهُ ليتحوّل. عليكِ بمطاردة أحلامك وصناعتها بدلاً من مطاردة ظلال المجتمع وخيالات أهلك".
صفحة 6
"لم يعد لديَّ سوى حلمٍ وحيد: أن أُهاجر.."
***
[فتاةٌ رماديةٌ تطارد الظلال]
يجلِسُ على السور الحجري للبلكون، خلفهُ أضواء الشارع البرتقالية. ينعكسُ ظله على الجدار المقابل. سيجارته المتوهّجة بيده، يسحبُ منها أنفاساً متقطّعةً ويفكّرُ فيها.
تجلسُ مقابله على الكرسي، لا تتحدث، تومضُ أقراطها السبعةُ في الظلام وتنظرُ إليه.
يحرّك يده التي تحمل السيجارة في الهواء، فيسيرُ الظلُّ متمهلاً على الجدار. يتابع الحركة ليتسلّق الظل جسدها. ظِلّ السيجارة أصبح على وجهها، طرفها الرمادي قرب العين.
قالَ الشاعر: "الظلُّ لا ذكرٌ ولا أُنثى / رماديٌّ ولو أشْعَلتَ فيهِ النار".
فجأةً، يتوَهَّجُ طرفُ الظلِّ جمرةً حمراء، تصيحُ وتغطي نصف وجهها الأيمن بيديها بعد أن لُسِعَت عينها.
***
النصف الأيمن: "اهدئي واسمعيني. تعاركنا مع أبينا وأُمّنا، وفُصِلنا نصفين، وأَحرَقَ ذاك الشيطانُ اللعين عيني، لن نستطيع الاستمرار هكذا. من لا يأتي معنا نذهبُ معه، لا يُجدي التحدي. ماذا سنستفيد؟ نوجع رأسنا ونكسر قلوبهم. هم أهلنا، يحبوننا جداً، وليس لنا أحدٌ غيرهم. قطعةُ قماشٍ نلفُّ بها رأسنا وانتهينا".
النصف الأيسر: "لي نفسي، عقلي، قناعاتي. لي أن أتشكّل وأُشَكّلَ العالم. هل جِئتُ إلى هنا ليكتبني غيري؟ عقلٌ آخر يحتلُّني؟ ويا ليته عقل! بل اللاعقل بذاته! أيُّ هزيمة.."
النصف الأيمن: "فلنهاجر اذاً. لم يسمحوا لنا بالسفر للدراسة، أعلم، لكن سنجد شاباً، عريساً، من أولئك الذين يأتون من المهجر للزواج والعودة من حيث جاؤوا. نتزوجه ويكون هو خطة هروبنا."
النصف الأيسر: "أهربُ من الرمضاءِ إلى النار؟ من بَطْرَكٍ إلى استنساخٍ آخر منه؟ وما أدراني أن يكون سجنه أشد قسوة؟"
النصف الأيمن: "أُووووه.. علينا أن نخرجَ من هذه الحفرة بأي ثمن، أنت تقتليننا."
النصف الأيسر: "بل أنت التي تقتلينني. وأنا إن مِتُّ فلا حياةَ لكِ."
***
معلّقةٌ فوق حفرةٍ بشكلٍ أُفقي. تستطيع أن ترى نصفيها يتقاتلان في الأسفل. أحياناً تنظر إليهما بحزنٍ، وأحياناً تَغُصُّ بمرارةٍ فتحاول أن تهرب، أن تقلب نفسها أو تقف في الهواء، لكن لا فائدة، ثباتٌ كامل، لكأنها مثبتةٌ هناك بحبالٍ لامرئية.
موندريان، بيت (1872 - 1944): فنان تشكيلي هولندي وأحد مؤسسي تيار التشكيلية الجديدة الذي حاول التعبير عن نموذج يوتوبيّ في الفن يقوم على التجريد النقيّ من خلال اختزال الأشكال والألوان إلى الأساسي، وبهذا فقد بُسِّطت التشكيلات البصرية إلى البعدين الافقي والعمودي، واستعملت الألوان الأساسية فقط (الأزرق والأحمر والأصفر) بالإضافة إلى الأبيض والأسود في أعمالهم.
الباندونيون: آلة موسيقية هوائية تشبه الأكورديون، مشهورة في الأرجنتين والأوروغواي، وتستعمل كآلة أساسية في معزوفات التانغو.
جان جينيه (1910 - 1986): روائي وكاتب مسرحي فرنسي، له مسرحية بعنوان "البلكون" تدور أحداثها في بيت دعارة. وقد عُرف عن جينيه نشاطه السياسي وتأييده الكبير للقضية الفلسطينية.
"أُريد أن أرى جسماً واحداً بأربعِ سيقان": ترد في فيلم "تانجو" للمخرج الإسباني كارلوس ساورا.
"الظلُّ لا ذكرٌ ولا أُنثى / رماديٌّ ولو أشْعَلتَ فيهِ النار": من قصيدة "الظل" لمحمود درويش.
صفحة 7

الانكسار البطيء للقيود البعيدة

وحيدةً تماماً كما كانَ قبلها حين خانه رفاقُه. يظهرُ لها في أحلامها ليؤنس وحدتها القاتلة، لكنها تستيقظ في النهاية، تصطدم بحياةٍ لا تعرف أهي من اختارها أم لا. لا تريد أن تعرف.
* * *
[ Books@Cafe ،2008]
"أنحن اخترنا حياتنا أم هي التي اختارتنا؟ أنحن نسيّر مصيرنا، أم أننا نسير بصبرٍ وأناةٍ إلى أقدارنا المحتومة؟" كانت تقول.
لكنها حين ترفع عينيها عن الكأس وتصطدم بعينيه، تعرف الإجابة، وتعرف أن تساؤلها هو محض ثغرةٍ تفتحها في جدار عجزها. ثغرةٌ متوَهّمة.
"لو أستطيعُ فقط أن أمحي كل ما هو خلفي، لو أستطيع أن أعيش الآن فقط، هنا فقط، بلا حياةٍ لم أخترها..."
هل كانت تعني ما قالت؟ لم تخترها؟ من فعل إذن؟ أكانت حينها ظلاً لامرئياً؟ بخاراً لم يتكثّف؟
"كنت أعشق الموسيقى. الكمان. يا لتلك الآلة السماوية. أربعة أوتار كانت تحملني بعيداً بعيداً دون أن تنقطع. عن طريقِ صديقةٍ شيوعيةٍ عَرَفْتُها بالجامعة، أَمَّنْتُ بعثةً لدراستها في بودابست. صديقتي كانت مع الثورة، مع الأعلامِ الحمراءِ المصبوغة بعرقِ الفلاحين وعُمّالٍ لم يَنْبُت بُرعُمُهم بعد. قالت لي: ستملئين حياتنا الجديدة بالألحان. فَرِحْتُ وطِرْتُ ولكن كُلّهُم رَفَضُوا. من أَين جاؤوا؟ العمّ والخال والحمولة والعشيرة. من تحت أي حجرٍ جهنمي خرجوا ليقصقصوا أوراق حياتي؟ قالوا: موسيقى ماذا هذه التي تريدين دراستها؟ أين ستعملين؟ أَمَعَ الراقصات والمطربين وبقية الساقطين؟ وبتدبيرٍ ممن؟ من هولاءِ الشيوعيين الملحدين الكفرة الذين تطاردهم الحكومة كالوَبَاء؟ ستعودين من الجامعة إلى الجَفْر. والله هذي بِنْتَكْ بِدْهَا تِفْضَحْنَا بين الناس... نَظَرْتُ إليه، كان صامتاً، واجماً، يتفطّر قلبه دون أن يتكلم، لم ينظر في عينيّ بل قال مخاطباً بلاطَ الأرض: ’ما يقولونه صحيح يا ابنتي، وكله لمصلحتك‘... حتى أَنتْ!"
[ورقة من مذكرات ضابط حُر]
معسكر الزرقاء، الحادية عشرة والنصف ليلاً، 13 نيسان 1957.
انهار كل شيء ولم نكن قد بدأنا بعد. لم تكن أحلامنا قد غادرت عقولنا إلى أيدينا. هل انتهت مهمتنا؟ هل انتهينا؟
كان يَعلمُ عنّا، أجزم أنه كان يعلم، وإلا كيف يضربنا الآن ضربته الوقائية، ضربته القاصمة؟
محاصَرون الآن، وغداً سنُحاكَم ونُرمى في السجون، والهاربُ منا منفيٌّ بعد أن يتسلل كاللص عبر الحدود.
أُقيل النابلسي قبل أيّام، والأحكام العُرفية ستُعلن بعد أيّام، ويُلقون الآن بكل الوطنيين قوميين وشيوعيين في السجون. لقد استُعمِلنا مرّتين. أول مرة لطرد أبو حْنِيك: صدّقنا أنفسنا حينها وقلنا "تمام، ها نحن نصير جزءاً أساسياً من معادلة البلد". لكننا اليوم نُستعمَل لطرد الوطنيين، لطرد أنفُسنا! يا لبؤسنا!
يقولون طوّقنا عمان، فما بالي أجلس في الزرقاء والطرق إلى هنا مسدودة بالحواجز؟! جنود لواء عالية زحفوا علينا من خَوّ، أحرقوا الشاحنات على الطريق، احتلوا مخازن الذخيرة، ويحاصرون نادي الضباط، وها هي أصواتُهُم تتعالى في الخارج: "يسقط أبو نُوّار. يعيش الملك"... وأبو نُوّار لم يَقُد انقلاباً ولا ما يحزنون.
لم نستلم أوامر، ولا برقيات، بل لم ننسّق مع بعضنا حتى الآن، نحن بيادق منثورةٌ على مساحة الخواء، لم ننضج بعد، سبعُ سنين والمرجَلُ المتّقِد في صدورنا لم يصهر جمود الحديد في رؤوسنا.
تُرى ماذا عليّ أن أفعل؟ أصوات المدفعية تدوي من الداخل، وها هي الأخبار تصل من الخارج أنّ مظاهرات مدنيّة اندلعت يقودها الإخوان المسلمون وصلت إلى بوّابات المعسكر لتنضم إلى الجنود المحاصِرين.
يُقال لي الآن إنّ معن هرب بعد أن انقلب عليه جنوده، وعلي طفق عائداً إلى القصر بانتظار مصيره المحسوم، نذير وخالد صارا عند الكتيبة السورية في المفرق، أما أنا فعالقٌ هنا. إنها الكماشة النهائية، طُردنا من الحكومة والجيش، وستُطوى صفحتنا إلى الأبد.
صفحة 8
[منزل العائلة، 1979]
"ما يقولونه صحيح يا ابنتي، وكلّه لمصلحتك". لم يصدّق نفسه حين قال هذا، كان مُطرقاً في الأرض، تنساب أمامه أشباحٌ مألوفة، منهم من صمد ومنهم من خان، ومنهم من نقل بندقيته من كتفٍ إلى آخر. لكنه في النهايةِ ظلّ وحيداً. سقطت رايات الثورة، والجماهير التي حملت عبد الناصر كالقدّيس توارت معه إلى قبره. كيف كان لهذا أن يحدث؟
لم يقوَ على رفع عينيه عن الأرض. كان يسمع من هم حولهُ همهماتٍ بعيدة. وكان يسمع انقباضَ قلبِ الطفلة/المرأة كتكسّرٍ في عظام جمجمته. انقباض القلب: يعرف هذا الشعور، يعرف ما يتركه في العقل من قروحٍ لا تندمل. ضغط بأصابعه على رأسه المطأطأ، لكن التكسّر لا يزال يسير بعشوائيةِ ريشةٍ في مهب الريح.
شاهدهم جميعاً -رفاقه السابقين-: السفير، والوزير، ومدير المخابرات. مدير مخابرات؟ يا الله! من الضباط الأحرار إلى رئاسة المخابرات؟! أكنت أعمىً إلى هذا الحد؟ لست وحدي كذلك، فهناك حيث أُمِّمَت القناة ووُزّعت الأراضي على الفلاحين وشُيَّد السد، ركضوا ركضاً بعده ليُعلنوا من على مذبح الهيكل براءة أبناء إسحق من دم إسماعيل وهم شهودٌ على قتله وقتلهم، وليُعلنوا أن ما للهيكل للهيكل، وما لهم للهيكل أيضاً.
أيُّ سُقوط. أيُّ خُواء. أيُّ عبث. سأتوارى مع المتوارينَ في قبره. فشِلنا، لا بد من الاعتراف، لعلّ بموتنا يقومُ الجديد ويحيا. فَلأَمُتْ إذاً، لأَمُت الآنَ قبل أواني علّني أجعل من جسدي سماداً لمن يحمل السيف بعدي، لأَمُت: "ما يقولونه صحيح يا ابنتي..."، عسى أن تثوري.
[ Books@Cafe ، 2008]
"سنتان اثنتان، وبعدها سأطارد أحلامي.."
"وما يمنعُكِ الآن؟ تقولينَ إنك حرة.."
"أنا حرة. هكذا علّمني أبي: أن أرفع رأسي، وأعبّر عن نفسي دون سواتر، بعريٍ كامل."
"لو أنكِ حقاً ما تقولين، لما أدمنتِ رفقتي! معي فقط تكونين ما تريدين دون تحفظات، دون مراسم، لا سجاد أحمر عندي ولا تشريفات، كيفما تكوني مقبولٌ بالنسبة لي. لو كُنتِ حرةً لَكُنتُ عاديّاً جداً!"
"أيها اللعين! شرفٌ لكَ أَنّكَ تجالسني أساساً!"
"لم أقُل غير ذلك. تؤكدين كلامي. الأحرارُ لا يُسبِغون شرفاً على حضورِهم، لأنّهم يحضُرون بكامل حريّتهم!"
"صحيح. أعترف لكَ أني أسيرة، آتي هنا وأجلس معكَ لأنسَلّ من قيدي للحظات. لست أنا تلك التي تعيش خارج هذا المكان، لنَقُل: بعضٌ منها ليس أنا، كنتُ أسوأ في الماضي: أتدري ما يعنيه أن تقدّم التنازلات لشخصٍ لا تحبّه؟ أتدري ما قد يحصل للإنسان وابتسامةُ مجاملةٍ تتجمّد على وجهه لساعات؟ كنت أعبس بعدها لأيامٍ فقط ليستطيع وجهي استعادة شكله الطبيعي. الآن أنا أفضل حالاً: أخرجُ وحدي، أصرخ، أتحدث بحدّةٍ ووضوحٍ كصلية رشاشٍ آلي، لم أعد أكترث، صرت وقحة كما يقولون! لكن سلسلةً ما لا تزال تربط قَدَماي."
"..............[صمت]..........."
"ما بكَ صامت؟"
"أفكّر. قلتِ إنك تزوّجتِه هرباً من القيود بعد أن رَفَضَتْ عائلتكِ مشروعكِ الموسيقيّ في الخارج. ها هو تحوّل بدوره مرساةً ثقيلةً لسفنك الجامحة!"
"كان يريد الهجرة إلى أميركا، قلتُ فرصة. هنا أنا مقيدة بسلاسل العائلة، لا أستنشق إلّا الهواء الثقيل. كان طريقي إلى الحرية، إلى الهرب لأحاول أن أَكُون نفسي. حاولت أن أدرس في الجامعة هناك، وأتابع آلتي المفضّلة، لم يَكُنْ يُمَانع، لكن حين جاء الولد الأول، والثاني، والثالث، والرابع، لم يعد ثمّة مجال للهرب. وها أنا أَجِدُني هنا بعد تِسْعٍ وعشرين من السنوات، ويتحوّلون هُم/هُناك إلى قيدٍ بعيد."
صفحة 9
"............[صمت]........."
"بعد سنتين، يكون آخر الأولاد قد أصبح مستقلاً تماماً، وأكون أنا قد قفزت على أول طائرةٍ عائدةٍ إلى عمّان، وسأجلس معك هنا، في هذا المكان، نحتسي البيرة المكسيكية المثلّجة، ونضحكُ على رُكَام البلادِ التي تَرَكْتُها خلفي. وسأتزوّجُكَ!"
"بصراحة؟ أنتِ أَجْبَنُ من أَن تفعلي ذلك."
"ليتني عَرفتُكَ قبل تسعةٍ وعشرين عاماً...!"
"لا تتحسّري كثيراً! فحينها لم يكن ذاك من هو أنا الآن."
"أيّها اللعين.."
***
هذه المرة لم تكن كسابقاتها، حين مَشَت في النفق المؤدي إلى الطائرة المغادرة عبر الأطلسي، كانت تكاد تطير. لم يعد يظهرُ في أحلامها لأنها رأتهُ دماً ولحماً أمامها، كان حقيقياً. ورغم أنها لا تزال تصطدم بحياةٍ لا تعرف أهي من اختارتها أم لا، إلّا أنها صارت تريد أن تعرف، وتأكّدت أنها ليست وحيدة.
Books@Cafe : مقهى ومطعم ومكتبة في منطقة جبل عمّان القديمة.
الجَفْر: معتقلٌ قاسٍ في الصحراء جنوب شرق الأردن، سُجن فيه الشيوعيون.
الضباط الأحرار: تنظيم من الضباط في الجيش الاردني نسب اليهم محاولة القيام بانقلاب على النظام الملكي عام 1957.
النابلسي، سليمان: رئيس وزراء الأردن من 29 تشرين الأول 1956 إلى 10 نيسان 1957، وهي أول وآخر حكومة أردنية تتشكل بأغلبية نيابية من الحزب الفائز في انتخابات (وهو الحزب الوطني الإشتراكي الذي كان النابلسي رئيسه). أُقيل بعد أقل من ستة أشهر على توليه رئاسة الحكومة، وأُعلنت الأحكام العرفية في الأردن من ذلك التاريخ وحتى عام 1989.
أبو حْنِيك: اللقب الذي يطلق على جون باجوت جلوب، أو جلوب باشا، القائد العام البريطاني للجيش الأردني حتى أوائل 1956، ولُقّب به نتيجة لتشوّهٍ في فكّه السفلي (حَنَكِه) من رصاصة أصيب بها هناك.
خَوّ: منطقة شرق مدينة الزرقاء تمركزت فيها قطعات عسكرية من الجيش الأردني.
أبو نُوّار ، علي: القائد العام لأركان الجيش الأردني الذي عُيّن بعد تعريب الجيش وطرد جلوب باشا، نسبت إليه قيادة محاولة الانقلاب عام 1957.
صفحة 10

نَقْلَة نَوعِيَّة

المكانُ تغيّر.
لم يَعُد هو ذاكَ الذي في الحيّ القديمِ للمدينة. لم يَعُد شقّةً في عمارةٍ متهالكة بجدرانٍ كالحة. لم تَعُد فيه مروحةٌ قديمةٌ تزقزق إذ تدور جامعةً في طريقها الغُبار، ناثرةً بعض هواءٍ قليلٍ هنا وهناك. لم تَعُد تتلاصق فيهِ كراسٍ صدئةٌ تتّسع بالكاد لذاكَ الجالسِ عليها، كما لم تَعُد تطير فيه الأحلام.
المكانُ تغيّر. طارَ إلى حيٍّ جديد. الطابق صار طابقين. صار فيلا بحديقةٍ أماميةٍ وبركةِ سباحةٍ خلفيةٍ وغرفةٍ للحارسِ وسقفٍ من القرميد ومكيّفٍ للهواء، وخزانةٍ خاصةٍ للأحلام.
***
دعاهُ الرّفاق إلى المقرّ الجديد. "هِبَةٌ من السّلطان بلا قيدٍ أو شرط" قالوا، فذهب.
حين فَتَحَ الباب الزجاجي وأدخلَ رأسه، انسابت من الداخل نسماتُ هواءٍ باردةٌ نَغَزَت حبّاتِ العرقِ المتجمّعةِ على جبينه. لَطَمَتْهُ المساحةُ الفارغةُ سوى من كرسيٍّ واحدٍ معلّقٍ بحبالٍ تنزلُ عموديّاً من الأعلى، يجلس عليهِ ظلٌّ لشخصٍ غير مرئي، يحملُ منشاراً كهربائياً بيد، وبالأخرى حزمة أوراق.
بِخُطّافاتٍ معدنيّة في السقف، عُلّقت جُثثٌ متهدّلةٌ بلا رؤوسٍ لحِمْلانٍ بأحجامٍ مختلفة. الحيطانُ البيضاءُ لم تكن بيضاءَ تماماً إذ تُعَكّرها بقعٌ حمراءُ داكنة.
أشار الظلُّ إلى الداخل الجديد: "أرى في رأسه ألغاماً" قالت جثة، "أرى في رأسه أقلاماً وصوراً وأسئلة" قالت أُخرى، "أرى في رأسه جثثاً مقطوعةَ الرأسِ معلقةً في السقف بِخُطّافات" قالت ثالثة، فيما تأرجحت جميع الجثث بلا اتّساق، مُهَمْهِةً ورافعةً ذيولها، مُطَرْطِشَةً نقاطاً من الدم على الحيطان.
أشار الظلُّ إلى الداخل الجديد: "هذا يريدُ بروازاً صغيراً ليظهرَ رأسهُ كبيراً" قالت جثة، "هذا الرأس في فمه ملعقةٌ من ذهبٍ يريدُ أن يمنّ بها علينا" قالت أُخرى، "هذا رأسُ مثقّفٍ مُزيّفٍ صيّادُ نساء" قالت ثالثة، فيما تأرجحت جميع الجثث بلا اتّساق، مُهَمْهِةً ورافعةً ذيولها، مُطَرْطِشَةً نقاطاً من الدم على الحيطان.
الظلّ يسنّ منشاره الكهربائي بحزمةِ الأوراق، وهو إذ يضرب هذه بتلك، تتحرّك البقع الحمراء التي على الحائط، تندمج وتفترق: كأنها مطرقةٌ ومنجل؟ لا، لا، نجمةٌ خماسية. بل جيمٌ وسهمٌ وخارطةٌ طوليّة. أهي علامةُ نصرٍ؟ شمسٌ؟ فلاحٌ؟ عمّالٌ؟ طَلَبَةْ؟ ثم تسقط البقع والأشكال لتتحوّل نهراً يسير بمحاذاةِ زوايا الغرفة، يعبر الممر، فالباب الخلفي، لينتهي مندلقاً في بركة السباحة.
الظلّ يسنّ منشاره الكهربائي بحزمةِ الأوراق: "إقترب وتعمّد"، قال للرأس الممدود من شق الباب الزجاجي. "نحن الخلاص"، ردّدت الجثث، وتأرجحت بلا اتّساقٍ، مُطَرْطِشَةً المزيد من الدم. "إقْتَرِبْ".