صفحة 1
32 - 32 - 16 - مَسْأَلَةٌ :
فِي الْكَلْبِ هَلْ هُوَ طَاهِرٌ أَمْ نَجَسٌ ؟ وَمَا قَوْلُ الْعُلَمَاءِ فِيهِ ؟ الْجَوَابُ : أَمَّا الْكَلْبُ فَلِلْعُلَمَاءِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ مَعْرُوفَةٍ .
أَحَدُهُمَا : إنَّهُ نَجَسٌ كُلُّهُ حَتَّى شَعْرُهُ ، كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَالثَّانِي : إنَّهُ طَاهِرٌ حَتَّى رِيقُهُ ، كَقَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ .
وَالثَّالِثُ : إنَّ رِيقَهُ نَجَسٌ وَإِنَّ شَعْرَهُ طَاهِرٌ ؛ وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ ، وَهُوَ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ ؛ وَلَهُ فِي الشُّعُورِ النَّابِتَةِ عَلَى مَحَلٍّ نَجَسٍ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ : إحْدَاهَا : إنَّ جَمِيعَهَا طَاهِرٌ حَتَّى شَعْرُ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ ؛ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالثَّانِيَةُ : إنَّ جَمِيعَهَا نَجَسٌ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ ، وَالثَّالِثَةُ : أَنَّ شَعْرَ الْمَيْتَةِ إنْ كَانَتْ طَاهِرَةً فِي الْحَيَاةِ طَاهِرَةٌ كَالشَّاةِ وَالْفَأْرَةِ ، وَشَعْرُ مَا هُوَ نَجَسٌ فِي حَالِ الْحَيَاةِ نَجَسٌ كَالْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ ، وَهِيَ الْمَنْصُورَةُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِ .
وَالْقَوْلُ الرَّاجِحُ هُوَ : طَهَارَةُ الشُّعُورِ كُلِّهَا : الْكَلْبُ ، وَالْخِنْزِيرُ ، وَغَيْرُهُمَا بِخِلَافِ الرِّيقِ ، وَعَلَى هَذَا فَإِذَا كَانَ شَعْرُ الْكَلْبِ رَطْبًا ، وَأَصَابَ ثَوْبَ الْإِنْسَانِ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَأَحْمَدَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ ؛ وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَعْيَانِ الطَّهَارَةُ ، فَلَا يَجُوزُ تَنْجِيسُ شَيْءٍ وَلَا تَحْرِيمُهُ إلَّا بِدَلِيلٍ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إلَّا مَا اُضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ } ، وَقَالَ تَعَالَى : { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ } ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { إنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ
مَسْأَلَتِهِ } .
وَفِي السُّنَنِ : عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ مَرْفُوعًا ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ مَوْقُوفًا : أَنَّهُ قَالَ : { الْحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ } .
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ، فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { طَهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ إذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعًا أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ } ، وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ { إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ } .
صفحة 2
فَأَحَادِيثُهُ كُلُّهَا لَيْسَ فِيهَا إلَّا ذِكْرُ الْوُلُوغِ ؛ لَمْ يَذْكُرْ سَائِرَ الْأَجْزَاءِ ، فَتَنْجِيسُهَا إنَّمَا هُوَ بِالْقِيَاسِ .
فَإِذَا قِيلَ : إنَّ الْبَوْلَ أَعْظَمُ مِنْ الرِّيقِ ، كَانَ هَذَا مُتَوَجِّهًا .
وَأَمَّا إلْحَاقُ الشَّعْرِ بِالرِّيقِ فَلَا يُمْكِنُ ؛ لِأَنَّ الرِّيقَ مُتَحَلِّلٌ مِنْ بَاطِنِ الْكَلْبِ ، بِخِلَافِ الشَّعْرِ ، فَإِنَّهُ نَابِتٌ عَلَى ظَهْرِهِ ، وَالْفُقَهَاءُ كُلُّهُمْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا ؛ فَإِنَّ جُمْهُورَهُمْ يَقُولُونَ : إنَّ شَعْرَ الْمَيْتَةِ طَاهِرٌ بِخِلَافِ رِيقِهَا ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَكْثَرُهُمْ يَقُولُونَ : إنَّ الزَّرْعَ النَّابِتَ فِي الْأَرْضِ النَّجِسَةِ طَاهِرٌ ، فَغَايَةُ شَعْرِ الْكَلْبِ أَنْ يَكُونَ نَابِتًا فِي مَنْبَتٍ نَجَسٍ : كَالزَّرْعِ النَّابِتِ فِي الْأَرْضِ النَّجِسَةِ ، فَإِذَا كَانَ الزَّرْعُ طَاهِرًا ، فَالشَّعْرُ أَوْلَى بِالطَّهَارَةِ ؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ فِيهِ أَثَرُ النَّجَاسَةِ ، بِخِلَافِ الشَّعْرِ فَإِنَّ فِيهِ مِنْ الْيُبُوسَةِ وَالْجُمُودِ مَا يَمْنَعُ ظُهُورَ ذَلِكَ .
فَمَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ : كَابْنِ عَقِيلٍ ، وَغَيْرِهِ : إنَّ الزَّرْعَ طَاهِرٌ ، فَالشَّعْرُ أَوْلَى ، وَمَنْ قَالَ : إنَّ الزَّرْعَ نَجَسٌ ، فَإِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا مَا ذَكَرَهُ .
فَإِنَّ الزَّرْعَ يُلْحَقُ بِالْجَلَّالَةِ الَّتِي تَأْكُلُ النَّجَاسَةَ فَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهَا ، فَإِذَا حُبِسَتْ حَتَّى تَطِيبَ كَانَتْ حَلَالًا : بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّهَا قَبْلَ ذَلِكَ يَظْهَرُ أَثَرُ النَّجَاسَةِ فِي لَبَنِهَا ،
وَبِيضِهَا ، وَعِرْقِهَا ، فَيَظْهَرُ نَتْنُ النَّجَاسَةِ وَخَبَثُهَا ، فَإِذَا زَالَ ذَلِكَ عَادَتْ طَاهِرَةً ، فَإِنَّ الْحُكْمَ إذَا ثَبَتَ بِعِلَّةٍ زَالَ بِزَوَالِهَا ، وَالشَّعْرُ لَا يَظْهَرُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ آثَارِ النَّجَاسَةِ أَصْلًا ، فَلَمْ يَكُنْ لِتَنْجِيسِهِ مَعْنًى ، وَهَذَا يَتَبَيَّنُ بِالْكَلَامِ فِي شُعُورِ الْمَيْتَةِ ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَكُلُّ حَيَوَانٍ قِيلَ بِنَجَاسَتِهِ ، فَالْكَلَامُ فِي شَعْرِهِ وَرِيشِهِ كَالْكَلَامِ فِي شَعْرِ الْكَلْبِ ، فَإِذَا قِيلَ بِنَجَاسَةِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ ، وَذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ ، إلَّا الْهِرَّ وَمَا دُونَهَا فِي الْخِلْقَةِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ كَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ : عُلَمَاءُ أَهْلِ الْعِرَاقِ ، وَهُوَ أَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ ، فَإِنَّ الْكَلَامَ فِي رِيشِ ذَلِكَ وَشَعْرِهِ فِيهِ هَذَا النِّزَاعُ ، هَلْ هُوَ نَجَسٌ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ .
صفحة 3
إحْدَاهُمَا : إنَّهُ طَاهِرٌ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ : كَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ .
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ : إنَّهُ نَجَسٌ ، كَمَا هُوَ اخْتِيَارُ كَثِيرٍ مِنْ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِ أَحْمَدَ ، وَالْقَوْلُ بِطَهَارَةِ ذَلِكَ هُوَ الصَّوَابُ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَأَيْضًا { فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ فِي اقْتِنَاءِ كَلْبِ الصَّيْدِ ، وَالْمَاشِيَةِ ، وَالْحَرْثِ } ، وَلَا بُدَّ لِمَنْ اقْتَنَاهَا أَنْ يُصِيبَهُ رُطُوبَةُ شُعُورِهَا ، كَمَا يُصِيبُهُمْ رُطُوبَةُ الْبَغْلِ ، وَالْحِمَارِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ، فَالْقَوْلُ بِنَجَاسَةِ شُعُورِهَا ، وَالْحَالُ هَذِهِ مِنْ الْحَرَجِ الْمَرْفُوعِ عَنْ الْأُمَّةِ ، وَأَيْضًا فَإِنَّ لُعَابَ الْكَلْبِ إذَا أَصَابَ الصَّيْدَ لَمْ يَجِبْ غَسْلُهُ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ ، وَهُوَ أَحَدُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْمُرْ أَحَدًا بِغَسْلِ ذَلِكَ ، فَقَدْ عَفَا عَنْ الْكَلْبِ فِي مَوْضِعِ الْحَاجَةِ ، وَأَمَرَ بِغَسْلِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْحَاجَةِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الشَّارِعَ رَاعَى مَصْلَحَةَ الْخَلْقِ
وَحَاجَتَهُمْ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
صفحة 4
33 - 33 - 17 - مَسْأَلَةٌ :
فِي عَظْمِ الْمَيْتَةِ ، وَقَرْنِهَا وَظُفُرِهَا ، وَرِيشِهَا : هَلْ هُوَ طَاهِرٌ ، أَمْ نَجَسٌ ؟ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ ؟ الْجَوَابُ : أَمَّا عَظْمُ الْمَيْتَةِ ، وَقَرْنُهَا وَظُفُرُهَا ، وَمَا هُوَ مِنْ جِنْسِ ذَلِكَ : كَالْحَافِرِ ، وَنَحْوِهِ ، وَشَعْرُهَا ، وَرِيشُهَا وَوَبَرُهَا : فَفِي هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ .
أَحَدُهَا : نَجَاسَةُ الْجَمِيعِ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي الْمَشْهُورِ ، وَذَلِكَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ ، وَالثَّانِي : إنَّ الْعِظَامَ وَنَحْوَهَا نَجِسَةٌ ، وَالشُّعُورَ وَنَحْوَهَا طَاهِرَةٌ ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ ، وَأَحْمَدَ .
وَالثَّالِثُ : إنَّ الْجَمِيعَ طَاهِرٌ : كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَهُوَ قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ ، وَأَحْمَدَ ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّوَابُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهَا الطَّهَارَةُ ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى النَّجَاسَةِ .
وَأَيْضًا فَإِنَّ هَذِهِ الْأَعْيَانَ هِيَ مِنْ الطَّيِّبَاتِ ، لَيْسَتْ مِنْ الْخَبَائِثِ ، فَتَدْخُلُ فِي آيَةِ التَّحْلِيلِ ؛ وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَدْخُلْ فِيمَا حَرَّمَهُ اللَّهُ مِنْ الْخَبَائِثِ لَا لَفْظًا ، وَلَا مَعْنًى أَمَّا اللَّفْظُ فَكَقَوْلِهِ تَعَالَى : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ } لَا يَدْخُلُ فِيهَا الشُّعُورُ وَمَا أَشْبَهَهَا ؛ وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ ضِدُّ الْحَيِّ ، وَالْحَيَاةُ نَوْعَانِ : حَيَاةُ الْحَيَوَانِ وَحَيَاةُ النَّبَاتِ ، فَحَيَاةُ الْحَيَوَانِ خَاصَّتُهَا الْحِسُّ ، وَالْحَرَكَةُ الْإِرَادِيَّةُ ، وَحَيَاةُ النَّبَاتِ النُّمُوُّ وَالِاغْتِذَاءُ .
وَقَوْلُهُ : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ } إنَّمَا هُوَ بِمَا فَارَقَتْهُ الْحَيَاةُ الْحَيَوَانِيَّةُ ، دُونَ النَّبَاتِيَّةِ ، فَإِنَّ الزَّرْعَ وَالشَّجَرَ إذَا يَبُسَ لَمْ يَنْجُسْ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ ، وَقَدْ تَمُوتُ الْأَرْضُ وَلَا يُوجِبُ ذَلِكَ نَجَاسَتَهَا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ ، وَإِنَّمَا الْمَيْتَةُ الْمُحَرَّمَةُ : مَا كَانَ فِيهَا الْحِسُّ وَالْحَرَكَةُ الْإِرَادِيَّةُ ، وَأَمَّا الشَّعْرُ فَإِنَّهُ يَنْمُو ، وَيَغْتَذِي ، وَيَطُولُ كَالزَّرْعِ ، وَالزَّرْعُ لَيْسَ فِيهِ حِسٌّ
وَلَا يَتَحَرَّكُ بِإِرَادَةٍ ، وَلَا تَحُلُّهُ الْحَيَاةُ الْحَيَوَانِيَّةُ حَتَّى يَمُوتَ بِمُفَارَقَتِهَا ، وَلَا وَجْهَ لِتَنْجِيسِهِ .
صفحة 5
وَأَيْضًا : فَلَوْ كَانَ الشَّعْرُ جُزْءًا مِنْ الْحَيَوَانِ ، لَمَا أُبِيحَ أَخْذُهُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ ، فَإِنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ قَوْمٍ يَجُبُّونَ أَسْنِمَةَ الْإِبِلِ ، وَأَلْيَاتِ الْغَنَمِ فَقَالَ : مَا أُبِينَ مِنْ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيْتٌ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَغَيْرُهُ ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ، فَلَوْ كَانَ حُكْمُ الشَّعْرِ حُكْمَ السَّنَامِ وَالْأَلْيَةِ ، لَمَا جَازَ قَطْعُهُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ ، فَلَمَّا اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الشَّعْرَ وَالصُّوفَ إذَا جُزَّ مِنْ الْحَيَوَانِ كَانَ حَلَالًا طَاهِرًا عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ مِثْلَ اللَّحْمِ .
وَأَيْضًا : فَقَدْ ثَبَتَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى شَعْرَهُ لَمَّا حَلَقَ رَأْسَهُ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَنْجِي وَيَسْتَجْمِرُ } ، فَمَنْ سَوَّى بَيْنَ الشَّعْرِ ، وَالْبَوْلِ ، وَالْعَذِرَةِ فَقَدْ أَخْطَأَ خَطَأً مُبِينًا ، وَأَمَّا الْعِظَامُ وَنَحْوُهَا : فَإِذَا قِيلَ : إنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي الْمَيْتَةِ ؛ لِأَنَّهَا تَنْجُسُ ، قِيلَ لِمَنْ قَالَ ذَلِكَ : أَنْتُمْ لَمْ تَأْخُذُوا بِعُمُومِ اللَّفْظِ ، فَإِنَّ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ كَالذُّبَابِ ، وَالْعَقْرَبِ ، وَالْخُنْفُسَاءِ لَا يَنْجُسُ عِنْدَكُمْ وَعِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ ، مَعَ أَنَّهَا مَيْتَةٌ مَوْتًا حَيَوَانِيًّا .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءٌ ، وَفِي الْآخَرُ شِفَاءٌ } ، وَمَنْ نَجَّسَ هَذَا قَالَ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ : إنَّهُ لَا يُنَجِّسُ الْمَائِعَاتِ الْوَاقِعَةَ فِيهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ عِلَّةَ نَجَاسَةِ الْمَيْتَةِ إنَّمَا هُوَ احْتِبَاسُ الدَّمِ فِيهَا ، فَمَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ لَيْسَ فِيهِ دَمٌ
سَائِلٌ ، فَإِذَا مَاتَ لَمْ يَحْتَبِسْ فِيهِ الدَّمُ فَلَا يَنْجُسُ ، فَالْعَظْمُ وَنَحْوُهُ أَوْلَى بِعَدَمِ التَّنْجِيسِ مِنْ هَذَا ، فَإِنَّ الْعَظْمَ لَيْسَ فِيهِ دَمٌ سَائِلٌ ، وَلَا كَانَ مُتَحَرِّكًا بِالْإِرَادَةِ إلَّا عَلَى وَجْهِ التَّبَعِ .
فَإِذَا كَانَ الْحَيَوَانُ الْكَامِلُ الْحَسَّاسُ الْمُتَحَرِّكُ بِالْإِرَادَةِ لَا يَنْجُسُ ، لِكَوْنِهِ لَيْسَ فِيهِ دَمٌ سَائِلٌ ، فَكَيْفَ يَنْجُسُ الْعَظْمُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ دَمٌ سَائِلٌ وَمِمَّا يُبَيِّنُ صِحَّةَ قَوْلِ الْجُمْهُورِ : أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْنَا الدَّمَ الْمَسْفُوحَ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا } .
صفحة 6
فَإِذَا عَفَى عَنْ الدَّمِ غَيْرِ الْمَسْفُوحِ ، مَعَ أَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الدَّمِ ، حَيْثُ عُلِمَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ فَرَّقَ بَيْنَ الدَّمِ الَّذِي يَسِيلُ ، وَبَيْنَ غَيْرِهِ ، فَلِهَذَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَصْنَعُونَ اللَّحْمَ فِي الْمَرَقِ ، وَخُيُوطُ الدَّمِ فِي الْقِدْرِ تَبِينُ ، وَيَأْكُلُونَ ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا أَخْبَرَتْ بِذَلِكَ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، وَلَوْلَا هَذَا لَاسْتَخْرَجُوا الدَّمَ مِنْ الْعُرُوقِ كَمَا يَفْعَلُ الْيَهُودُ .
وَاَللَّهُ تَعَالَى حَرَّمَ مَا مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ ، أَوْ لِسَبَبٍ غَيْرِ جَارِحٍ مُحَدَّدٍ : كَالْمَوْقُوذَةِ ، وَالْمُتَرَدِّيَةِ ، وَالنَّطِيحَةِ ، { وَحَرَّمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا صِيدَ بِغَيْرِهِ مِنْ الْمِعْرَاضِ ، وَقَالَ : إنَّهُ وَقِيذٌ } .
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا إنَّمَا هُوَ سَفْحُ الدَّمِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ سَبَبَ التَّنْجِيسِ هُوَ : احْتِقَانُ الدَّمِ وَاحْتِبَاسُهُ ، وَإِذَا سُفِحَ بِوَجْهٍ خَبِيثٍ : بِأَنْ يَذْكُرَ عَلَيْهِ غَيْرَ اسْمِ اللَّهِ ، كَانَ الْخُبْثُ هُنَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، فَإِنَّ التَّحْرِيمَ تَارَةً لِوُجُودِ الدَّمِ ، وَتَارَةً لِفَسَادِ التَّذْكِيَةِ : كَذَكَاةِ الْمَجُوسِيِّ ، وَالْمُرْتَدِّ ، وَالذَّكَاةِ فِي غَيْرِ الْمَحَلِّ .
فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْعَظْمُ وَالظُّفُرُ ،
وَالْقَرْنُ وَالظِّلْفُ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ ، لَيْسَ فِيهِ دَمٌ مَسْفُوحٌ ، فَلَا وَجْهَ لِتَنْجِيسِهِ ، وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ السَّلَفِ .
قَالَ الزُّهْرِيُّ : كَانَ خِيَارُ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَتَمَشَّطُونَ بِأَمْشَاطٍ مِنْ عِظَامِ الْفِيلِ ، وَقَدْ رُوِيَ فِي الْعَاجِ حَدِيثٌ مَعْرُوفٌ ، لَكِنْ فِيهِ نَظَرٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ ، فَإِنَّا لَا نَحْتَاجُ إلَى الِاسْتِدْلَالِ بِذَلِكَ .
وَأَيْضًا فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ : { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِي شَاةِ مَيْمُونَةَ : هَلَّا أَخَذْتُمْ إهَابَهَا فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ .
صفحة 7
قَالُوا : إنَّهَا مَيْتَةٌ .
قَالَ : إنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا } .
وَلَيْسَ فِي الْبُخَارِيِّ ذِكْرُ الدِّبَاغِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ عَامَّةُ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ ، وَلَكِنْ ذَكَرَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ ، وَقَدْ طَعَنَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي ذَلِكَ ، وَأَشَارَ إلَى غَلَطِ ابْنِ عُيَيْنَةَ فِيهِ ، وَذَكَرَ أَنَّ الزُّهْرِيَّ وَغَيْرَهُ كَانُوا يُبِيحُونَ الِانْتِفَاعَ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ بِلَا دِبَاغٍ ، لِأَجْلِ هَذَا الْحَدِيثِ .
وَحِينَئِذٍ فَهَذَا النَّصُّ يَقْتَضِي جَوَازَ الِانْتِفَاعِ بِهَا بَعْدَ الدَّبْغِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ، لَكِنْ إذَا قِيلَ : إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ الِانْتِفَاعَ بِالْجُلُودِ حَتَّى تُدْبَغَ ، أَوْ قِيلَ : إنَّهَا لَا تَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ ، لَمْ يَلْزَمْ تَحْرِيمُ الْعِظَامِ وَنَحْوِهَا ؛ لِأَنَّ الْجِلْدَ جُزْءٌ مِنْ الْمَيْتَةِ فِيهِ الدَّمُ كَمَا فِي سَائِرِ أَجْزَائِهِ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ ذَكَاتَهُ دِبَاغَهُ ؛ لِأَنَّ الدَّبْغَ يُنَشِّفُ رُطُوبَاتِهِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ سَبَبَ التَّنْجِيسِ هُوَ الرُّطُوبَاتُ ، وَالْعَظْمُ لَيْسَ فِيهِ نَفْسٌ سَائِلَةٌ ، وَمَا كَانَ فِيهِ مِنْهَا فَإِنَّهُ يَجِفُّ وَيَيْبَسُ ، وَهِيَ تَبْقَى وَتُحْفَظُ أَكْثَرَ مِنْ الْجِلْدِ ، فَهِيَ أَوْلَى بِالطَّهَارَةِ مِنْ الْجِلْدِ ، وَالْعُلَمَاءُ تَنَازَعُوا فِي الدِّبَاغِ هَلْ يُطَهِّرُ ؟ فَذَهَبَ مَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُمَا : أَنَّهُ لَا يُطَهِّرُ ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي
حَنِيفَةَ ، وَالْجُمْهُورِ : أَنَّهُ يُطَهِّرُ ، وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ رَجَعَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ كَمَا ذُكِرَ ذَلِكَ عَنْدَ التِّرْمِذِيِّ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ التِّرْمِذِيِّ عَنْهُ .
وَحَدِيثُ ابْنِ عُكَيْمٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَاهُمْ أَنْ يَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ ، بَعْدَ أَنْ كَانَ أَذِنَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ ، لَكِنْ هَذَا قَدْ يَكُونُ قَبْلَ الدِّبَاغِ ، فَيَكُونُ قَدْ رَخَّصَ ، فَإِنَّ حَدِيثَ الزُّهْرِيِّ بَيَّنَ أَنَّهُ قَدْ رَخَّصَ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ قَبْلَ الدِّبَاغِ ، فَيَكُونُ قَدْ رَخَّصَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ ثُمَّ لَمَّا نَهَاهُمْ عَنْ الِانْتِفَاعِ بِهَا قَبْلَ الدِّبَاغِ نَهَاهُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ، وَلِهَذَا قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ إنَّ الْإِهَابَ اسْمٌ كَمَا لَا يُدْبَغُ ، وَلِهَذَا قَرَنَ مَعَهُ الْعَصَبَ ، وَالْعَصَبُ لَا يُدْبَغُ .
صفحة 8
فَصْلٌ وَأَمَّا لَبَنُ الْمَيْتَةِ ، وَإِنْفَحَتهَا ، فَفِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ لِلْعُلَمَاءِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ ذَلِكَ طَاهِرٌ : كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَغَيْرِهِ ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ، وَالثَّانِي : إنَّهُ نَجَسٌ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ ، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ .
وَعَلَى هَذَا النِّزَاعِ انْبَنَى نِزَاعُهُمْ فِي جُبْنِ الْمَجُوسِ ، فَإِنَّ ذَبَائِحَ الْمَجُوسِ حَرَامٌ عِنْدَ جُمْهُورِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ، وَقَدْ قِيلَ : إنَّ ذَلِكَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ، فَإِذَا صَنَعُوا جُبْنًا ، وَالْجُبْنُ يُصْنَعُ بِالْإِنْفَحَةِ ، كَانَ فِيهِ هَذَانِ الْقَوْلَانِ .
وَالْأَظْهَرُ : أَنَّ إنْفَحَةَ الْمَيْتَةِ وَلَبَنَهَا طَاهِرٌ ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا فَتَحُوا بِلَادَ الْعِرَاقِ أَكَلُوا مِنْ جُبْنِ الْمَجُوسِ ، وَكَانَ هَذَا ظَاهِرًا سَائِغًا بَيْنَهُمْ ، وَمَا يُنْقَلُ عَنْ بَعْضِهِمْ مِنْ كَرَاهَةِ ذَلِكَ فَفِيهِ نَظَرٌ ، فَإِنَّهُ مِنْ نَقْلِ بَعْضِ الْحِجَازِيِّينَ وَفِيهِ نَظَرٌ - وَأَهْلُ الْعِرَاقِ كَانُوا أَعْلَمَ بِهَذَا ، فَإِنَّ الْمَجُوسَ كَانُوا بِبِلَادِهِمْ ، وَلَمْ يَكُونُوا بِأَرْضِ الْحِجَازِ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ كَانَ نَائِبَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَلَى الْمَدَائِنِ ، وَكَانَ يَدْعُو الْفُرْسَ إلَى الْإِسْلَامِ .
وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ السَّمْنِ ، وَالْجُبْنِ ، وَالْفِرَاءِ ، فَقَالَ : { الْحَلَالُ مَا حَلَّلَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ } .
وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مَرْفُوعًا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ السُّؤَالُ عَنْ جُبْنِ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ فَإِنَّ هَذَا أَمْرٌ بَيِّنٌ .
وَإِنَّمَا كَانَ السُّؤَالُ عَنْ جُبْنِ الْمَجُوسِ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ سَلْمَانَ كَانَ يُفْتِي بِحِلِّهَا ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْقَطَعَ النِّزَاعُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ .
وَأَيْضًا فَاللَّبَنُ ، وَالْإِنْفَحَةُ لَمْ يَمُوتَا ، وَإِنَّمَا نَجَّسَهَا مَنْ نَجَّسَهَا لِكَوْنِهَا فِي وِعَاءٍ نَجَسٍ ، فَتَكُونُ مَائِعًا فِي وِعَاءٍ نَجَسٍ ، فَالنَّجَسُ مَبْنِيٌّ عَلَى مُقَدَّمَتَيْنِ : عَلَى أَنَّ الْمَائِعَ لَاقَى وِعَاءً نَجِسًا ، وَعَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ كَذَلِكَ صَارَ نَجِسًا ، فَيُقَالُ أَوَّلًا : لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَائِعَ يَنْجُسُ بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ السُّنَّةَ دَلَّتْ عَلَى طَهَارَتِهِ لَا عَلَى نَجَاسَتِهِ ، وَيُقَالُ ثَانِيًا : الْمُلَاقَاةُ فِي الْبَاطِنِ لَا حُكْمَ لَهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى : { مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ } .
وَلِهَذَا يَجُوزُ حَمْلُ الصَّبِيِّ الصَّغِيرِ فِي الصَّلَاةِ مَعَ مَا فِي بَاطِنِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
صفحة 9
34 - 34 - 18 - مَسْأَلَةٌ :
فِي السِّوَاكِ ، وَتَسْرِيحِ اللِّحْيَةِ فِي الْمَسْجِدِ ، هَلْ هُوَ جَائِزٌ أَمْ لَا ؟ الْجَوَابُ : أَمَّا السِّوَاكُ فِي الْمَسْجِدِ ، فَمَا عَلِمْت أَحَدًا مِنْ الْعُلَمَاءِ كَرِهَهُ ، بَلْ الْآثَارُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَسْتَاكُونَ فِي الْمَسْجِدِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَبْصُقَ الرَّجُلُ فِي ثِيَابِهِ فِي الْمَسْجِدِ ، وَيَمْتَخِطَ فِي ثِيَابِهِ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ ، وَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثَّابِتَةِ عَنْهُ ، بَلْ يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ فِي الْمَسْجِدِ بِلَا كَرَاهَةٍ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ : فَإِذَا جَازَ الْوُضُوءُ فِيهِ ، مَعَ أَنَّ الْوُضُوءَ يَكُونُ فِيهِ السِّوَاكُ وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ ، وَالصَّلَاةُ يَسْتَاكُ عِنْدَهَا ، فَكَيْفَ يُكْرَهُ السِّوَاكُ ؟ وَإِذَا جَازَ الْبُصَاقُ وَالِامْتِخَاطُ فِيهِ ، فَكَيْفَ يُكْرَهُ السِّوَاكُ ؟ وَأَمَّا التَّسْرِيحُ فَإِنَّمَا كَرِهَهُ بَعْضُ النَّاسِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ شَعْرَ الْإِنْسَانِ الْمُنْفَصِلَ نَجِسٌ ، وَيُمْنَعُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْجِدِ شَيْءٌ نَجِسٌ ، أَوْ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ كَالْقَذَاةِ .
وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ شَعْرَ الْإِنْسَانِ الْمُنْفَصِلَ عَنْهُ طَاهِرٌ : كَمَذْهَبِ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَحْمَدَ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، فَإِنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَلَقَ رَأْسَهُ وَأَعْطَى نِصْفَهُ لِأَبِي طَلْحَةَ ، وَنِصْفَهُ قَسَمَهُ بَيْنَ النَّاسِ } ، وَبَابُ الطَّهَارَةِ ، وَالنَّجَاسَةِ يُشَارِكُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ أُمَّتَهُ ، بَلْ الْأَصْلُ أَنَّهُ أُسْوَةٌ لَهُمْ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ ، إلَّا مَا قَامَ فِيهِ دَلِيلٌ يُوجِبُ اخْتِصَاصَهُ بِهِ .
وَأَيْضًا الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ : أَنَّ شُعُورَ الْمَيْتَةِ طَاهِرَةٌ ، بَلْ فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ مَالِكٍ ، وَأَحْمَدَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّ جَمِيعَ الشُّعُورِ طَاهِرَةٌ حَتَّى شَعْرُ الْخِنْزِيرِ ، وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ إذَا سَرَّحَ
شَعْرَهُ وَجَمَعَ الشَّعْرَ فَلَمْ يَتْرُكْ فِي الْمَسْجِدِ ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ ، وَأَمَّا تَرْكُ شَعْرِهِ فِي الْمَسْجِدِ فَهَذَا يُكْرَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَجِسًا ، فَإِنَّ الْمَسْجِدَ يُصَانُ حَتَّى عَنْ الْقَذَاةِ الَّتِي تَقَعُ فِي الْعَيْنِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
صفحة 10
35 - 35 - 19 - مَسْأَلَةٌ :
فِي الْمَرْأَةِ هَلْ تُخْتَنُ أَمْ لَا ؟ الْجَوَابُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ ، نَعَمْ تُخْتَنُ ، وَخِتَانُهَا : أَنْ تُقْطَعَ أَعْلَى الْجِلْدَةِ الَّتِي كَعُرْفِ الدِّيكِ .
{ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِلْخَافِضَةِ - وَهِيَ الْخَاتِنَةُ : أَشِمِّي وَلَا تُنْهِكِي فَإِنَّهُ أَبْهَى لِلْوَجْهِ وَأَحْظَى لَهَا عِنْدَ الزَّوْجِ } يَعْنِي : لَا تُبَالِغِي فِي الْقَطْعِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِخِتَانِ الرَّجُلِ تَطْهِيرُهُ مِنْ النَّجَاسَةِ الْمُحْتَقِنَةِ فِي الْقُلْفَةِ ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ خِتَانِ الْمَرْأَةِ تَعْدِيلُ شَهْوَتِهَا ، فَإِنَّهَا إذَا كَانَتْ قَلْفَاءَ كَانَتْ مُغْتَلِمَةً شَدِيدَةَ الشَّهْوَةِ .
وَلِهَذَا يُقَالُ فِي الْمُشَاتَمَةِ : يَا ابْنَ الْقَلْفَاءِ ، فَإِنَّ الْقَلْفَاءَ تَتَطَلَّعُ إلَى الرِّجَالِ أَكْثَرَ ، وَلِهَذَا مِنْ الْفَوَاحِشِ فِي نِسَاءِ التَّتَرِ ، وَنِسَاءِ الْإِفْرِنْجِ ، مَا لَا يُوجَدُ فِي نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ ، وَإِذَا حَصَلَ الْمُبَالَغَةُ فِي الْخِتَانِ ضَعُفَتْ الشَّهْوَةُ ، فَلَا يَكْمُلُ مَقْصُودُ الرَّجُلِ ، فَإِذَا قُطِعَ مِنْ غَيْرِ مُبَالَغَةٍ حَصَلَ الْمَقْصُودُ بِاعْتِدَالٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .