صفحة 1
تصدير
يعتبر تطور اللغة العربية في ثلاث مراحل من تاريخها مرتبطًا ارتباطًا شرطيًا بالهجرة والانتقال. فيستطيع القارئ أن يدرك من صيغة هذا الكتاب أهمية الهجرة في صناعة ما يمكن أن نسميه مفهوم اللغة العربية. ففي القرن الأول الهجري كانت الفتوحات العربية التي مهدت للعرب في شمال أفريقيا والعراق والشام، فنشأت اللهجات العربية التي نعرفها الآن في تلك الأمصار بشكليها الحضري والريفي. كما أن هجرات العرب إلى آسيا في القرنين الثالث والرابع من الهجرة قد أسهمت في نشوء ما يمكن أن نسميه بالجزر اللغوية العربية خارج حدود الإقليم اللغوي العربي، تلك الجزر في أفغانستان وأوزبكستان وغيرهما. أما القرن التاسع عشر فقد شهد نوعًا آخر من الهجرات العربية. كانت الهجرات هذه المرة لشرق أفريقيا في المرحلة الاستعمارية من تاريخ مصر الحديث. فنشأت أنماط من العربية في تلك الأماكن يمكن أن نسميها الهجين اللغوي العربي.سنسهب في الحديث عن تلك التقسيمات في داخل الكتاب ولكن يكفي أن نعرف الآن أن العربية بفضل الهجرات عبر التاريخ أصبحت مفهومًا لغويًا مركبًا، ليس فقط من لهجات وفصحى، بل يحتوي على أنماط متفاوتة من حيث التعقيد التركيبي والاستخدام البرجماتي الوظيفي. يحاول هذا الكتاب أن يركز على الهجرة العربية الأولى وتأثيرها في تطور العربية كما نفهمها. ولكن هذا التركيز لا يعني أننا سنغفل المراحل الأخرى من تلك الهجرات بل نستخدمها على سبيل المقارنة. ليلاحظ القارئ الكريم أن الكتاب سيعتمد طريقة مقطعية في التركيز على مادة الدراسة.
ليس موضوع تطور العربية في حد ذاته مادة بحثية جديدة، خاصة فيما يتعلق بوقت الفتوحات العربية بل سبق وأن درسها علماء كبار في علوم العربية منهم «فوك» سنة 1951 في كتابه «العربية». تميز هذا الكتاب صفتان أساسيتان: الأولى أنه كتاب يرصد تطور بعض العناصر اللغوية العامة كالتصريف الإعرابي من مرحلة ما قبل الفتح للمراحل التاريخية العربية الإسلامية المتأخرة، ويعتمد في تقسيم مراحله تلك على تقسيمات الأدباء والمؤرخين الأدبيين العرب القدماء. فتجده يتكلم عن العصر الأموي والعصر العباسي وعصر الدويلات دون أن يتوافق هذا التقسيم مع سمات لغوية مميزة لكل مرحلة يتكلم عنها. أما الصفة الثانية المهمة في كتاب «العربية» فهي أنه يتعاطى فقط مع الأداء اللغوي الخاص بفصحى القرآن الكريم والشعر العربي. يتوصل «فوك» في هذا البحث إلى ظاهرة سيؤكدها «كورينتي» في السبعينيات في مقالات ثلاثة، هي: أن العرب فقدوا سليقتهم اللغوية وحسَّهم الفطري للتصريف الإعرابي كأحد أوضح رموز الفصحى القرآنية، وجاء هذا الفقد مبكرًا جدًا بعد الفتوحات العربية مباشرة.
الميزة الأساسية في كتاب «فوك»، هي أنه يرصد تطورًا في استخدام ظاهرة بعينها وهي «التصريف الإعرابي». وهو أمر حسن إن لم يكن مفيدًا في رصد الوضع اللغوي العام في شبه الجزيرة العربية قبل الفتح ولا في الأمصار بعده.
حاول «فرستيغ» في عام 1984 أن يفسر ما رآه انهيارًا للعربية القديمة التي كانت تشبه عربية القرآن من وجهة نظره. يتصور «فرستيغ» أن هناك انتقالًا حادًا وسريعًا من عربية تشبه عربية القرآن فيها تصريف إعرابي سليم وكامل قبل الفتح عند كل العرب لعربية تشبه عربية لهجاتنا المعاصرة دون تصريف إعرابي وبلهجات خالية من المثنى وجموع المؤنث بعد الفتح. السبب في ذلك في تصور «فرستيغ» هو أن العربية في الأمصار المفتوحة تعرضت لعملية تهجين لغوي واسعة من قبل غير العرب إبّان تعلّمهم للعربية بشكل سريع وغير منظم.
لكن لأسباب كثيرة سنسهب في تفصيلها داخل الكتاب نقد الباحثون نظرية «فرستيغ» معتمدين على تبريرات لغوية تركيبية واجتماعية سكّانية. ولكن أبرز أوجه النقد لتلك النظرية، أنها لا تتعامل مع التطور اللغوي العربي في اللهجات الحضرية بشكل كامل، حيث إن التبرير الذي يقدمه «فرستيغ» أولًا لا يعكسه واقع اللهجات العربية الآن من حيث كونها متشابهة مع الفصحى في الكثير من المواقع، كما أنها لا تبدي أي أثر من آثار التهجين اللغوي. ثانيًا أثبتت الدراسات الحديثة في التهجين اللغوي أن التهجين عملية وليس مرحلة تطورية، أي أنه حتى لو حدث تهجين فلا يجب له أن يستقر بالضرورة فيصبح لغة جديدة نطلق عليها هجينًا لغويًا. يعتقد الكثير من الباحثين الآن، وأنا واحد منهم، أن التهجين اللغوي عملية من ضمن العمليات الأولى في تعلم اللغة الثانية.
ولكن نظرية «فرستيغ» في شكلها الأصلي وبالرغم من معايبها النظرية تظلّ النظرية الوحيدة التي طرحت حتى الآن لتطور اللهجات العربية الحضرية الحديثة، أزعم هنا أنني أتصور أن التهجين اللغوي لابد وأن حدث في أوساط البصرة والكوفة والفسطاط والرملة والرباط والقيروان.. وغيرها، ولكنه حدث كطور من أطوار التعلم في ظل بيئة لغوية شكّل العرب فيها الغالبية من السكان.
نحن بحاجة كبيرة لنظريات في تطور العربية كفكرة ومفهوم عمومًا وأنماط خاصة منها جغرافية أو اجتماعية أو تاريخية خصوصًا، يجب أن تعتمد تلك النظريات على علوم اللغة الحديثة من تعلم اللغة الثانية وعلم اللغة الاجتماعي وعلوم التواصل، بل وعلوم الحاسب أيضًا. وأزعم هنا أن العربية ستقدم لنا كباحثين لغويين حالة فريدة من التطور اللغوي إن درست بشكل كافٍ وبعناية كبيرة ستفيدنا كثيرًا في تطور علوم اللغة عمومًا وهو أمل يصبو إليه كل باحث لغوي جاد.
محمد الشرقاوي
القاهرة 21 مارس 2006
صفحة 2
مقدمة الطبعة الثانية
بين يديك عزيزي القارئ الطبعة الثانية من هذا الكتاب الذي عندما كتبته في عام 2006، كنت أسعى أن يكون الخطوة الأولى في مشروع أكاديمي لغوي ممتد يهدف لتقديم تاريخ للغة العربية بشكل عام. ولم أكن وقتها من الرومانسية لأن أتخيل أنني سأستطيع في حياتي المفردة أن أقدم لك تاريخًا للعربية عامية وفصحى ولهجات وهجن وجزرًا لغوية؛ فقد كنت أعرف وقتها كما أعرف اليوم أنها مهمة تنوء بحملها الجبال ويقصر عنها عمر فرد ولو اعتكف عليها. ففكرت أنه من حسن البداية أن أكتب تاريخًا للعربية يتناول استراتيجيات تطورها والعوامل اللغوية وغير اللغوية التي أدت لهذا التطور وأدت به بشكله هذا دونًا عن أي شكل آخر من أشكال التطور اللغوي الذي يصيب لغات العالم. فيستطيع الباحث من بعدي أن يعود لتلك المبادئ والاستراتيجيات فيطبقها على أي فترة لغوية يهتم هو بدراستها ويفصل في مدى استجابة العربية لتلك العوامل غير اللغوية وكيفية تعامل أنساقها التركيبية مع التطورات اللغوية التي حدثت في أنساق أخرى.وبدأت بتاريخ العربية منذ الفتوحات؛ لأن تأثير العوامل غير اللغوية واضح جدًا في تلك الفترة، فتجد أنني خصصت فصلًا كاملًا من الطبعة الأولى لأصِل للظروف الاجتماعية السكانية التي كانت في الأمصار العربية بعد الفتوحات والتي سهلت تعلم العربية بالشكل الذي سنفصله في متن الكتاب وليس بطريقة غيرها. كما أنني أيضًا أوليت الأمصار قبل الفتوحات العربية اهتمامًا كبيرًا لأنني تصوّرت أن الحالة الاجتماعية اللغوية في تلك المناطق قبل الفتح كان لها أثر داعم في تعريب الأمصار بشكل كامل.
غير أنني لم أكن في تلك الفترة قد طورت الإطار النظري الكامل بشكل يسمح لي أن أضمنه الكتاب، فآثرت ألا أكتب في النظرية في الطبعة الأولى. أما الآن وقد تمكنت من تصوري النظري ـ أو هكذا أحب أن أزعم ـ فقد أصبح من الممكن أن أسرده لك في متن الكتاب آملًا أن يسهم في تقديم تصوّري عن كيفية تطور اللغات عمومًا والعربية خصوصًا وأنه يمكن تطبيقه بشكل أكثر تفصيلًا في دراسات أخرى يحتاجها تاريخ العربية المبهم والمغلوط فهمه لحد كبير.
لذلك عندما سنحت لي فرصة الطبعة الثانية وجدت نفسي أفكر في كتابة فصل خاص بكيفية التطور اللغوي وبالظروف الاجتماعية واللغوية التي تتحكم فيه، سمّيت هذا الفصل بـ«إيكولوجيا التطور اللغوي». ربما تبدو كلمة إيكولوجيا تلك غريبة للوهلة الأولى ولك عزيزي كل الحق أن شعرت بهذا فهي كلمة مأخوذة من العلوم البيئية والجغرافية. وهي كلمة في سياقها العام تعني البيئة المحيطة بكائن ما، واللغة هنا عزيزي القارئ كائن حي بل سترى أننا نتكلم عنها باعتبارها فصيلة كاملة من الكائنات الحية، وسنبين في هذا الفصل أن هناك تضافرًا ما بين الظروف الاجتماعية غير اللغوية والتي سنسمّيها «الإيكولوجيا الخارجية» وترتيب الأنساق والعناصر اللغوية والتي سنسميها هنا بـ«الإيكولوجيا الداخلية». هذا التضافر يأخذ شكل رد فعل لغوي تركيبي ما على العوامل غير اللغوية؛ إذ تجد التغيير يحدث في كائن من كائنات الفصيلة ولكنه يقع رهنًا بالإيكولوجيا غير اللغوية؛ فينتشر إن كانت سامحة أو يموت في مهده إن كانت مانعة أو يستمر بشكل ضعيف أو مختلف عن أصله إن كانت تسير بهذا الاتجاه.
هذا الفصل الجديد سيكون بعد المقدمة مباشرة، أي أنه سيصبح الفصل الثاني في الطبعة الثانية، وبالرغم من أنه فصل نظري يحسن بالقارئ العزيز أن يتعامل مع كل فصول الكتاب اللاحقة عليه باعتبارها تطبيقًا عمليًا للطرح النظري الذي ورد فيه. فالفصل الذي يتكلم عن الأمصار قبل الإسلام والفتوحات وبعدهما هو الطرح العملي لفكرة الإيكولوجيا الخارجية، بينما الفصلان عن تعلم اللغة الثانية وأنماط حديث الأجانب فهما تحليل عملي للعوامل الداخلية اللغوية التي سننظر لها في هذا الفصل الجديد.
هذه في الحقيقة ليست الإضافة الوحيدة في الطبعة الثانية بل وجدت الفرصة سانحة أيضًا لكي أُحدِّث قائمة المراجع المستخدمة في الكتاب من حيث المعلومات الببليوجرافية من ناحية ومن حيث إضافة معلومات إلى متن الكتاب من دراسات لم تكن متاحة لي وقت نشر الطبعة الأولى منه. ولكن بالرغم من أن تلك الإضافات تدخل على الكتاب في أكثر من فصل وفي أكثر من موقع واحد في نفس الفصل؛ فإنها لا تأخذ الكتاب من سيرورته الأولى لطريق أكاديمي جديد، بل هي تضيف ثراءً وعمقًا للنقاط المطروحة من ناحية وتزيد طالب تاريخ اللغة العربية المبتدئ مراجع يحسن به أن يطّلع عليها. ولذلك سيلاحظ القارئ الكريم أن المتن سيزيد بضع فقرات وأن قائمة المراجع ستزيد عددًا من المداخل.
أحب الآن أن أضع هذا الكتاب في سياقه كخطوة من خطوات مشروعي الأكاديمي. هذا الكتاب مقدمة وطرح للنظرية يتلوه كتاب آخر يستخدم نفس النظرية في دراسة تاريخ فصحى العصر وتطورها ثم تتلوه دراسة أخرى في تاريخ فصحى التراث وتطورها. وقد يعجب شخص من ترتيب خطوات هذا المشروع في الكتابة ولكن العجب يزول عندما تعرف عزيزي القارئ أنني بكتابي الأول الذي تقرأ اليوم طبعته الثانية وكتابي الثاني أكون قد حدّدت حدود الفترة الزمنية التي سأكتب فيها؛ فيسهل عليّ بعد ذلك ـ أو كذلك أزعم ـ أن أخوض في المناطق الأكثر ضبابية من زاوية علم اللغة التاريخي، وهي فترة تقعير العربية وتأصيل نثرها وأساليبها وهي فترة ما نسميه بـ«فصحى التراث».
محمد الشرقاوي
ديترويت 26 نوفمبر 2012
صفحة 3
مقدمة
يحاول هذا الكتاب إلقاء الضوء على آليات التعريب التي أدت لتعريب الأمصار الإسلامية عمومًا ومصر خصوصًا في المرحلة الأولى من الفتوحات العربية. الفرضية الأساسية في هذا الكتاب أن عملية التحول اللغوية الواسعة والتي تبدو كما لو كانت جماعية من اللغات المحلية للعربية في تلك البلاد إنما هي عملية تعلم للغة أجنبية(1). من أهم العناصر في توجيه عملية التعلم تلك هو المدخل اللغوي القابل للتعلم، والذي قدمه ابن اللغة العربي للمتعلم الأجنبي، الذي هو المصري أو الشامي أو الليبي في ذلك الوقت.أدى العديد من الأسباب التاريخية إلى غياب عملية تعليم منظمة للغة العربية لأبناء اللغات الأخرى في تلك المرحلة في الأمصار المفتوحة، وفي ظروف كتلك يصبح نوع المدخل اللغوي (المكون اللغوي الذي يتعلمه المتعلم) المطروح للتعلم وكميته ونسبة إتاحته من أهم العناصر في عملية تعلم لغة أجنبية غير منظمة. في حالات تعلم اللغة بشكل غير منظم يكون المُدخل اللغوي الذي يساهم به ابن اللغة الهدف لغة معدلةً(2) تناسب مستوى متعلم اللغة حسب تقدير ابن اللغة، وقد يساهم في تحديد نوعية هذه المساهمة بعض العناصر السكانية الاجتماعية التاريخية.
لقد كانت الظروف الاجتماعية التاريخية والسكانية في الأمصار المفتوحة ولمدة عقود قليلة من الفتح تقضي بأن يقدم العرب لغير العرب مدخلًا لغويًا عربيًا معدّلًا من أجل غرض وظيفي هو تسهيل التواصل بين أبناء اللغة الهدف وهي العربية والجماعات اللغوية الأخرى التي لا تتكلم تلك اللغة. ولذلك فمن الممكن أن نفترض أن اللهجات العربية الحضرية الحديثة إنما نتجت جزئيًا على الأقل من هذا التعديل اللغوي. ويعني هذا أن الفروق بين اللهجات العربية الجاهلية القديمة في شبه الجزيرة العربية واللهجات العربية الحضرية الحديثة إنما ترجع لتلك العملية ولهذا المدخل اللغوي المعدل.
في نفس عملية التعلم تلك يكون للمتعلم أهمية كبيرة في تشكيل المنتج النهائي، أي اللهجة العربية في حالتنا نحن هنا. ولكنني لن أتعمق في هذا الكتاب في دور المتعلم في عملية الاكتساب اللغوي لأسباب عملية تخص حجم الكتاب والحاجة إلى التركيز على عنصر واحد. من الصحيح أن عملية التعلم قد تبين لنا الكثير في كيفية تطور اللهجات العربية الحضرية الحديثة، ولكن دور المدخل اللغوي سابق على دور المتعلم.
أسترسل في فرضيتي وأقول لما كان المدخل اللغوي متأثرًا ببعض العناصر الاجتماعية والتاريخية والسكانية فإن الفرق بين لهجات شبه الجزيرة العربية مهما كان شكلها واللهجات العربية الحديثة إنما هو عمل هذه الظروف. أدت نفس الأسباب الاجتماعية والتاريخية إلى أن يقوم ابن اللغة العربية نفسه بعملية تعديل المدخل اللغوي تلك، ولذلك لم تؤد عملية تعديل المدخل تلك لإعادة تركيب اللغة العربية بشكل كامل؛ لأن الظروف مكنت من وجود عدد كاف من أبناء اللغة للتواصل وكمية كافية من المدخل اللغوي العربي الصحيح.
النموذج الذي سنتعامل معه في هذا الكتاب محدود بالقرنين الأول والثاني الهجريين من الناحية الزمانية وبالأمصار التي سأعرّفها هنا بالمعسكرات العربية الحربية التي تطورت في مراحل لاحقة لتكون مدنًا كاملة كالفسطاط والبصرة والكوفة والقيروان والرباط. في تلك الأماكن وفي تلك الفترة كان ظهور المدخل اللغوي المعدّل ممكنًا، مثلما كان تعلم العربية من خلال هذا المدخل ممكنًا بل ومحببًا لغير العرب بفضل الامتيازات التي كان يوفرها والتواصل الذي كان يسمح للعرب وغير العرب بقضاء احتياجاتهم المعيشية معًا. وكان العرب لا غير، هم الأكثرية الغالبة في تلك الأماكن التي بنوها معسكرات لهم.
ولكن هذا النموذج لا يستطيع أن يفسر انتشار العربية في أفريقيا غربًا وجنوبًا من السودان في شكل لهجات عربية كاملة أو لغات اتصال.
صفحة 4
- 1 تأثير العناصر السكانية الاجتماعية في تطور اللغة العربية
منذ بداية الثلث الأول من القرن السابع وحتى النصف الثاني من القرن العشرين استطاعت العربية أن تتطور بثلاثة اتجاهات مختلفة(3)، والسبب في تلك المناحي المختلفة في التطور هو الظروف الاجتماعية السكانية التاريخية التي وجدت العربية فيها. تطورت العربية أول ما تطورت على شكل لهجات كاملة، وهي لهجات المنطقة العربية وشمال أفريقيا الحضرية والريفية كما نعرفها الآن. أما التطور الثاني فقد كان ظهورها في شكل أنماط لغة أقلية. وكان التطور الثالث والأخير في شكل أنماط هجين لغوي عربي قام في القرن التاسع عشر في جنوب السودان وكينيا وأوغندا.في حالة الهجين اللغوي كان هناك تنوع كبير في العنصر السكاني واللغوي في جنوب السودان التي كان العرب فيها أقلية استخدمت لغتها فقط كلغة تواصل مشتركة بين الجماعات العرقية واللغوية المتباينة في تلك المناطق. وكان العرب أقلية بالرغم من أنهم كانوا أقلية رفيعة المستوى راقية التنظيم. ولما كانت حاجة التواصل اليومي ماسة ولما كان العرب أقلية ومدخلهم اللغوي قليل على قلتهم فقد تم تهجين العربية من قبل غير العرب للتمكن من استخدامها أو قدر منها على الأقل(4).
عندما تطورت العربية في شكل لغة تواصل أقلية في بعض الأماكن، وجد العرب أنفسهم وسط جماعات لغوية مختلفة وأجناس بشرية متباينة. ولم يكن العرب في تلك المناطق جماعة لغوية متميزة ولم يكونوا أيضًا أصحاب موقع أغلبية عددية. ولذلك لم تصبح العربية لغة التواصل البيني بين مختلف تلك الجماعات اللغوية، بل واستعارت العربية من هذا الوسط اللغوي المتنوع بعض السمات النحوية والصرفية بسبب الضغط الكبير الذي تعرض له العرب من حاجات الاتصال بالجماعات الأخرى. فبدلًا من أن تسبب العربية تحولًا في الاستخدام اللغوي من لغات متعددة للعربية ـ كما حدث في مصر والشام والعراق وشمال أفريقيا اضطرت العربية لأن تصبح جزءًا من التركيبة اللغوية للمنطقة وتشترك مع باقي لغات المنطقة في سمات لغوية معينة بالرغم من أنها تختلف تاريخيًا وعنصريًا عن باقي تلك اللغات(5).
أما اللهجات الحضرية العربية الحديثة فقد نشأت في أماكن استطاع العرب أن يثبتوا مكانتهم فيها كجماعة أغلبية سكانية، وذلك من خلال مظلة المدن التي أسسوها لأنفسهم كالفسطاط والبصرة والكوفة. استطاعت تلك المدن رغم صغرها وحداثتها أن تجتذب أعدادًا من السكان الأصليين للبلاد المفتوحة للإقامة فيها، وقد اضطر هؤلاء بدورهم لتعلم العربية لأغراض غير تعليمية. وفي تلك الظروف قدم العرب الذين كانت لهم مصالحهم في التواصل مع السكان الأصليين لهؤلاء المهاجرين مدخلًا لغويًا معدلًا وقابلًا للتعلم. لقد ساعد توافر أبناء اللغة العربية بشكل جماعة غالبة وكذلك ساعد توافر المدخل اللغوي العربي على قيام اللهجات الحضرية من هذا المدخل المعدل دون أي إعادة بناء كبيرة للغة العربية الأصلية التي دخلت عملية التعلم تلك كما كان الحال مع الهجين اللغوي العربي، ودون أي استعارة لتراكيب من اللغات الأصلية كما هو الحال في الجزر اللغوية العربية في أفغانستان وأوزبكستان وقبرص.
أما بالنسبة للهجن اللغوية العربية فقد كانت هناك رغبة من قبل جميع أطراف عملية التواصل اللغوي للوصول إلى لغة تواصل مشتركة تكون مختلفة عن كل لغات الجماعات الموجودة في جنوب السودان؛ حيث ولدت تلك الهجن، ولذلك لم يكن هناك اختيار أحسن من لغة الوافد العربي الثري القوي المحايد. لكن لما كانت عمليات التواصل بين العرب وغير العرب في تلك السياقات الاجتماعية محدودة نسبيًا فقد كان المدخل اللغوي العربي غير متوفر بدرجة كافية تساعد على التعلم، وكذلك لم يكن العرب كأشخاص متوافرين بشكل كاف ليصلحوا أخطاء التعلم التي عادة ما تحدث في عمليات تعلم اللغة الثانية بشكل طبيعي غير منظم. لقد كانت العربية في تلك السياقات السكانية الاجتماعية لغة تواصل بين جماعات لغوية وعرقية مختلفة لا تشترك في لغة تواصل واحدة. وفي نفس الوقت كانت أعداد العرب قليلة في المعسكرات والمخيمات التي نشأت فيها الهجن اللغوية في جنوب السودان في النصف الثاني من القرن التاسع عشر(6). أما في حالات الجزر اللغوية العربية فقد كان العرب أقلية ولم تكن لهم قوة اقتصادية مؤثرة ولم يغيروا التركيبة السكانية في الأقاليم التي هاجروا إليها، ولذلك لم يكن هناك دافع لتعلم العربية بل كان هناك دافع عند العرب لتعلم اللغات المحيطة بهم لأغراض التواصل مع الجماعات اللغوية والعرقية التي يتعاملون معها. أما بالنسبة للهجات العربية التي نعرفها الآن من العراق والشام وشمال أفريقيا فإن الظروف كانت مختلفة، فقد كان هناك دافع لتعلم العربية من قبل السكان الأصليين من جهة ودافع عند العرب لتسهيل عملية التعلم تلك من جهة أخرى.
صفحة 5
- 2 هذا الكتاب
أفترض في هذا الكتاب أن عملية تعلم اللغة الثانية بشكل طبيعي وغير منظم وفي الحالات التي يكون ابن اللغة الهدف فيها مستعدًا للتواصل بنفس درجة استعداد المتعلم إنما هي عملية تمكن من ظهور المدخل اللغوي المعدل وتحفّزه. هذا المدخل اللغوي الذي يقدمه ابن اللغة الهدف للمتعلم ما هو إلا نمط لغوي نسميه نمط حديث الأجانب. من أهم السمات التركيبية لهذا النمط من المدخل اللغوي التبسيط والتعميم والتنظيم لكل مستويات التحليل اللغوي الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية. سنتعمق في تناول هذا الموضوع من خلال دراستنا لأنواع العربية التي كانت مستخدمة في شبه الجزيرة العربية قبل الفتوحات وظهور الإسلام. وسنخصص لهذا الموضوع فصلًا كاملًا وهو الفصل الثالث. أما الفصل الرابع فسنناقش فيه التطورات التي ظهرت على أنواع العربية بعد الفتوحات العربية في الأمصار والتنوع في استخدام العربية كنسق لغوي متكامل. كما سندرس أيضًا نظريات تطور تلك الأنماط كما يراها الباحثون العرب وغير العرب.وسأقدم في الفصلين السادس والسابع تفسيرًا للتطورات اللغوية التي حدثت في اللغة العربية ونشوء اللهجات الحضرية، وسأبرّر لغويًا وتاريخيًا لانتشارها. سأقدم أيضًا في الفصل السادس صورة سكانية تاريخية للبلاد المفتوحة إبان الفتوحات وبعدها بقليل، وسأركز في هذا السياق على العوامل التي أظنها سهلت عملية التعريب. سألقي الضوء في هذا الفصل على ثلاثة عوامل مهمة، هي: بناء المدن العربية المبكرة كالفسطاط والبصرة والكوفة، وأنماط الهجرات العربية للأمصار عمومًا ولتلك المدن بشكل خاص، وطرق التواصل بين العرب وغير العرب في تلك المجتمعات الجديدة وكثافته. أما في الفصل السابع فسيكون التركيز على السمات العامة لتعلم اللغة الثانية بشكل طبيعي غير منظم، وكذلك على أهمية المدخل اللغوي في تحديد مصير عملية التعلم ومدى إعادة تركيب اللغة الهدف فيها. ثم أركز على نمط حديث الأجانب كنمط لتقديم المدخل اللغوي وأُبين سماته العامة.
أما الفصل الثامن والأخير فسيتناول قائمة بسمات أنماط حديث الأجانب في اللغة العربية واتجاهاته العامة، وسأبين أن نتيجة استخدام هذا النمط لتقديم مدخل لغوي للأجانب يسهّل تراكيب العربية ويبسّطها ولكنه في نفس الوقت لا يؤدي بها لعملية إعادة تركيب كاملة كما هو الحال في الهجن اللغوية العربية، كما أنه لا يؤدي لعمليات اقتباس لغوي كثيفة كما هو الحال في الجزر اللغوية العربية في آسيا. هذا التقارب البنيوي بين سمات حديث الأجانب واللغة الهدف الأصلية هو السبب في أن اللهجات العربية لم تتطور بشكل يبعدها تركيبيًا عن قواعد العربية القديمة قبل الفتح ولا عن قواعد ما أصبحنا نعرفه بالعربية الفصحى. وفي نهاية هذا الفصل أقارن بين اللهجات العربية والهجن اللغوية العربية والجزر اللغوية من الناحية التركيبية محاولًا من خلال المقارنة، أن أبين أن الاختلاف في الظروف الاجتماعية السكانية في تطور تلك الأنماط من العربية هو الذي أدى بشكل مباشر وغير مباشر إلى الاختلاف في طرق تطور تلك الأنماط المختلفة.
الفصل الأول الذي يلي هذه المقدمة فصل في نظرية «الإيكولوجيا اللغوية» ونقدم في هذا الفصل فكرة عن كيفية تطور اللغات عمومًا وآليات هذا التطور، والمسألة هنا هي أننا نفترض أن كل تطور لغوي يتم من خلال استجابة المتكلم الفرد لتوليفة ما من العوامل الداعمة والمانعة للتجديد اللغوي والتطور، وإن كانت تلك الاستجابة بالإيجاب يتم التجديد في حديث الفرد، وبحسب توليفة أخرى يستجيب باقي المجتمع لتلك التجديدات الفردية بأشكال سنفصلها في متن الفصل، ولكن المهم هنا أن نعرف أن كل تغير يتم على مستوى الفرد أولًا ثم ينتقل لجماعة المتكلمين بعد ذلك، ولهذا سنتكلم في الفصول الأخيرة من هذا الكتاب عن اكتساب اللغة لدى الفرد باعتباره نواة التطور.
صفحة 6
3 ـ بعض المصطلحات المستخدمة
أستخدم المصطلحات التالية في هذا الكتاب بمعانٍ خاصة تستوجب التفسير المسبق. «المدخل اللغوي» هو أول مصطلح أختاره للتفسير. نعني بالمدخل اللغوي هنا اللغة التي يتلقاها متعلم اللغة ويتعامل معها عقليًا ويستخدمها في عملية التعلم. ويكون المدخل اللغوي عبارة عن حديث ابن لغة أو مادة مقروءة أو مسموعة أو كل ما من شأنه أن يستخدم في التعلم كمادة خام.«العربية القديمة» هي المصطلح الثاني. سأستخدم العربية القديمة في هذا الكتاب للتعبير عن الأنماط اللغوية المستخدمة في شبه الجزيرة العربية قبل الفتح من لهجات حضرية وبدوية ومن عربية القرآن والشعر الجاهلي. يتجنب هذا المصطلح الاختلافات الجغرافية والاجتماعية والوظيفية التي قد تكون موجودة في عربية تلك الفترة المبكرة والتي لا نعرف عنها الكثير، ويتجنب هذا الاستخدام أيضًا المسائل الخلافية بين علماء العربية بخصوص الوضع اللغوي الاجتماعي في تلك الفترة(7). وأخيرًا، يتجنب هذا المصطلح الجدل الدائر في أوساط الباحثين عن ماهية عربية الشعر الجاهلي والقرآن الكريم من حيث كونها لغة استخدام يومي من عدمه. الدافع وراء هذا الحرص في استخدام المصطلح لعدم وجود معايير لغوية ثابتة ومتفق عليها في التفريق بين اللهجات وعربية القرآن واللهجات الحضرية والبدوية، أي أنه ليس هناك أطلس لغوي عربي لتلك الفترة.
المصطلح الثالث الذي أستخدمه في هذا الكتاب هو مصطلح «العربية الجديدة». وهو مصطلح يشير إلى الأنماط الجديدة من العربية التي ظهرت في الأمصار المفتوحة وخاصة في المناطق الحضرية منها بعد الفتح. ولا يعبر هذا المصطلح عن اللهجات البدوية العربية في الأمصار المفتوحة وخاصة مصر والشام والعراق، ولا عن العربية الفصحى التي بدأت تتشكل قواعدها المدونة في القرن الثاني بعد الفتوحات. يغطي هذا المصطلح فروقًا تركيبية كبيرة قد تكون موجودة في الأنماط الحضرية من العربية بعد الفتح، ولكننا لا نملك عنها أدلة لغوية كافية لوصفها وتصنيفها. وكذلك يغطي المصطلح الأنماط المرحلية التي قد يكون متعلمو العربية في تلك المراحل قد أنتجوها والهجن اللغوية أو أنماط التواصل التي قد تكون قد ظهرت كأدوات تواصل مبكرة جدًا بين العرب وغير العرب باستخدام اللغة العربية.
المصطلح الرابع الذي أستخدمه هنا هو مصطلح «العربية الفصحى». نستخدم هذا المصطلح للتعبير عن النمط الذي ظهر بشكل واع في التركيبة اللغوية العربية من عملية التقعيد والتأصيل لعربية القرآن الكريم والشعر الجاهلي والتي استمرت مراحلها الأولى في القرون الثلاثة الأولى من الفتح العربي. أما «العربية الوسطى» فهو آخر مصطلح أودّ التعريف به في هذا السياق التاريخي، وهو مصطلح استخدم للتعبير عن المحاولات التي قام بها العرب وغير العرب للتقرب من قواعد الفصحى ومحاكاتها في محاولة منهم لتوخي أكبر قدر ممكن من الصحة اللغوية. وهو مصطلح يعبر عن مستويات متباينة من التقارب بين النمط المنتج فعلًا وقواعد العربية الفصحى. أستخدم هذا المصطلح في الكتاب على خلفية من الازدواجية اللغوية، فأنا أفترض أن العربية الجديدة هي النمط الذي استخدمه العرب وغير العرب، على حد سواء، في عمليات التواصل اللفظي اليومي والحياتي كافة. بينما اختصّت العربية الفصحى بعد الفتوحات العربية بالإنتاج الفني والتواصل المكتوب وكذلك كانت محاولات العرب وغيرهم والتي نسميها «العربية الوسيطة»(8).
صفحة 7
الفصل الأول
إيكولوجيا التطور اللغوي
قلنا سلفًا إن تطور العربية وتعدد أنماطها وانتشارها كان نتيجة إيكولوجيا عملية الارتقاء تلك في فترة الفتوحات العربية المبكرة في القرن السابع الميلادي، ولذلك فإن فهم الإيكولوجيا تلك مسألة ضرورية في فهم التركيب الحالي للأنماط اللغوية المختلفة وعلاقاتها الوظيفية والتركيبية وتطورها التاريخي، ولذلك سنبدأ هذا الفصل بتعريف مصطلحين سنستخدمهما كثيرًا في هذا الفصل وفي الكتاب كله، وهما مصطلحا «الارتقاء والإيكولوجيا»(9). استخدم الباحثون في علم اللغة التاريخي ودراسات التطور اللغوي هذين المصطلحين كثيرًا جدًا في التراث البحثي الأوروبي والأمريكي، ولذلك فمن المهم أن نحدد مجال التعريفين بدقة ومحيط تأثيرهما وأهميتهما لدراسة تاريخ العربية التي نتعامل معها هنا باعتبارها تعريفًا يغطي عددًا من الأنماط اللغوية والجغرافية والوظيفية المختلفة والمتشابكة والمترابطة والمتداخلة. أنت مدعو عزيزي القارئ لأن تفكر في العربية هنا باعتبارها جنسًا كاملًا من الكائنات الحية تحتها فصائل من الأنماط الجغرافية والاجتماعية المختلفة وتحت كل فصيلة منها حيوانات مفردة هي الأنماط اللغوية الفردية.إن فهم العلاقات الوظيفية والعلية بين الإيكولوجيا والتطور اللغوي لن يكون كافيًا دون تعريف وظيفي للغة بشكل يوضح آليات عمل الإيكولوجيا في التطور وباتجاهه. التعريفات التي سنقدمها في هذا الفصل تعريفات نظرية بامتياز، أما التمثيل لتلك المفاهيم فسيرد في بقية فصول هذا الكتاب، حيث سنناقش بقدر من التفصيل الوضع السكاني واللغوي والتركيبي للتطور اللغوي العربي.
1 ـ الاصطلاحات
الارتقاء في اللغة مصطلح يستخدمه هذا الكتاب للإشارة لمجموع التغيرات التركيبية طويلة الأجل التي تقع للغة على مدار تاريخ استعمالها الطويل (مافويني 2008 ص 1 ومافويني 2001 المقدمة)، لا نستخدم مصطلح الارتقاء هنا بشكل يوحي بالتقدم من حالة أبسط تركيبيًا لحالة أكثر تعقيدًا، ولكننا نستخدمه للإشارة لرد فعل اللغة والأنماط واللهجات الفردية للسياق التركيبي والخارجي للغة، وبهذه الطريقة تجد أن هذا المصطلح يستخدم هنا بطريقة مختلفة عن استخدامه عند كريستيانسون وكيربي (2003)؛ إذ يستخدمان المصطلح للإشارة لظهور اللغة كعنصر يميز الإنسان عن غيره من الكائنات (انظر كريستيانسون وكيربي 2003 ص 15-1)، فهما يريدان تحديد أصل اللغة الإنسانية، ولكنني أتفق مع ماكماهون (1994 ص 315) في أن مثل هذا البحث ليس ذا نفع كبير طالما أن هناك غموضًا كبيرًا في توجهات بحثية كثيرة مفيدة له وأساسية فيه وطالما غابت المادة اللغوية.أما تحليلنا هنا فيقوم على تصور أن الارتقاء حالة تعادل وتوازن، أي أنه عملية معقدة من إعادة التركيب المستمرة، كل مرحلة نقدمها ونبحث فيها هي مجرد مرحلة واحدة من عدد مفتوح لا يحصى من المراحل ولكننا نختارها ونفصلها فقط لقيمتها المقارنة وليس لقدرتها على الانفصال عن ما قبلها وما بعدها. ففي تطور نظام المثنى في العربية مثلًا الحالة الارتقائية الراهنة هي أن النظام في الأنماط كافة باستثناء الفصحى المعاصرة الكتابية تختصر فعل المثنى في بعض تصنيفات الأسماء ولكن المثنى في الفعل والضمير بشكليه والأسماء الموصولة غير فاعل، وإذ كانت الفرضية بأن فصحى التراث تمثل اليوم نمطًا لغويًا عربيًا أقدم من اللهجات العربية الحضرية الحديثة مقبولة؛ فإن نظرة مقارنة سريعة على فصحى التراث واللهجات الحضرية من شأنها أن تبين أن المثنى كان فاعلًا في جميع تصنيفات الأسماء والأفعال والضمائر والأسماء الموصولة، ولذلك يمكن أن نتصور أن الحالة الارتقائية اليوم في تطور العربية هي حالة وسط بين نمط يفعل فيه المثنى صرفيًا ونحويًا بشكل كامل ونمط غاب عنه المثنى تصريفيًا إلا من قليل ونحويًا بشكل كامل، ويمكننا أن نفترض هنا أن المثنى فقد من الأنساق الصرفية العربية بشكل منفرد أو مجتمع دفعة واحدة في اللهجات القديمة التي سلكت مسلكًا تطوريًا يختلف عن مسلك فصحى التراث.
ويمكننا أن نفترض أيضًا أن حالة الارتقاء التي تعيشها العربية اليوم لن تكون نهاية التطور في تلك الظاهرة النحوية الصرفية، فإن نظرت بشكل مقارن للهجة القاهرة الحضرية ولهجات المغرب الحضرية لوجدت أن المثنى في تلك اللهجات أقل استخدامًا من لهجة القاهرة لأن تصنيفات الأسماء التي تقبل لاحقة المثنى في اللهجات المغربية أقل، تبين أمثال تلك المقارنات البسيطة أن حالة ارتقاء ظاهرة نحوية أو صرفية ما في وقت دراستها ما هي إلا حالة بين حالتين على الأقل وغالبًا أكثر من حالتين على خط تطورها الزمني.
يغطي فهم الارتقاء اللغوي بهذه الطريقة مجالات أسئلة عادة ما نسألها في علم اللغة التاريخي والتغير اللغوي وتعلم اللغة الثانية والتهجين اللغوي، ولذلك فإن تلك النظرة تستفيد من مباحث تلك الفروع وأدواتها البحثية ومادتها. وإن كان التطور اللغوي عابرًا للمجالات المفردة وإن كان دراسة بينية وإن كان متعدد الجوانب فإنه من الطبيعي أن يعترض شخص على التحليل الذي قدمته في ظل موضوع بهذا الاتساع، ولكن هذه ليست نيتي في هذا الكتاب؛ نيّتي هنا أن أقدّم المبادئ الأساسية التي حكمت تطور العربية واتجاه هذا التطور. إنني أتصور أن فهم السلوك التطوري واتجاهه في العربية أو أي لغة أخرى إنما يتطلب معرفة العوامل الداخلية والخارجية المهمة في الموقف اللغوي؛ أي أن كل جوانب التطور اللغوي من ميلاد وتطور وتوازن وموت رهن بتلك العوامل الداخلية والخارجية. وهذه العوامل هي ما نسميها هنا بـ«الإيكولوجيا».
صفحة 8
الإيكولوجيا في هذا الكتاب مفهوم ثلاثي الأبعاد(10). هي مجموعة من العوامل الخارجية (الاجتماعية والتاريخية والسياسية والاقتصادية) والداخلية اللغوية والخبرات التي تسهل التطور اللغوي وتوجهه أو تعيقه أو تمنعه، تشير الإيكولوجيا الداخلية للعلاقات بين الأنظمة اللغوية المختلفة والعناصر المكونة لها في اللغة محل الدراسة(11)، كما تشير لتناسق تلك الأنظمة داخليًا وحملها الوظيفي، أي العمل الذي تقوم به في قواعد اللغة محل البحث، أما العوامل الخارجية فهي السياق الذي توجد اللغة فيه في لحظة تاريخية معينة، الإيكولوجيا الخارجية هي الخلفية التي تتعامل معها الأنظمة اللغوية وترد فعلًا عليها وتتغير بحسبها(12)، يحدث رد الفعل في الأنظمة اللغوية التي تتغير فتعدل لأنظمة أخرى لأن الإيكولوجيا الداخلية تغيّرت فتستمر اللغة بهذا الشكل في حالة حركة مستمرة.
يجب أن نفهم هنا بكل وضوح أن المسائل الإيكولوجية لا تعني التواصل بين لغتين أو نمطين لغويين أو أكثر من ذلك ولكنه تفاعل بين المتكلمين الأفراد والجماعات، وهو ما يجعلنا نفكر في مسألة إضافية أخرى تسهل هذا التواصل بل وتمكّنه. فلما كانت الابتكارات اللغوية لا تصبح تطورًا لغويًا كاملًا يدخل في استعمال الناس إلا عندما يتعلمه المتكلمون فإننا نتكلم هنا عن التطور اللغوي باعتباره تعلمًا للغة، نحن نعرف اليوم من واقع الدراسات اللغوية النفسية أن خبرات تعلم اللغة سابقًا بما فيها تعلم اللغة الأم تشترك مع العوامل الخارجية لتحدد ما إن كانت عملية عقلية لغوية لتتم أم لا وإن كانت لتتم كيف لها أن تتم، كما أن تلك الخبرة السابقة تسهم في سرعة التعلم (جارفيس وبافلينكو 2008 ص 12)، وينطبق هذا الكلام أيضًا على اكتساب التركيب اللغوي المفرد فقد تسمح بتعلمه أو تشجع على تعلمه واكتسابه أو قد تمنع هذا التعلم، أما مصدر التطور اللغوي أو ابن اللغة الهدف لو كنا نتكلم عن حالة تعلم لغة ثانية فهو عنصر فاعل ومسهم من خلال تصوراته عن التراوح اللغوي، كما أن له بعض التصورات عن التراكيب في لغته تؤثر في الابتكار والتطور والتغير اللغوي، كما أن ابن اللغة لا يكتسب لغته الأم بالوراثة مثل الشعر ولون العينين والبشرة ولكنه يكتسبها من خلال التفاعل الاجتماعي والتواصل مع آخرين.
نحن نفترض هنا أن ابن اللغة يتعلم لغته من النقل عن شبكته الاجتماعية. هنا تحدث بعض الاختلافات، أي أن عملية التعلم تحدث بشكل غير كامل لمادة لغوية قد تكون مختلفة ولو قليلًا عنها عندما صدرت من مصدرها الأصلي عن طريق عمليات عقلية غير واعية (جونز وسينغ 2005 ص18) تتسبب في حدوث ابتكارات لغوية قد تستقر في اللهجة الشخصية للمتكلم، ولذلك فنظريات تعلم اللغة الثانية وتعلم اللغة الأولى قد تكون رابطًا ممتازًا بين اللغة في شكلها المعاصر السينكروني وإمكانية الابتكار (كيبارسكي 2008 ص23)، بالرغم من أن عملية التعلم كما نصفها هنا تحدث بشكل طبيعي تلقائي ولا تحدث في صفّ دراسي؛ فإنّ لها محدداتها وهي عادة محددات تركيبية عقلية. لا يجب للقارئ الكريم أن يتصور هنا أن هذا الطرح البنيوي يستبعد الإمكانيات الكبيرة للوظائف اللغوية من حيث التطور، فتجد أن النظريات التوليدية للتطور اللغوي تعتبر الجانب الوظيفي من اللغة قسمًا أيضًا من السليقة اللغوية عند الفرد (كيبارسكي 2008 ص25)، ولذلك إن كانت اللغة لتبتكر فيجب أن تبتكر أولا على مستوى النحو العقلي في كل فرد متكلم فينا(13) وتنقله الأجيال بتعلم اللغة الأم.
سأقدم هنا مثلًا واحدًا على الابتكار عند ابن اللغة في سليقته اللغوية، وهو مثل جدير بالتحليل، عندما نتكلم عن التغير اللغوي في علم اللغة التاريخي فنحن نركز على عمليتين عقليتين هما: التماثل وإعادة التحليل، بالرغم من أن تفاصيل العمليتين ليست مهمة لنا هنا إلا أنه من المهم أن نقول إن المتكلم يطبق تركيبًا لغويًا ما من خلال التوسع بالتماثل أكبر من وظيفته العادية وقد يكون هذا في مجال الأصوات والمورفيمات أو التراكيب، هذا التوسيع الوظيفي يحدث عندما يكون في اللغة عدد من السمات التي تؤدي نفس الوظيفة أو وظائف قريبة الشبه، وكثيرًا ما يحدث مثل هذا العمل على مستوى الأنظمة؛ حيث يجعل التماثل النظام متساويًا ومتناسقًا بعد أن مر بمرحلة تطور ما، فعندما يحدث تغير لغوي في صوت ما يؤثر هذا التغير في نظام صرفي معين فإنه يخلق صورًا مورفيمية في هذا النظام لم تكن موجودة من قبل، هذه الصور متشابهة في الوظيفة أو متماثلة ولكنها تخضع للتسوية بالتماثل ليستقيم النظام.
عملية إعادة التحليل هي عملية يترك التركيب بمقتضاها وظيفته القديمة التقليدية ويكتسب وظيفة جديدة، من بين أفضل الأمثلة في العربية الفعل العربي «راح» وهو فعل مساعد الآن بينما كان سابقًا فعلًا عاديًا بمعنى «ذهب»، ولكن تمت إعادة تحليل الفعل ليصبح فعلًا مساعدًا يأتي قبل الفعل المضارع غالبًا، بإضافة هذا الفعل قبل فعل آخر نحن نركب زمنًا نحويًّا إضافيًا على زمن الفعل الأصلي، خذ مثلا الفعل «وزن» في شكله المضارع «يزن» الذي يحمل زمنًا فعليًا بسيطًا ولكن إن أضفنا «راح» قبله ليصبح «راح يزن» فهو يعني أن الفعل سيحدث في المستقبل القريب جدًا.
يجب أن نفهم هنا بكل وضوح أن المسائل الإيكولوجية لا تعني التواصل بين لغتين أو نمطين لغويين أو أكثر من ذلك ولكنه تفاعل بين المتكلمين الأفراد والجماعات، وهو ما يجعلنا نفكر في مسألة إضافية أخرى تسهل هذا التواصل بل وتمكّنه. فلما كانت الابتكارات اللغوية لا تصبح تطورًا لغويًا كاملًا يدخل في استعمال الناس إلا عندما يتعلمه المتكلمون فإننا نتكلم هنا عن التطور اللغوي باعتباره تعلمًا للغة، نحن نعرف اليوم من واقع الدراسات اللغوية النفسية أن خبرات تعلم اللغة سابقًا بما فيها تعلم اللغة الأم تشترك مع العوامل الخارجية لتحدد ما إن كانت عملية عقلية لغوية لتتم أم لا وإن كانت لتتم كيف لها أن تتم، كما أن تلك الخبرة السابقة تسهم في سرعة التعلم (جارفيس وبافلينكو 2008 ص 12)، وينطبق هذا الكلام أيضًا على اكتساب التركيب اللغوي المفرد فقد تسمح بتعلمه أو تشجع على تعلمه واكتسابه أو قد تمنع هذا التعلم، أما مصدر التطور اللغوي أو ابن اللغة الهدف لو كنا نتكلم عن حالة تعلم لغة ثانية فهو عنصر فاعل ومسهم من خلال تصوراته عن التراوح اللغوي، كما أن له بعض التصورات عن التراكيب في لغته تؤثر في الابتكار والتطور والتغير اللغوي، كما أن ابن اللغة لا يكتسب لغته الأم بالوراثة مثل الشعر ولون العينين والبشرة ولكنه يكتسبها من خلال التفاعل الاجتماعي والتواصل مع آخرين.
نحن نفترض هنا أن ابن اللغة يتعلم لغته من النقل عن شبكته الاجتماعية. هنا تحدث بعض الاختلافات، أي أن عملية التعلم تحدث بشكل غير كامل لمادة لغوية قد تكون مختلفة ولو قليلًا عنها عندما صدرت من مصدرها الأصلي عن طريق عمليات عقلية غير واعية (جونز وسينغ 2005 ص18) تتسبب في حدوث ابتكارات لغوية قد تستقر في اللهجة الشخصية للمتكلم، ولذلك فنظريات تعلم اللغة الثانية وتعلم اللغة الأولى قد تكون رابطًا ممتازًا بين اللغة في شكلها المعاصر السينكروني وإمكانية الابتكار (كيبارسكي 2008 ص23)، بالرغم من أن عملية التعلم كما نصفها هنا تحدث بشكل طبيعي تلقائي ولا تحدث في صفّ دراسي؛ فإنّ لها محدداتها وهي عادة محددات تركيبية عقلية. لا يجب للقارئ الكريم أن يتصور هنا أن هذا الطرح البنيوي يستبعد الإمكانيات الكبيرة للوظائف اللغوية من حيث التطور، فتجد أن النظريات التوليدية للتطور اللغوي تعتبر الجانب الوظيفي من اللغة قسمًا أيضًا من السليقة اللغوية عند الفرد (كيبارسكي 2008 ص25)، ولذلك إن كانت اللغة لتبتكر فيجب أن تبتكر أولا على مستوى النحو العقلي في كل فرد متكلم فينا(13) وتنقله الأجيال بتعلم اللغة الأم.
سأقدم هنا مثلًا واحدًا على الابتكار عند ابن اللغة في سليقته اللغوية، وهو مثل جدير بالتحليل، عندما نتكلم عن التغير اللغوي في علم اللغة التاريخي فنحن نركز على عمليتين عقليتين هما: التماثل وإعادة التحليل، بالرغم من أن تفاصيل العمليتين ليست مهمة لنا هنا إلا أنه من المهم أن نقول إن المتكلم يطبق تركيبًا لغويًا ما من خلال التوسع بالتماثل أكبر من وظيفته العادية وقد يكون هذا في مجال الأصوات والمورفيمات أو التراكيب، هذا التوسيع الوظيفي يحدث عندما يكون في اللغة عدد من السمات التي تؤدي نفس الوظيفة أو وظائف قريبة الشبه، وكثيرًا ما يحدث مثل هذا العمل على مستوى الأنظمة؛ حيث يجعل التماثل النظام متساويًا ومتناسقًا بعد أن مر بمرحلة تطور ما، فعندما يحدث تغير لغوي في صوت ما يؤثر هذا التغير في نظام صرفي معين فإنه يخلق صورًا مورفيمية في هذا النظام لم تكن موجودة من قبل، هذه الصور متشابهة في الوظيفة أو متماثلة ولكنها تخضع للتسوية بالتماثل ليستقيم النظام.
عملية إعادة التحليل هي عملية يترك التركيب بمقتضاها وظيفته القديمة التقليدية ويكتسب وظيفة جديدة، من بين أفضل الأمثلة في العربية الفعل العربي «راح» وهو فعل مساعد الآن بينما كان سابقًا فعلًا عاديًا بمعنى «ذهب»، ولكن تمت إعادة تحليل الفعل ليصبح فعلًا مساعدًا يأتي قبل الفعل المضارع غالبًا، بإضافة هذا الفعل قبل فعل آخر نحن نركب زمنًا نحويًّا إضافيًا على زمن الفعل الأصلي، خذ مثلا الفعل «وزن» في شكله المضارع «يزن» الذي يحمل زمنًا فعليًا بسيطًا ولكن إن أضفنا «راح» قبله ليصبح «راح يزن» فهو يعني أن الفعل سيحدث في المستقبل القريب جدًا.
صفحة 9
يقوم هذا التصور ثلاثي الأبعاد للإيكولوجيا اللغوية على فكرة أن المتكلم الفرد يبتكر في لغته لسبب فردي خاص كأن يجري عملية مماثلة بناء على تعلم غير كامل أو سبب اجتماعي كأن يحاول مسايرة وظيفة تواصلية جديدة من خلال عملية إعادة التحليل، يجب أن يصبح هذا الابتكار مقبولًا في النظم اللغوية المتاحة للفرد المبتكر نفسه فيصبح جزءًا من الإيكولوجيا الداخلية للفرد المتكلم، وإن تم هذا يصبح العنصر الجديد واحدًا من عدد ما من العناصر التي تتنافس فيما بينها للتعبير عن وظيفة لغوية أو تواصلية معينة، فبمجرد أن يستخدم المبتكر ابتكاره اللغوي في الجماعة اللغوية التي يشترك فيها والبيئة الاجتماعية التي يتحرك فيها يتنافس العنصر المبتكر مع بقية العناصر في نفس التعبير الوظيفي، وهنا تفضل الجماعة اللغوية عنصرًا واحدًا على بقية العناصر فتنتخبه للاستخدام بحسب الإيكولوجيا الخارجية التي يتعرض لها هذا العنصر، أما العناصر التي لم يتم انتخابها فإما أنها تبقى في موقع مهمش أو تحصل على وظيفة تواصلية أو لغوية متخصصة أو تذهب للإهمال، أما العنصر المختار فينتشر بالتعلم بين الأطفال الذين يتعلمون لغتهم الأم وبالمسايرة بين البالغين، وفي هذه اللحظة فقط يصبح هذا الابتكار تطورًا لغويًا.
إن الارتقاء اللغوي إذن هو عملية منافسة بين ابتكارات لغوية على نفس الوظيفة التواصلية أو اللغوية، وتنجح في تلك المنافسة لتدخل في النظم اللغوية للفرد المتكلم، هنا يصبح التطور اللغوي مفهومًا مهمًا في عملية التغير اللغوي كلها، التطور اللغوي هو العملية التي قدمتها في الفقرات السابقة أي الابتكار والارتقاء، وهي عملية مستمرة تشمل التراكيب المفردة والنظم معًا، أما الابتكار فلا، إذ إنه مجموعة من السمات اللغوية أو سلسلة منها أو حتى سمة واحدة تعبر عن وظيفة لغوية ورثتها من سمة سابقة، أي أنه خرق للتوازن العشوائي القائم بين الشكل اللغوي والمعنى، عملية التطور اللغوي وعملية الابتكار وما ينتج عنهما هو التغير اللغوي عمومًا. الغرض من هذا الكتاب إذن أن نقدم الإيكولوجيا الداخلية اللغوية والخارجية غير اللغوية التي تمثل بوتقة ارتقاء العربية في فترة ما بعد ظهور الإسلام والفتوحات العربية.
تختلف فكرة الارتقاء التي نقدمها هنا عن فكرة الارتقاء في القرن التاسع عشر قبل داروين والفكرة البيولوجية الداروينية في القرن العشرين التي تكلم عنها ماكماهون (1994 ص 315-314)، كان هناك في القرن التاسع عشر تصور يشيع أن اللغة كائن حي، وقد كان الارتقاء لذلك انتقالًا لسمات تلك اللغة من مرحلة لمرحلة أخرى أكثر نضجًا ومن مرحلة النضج تلك لمرحلة الذبول والأفول كأي كائن حي، من بين أدعياء تلك النظرية بوب وشلايشر وغيرهما؛ إذ كانوا يستخدمون تلك الفكرة لاستشراف مصير اللغات، ولكن تلك الجماعة من اللغويين لم تستخدم قواعد الارتقاء التي وضعها علماء الأحياء بالرغم من أنهم كانوا يفكرون بمنطق تحويلي كل الوقت(14) إلا أن تصورهم عن اللغة باعتبارها كائنًا حيًّا لم يمكنهم من تصور كيفية هذا التحول، ولذلك لم يكن من الممكن للتغير اللغوي أن يحدث في إطار النظريات الداروينية دون التنوع والانتخاب.
لقد كان هناك أيضًا تصور آخر للارتقاء وهو أنه سلسلة تراكمية من الابتكارات في اتجاه معين ليس بالضرورة اتجاهًا من البدائية للتقدم، الارتقاء إذن سلسلة من التغيرات الصغيرة على مستويات لغوية مختلفة وفي أنساق مختلفة عبر فترة زمنية ما في اتجاه تركيب لغوي معين أو مفهوم خاص باللغة محل البحث، ولذلك فقد استطاع علم اللغة التاريخي أن يفسر تنقل تركيب لغوي معين عبر عدد من المراحل التي حدثت في متوالية والتي أدت للشكل الحاضر للتركيب محل البحث، هذه السلسلة العلية ما هي إلا تمرين عقلي غير ضار لرسم التغيرات اللغوية في شكل خريطة معينة، ولكن الضار في المسألة هو بعض التفسيرات التي تقدمها تلك النظرة لتفسير بعض التطورات التي تحدث لكي يحصل تبسيط في التعبير بشكل صوتي أو صرفي أو نحوي، هذه التفسيرات العلية للارتقاء لها عيبان سنذكرهما هنا لأنهما يلقيان الضوء على ارتقاء العربية.
أولا: كانت هناك سمتان صوتيتان في اللهجات العربية في الجاهلية وخاصة في الحجاز، الظاهرة الأولى هي غياب المماثلة في أصوات اللين والتي كانت تميز اللهجات الشرقية وعربية القرآن الكريم (الشرقاوي 2008 ص691)، وأما الظاهرة الثانية فهي وجود صوت لين قصير إضافي بين كل صائتين على حدود المقطع أي في آخره أو أوله (الشرقاوي 2008 ص695)، ولو كان الباحث يتصور أن الارتقاء اللغوي مسألة مكونة من سلسلة من التغيرات الهادفة لتصورنا أن ظاهرة تماثل أصوات اللين هي ظاهرة من ظواهر المماثلة عمومًا ولذلك يجب أن يكون الغرض اللغوي الواعي هو منع المماثلة ومن هنا يصبح من المنطقي أن نتصور أن صوت اللين الزائد بين الصائتين المقطعيين أمر ناتج نتيجة مباشرة من غياب التماثل في أصوات اللين، أي أننا يمكننا أن نقول إن غياب التماثل في أصوات اللين والصوت الزائد هما نتيجة مباشرة للقرار اللغوي المسبق بمنع المماثلة بغية التعبير اللغوي الأوضح، ويمكننا بهذه الطريقة أن نتصور أن اللهجات الحجازية الغربية كانت تتجه نحو تعبير لفظي صوتي أوضح وأكمل لكل فونيم بينما لا تتجه اللهجات الشرقية نفس المسلك، كما يمكننا أن نجد في بقية الظواهر الصوتية إشارات لنفس المسلك إذ كانت اللهجات الحجازية مثلا تحتفظ بنفس طول صوت اللين في نهاية الكلمة وفي منتصفها أيضًا (الشرقاوي 2008 ص691).
ليس هناك دليل لغوي مباشر على وجود تلك العلاقة العلية بالرغم من منطقية التفسير السابق، فالأدلة التي يقدمها لنا البحث في علم اللغة التاريخي غامضة وليست مقنعة في أحسن الأحوال، فالنماذج اللغوية الموجودة بين أيدينا عن الظاهرتين السابقتين تأتي من فترة زمنية واحدة وليس عندنا مثل لظاهرة من الظاهرتين في فترة أسبق حيث لا توجد الظاهرة الأخرى، بالإضافة لهذا لو افترضنا أن التطورات اللغوية السابقة لها غرض وهدف فإن هذا يعني أن اللغة كائن حي له إرادته وعقله، في هذه الحالة يجب أن تسعى اللغة للأحسن وهذا يعني أن هناك بعض اللغات التي تسعى للأحسن فتبتكر وتغير من تراكيبها لتصل لأفضل صورة ممكنة فتصل للكمال التعبيري، وبالتالي فإن اللغات الأخرى التي تمتلك نفس الظواهر اللغوية ولا تتخذ قرار الابتكار والتطور أو تتخذ قرارًا معاكسًا لا تسعى للكمال التعبيري والنضج التواصلي، مثل هذا التفكير هو ما يقودنا للنظريات غير المؤسسة والتي كانت سائدة في أواخر القرن الثامن عشر وبدايات التاسع عشر، والتي تقول إن بعض اللغات الإنسانية أحسن من الأخرى بشكل مبدئي، وإن كانت الإرادة التي تصنع الابتكار اللغوي هي إرادة المتكلم فيجب أن نفكر أن المتكلم سيرمي دائمًا للأحسن والكمال التعبيري والتركيبي، ولكن إن كان الحال كذلك فكيف يفسر الباحثون غياب التماثل والصوت الزائد من بعض اللهجات وحضورهما في غيرها؟ هل يعني هذا أن المتكلمين في تلك اللهجات لا يريدون تجويد أنماطهم اللغوية؟ وهل يعرف المتكلم بشكل واع ما الطرق التي يستطيع بها إصلاح أنماطه اللغوية التعبيرية؟
إن الارتقاء اللغوي إذن هو عملية منافسة بين ابتكارات لغوية على نفس الوظيفة التواصلية أو اللغوية، وتنجح في تلك المنافسة لتدخل في النظم اللغوية للفرد المتكلم، هنا يصبح التطور اللغوي مفهومًا مهمًا في عملية التغير اللغوي كلها، التطور اللغوي هو العملية التي قدمتها في الفقرات السابقة أي الابتكار والارتقاء، وهي عملية مستمرة تشمل التراكيب المفردة والنظم معًا، أما الابتكار فلا، إذ إنه مجموعة من السمات اللغوية أو سلسلة منها أو حتى سمة واحدة تعبر عن وظيفة لغوية ورثتها من سمة سابقة، أي أنه خرق للتوازن العشوائي القائم بين الشكل اللغوي والمعنى، عملية التطور اللغوي وعملية الابتكار وما ينتج عنهما هو التغير اللغوي عمومًا. الغرض من هذا الكتاب إذن أن نقدم الإيكولوجيا الداخلية اللغوية والخارجية غير اللغوية التي تمثل بوتقة ارتقاء العربية في فترة ما بعد ظهور الإسلام والفتوحات العربية.
تختلف فكرة الارتقاء التي نقدمها هنا عن فكرة الارتقاء في القرن التاسع عشر قبل داروين والفكرة البيولوجية الداروينية في القرن العشرين التي تكلم عنها ماكماهون (1994 ص 315-314)، كان هناك في القرن التاسع عشر تصور يشيع أن اللغة كائن حي، وقد كان الارتقاء لذلك انتقالًا لسمات تلك اللغة من مرحلة لمرحلة أخرى أكثر نضجًا ومن مرحلة النضج تلك لمرحلة الذبول والأفول كأي كائن حي، من بين أدعياء تلك النظرية بوب وشلايشر وغيرهما؛ إذ كانوا يستخدمون تلك الفكرة لاستشراف مصير اللغات، ولكن تلك الجماعة من اللغويين لم تستخدم قواعد الارتقاء التي وضعها علماء الأحياء بالرغم من أنهم كانوا يفكرون بمنطق تحويلي كل الوقت(14) إلا أن تصورهم عن اللغة باعتبارها كائنًا حيًّا لم يمكنهم من تصور كيفية هذا التحول، ولذلك لم يكن من الممكن للتغير اللغوي أن يحدث في إطار النظريات الداروينية دون التنوع والانتخاب.
لقد كان هناك أيضًا تصور آخر للارتقاء وهو أنه سلسلة تراكمية من الابتكارات في اتجاه معين ليس بالضرورة اتجاهًا من البدائية للتقدم، الارتقاء إذن سلسلة من التغيرات الصغيرة على مستويات لغوية مختلفة وفي أنساق مختلفة عبر فترة زمنية ما في اتجاه تركيب لغوي معين أو مفهوم خاص باللغة محل البحث، ولذلك فقد استطاع علم اللغة التاريخي أن يفسر تنقل تركيب لغوي معين عبر عدد من المراحل التي حدثت في متوالية والتي أدت للشكل الحاضر للتركيب محل البحث، هذه السلسلة العلية ما هي إلا تمرين عقلي غير ضار لرسم التغيرات اللغوية في شكل خريطة معينة، ولكن الضار في المسألة هو بعض التفسيرات التي تقدمها تلك النظرة لتفسير بعض التطورات التي تحدث لكي يحصل تبسيط في التعبير بشكل صوتي أو صرفي أو نحوي، هذه التفسيرات العلية للارتقاء لها عيبان سنذكرهما هنا لأنهما يلقيان الضوء على ارتقاء العربية.
أولا: كانت هناك سمتان صوتيتان في اللهجات العربية في الجاهلية وخاصة في الحجاز، الظاهرة الأولى هي غياب المماثلة في أصوات اللين والتي كانت تميز اللهجات الشرقية وعربية القرآن الكريم (الشرقاوي 2008 ص691)، وأما الظاهرة الثانية فهي وجود صوت لين قصير إضافي بين كل صائتين على حدود المقطع أي في آخره أو أوله (الشرقاوي 2008 ص695)، ولو كان الباحث يتصور أن الارتقاء اللغوي مسألة مكونة من سلسلة من التغيرات الهادفة لتصورنا أن ظاهرة تماثل أصوات اللين هي ظاهرة من ظواهر المماثلة عمومًا ولذلك يجب أن يكون الغرض اللغوي الواعي هو منع المماثلة ومن هنا يصبح من المنطقي أن نتصور أن صوت اللين الزائد بين الصائتين المقطعيين أمر ناتج نتيجة مباشرة من غياب التماثل في أصوات اللين، أي أننا يمكننا أن نقول إن غياب التماثل في أصوات اللين والصوت الزائد هما نتيجة مباشرة للقرار اللغوي المسبق بمنع المماثلة بغية التعبير اللغوي الأوضح، ويمكننا بهذه الطريقة أن نتصور أن اللهجات الحجازية الغربية كانت تتجه نحو تعبير لفظي صوتي أوضح وأكمل لكل فونيم بينما لا تتجه اللهجات الشرقية نفس المسلك، كما يمكننا أن نجد في بقية الظواهر الصوتية إشارات لنفس المسلك إذ كانت اللهجات الحجازية مثلا تحتفظ بنفس طول صوت اللين في نهاية الكلمة وفي منتصفها أيضًا (الشرقاوي 2008 ص691).
ليس هناك دليل لغوي مباشر على وجود تلك العلاقة العلية بالرغم من منطقية التفسير السابق، فالأدلة التي يقدمها لنا البحث في علم اللغة التاريخي غامضة وليست مقنعة في أحسن الأحوال، فالنماذج اللغوية الموجودة بين أيدينا عن الظاهرتين السابقتين تأتي من فترة زمنية واحدة وليس عندنا مثل لظاهرة من الظاهرتين في فترة أسبق حيث لا توجد الظاهرة الأخرى، بالإضافة لهذا لو افترضنا أن التطورات اللغوية السابقة لها غرض وهدف فإن هذا يعني أن اللغة كائن حي له إرادته وعقله، في هذه الحالة يجب أن تسعى اللغة للأحسن وهذا يعني أن هناك بعض اللغات التي تسعى للأحسن فتبتكر وتغير من تراكيبها لتصل لأفضل صورة ممكنة فتصل للكمال التعبيري، وبالتالي فإن اللغات الأخرى التي تمتلك نفس الظواهر اللغوية ولا تتخذ قرار الابتكار والتطور أو تتخذ قرارًا معاكسًا لا تسعى للكمال التعبيري والنضج التواصلي، مثل هذا التفكير هو ما يقودنا للنظريات غير المؤسسة والتي كانت سائدة في أواخر القرن الثامن عشر وبدايات التاسع عشر، والتي تقول إن بعض اللغات الإنسانية أحسن من الأخرى بشكل مبدئي، وإن كانت الإرادة التي تصنع الابتكار اللغوي هي إرادة المتكلم فيجب أن نفكر أن المتكلم سيرمي دائمًا للأحسن والكمال التعبيري والتركيبي، ولكن إن كان الحال كذلك فكيف يفسر الباحثون غياب التماثل والصوت الزائد من بعض اللهجات وحضورهما في غيرها؟ هل يعني هذا أن المتكلمين في تلك اللهجات لا يريدون تجويد أنماطهم اللغوية؟ وهل يعرف المتكلم بشكل واع ما الطرق التي يستطيع بها إصلاح أنماطه اللغوية التعبيرية؟
صفحة 10
2 - ما اللغة؟
لما كنا قد عرفنا الارتقاء اللغوي والإيكولوجيا بما فيها السلوك البشري في المسألة؛ فإنه من الممكن بل والمهم الآن أن نتكلم عن المستخدم الفرد باعتباره مصدر اللغة كلها وليس تطورها فقط، ننظر للغة هنا باعتبارها ظاهرة نظرية هي مجموعة من الرموز التي يمكن ضمها في أنساق بالإضافة لكل رمز لغوي في النسق هناك قواعد تحكم سلوك تلك الرموز منفصلة وفيما بينها كما توجد قواعد للعلاقات بين الأنساق بعضها مع البعض الآخر، هناك مستويان من التنظير يمكننا التعامل معهما هنا للتحليل، المستوى الأول هو مستوى اللغة الفردية الذي يعني أن كل فرد في الجماعة اللغوية يمتلك نسخته الخاصة من الرموز اللغوية المكونة للأنساق التي تجتمع فتشكل اللغة، المستوى التنظيري الثاني هنا هو التجميع الكلي لمحصلة اللغات الشخصية واستخلاص مجموعة من الرموز اللغوية والأنساق النظرية التي يصطلح المتكلمون على أنها وحدها وليس اللغات الشخصية هي ما يمثل اللغة التي يتصور الجميع أنهم يتكلمونها، اللغة إذن هي نمط تنظيري يوجد فقط في عقل جماعة المتكلمين وليس في إنتاجهم اللغوي، أي أنه لا يمكن أن يكون موجودًا في العالم الواقعي بشكل منفصل إلا في الكتب، بهذا يمكن لأي مجموعة من الأنماط اللغوية الشخصية أن تُكَوّن فيما بينها لغة أو نمطًا لغويًا من الممكن أن يكون أساس التجمع جغرافيا ليكون المجموع نمطًا جغرافيًا، ومن الممكن أن تكون علة التجمع عاملًا اجتماعيًا ما ليكون المجموع لهجة اجتماعية، وبالتالي تتجمع التجمعات الجغرافية والاجتماعية الخاصة تلك في تمثيل نظري أكبر وهو اللغة.الأنماط اللغوية الفردية الخاصة ليست أنماطًا ثابتة بل تتغير بشكل مستمر لما يحدث فيها من عمليات اكتساب وتعلم وتطويع على المستوى الاجتماعي والجغرافي وفي السياقات التواصلية التي تستخدم فيها، ولذلك تجد الأنماط اللغوية الفردية تلك في حالة تغير تركيبي مستمرة لا تؤثر فيها وحدها، بل تؤثر في مستوى اللهجات الفردية الخاصة كلها والتجمع اللهجاتي الذي يمثل اللغة أو النمط اللغوي المستخدم في الجماعة اللغوية محل البحث. تفرد اللهجات الفردية على شقين، الشق الأول هو أن ابن اللغة يتعلم لغته الأم من خلال عملية تعلم طبيعية خارج الصف بشكل غير رسمي، فهي عملية تحدث بالتواصل مع البالغين والأقران من أصحاب الأنماط الفردية الخاصة المتفردة، هنا يمكننا أن نجر بابًا كبيرًا للابتكار اللغوي. الشق الثاني هو أن تعلم اللغة بشكل طبيعي خارج صفوف التعلم يحدث ليس بناء على قاعدة بيانات عقلية كامنة في العقل البشري يكتسبها جيل من جيل سبق، بل هي عملية تحدث بشكل غير مكتمل بل وخاطئ أحيانًا.
هذا التعريف للغة مناسب لدراستنا هنا فهو يستطيع أن يفسر التغير اللغوي الناتج عن عوامل دالية في الأنساق وبينها، ويستطيع أيضًا أن يفسر التطور اللغوي الحادث بفعل الاتصال بين اللغة محل الدراسة وأي لغة أو نمط لغوي آخر، فالابتكار التركيبي يحدث في المستوى الأول من التنظير أي مستوى النمط اللغوي الفردي؛ فالأفراد الذين يتعرضون لظروف فريدة ودوافع فريدة يبتكرون بشكل فريد من ناحية ويطوعون أنماطهم لابتكارات الآخرين بشكل فريد أيضًا، أما المستوى الثاني من التنظير وهو مستوى الجماعة اللغوية فهو المستوى الذي يشهد التراوح بين السمة المبتكرة والسمات المبتكرة الأخرى من ناحية وبين السمة المبتكرة والسمة التقليدية التي كانت تقوم بالوظيفة التركيبية والتواصلية في العقل الجمعي للجماعة اللغوية من ناحية أخرى. ومن خلال التفاعل بين المستويين يحدث التغير اللغوي. أما بالنسبة لدور العوامل الإيكولوجية في هذه العملية فهو الدور الذي يوفر سياقًا لتصعد الابتكارات من المستوى الفردي للنمط اللغوي المعتمد في الجماعة اللغوية ثم في اللغة كعنصر نظري كبير، وعندما يحدث هذا إن حدث طبعًا فإن العناصر الخارجية الإيكولوجية تساعد هذا الابتكار على أن ينتشر في الأنماط الاجتماعية والجغرافية المختلفة أو يقتصر عن بعضها وينتشر في بعضها أو يفنى فلا يصبح في اللغة تطور في السمة محل البحث.
ولكن لما كانت اللغة في حالة من الحركة المستمرة فإنها تشجع بعض الناس على تصورها في شكل عقلي غير مناسب، هذا التصور هو أن اللغة كائن حي يشبه أكثر ما يشبه الخلية الواحدة التي تنقسم وتنقسم بشكل لا متناه، وهذا تصور لا يتسق مع ما قدمنا من الأنماط الفردية التي تشكل نمطًا عامًا جغرافيًا أو اجتماعيًا والتي تدخل في نمط أعم هو اللغة كلها، فالخلية الواحدة لا يمكن أن تكون هي اللغة بل يجب أن تشبه النمط الفردي نفسه بالخلية فهو يتطور ويستمر في التطور لما لا نهاية، وبالتالي يجب أن يفكر القارئ الكريم في النمط الاجتماعي باعتباره جسمًا لكائن حي أو جنسًا في فصيلة، وأن يفكر في اللغة باعتبارها فصيلة كاملة من عدد من الأجناس أو الأنماط الاجتماعية والجغرافية، كل جنس منها ينقسم بدوره لأنماط فردية.