eKtab
EN ع
الجامعة اللبنانية - ثمرة نضال الطلاب والأساتذة
اقرأ عينة مجانية

الجامعة اللبنانية - ثمرة نضال الطلاب والأساتذة

بقلم إميل شاهين

صفحة 1
توطئة

من مدرسة خوري الضيعة
إلى الجامعة اللبنانية
ولدت في دار شمزين وهي قرية صغيرة على تلة، تحيطها الوديان من كل الجهات. لا منفس لها سوى على بلدة أميون عاصمة الكورة التي تبعد عنها ثلاثة كيلومترات لجهة الشرق. آنذاك لم تكن طريقها معبدة. بدأت دراستي عند خوري الضيعة الكاهن الياس الطيسون، وهو، رسمياً، كاهن أميون. كان رجلاً فاضلاً يحب العلم ويشجع عليه. انتقلت للدراسة في مدرسة أميون الرسمية ابتداء من الصف الثالث الابتدائي، وكان علينا مع أتراب لي أن نمشي سبعة كيلومترات ذهاباً وإياباً كل يوم. لم تكن لدينا وسيلة للنقل سوى أرجلنا. كنا نقضي فصل الشتاء بالرشح والسعال نتيجة أمطار السماء والأرض وفي المدرسة الرسمية توقع لي أستاذ الحساب مخائيل الحاج عبيد مستقبلاً واعداً.
باكراً بدأت أشارك في توزيع بيانات وصحف الحزب الشيوعي. كنت أطالع وبكثرة منذ أن تعلمت تهجئة الكلمات. كنت أقرأ كل ما أستطيع الحصول عليه من قصص ومجلات وجرائد.
كنت من تلامذة الرعيل الأول في تأسيس تكميلية أميون الرسمية، وكان لي زملاء أذكياء وجدّيون قمنا بنشاطات ثقافية وسياسية. أسسنا في المدرسة نادياً ثقافياً. كنا نجتمع كل يوم سبت بعد الظهر تحت إشراف أستاذ اللغة العربية (قومي سوري) أو أستاذ التاريخ (شيوعي). كنت أكتب مقالات لبعض الزملاء ليقرأوها في النادي. ولما جاء دوري كتبت مقالاً قارنت فيه بين المدرستين الوطنية والأجنبية. احتج الزملاء القوميون لتحيزي ضد المدرسة الأجنبية (تخرج مواطنين غرباء عن وطنهم). قد يكون احتجاجهم مقصوداً لأن نقاشات النادي تجري في غير صالحهم. وقع اشتباك بالأيدي والكراسي. وكان قبل ذلك بنحو أسبوعين قد صادر أستاذ العربي دفتري الإنشاء من إحدى الزميلات ودخل الصف يزبد ويتوعد: (أفكارك تسمم عقول التلاميذ). توجه نحوي بعصا. تدخل أحد الزملاء للدفاع عني وبدأ الخبيط. الأستاذ (الرياضي) رفض الشكوى. ولكن مدير المدرسة الخاضع لنفوذ القوميين أخذ يضايقني ويتقصدني. ذات مرة كنا ندخل الصف. استدعاني: لماذا تضحك، وأخذ يتوعد، ولما استدرت لمتابعة طريقي لحقني وضربني ضربة قوية على رقبتي أضاعت صوابي، مما استوجب (تأديبه). النتيجة طردي من المدرسة ومنعي من الترشّح لامتحانات شهادة البروفيه، وكان ذلك قبل أسابيع من موعد الامتحان.
في بداية كل عام دراسي (تشرين) كنا نتوقف عن الدراسة لمساعدة الأهل في جمع موسم الزيتون والعفار. هذا ما كان يؤمن لنا ثمن الكتب والثياب والمصروف. وفي أواخر السنة (أيار وبداية حزيران) كنا نستيقظ باكراً جداً لحلاشة (حصاد) الكرسنة والباقية والشعير، ومن ثم نعود إلى المنزل لتبديل ثيابنا وسريعاً إلى المدرسة قبل أن يدق الجرس. هذه كانت حال أكثرية تلاميذ ضيعتنا تلك الأيام. عندما طردت من مدرسة المعارف وحرمت من شهادة البروفيه عوَّض جدي عليَّ بمنحي (شهادة) أفضل حاصود قمح عرفه في حياته.
في العام الثاني لطردي دخلت المدرسة الوطنية الكورانية (مدرسة خاصة ومهمّة كانت قائمة في أميون آنذاك) في الصف الأول بكالوريا. قبلت من دون شهادة البروفيه نظراً لتفوقي خاصة في مادة الرياضيات. في هذه السنة تمكنت من حل مسألة رياضية كانت مطروحة على كل الأساتذة والطلاب في العالم الفرنكوفوني من خلال الكتاب السنوي (أنّال). في العام الثاني نشر الحل كما وضعته مع ذكر اسمي وفي امتحانات البكالوريا الفرع الأول علمي أكملت بمادة الأدب الفرنسي، ولم تنقذني علامة 60/60 بالرياضيات وعلامة 200/136 مع أن النجاح بعد علامة المساعدة 200/94. هكذا ضاعت سنة من عمري بسبب اللغة الفرنسية. شهادة الرياضيات درستها (في ثانوية الحدادين الرسمية) في طرابلس.
بعد القسم الثاني تقدمت إلى المدرسة الحربية. كانت علاماتي في الذكاء وسرعة الخاطر والرياضة كاملة غير مفجومة، أما في المواد العلمية فكنت الأول. غير أن تقرير الأمن العام كان يشير إلى انتمائي الحزبي. أحد أعضاء اللجنة الفاحصة وهو صديق لقريب لي أخبره بأنه مع هكذا تقرير للأمن العام لا يمكن قبولي، مما دفع الأهل لزيارة وجيه أميوني ليتوسط مع صهره مدير الأمن العام. هكذا أصبح سجلي نظيفاً وقبلت في المدرسة الحربية.غير أن (المحبين) الكثر سارعوا إلى الوشاية، فتمّ طردي وأضعت سنة ثانية من عمري. العام التالي تقدمت إلى مباراة في التخصص الهندسي. حالفني الحظ بالمرتبة الأولى، ولكنني أبعدت بحجة التوازن الطائفي. وأخيراً تقدمت إلى امتحانات معهد المعلمين العالي قسم الرياضيات حيث لا مكان للواسطة ولا للتوازن الطائفي ولا للانتماء السياسي. المرتبة الأولى خولتني حق الحصول على بطاقة طالب في الجامعة اللبنانية. كان ذلك في العام الدراسي 1961 - 1962.
صفحة 2
هـذا الكتـاب

إلى روح الشهيد
فرج الله حنين
النضال من أجل إنشاء الجامعة اللبنانية شكل جزءاً مهما من النضال العام الهادف إلى استكمال الاستقلال السياسي ببناء الدولة العصرية القائمة على العدل والقانون. هذا النضال اصطدم منذ اليوم الأول لولادة الاستقلال بالطبقة الحاكمة التي ورثت كامل سلطة المندوب السامي الفرنسي بعد أن كانت تتمتع بالحكم الشكلي تحت سيطرته. هذه الطبقة بدل أن تكمل مسيرة الاستقلال المظفرة بالعمل على إقامة مؤسسات دولة تطمئن الشعب إلى يومه وغده، إذ بها تحوّل لبنان إلى مزرعة يتمتع في خيراتها زعماء القبائل والطوائف والعائلات، ضاربةً عرض الحائط بمصالح الجماهير صانعة الاستقلال. إذاً من اليوم الأول للاستقلال بدأ الصراع بين اتجاهين: اتجاه يريد بناء لبنان الوطن واتجاه يريده مزرعة. هذا الصراع لم يحسم حتى تاريخه، وإن كانت الارجحية للاتجاه الثاني لأنّ كل التسويات المصطنعة بين زعماء الطوائف لم تنتج سوى الحروب، ولاتزال الطبقة الحاكمة تدور في دوامة التسويات الطائفية. هذا الصراع بدأ مع العهد الاستقلالي الأول (بشارة الخوري) إذ إنه كان عهد فساد وأزلام، ومع ذلك تمكنت الحركة العمالية بقيادة المناضل الشيوعي مصطفى العريس عام 1946 من فرض أول قانون عمل خارج القارة الأوروبية. كما تمكنت الحركة الطالبية وبدعم من القوى الحية في الشعب اللبناني، وبعد تظاهرات دموية من فرض إنشاء دار المعلمين العليا كأول نواة للجامعة اللبنانية. زوّروا الانتخابات ليستطيعوا التجديد له، ولكن الشعب اللبناني استطاع أن يقصي بشارة الخوري عن الحكم بعد تظاهرات عادية وسلمية ولم يكمل ولايته الثانية .
أما العهد الاستقلالي الثاني (كميل شمعون) فكان أكثر فساداً وعنفاً بحيث تميز بانحيازه إلى معسكر الرجعية العربية، وإلى تآمره على الدول العربية التحررية (سوريا ومصر). لقد سار في ركاب الأحلاف العسكرية الاستعمارية مما انعكس قمعاً للحريات العامة والحريات الصحفية وتزويراً فاضحاً للانتخابات النيابية. وبدل أن يعير الجامعة اللبنانية الفتية انتباهه ختم أبوابها بالشمع الأحمر. لكن الشعب اللبناني كان أقوى منه، إذ إنه بعد أحداث دامية دامت ستة أشهر تمكن من منعه من التجديد.
العهد الاستقلالي الثالث (فؤاد شهاب) كان وحتى تاريخه العهد الوحيد الذي حاول أن يبني مؤسسات لدولة عصرية: مجلس الخدمة المدنية، البنك المركزي، التفتيش المالي والإداري، الضمان الاجتماعي، مؤسسات مياه وكهرباء لبنان، المشروع الأخضر وكثير غيرها. وكان طبيعياً لمن يحاول بناء مؤسسات دولة أن يولي اهتمامه بالجامعة اللبنانية، فيصدر في العام الأول من عهده مراسيم إنشاء كليات العلوم والآداب والحقوق والعلوم الاجتماعية مما كرس عملياً قيام الجامعة اللبنانية. كثر يعتبرون (عام 1959) التاريخ الفعلي لتأسيس الجامعة اللبنانية؛ كل العهود التالية أهملت الجامعة اللبنانية، ولكن نضال طلابها وأساتذتها المدعوم بأوسع تحرك من طلاب وأساتذة الجامعات الخاصة والنقابات العمالية والأحزاب التقدمية قد نجح في انتزاع قوانين وأنظمة ومكاسب جعلت من الجامعة اللبنانية قبلة أنظار طلاب لبنان والعالم العربي.
إن إنشاء بعض الكليات والمعاهد النظرية، مع أهميته، لايزال بعيداً عن المقومات والمهمات المتوخاة من الجامعة إذ ينقصها إنشاء كليات تطبيقية من هندسة وطب وغيرها. إن إنشاء هكذا كليات لم يكن وارداً في برامج الحكومات المتعاقبة ولا في ذهن رئيس الجامعة الدكتور فؤاد افرام البستاني؛ كل همهم كان أن لا تغضب الجامعات الأجنبية، ومن هم وراءها، من قيام كليات تطبيقية تضارب على الموجود من كلياتها. من هنا كان المطلب الأول الملح للحركة الطالبية: إنشاء كليات تطبيقية من طب وهندسة. ثم إن وجود كليات ومعاهد يتطلب قانوناً للجامعة ينظم هيكليتها الإدارية والأكاديمية والمالية ويعطيها الاستقلالية والشخصية المعنوية. فكان مطلب أهل الجامعة الثاني: قانون تنظيم الجامعة، ومن ضمنه الإقرار بمجالس تمثيلية تشرك الأساتذة والطلاب في إدارتها وتطويرها.
إن وجود الكليات والمعاهد يعني المزيد من الطلاب والأساتذة والإداريين. وهذا يستدعي وجود المزيد من الأبنية ومواقع للدراسة والمنامة والنشاطات المتنوعة. أما الموجود من الأبنية، وبعضه ثكنات من مخلفات الجيش الفرنسي، فإنه غير كافٍ وغير صالح ليستقبل مؤسسات جامعية. من هنا كان المطلب الثالث المحق:بناء مدينة جامعية.
هذه المطالب رفعتها الحركة الطالبية في وجه السلطات المتعاقبة، وتمكنت من تحقيق معظمها مطلباً وراء آخر نتيجة لخوضها نضالات متنوعة من إضرابات واعتصامات وتظاهرات شارك فيها دعماً كل طلاب وأساتذة جامعات لبنان إضافة لتأييد نقابات العمال والأحزاب التقدمية مما فرض على المسؤولين التجاوب واتخاذ قرار إنشاء المدينة الجامعية وتخصيص الأموال لشراء الأرض ووضع التصاميم ثم تنفيذ المرحلة الأولى ببناء كلية العلوم (عام 1969). وبعد الحرب جاءت المساعدات العربية المخصصة لتكملة مشروع المدينة الجامعية في الحدث. هكذا غدت الجامعة اللبنانية أكبر مؤسسات التعليم العالي في لبنان، وأصبحت صرحاً وطنياً يمد الوطن بالموظفين وبأساتذة التعليم الثانوي والجامعي، وبأهل الفكر والثقافة، كما أخذت تغني الحياة السياسية في البلد، إذ إن النضال الطويل من اجل إنشائها وتطويرها بلور تيارات فكرية وثقافية تلاقت مع التطلعات الشعبية في العمل من اجل بناء دولة عصرية ترسخ الاستقلال لمصلحة الشعب الكادح وجميع اللبنانيين.
إلا أن الأحداث اللبنانية وقعت عام (1975) مقطّعة أوصال الوطن ومعها قطّعت أوصال الجامعة اللبنانية، فنبتت فروع الأمر الواقع في (الشرقية) أولاً وانتشرت تباعاً في كل المحافظات اللبنانية مشكلة غيتوات جامعية مقفلة تتحكم فيها قوى الأمر الواقع من الميليشيات الطائفية والمذهبية. في 30 حزيران 1977 صدر مرسوم (التفريع) رقم 122 الذي يقضي بتشريع فروع للجامعة في كل المحافظات، ويسمح لرئيس الجامعة بأن ينوب عن مجلسها إذا تعذر اجتماعه. وتباعاً، ومع تقدم الحرب وعلى وقعها صدرت المراسيم التي عطلت قوانين الجامعة وصادرت استقلاليتها المالية والأكاديمية والإدارية، وأعطت رئيس الجامعة، وعملياً وزير التربية الوصي عليها ومن وراءه حرية تسيير أمور الجامعة بما فيها تعيين الأساتذة والموظفين.
زاد في تأزم مسار الجامعة تضاعف عدد طلابها مع مضاعفة مجالات الاختصاصات، وما سيتبع ذلك من ضرورة مضاعفة الكادرات العلمية والهيئات الإدارية والمباني الجامعية، وكذلك مضاعفة ميزانيتها. ولكن حكومات الطائف المتتالية قد عملت عكس ذلك، (وزير المالية بالوكالة ثم بالأصالة ثم رئيس الوزراء)، وباسم التقشف وعصر النفقات جرى تقليص ميزانيتها الشحيحة أصلاً بحيث تحولت الى ميزانية أجور ورواتب مما هدد قدرتها على الاستمرار في القيام بمهمتها الأكاديمية (ومنها الأبحاث العلمية والبعثات) وحتى الإدارية.
مع ازدياد أزمة حكومات السلم الأهلي (ما بعد الطائف) التفتت هذه السلطات إلى الجامعة اللبنانية ليس لمساعدتها بل لأنها وجدت فيها مرفقاً عاماً مهماً للتوظيف، تحشر فيها الأزلام والمحاسيب. ووجدت في تعطيل ما تبقى من قوانينها وأنظمتها فرصة للتخلص من المجالس التمثيلية واستقلاليتها كمؤسسة مما يسهل وضع اليد عليها وتحويلها من صرح للعلم إلى دكان يتقاسم المسؤولون فيه النفوذ ويتناتشون الحصص باسم التوازن وحقوق الطوائف. قد يكون هذا التوازن مقبولاً في التعيينات الإدارية أما أن يكون توازناً طائفياً بين أساتذة العلم فهذه بدعة لم يسبقهم إليها أحد في العالم. دكتور في الرياضيات مثلاً تصبح كفاءته في انتمائه لهذه الطائفة أو تلك أو عبر ولائه لهذا الزعيم أو ذاك. هكذا أصبح لكل زعيم تيار سياسي يضاف إلى الأحزاب والحركات الطائفية الميليشياوية التي أوجدتها الحرب اللبنانية، فيحتدم الصراع أو يقوم التحالف فيما بينها وفقاً لتحالف أو تضارب مصالح قياداتها. نتيجة لذلك تعطلت الحياة النقابية، إذ أصبحت رابطة الأساتذة المتفرغين متفرغة لغير مصالح الجامعة إلا قلة منهم وإذا رفعت مطلباً فإما رفعاً للعتب أو للضرورة القصوى. أما الحركة الطالبية، وهي كانت الأساس في نشوء الجامعة، فهي في وضع مزرٍ، إذ إن الاتحاد الوطني لطلبة الجامعة اللبنانية أصبح في خبر كان ولا توجد في الأفق إمكانية لإعاده إحيائه، لأن الطلاب كما البلد منقسمون طائفياً ومذهبياً، ولا توجد إرادة توحيدية لدى مختلف القوى المهيمنة على قرارات الطلاب. علماً أن الحركة الطالبية لم تقم منذ اندلاع الأحداث عام 1975 بأي تحرك يهم شؤون الجامعة، وكأن اهتمام الطلاب تحول من هموم العلم وتأمين المستقبل الى هموم دعم وإبراز قوة هذا الحزب أو ذاك التيار، تماماً كما هي مواقف عامة الناس الذين نسوا فقرهم وتعتيرهم ولم يعد يشغلهم سوى دعم زعماء طوائفهم في تقاسم جبنة الحكم.
صفحة 3
أزمة الجامعة اللبنانية من أزمة النظام اللبناني: هكذا هو تاريخ الجامعة اللبنانية من أزمة إلى أزمة. لقد ولدت (فرضت) نواتها الأولى دار المعلمين العليا في ظل أزمة فساد الحكم في العهد الاستقلالي الأول، واستمرت على الرغم من الشمع الأحمر في العهد الثاني القمعي. وانتعشت في ظل العهد الثالث الإصلاحي وفي الستينيات والنصف الأول من سبعينيات القرن المنصرم تقدمت مع تقدم الحركة التقدمية طلابياً وشعبياً. وتفرعت مع تقسم البلد في الحرب الأهلية وتشرذمت مع تشرذم أهل الحكم بعد الطائف.
انطلاقاً من هذا الترابط بين وضع البلد ووضع الجامعة اللبنانية، رأينا ضرورة معرفة الجذور التاريخية لأزمته، وكيف ولدت الجامعة اللبنانية بفعل نضال طلابه وقواه التقدمية. لذلك خصصنا الكتاب الأول عن تكوين لبنان الحديث من المسألة الشرقية حتى مشروع الشرق الأوسط الجديد. والكتاب الثاني منه عن كيفية نشوء الجامعة اللبنانية، وكيف تثبتت وتعززت وتوسعت ضمن صراع عام ودائم بين لبنانين: لبنان الحكم القائم على تحالف بقايا الإقطاع وقادة الطوائف وكبار الرأسماليين والعائلات التجارية، وبين لبنان الفئات الشعبية المطالبة بحقها في العلم والتقدم والرقي، وهذا التخصيص التقسيم، جاء بناء على رأي الأصدقاء من أساتذة التاريخ والمختصين، أخص بالذكر منهم الدكتور عصام خليفة، فله ولهم كل الشكر والامتنان. والشكر الخاص للدكتور جورج طعمه، الطالب في الجامعة اللبنانية والأستاذ فيها ورئيسها، على جمعه وتوثيقه نضالات الطلاب والأساتذة في كتابه المرجع (الجامعة اللبنانية في سنواتها الأولى).

الفصل الأول

العملية التربوية قبل الاستقلال

قديماً كان التعليم في الغالب يتم في الجامع أو الكنيسة. وكان يقتصر على تدريس التعاليم الدينية. ولم يكن المعلمون يتقاضون الأجر ، بل إنّ عملهم خدمة (لوجه الله) وإرضاءً للضمير وراحة البال. ومع تقدم الزمن، وتقدم الحياة من المجتمع الزراعي إلى المجتمع الصناعي - التجاري، أصبح للتعليم مهمة أوسع من خدمة الدين، إلى خدمة حاجات الدنيا، إذ أصبح التعليم مهنة وصنعة ووظيفة، ومكانة مرموقة، ومورداً ورزقاً. كما أن المدرسة أصبحت مستقلة عن الجامع والكنيسة. ولمرافقة هذا التطور يجدر بنا التوقف السريع عند العملية التربوية في العهد العثماني ومن ثم في عهد الانتداب الفرنسي.
صفحة 4
I ـــ العملية التربوية في العهد العثماني

بعد توقيع معاهدة الصداقة عام 1535 بين السلطان سليمان القانوني وملك فرنسا فرنسوا الأول، التي حصلت فرنسا بموجبها على امتيازات في أراضي السلطنة، أخذ يتكاثر غزو لبنان من قبل الإرساليات الكاثوليكية الفرنسية بهدف القيام بنشاط تعليمي وتبشيري، وتبعتها إرساليات أخرى من ألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية، وكانت أهمها الإرسالية الإنجيلية الأمريكية. أخذت هذه الإرساليات تتسابق على فتح المدارس التبشيرية في جبل لبنان ومن ثم في بيروت، وذلك سعياً وراء إيجاد مواقع نفوذ اجتماعية لدولها داخل أراضي السلطنة العثمانية، وطمعاً في أن يساعد ذلك في تأمين المتعاونين والموظفين والمترجمين والوكلاء والمتعهدين. ومع الوقت شكلت هذه الإرساليات مع القناصل والتجار دولاً داخل السلطنة.
لجأت السلطنة العثمانية، في محاولة لوقف تنامي نفوذ الإرساليات، إلى إقرار إصلاح تربوي على المستويين الابتدائي والثانوي. صدر هذا القانون (الإصلاحي) في عام 1846، وكان ينصّ على إنشاء مجلس دائم للمعارف (لاحقاً أصبح وزارة المعارف) يحل محل السلطات الدينية، وأوكلت إليه مهمة تنظيم العملية التربوية بالتدرج من الابتدائي إلى الثانوي، ثم العالي. ولقد نص القانون على مجانية التعليم الرسمي، وعلى أن يجري تدريس القراءة والكتابة وعلم الحساب بالإضافة إلى التربية الدينية. يعتبر هذا القانون أول تدخل من الدولة في العملية التربوية، إذ كان التعليم قبلها وقفاً على المدارس الخاصة التابعة للطوائف: رجال الدين المسلمون يعلمون أبناء طائفتهم وكذلك يفعل رجال الدين المسيحيون.
في عام 1869 صدر قانون عثماني يعطي لكل قومية أو طائفة الحق في تعليم أبنائها، مما كرس طائفية المدرسة. كما كرس هذا القانون الحرية الواسعة للمرسلين الأجانب والمبشرين الذين تقاطروا على جبل لبنان وبيروت لينشئوا فيها مدارسهم الخاصة. وهذا ما كرس التعليم الأجنبي الذي سرعان ما طغى على المدارس المحلية المسيحية المنتشرة في البلاد.
وفي عام 1913 صدر قانون عثماني ينص على إلزامية التعليم المجاني الابتدائي وبأن يشمل كل احياء المدن وكل قرية في المناطق. لكنه لم يطبّق وبقي التعليم الرسمي مقتصراً على مدارس ابتدائية منتشرة بعدد قليل في قرى الأطراف، ولا يرتادها إلا أبناء الفقراء وأكثرهم من المسلمين. كذلك فإنّ تدريس اللغة التركية فيها قد ضاعف من تعثر المدرسة الرسمية العثمانية.
وفي عام 1894 صدرت إرادة ملكية تفرض تعليم اللغة التركية على المدارس غير المحمدية. على اعتبار أن المدارس الإسلامية تدرسها، وكان المقصود تتريك البلاد العربية. لاقت هذه الخطوة الفشل الذريع لعدة أسباب أهمها:
1- الشعور القومي العربي المتنامي مع الدعوة إلى النهضة بين العرب خاصة من المثقفين المسيحيين.
2- الشعور العربي بأنهم باتوا الأكثرية في الإمبراطورية العثمانية بعد أن انسلخت عنها دول البلقان، وبالتالي فأن لغتهم العربية يجب أن تسود.
3- العربية هي لغة القرآن الكريم؛ وبالتالي هي عند العرب بمثابة القداسة.
لم تنجح كل المحاولات (الإصلاحية) التركية، إذ بقي التعليم الابتدائي الرسمي المجاني وقفاً على مدارس قليلة في الأطراف. أما التعليم الثانوي فبقي مقتصراً على المدارس الطائفية المسيحية في جبل لبنان وبيروت.
هذه القوانين الإصلاحية أعطت مردوداً سيئاً إذ كرست حق كل طائفة بتعليم أبنائها، أي أنها طيَّفت العملية التربوية ورسخت الانتماء الطائفي اللاوطني، وهذه تبقى علة العلل في النظام اللبناني حتى تاريخه. والأخطر في هذه القوانين أنها أعطت الإرساليات الأجنبية، وكلها مسيحية، الحق في فتح المدارس مما كرس حرية التعليم الأجنبي الطائفي وما فيه من الولاء لثقافات أجنبية. يتجلّى هذا التأثير في نشوء تيارات مسيحية تدعو للارتباط بالغرب وخاصة بالأم الحنون فرنسا، وأن تتنكر لمحيطها العربي، تقابلها تيارات إسلامية تدعو للوحدة السورية أو الوحدة العربية. هنا يكمن الأساس التاريخي لازمة النظام اللبناني. ولا ننسى أن فرنسا المنتدبة (المستعمرة) لعبت قسطها في تعميق الانقسام الطائفي، وكذلك الطبقة الإقطاعية البرجوازية التي هيمنت على الحكم منذ الاستقلال وحتى تاريخه.
تأسيس الجامعتين الأمريكية واليسوعية
أدى التسابق بين مختلف الإرساليات إلى نهضة علمية في جبل لبنان وبيروت. ومع الوقت (أصبح من الضروري إنشاء مؤسسات للتعليم العالي)، كما أتى في مذكرات دانيال بلس مؤسس الجامعة الأميركية عام 1866 باسم (الكلية السورية الإنجيلية)، وقد تم إنشاء كليّاتها بالتتابع: 1866 كلية الآداب والعلوم، 1867 كلية الطب، 1871 كلية الصيدلية، 1900 كلية التجارة، 1905 كلية التمريض، أما كلية طب الأسنان فقد أُنشئت عام 1910 ولكنها أغلقت لاحقاً في عام 1940.
تبع تأسيس الجامعة الأميركية تأسيس جامعة القديس يوسف عام 1875 بكلية اللاهوت، تبعها عام 1883 افتتاح كلية الطب، وفي 1889 كلية الصيدلة، وتمّ إلحاق هاتين الكليتين بكلية الطب في ليون تحت اسم كلية الطب والصيدلة في بيروت. وفي العام 1913 تأسست كلية الهندسة، وكلية الحقوق والعلوم السياسية. وفي 1920 كلية الأسنان، و1922 كلية التمريض و1942 كلية الصحة العامة.
المثقفون النهضويون
لقد كان لتأسيس هاتين الجامعتين الأثر البالغ في مسار التعليم العالي في لبنان، إذ احتكرتاه احتكاراً مطلقاً منذ تأسيسهما وحتى منتصف القرن الماضي، تاريخ تأسيس الجامعة اللبنانية عام 1951. ولقد برز أثرهما على كل الجامعات التى أسست بعدهما إذ إنها نشأت على منهاج إحداهما: فرنكفوني أو انكلوسكسوني. إذاً التعليم الجامعي في لبنان كما التعليم الثانوي بدأ واستمر كتعليم أجنبي لغة وثقافة ومنهاجاً. تبين مما تقدم أنّ المدارس الطائفية المحلية ومدارس الإرساليات الأجنبية التبشيرية احتكرتا العملية التربوية في لبنان في القرنين الأخيرين من الحكم العثماني، لكن ذلك لم يمنع من وجود مثقفين متنورين قاموا بتأسيس الجمعيات الأدبية والسياسية وعقدوا المؤتمرات التى تدعو إلى التحرر والاستقلال، والى العلمنة وتحرير المرأة وتعلمها ودعوا إلى الوحدة السورية أو العربية. ولهذه الغاية أسسوا المجلات والجرائد في لبنان وسوريا ومصر وديار الاغتراب. وفي محاولة للوقوف بوجه التعليم الطائفي، ومن أجل وطنية جامعة أسس المعلم بطرس البستاني في عام 1863 (المدرسة الوطنية) التي تعد اول مدرسة علمانية في المشرق العربي كونها غذت خريجيها بالحس الوطني والشعور القومي، ومع الأسف بقيت هذه المدرسة شبه وحيدة حتى الحرب العالمية الأولى.
من هؤلاء المثقفين النهضويين الشيخ ناصيف اليازجي الذي عرّى النظام المقاطعجي وابنه إبراهيم اليازجي الذي بسط الحرف العربي للطباعة، وكان من الداعين لنهضة العرب:
تنبـهوا واستفـيقوا أيـهـا العـرب
فقد طمى السـيل حتى غاصت الركب
ومنهم من كان رائداً في صياغة فكرة الوطن العربي السوري الذي تجمع شعوبه وحده اللغة والتاريخ المشترك والثقافة الواحدة كالمعلم بطرس البستاني. ومنهم من كان أكثر جذرية كالأستاذ احمد فارس الشدياق الماروني الذي اعتنق الأفكار الاشتراكية. وكما أن لائحة المدارس الطائفية تطول، كذلك يقابلها لائحة أطول من النهضويين من بين الذين هم بأكثريتهم الساحقة من المسيحيين. هكذا تكونت أول بوادر الصراع بين (القوى الوطنية) التي تريد العلم في خدمة الإنسان وقيام لبنان العربي المستقل وبين من يستخدم العلم بغطاء طائفي لمصلحة الطبقة الإقطاعية والمقتدرين المتعاونين مع الأجنبي.
صفحة 5
II ـ العملية التربوية في عهد الانتداب

لاحظنا فيما تقدم، خاصة بعد صدور قانون 1869 التركي كيف تكرس دور الإرساليات التبشيرية الأجنبية في التعليم، وكيف أنها رسخت الانتماء الطائفي، وسهلت عملية الارتباط بالدول الأجنبية عن طريق الثقافة واللغة والدين، وعن طريق التجارة والمصالح السياسية المشتركة. كما لاحظنا كيف ضاعفت الدولة الفرنسية من دعمها للإرساليات اليسوعية بأشكالها ومعها الرهبانيات المارونية، في حين أنها أصدرت، في الوقت نفسه، قانوناً عام 1881 يمنع نشاط اليسوعيين في فرنسا نفسها. ولاحظنا أيضاً أن الإرساليات ركزت نشاطها في جبل لبنان وبيروت حيث شهدت هذه المناطق توسعاً في العلم وعلى الخصوص في أوساط المسيحيين؛ في حين بقيت المناطق الريفية محرومة إلا من بعض المدارس الابتدائية التي لا يرتادها إلا أولاد الفقراء.
بعد أن دخلت الجيوش الفرنسية لبنان في كانون الثاني عام 1919، وبعد إعلان دولة لبنان الكبير في الأول من أيلول 1920، وبعد أن أعلن عن صك الانتداب الفرنسي على سورية ولبنان في 24 تموز 1922، يكون قد تم لفرنسا السيطرة على مقدرات سوريا ولبنان. وأول عمل قام به المفوض السامي الفرنسي فرنسوا بيكو أنه دعا الطوائف إلى إعادة فتح مدارسها بعد أن كانت السلطة التركية قد أغلقتها خلال الحرب العالمية الأولى لأنها كانت تدرس باللغة الفرنسية، وأعلن عن مساعدات مالية كبيرة تشجيعاً من فرنسا للمدارس الخاصة الطائفية، في حين أن التعليم الرسمي لم يحظ بأي اهتمام منه بل بقي مقتصراً على مدارس فقيرة كما في العهد التركي في الأقضية الأربعة الملحقة بلبنان المتصرفية، والشيء الوحيد الذي تغير فيها هو إبدال اللغة التركية باللغة الفرنسية. أما ميزانية التعليم الرسمي فكانت تتناقص تمشياً مع سياسة فرنسا الإجمالية. انعكس ذلك على نسبة المدارس الرسمية بالنسبة للمدارس الطائفية الخاصة؛ إذ إنه كما جاء في مقالة للدكتور حسان قبيسي (1)، فان عدد المدارس الرسمية في عام 1925 بلغ 113 مدرسة، أي نسبة 11 3% في حين أن المدارس الخاصة كانت تمثّل 88 6%، وهي موزعة على المدارس الخاصة الأهلية بنسبة 49 4% وعلى المدارس الأجنبية بنسبة 39 2%. أما نسبة عدد التلاميذ فيذكر المصدر نفسه بأنه (كان يتوزع عام 1941 على الشكل التالي: 97 ألف تلميذ مسيحي أي 70% و34 ألف تلميذ سني وشيعي، أي 24 5%، وخمسة آلاف درزي أي 3 6%، وألفي تلميذ يهودي أي 1 4%، وخمسماية تلميذ أقليات أي 0 4%).
أدى الدعم الفرنسي المطلق إلى تثبيت هيمنة الآباء اليسوعيين على التعليم في لبنان، فاستمروا الأكثر عدداً في المدارس والتلاميذ، وفرضوا تأثيرهم على الجهاز التربوي اللبناني برمته، وأشرفوا على تنظيم "وزارة المعارف والفنون الجميلة" التي أنشئت عام 1926 وعدلت في العام 1928، كما على وضع مناهج التدريس، وتحديد لغة التعليم، ونوعية الشهادات، وتنظيم الامتحانات التي صدرت في العام نفسه ثم عدلت بعد عامين، وكرسوا تبعية التعليم الرسمي للتعليم الخاص، هذه التبعية التي ستستمر طيلة أيام الانتداب الفرنسي وخلال فترة واسعة من مرحلة الاستقلال. إن سيطرة اليسوعيين لم تكن فقط على التعليم بل على معظم الإدارات، إن لم يكن عليها كلها (2). هنا يستشهد الدكتور قبيسي بكلام لبشير اسكندر في كتابه (إصلاحيات الخدمة المدنية في لبنان) ص 166: "كان الموظفون اللبنانيون العاملون تحت إشراف السلطة الفرنسية عبارة عن بضعة أشخاص تمَّ استقدامهم على أساس مقدرتهم على الاتصال بالفرنسيين والتعامل معهم. وكانت العناصر المسلمة على العموم تخشى نظام الانتداب. وفي أوائل عهد الانتداب رفضت أن تشغل وظائف الخدمة المدنية. وفي النهاية تغير هذا الموقف ولكن في غضون ذلك، أصبحت الإدارة مهيمنة أولاً بالموظفين المسيحيين، خصوصاً في الوظائف الرئيسية التي تلي العناصر الفرنسية". ثم يكمل الدكتور قبيسي "وحتى الستينيات من هذا القرن (العشرين) كانت الأغلبية الساحقة من الوزراء والمدراء العامين وكبار موظفي الإدارة من خريجي كلية الحقوق في الجامعة اليسوعية. ولا بد لنا في هذا السياق من ذكر موقف الرئيس إميل اده الذي ألغى في العام 1930 (17 كانون الثاني) 111 مدرسة ابتدائية رسمية وصرف حوالى 400 معلم رسمي (مرسوم 6130) بحجة أنهم لا يعرفون اللغة الفرنسية".
إنَّ موقف الدولة من التعليم الرسمي، كان يهدف إلى إبقائه في حالة من الركود والانحطاط. وكما يقول عمر فروخ في كتابه "دفاعاً عن العلم دفاعاً عن الوطن" فإن "المدرسة الرسمية في القرى، وخاصة في المناطق التي ألحقت بجبل لبنان منذ العام 1920، لم تختلف بشيء عن مدارس الأتراك السابقة لا في طريقة تدريسها، ولا في جهازها التعليمي، ولا في مراحل التعليم، ولا في المنابر الاجتماعية للتلاميذ الذين كانوا يرتادونها. التغيير الوحيد أنها أبدلت اللغة التركية باللغة الفرنسية". هذا التبديل الذي جاء ليضيف صعوبة أخرى في وجه هذه المدارس ، بسبب ندرة الجهاز التعليمي، وبسبب الصعوبات التي شكلتها هذه اللغة نحو طلاب المدارس الرسمية : طلاب من بيئات فقيرة لا تتكلم الفرنسية، معلمون لا يجيدون الفرنسية ، ولا تعليمها، بينما كانت معظم المواد تدرس بهذه اللغة، وكانت الامتحانات تفصّل على قد تلامذة المدارس الخاصة" (3).
"صحيح أن اللغتين العربية والفرنسية اعتبرتا رسميتين في المدارس الرسمية، وإجباريتين إلا إن الفرنسية كانت لغة تدريس معظم المواد تقريباً. كانت الامتحانات الرسمية تجري طبقاً لمناهج المدارس الخاصة بالذات، لهذا كانت مواد الرياضيات والعلوم، وأحياناً التاريخ والجغرافيا والحساب، تدرس في المدارس الرسمية باللغة الفرنسية، وكل ذلك في سعي من الفرنسيين وأنصارهم من اللبنانيين لترسيخ اللغة الفرنسية والثقافة الفرنسية عند الشباب اللبناني، وعزله عن محيطه الجغرافي، وعن التيارات السياسية التي كانت تتفاعل فيه. هكذا نفهم لماذا صدر في 1 شباط 1930 المرسومالاشتراعي رقم 4 بإلغاء المجمع العلمي العربي اللبناني الذي كان قد أُنشئ بقانون في العام 1928 في 20 شباط" (4).
سياسة إدارة الانتداب التعليمية
"إذاً سياسة إدارة الانتداب الاستعمارية تختصر بتشجيع القطاع التعليمي الخاص وإهمال التعليم الرسمي. هذا ما يؤكد دور المدرسة في إعادة إنتاج الواقع الاجتماعي الطبقي من جهة ، وفي إعادة إنتاج ثقافة الفئات المسيطرة من جهة ثانية. هكذا تكرست المدرسة اللبنانية أداة تمييز طائفي واجتماعي. من جهتها لم تكن سياسة الإدارة الفرنسية التعليمية معزولة عن سياستها في بناء أسس الدولة اللبنانية نفسها، إذ إنه جاء في المادة التاسعة من الدستور اللبناني ما معناه: حرصاً من الدولة على حرية المعتقد الديني المطلقة، تتنازل عن حقوقها التشريعية والقضائية إلى الجماعات الطائفية ، فيما يتعلق بالأحوال الشخصية (زواج، طلاق، حضانة، إرث الخ). كما أعطت المادة العاشرة منه للجماعات الطائفية حق تعليم أبنائهم وما يعنيه من تخلي الدولة عن واجباتها في دعم التعليم الرسمي" (5).
أما ما فعلته الدولة الفرنسية المنتدبة على صعيد تنظيم التعليم الرسمي فيقتصر على إنشاء (وزارة المعارف العمومية) عام 1926 التي أصبح اسمها عام 1933 (وزارة التربية الوطنية والفنون الجميلة)، وعلى وضع مناهج شهادتي السرتفيكا والبروفيه عام 1924، واستتبعتها في عام 1929 بمنهاج شهادة البكالوريا القسم الثاني، كما وضعت أسس الامتحانات لهذه الشهادات. أما عن إعداد المعلمين الرسميين فقد أنشأت دار المعلمين الابتدائية عام 1932، وهي الدار الوحيدة التي بقيت تخرّج بضع عشرات من الأساتذة حتى بعد الاستقلال إلى أن أنشأت دار المعلمين العليا عام 1951. يبقى أن نذكر أن مرحلة التعليم الثانوي الرسمي لم تنشأ في عهد الانتداب وحتى ما يقارب العشر سنوات بعد الاستقلال، إذ إنّ لكل من كان يرغب من تلاميذ المدرسة الرسمية عليه أن ينتقل بعد شهادة البروفيه إلى المدارس الخاصة : طائفية أو إرسالية.
التعليم العالي في عهد الانتداب
أما على صعيد التعليم العالي في عهد الانتداب فقد استمرت جامعة القديس يوسف في التوسع والازدهار بفعل الدعم الهائل الذي كانت تتلقاه من قبل حكومة الانتداب الفرنسية ومن ارتباطها بجامعة ليون. وهكذا أمنت الجامعة اليسوعية انتشار اللغة الفرنسية وثقافتها على النخب ولم يسمح الوجود الفرنسي للجامعة الأمريكية من تدريس الحقوق نظراً لأهمية رجال القانون الذين يشكلون غالبية الإدارة المتعاونة مع الانتداب.
كذلك استمرت الجامعة الأميركية في التوسع نظراً للمساعدات التي كانت تتدفق عليها من الجمعيات البروتستانتية الأميركية والبريطانية. ونظراً للصعوبات التي كانت تلاقيها من الانتداب الفرنسي فقد وجهت اهتمامها لاستقطاب طلاب مختلف مناطق الشرق الأوسط وإفريقيا. أما لبنانياً فكان أكثر طلابها من المسلمين والدروز والارثوذكس في حين كان أكثرية طلاب القديس يوسف من الطائفة المارونية. يذكر للجامعة الأميركية أنها علمت لفترة وجيزة الهندسة والطب باللغة العربية مما أغناها بمصطلحات علمية. وبعد الاستقلال تحولت الجامعة الأميركية إلى جامعة علمية ولحقت بها بعد فترة الجامعة اليسوعية.
الكلية الأمريكية للبنات
وعلى غرار ما أسس المبشرون البروتستانت الجامعة الأميركية، عادوا وأسسوا الكلية الأميركية للبنات في عام 1924، وكان الغرض منها تشجيع الفتيات من العائلات الاجتماعية المحافظة على ارتياد التعليم العالي، منفصلاً عن تعليم الفتيان. وقد تطورت برامج هذه الكلية وتغير اسمها عام 1950 إلى كلية بيروت للبنات. بعد ذلك شهدت نمواً كبيراً وتوسعاً بعد أن أصبحت مختلطة، وأصبحت اليوم جامعة متكاملة باسم الجامعة اللبنانية الأميركية مقرها الرئيس في رأس بيروت، ولها فرع في مدينة جبيل.
الأكاديمية اللبنانية
الذكاء اللبناني لا حدود لطموحه . فهل من المعقول أن يبقى التعليم العالي تعليماً لاوطنياً وطائفياً، قائماً على جامعات أجنبية تتنافس على تربية نخب لبنانية مرتبطة بمصالح الأجنبي عن طريق اللغة والثقافة والتجارة، وأن تنقطع هذه النخب عن محيطها العربي إلا تجارياً حيث تشارك الأوروبيين، خاصة الفرنسيين في استثمار شعوبها ومنها الشعب اللبناني نفسه . فكسراً لاحتكار التعليم العالي اللاوطني والطائفي أقدم المهندس الفنان ألكسي بطرس على تأسيس الأكاديمية اللبنانية عام 1937 حيث بدأت بتدريس الموسيقى والرسم، وسريعاً ما توسعت بتدريس الهندسة المعمارية والآداب. ودخلت (المحظور) عام 1953 إذ بدأت بتدريس الحقوق ، فقامت الدنيا عليها ولم تقعد حتى توقف تدريس الحقوق فيها عام 1961، وهذا ما سنعود إليه لاحقاً وبالتفصيل نظراً لأهميته في الصراع على تكوين مؤسسات دولة الاستقلال.
ملاحظة لا بد منها: - صحيح أن الكثير من رجال السياسة والعلم والثقافة عندنا يزعمون بأن الانتداب (الاستعمار) الفرنسي ساهم في تعليم اللبنانيين وتثقيفهم، وأن تقدم لبنان عن محيطه العربي يعود فضله للرعاية التي أحاطته بها فرنسا وإرسالياتها التبشيرية.
- وصحيح كذلك أن النظام الرأسمالي، وخلال قرنين من الزمن، ساهم في تقدم البشرية ودفعها إلى الأمام آلاف السنين مستخدماً سبقه العلمي والتكنولوجي في استعباد الشعوب وإخضاعها وقهرها ومنعها من سلوك طريق الإنماء والتقدم.
- ولكن الأصح من هذا وذاك أن فرنسا هدفت من وراء تعليم أولاد الطبقة المتقدمة الغنية (من تجار وإقطاعيين ورجال دين)، أن يكون لها فئة من المستفيدين من وجودها، يدينون بثقافتها، ويصرّفون بضاعتها، ويعاونونها على استثمار الشعبين اللبناني والسوري وباقي الشعوب العربية.
- والصحيح أيضاً أن العلم لا يمكن حصره باتجاه واحد: استفاد منه شعبنا في فرض استقلاله وفي إنشائه ديمقراطية ولو بحدها الأدنى، وفي تقدمه الاجتماعي.
صفحة 6
الفصل الثاني

السياسة التربوية في عهد الاستقلال

وقع الصراع منذ اليوم الأول للاستقلال، بين الشعب اللبناني الذي أراد أن يحمل له الاستقلال : العلم والعمل والسكن والطبابة والمياه والكهرباء والطرق والحياة الكريمة، وبين عشرات العائلات الإقطاعية -البرجوازية التي كانت تترفه في ظل الانتداب، وكانت في خدمته تدير له الادارات ثم ورثت الحكم من بعده. استغلت أسبقيتها العلمية والمالية وخبرتها في استغلال مواقع النفوذ لتسيطر على كل قطاعات البلد الاقتصادية من القطاع المصرفي إلى شركات التامين والاستيراد والتصدير ووكالات الشركات الأجنبية، الى السيطرة على قطاع الاصطياف والسياحة وعلى الشركات ذات الامتياز وشركات الخدمات العامة من شركة المرفأ إلى شركة المطار وشركات المياه والكهرباء والأسمنت ومواد البناء والمقاولات. سهّل لها هذه السيطرة الدستور الموروث عن المستعمر الفرنسي الذي وضعه عام 1926 وفقاً لمصالحه ومصالح المتعاونين معه. وهذا ما تؤكده التعديلات الشكلية التي أجريت عليه غداة الاستقلال، إذ اقتصر التعديل على أن رئيس جمهورية لبنان لم يعد مسؤولاً أمام المفوض السامي الفرنسي كون لبنان أصبح جمهورية مستقلة . وارثو السلطة أبقوا على أبشع ما في دستور 1926، وهو حق كل طائفة بان تعلم أبناءها، مما كرس المدرسة الطائفية كإطار إيديولوجي لإنتاج الوعي الاجتماعي لأبناء الطائفة، فكان الأساس الطائفي للنظام اللبناني الذي ساهم في إنتاج ما شهده ويشهده لبنان من حروب.
لقد تخرج حكام لبنان الجدد، وهم أبناء الإدارة القديمة، من مدارس الإرساليات التبشيرية الفرنسية أو من المدارس الطائفية. وهم أبناء الطبقة الإقطاعية-البرجوازية القادرون على دفع الإقساط الفاحشة ومنهم من تلقى مساعدة الإرساليات. وكونهم أبناء سلطة وسلطان فهم يخافون مزاحمة أبناء الشعب إن هم أتيح لهم مجال العلم. وكونهم مطمئنين إلى أن هؤلاء لا يستطيعون دخول المدارس الخاصة، فلم يبق عندهم خوف إلا من المدارس الرسمية المجانية. وهذا ما يفسر كرههم من موقع طبقي سلطوي للمدرسة الرسمية. لذلك، وعلى خطى أسيادهم المستعمرين، استمروا في إهمال المدرسة الرسمية لا بل محاربتها . وبالمقابل شجعوا المدارس الطائفية الخاصة التي أبقت بعد الاستقلال على المنهج الفرنسي، لا بل استخدمت (السينيال) لتفرض تعلم اللغة الفرنسية وثقافتها إضعافاً للشعور الوطني اللبناني العربي. الأخطر أنهم أوكلوا للآباء اليسوعيين مهمة الإشراف على تنظيم وزارة المعارف والفنون الجميلة فأتى تنظيمها عام 1953 ليضمن تفوق المدارس الخاصة الطائفية وليبقي المدرسة الرسمية ضعيفة ومهملة. هكذا أتيحت للمدرسة الطائفية الظروف القانونية والإيديولوجية لتمكين الطبقة الإقطاعية - البرجوازية الحاكمة من أن تعيد إنتاج نفسها. وهذا ما يجد تفسيره في توارث بضع مئات من العائلات الحكم، وأن تقف سداً منيعاً في وجه أية محاولة إصلاحية للنظام مهما كانت متواضعة كالإصلاحات التي قام بها الرئيس فؤاد شهاب. لقد حاولت الطبقة البرجوازية الحاكمة أن تبقي التعليم الرسمي ضعيفاً على خطى النهج الاستعماري السابق، لكن على الرغم من أن الانتداب الفرنسي كان قد وضع مناهج التعليم الابتدائي (سرتيفيكا وبروفيه) عام 1924 والمناهج الثانوية عام 1929 إلا أن التعليم الثانوي بقي مقتصراً على المدارس الطائفية الخاصة، واستمر هكذا بعد الاستقلال بما يقارب العشر سنوات، أما إعداد المعلمين للتعليم الابتدائي فقد اقتصر على مدرسة واحدة أنشأها المستعمر عام 1924 وسميت دار المعلمين الابتدائية عام 1932، وبقيت وحيدة حتى إنشاء دار المعلمين العليا عام 1951.
إنشاء المدارس الرسمية عشوائياً
إن حاجة الدولة الناشئة إلى موظفين أكفاء، وتلبية لمتطلبات النهوض الاقتصادي الذي شهده لبنان مع بداية الخمسينيات من القرن الماضي، ونزولاً عند رغبة أبناء الشعب اللبناني الفقير بالعلم كوسيلة للوظيفة والارتقاء والهجرة، نظراً إلى كل ذلك اضطرت الدولة إلى إنشاء مدارس رسمية، وقد تم إنشاؤها بشكل عشوائي وبدون تخطيط لحاجات المناطق، بل عمدت الدولة إلى استئجار أبنية حيثما توافرت، لكن بحسب ضغط أصحاب النفوذ فإنَّ أكثرية هذه المدارس أنشئت في الأطراف (الشمال والجنوب والبقاع) كمكمل للمدارس الخاصة الطائفية ولم تنشأ كبديل عنها، بل جاءت لتسد ثغرة تاريخية في النظام التعليمي. فكانت المدرسة الرسمية منذ نشأتها مدرسة (طبقة) الفقراء بامتياز. فهي إذاً مشروع وطني في مواجهة المدارس الطائفية الخاصة اللاوطنية.
نظراً لحاجة الدولة اللبنانية الناشئة حديثاً (عام 1943) إلى نخب ثقافية جامعية وكادرات وموظفين بمستوى أعلى من البروفيه، ومن حيث أن الجامعات الخاصة العريقة (اليسوعية والأميركية) غير قادرة أو غير معدة لمثل هذه المهمة، عمدت الدولة الفرنسية، وكانت جيوشها لا تزال في لبنان، وبعد سنة على استقلال لبنان أي في عام 1944، إلى إنشاء كليتين تابعتين إلى جامعة ليون وهما المدرسة العليا للآداب ومركز الدراسات والأبحاث في الرياضيات والفيزياء. وكان القصد من وراء استحداثهما انتفاء الحاجة لإنشاء جامعة وطنية لبنانية، وفي الوقت نفسه تثبيت الالتزام بالتعليم الفرنسي العالي في المجالات التعليمية كافة.
إنشاء الجامعة اللبنانية
كل ذلك لم يمنع الحركة الشعبية اللبنانية بطلابها وأساتذتها وأحزابها من أن تتابع النضال إلى أن فرضت بالإضرابات والتظاهرات والدم إنشاء دار المعلمين العليا، النواة الأولى للجامعة اللبنانية، وكان ذلك عام 1951. وأكملت نضالها وتحركها إلى أن تم إنشاء كليات العلوم والآداب والحقوق والعلوم الاجتماعية عام 1959. استمرت مسيرة الجامعة الى أن أصبحت تضم أكثر أنواع التخصصات الكلاسيكية والحديثة، ونتيجة لنجاحها في استقطاب الطلاب أغلقت الكليتان الفرنسيتان المستحدثتان أبوابهما في بداية السبعينيات من القرن الماضي.
أكثر ما برز نجاح الجامعة اللبنانية كان في إعطاء الوطن جيلاً جديداً من المثقفين والسياسيين الوطنيين، وفي إغناء المدارس الثانوية بمعلمين أوصلوها إلى المقام الأول بالنسبة إلى المدارس الخاصة. وبحسب إحصاء المركز التربوي للبحوث والإنماء لعام 1971- 1972 فان طلاب الجامعة اللبنانية كانوا يشكلون 27 6% من مجموع طلاب التعليم العالي في لبنان وارتفعت هذه النسبة في إحصاء 1992-1993 إلى 45%. وتشير الإحصاءات الأخيرة إلى أن النسبة تجاوزت ذلك بكثير.
الجامعة اللبنانية أهم إنجاز وطني جامع
إنَّ الجامعة اللبنانية والمدارس الثانوية الرسمية هي أهم مشروع وطني جامع تحقق منذ الاستقلال، وجاء تحقيقه فرضاً على الطبقة الحاكمة. فرضاً ولكنها، أي الطبقة الحاكمة، لم تستسلم فعمدت وبكل الوسائل إلى الحد من تطور المؤسسات التربوية الرسمية عن طريق تقطير ميزانيتها وعن طريق تشويه سمعتها التعليمية وإضعاف كادرها التعليمي المتخصص وعن طريق إغراقها بالأساتذة (الأزلام) الذين تضاعفت أعدادهم في العقدين الماضيين، والذين في أكثريتهم غير أكفاء أو غير مؤهلين خاصة باللغة الأجنبية (مفتاح الوظيفة)، وكذلك عن طريق تأخير تعيين العمداء والمديرين أو تأخير بداية السنة الدراسية، أو من خلال الادّعاء والزعم بأنّ الفوضى والاضطرابات تعم المؤسسات التربوية الرسمية وسيطرة الميليشيات عليها. في حين أنّ سياسة الحكم تجاه هذه المؤسسات تتحمل مسؤولية دفع الأساتذة والطلاب إلى الإضراب والتظاهر حماية لمؤسساتهم وللمحافظة عليها أو من أجل تطويرها.
فوضى وزارة التربية
أفضل وصف لما آلت إليه حال وزارة التربية نورده نقلاً عن مقال للدكتور حسان قبيسي (6): "يزداد عدد المدارس، وتظل إدارتها على حالها عدداً وعدة، ويظل تنظيم وزارة التربية هو هو منذ أيام الاستقلال الأولى. يزداد الطلب على التعليم، فيكون الحل بزيادات في عدد المعلمين دون إعداد أو تدريب وليكن، ففي تعيينهم حل لازمة التوظيف وامتصاص لمطالب السياسيين في تأمين المنافع، وحل لإبقاء المدرسة الرسمية في حالة من التخلف. وعندما تضطر الدولة لإنشاء دور للمعلمين، فلإعداد ضئيلة من جهة، وبإعداد نوعي ضعيف من جهة ثانية. وتجتهد الإدارة في إيجاد الضوابط والوسائل لخنق مارد التعليم الرسمي في قمقمه: فمن التعاقد العشوائي، إلى تقليص دور التفتيش، الى النقل الاعتباطي، والتدخل السياسي إلى الوضع السيء للمعلمين وتركهم يضربون ما شاؤوا، بل دفعهم للإضراب والتعطيل لتشويه سمعة التعليم الرسمي، إلى ترك تعليم اللغات الأجنبية، مفتاح الوظائف السحري، بحالة مزرية، الى الأبنية المستأجرة في غالبها والمزرية بمعظمها، والموزعة بين القرى والأحياء. وعندما يبدو أنّ مشروعاً كمشروع تجميع المدارس، قد نضج وكاد يصبح واقعاً، وفيه ما فيه من دعم للمدرسة الرسمية وبالتالي تهديد للمدرسة الخاصة، تمتد الأصابع الخفية لتقضي عليه. وعندما يبدو أن لجان الأهل في المدارس الرسمية مفتاح لحل ممكن، تصدر التنظيمات التي تخنق هذه اللجان وتئد مبادراتها".
"إنّ مركزة التعليم في يد سلطة لم يستطع الشركاء فيها بلورة تصور مشترك جدي لهم عن الهوية الثقافية وعن الوطن والدولة، هي أبعد ما يكون عن الديمقراطية المرفوعة اللواء في لبنان. إنها، أي مركزية التعليم لا تجري على تعليم وطني واحد، وإنما على تسليم مقادير التعليم الأكثر سطوة في جهاز الدولة، مما يشكل ضرباً بعرض الحائط لمصلحة الوطن كما تصبو إليه بقية الشرائع" (7).
صفحة 7
تاريخ لبنان الموحد
هذا القول يجد تفسيره في عدم قدرة (المركز التربوي للبحوث والإنماء) على كتابة تاريخ موحد للبنان، وبالتالي اعتمد مؤخراً وقف تدريس مادة التاريخ في المدارس لغاية التوصل إلى التفاهم على التاريخ المنشود. وهذا ما حذر منه الكثير من رجال العلم ومنهم قبيل الاستقلال الأستاذ واصف بارودي، مدير التربية الوطنية في العام 1938 إذ كتب يقول: "إني ألفت نظر السادة النواب إلى أننا في لبنان هذه الدولة الناشئة والفتية، مدعوون إلى بناء مواطنتينا على قواعد صلبة وموحدة، وإزالة الخلافات في وجهات النظر وفي الآمال الرسمية والإيديولوجيات، بتوحيدها، لتحل محلالانتماءالطائفي أو العرقي" (8). وأهم ما في تحذيره هو التأكيد على أن " المدرسة الرسمية هي المؤسسة الوحيدة التي تتيح تواجداً مباشراً لكل الأبناء من مختلف الطوائف، يؤدي إلى التخلي عن كل تعصب، وإلى تكوين اتجاه جماعي وطني حقيقي" (9).
أما الدكتور نايف معلوف، مدير التعليم الابتدائي، فقد توصل، بعد 45 عاماً على تحذير الأستاذ بارودي، وبعد أربعين عاماً على الاستقلال، وبعد ثماني سنوات على بدء الحرب اللبنانية، إلى توصيف أسباب الانقسامات فيكتب عام 1983 التالي: "إنّ للنظام التربوي القائم دوراً في الانقسامات الخطيرة التى تواجه الوطن، فانقسام اللبنانيين وقت الأزمات حول مفهوم الوطن ومقوماته الأساسية، قد وضع الوطن والمواطنين، أمام خطر كياني كامل. وفي مواجهة هذا الخطر، لا بد من إعادة نظر شاملة وعميقة بالنظام التربوي، بقصد تأهيل التربية لتلعب دوراً في بناء تضامن وطني متين... وتأمين ديمقراطية التعليم بتوفير فرص تعلم وتقدم اجتماعي متساوية لسائر اللبنانيين على اختلاف انتماءاتهم الاجتماعية والطائفية والإقليمية" (10).
إن في تحذير الأستاذ بارودي وتوصيف الدكتور معلوف الكثير من حقيقة الانقسام الأفقي والعامودي بين اللبنانيين. إنه صراع دائم بين سلطة فاسدة ومتحكمة، لا ترى إلا مصالحها الآنية، وبين جماهير الشعب الواسعة التي تريد تأمين العلم والتقدم الاجتماعي،ولا تحصل من الحكومات المتعاقبة الا على وعود في بياناتها الوزارية (بمجانية التعليم الابتدائي والزاميته كما جاء في بيانات : 43-51-55-56-58-61-65-69 وبوعود بتغيير المناهج والبرامج كما ورد في البيانات الوزارية لأعوام: 43-52-53-55-56-58-61-65-72- كما جاءت وعود في " أكثرية البيانات الوزاريةعن ضرورة التربية الوطنية وتطوير المدرسة الرسمية والجامعة اللبنانية" (11).
البيانات تبقى حبراً على ورق طالما أن الدستور اللبناني (1926) ينص في مادته العاشرة على حق الطوائف وحريتها في تعليم أبنائها، طالما أن تنظيم وزارة التربية عام 1953 جاء على يد اليسوعيين ولمصلحة مدارسهم الخاصة في ديمومة تفوقها على المدارس الرسمية . وكما يقول الأستاذالياس مرعي رئيس دائرة التعليم الرسمي:" ليس صحيحاً أنه لا توجد سياسة تربوية في لبنان. إن السياسة التربوية في لبنان منذ أن وجد هي أن يكون التعليم مشرذَماً ومشرذِماً" (12).
في الفصول اللاحقة سنرى كيف تمكنت القوى الحية في المجتمع من فرض إنشاء الجامعة اللبنانية.

تعميم التعليم الرسمي المجاني ضرورة وطنية

رافق تحقيق الاستقلال موجة عارمة من التفاؤل عند الشعب اللبناني على كل الصعد والميادين.
كان من أبرز الاهتمامات الطلب المتزايد على العلم، كونه مفتاح الوظيفة والارتقاء الاجتماعي والعيش الكريم. وكان التعليم الرسمي المجاني فقيراً ومقتصراً على المرحلتين الابتدائية والمتوسطة، ولم يكن بمقدور الفئات الشعبية أن تدفع الأقساط الفاحشة ليتعلم أبناؤها في المدارس الثانوية الطائفية الخاصة. فكان طبيعياً أن تلجأ هذه الفئات إلى المطالبة بفتح المزيد من المدارس الابتدائية والمتوسطة، وإلى التركيز على فتح مدارس ثانوية رسمية.
أول ذكر للتعليم الرسمي أتى في البيان الوزاري، الذي ألقاه الرئيس رياض الصلح في جلسة الثقة، لأول حكومة استقلالية، في 8 تشرين الأول 1943. أشار البيان إلى "التبعات الجسام التي يفرضها عهد الاستقلال الحالي في شتى مبادئ التربية الوطنية... وسنجعل التعليم الابتدائي إجبارياً ونعملعلى نشره وتعميمه في القرى اللبنانية حتى يقضى على الأمية قضاءً تاماً. وستعنى الحكومة بوضع منهاج خاص بالتعليم الثانوي تتمشى عليه جميع المعاهد الخاصة" (13).
أما أول ذكر للتعليم الرسمي الثانوي فجاء في خطاب لوزير التربية رئيف أبي اللمع، في الندوة اللبنانية بتاريخ 12 كانون الثاني 1951، أعلن فيه "إن الوزارة أنشأت في بداية هذه السنة دروساً ثانوية في عشرين مدرسة من مدارسها الرسمية، كما أنها دشنت مدرستين ثانويتين إحداهما للذكوروالثانية للإناث، في بناية الريجي القديمة في فرن الشباك" (14).
وأخيراً أول ذكر على لسان مسؤول رسمي عن ضرورة إنشاء الجامعة اللبنانية أتى في خطاب وزير التربية والخارجية حميد فرنجية في ختام مؤتمر الاونسكو الثالث الذي عقد في قصر الاونسكو - بيروت عام 1948، إذ قال : " ثم إنّ لبنان يأمل أن يرى في هذا المكان جامعة لبنانية تكون روحها من روح الاونسكو". وكان قوله بمثابة رد على تساؤل العديد من مندوبي المؤتمر، الذين أبدوا إعجابهم بتاريخ لبنان العظيم، معلم الحرف وباني أهم مدرسة حقوق في التاريخ القديم. كما أبدوا إعجابهم بثقافة اللبنانيين وإجادتهم الكثير من اللغات، خاصة الفرنسية والانكليزية. وهذا ما يجعلهم يستغربون تخلف لبنان في إنشاء الجامعة الوطنية.
كثر منهم أبدوا استعدادهم للمساهمة في إنشائها ليتمكن لبنان المستقل من مواكبة العلم والتطور. كمال جنبلاط أدلى بتصريح على هامش المؤتمر طالب فيه بإنشاء الجامعة اللبنانية. وأيده في ذلك كميل شمعون عضو كتلة الجبهة الوطنية الاشتراكية.
صفحة 8
أما عملياً فكيف جرى تنفيذ كل هذه الوعود؟ في عام 1949 رأت وزارة التربية الوطنية ضرورة إيجاد معلمين لمرحلة شهادة البروفيه، فأنشأت لهذه الغاية مرحلة تكميلية في دار المعلمين الابتدائية، مما طرح الحاجة إلى أساتذة لهذه المرحلة. هذا ما رفعه المسؤولون عن الدار الدكاترة خليل الجر واحمد مكي وقيصر الجميل إلى دولة رئيس الوزراء رياض الصلح: الذي تفهم الموضوع بشكل أعم وأشمل. فقد أورد أحمد مكي في مذكراته عن لسان الصلح: "نحن في لبنان أنشأنا "الدولة" ولم ننشئ "الوطن"... وما دام الحديث عن التربية، فالصحيح أننا حققنا الاستقلال، وهذا لا يعني أننا صرنا قادرين على وضع أيدينا على الجامعتين الأميركية والفرنسية. لا نقدر على ذلك، ولكننا قادرون، ونحن مستقلون إن ننشئ "جامعة لبنانية" نمدها بكل شيء، لتؤدي، على أحسن وجه، كل ما تؤديانه للبنان، والى البلاد العربية" (15).
إذاً الحاجة الماسة إلى أساتذة بمستوى تخصص جامعي، وكذلك الحاجة القصوى إلى موظفين أكفاء، دفع ببعض المسؤولين المخلصين إلى التفكير بضرورة إنشاء جامعة لبنانية. ولكن بين التفكير والتنفيذ مسافة وعوائق لم يستطيعوا تخطيها. كل الحكومات المتعاقبة درجت على الوعود في بياناتها الوزارية إلى ضرورة تغيير المناهج والبرامج التربوية وتطويرها، وإلى تعميم التعليم الابتدائي المجاني والزاميته ولكن هذه الوعود بقيت حبراً على ورق، إلى أن فرض تحقيقها، بنداً بنداً، نضال الطلاب والأساتذة وبدعم مطلق من القوى التقدمية والهيئات الشعبية كما سنرى.
الحركة الطالبية تعي دورها
تبين لنا في الفصول السابقة أنّ التعليم الرسمي كان مقتصراً، ولغاية عقد على الاستقلال، على عدد ضئيل من المدارس الابتدائية والمتوسطة. وأن التعليم الثانوي كان مقتصراً على مدارس الإرساليات الأجنبية والرهبانيات. وكذلك التعليم العالي كان مقتصراًعلى الجامعتين اليسوعية والأميركية اللتين كان طلابهما من أبناء الطبقات الغنية والمتوسطة. ولأن مصلحة أهل الحكم في أن يبقى التعليم مقتصراً على أبنائهم، وكون المدرسة الرسمية المجانية تسمح لأولاد الطبقات الشعبية من ولوجها، لذلك حاربوا وحالوا دون قيام الدولة بواجب تأمين المدارس الرسمية، فكان طبيعياً على أبناء الطبقة الفقيرة، كي يحصل أبناؤها على حقهم في العلم والتقدم، أن ينظموا أنفسهم ويناضلوا من أجل تحقيق العلم للجميع.
الحركة الطالبية أو القوة الضاربة، كما يسميها الدكتور عصام خليفة، لم تتأخر، وقد شاركت الشعب اللبناني معارك الاستقلال والجلاء، في أن تعي حقيقة الأمور، فتلجأ إلى تنظيم صفوفها، تدعيماً للاستقلال، وللحصول على حقها في العلم والرقي وتأمين المستقبل. فكان إنشاء أول تنظيم طالبي في لبنان تحت اسم (اتحاد الطلاب العام).
بدايات التحرك الطلابي:
كان طلاب لبنان في غالبيتهم يدرسون في الجامعتين العريقتين الأميركية واليسوعية. الطلاب في الجامعة الأميركية كانوا في أكثريتهم من الأقطار العربية، وكانوا يحصلون على منح أو مساعدات، وكانت اهتماماتهم متجهة نحو النهضة القومية والوحدة العربية. كثيراً ما كانوا يتعرضون لمضايقة إدارة الجامعة وتعسفها التي بلغت حد الطرد الافرادي والجماعي أحياناً. وفي بداية الخمسينيات طردت، دفعة واحدة، 16 طالباً من بينهم الدكتوران جورج حبش ووديع حداد.
أما طلاب الجامعة اليسوعية فكانوا في غالبيتهم الساحقة من الجنسية اللبنانية. وكانت فرنسا وإرسالياتها تقدم لهم المنح والمساعدات. لكن بعد أن خرجت فرنسا منهكة من الحرب العالمية الثانية، وتبعاً لسياسة التقشف التي اعتمدتها، فقد أوقفت مساعداتها عن طلاب الطب والهندسة.
في مقابلة أجريتها مع الأستاذ سمير مجدلاني، الذي دخل كلية حقوق اليسوعية عام 1947، أفاد بأن إدارة الجامعة اليسوعية كانت تمارس ديكتاتورية صارمة على طلابها. كانت تفرض عليهم الصلاة اليومية والحضور إلى الجامعة أيام الآحاد لهذه الغاية. كانت تمنع على طلابها أي شكل من أشكال النشاط المطلبي أو السياسي. وكانت تمنع عليهم إدخال الصحف أو قراءتها باستثناء جريدة العمل الكتائبية وبشكل محدود. كانت تمنع عنهم تشكيل رابطات تتكلم باسمهم وتدافع عن مصالحهم. أما الأساتذة فلم يكونوا أقل ديكتاتورية من الإدارة. كانوا يفرضون مفاهيمهم الثقافية على طلابهم ويمنعونهم من مناقشتها والويل والسقوط ينتظر من يناقضها.
ديكتاتورية الإدارة وغلاء الأقساط دفعا الطلاب إلى التحرك والمطالبة بتخفيض الأقساط. أو (لبننة) الجامعة اليسوعية ليصبح التعليم فيها مجانياً، أو على الأقل حتى إنشاء جامعة وطنية لبنانية، ومنهم من اعتبر أن الحل الوحيد هو في إنشاء جامعة لبنانية يكون التعليم فيها مجانياً وتكون مرتعاً لتلاقي اللبنانيين في بوتقه وطنية واحدة. ولأن التحرك الافرادي أو الموسمي لا يفيد فقد جرت عدة محاولات لإنشاء روابط كانت الإدارة اليسوعية تفشلها وتقمعها بقساوة. أهم هذه المحاولات كانت على يد المرحوم ملحم كرم نقيب المحررين السابق الذي كثف صلاته بطلاب اليسوعية وباقي طلاب الجامعات الموجودة آنذاك ولكن محاولاته لم يكتب لها النجاح مع أن علاقته بالإدارة كانت جيدة، ومرد ذلك خوفها من أن تفقد سيطرتها على الروابط لاحقا".
وللحد من تنامي الوعي الطلابي لجأت إدارة اليسوعية إلى السلطات اللبنانية ومعظم رجالاتها ممن درسوا فيها، فتم الاتفاق على أن تقدم الحكومة اللبنانية مساعدة بمئة ألف ليرة سنوياً للجامعة اليسوعية، على أن تقوم إدارتها بتوزيعها على الطلاب المحتاجين. فكانت تستخدم هذه المساعدة لشراء الذمم ولبث العيون بين الطلاب. لكن كل قساوة التدابير الإدارية ودعم السلطات اللبنانية لها لم يمنع في النهاية من قيام تنظيم طلابي سري للغاية يحمل هموم الطلاب الوطنية والمطلبية ويقود نضالهم من أجل تعميم وإلزامية ومجانية التعليم الابتدائي، ومن أجل إنشاء المدارس الرسمية الثانوية ومن أجل إنشاء الجامعة اللبنانية.
تأسيس اتحاد الطلاب العام
إنّ تدرّج الوعي عند الطلاب قاد إلى قيام (اتحاد الطلاب العام). كان أعضاؤه يتألفون من طلاب الجامعات والمدارس الثانوية. لم تعترف به الدولة اللبنانية بل على العكس وقفت بالمرصاد لكل تحركاته السياسية والمطلبية. لقد كان يعتبر التنظيم الطلابي الجماهيري للحزب الشيوعي، وأوّل رئيس له كان شهيد الجامعة اللبنانية فرج الله حنين وآخر رئيس له كان الشهيد جورج حاوي الذي ساهم بدمجه، كما سنرى باتحاد الطلاب الجامعيين (طلاب اليسوعية) ليشكلا معاً الاتحاد الوطني للطلاب الجامعيين في لبنان. كان ذلك عام 1961.
عقد اتحاد الطلاب العام مؤتمره الأول عام 1948 وبشكل سري مطلق، في محلة طريق الجديدة من بيروت. انتخب المؤتمر رئيساً وأقر برنامجاً تربوياً. البرنامج السياسي كان العمل على تدعيم استقلال لبنان وعدم إدخاله في الأحلاف العسكرية الاستعمارية المكشوفة الأهداف والمبطنة. كما أعطى السلام العالمي أهمية في برنامجه لكونه حاجة ملحة للبشرية بعد حربين عالميتين كادتا أن تدمرا العالم وتقضيا على الجنس البشري. أما برنامجه التربوي فكان يهدف إلى تعميم وإلزامية ومجانية التعليم الابتدائي والمطالبة بتأسيس مدارس ثانوية رسمية وإنشاء الجامعة اللبنانية.
من أجل تفعيل عمله السياسي انضم هذا الاتحاد إلى (الاتحاد العالمي للطلاب) ولعب من خلاله دوراً مهماً في النضال ضد تآمر الدول الاستعمارية على استقلال لبنان الطري وعلى شعوب المعمورة كافة. كما ساهم في تعرية وفضح سياستها في إشعال أتون الحرب الباردة وجعل العالم يعيش على حافة الحرب. قام أعضاؤه، كما أكثرية طلاب العالم، بجمع التواقيع على نداءات تدعو للسلام العالمي. جمعوا عشرات آلاف التواقيع على نداء استكهولم الشهير للسلام، كما قاموا وشاركوا في تظاهرات ضد الأحلاف العسكرية. في أحداها عام 1954، استشهد الطالب حسان أبو إسماعيل من الحزب التقدمي الاشتراكي.
ونتيجة لفعالية نشاط الاتحاديين قامت السلطات اللبنانية بملاحقة العديد من أعضائه واعتقالهم، وكانت تحولهم على (المجلس العدلي) أفراداً وجماعات، الذي كان يفرض عليهم أحكاماً اعتباطية. لقد حكم بالحبس عدة مرات على شهيد الجامعة اللبنانية فرج الله حنين، كما حكم على المحامي ألبير فرحات مدة شهرين لضبطه يجمع تواقيع داخل الجامعة الأميركية احتجاجاً على طرد الطلاب الستة عشر منها. وكانت الحكومة تلجأ إلى إرهاب الناشطين من الطلبة الاتحاديين فتقوم دورياتها بمداهمة منازلهم قبل أو بعد كل تحرك. ماري أخت الشهيد فرج الله أفادتنا أن مراقبة أو مداهمة منزلهم كانت شبه يومية. أما على الصعيد التربوي فقد ركز طلاب الاتحاد على مقاومة الاستعمار الفرنسي الثقافية الذي يمارس دوراً مهيمناً من خلال مدارس إرسالياته والمدارس الخاصة الطائفية التي تتبع له عملياً. وعملوا على كسر هذه الهيمنة من خلال دعوتهم لتعزيز التعليم الابتدائي الرسمي وتوسيعه، ومن خلال دعوتهم لإنشاء المدارس الثانوية والجامعة اللبنانية. في الفصول اللاحقة سنبين، بالتفصيل، كيف تمكن هذا الاتحاد من قيادة الحركة الطالبية والشعبية للوصول إلى تدعيم التعليم الرسمي وإلى إنشاء المدارس الثانوية والجامعة اللبنانية.
صفحة 9
الفصل الثالث

توصية نيابية أنشأت الجامعة اللبنانية

16 كانون الأول 1950

شكل مؤتمر اتحاد الطلاب العام نقطة تحول كبيرة في وعي طلاب لبنان. فلأول مرة توضع أمامهم أهداف تربوية واضحة ومهمات للعمل والنضال، فتحولوا إلى خلايا في ندوات ثقافية تحريضية، تفضح تقصير السلطة وانحيازها إلى المدارس الطائفية الخاصة ومدارس الإرساليات والجامعات الأجنبية. قام الطلاب بتحركات متنوعة، رافعين شعارات المؤتمر وأوصلوها إلى كل المسؤولين. استجابت لمطالبهم لجنة التربية الوطنية في جلسة عقدتها في 16 كانون الأول 1950، برئاسة الدكتور يوسف متى، وكانت مخصصة لدرس إمكانية تأسيس جامعة وطنية. وبعد مداولات توصلوا الى ضرورة إنشاء جامعة لبنانية على أن تخصص لها أبنية الاونسكو بعد وضعها تحت تصرف وزارة التربية الوطنية. أخذوا توصية، في نهاية اجتماعهم، بإنشاء جامعة لبنانية وفقاً لمعايير ومناهج وقوانين الاونسكو. كما أوصوا لذلك برصد الاعتمادات اللازمة في موازنة سنة 1950 الحالية.هذه التوصية اعتبرت تاريخاً لتأسيس الجامعة اللبنانية، إذ إنه لا يوجد مرسوم بإنشاء جامعة لبنانية رسمية. وهذا ما أكد عليه الدكتور ادمون نعيم، الرئيس الثالث للجامعة اللبنانية، في أكثر من حديث.
لا موافقة على ميزانية لإنشاء الجامعة اللبنانية
وقع المسؤولون اللبنانيون في بلبلة تجاه تصاعد المطالب الطالبية والشعبية الداعية لإنشاء جامعة لبنانية. فبعد توصية لجنة التربية النيابية وليس من الحكومة، طالب العديد من النواب أثناء مناقشة ميزانية عام 1950، بضرورة لحظ ميزانية لإنشاء الجامعة المنشودة. كما دعوا لاْن يكون التعليم الرسمي مجانياً في كل مراحله من الابتدائي حتى الجامعي. "عدد قليل من النواب عارض إنشاء الجامعة، في حين أيد معظم النواب تأسيس جامعة مشترطين البدء بإنشاء معهد للدراسات تكون له صفة وطنية يشرف عليه مجلس أمناء تراقبه الحكومة، إلى أن ينمو ويصبح يوماً ما جامعة وطنية، ليست غايتها مزاحمة المعاهد الأجنبية" (16).
إذاً لماذا العجلة، فنواب الأمة أوصوا بإنشاء معهد دراسات له صفة من (وطنيتهم) وقد يتحول (يوماً ما) إلى جامعة وطنية لا تزعج الجامعات الأجنبية. عاشت الوطنية.
قامت الدنيا ولم تقعد بعد إقرار مجلس النواب ميزانية عام 1950، خالية من تخصيص مبلغ كافٍ لإنشاء جامعة لبنانية.
وبقيت الأمور تتفاعل إلى أن اضطرت الحكومة لتقديم مشروع قانون في 5 كانون الأول 1950 بفتح اعتماد إضافي بقيمة 625 ألف ليرة في موازنة 1950، على أن يخصص منه 256 ألف ليرة لموازنة جامعة لبنانية منوي إنشاؤها. في 13 كانون الأول وافقت اللجنة المالية بالإجماع على مشروع قانون الزيادة وكان رئيسها النائب الأستاذ إميل لحود.
اتحاد الطلاب العام يدعو إلى الإضراب
تجاه هذه الملهاة دعا (اتحاد الطلاب العام) إلى اجتماع عام عقد في الطبية أثناء فرصة عيد الميلاد. وكان الحماس يدب في عروق الشباب تجاه مناورات الحكومات المتعاقبة التي تخلفت عن إصدار مرسوم تأسيس جامعة لبنانية، ولكنها تغدق الوعود خاصة بعد كل تحرك طلابي أو إضراب حتى ملَّ الطلاب لغة الوعود التي لا ينتج عنها شيء. أجمع المجتمعون على توجيه إنذارٍ إلى المسؤولين بتحقيق مطالبهم قبل 20 كانون الثاني 1951 وإلا فالإضراب العام. وكان أهم المطالب كما جاء في صحف اليوم التالي: جعل التعليم العالي مجانياً في الجامعة اليسوعية حتى يتم إنشاء الجامعة اللبنانية المنشودة، أو على الأقل زيادة مساهمة الدولة من مئة ألف ليرة إلى مليون ليرة سنوياً وعلى أن تشمل الطلاب كافة.
ولما لم تستجب الحكومة في الوقت المحدد أعلن الطلاب، ابتداءً من صباح 23 كانون الثاني 1951، الإضراب العام المفتوح حتى تحقيق المطالب. ولمواجهة زخم الإضراب استخدمت الدولة كل ما ورثته عن المستعمر من أساليب القمع. من جهة تروج عيونها (مخابراتها) بين الطلاب بأن الإضراب عمل تخريبي يستغله الشيوعيون لتحقيق مآرب تآمرية على الدولة. ومن جهة ثانية تلجأ إلى ملاحقة قادة الإضراب لتعتقلهم أو لتجبرهم على التخفي وتحد من نشاطهم. كل ذلك لم ينفع مع طلاب أدركوا بالتجربة أن الحكومة لا تستجيب لمطلب محق إلا تحت الضغط والإكراه.
تظاهرة الطلاب واستشهاد فرج الله حنين
ولما لم يصلوا إلى نتيجة بعد عشرة أيام من الإضراب الشامل، قرروا التظاهر في 2 شباط. تجمعوا أمام الطبية في تظاهرة سلمية ضخمة ضمت الآلاف من الطلاب يؤازرهم التلامذة الثانويون وطلاب دار المعلمين الابتدائية وحشد من الأهالي وساروا باتجاه ساحة الشهداء، رافعين شعارات تتمحور في غالبيتها حول ضرورة إنشاء المدارس الرسمية الثانوية وإنشاء الجامعة اللبنانية. كتب على إحدى اليافطات (لا استقلال حقيقي بدون تعليم وطني جامعي). استبسلت الحكومة في قمع التظاهرة، إذ حشدت كل ما تملك من قوى الأمن الذين استخدموا الهراوات وأعقاب البنادق في مواجهة طلاب عزل كل هدفهم إسماع صوتهم المطالب بأن تقوم الحكومة بواجبها الوطني في تأمين العلم. سقط نتيجة المواجهات عشرات من الطلاب جرحى. كان من بينهم قائد المسيرة المناضل الشيوعي الطالب فرج الله حنين رئيس اتحاد الطلاب العام. أصيب فرج في دماغه ومعدته مما سبب له نزيفاً داخلياً، وبعد علاج طويل توفي في المستشفى.
استنكاراً لهذا القمع الوحشي غير المبرر، تحرك الرأي العام اللبناني من نقابات عمالية وأحزاب تقدمية وصحافة ونواب، وانهالت على مجلس النواب مئات برقيات الاحتجاج، كان أبرزها سؤال إلى الحكومة من النائب كمال جنبلاط رئيس الجبهة الوطنية الاشتراكية، يستنكر فيه أعمال القمع ضد الطلاب ويؤيد مطالبهم في إنشاء جامعة وطنية رسمية أو تحويل الجامعات الأجنبية إلى جامعة وطنية. وأضاف في سؤاله مستغرباً، أليس من العار علينا، ولبنان بلد العلم، أن يذهب طلابنا إلى الجامعات في القاهرة وبغداد وسوريا! كما أن النائب كميل شمعون العضو في الجبهة الوطنية الاشتراكية تقدم بدوره بسؤال إلى الحكومة مستنكراً استخدام العنف ضد الطلاب.
دم فرج الله حنين أنشأ الجامعة اللبنانية
بعد ثلاثة أيام على التظاهرة الطلابية، أي في 5 شباط 1951، عقد مجلس الوزراء جلسة مخصصة لدرس مطالب الطلاب، اتخذ فيها المقررات التالية (17):
1- إبقاء الاعتماد المخصص لمساعدة طلبة التعليم العالي وقدره ماية ألف ليرة لبنانية على حاله وأن يجري توزيعه على الطلبة المحتاجين بموجب نظام خاص يوضع بعد استطلاع رأي ذوي الاختصاص.
2- إنشاء جامعة لبنانية في قصر الاْونسكو ترصد لها الاعتمادات اللازمة في ميزانية العام الحالي وتتولى تدريس : الحقوق، الهندسة، العلوم السياسية، العلوم الرياضية، الآداب العالية، الأبحاث الطبيعية. أما فرعا الطب والصيدلة فتساهم الحكومة بتعلّمهما عبر منحٍ داخلية وخارجية.
3- تأليف لجنة خاصة لوضع برنامج العمل في الجامعة اللبنانية المقرر إنشاؤها حتى يتم افتتاحها في تشرين الأول 1951.
صفحة 10
الطلاب يقررون مواصلة الإضراب
في اليوم التالي، أي في مساء السادس من شباط عقد الطلاب، في ملعب دي شايلا جمعية عمومية حاشدة تدارسوا خلالها مقررات مجلس الوزراء فوجدوا فيها قرارات ارتجالية اتخذت لتهدئة الرأي العام، أكثر مما هي للتنفيذ، إذ كيف "تستطيع الحكومة أن تتدبر الاعتمادات اللازمة لإنشاء الجامعة وجعل التعليم مجانياً، وهي التي اعتذرت عن عدم استطاعتها جعل المساعدة للطلبة أكثر من مئة ألف ليرة" (18). كما استغرب الطلاب إغفال الحكومة لقضية تعميم التعليم الابتدائي والثانوي وهو الأساس الذي يندرج عليه التعليم العالي. ثم لماذا القرار يستثني تعليم الطب والصيدلة في الجامعة اللبنانية. لكل هذه الأسباب قرر الطلاب بالإجماع الاستمرار بالإضراب. في هذا الوقت أخذ تأييد الإضراب يتزايد، إذ أضرب جميع تلامذة المدارس الفرنسية، وكذلك تحرك طلاب الجامعة الأميركية لأول مرة تأييداً لمطالب زملائهم طلاب اليسوعية. جاء ذلك في بيان لمجلس طلبتها أصدروه تأييداً لفكرة إنشاء جامعة وطنية يكون التعليم فيها شبه مجاني.
جلسة استجواب للحكومة
عقدت في 7 شباط جلسة للمجلس النيابي تليت فيها الأوراق الواردة ومنها عشرات البرقيات الواردة في النقابات العمالية والأحزاب وروابط التلامذة الثانويين، وكلها تستنكر أعمال القمع الوحشي والضرب الذي تعرض له الطلاب، وتُجمع على تأييد المطالب خصوصاً مطلب إنشاء الجامعة اللبنانية. في الجلسة حاولت الحكومة، في ردها على سؤالي جنبلاط وشمعون والبرقيات أن تحمّل المسؤولية للطلاب الذين اعتبرتهم مسؤولين عن البدء باستعمال العنف. ودافعت الحكومة عن المقررات التي اتخذتها منذ يومين واعتبرتها أكثر ما يمكن أن تقدمه. كانت الجلسة صاخبة بين مؤيد ومعارض لقرارات الحكومة وانتهت بدون أي مقررات جديدة.
وأخيراً الحكومة ترضخ
300 ألف ليرة ميزانية الجامعة عن 3 أشهر
عادت الحكومة إلى الاجتماع في 8 شباط، أي في اليوم التالي لجلسة البرلمان وبعد ثلاثة أيام على اجتماعها الأول. أصدرت على أثر الاجتماع بياناً أعلنت فيه رداً على تشكيك الطلاب بأن فتح جامعة لبنانية لا يحول دون تعميم التعليم الابتدائي والثانوي. وتأكيداً على جديتها أعلنت أنها تقدمت إلىمجلس النواب بمشروع قرار إضافي قدره 300 ألف ليرة لبنانية لنفقات الجامعة عن الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 1951 (19)، على اعتبار أن الجامعة بحسب قرارات الاجتماع السابق سيتم افتتاحها في تشرين الأول 1951. كما وافقت الحكومة على لائحة بأسماء أعضاء اللجنة المكلفة درس أنظمة الجامعة ومناهجها وهم الدكتور خليل الجر الذي أصبح مدير دار المعلمين العليا، وهو بذلك أول رئيس للجامعة اللبنانية، وكذلك من المفتشين نقولا بسترس وواصف بارودي.
تعليق الإضراب
كانت لجنة الإضراب تعقد يومياً جمعية عمومية للطلاب يتدارسون فيها آخر المستجدات. وفي 12 شباط صدر عنها بيان توضيحي يدعو الطلاب إلى إنهاء الإضراب، ولكنهم في الوقت نفسه يتوعدون "وليعلم السؤولون أننا كمواطنين شاعرين بواجبنا ووعينا الوطنيين لن نترك سانحة تمر إلا استفدنا منها لنرجع إلى معالجة قضيتنا الحيوية في المستقبل العاجل". كما دعا البيان إلى إذكاء شعلة الوعي الاجتماعي وإحكام تنظيم النضال. وهذا نص البيان الحرفي:
بيان الطلاب: النضال مستمر
أيها الطلاب
قد ثبتم في إضرابكم ومظاهراتكم التي أثارت إعجاب الأمة وتأييدها لكم بصحافتها وهيئاتها وعقلائها، بينما أظهر المسؤولون مرة أخرى عدم قابليتهم لتفهم قضايا البلاد تفهماً وطنياً رفيعاً...
كذلك كشف المسؤولون عن تعسفهم بما صدر عن بوليسهم من قساوة وحشية في قمع المظاهرات السلمية المشروعة.
وهكذا كسبتم معركة الحق، لأنكم مواطنون لبنانيون تطلبون لا حسنة ولا منّة فأن من حقكم القوي أن لا يحول غلاء الرواتب الجامعية دون مواصلة دروسكم.
ولأنكم أنتم الذين تريدون الجامعة الوطنية، لكن تريدونها أن تبدأ بالأهم، أي بإنشاء الفروع العالية للتعليم التطبيقي المفقودة في البلاد والتي هي بحاجة قصوى إليه كي ترفع إنتاجها القومي إلى أعلى مستواه...
لكن المسؤولين لا يأبهون للرأي العام وللمعقول معلنين أنهم لا يمنحون الشعب إلا ما يشاؤون من صدقة أو حسنة ولا يحققون جامعة وطنية إلا كما يحبون ويستهوون.
حينذاك انقطع حبل الاتصال المنطقي بين الحكام وبيننا فشعرنا بالهوة الفاصلة تبعدنا عن أناس يستعملون القوة السافرة لرفض رغباتنا العادلة، ورد مطاليبنا المحقة، وقمع مظاهراتنا السلمية المشروعة... شعرنا أننا من صميم الشعب المغلوب على أمره وأنه لا يمكن تحريره وتحقيق مطاليبه الارتقائية إلا بالقضاء على الذهنية الحاكمة غير البصيرة...
فإن نحن قررنا العودة إلى دروسنا اليوم، محاولين الاستمرار المضني لنا ولأهالينا في تحصيل علم يرهق إمكانياتنا، فعودتنا لن تنسينا المرارة التي ذقناها من قبل من كنا نريدهم آباء لنا صالحين.
إذا نحن عدنا إلى الدروس فلنحصل منها أفتكها وأمضاها فعالية لننير بها الشعب منضوين ومساهمين في قيادة نضاله لتحرير نفسه من بعض أبنائه العابثين به... وليعرف المسؤولون أننا كمواطنين شاعرين بواجبنا ووعينا الوطنيين لن نترك سانحة تمر إلا استفدنا منها لنرجع إلى معالجة قضيتنا الحيوية في المستقبل العاجل.
أيها الطلاب:
لنظل معاً نعمل على الاحتفاظ بتضامن كان وسيبقى وسيلتنا الفعالة لإحقاق كل مطلب حق.
فإلى إذكاء شعلة هذا الوعي الاجتماعي وإحكام تنظيم هذا النضال، ندعوكم أنتم سياج الأمة وحجر اللساس في بناء المستقبل.
بيروت في 12 شباط 1950 (20)
عاش لبنان لجنة الإضراب بعد هذا الإضراب، والدم الذي سال، واستشهاد القائد الطلابي فرج الله حنين، وبعد قرارات الحكومة المتعاقبة بإنشاء جامعة لبنانية، لم يعد بإمكان الحكومة أو أي حكومة لاحقة أن تتجاهل قضية التعليم الرسمي وقضية الجامعة. إذاً الجامعة اللبنانية أصبحت واقعاً ينتظر التنفيذ.