صفحة 1
الجدران
قطعة صغيرة حمراء، هي كل ما تبقى من قالب كبير تآكل جزء منه جراء الاستخدام وبقي أكثر من نصفه سليماً وإن كان مغطىً بالخدوش والغبار. التقطها عن الأرض وأخذ يتأملها بدهشة. ما الذي يأتي بقطعة طباشير إلى فناء السجن؟ من يحتاج إليها؟ ومن يمكن أن يستخدمها في هذا المكان؟ هل هناك تلاميذ مثلاً؟! أم أن هناك من يتعلمون باستخدام سبورة؟! التقطها وأخذ يقلبها في يده وينفض عنها الغبار، ثم بلل إصبعه بلعابه وأخذ يمسحها بعناية حتى بان لونها الأحمر المشرق، وبدا مظهرها مبهجاً في كآبة الصباح الشتائي البارد. عاد ينظر إليها ويقلبها بين يديه قبل أن يضعها بعناية في جيب قميصه العلوي. من يدري، لعلها تنفع يوماً في شيء ما.
وضع يديه في جيبيه وراح يمشي بخطوات متثاقلة وهو يغالب النعاس والكآبة. واتجه إلى إحدى البقع المشمسة حيث تجمع الآخرون بعيونهم الذابلة والمتعبة، وكلهم صامتون ينظرون إلى داخلهم ووجوههم خالية من أية تعابير. من يرغب في الكلام في الساعة الخامسة صباحاً بمعدة خاوية وذهن تغلفه غشاوة نوم لم يكتمل؟
حين أسند ظهره إلى الجدار ولملم أطرافه في أشعة الشمس الشاحبة، أحس بلذة الدفء وهو يسري في أوصاله، وتذكر أوقاتاً أخرى باردة وهانئة. تذكر استيقاظه أيام المدرسة في أيام الشتاء: رائحة الصباح الطازجة والأشياء من حوله وقد علتها هالة من الجدة والنضارة بعد سبات الليل الطويل، شوارع المدينة الهادئة وقد بدأت تدب فيها أول أنفاس الحياة في يوم جديد، رائحة الخبز الساخن وطعم الكعك المغموس بالحليب تداعب حواسه التي لم تكد تستيقظ بعد. تذكر فناء المدرسة في الصباح الباكر، والدقائق القليلة قبل طابور الصباح وتحية العلم، يمضونها في كرة القدم إن كان الجو ملائماً، وإذا منعهم البرد بحثوا عن بقعة مشمسة يلتمسون فيها الدفء. كان بعض المدرسين يرونهم أحياناً فيعجبون لحضورهم في الصباح الباكر ويسألونهم بسخرية هل ذلك لمحبتهم للعلم وإقبالهم عليه.
وابتسم ابتسامة باهتة ورفع بصره فتوقفت عيناه عند قمة الجدران العالية.
***
في وحدة السجن لا شيء حقيقياً إلا الوقت. يتكثف الزمن ويتصلد حتى يصير كياناً مجسداً ومحسوساً، ينتشر فيملأ فراغ الصمت والعزلة ويزاحم ذرات الهواء.
كان سر النجاة بالنسبة إليه أن يتمكن من مواجهة الوقت، أن يحاول تطويعه والتأقلم معه. وشيئاً فشيئاً أخذ يتعلم كيف يجعل منه شيئاً مفهوماً ومألوفاً. وفي سبيل ذلك كان يحاول تنظيم الوقت وتقسيمه إلى فترات واضحة ومحددة، مستخدماً كل ما يتاح له من إشارات. تنتهي الفترة الأولى مثلاً حين يصل العمود القائم في نهاية الساحة إلى طرف البوابة الرئيسية، وتنتهي الثانية مع تغيير أول نوبة حراسة، وهكذا إلى أن يغيب آخر جزء من الشمس الغاربة وراء حافة الجدار لتبدأ المرحلة الأخيرة، فيسود الظلام ويخيم صمت لا تعكره إلا خطوات الحرس وهمهماتهم، وأصوات متفرقة ترتفع بالغناء في محاولة لمعاندة الصمت، ويستمر بعضها بإصرار ومكابرة يتناقصان تدريجاً إلى أن تتلاشى وتغيب في العتمة. إلا أن هذا الوقت لم يحن بعد، وما زال هناك الكثير من الوقت قبل الغداء، والكثير من الوقت بعده إلى أن يأتي الليل. نهار كامل من الصمت والخواء!
أخذ يحدق إلى الجدار المواجه له برسومه المبهمة. وخطرت له قطعة الطباشير فأخرجها من جيبه وأخذ يتلمسها بأصابعه، وحاول أن يتذكر آخر مرة استعمل فيها قطعة طباشير. عاودته أيام المدرسة بحلوها ومرها: رفاقه وصخبهم، الدراسة والتهرب منها، المعلمون والمعلمات وكل منهم عالم قائم بذاته. كانت الصور تتوارد حية في ذهنه، إلا أنها جميعاً بدت غريبة وبعيدة على نحو ما وكأنها حدثت لشخص آخر غيره. لشد ما تقلبت به الأيام!
كان الجدار مغطىً بكتابات ورسوم من كل الأشكال والألوان. خطوط متناثرة في كل مكان، معظمها متشابك يتداخل بعضه مع البعض الآخر. كانت بعض الكتابات واضحة ومقروءة، وبعضها أشبه بخطوط تلاميذ يتهجأون كلماتهم الأولى، بخطوطها المتعثرة المرتجفة وأخطائها الإملائية الساذجة. كانت هناك رسوم أيضاً، معظمها بدائي أخرق، نساء وأشجار وحيوانات وأشكال غريبة لا يعرف ماذا قصد لها أن تكون. كما كانت هناك أشعار و أمثال وحكم، بل إن أحدهم كتب آية قرآنية في إحدى الزوايا. غير أن معظم الكتابات كان أسماء وتواريخ، سجلات دوّن فيها بعضهم أسماءهم ومدنهم وقراهم، وأفكارهم وآمالهم، وأهاليهم وأصدقاءهم ونساءهم. "عدنان الحمود" كتب بحروف كبيرة متعرجة، وتحتها رسم لقلب تتوسطه كلمة "أمل". ترى من هو هذا "الضبع الأسود"، ومن أين أتى بهذا الاسم المضحك؟ تخيله رجلاً ضخماً قوي البنية خشن الملامح والصوت، مجرماً خطيراً عديم الرحمة. وربما كان على العكس من ذلك، رجلاً هزيلاً، صغير الجسم ضعيف البنية، وأراد التعويض عن شعوره بالنقص بهذا اللقب الرنان. أخذ يفكر في عدنان الحمود، وحاول أن يتخيل شكله ومظهره. ترى ماذا يفعل الآن؟ ربما يكون في سجن آخر، ولكنه قد يكون أعدم مثلاً. ولعله يكون حراً طليقاً، قد عاد إلى بلده وأهله. ومن هي أمل هذه؟ زوجته أم خطيبته؟ أم الفتاة التي يحبها والتي انتظرته حتى عاد إليها من السجن؟ أم لم تنتظره وتزوجت غيره؟ ومن الممكن أنها لم تكن تبادله الحب، أو حتى لا تعرفه أصلاً، بينما يحبها هو بصمت. بل لعلها غير موجودة على الإطلاق، وما هي إلا من صنع خياله الذى ألهبته عزلة السجن. ترى من هذا الذي كتب الآية القرآنية، وكيف جاء إلى هنا، وما هو رأيه في الصور المرسومة على الجدران؟ أم أنها رسمت بعد رحيله؟
وأخذ يجول بعينيه وأفكاره في أرجاء المكان، فأخذت تتكشف أمامه عوالم غامضة غنية لم تكن تخطر له على بال. أحلام وآمال، وطموحات وأحزان، وتواريخ وذكريات تتداخل وتمتد عبر الجدران لتشكل وشائج خفية تتجاوز حدود الزمن وتربط بين كل من احتوته أرجاء هذا المكان. وأخذه العجب كيف لم يلاحظ كل ذلك من قبل. لقد كانت الجدران ماثلة أمامه صباح مساء، وكم من مرة نظر إلى هذه الأشكال دون أن تعني له شيئاً، بل دون أن يراها أصلاً. كان قد اعتادها حتى صارت جزءاً لا يتجزأ من الجدران، لا تختلف في شيء عما يعلوها من خدوش وأوساخ.
أما الآن فراح ينظر إليها وهو يفكر في ما سيكتب.
****
كان نومه عميقاً وهادئاً، كما لم ينم منذ زمن بعيد. وفي الليل رآهم جميعاً، مع أحلامهم وأفكارهم وآمالهم، وزوجاتهم وأطفالهم ونسائهم، جاءوه عبر الجدران ليشاركوه في وحدته ويملأوا عليه فراغ الزنزانة الموحش.
وحين اجتمعوا حوله وراحوا يحدثونه ويواسونه في وحدته، أحس بعزلته تتلاشى والبرد ينحسر من داخله، ورأى الجدران تتراجع وتمّحي لتنفتح من ورائها آفاق لا حدود لها، وعوالم ملأى بالدفء والضوء والحياة.
****
كان يرى كل شيء يجري من حوله وكأنه في حلم. كانت تمر به الأشياء وكأنها تقع في عالم آخر، أو كأن ستاراً خفياً قد أطبق عليه من كل الجوانب وألقى بغشاوة كتيمة على حواسه.
كانوا يأخذونه من مكتب إلى آخر ومن إجراءات إلى غيرها وهو يتحرك بشكل آلي وكأن كل ذلك يجري لشخص آخر لا علاقة له به. وحين ختموا آخر الأوراق وقادوه في الممر الطويل المعتم غار قلبه في صدره، وأدرك حين سمع البوابة الحديدية وهي تغلق من ورائه أنه قد جاوز نقطة اللاعودة. وعندما وجد نفسه وحيداً في زنزانته خيم على روحه شعور العزلة المطلقة، ورأى نفسه وقد ألقي به فوق حافة العالم وقد أحاط به الفراغ من كل جانب. وأحس كمن ألقي به في قعر وادٍ سحيق وقد ارتفعت من حوله جدران شاهقة تفصله عن الدنيا برمتها.
كان يتطلع حواليه فترتد نظراته عن سقف واطئ وجدران عتيقة قاتمة متسخة بشتى أنواع الكتابات المتداخل بعضها مع بعض، والتي انتشرت على الجدران حتى غطت مساحة كبيرة منها. وكانت على تنوعها واختلافها مغطاة بغشاوة رقيقة من التقادم والإهمال كادت تحجب معالمها، عدا بضعة خطوط حمراء بارزة بحداثتها ونضارة لونها. اقترب من الجدار وأخذ يتأملها. كانت جملاً قليلة متفرقة في عدة أماكن، إلا أنها مكتوبة بدقة وأناة، ربما لأن صاحبها أراد لها أن تسجل شيئاً قريباً إلى نفسه.
وأخذ يجول بعينيه متأملاً الكتابات الأخرى المتناثرة على الجدران. كانت تسجل أسماء وتواريخ في أزمان مختلفة ولأشخاص مختلفين، وعواطف بسيطة وساذجة، إلا أنها تعني لأصحابها الكثير. ترى ما الذي دفعهم إلى تسجيلها؟ ألمجرد البوح بما في أنفسهم؟ أم حتى يقرأها آخرون؟ وماذا تصوروا أن يعني ذلك لهم؟
وشيئاً فشيئاً أخذ يتمثل له تاريخ غني متصل رأى نفسه جزءاً من حركته المستمرة، حلقة في سلسلة طويلة سبقه فيها البعض وسوف يتبعه آخرون غيرهم بوقائع يدونونها في أوقات مختلفة وبأشكال مختلفة، إلا أنه ينتظمها جميعاً خيط واحد خفي يشد بعضها إلى بعض ويجعل منها رباطاً قوياً من الإلفة والتواصل.
كان صاحب الخطوط الحمراء الأخير في تلك السلسلة، إلا أنه فيما يبدو قال كل ما يريد قوله، أو إنه شاء أن يترك حيزاً صغيراً لمن يجيء بعده. ففي زاوية عند أسفل الحائط كانت هناك قطعة صغيرة من الطباشير الحمراء، هي ما تبقى مما استخدمه من أتى قبله. تناولها وأخذ يقلبها بين أصابعه. كانت صغيرة حقاً، إلا أن ما بقي منها يسمح بكتابة قدر لا بأس به، وعلى الجدار بقيت مساحات تتسع للكثير.
وضع قطعة الطباشير بين السبابة والإبهام، وراح يفكر.
قطعة صغيرة حمراء، هي كل ما تبقى من قالب كبير تآكل جزء منه جراء الاستخدام وبقي أكثر من نصفه سليماً وإن كان مغطىً بالخدوش والغبار. التقطها عن الأرض وأخذ يتأملها بدهشة. ما الذي يأتي بقطعة طباشير إلى فناء السجن؟ من يحتاج إليها؟ ومن يمكن أن يستخدمها في هذا المكان؟ هل هناك تلاميذ مثلاً؟! أم أن هناك من يتعلمون باستخدام سبورة؟! التقطها وأخذ يقلبها في يده وينفض عنها الغبار، ثم بلل إصبعه بلعابه وأخذ يمسحها بعناية حتى بان لونها الأحمر المشرق، وبدا مظهرها مبهجاً في كآبة الصباح الشتائي البارد. عاد ينظر إليها ويقلبها بين يديه قبل أن يضعها بعناية في جيب قميصه العلوي. من يدري، لعلها تنفع يوماً في شيء ما.
وضع يديه في جيبيه وراح يمشي بخطوات متثاقلة وهو يغالب النعاس والكآبة. واتجه إلى إحدى البقع المشمسة حيث تجمع الآخرون بعيونهم الذابلة والمتعبة، وكلهم صامتون ينظرون إلى داخلهم ووجوههم خالية من أية تعابير. من يرغب في الكلام في الساعة الخامسة صباحاً بمعدة خاوية وذهن تغلفه غشاوة نوم لم يكتمل؟
حين أسند ظهره إلى الجدار ولملم أطرافه في أشعة الشمس الشاحبة، أحس بلذة الدفء وهو يسري في أوصاله، وتذكر أوقاتاً أخرى باردة وهانئة. تذكر استيقاظه أيام المدرسة في أيام الشتاء: رائحة الصباح الطازجة والأشياء من حوله وقد علتها هالة من الجدة والنضارة بعد سبات الليل الطويل، شوارع المدينة الهادئة وقد بدأت تدب فيها أول أنفاس الحياة في يوم جديد، رائحة الخبز الساخن وطعم الكعك المغموس بالحليب تداعب حواسه التي لم تكد تستيقظ بعد. تذكر فناء المدرسة في الصباح الباكر، والدقائق القليلة قبل طابور الصباح وتحية العلم، يمضونها في كرة القدم إن كان الجو ملائماً، وإذا منعهم البرد بحثوا عن بقعة مشمسة يلتمسون فيها الدفء. كان بعض المدرسين يرونهم أحياناً فيعجبون لحضورهم في الصباح الباكر ويسألونهم بسخرية هل ذلك لمحبتهم للعلم وإقبالهم عليه.
وابتسم ابتسامة باهتة ورفع بصره فتوقفت عيناه عند قمة الجدران العالية.
***
في وحدة السجن لا شيء حقيقياً إلا الوقت. يتكثف الزمن ويتصلد حتى يصير كياناً مجسداً ومحسوساً، ينتشر فيملأ فراغ الصمت والعزلة ويزاحم ذرات الهواء.
كان سر النجاة بالنسبة إليه أن يتمكن من مواجهة الوقت، أن يحاول تطويعه والتأقلم معه. وشيئاً فشيئاً أخذ يتعلم كيف يجعل منه شيئاً مفهوماً ومألوفاً. وفي سبيل ذلك كان يحاول تنظيم الوقت وتقسيمه إلى فترات واضحة ومحددة، مستخدماً كل ما يتاح له من إشارات. تنتهي الفترة الأولى مثلاً حين يصل العمود القائم في نهاية الساحة إلى طرف البوابة الرئيسية، وتنتهي الثانية مع تغيير أول نوبة حراسة، وهكذا إلى أن يغيب آخر جزء من الشمس الغاربة وراء حافة الجدار لتبدأ المرحلة الأخيرة، فيسود الظلام ويخيم صمت لا تعكره إلا خطوات الحرس وهمهماتهم، وأصوات متفرقة ترتفع بالغناء في محاولة لمعاندة الصمت، ويستمر بعضها بإصرار ومكابرة يتناقصان تدريجاً إلى أن تتلاشى وتغيب في العتمة. إلا أن هذا الوقت لم يحن بعد، وما زال هناك الكثير من الوقت قبل الغداء، والكثير من الوقت بعده إلى أن يأتي الليل. نهار كامل من الصمت والخواء!
أخذ يحدق إلى الجدار المواجه له برسومه المبهمة. وخطرت له قطعة الطباشير فأخرجها من جيبه وأخذ يتلمسها بأصابعه، وحاول أن يتذكر آخر مرة استعمل فيها قطعة طباشير. عاودته أيام المدرسة بحلوها ومرها: رفاقه وصخبهم، الدراسة والتهرب منها، المعلمون والمعلمات وكل منهم عالم قائم بذاته. كانت الصور تتوارد حية في ذهنه، إلا أنها جميعاً بدت غريبة وبعيدة على نحو ما وكأنها حدثت لشخص آخر غيره. لشد ما تقلبت به الأيام!
كان الجدار مغطىً بكتابات ورسوم من كل الأشكال والألوان. خطوط متناثرة في كل مكان، معظمها متشابك يتداخل بعضه مع البعض الآخر. كانت بعض الكتابات واضحة ومقروءة، وبعضها أشبه بخطوط تلاميذ يتهجأون كلماتهم الأولى، بخطوطها المتعثرة المرتجفة وأخطائها الإملائية الساذجة. كانت هناك رسوم أيضاً، معظمها بدائي أخرق، نساء وأشجار وحيوانات وأشكال غريبة لا يعرف ماذا قصد لها أن تكون. كما كانت هناك أشعار و أمثال وحكم، بل إن أحدهم كتب آية قرآنية في إحدى الزوايا. غير أن معظم الكتابات كان أسماء وتواريخ، سجلات دوّن فيها بعضهم أسماءهم ومدنهم وقراهم، وأفكارهم وآمالهم، وأهاليهم وأصدقاءهم ونساءهم. "عدنان الحمود" كتب بحروف كبيرة متعرجة، وتحتها رسم لقلب تتوسطه كلمة "أمل". ترى من هو هذا "الضبع الأسود"، ومن أين أتى بهذا الاسم المضحك؟ تخيله رجلاً ضخماً قوي البنية خشن الملامح والصوت، مجرماً خطيراً عديم الرحمة. وربما كان على العكس من ذلك، رجلاً هزيلاً، صغير الجسم ضعيف البنية، وأراد التعويض عن شعوره بالنقص بهذا اللقب الرنان. أخذ يفكر في عدنان الحمود، وحاول أن يتخيل شكله ومظهره. ترى ماذا يفعل الآن؟ ربما يكون في سجن آخر، ولكنه قد يكون أعدم مثلاً. ولعله يكون حراً طليقاً، قد عاد إلى بلده وأهله. ومن هي أمل هذه؟ زوجته أم خطيبته؟ أم الفتاة التي يحبها والتي انتظرته حتى عاد إليها من السجن؟ أم لم تنتظره وتزوجت غيره؟ ومن الممكن أنها لم تكن تبادله الحب، أو حتى لا تعرفه أصلاً، بينما يحبها هو بصمت. بل لعلها غير موجودة على الإطلاق، وما هي إلا من صنع خياله الذى ألهبته عزلة السجن. ترى من هذا الذي كتب الآية القرآنية، وكيف جاء إلى هنا، وما هو رأيه في الصور المرسومة على الجدران؟ أم أنها رسمت بعد رحيله؟
وأخذ يجول بعينيه وأفكاره في أرجاء المكان، فأخذت تتكشف أمامه عوالم غامضة غنية لم تكن تخطر له على بال. أحلام وآمال، وطموحات وأحزان، وتواريخ وذكريات تتداخل وتمتد عبر الجدران لتشكل وشائج خفية تتجاوز حدود الزمن وتربط بين كل من احتوته أرجاء هذا المكان. وأخذه العجب كيف لم يلاحظ كل ذلك من قبل. لقد كانت الجدران ماثلة أمامه صباح مساء، وكم من مرة نظر إلى هذه الأشكال دون أن تعني له شيئاً، بل دون أن يراها أصلاً. كان قد اعتادها حتى صارت جزءاً لا يتجزأ من الجدران، لا تختلف في شيء عما يعلوها من خدوش وأوساخ.
أما الآن فراح ينظر إليها وهو يفكر في ما سيكتب.
****
كان نومه عميقاً وهادئاً، كما لم ينم منذ زمن بعيد. وفي الليل رآهم جميعاً، مع أحلامهم وأفكارهم وآمالهم، وزوجاتهم وأطفالهم ونسائهم، جاءوه عبر الجدران ليشاركوه في وحدته ويملأوا عليه فراغ الزنزانة الموحش.
وحين اجتمعوا حوله وراحوا يحدثونه ويواسونه في وحدته، أحس بعزلته تتلاشى والبرد ينحسر من داخله، ورأى الجدران تتراجع وتمّحي لتنفتح من ورائها آفاق لا حدود لها، وعوالم ملأى بالدفء والضوء والحياة.
****
كان يرى كل شيء يجري من حوله وكأنه في حلم. كانت تمر به الأشياء وكأنها تقع في عالم آخر، أو كأن ستاراً خفياً قد أطبق عليه من كل الجوانب وألقى بغشاوة كتيمة على حواسه.
كانوا يأخذونه من مكتب إلى آخر ومن إجراءات إلى غيرها وهو يتحرك بشكل آلي وكأن كل ذلك يجري لشخص آخر لا علاقة له به. وحين ختموا آخر الأوراق وقادوه في الممر الطويل المعتم غار قلبه في صدره، وأدرك حين سمع البوابة الحديدية وهي تغلق من ورائه أنه قد جاوز نقطة اللاعودة. وعندما وجد نفسه وحيداً في زنزانته خيم على روحه شعور العزلة المطلقة، ورأى نفسه وقد ألقي به فوق حافة العالم وقد أحاط به الفراغ من كل جانب. وأحس كمن ألقي به في قعر وادٍ سحيق وقد ارتفعت من حوله جدران شاهقة تفصله عن الدنيا برمتها.
كان يتطلع حواليه فترتد نظراته عن سقف واطئ وجدران عتيقة قاتمة متسخة بشتى أنواع الكتابات المتداخل بعضها مع بعض، والتي انتشرت على الجدران حتى غطت مساحة كبيرة منها. وكانت على تنوعها واختلافها مغطاة بغشاوة رقيقة من التقادم والإهمال كادت تحجب معالمها، عدا بضعة خطوط حمراء بارزة بحداثتها ونضارة لونها. اقترب من الجدار وأخذ يتأملها. كانت جملاً قليلة متفرقة في عدة أماكن، إلا أنها مكتوبة بدقة وأناة، ربما لأن صاحبها أراد لها أن تسجل شيئاً قريباً إلى نفسه.
وأخذ يجول بعينيه متأملاً الكتابات الأخرى المتناثرة على الجدران. كانت تسجل أسماء وتواريخ في أزمان مختلفة ولأشخاص مختلفين، وعواطف بسيطة وساذجة، إلا أنها تعني لأصحابها الكثير. ترى ما الذي دفعهم إلى تسجيلها؟ ألمجرد البوح بما في أنفسهم؟ أم حتى يقرأها آخرون؟ وماذا تصوروا أن يعني ذلك لهم؟
وشيئاً فشيئاً أخذ يتمثل له تاريخ غني متصل رأى نفسه جزءاً من حركته المستمرة، حلقة في سلسلة طويلة سبقه فيها البعض وسوف يتبعه آخرون غيرهم بوقائع يدونونها في أوقات مختلفة وبأشكال مختلفة، إلا أنه ينتظمها جميعاً خيط واحد خفي يشد بعضها إلى بعض ويجعل منها رباطاً قوياً من الإلفة والتواصل.
كان صاحب الخطوط الحمراء الأخير في تلك السلسلة، إلا أنه فيما يبدو قال كل ما يريد قوله، أو إنه شاء أن يترك حيزاً صغيراً لمن يجيء بعده. ففي زاوية عند أسفل الحائط كانت هناك قطعة صغيرة من الطباشير الحمراء، هي ما تبقى مما استخدمه من أتى قبله. تناولها وأخذ يقلبها بين أصابعه. كانت صغيرة حقاً، إلا أن ما بقي منها يسمح بكتابة قدر لا بأس به، وعلى الجدار بقيت مساحات تتسع للكثير.
وضع قطعة الطباشير بين السبابة والإبهام، وراح يفكر.
صفحة 2
طقوس
أحياناً تنتابها لحظات غريبة.
كانت سعيدة دون شك، تعرف ذلك أكثر من أي شخص آخر، تعرف أنها محظوظة وتشعر بامتنان حقيقي لذلك. تستعيد شريط الأحداث مرة بعد أخرى، تتذكر كل التفاصيل والأحداث. تتوالى الصور بترتيب ثابت حفظته من كثرة التكرار؛ لقاؤه الأول بها، متابعته لها التي أحست بها كل الوقت، وزيارته الأولى، ثم الخطبة وحفل الزواج ... ولحظات أخرى مضت مسرعة، وكان لا بد أن تمضي، إلى الأبد، تومض في ذهنها أحياناً دون سابق إنذار، ثم تمضي تاركةً وراءها آثاراً مبهمة (تعكر عليها صفوها بعض الوقت، ثم تختفي). تستذكر قراراتها واحداً واحداً، بتتابعها المنطقي، وتؤكد لنفسها أنها لم تخطئ في واحد منها. لم يكن أمامها سبيل آخر، وأنها لو واجهت الموقف نفسه مرة أخرى وفي الظروف نفسها فلا بد أنها ستأخذ القرار نفسه.
أحياناً، في لحظات صافية، بينما تلاعب الطفلين أو تشاهد التلفاز، أو بعد أن ترجع أحياناً من زيارة متأخرة، وبينما تسترخي أخيراً أو حين تخلع قرطيها ثم حذاءها وهي تجلس على حافة السرير، تنتابها فجأة مشاعر غامضة. ينساب في أعماقها تيار هادئ يحرك فيها حنيناً لا تكاد تشعر به إلا في تلك الأوقات الخالية، حين يتلاشى كل الضجيج من حولها. تمضي إلى غرفتها بقلب واجف، بمزيج من اللهفة والخوف، تكاد تمشي على رؤوس الأصابع كاللصوص. تغلق الباب من خلفها وتفتح الدرج السفلي بالمفتاح الذي لا يعلم مكانه غيرها. تزيح ألبومات الصور ورزم الأوراق، شهاداتها وبطاقاتها الجامعية، رسائل من أزمنة لم يعد لها وجود، وهدايا لا تذكر من أين جاءت، وفي الزاوية البعيدة تحت كل شيء ترى المغلف الأبيض المصفر بإطاره الأحمر والأزرق، والذي كانت تشتري مثله من المكتبة الصغيرة عند زاوية الشارع، وهي عائدة من المدرسة (ألم يجد مغلفاً أكثر أناقة من هذا؟). تفتح ورقة صارت لينة من تكرار الفتح والطي على مدى سنوات، الورقة المقتطعة من دفتر جامعي ذي سلك حلزوني. قُطعت الورقة من الجهة اليمنى بعناية على امتداد الخط المحزز، ولكن جزءاً صغيراً تمزق من زواية الورقة السفلى، جزءاً صغيراً لا يكاد يلحظ، ولكنه صار لديها معلماً مميزاً كأنه إشارة لها مغزاها. طالعها الخط الكبير الواضح. لم يكن جميلاً ولا متناسقاً، ولكنه مكتوب بعناية وشغف من يسكب جزءاً من روحه في كلمة يكتبها. المشاعر المتقدة الهشة تتلاحق متعثرة، قفزة أخيرة في فراغ الأمل. هل كانت العبارات من صنعه، أم نقلها من كتاب كما كان يفعل الكثيرون؟ بدت لها أكثر صدقاً وأقل إتقاناً من أن تكون منقولة (كانت تلك الفكرة تسعدها على نحو ما). ولكنها لم تكن ترى العبارات التي حفظتها عن ظهر قلب، بل ما وراءها. كانت تنظر إلى الورقة بألوانها وخطوطها وفراغاتها، فتنبثق من بينها مشاهد وصور تظل مدفونة في زاوية لا تعلم بوجودها إلا في تلك اللحظات. ومن وراء ذلك كله تبدو لها عيناه الصادقتان، لا تكاد تذكر منه غيرهما. لكم كانت تشعرانها بالطمأنينة. ولكن هل تتخلى عن الدنيا من أجل عينين صادقتين؟
وتسمع ضجة ما. نداء، أو صرخة طفل، أو صوت جرس، يبدو الصوت بعيداً أول الأمر كأنه من عالم آخر، ثم يهزها فتتلاشى الصور دفعة واحدة. تطوي الورقة بيدين راجفتين وتضعها بعناية في مظروفها،
وتعيدها إلى مكانها. تغلق الدرج بالمفتاح، وتضع المفتاح حيث لا يدري به أحد. وتأخذ نفساً عميقاً، وتعود بجرعة جديدة من إحساس لا تدري كنهه بالضبط، ولكنه يريحها لبعض الوقت، حتى الزيارة التالية.
هي راضية بحياتها دون شك. ستمر خمس سنوات أخرى، وربما خمس غيرها. وتمضي حياتها رخية هادئة، لا ينقصها شيء. كل ما تحتاج إليه، أحياناً، لحظات من العزاء.
أحياناً تنتابها لحظات غريبة.
كانت سعيدة دون شك، تعرف ذلك أكثر من أي شخص آخر، تعرف أنها محظوظة وتشعر بامتنان حقيقي لذلك. تستعيد شريط الأحداث مرة بعد أخرى، تتذكر كل التفاصيل والأحداث. تتوالى الصور بترتيب ثابت حفظته من كثرة التكرار؛ لقاؤه الأول بها، متابعته لها التي أحست بها كل الوقت، وزيارته الأولى، ثم الخطبة وحفل الزواج ... ولحظات أخرى مضت مسرعة، وكان لا بد أن تمضي، إلى الأبد، تومض في ذهنها أحياناً دون سابق إنذار، ثم تمضي تاركةً وراءها آثاراً مبهمة (تعكر عليها صفوها بعض الوقت، ثم تختفي). تستذكر قراراتها واحداً واحداً، بتتابعها المنطقي، وتؤكد لنفسها أنها لم تخطئ في واحد منها. لم يكن أمامها سبيل آخر، وأنها لو واجهت الموقف نفسه مرة أخرى وفي الظروف نفسها فلا بد أنها ستأخذ القرار نفسه.
أحياناً، في لحظات صافية، بينما تلاعب الطفلين أو تشاهد التلفاز، أو بعد أن ترجع أحياناً من زيارة متأخرة، وبينما تسترخي أخيراً أو حين تخلع قرطيها ثم حذاءها وهي تجلس على حافة السرير، تنتابها فجأة مشاعر غامضة. ينساب في أعماقها تيار هادئ يحرك فيها حنيناً لا تكاد تشعر به إلا في تلك الأوقات الخالية، حين يتلاشى كل الضجيج من حولها. تمضي إلى غرفتها بقلب واجف، بمزيج من اللهفة والخوف، تكاد تمشي على رؤوس الأصابع كاللصوص. تغلق الباب من خلفها وتفتح الدرج السفلي بالمفتاح الذي لا يعلم مكانه غيرها. تزيح ألبومات الصور ورزم الأوراق، شهاداتها وبطاقاتها الجامعية، رسائل من أزمنة لم يعد لها وجود، وهدايا لا تذكر من أين جاءت، وفي الزاوية البعيدة تحت كل شيء ترى المغلف الأبيض المصفر بإطاره الأحمر والأزرق، والذي كانت تشتري مثله من المكتبة الصغيرة عند زاوية الشارع، وهي عائدة من المدرسة (ألم يجد مغلفاً أكثر أناقة من هذا؟). تفتح ورقة صارت لينة من تكرار الفتح والطي على مدى سنوات، الورقة المقتطعة من دفتر جامعي ذي سلك حلزوني. قُطعت الورقة من الجهة اليمنى بعناية على امتداد الخط المحزز، ولكن جزءاً صغيراً تمزق من زواية الورقة السفلى، جزءاً صغيراً لا يكاد يلحظ، ولكنه صار لديها معلماً مميزاً كأنه إشارة لها مغزاها. طالعها الخط الكبير الواضح. لم يكن جميلاً ولا متناسقاً، ولكنه مكتوب بعناية وشغف من يسكب جزءاً من روحه في كلمة يكتبها. المشاعر المتقدة الهشة تتلاحق متعثرة، قفزة أخيرة في فراغ الأمل. هل كانت العبارات من صنعه، أم نقلها من كتاب كما كان يفعل الكثيرون؟ بدت لها أكثر صدقاً وأقل إتقاناً من أن تكون منقولة (كانت تلك الفكرة تسعدها على نحو ما). ولكنها لم تكن ترى العبارات التي حفظتها عن ظهر قلب، بل ما وراءها. كانت تنظر إلى الورقة بألوانها وخطوطها وفراغاتها، فتنبثق من بينها مشاهد وصور تظل مدفونة في زاوية لا تعلم بوجودها إلا في تلك اللحظات. ومن وراء ذلك كله تبدو لها عيناه الصادقتان، لا تكاد تذكر منه غيرهما. لكم كانت تشعرانها بالطمأنينة. ولكن هل تتخلى عن الدنيا من أجل عينين صادقتين؟
وتسمع ضجة ما. نداء، أو صرخة طفل، أو صوت جرس، يبدو الصوت بعيداً أول الأمر كأنه من عالم آخر، ثم يهزها فتتلاشى الصور دفعة واحدة. تطوي الورقة بيدين راجفتين وتضعها بعناية في مظروفها،
وتعيدها إلى مكانها. تغلق الدرج بالمفتاح، وتضع المفتاح حيث لا يدري به أحد. وتأخذ نفساً عميقاً، وتعود بجرعة جديدة من إحساس لا تدري كنهه بالضبط، ولكنه يريحها لبعض الوقت، حتى الزيارة التالية.
هي راضية بحياتها دون شك. ستمر خمس سنوات أخرى، وربما خمس غيرها. وتمضي حياتها رخية هادئة، لا ينقصها شيء. كل ما تحتاج إليه، أحياناً، لحظات من العزاء.
صفحة 3
رجال بلا وجوه
لم يرَ سوى واحد من حراس المارينز، وهوالعريف إدي دفرانكو، السائق الانتحاري الذي اقتحم بشاحنة المرسيدس الصفراء التي يقودها، والمحملة باثني عشر ألف رطل من الديناميت، مقر كتيبة إنزال المارينز في بيروت المكون من أربعة طوابق، بعيد فجر الثالث والعشرين من تشرين الأول، 1983.
لم يستطع دفرانكو أن يتذكر لون شعر السائق أو شكل وجهه، لم يستطع أن يتذكر أكان نحيفاً أم سميناً، فاتح البشرة أم أدكنها. كل ما استطاع تذكره هو أن هذا الكاميكازي المسلم، وقد تجاوزه بسرعة في طريقه لتفجير 241 من العاملين والعاملات في الجيش الأميركي، "نظر إلي وجهاً لوجه ... وابتسم".
توماس فريدمان، من بيروت إلى القدس
ترى كم طال بي الوقت؟ كم بقيت قبل أن أفهم الذي جرى، وهل فهمته بعد؟ هل أستطيع أن أحدد في أية لحظة أدركت أن تلك العربة ليست من هذا المكان وأن أعرف إلى أين يمضي بها ذلك الغريب، وماذا ينوي أن يفعل بها؟ لو أن كل شيء تكرر من البداية إلى النهاية، هل كنت أتصرف كما تصرفت؟ هل سأقدر أبداً، مهما طال بي الوقت، أن أفهم ذلك الرجل أو أن أدرك ماذا دار في ذهنه حين ساق نفسه إلى الهلاك؟
ظهر وكأن الأرض انشقت عنه. حين لمحت الشاحنة تدور حول المرأب كان لا بد أن أستشعر الخطر، إلا أن تفكيري تجمد لسبب ما. كان الفجر في أوله، ونسيم الصباح الطازج ينعش الصدر ويملأ النفس بالحيوية. كان كل شيء يعد بنهار رائع. تذكرت حفلة الشواء التي ستقام اليوم، والتي كنا نعد لها منذ أيام، وتخيلت رائحة اللحم والخضار المشوية، والطعام في الهواء الطلق بعيداً عن الكانتين وجوه الخانق ...
حين اخترق الحاجز بشاحنته شعرت بالأرض تهوي من تحت قدميّ. تلاشت أشكال الموجودات من حولي وغابت في غمامة كثيفة. لم يكن في العالم سواي وتلك الشاحنة الماضية إلى هدفها بإصرار خارق كأنما يشدها إليه خيط خفي. في أعماقي، بل بكل ذرة من كياني، كنت أعرف تماماً إلى أين يتجه وماذا ينوي أن يفعل، إلا أن ذلك الشعور ولسبب لا أدريه (ربما لأنني بقيت غير مصدق، أو لأنني أدركت عجزي عن فعل أي شيء) ظل حبيساً في داخلي، لم يتحول إلى فعل أو حتى إلى كلام، فلبثت أراقب ذلك المنطلق إلى هدفه دون أن يحس بي أو بأي مخلوق آخر في الوجود.
حين واجهتني عيناه شعرت وكأن صاعقة حجبت عني البصر، ولم أر في الوهج الباهر إلا الابتسامة التي جاءتني كلطمة ألقت بي في الفراغ. شعرت بغربة مطلقة، بوحدة لم أعرف مثلها في حياتي. ترى ما الذي أفعله هنا؟ ما الذي جاء بي من آخر الدنيا إلى هذه الأرض، بسمائها الصافية ونسائها اللواتي تكمن في عيونهن الوادعة العميقة أسرار وأسرار؟ ما الذي يربطني بهذا الذي يتخلى عن حياته لإنهاء حياتي؟ تذكرت الأولاد الصغار ذوي الأسمال البالية الذين كانوا يتحلقون حول أطراف المبني ويراقبوننا من بعيد، يرموننا بحجارة أحياناً فلا نغضب لأننا نحس أنهم لا يريدون إيذاءنا أو لا يقدرون على ذلك. نقترب منهم فلا يهربون بل يحدقون إلينا بجرأة، وقد نقدم لهم بعض الشوكولا أو البسكويت، فيقبلونها أحياناً دون أن يتراجعوا عن تحديهم الطفولي.
تسمرت عيناي على الشاحنة وهي تمضي إلى غايتها دون هوادة، ورحت أراقبها غير قادر على الحركة. ترى هل كنت خائفاً، أم مصعوقاً، أم يائساً؟ كنت غير مصدق! كنت أريد أن أراه حتى نهاية رحلته، أن أتأكد أنه سيفعل ما يبدو أنه يريد أن يفعله، وأن الأمر حقيقة وليس حلماً من أحلام اليقظة. مرت تلك اللحظة كأنها دهر. ورأيت الشاحنة الصفراء تتهادى على مهل وكأنها في مشهد يسير بحركة بطيئة، وشعرت بنفسي بعيداً عنها كأنني أشاهد فيلماً عن عالم آخر وأحداث لا تمت إلي بصلة. كان صوت يصرخ في داخلي أن هذا لا يمكن أن يحدث. وفي خاطري تلاحقت صور مشتتة متفرقة، ولكنها كانت تنبض بالحياة وكأنها حدثت أمس: أول مرة أخذني فيها والدي إلى رحلة صيد، لهفتي وأنا أسحب السمكة الأولى بيدين مرتجفتين، أمسيات عيد الميلاد ومتعة الشوق والترقب في اللحظة التي تسبق فتح الهدايا، وجه أمي وهي تسلم الروح ونبضها الذي توقف في يدي، الأطفال الذين يتراكضون على رصيف الميناء وبعضهم يلوح لنا، آخر ما رأيته من أميركا... في اللحظة التي سمعت هدير الانفجار انتزعتني قوة هائلة وقذفت بي في سحابة ضبابية من التراب والشظايا، فغابت عني الرؤية. وحين هبطت على الأرض وقبل أن أغيب عما حولي، بقيت صورة وحيدة واضحة تدق ذهني كالكابوس. كنت أفكر في ابتسامة السائق الغريب.
****
حين تسري أنفاس الفجر الأولى تدب الروح في كل المخلوقات ويبرز إلى الحياة ألف صوت ولون ورائحة. وتبدو الأرض وكأنها تحيا بعد مماتها.
كم أحببت مراقبة الغبش الذي يتبقى من سواد الليل وهو ينقشع شيئاً فشيئاً أمام أشعة الفجر المتنامية، وعندما أستطيع أن أتبين هياكل أشجار السرو التي تسيج بستان الليمون في حقل حسان الواقع في سفح الهضبة، كنت أعرف أن يوماً جديداً قد بدأ. يستيقظ والدي مع مطلع الفجر، منذ ثلاثين عاماً لم يقصر يوماً واحداً، يحمل زاده ويمضي إلى البستان ولا يعود إلا آخر النهار، يصحبه أخي، وأحياناً أمي أو أختي، وأحياناً نذهب جميعاً.
ترى ماذا يفعلون الآن؟ وهل يفكرون في؟ لا شك أنهم يتخيلونني في مكتب كبير في العاصمة في مقعد مريح وأمامي كومة من الأوراق؟ يتساءلون أما أزال أذكر القرية؟ ومتى سأزورهم؟ وهل تغيرت؟ ترى ماذا يكون رد فعلهم حين يعرفون؟
غير أن إيقاع العربة المتصاعد لا يترك مجالاً لتوارد الذكريات. إن كان هناك وقت للتفكير فقد مضى الآن. منذ أن جاءني الخبر وكأنني في غيبوبة، معلق بين الحلم واليقظة. انبثق في داخلي شيء استولى على كياني كله وأخذ يسيرني إلى نهاية محتومة كأنني ما ولدت إلا لها.
حين اجتزت الحاجز الفاصل بين العالمين، أدركت أن كل شيء قد حسم. تلاشت من ذهني دفعة واحدة كل الأفكار والصور، ولم تبق سوى يدي الممسكتين بالمقود وقدمي الضاغطة على دواسة الوقود. التحمت بالآلة وصرت جزءاً منها، تسيرني إلى الأمام قوة فوق إرادتي.
كانت قد بقيت أمامي لحظة واحدة حين برز ذلك الجندي لا أدري من أين. فاجأني تعبير الدهشة على وجهه وتسمره في مكانه وهو يحدق إلى الشاحنة كالمأخوذ. خطر لي أنه آخر إنسان يراني في هذه الدنيا، دون كل من أعرفهم ويعرفونني، من أصدقاء أو أحبة أو أهل. هذا الغريب الذي جاء من أقاصي الأرض هو من سيشيعني إلى البوابة الأزلية. كأنما قامت بيننا صلة ما. وحين واجهته وجدتني أبتسم وكأنما بالرغم عني، ابتسامة لا روح فيها، بدت بعيدة عني وكأنها تعود لشخص آخر. هل أردت إخافته أم السخرية منه؟ أكنت أودعه على نحو ما؟ هل أردت أن أترك أثراً ما عند آخر إنسان يراني في عالم الأحياء؟ أم أنني حاولت أن أطمئن نفسي وأداري شعوراً ما في داخلي؟
بقيت أمامي برهة واحدة يتركز فيها وجودي كله، حياة كاملة ومضت في شتات من المشاهد والوجوه والكلمات. حاولت التشبث بها عبثاً، ولكنها تسربت كالرمل ولم تبق منها إلا صورة واحدة. كنت صبياً أستلقي بين النوم واليقظة في ظل شجرة الصفصاف الواقعة قرب النبع وهي تظلني من شمس الصيف الحارقة، ونسيم رقيق يداعب أوراقها ويشيع الراحة والاسترخاء في أطرافي. وفي البعيد تراءت حقول القمح وهي تتوهج في أشعة الشمس، يهب عليها النسيم فتتمايل السنابل أمواجاً ذهبية متتابعة. كان كل ما حولي ينطق بالسكون والطمأنينة والرضا... وحين زمجرت الآلة وهي تتحطم على كتلة الخرسانة، كان قلبي يردد اسم الله وفي خيالي تتموج بحار القمح الذهبية.
لم يرَ سوى واحد من حراس المارينز، وهوالعريف إدي دفرانكو، السائق الانتحاري الذي اقتحم بشاحنة المرسيدس الصفراء التي يقودها، والمحملة باثني عشر ألف رطل من الديناميت، مقر كتيبة إنزال المارينز في بيروت المكون من أربعة طوابق، بعيد فجر الثالث والعشرين من تشرين الأول، 1983.
لم يستطع دفرانكو أن يتذكر لون شعر السائق أو شكل وجهه، لم يستطع أن يتذكر أكان نحيفاً أم سميناً، فاتح البشرة أم أدكنها. كل ما استطاع تذكره هو أن هذا الكاميكازي المسلم، وقد تجاوزه بسرعة في طريقه لتفجير 241 من العاملين والعاملات في الجيش الأميركي، "نظر إلي وجهاً لوجه ... وابتسم".
توماس فريدمان، من بيروت إلى القدس
ترى كم طال بي الوقت؟ كم بقيت قبل أن أفهم الذي جرى، وهل فهمته بعد؟ هل أستطيع أن أحدد في أية لحظة أدركت أن تلك العربة ليست من هذا المكان وأن أعرف إلى أين يمضي بها ذلك الغريب، وماذا ينوي أن يفعل بها؟ لو أن كل شيء تكرر من البداية إلى النهاية، هل كنت أتصرف كما تصرفت؟ هل سأقدر أبداً، مهما طال بي الوقت، أن أفهم ذلك الرجل أو أن أدرك ماذا دار في ذهنه حين ساق نفسه إلى الهلاك؟
ظهر وكأن الأرض انشقت عنه. حين لمحت الشاحنة تدور حول المرأب كان لا بد أن أستشعر الخطر، إلا أن تفكيري تجمد لسبب ما. كان الفجر في أوله، ونسيم الصباح الطازج ينعش الصدر ويملأ النفس بالحيوية. كان كل شيء يعد بنهار رائع. تذكرت حفلة الشواء التي ستقام اليوم، والتي كنا نعد لها منذ أيام، وتخيلت رائحة اللحم والخضار المشوية، والطعام في الهواء الطلق بعيداً عن الكانتين وجوه الخانق ...
حين اخترق الحاجز بشاحنته شعرت بالأرض تهوي من تحت قدميّ. تلاشت أشكال الموجودات من حولي وغابت في غمامة كثيفة. لم يكن في العالم سواي وتلك الشاحنة الماضية إلى هدفها بإصرار خارق كأنما يشدها إليه خيط خفي. في أعماقي، بل بكل ذرة من كياني، كنت أعرف تماماً إلى أين يتجه وماذا ينوي أن يفعل، إلا أن ذلك الشعور ولسبب لا أدريه (ربما لأنني بقيت غير مصدق، أو لأنني أدركت عجزي عن فعل أي شيء) ظل حبيساً في داخلي، لم يتحول إلى فعل أو حتى إلى كلام، فلبثت أراقب ذلك المنطلق إلى هدفه دون أن يحس بي أو بأي مخلوق آخر في الوجود.
حين واجهتني عيناه شعرت وكأن صاعقة حجبت عني البصر، ولم أر في الوهج الباهر إلا الابتسامة التي جاءتني كلطمة ألقت بي في الفراغ. شعرت بغربة مطلقة، بوحدة لم أعرف مثلها في حياتي. ترى ما الذي أفعله هنا؟ ما الذي جاء بي من آخر الدنيا إلى هذه الأرض، بسمائها الصافية ونسائها اللواتي تكمن في عيونهن الوادعة العميقة أسرار وأسرار؟ ما الذي يربطني بهذا الذي يتخلى عن حياته لإنهاء حياتي؟ تذكرت الأولاد الصغار ذوي الأسمال البالية الذين كانوا يتحلقون حول أطراف المبني ويراقبوننا من بعيد، يرموننا بحجارة أحياناً فلا نغضب لأننا نحس أنهم لا يريدون إيذاءنا أو لا يقدرون على ذلك. نقترب منهم فلا يهربون بل يحدقون إلينا بجرأة، وقد نقدم لهم بعض الشوكولا أو البسكويت، فيقبلونها أحياناً دون أن يتراجعوا عن تحديهم الطفولي.
تسمرت عيناي على الشاحنة وهي تمضي إلى غايتها دون هوادة، ورحت أراقبها غير قادر على الحركة. ترى هل كنت خائفاً، أم مصعوقاً، أم يائساً؟ كنت غير مصدق! كنت أريد أن أراه حتى نهاية رحلته، أن أتأكد أنه سيفعل ما يبدو أنه يريد أن يفعله، وأن الأمر حقيقة وليس حلماً من أحلام اليقظة. مرت تلك اللحظة كأنها دهر. ورأيت الشاحنة الصفراء تتهادى على مهل وكأنها في مشهد يسير بحركة بطيئة، وشعرت بنفسي بعيداً عنها كأنني أشاهد فيلماً عن عالم آخر وأحداث لا تمت إلي بصلة. كان صوت يصرخ في داخلي أن هذا لا يمكن أن يحدث. وفي خاطري تلاحقت صور مشتتة متفرقة، ولكنها كانت تنبض بالحياة وكأنها حدثت أمس: أول مرة أخذني فيها والدي إلى رحلة صيد، لهفتي وأنا أسحب السمكة الأولى بيدين مرتجفتين، أمسيات عيد الميلاد ومتعة الشوق والترقب في اللحظة التي تسبق فتح الهدايا، وجه أمي وهي تسلم الروح ونبضها الذي توقف في يدي، الأطفال الذين يتراكضون على رصيف الميناء وبعضهم يلوح لنا، آخر ما رأيته من أميركا... في اللحظة التي سمعت هدير الانفجار انتزعتني قوة هائلة وقذفت بي في سحابة ضبابية من التراب والشظايا، فغابت عني الرؤية. وحين هبطت على الأرض وقبل أن أغيب عما حولي، بقيت صورة وحيدة واضحة تدق ذهني كالكابوس. كنت أفكر في ابتسامة السائق الغريب.
****
حين تسري أنفاس الفجر الأولى تدب الروح في كل المخلوقات ويبرز إلى الحياة ألف صوت ولون ورائحة. وتبدو الأرض وكأنها تحيا بعد مماتها.
كم أحببت مراقبة الغبش الذي يتبقى من سواد الليل وهو ينقشع شيئاً فشيئاً أمام أشعة الفجر المتنامية، وعندما أستطيع أن أتبين هياكل أشجار السرو التي تسيج بستان الليمون في حقل حسان الواقع في سفح الهضبة، كنت أعرف أن يوماً جديداً قد بدأ. يستيقظ والدي مع مطلع الفجر، منذ ثلاثين عاماً لم يقصر يوماً واحداً، يحمل زاده ويمضي إلى البستان ولا يعود إلا آخر النهار، يصحبه أخي، وأحياناً أمي أو أختي، وأحياناً نذهب جميعاً.
ترى ماذا يفعلون الآن؟ وهل يفكرون في؟ لا شك أنهم يتخيلونني في مكتب كبير في العاصمة في مقعد مريح وأمامي كومة من الأوراق؟ يتساءلون أما أزال أذكر القرية؟ ومتى سأزورهم؟ وهل تغيرت؟ ترى ماذا يكون رد فعلهم حين يعرفون؟
غير أن إيقاع العربة المتصاعد لا يترك مجالاً لتوارد الذكريات. إن كان هناك وقت للتفكير فقد مضى الآن. منذ أن جاءني الخبر وكأنني في غيبوبة، معلق بين الحلم واليقظة. انبثق في داخلي شيء استولى على كياني كله وأخذ يسيرني إلى نهاية محتومة كأنني ما ولدت إلا لها.
حين اجتزت الحاجز الفاصل بين العالمين، أدركت أن كل شيء قد حسم. تلاشت من ذهني دفعة واحدة كل الأفكار والصور، ولم تبق سوى يدي الممسكتين بالمقود وقدمي الضاغطة على دواسة الوقود. التحمت بالآلة وصرت جزءاً منها، تسيرني إلى الأمام قوة فوق إرادتي.
كانت قد بقيت أمامي لحظة واحدة حين برز ذلك الجندي لا أدري من أين. فاجأني تعبير الدهشة على وجهه وتسمره في مكانه وهو يحدق إلى الشاحنة كالمأخوذ. خطر لي أنه آخر إنسان يراني في هذه الدنيا، دون كل من أعرفهم ويعرفونني، من أصدقاء أو أحبة أو أهل. هذا الغريب الذي جاء من أقاصي الأرض هو من سيشيعني إلى البوابة الأزلية. كأنما قامت بيننا صلة ما. وحين واجهته وجدتني أبتسم وكأنما بالرغم عني، ابتسامة لا روح فيها، بدت بعيدة عني وكأنها تعود لشخص آخر. هل أردت إخافته أم السخرية منه؟ أكنت أودعه على نحو ما؟ هل أردت أن أترك أثراً ما عند آخر إنسان يراني في عالم الأحياء؟ أم أنني حاولت أن أطمئن نفسي وأداري شعوراً ما في داخلي؟
بقيت أمامي برهة واحدة يتركز فيها وجودي كله، حياة كاملة ومضت في شتات من المشاهد والوجوه والكلمات. حاولت التشبث بها عبثاً، ولكنها تسربت كالرمل ولم تبق منها إلا صورة واحدة. كنت صبياً أستلقي بين النوم واليقظة في ظل شجرة الصفصاف الواقعة قرب النبع وهي تظلني من شمس الصيف الحارقة، ونسيم رقيق يداعب أوراقها ويشيع الراحة والاسترخاء في أطرافي. وفي البعيد تراءت حقول القمح وهي تتوهج في أشعة الشمس، يهب عليها النسيم فتتمايل السنابل أمواجاً ذهبية متتابعة. كان كل ما حولي ينطق بالسكون والطمأنينة والرضا... وحين زمجرت الآلة وهي تتحطم على كتلة الخرسانة، كان قلبي يردد اسم الله وفي خيالي تتموج بحار القمح الذهبية.
صفحة 4
مريم
عند المغيب تعود الفتيات من جهة النهر، يحملن الجرار على الدروب الضيقة، يتهادين على مهل بين الأسوار الحجرية الواطئة، يتبادلن الحديث ويتهامسن أحياناً. تتعالى الضحكات من حين لآخر، عالية حيناً وخفيضة حيناً آخر، جريئة أو خجولة، منطلقة أو مكتومة، بريئة أو ماكرة، ولكل منها معناها الذي تدركه على نحو ما، وإن كانت لا تعرف سببه المحدد.
تتسارع حركات الفتيات قليلاً حين تمر في جوارهن بعض من جماعات الرجال العائدين من الحقول، تتقارب أجسادهن بشكل غريزي وتنخفض أصواتهن قليلاً. يرددن السلام أحياناً باقتضاب ويتابعن أحاديثهن دون تغيير في الظاهر، ولكن في تلك اللحظات العابرة يصير لكل حركة معناها، الضحكة واللفتة ونبرة الصوت، وإيماءاتك حتى وأنت تحدثين صاحباتك وتتظاهرين أنك لا ترين أحداً غيرهن. يتواصلن بلغة خفية يفهمنها دون تفكير. يسري في الجو تيار من الترقب يوقظ مشاعر كامنة ويبعث في النفس أحاسيس مبهجة لذيذة.
سبعة أيام مرت في عزلة عن العالم. يمضي الوقت ببطء مؤلم، قطرة قطرة، والجدران تحدق إليها في صمت. الصوت الذي ظهر فجأة من قلب الظلمة غاب وتركها وحدها، والهواء الذي كانت تسري فيه روح من عالم آخر صار ميتاً. هل كان كل ذلك حلماً؟ أكان ملاكاً ما سمعته أم وهماً صنعته مخيلة أذكاها الصيام والعزلة؟ بعد أسابيع من إعمال الفكر ومعاناة الجسد تتلاطم الأفكار وتتداخل. يكاد الفكر يفقد اتصاله بالدنيا، ويحلق الخيال بعيداً عن الأرض.
النداء ما يزال يرن في أذنيها واضحاً قوياً. هذا صوت لا يأتي من الداخل. نبراته واضحة، أقرب إليها من نبضات قلبها، أكثر حقيقة من ملمس الأرض التي تجلس عليها، أوضح من صورة وجهها في صفحة المياه.
ولد؟ أهذا ما قاله الصوت؟ تتسارع أنفاسها ويخفق قلبها حتى يكاد يخرج من صدرها. يستولي عليها الرعب فتجوس في أرجاء المكان، تستند إلى الجدران، ولا ملاذ في الأرض تفر إليه. تتخيل وجوه الناس حين يعرفون، كلامهم، أهلها وصاحباتها. من يصدق قصتها؟ أن الله حدثها؟ وبأي دليل؟ هل يكذبونها ويهزأون بها؟ ينبذونها؟ أم ...
تتمنى وتكاد تصدق أنها واهمة. تدور بها الدنيا، ويلقي بها الخيال في أماكن مخيفة. لو أن الأرض تميد بها أو ريحاً تتقتلعها وتلقي بها حيث لا يراها أحد! ثم تعود وتتخيل وجوهاً عامرة بالتقوى، وألسنة تسبح بقدرة الخالق، وأيدي حانية تستقبلها وتنقذها من هذه العزلة. تتذكر وجه أمها الهادئ، وتتمنى لو أنها تدفن وجهها في صدرها.
في لحظة واحدة تنقلب حياتها، تخرج يد من المجهول وتقتلعها من حياة البشر. لقد سمعت عمن اتصلوا بالله، من بعيد أو قريب، من أرسل إليهم علامات رأوها أو سمعوها، ولكنهم لم يعدوا أن سمعوا صوته أو رأوه. فلماذا اختارها هي لذلك الحمل الذي يفوق طاقة البشر؟ ولماذا هي من بين نساء العالمين؟ أليس لها أن تعيش كباقي النساء؟ تلتقي من تحب كباقي النساء، وتتزوج كباقي النساء؟ مثل أختها وأمها، تحمل مثلهما وسط أهلها، وتلد طفلاً ليس بنبي، ولكنه لا ينوء بهذا العبء، ولد كباقي الأولاد الذين تحب ضحكاتهم وعجزهم واحتياجهم إلى كلّ شيء. فلم لا تكون مثل باقي البشر؟ لم لا يكون هو كسائر الأولاد وتكون هي كسائر النساء؟
ولكنها تدرك أن مصيرها قد تقرر، لقد عبرت الخط الفاصل بين عالمين، والرجوع الآن مستحيل. لم يعد أمامها الآن إلا الانتظار، معلقة بين الوهم واليقين، انتظار اللحظة التالية، وسط الخوف والوحدة والظلمة التي تتزايد شيئاً فشيئاً.
عند المغيب تعود الفتيات من جهة النهر، يحملن الجرار على الدروب الضيقة، يتهادين على مهل بين الأسوار الحجرية الواطئة، يتبادلن الحديث ويتهامسن أحياناً. تتعالى الضحكات من حين لآخر، عالية حيناً وخفيضة حيناً آخر، جريئة أو خجولة، منطلقة أو مكتومة، بريئة أو ماكرة، ولكل منها معناها الذي تدركه على نحو ما، وإن كانت لا تعرف سببه المحدد.
تتسارع حركات الفتيات قليلاً حين تمر في جوارهن بعض من جماعات الرجال العائدين من الحقول، تتقارب أجسادهن بشكل غريزي وتنخفض أصواتهن قليلاً. يرددن السلام أحياناً باقتضاب ويتابعن أحاديثهن دون تغيير في الظاهر، ولكن في تلك اللحظات العابرة يصير لكل حركة معناها، الضحكة واللفتة ونبرة الصوت، وإيماءاتك حتى وأنت تحدثين صاحباتك وتتظاهرين أنك لا ترين أحداً غيرهن. يتواصلن بلغة خفية يفهمنها دون تفكير. يسري في الجو تيار من الترقب يوقظ مشاعر كامنة ويبعث في النفس أحاسيس مبهجة لذيذة.
سبعة أيام مرت في عزلة عن العالم. يمضي الوقت ببطء مؤلم، قطرة قطرة، والجدران تحدق إليها في صمت. الصوت الذي ظهر فجأة من قلب الظلمة غاب وتركها وحدها، والهواء الذي كانت تسري فيه روح من عالم آخر صار ميتاً. هل كان كل ذلك حلماً؟ أكان ملاكاً ما سمعته أم وهماً صنعته مخيلة أذكاها الصيام والعزلة؟ بعد أسابيع من إعمال الفكر ومعاناة الجسد تتلاطم الأفكار وتتداخل. يكاد الفكر يفقد اتصاله بالدنيا، ويحلق الخيال بعيداً عن الأرض.
النداء ما يزال يرن في أذنيها واضحاً قوياً. هذا صوت لا يأتي من الداخل. نبراته واضحة، أقرب إليها من نبضات قلبها، أكثر حقيقة من ملمس الأرض التي تجلس عليها، أوضح من صورة وجهها في صفحة المياه.
ولد؟ أهذا ما قاله الصوت؟ تتسارع أنفاسها ويخفق قلبها حتى يكاد يخرج من صدرها. يستولي عليها الرعب فتجوس في أرجاء المكان، تستند إلى الجدران، ولا ملاذ في الأرض تفر إليه. تتخيل وجوه الناس حين يعرفون، كلامهم، أهلها وصاحباتها. من يصدق قصتها؟ أن الله حدثها؟ وبأي دليل؟ هل يكذبونها ويهزأون بها؟ ينبذونها؟ أم ...
تتمنى وتكاد تصدق أنها واهمة. تدور بها الدنيا، ويلقي بها الخيال في أماكن مخيفة. لو أن الأرض تميد بها أو ريحاً تتقتلعها وتلقي بها حيث لا يراها أحد! ثم تعود وتتخيل وجوهاً عامرة بالتقوى، وألسنة تسبح بقدرة الخالق، وأيدي حانية تستقبلها وتنقذها من هذه العزلة. تتذكر وجه أمها الهادئ، وتتمنى لو أنها تدفن وجهها في صدرها.
في لحظة واحدة تنقلب حياتها، تخرج يد من المجهول وتقتلعها من حياة البشر. لقد سمعت عمن اتصلوا بالله، من بعيد أو قريب، من أرسل إليهم علامات رأوها أو سمعوها، ولكنهم لم يعدوا أن سمعوا صوته أو رأوه. فلماذا اختارها هي لذلك الحمل الذي يفوق طاقة البشر؟ ولماذا هي من بين نساء العالمين؟ أليس لها أن تعيش كباقي النساء؟ تلتقي من تحب كباقي النساء، وتتزوج كباقي النساء؟ مثل أختها وأمها، تحمل مثلهما وسط أهلها، وتلد طفلاً ليس بنبي، ولكنه لا ينوء بهذا العبء، ولد كباقي الأولاد الذين تحب ضحكاتهم وعجزهم واحتياجهم إلى كلّ شيء. فلم لا تكون مثل باقي البشر؟ لم لا يكون هو كسائر الأولاد وتكون هي كسائر النساء؟
ولكنها تدرك أن مصيرها قد تقرر، لقد عبرت الخط الفاصل بين عالمين، والرجوع الآن مستحيل. لم يعد أمامها الآن إلا الانتظار، معلقة بين الوهم واليقين، انتظار اللحظة التالية، وسط الخوف والوحدة والظلمة التي تتزايد شيئاً فشيئاً.