صفحة 1
الازدهـــــــار
" ولا يغرّنك تقلّب الذين كفروا في البلاد . متاع قليل ثمّ مأواهم جهنّم وبئس المهاد . " .. صدق الله العظيم
( آل عمران 196 ، 197 )
تمهيــد
ينعم العالم الغربي بعامة والولايات المتحدة بخاصة بمرحلة تعتبر ذروة في الازدهار العلمي والتكنولوجي والاقتصادي ما وصلها قبلها أي من البلدان أو المجتمعات الإنسانية .. فهم في العلوم الطبيعية والتكنولوجيا وصلوا إلى مراحل متقدمة .. فتمكنوا بها ومن خلالها من غزو الفضاء وإقامة المحطات الفضائية.. وفي هذه المحطات يجرون التجارب العلمية التي لا يستطيعون القيام بها على سطح الأرض .. ومنها بدأوا يخططون لينطلقوا إلى الكواكب الأخرى دراسةً وغزواً .. وهم في العلوم الطبيعية وصلوا إلى كشف أنواع جديدة من الجراثيم والفيروسات التي تسبب الأمراض والأوبئة لم تكن معروفة لديهم في السابق .. بل ومن المستحيل معرفتها دون الوسائل والأدوات والتقنيات العلمية التي وصل إليها العلم الحديث .. فبها عرف الداء .. وبها كشف الدواء .. وفي العلوم الهندسية والفيزيائية تم اكتشاف آليات الحوسبة .. ليبنى أعظم واخطر جهاز عرفه الإنسان طيلة فترة وجوده على هذه المعمورة.. ألا وهو الحاسوب .. ليدخل وبسرعة أتاحتها امكاناته الهائلة في جميع العمليات العلمية والحياتية البسيطة منها والمركبة.. فها هو يدخل في عالم المال والتجارة .. وفي الاتصال والزراعة .. وفي التربية والصناعة .. وحتى في الممارسات العبثية واللاأخلاقية.. ليطور جميع هذه الميادين ويتطور معها .. فسبحان الله الذي علم الإنسان ما لم يعلم .. ولا ضرورة للتفصيل هنا في الآثار التي ترتبت على إدخال الحاسوب في الأنشطة العلمية والحياتية المختلفة .. فما تسرب منها على قلته إلى بلادنا أحدث تحولات هائلة في حياتنا.. وما لم يتسرب ما زال أكثر واكبر مما ندرك .. فتكفينا صورة عن ذلك مدى الازدهار العلمي والتكنولوجي الذي تنعم به الولايات المتحدة الأمريكية قائدة الغرب النصراني في هذا المجال.
وأما في الاقتصاد فحدث ولا حرج .. ويكفي أن نقول هنا أن الغرب .. وبالإضافة إلى إمكاناتهم الاقتصادية الهائلة والتي تفوق إمكاناتنا زراعياً وصناعياً ومالياً بدرجة لا تجدي معها المقارنة .. أنهم يقاسموننا ثرواتنا المعدنية والبترولية والمالية بنصيب لا يبقى لنا إلا النزر اليسير منها.. ففي مجال البترول وحده يكفي أن نستذكر كلمة الخبير في شؤون البترول (عبد الله الطريفي) في السبعينات : " إنني أتحدى أي دولة خليجية بترولية تأخذ أكثر من 1% من ثمن بترولها ، وأن الدول الصناعية كبريطانيا مثلاً تتقاضى ضرائب على بترول الخليج المصدر إليها اكثر مما تأخذه دول الخليج صاحبة ذلك البترول ثمناً له " .. ولو أضفنا إلى ذلك نصيب شركات النفط الغربية من هذه الأثمان لوجدنا كم هو هزيل نصيب دولنا النفطية من أثمان نفطها .. ولو أضفنا إلى هذا وذاك هيمنة الدول الغربية وبخاصة أمريكا على أصحاب القرار في دولنا .. ومن ثم على قرارات أثمان النفط لخرجنا بأن هذا النفط ثروة عربية اسمياً .. وغربي حقيقة وواقعاً .
وبالإضافة إلى ذلك وفوق كل ذلك فإيرادات النفط العربي المالية .. على قلة نسبتها المئوية من أثمانها الحقيقية .. فهي محَّرمة على بيوت المال العربية .. مقتصرة على بيوت المال الغربية .. عفواً اليهودية الصهيونية .. لتجني تلك البيوت مليارات الدولارات سنوياً كفوائد .. فالدول العربية هي دول مسلمة .. وهي طبعاً لا تأخذ هذه الفوائد من باب الأخذ بمبدأ الحلال والحرام في الشريعة الإسلامية.. فتصب في بركة الازدهار الغربي .. ولا تستثنى من هذه البركات إسرائيل.. إن لم تكن المستفيدة الأولى من هذه الأموال .. ولو أضفنا إلى هذا وذاك مدخرات أفراد الأسر الحاكمة من إيراداتهم كشركاء في ملكية الثروة البترولية وغيرهم من الموسرين العرب التي تفوق كثيراً مدخرات دولهم.. لفجعتنا الأرقام الخيالية التي نسهم بها دولاً وأفرادا في عجلة الازدهار الغربي .. وبالمقابل تحرم منها الأمة العربية والإسلامية لتبقى في عداد المحتاجين للمعونات والقروض .. وقد تحظى هذه الدولة العربية أو الإسلامية أو تلك بقرض من الأموال العربية أو فوائد الأموال العربية المكدسة في بيوت المال الغربية.. وقد يكون الثمن تنازلات في أرض أو استقلال أو دين .. أو قد يصل الأمر إلى التنازل عن بعض أو جميع هذه المقدسات.
وعودة إلى الازدهار الاقتصادي الذي ينعم به الغرب النصراني .. يكفي أن نذكر هنا أن الناتج القومي لدولة مثل إسبانيا .. والتي تعتبر من الاقتصاديات الغربية الضعيفة .. يفوق الناتج القومي للدول العربية مجتمعه .. فما بالكم بعد ذلك باقتصاديات مثل اقتصاديات الولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبر القوة الاقتصادية الأولى في العالم .. وقد تتوضح الصورة أعطينا مثالا على جانب من جوانب اقتصاد هذه الدولة العملاقة .. فقبل سنوات رصد مبلغ (250) مائتين وخمسين مليار دولار كموازنة لوزارة الدفاع الأمريكية وحدها .. وفي هذا العام2004م قفز الرقم الى (350) مليار دولار .. وما هذا إلا مجرد جزء من القطاع العام لتلك الدولة .. فهلا فكرت معي في مجموع ميزانيات الأجزاء الأخرى لهذا القطاع على مستوى الحكومة الفدرالية والولايات المشكلة لها .. وبعد أن تحسب كل ذلك أضف إلى الرقم الناتج عدة أضعاف له.. لتمثل إمكانيات القطاع الخاص في دولة الخصخصة الأولى في العالم .. هّلا فكرت بالأرقام التي ستصل إليها .. لا شك أنها أرقام فلكية لا يستطيع التعامل معها إلا حاسوب متطور لم يصل إلينا بعد ..إنه ولا شك ازدهار مادي لم تصل إليه دولة أو مجتمع إنساني منذ وجود الإنسان على هذه البسيطة .
أوجه الازدهار في حياتهم
التكنولوجيا واستخداماتها في حياتهم اليومية
الاتصال البريدي والتسوق والتمويل لديهم
الضمان المعاشي والصحي لديهم
صفحة 2
التكنولوجيا واستخداماتها في حياتهم اليومية
نتيجة لهذا الازدهار المادي الهائل .. فقد أصبح من المفترض للمواطن الأمريكي حياة رغيدة لا تعرف البؤس والشقاء .. فهل تسنى للمواطن الأمريكي مثل هذه الحياة فعلا؟ .. تعال معي لنقوم بزيارة إلى هناك ونتعرف على هذه الأمور مقترحا مرافقتي في زيارتي مدينة شيكاغو في ولاية (الينوي) في العام 2002م .. سيصاب الزائر بالانبهار عندما تطأ قدماه أرض قاعات المطار فيها .. فهو يسير مع أفراد الجمع الذين رافقوه في الرحلة إلى إحدى الصالات ليجد حقائبه قد سبقته إليها .. فلا يضطر إلى الانتظار طويلاً كما في المطارات عندنا لتصل تلك الحقائب .. ويحمل حقيبته ويتجه نحو المكاتب المتعددة للجوازات .. فيختم جواز سفره ويسير نحو الباب الخارجي .. وقد يتلفت بحكم العادة ليفتش عن مكان رجال الجمارك.. ليقوموا كما تعور عندنا بنبش حقائبه وبعثرة محتوياتها بحثاً عن شيء ممنوع أو شيء يدفع عنه رسوم جمركية .. ولكنه سيفشل في محاولاته لإيجادهم .. وبدلاً من ذلك سيجد نفسه بين رجال آخرين يحيطون به .. فيخطفون حقائبه ثم يعتقلونه ويشبعونه ضماً وتقبيلاً .. أعرفت من هم ؟ .. إنهم مستقبلوه .. وعندها يدرك سرعة وبساطة الإجراءات هناك .. مقارنة ببطء وتعقيد الإجراءات عندنا.
وما أن يخرج من مبنى المطار ويسلك طريقه إلى مكان إقامته .. حتى يرى أن السيارة تسير في طرق واسعة مخططة بعلامات تنظم السير وتوجهه الى جهة اليمين أو الشمال من ذلك الطريق .. وتساعدها في ذلك وتكملها إشارات ضوئية معلقة عبر الشارع وفوقه ليراها السائقون من بعيد ومن قريب .. ولا تحجبها كما هو الحال عندنا شاحنات أو حافلات بسبب كون هذه الإشارات الضوئية جانبية .. ولو انتبهت إلى الأرقام التي تتوالى على مقاطع الشوارع التي تمر بها لعرفت أنها أرقام تلك الشوارع.. ولو سألت مضيفك عن ذلك لأخبرك بأن شوارع المدينة هناك قد صممت في تخطيطهاعلى شكل خطوط عرض تتجه من الشرق إلى الغرب .. وخطوط طول تتجه من الشمال إلى الجنوب .. فالشارع الذي تسلكه من المطار ويخترق المدينة يتجه من الشمال إلى الجنوب ويحمل الرقم (55) ويقطع الشوارع المتجهة من الشرق إلى الغرب .. فسترى مثلاً رقم (36) على أحد الشوارع التي تتقاطع عرضيا مع الشارع الذي تسير عليه .. يتلوه رقم (37) على الشارع الذي يليه وهكذا .. فما أسهل الوصول إلى العناوين عندما تكون الشوارع مرقمة هكذا .. فإذا أردت الوصول إلى عنوان بيت أو مكتب فما عليك إلا أن تعرف رقمي الشارعين المتقاطعين والجهة التي تتجه نحوها إلى ذلك العنوان شمالاً أو جنوباً أو شرقاً أو غرباً.. وبعد ذلك فما عليك إلا أن تفتش عن رقم البناء الذي يقع فيه المنزل أو المكتب المطلوب .. فكم يساعدك هذا النظام في الترقيم على الوصول إلى العناوين المطلوبة بيسر وسرعة.. مقارنة بنظم تسمية الشوارع بالأسماء عندنا وإتباعها نظم المتاهات في التخطيط.
وإذا وصلت إلى مكان إقامتك في سكن مضيفك .. وفي حالتي كان مضيفي يسكن شقة في عمارة في أحد أحياء شيكاغو خارج وسط المدينة .. فستجد كما وجدت أنا أن هذه الشقة كغيرها من الشقق الأخرى في هذه العمارة مبنية من الخشب الملبس من الخارج بالطوب الحراري الأحمر .. ومن الخشب الخالص من الداخل .. فالجدران والسقوف والخزائن مصنوعة من الأخشاب .. وسيلفت نظرك ولا شك كما حدث معي نظام زجاج النوافذ .. فهي مزدوجة الزجاج يفصل بين طبقتيها فراغ عازل.. أو بمعنى أصح يغطي النافذة بابان متحركان بأربع ضلفات .. أحدهما خارجي والآخر داخلي يفصل بينهما فراغ عازل.. وستدرك أن هذا النظام في النوافذ يكمل نظام الشقة الخشبي.. فكلاهما يعملان على عزل داخل الشقة حرارياً… فشيكاغو كما سيخبرك مضيفك عند استفسارك تتميز بدرجات حرارة متدنية في الشتاء قد تصل إلى 25-30 oم تحت الصفر.. وأخرى عالية صيفاً قد تصل إلى 40-45 oم .. لذا فانك تجد في الشقة الواحدة نظامي تدفئة وتبريد متلازمين .. وستجد أن نظام التدفئة فيها كهربائي يقوم بنفث الهواء الساخن.. فهو لا يحتاج كما هو الحال عندنا إلى سخان ومولد حرارة وتمديدات معقدة للماء الساخن تحتاج بين الحين والآخر إلى ورشة (إنعاش) .. عفواً صيانة .. ولا يعاني كما عندنا من تدن في فعاليته بسبب سوء التمديد حيناً .. وطول التمديدات الخارجية حيناً آخرً .. أو ضعف مولد الحرارة حيناً ثالثاً .. أو لبعض هذه الأمور أو جميعها في غالب الأحيان .. ولكنك ستسر جداً لأن نظام تبريد الهواء وتلطيفه ما زال كما هو عندنا .. فهي عبارة عن كوندشنات كهربائية .
صفحة 3
البريد والتسوق والتمويل لديهم
لعلك عندما وصلت إلى شقة مضيفك انتبهت كما فعلتُ إلى موجودات صندوق بريده التي سارع لإحضارها فور وصوله إليها .. فماذا وجدت ؟ .. ستجدها حتماً عبارة عن مجموعة رسائل: فهذه فاتورة تلفون .. وأخرى فاتورة من إحدى المحلات التجارية تطلب سداد قيمة سلع كان قد اشتراها قبل فترة .. وهذه بطاقة ائتمان Credit Card .. وهذه رسالة من إحدى الشركات التجارية تعرض عليه بطاقة ائتمان بسقف خمسة آلاف دولار.. وإذا استفسرت عن هذا العرض وما مدى معرفته بأصحاب تلك الشركة فسيجيبك بأنه لم يسمع حتى باسمها .. ولكنه سيبين لك بأن الشركات التجارية الكبرى لها قنوات اتصال مستمرة مع البنوك .. وهي من خلال ذلك تتابع تعاملات زبائن هذه البنوك .. فتقوم بناء على هذا المواكبة المستمرة بانتقاء أسماء وعناوين الزبائن الذين يتمتعون بسجلات بنكية نظيفة.. أي خالية من التعاملات الرديئة كعدم سداد مستحقات أو تأخر في سدادها .. ومن ثم تقوم بعرض هذا النوع من البطاقات عليهم.. والهدف طبعاً زيادة مبيعاتها .. وقد يخبرك مضيفك بأنه قد تلقى خلال العام الماضي فقط ما لا يقل عن عشرة عروض من مثل هذه البطاقات .. بسقوف يتعدى مجموعها أربعين ألف دولار .. هذا بالرغم من أنه لم يمض عليه اكثر من سنتين ونصف في أمريكا .. وشرطهم الوحيد هو الالتزام بسداد المستحقات في مواعيدها .. وإذا ما استزدت من المعلومات ستجد أن آخرين يتعاملون بمبالغ أكبر مما لمضيفك .. إذ قد يحوز أحدهم على اكثر من (60) بطاقة ائتمان يصل مجموع سقوفها ربع مليون دولار أمريكي.
هناك الدَيْن سهل.. ولا يطلبون منك وصول تأمين أو كمبيالات ولا حتى شيكات .. بل طور لك اسماً نظيفاً في بنك .. واكثر من تعاملاتك البنكية سحباً أو إيداعاً .. فستحصل على أضعاف المبالغ التي تعاملت بها .. وقد تقول بأنهم بهذا يتعرضون إلى خسائر من أناس ضاقت بهم الحال .. أو حتى من أناس محتالين .. انهم فعلاً يتعرضون لكل ذلك .. وقد تورط كثير من شبابنا هناك للأسف في مثل هذه الممارسات .. ولكن لو حسبت جميع هذه الخسائر لوجدتها لا تتجاوز الهامش الذي سبق ووضعوه في تخطيطهم لمثل هذه البرامج .. والنتيجة هي انهم سيبقون يجنون الربح الوفير إن لم يكن الفاحش من هذه العمليات والبرامج.
فهناك الناس مغامرون ومخاطرون.. ولا عجب فأصولهم الأولى ما كانت إلا مغامرين جاءوا من أوروبا بعد اكتشاف أمريكا في عام 1492م .. لذا فهم يعشقون المغامرة وحتى المقامرة .. بل ويبنون خطط مستقبلهم عليها .. فأنت قد تجد أحدهم قد ارتفع مالياً إلى درجة لا تصدقها .. وقد تجده في اليوم التالي لا يملك شروى نقير.. هذا إذا لم يكن ملاحقاً من قبل الدائنين وأصحاب الحقوق .. ألا ترى ممارسات الحكومة الأمريكية تخلو من أي مبرر منطقي اللهم سوى أنهم يراهنون ويقامرون في سياسات بلدهم .. نعم ان المواطن الأمريكي مقامر بطبعه… فحتى الشخص العادي هناك لا يستطيع ان يحيا دون قمار.. فالقمار جزء من برنامجه اليومي.. ولذا تفتقت اذهان شياطين الانس الى ابتكار أدوات جديدة للقمار .. فعلاوة على نوادي القمار وكازينوهاتها .. فقد ابتكروا آلات خاصة بالقمار أسموها آلات ياناصيب .. .تنتشر هذه الآلات في كل مكان من محلات عملاقة كمحلات سـيرز Sears)) وجويلز Jewels )) الى محلات البقالة الصغيرة المتغلغلة في شوارع وطرقات الأحياء الشعبية .. وفيها يختار المقامر مستوى اللعبة التي يريد المشاركة فيها مقابل مبلغ من المال يتفاوت بتفاوت مستوى اللعبة.. فأحدها يتم باختيارك ثلاثة أرقام .. فتضرب على الأرقام المطلوبة لتخرج لك بطاقة عليها هذه الأرقام .. فتنتظر النتائج التي تذاع على شبكــات التلفاز في أوقات محددة يوميا .. وفي الصحف البومية .. بالاضافة الى أماكن تواجد هذه الآلات .. وهناك مستوى آخر بمبلغ أكبر وجوائز بالطبع أكبر .. وهو يتكون من أربعة ارقام هذه المرة .. وأما المستوى الأكبر والأضخم وجوائزه بمئات الألوف والملايين من الدولارات .. وبالطبع فعدد أرقامه أكثر من المستويات السابقة .. وتشجيعا لهذا النوع من القمار أصبح السحب يتم مرتين في اليوم.. وقد تتعرف أثناء إقامتك على أحدهم ممن ينفق ما لا يقل عن (20) دولاراً في اليوم على مشاركته في هذا النوع من القمار الآلي .. فهو بهذا يخسر (600) ستماية دولار شهرياً انتظاراً لرقم الحظ الذي لم يأت بعد .. وقد لا يأت أبداً .. بالرغم من إصراره على المشاركة منذ خمس سنوات أو أكثر.
وإذا رافقت مضيفك للتسوق للتموين المنزلي .. فسيأخذك حتماً إلى سوق بيتز (Petes) القريب من مكان إقامته.. وستجده سوقاً ضخماً يحوي جميع أنواع الفواكه والخضار واللحوم والألبان والأجبان والسمانة والبقالة بأشكال كل منها وأصنافها المختلفة.. وإني لا تصورك كما حدث معي، تقف مشدوهاً أمام تنوع وجودة ونظافة المعروضات .. وقد تتمنى كما تمنيت لو يتاح لنا مثل هذا في بلادنا .. وقد تحار في أيٍ من أصناف التفاح تختار.. فهناك ما لا يقل عن ستة أنواع منها .. وهكذا بالنسبة لبقية الفواكه والخضراوات .. والأفضل أن تترك هذا الأمر لمضيفك وتنسحب متعللاً كما فعلت أنا في حينها برغبتك في القيام بجولة استطلاعية على المعروضات.. وقبل أن تكمل ربع جولتك ستجد أن مضيفك قد انتهى من تعبئة عربته وسوقها إلى المحاسب.. الذي بدوره لم يأخذ اكثر من دقيقة أو اثنتين في جمع أثمان المشتريات وتسجيل قيمتها على حساب بطاقة مضيفك الائتمانية التي تغنيه عن حمل النقود .. لتخرجوا من هذا السوق الرائع بوعد من مضيفك بالعودة إليه مرات أخرى في الأيام القليلة القادمة .. لتكمل جولتك الاستكشافية .
صفحة 4
وأما إذا عنّ لك أن تزور أحد الأسواق العملاقة مثل سوق سيرز (Sears) أو جويلز (Jewel’s) أو اوسكو (Osco) او كي- مارت
(K-mart) فما عليك إلا أن تطلب من مضيفك أن يخصص يوم عطلته الأسبوعية لتلك الزيارة .. فزيارة السوق الواحدة من هذه الأسواق تحتاج إلى يوم كامل على الأقل .. هذا إذا أردت أن تطلع على جميع أجنحته وأقسامه وليس مجرد مرور عابر.. فهذه الأسواق تحوي كل ما تحتاجه من غير مفردات التموين.. فهي تتكون من قاعات ضخمة مفتوحة على بعضها .. وكل قاعة تختص بنوع معين من السلع .. فهناك جناح الملابس وهو بدوره يحوي أقساماً: قسم ملابس الرجال وفيه أركان .. هذا للبذلات .. وذلك للبناطيل .. وهذا للقمصان .. وذاك للملابس الداخلية .. وآخر للجوارب .. الخ .. وقسم لملابس السيدات .. وآخر للصغار بجنسيهم الأولاد والبنات .. وكل منها مقسم إلى أقسام وأجنحة مثل قسم ملابس الرجال .. وهناك جناح أدوات ومواد التجميل.. وجناح الأجهزة الإلكترونية والكهربائية .. وآخر للأجهزة الكهربائية المنزلية .. وأخر لأدوات ومواد الحمامات .. وخامس للحقائب .. الخ .. لا أريد التفصيل ولكني أود أن أبين أن كل جناح من هذه الأجنحة وبخاصة جناح الأجهزة الكهربائية والإلكترونية قد حوى آخر ما توصل إليه العلم والتكنولوجيا من جديد .. فمن أجهزة التسجيل الصغيرة .. إلى أحدث أجهزة الحاسوب.. ولعله من المثير للدهشة على الأقل لنا نحن أن نرى انك تستطيع أن تعيد أية سلعة اشتريتها شرط احتفاظك بالوصل الخاص بشرائه .. حتى ولو مضى على شرائك له أيام وحتى أسابيع .. وقد يخبرك مضيفك أنك قد تشتري بذلة تلبسها شهوراً ثم تعيدها بمجرد تسليم
الوصل الخاص بشرائها.. وقد يضيفون أن أحدهم قام بشراء غرفة نوم استعملها أربعة أشهر .. وعندما رحل من البيت الذي كان يسكنه .. نقل غرفة نومه إلى حيث إبتاعها ليستعيد ثمنها .. لا لشيء إلا لأن سكنه الجديد مع رفاق له لا يحتاج إلى هذه الغرفة .. فهل تجرؤ هنا على إعادة علبة محارم بمجرد دفع الثمن .. وإذا فعلت فأول رد فعل سيكون " هذه ليست من عندنا" .. فكيف تثبت ذلك ولا دليل لذلك لعدم وجود فاتورة ؟.
وأما إذا أردت أن تطلع على عالم الصغار فرافق مضيفك إلى سوق اسمه كدز آر اس (Kids R US) أي " الأطفال هم نحن " .. وستجد فيه كل ما يتعلق بالطفل من ملابس وألعاب وأدوات كتابة ومجلات وكتب وأدوات تنظيف .. الخ .. وإذا لم تكتف بأصناف الألعاب المعروضة هناك وأردت معرفة آخر ما وصلت إليه تكنولوجيا وصانعة ألعاب الأطفال .. فتوجه الى سوق تويز أر أس (Toys R US) أي " الألعاب هي نحن " .. فستجد فيها ما توقعت وما لم تتوقع في عالم الألعاب .. اليدوية البسيطة منها.. والإلكترونية الحاسوبية المعقدة .. إنه فعلاً عالم من الألعاب قائم بذاته .. أما عملية الشراء فلا تحتاج إلا الى تسليم بطاقة الائتمان لتصلك الفاتورة بالبريد بعد أيام .. لتقوم بتحرير شيك بالمبلغ وترسله بالبريد أيضاً .. فالبريد هو شريان هام من شرايين الحياة هناك .. ولو انتبهت أثناء دخولك مدخل العمارة التي يسكن فيها مضيفك لوجدت أن لكل شقة في المبنى صندوق بريد عليه رقم خاص بها .. وهو نفس رقمها في العمارة .. ولعلك لاحظت أن مضيفك يقوم بتفقد صندوق بريده بمجرد دخوله البيت بعد عودته من العمل يومياً.. ليجد فيه كل ما يهمه بانتظام .. وحتى النشرات التسويقية الأسبوعية لتطلعه على آخر الفرص والعروض الشرائية المخفضة التي تجريها الأسواق المختلفة على بضائعها .. وإذا أردت شراء سلعة من مكان خارج مدينتك أو ولايتك .. فيكفيك معرفة عنوان الشركة او المتجر لتحرر لهم أمر دفع نقدي (Money Order) .. بالقيمة وترسله في رسالة عليها عنوانك البريدي .. أو أمر دفع باحدى بطاقات الائتمان .. أو باحدى بطاقات الانترنت الخاصة بذلك .. وترسله عبر قنوات الانترنت .. لتأتيك السلعة المطلوبة بالبريد خلال (48-72) ساعة من وصول طلبك إلى البائع .. فهلا انتظمت وامنت مراسلاتنا .. فلا تتأخر او على الأقل لا تضيع .. او تتوه على الطريق إلى عنوان غير عنوانك ؟ .. فكم من المرات وجدت تلفونك قد فصل لعدم دفعك فواتير لم تصلك أساسا!!.
صفحة 5
الضمان المعاشي والصحي لديهم
اعتقد أنك الآن متلهف للاطمئنان على أوضاع مضيفك من حيث العمل والدخل والتأمين الصحي والتقاعد.. ستجد الإجابة كآلاتي .. إذا كان مضيفك دخل بشكل مشروع .. وحصل على إقامة بغرض العمل وهو ما يسمى بـ(الكارت الأخضر Green Card ) مؤقتاً أو دائماً.. فانك ستجد انه قد حصل على رقم وطني ( National No. ) .. وسجل نفسه في برنامج الضمان الاجتماعي .. أو بالأحرى الضمان المعاشي .. كما والتحق ببرنامج التأمين الصحي .. وملأ نماذج التقدير الذاتي للدخل .. فهو في هذه الحالة ستفتح له مجالات العمل في الشركات والمؤسسات الأمريكية الخاصة منها والعامة.. ولن يقل دخله عن (800) دولار أسبوعياً عدا الأجور الإضافية التي يتقاضاها عن ساعات العمل التي تزيد عن (40) ساعة أسبوعي .. والتحاقه ببرامج الضمان الاجتماعي والتامين الصحي يتطلب دفع نسب معينة من دخله كضريبة .. تماماً كما هو الحال عندنا .. ولكن هناك نقاط معينة تحسب له مقابل كل مبلغ من إيراداته التي يدفع عنها ضريبة دخل .. والتي لا تزيد بأي حال عن (4) نقاط مهماً ارتفعت إيراداته السنوية الخاضعة لضريبة الدخل .. حتى إذا جمع اثنتين وأربعين نقطة استطاع أن يحصل على التقاعد المبكر.. وإذا بلغ الـ (65) من العمر فيحصل على تقاعد عادي بغض النظر عن المدة التي كان يدفع عنها ضرائب عن دخله… وقد تجدر الإشارة هنا إلى أن دافع الضرائب إذا انخفض دخله عن الحد الأدنى للإيراد الخاضع لضريبة الدخل.. يدفع له برنامج الضمان الاجتماعي الفرق بين دخله وبين الحد الأدنى للدخل المقرر دفع الضريبة عنه .. وقد تجد كثيرين مسجلين في برنامج الضمان الاجتماعي يتقاضون مبالغ سنوية بدل أن يدفعوا ضرائب .. لا لشيء إلا لذلك السبب .. وقد يخبرك أحدهم انه يستلم (500) دولار سنوياً.. وآخر (1500) ألف وخمسماية دولار.. وثالث قد تصل مقبوضاته السنوية إلى ألفي (2000) دولار.
وأما إذا لم يجد عملاً بعد أن يثبت انه تقدم بطلب لدى دوائر العمل ولم يجدوا العمل المناسب له.. فهو هنا يستحق ما يسمى (تعويضات البطالة Unemployment Allowances) ليتقاضى مبالغ تغطي أجور سكنه وغذائه ومصروف جيبه .
وأما إذا كان مضيفك ممن لم يحصلوا على إقامة عمل .. وانه يعمل بعد أن دخل البلاد دون تأشيرة أو بتأشيرة زيارة .. فهو لا يستطيع التمتع بأي من الامتيازات السابقة.. لذا فهو يضطر للعمل في أي فرصة تتاح له وبأدنى الأجور.. وهي في العادة تتراوح ما بين (200-400) دولار أسبوعيا .. وفي أحسن الأحوال لن تزيد عن (500) دولار أسبوعياً .. ولكن ذلك يعني انه مضطر للعمل ما بين 12 إلى 15 وحتى 16 ساعة يومياً .. وان يقوم بأي عمل يكلفه به صاحب العمل .. وعادة تكون هذه الأعمال في محلات بقالة تتواجد في أماكن لا تجد من يعمل بها.. وهي المعروفة بأماكن سكنى الأمريكيين السود .. وجميع هذه المحلات يملكها عرب .. فالعرب وحدهم الذين يستطيعون العمل في أحياء الأمريكيين السود .. فالآخرون يخشون العمل أو حتى دخول هذه الأحياء .. ومضيفك قد يكون أحدهم ويعمل عند أبناء جلدته الذين يستغلون أوضاعه غير القانونية أبشع استغلال .. من حيث الأجور أو ساعات العمل .. وأرجو أن أنوه هنا أن كل ما ذكرت .. وبخاصة ماا يتعلق منها بالعرب والمسلمين .. فقد تغير تماما بعد أحداث أيلول من عام 2001م .. لتُقَيدها الاجراءات الأمنية المبالغ فيها .. لتعود قريبة مما نراه هنا في بلادنا .. وسوف نعود لهذا موضحين ومعلقين كلما زأينا ذلك مناسبا .
صفحة 6
الانهيــــــار
أســباب .. وتداعيــات
بسم الله الرحمن الرحيم
" فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ، فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالم ".. صدق الله العظيم
(سورة الأنعام -44)
إطـــلالة
على الجانب الآخر من حياتهم
فقدان الفرد للشعور بالأمن
الاحساس الدائم بالوحدة والغربة
والآن وبعد أن استعرضنا مدى الازدهار المادي الذي تحقق للولايات المتحدة الأمريكية كممثلة ورائدة للمعسكر الغربي في هذا الشأن.. أرى أن نعيد طرح السؤال الذي طرحناه سابقاً .. وهو هل وفر هذا الازدهار المادي الهائل للولايات المتحدة الأمريكية للمواطن الأمريكي حياة رغيدة فعلاً ؟!.
إن الجواب هو قطعاً لا .. بخلاف ما قد يتصوره الآخرون الذين ينظرون إليه عن بعد .. فلو عبرنا عتبة حياة المواطن الأمريكي .. وتخلصنا من الهالة الخارجية التي رسمها حولها الإعلام الأمريكي .. وروج لها إعلامنا العربي .. لو تم ذلك لوصلنا إلى الحقيقة التي تغاير جميع الصور التي في أذهاننا عن حياة الفرد الأمريكي .. تعال معي لأطلعك على تجربتي الخاصة في هذا المجال عندما زرت الولايات المتحدة في زيارة رسمية في منتصف عقد الثمانينات مع مجموعة من أبناء دول عربية وأجنبية دامت شهرين .. واليك ما يهمنا في هذا المجال لترى معي صحة ما ذهبت إليه.
عندما وصلت مطار واشنطن أصابني الذهول والانبهار .. كما يحدث مع أي زائر لها لأول مرة .. فقد رأينا بساطة وسرعة الإجراءات في المطار .. ودقة التخطيط والتنفيذ في برنامج زيارتنا .. وتطور التكنولوجيا واستخداماتها في الحياة اليومية لهم.. فاجراءات المطار لم تستغرق أكثر من خمس عشرة دقيقة .. لنجد مستقبلينا من الأمريكيين قد اعدوا لنا برنامجاً شاملاً لأدق التفاصيل لزيارتنا : فأماكن إقامتنا في كل مدينة نبيت فيها كانت محجوزة.. وأرقام غرفنا في الفنادق كانت لدينا معروفة .. وأماكن اللقاء مع مسؤولي كل جامعة او هيئة نزورها كانت محددة .. وأسماء أولئك المسؤولين مبينة … وأوقاتنا المبرمج منها والحر أصبحت واضحة .. لدرجة أنني استطعت أن اضع برنامجي الخاص لزيارة مبعوثي الجامعة التي كنت أمثلها والذين يدرسون في الولايات المتحدة بين فقرات ذلك البرنامج .. وأخيرا مستحقاتنا المالية سلمونا إياها على شكل شيكات سياحية لأسباب ستتضح لكم فيما بعد .. وما زاد في دهشتي أنهم أعطونا أسماء العائلات الأمريكية التي سنقضي معهم أمسية عيد الشكر الذي سيأتي بعد ثلاثة أسابيع من وصولنا .. واذكر ان نصيبي كان مع عائلة الدكتور بيرسون الذي يعمل أستاذا في (جامعة بيركلي) في مدينة (سان فرانسيسكو) في ولاية كاليفورنيا .. فقلت في نفسي يومها يا للكرم وحسن الضيافة التي تتمتع بها العائلات الأمريكية .. على غير ما كنت أتوقع .. واستطردت في افكاري “ ويا لهذا المجتمع المتقدم في كل شيء .. في علومه وفي تقنياته .. وفي انسانه وفي حياته .. يا لسعادتهم!!.
صفحة 7
فقدان الفرد للشعور بالأمن
وعندما ذهبت إلى الفندق الذي أنزل فيه .. وما أن دخلت غرفتي وأغلقت الباب .. حتى تكشف لي أول ثمن يدفعه الأمريكي مقابل التقدم المادي الذي رايته ودهشت له .. فقد وجدت لافتة ورقية ملصقة على خلفيته كتب عليها نصائح للنزلاء ( بل تحذيرات ) تقول التالي:
• لا تفتح الباب لأي طارق حتى تتعرف على هويته..فقد يقوم هذا الطارق بمهاجمتك وسلبك نقودك وحتى حياتك.
• إذا نزلت إلى السوق فلا تأخذ معك إلا القليل من النقود التي تكفي مشوارك.. لأنك معرض للسلب في أي لحظة .. كما ولا تكن خالي الوفاض منها، لأن من يهاجمك قد يقتلك حنقاً إذا لم يجد لديك شيئاً
منها.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد .. بل تلقيت تحذيراً من زملائي في البرنامج عندما أخبرتهم بما وجدت على باب غرفتي في اليوم التالي.. فاخبروني بضرورة تجنب التوجه وحيداً إلى الشارع ( السادس عشر) في واشنطن فهو شارع إجرام قد تتعرض فيه إلى السلب او حتى القتل.
وهنا اعتراني شعور بعدم الأمان.. اختفت معه مشاعر الدهشة والانبهار التي سبق وأحسست بها .. وبالمقابل استبد بي القلق المرعب لأفقد معه كل شعور بالمتعة أو السعادة الذي كنت أحس به او كنت أمني النفس به في لاحق برامج الرحلة.. وتساءلت ما فائدة كل ثروات الدنيا ولذائذها إذا فقدت الشعور بالأمن والأمان .. وعندها أدركت أن الثمن الذي يدفعه الأمريكي يفوق بما لا يقارن كل ما أتيح له من ماديات أو ملذات حياتية .. ولعل ما نرى من اندفاع لدى الأمريكيين خلف الملذات ما هو إلا هروب من هذا الشعور.. أو قل أَخْذَ ما يستطيع من الحياة قبل أن تنتهي في أي لحظة.. فهو يعيش في عالم جريمة تعم جميع الولايات.. فلا تخلو نشرة إخبارية في أي ولاية عن خبر جريمة سطو او قتل تقع في الولاية.. ولو جمعنا ما يقع في الولايات الإحدى والخمسين من جرائم لاحتاج الأمر نشرات إخبارية حولها لا تستوعبها ساعات النهار بل اليوم بكاملها .. وتشير آخر الإحصاءات انه تقع في أمريكا في كل دقيقة جريمة سطو أو اغتصاب أو قتل.. وفي الآونة الأخيرة انتشرت ظاهرة قيام الأطفال بجرائم قتل تطال زملاءهم في المدرسة ومعلماتهم.
فهل رأيت بعد ذلك أي شعور بالأمن يمكن أن يحس به الأمريكي او من يعيش في أمريكا ؟! .. وهل رأيت بعد ذلك أي ثمن يدفعه الأمريكي او الذي تجره الأقدار ليشاركه في هذه الحياة مقابل ما ينعم به من ازدهار مادي ؟! .. ألا ترى معي الآن عدم جدوى استخدام كلمة “ينعم" في هذا الإطار.. فالنعم فيها بركة إلهية تجعلها توحي بالراحة النفسية والطمأنينة.. وأين منهما الشعور بعدم الأمن المدمر لكل راحة والقاتل لكل طمأنينة.
الاحساس الدائم بالوحدة والغربة
وعودة إلى برنامج الزيارة .. مضى البرنامج بفقراته المرسومة كما كان مقرراً.. حتى وصلنا إلى (سان فرانسيسكو) حيث أتى موعد أمسية (عيد الشكر Thanks Giving) المشار إليها آنفاً.. واتى المضيف إلى الفندق في المساء لاصطحابي كما كان مقرراً أيضاً .. وقبل أن نتوجه إلى منزله اقترح أن نقوم بجولة في سيارته في طرقات وشوارع المدينة وضواحيها .. وتجاذبنا أطراف الحديث الذي وجهته لمعرفة اكبر قدر ممكن عن واقع حياة الأمريكيين وعلاقاتهم ببعضهم البعض .. واليكم إيجازاً عن هذا الواقع الذي ستوضح لنا ألغازاً .. كما انه قد يضيء بعض جوانب من موضوعنا مدار البحث.
لا تلتقي الأسر هناك في المناسبات العامة او الخاصة إلا في الأماكن العامة.. لذا فالزيارات البيتية شبه معدومة إن لم تكن معدومة تماماً.. ففي الأعياد الدينية مثلاً تجتمع الأسرة بأفرادها.. هذا إن كان لها أفراد قريبون او غير مرتبطين بارتباطات خاصة بهم.. لذا فهم يرحبون بأي زائر يزيل عنهم عزلتهم حتى ولو كان الزائر من بلاد الواق واق.. وقد صدف أن كنت أنا الزائر الذي جاءهم من تلك البلاد او من بلاد قريبة منها.. فهل عرفت الآن لم كانوا يسجلون أسماءهم لاستضافة ضيوف دولتهم ؟!.
إنهم يعيشون حياة لا تربطهم بغيرهم سوى روابط العمل .. وبالتالي فهم يحسون بالوحدة .. وهذا يقودهم بدوره إلى إحساس بالوحشة والغربة .. لينتهي بهم الأمر إلى الشعور بعدم الأمن .. فهم وحيدون .. نعم وحيدون في عالم يملأه الرعب والخوف بسبب الجريمة المهيمنة على حياتهم.. والوحيد في هذه الظروف يشعر بخليط من مشاعر الوحشة والرهبة والوحدة .. وبالتالي بعدم الأمن والأمان مما حوله .. وهو هنا لا يشعر بالطمأنينة داخل نفسه .. ولا بالأمان ممن حولـه .
فهل عرفت الآن هول المعاناة التي يعيشها الفرد الأمريكي .. وبالتالي قسوة الحياة .. او بمعنى أدق الحياة الضنك التي يعيشها ذلك الفرد ؟ .. وهلا أدركت فداحة الثمن الذي يدفعه الأمريكي مقابل ما تتبجّح به وسائل الإعلام الغربية هناك .. والإعلام العربي هنا من تفوق وعظمة وازدهار الحضارة الغربية والإنسان الغربي؟!. وهلا أدركت النهاية التي نتوجه إليها بشعوبنا ومجتمعاتنا وبخطى حثيثة باتباعنا سبلهم في تفكيرهم وفي أنماط حياتهم ؟! .. وإني لأخشى، إن لم نتوقف عن هذا وبسرعة أن نجد أنفسنا في هاوية لا نستطيع منها خروجاً.
أعتقد الآن انه قد آن الأوان للتعرف على أسباب ما وصل إليه الإنسان الأمريكي من واقع مرير .. وما تسبب عنه من آثار تجاوزت الآثار النفسية إلى الآثار العضوية والدينية والاجتماعية والأخلاقية ؟!.
صفحة 8
أســـباب الانهيار .. وتداعياتها
أولاً : هيمنة الصهاينــة على مجتمعات ودول الغرب
أ . هيمنتهم على ثقافة ومعتقدات المجتمعات الغربية
ب . هيمنتهم على أصحاب القرار في الحكومات الغربية
ج . تنفيذهم لمخططات بروتوكولاتهم الصهيونية
ثانيا : إنهيــــار النظام الرأسمالي
أولاً : هيمنة الصهاينــة على مجتمعات وحكومات الغرب
أ . هيمنتهم على ثقافة ومعتقدات المجتمعات الغربية
- تنصر شاؤول .. وحرفه للمسيحية عن مسارها وأهدافها
- تنصر باروخ .. وتسلل عدد من أبنائه ليجلسوا على كرسي البابوية
- مارتن لوثر .. وبدؤه حركة تهويد المسيحية
ب . هيمنتهم على أصحاب القرار في الحكومات الغربية
ج . تنفيذهم لمخططات بروتوكولاتهم الصهيونية
ا. هيمنتهم على ثقافة ومعتقدات المجتمعات الغربية
نستطيع أن نعيد هذه الأسباب إلى سبب واحد أساس منه تفرعت الفروع.. ليشكل كل منها بدوره أساساً لفروع جديدة.. فتضيف للأسباب أسباباً.. وإلى النتائج نتائج .. واختصاراً للموضوع .. ومنعاً للتكرار فلنعد الشعب الأمريكي إلى أحضان أسرته الأوروبية النصرانية .. ففي رحمها نشأ .. وبين أحضانها ولد وترعرع .. وعلى إرثها نشأ وتربى .. ومن فكرها ومعتقداتها كان فكره ومعتقداته.. ولنعد إلى بدايات معتقداتهم الدينية .
بداية لا بد من بيان ماهية الدين ودوره في حياة الانسان .. ان الدين هو الذي ينظم علاقة الإنسان بخالقه .. وبالتالي هو الضابط لإبقائه على مساره السليم .. قائماً بدوره الذي خلق له .. ألا وهو أن يكون خليفة الله على الأرض وعابداً له .. وذلك إذعانا لقوله تعالى : “ ما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدوني ” (الذاريات-56) .. والانسان ما دام يؤمن بهذا المفهوم .. وما دام يتسلح بالقيم والمبادئ التي فطره الخالق عز وجل عليها .. وزوده بها بعد ذلك من خلال رسله .. فسيبقى الإنسان محصناً ضد أي انحراف عن سبيل الهداية .. ولا يتقبل أياً من سبل الغواية .. ومن هنا كان تهالك الشيطان على هذا الجانب .. إذ أن ما بعده أيسر .
ومنذ أول نزول آدم إلى الأرض كان همُّ الشيطان وديدنه العمل على تحقيق وعده لخالقه : " بما أغويتني لأحتنكن ذريته إلا قليلاً " .. وذلك بغواية ابن آدم وصده عن سبيل الهداية .. ومن ثم جره بالوسوسة أو التبليس إلى سبل الغواية .. ومتى خرجت قدمه عن سبيل الهداية .. سَهُلَ على الشيطان أن يقوده إلى أيٍ من تلك السبل .
ولعل هذا يفسر تركيز قبيل الشيطان على هذا الجانب .. ومن هؤلاء كان المتطرفون من اليهود الذين خرجوا على تعاليم موسى عليه السلام .. واتبعوا سبيل الشيطان .. ليصبحوا بحق جنود الشيطان وقبيله في غواية الانسان(1) .. لذا نجدهم في الخندق الأول في محاربة كل دين .. بما فيه الدين الذي ينتسبون اليه .. بالتحريف حذفاً أو إضافةً تارة .. وبتكذيب أو قتل من كان يؤمن بالدين الحق غير المحرف أو المبدل تارات أخرى .. تماما كما يصورهم لنا القرآن الكريم بقوله تعالى عنهم : " لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلاً، كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقاً كذبوا وفريقاً يقتلون" (النساء-156)... وعلى سبيل المثال لا الحصر نذكر هنا قتلهم الأنبياء حزفيال واشعيا وارميا ويحيى وزكريا عليهم السلام.
وقد تمثل هذا التطرف أول ما تمثل بجمعية الكتبة (الفريسيين) .. ونستطيع القول بأن قادة هذه الجمعية يمثلون الجذور الأولى للفكر الصهيوني .. فهم الذين حاربوا رسالة السماء منذ نزولها على سيدنا موسى عليه السلام .. ومن ثم على سيدنا عيسى عليه السلام .. وانتهاءً بنزولها على سيدنا محمد (ص) .. فهم الذين أعلنوا الحرب على أتباع سيدنا عيسى بن مريم عليه السلام وملاحقة تلامذته واضطهادهم أينما -------------------------------------------(1) للاستزادة ارجع إلى كتاب يروتوكولات شيطانية ، للمؤلف ، تحت النشر .
صفحة 9
حلوا أو رحلوا .. ومن هنا .. ومن هذا التاريخ دعنا نستذكر دور اليهود وتأثيرهم على فكر ومعتقدات الغرب النصراني .
بدأ هذا التأثير ب(شاؤول) اليهودي من طائفة الفريسيين .. وهو الذي أطلق على نفسه اسم (بولس) الرسول النصراني.. ومن بعده تتالت سلسلة المتنصرين منهم.. ليصبح منهم (باباوات) ليضيفوا إلى انحراف النصرانية انحرافاً.. وإلى المروق عن رسالة السيد المسيح مروقاً متجدداً.. ومن قبل هؤلاء ومعهم ومن بعدهم كانت طوابير المستشرقين الذين شوهوا كل ما هو حق.. وألبسوه لبوس الباطل بهدف الهيمنة على أبناء الصليب.. ليواصلوا من هناك المشاركة في مسيرة الشيطان.. ورفد جهوده في غواية الإنسان.
وبعد أن تم له ولهم ذلك انتقلوا إلى المرحلة الثانية.. ألا وهي تغييب الدين عن حياة الفرد النصراني.. ليعطوه من عندهم ديناً آخر لا علاقة له بالله .. ولا بكتبه ولا برسله .. ويساعدهم في ذلك الانحراف الذي غرسوه في نفوس ومعتقدات رجال الدين النصراني.. ليظهر في بطش الكنيسة وممارساتها الوحشية .. وفي صنوف القمع والكبت التي سلطتها على رقاب العباد .. مقيدة كل حركاتهم وسكناتهم باسم الدين .. بينما يرتع رجالاتها بملذات الدنيا ومنكراتها .. مما دفع الناس هناك إلى النفور من الدين .. والرغبة الجامحة في التخلص من سيطرة رجالاته.
أما تآمرهم ومكائدهم على عيسى بن مريم عليه السلام ورسالته فقد بدأت برميهم إياه بالكذب وانه ابن زنا .. ومن ثم تآمرهم عليه مع الرومان لصلبه حسب اعتقادهم واعتقاد النصارى .. ويقرر القران الكريم كل ذلك في سورة النساء : " وبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً، وقولهم إنّـا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله ، وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ، وان الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ، ما لهم به من علم الا إتباع الظن ، ما قتلوه يقينا ً، بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزاً حكيماً” (النساء – 156) .
واستمروا بعد ذلك في تكفير أتباع السيد المسيح عليه السلام وملاحقتهم واضطهادهم قتلاً وتعذيباً وتشريداً .. ويمكننا تلخيص مؤامرتهم الكبرى على رسالة عيسى عليه بثلاثة أحداث رئيسة:
أ . تنصر شاؤول .. وحرفه للمسيحية عن مسارها وأهدافها
لقد كان (شاؤول) هذا قبل تنصره أحد أعضاء جمعية الكتبة (الفريسيين) المشهورة بتطرفها في ملاحقة تلامذة المسيح عليه السلام واضطهادهم .. ليأخذ بعد ذلك اسم (بولس الرسول) .. فيحرف هذه الرسالة التي جاءت في الأساس لتصويب انحرافات بني إسرائيل وإعادتهم إلى سبيل الهداية .. فقام هذا المتنصر المغرض بحرفها عن غايتها الخاصة ببني إسرائيل .. ليوجهها نحو الأمم الأخرى .. تماماً كما فعلوا برسالة موسى عليه السلام بما ادخلوا عليها من تبديل وتحريف.. وبالتالي ليخرجوا كلا من اليهودية والنصرانية عن مسار رسالة الإسلام التي أنزلها سبحانه وتعالى على رسوليه موسى وعيسى ومن بعدهما محمد عليه وعليهما أزكى الصلاة والسلام.
ب- تنصر باروخ .. وتسلل أبنائه للجلوس على كرسي البابوية
تنصر هذا اليهودي هو وأسرته في روما في القرن الحادي عشر الميلادي .. وكان باروخ هذا أغنى رجل يهودي في زمانه .. ليتسلل بعد ذلك وتحت مظلة (تنصره) وبنفوذ ماله إلى الفاتيكان .. ويصل أربعة من أفراد اسرته إلى كرسي البابوية وهم( ) :
(1) غريغوريوس السادس (1045م-1046م)
(2) غريغوريوس السابع (1073م-1085م) وهو الذي مهد للحروب الصليبية ضد المسلمين
(3) أوريان الثاني (1088م-1099م) صاحب الخطاب الشهير لنصارى أوروبا والذي يقول فيه : “ لا تقاتلوا إخوانكم المسيحيين بل قاتلوا أعداءكم الكفار المسلمين الذين استولوا على القدس وارض المسيح " (2) .. ليفعل بنفثه الشيطاني هذا فعلته .. ولتبدأ الدول الأوروبية النصرانية حروبها الصليبية مع البلاد الإسلامية .. وتمتد قرنين من الزمان وتحصد ملايين الضحايا من الطرفين.
(4) أنا سولت الثاني (1130م-1138م) وكان له دور خطير ومؤثر في استمرار الحروب الصليبية ضد الإسلام والمسلمين .. والتي ما زالت آثارها ممتدة حتى أيامنا هذه .. لتجر ما جرت من حروب وويلات نتيجة الحقد المتراكم الذي زرعه هؤلاء وغيرهم من اليهود المتنصرين.
صفحة 10
ج . تنصر مارثن لوثر .. وبدؤه حركة تهويد المسيحية
تنصر هذا اليهودي في مطلع القرن السادس عشر ليبتدع بعذ ذلك المذهب البروتستانتي .. وينشق به عن المذهب الكاثوليكي .. ومن ثم ليناقضه ويعاديه .. ولتقع حروب دامية بين أتباعهما طيلة القرون الأربعة الماضية .. ولعل ما حدث في ايرلندا الشمالية لهو النموذج الأحدث على هذا العداء وتلك الحروب .
ان اخطر ما جاء به هذا المتنصر (لوثر) هو تمحور فكر مذهبه على تغيير النظر إلى التوراة .. والتي كان مجرد قراءتها محرما وممنوعا على النصارى .. ليصار النظر إليها على أنها أم العقيدة النصرانية .. ثم قيامه بعد ذلك بجمع التوراة والأناجيل الأربعة المعتمدة وبالإضافة إلى الرسائل والرؤى في كتاب واحد .. ليشكل من مجموعها الكتاب المقدس لدى النصارى .. ويصبح بعد ذلك إيمان النصراني لا يتم ولا يكتمل إلا بإيمانه بما جاء في التوراة اليهودية المحرفة .. ولعل هذا ما أشعل الصراع بين الكاثوليك والبروتستانت .. ومن ثم بين الكنيستين الكاثوليكية والبروتستنتية حول "العشاء الرباني” .. وحول كون حلول المسيح الإله في تلاميذه حقيقيا كما يعتقد الكاثوليك .. أم مجازيا كما يعتقد البروتستانت.
فانظر إلى هذا التسلل إلى داخل معتقدات النصارى وبذر بذور الصراع والشقاق بين اتباعها أولاً .. ثم جر أتباع الكنيسة البروتستانتية إلى اعتبار اليهودية هي الأم الرؤوم للنصارى .. والإيمان بما جاء في توراتها لازم لاكتمال إيمان النصراني البروتستانتي .. هذا بعد ان كان مجرد قراءتها محرما وممنوعا على النصارى كما ذكرنا .. ومن ثمّ "ليصبح اليهود بعد ذلك الآباء الروحيين للنصرانية بعد أن كانوا مارقين خونة وملعونين” (1).. لنقول وبحق ان (مارثن لوثر) هو الذي خطا الخطوة الأولى والكبرى في عملية تهويد النصرانية.
ثم تطورت هذه المفاهيم والمعتقدات لدى النصارى البروتستانت .. لتقترب بل وتتمازج مع المفاهيم والمعتقدات اليهودية .. ومن ثم لتصبح بعض هذه الطوائف البروتستانتية .. وبخاصة البيوريتانتية في بريطانيا يهودية المحتوى .. نصرانية المبنى .. لا يرون نصرانية إلا من خلال اليهودية .. ولا خلاص للنصارى إلا بقيام مملكة إسرائيل .. ولا حتى مجيء للمسيح دون بناء هيكل اليهود في القدس.
ومن هذه المعتقدات وتلك المفاهيم كان تطلعهم إلى القانون اليهودي .. ليستلهم منه الغرب النصراني كله الدستور الأخلاقي لمملكة إسرائيل .. ليصبح هو دستورهم في استعمار الأمم والشعوب الأخرى .. ويجيز لهم قتل واستعباد واستغلال تلك الأمم والشعوب .. ونهب وسلب خيراتهم وثرواتهم .. ويجيز كل ما هو غير جائز في الأديان السماوية .. ولا حتى في الأعراف البشرية .. أليس هو قانون الشيطان ودستوره الذي وضعه قبيله وجنوده في غواية الإنسان كما بينا سابقا !.
وتحت تأثير مثل هذه المعتقدات وتلك المفاهيم .. وبنفث أبناء يهود وتحريضهم قام البيوريتانتز (Puretants) بسلسلة من الهجرات في بداية ----------------------------------------- ( ) المرجع السابق -27.
القرن السابع عشر إلى أمريكا ليقيموا فيها مملكة إسرائيل .. ولذا نجدهم أطلقوا عليها أسماء من أسفار العهد القديم (التوراة) مثل: “أرض الميعاد " و " أرض إسرائيل الجديدة " و" ارض كنعان " .. ولقد عبر (جون كوتون) الأب الروحي للبيوريتانتية الأمريكية عن هذه الحتمية القدرية قبل ان يتوجه إلى العالم الجديد لتأسيس مستعمرة خليج (ماساشوستس)(1): " ان الله حين خلقنا ونفخ فينا روح الحياة أعطانا ارض الميعاد وما دمنا الآن في ارض جديدة (أمريكا) فلابد من بداية جديدة للحياة نعمل فيها من اجل مجد (بني إسرائيل) هذا الشعب المختار العظيم.
وليؤكد هذا المعنى من بعده (جون وينثروب) زعيم البعثة البيوريتانتية إلى (ماساشوستس) في موعظته التي ألقاها في سفينة الهجرة في عام (1630م) مخاطباً المهاجرين عليها : "إنكم انتم أيضاً مقبلون على الأرض التي حلف الرب لآبائهم إبراهيم وإسحاق ويعقوب (آباء بني إسرائيل في العهد الذي أعطاه الرب لهم) ان يعطيهم إياها ثم أخبرهم بان مصير أمريكا مكتوب في هذا العهد الذي أعطاهم فيه الرب الأرض التي حلف ان يعطيها لآبائهم إبراهيم واسحق ويعقوب".
أرأيت تزويراً وتحريفاً يبلغ هذا المبلغ .. فقد أدخلوا أمريكا في العهد الذي أعطاه سبحانه وتعالى لإبراهيم عليه السلام .. ولكنهم أبناء يهود الذين بدلوا كلام الله وزوروه .. أيعجزون عن تزوير حادثة مثل
---------------------------------------------------------------------------------------(1) تهويد المسيحية
حادثة العهد هذه !! .. أليسوا هم الذين جاء فيهم كلام الله سبحانه وتعالى: " ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون الكذب وهم يعلمون " (سورة آل عمران – 78) .
وبفعل هذا المد اليهودي الذي حمله البيوريتانتيون إلى أمريكا .. نجد ان قوانين مستعمرات عديدة في أمريكا استمدت من شريعة موسى عليه السلام (المحرفة طبعاً) .. مثل مستعمرات بليموث (1636م) و (ماساشوستس 1647م) وكونكتكوت (1650م) .. بينما بعضها الآخر مثل مستعمرة (نيوهافن) فقوانينها مقتبسة اقتباساً حرفياً من أسفار التوراة .. ثم لتؤسس جامعات مثل جامعة هارفارد ( في عام 1636 ) وتكون فيها اللغة العبرية هي اللغة الرسمية .
وباختصار فان حركة الإصلاح البروتستانتي التي قادها هذا اليهودي المتنصر (مارثن لوثر) هي التي أدخلت أساطير " الشعب المختار" و " أرض الميعاد " و " لاهوت إسرائيل السياسي" إلى صلب العقيدة البروتستانتية والوعي الانجلوساكسوني .. ثم لتتطور حركة البيورتانتز البروتستانتية لتشكل ما يعرف الآن بـ “البروتستانت من اصل انجلوساكسوني أبيض" وهم المعروفون اختصاراً ب(الواسب) (White Anglo Saxon Protestant …WASP)
ولتتطور معها الهجمة على النصرانية .. ولكن هذه المرة لإجتثاثها من أصولها تمهيداً للقضاء عليها وتجيير أتباعها إلى اليهودية.