eKtab
EN ع
الجملة معناها وأقسامها عند النحويين والبلاغيين
اقرأ عينة مجانية

الجملة معناها وأقسامها عند النحويين والبلاغيين

بقلم د. أحمد داود دعمس

صفحة 1
المُستخلص
 
تعدّ الجُملة وحدة تواصل لُغوي على أصعدة عدّة: فكريّة، وإفهاميّة، واجتماعيّة، وعلميّة، وحضاريّة. إذْ لا يَعْمُرُ الكون، ولا المجتمع، من دونها، ولنظام الجُملة مؤسِّسِات وروافد، تتمثل في عناصرها المُؤلّفة لها، التي هي نواة اللغة.
 
وبما أنّ الجُملة أساس النظام اللغويّ، فقد حاول هذا الكتاب الكشف عن مفهومها، وأنواعها، وأقسامها، عند النحويين، وعند البلاغيين، وحاول إيجاد قاسم مشترك في نظرة كلٍّ منهما للنّظم الجُمليّ، نظرًا لأهميّة الجُملة عندهم، لكونها تمثل عنصر فهم وإفهام.
 
وجاء منهج الكتاب تكامليًّا أرساه على الجودي، بعدما عصفت به أمواج الفكر، فاستوى على هذه الشاكلة.
 
(الباحث)
صفحة 2
فاتحة الكتاب
 
الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، سيدّنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أمّا بعد؛
 
فقد اعتنى بالجُملة كثير من الباحثين والدّارسين، غير أنّها تبقى ميدانًا رحبًا للدّراسات النحويّة، ولا سيّما أنّها مضمار التركيب اللغويّ، وجاء هذا الكتاب ليشكّل إسهامًا في دراسة الجُملة ، وبنائها، وأقسامها عند النحويين والبلاغيين.
 
لقد تناول هذا الكتاب الجانب النظريّ في دراسة الجُملة، حيث جمعت فيه كثيرًا من أقوال العلماء: قدامى ومحدثين، وقابلتها مع بعضها بعضًا وناقشتها، مبديًا الرأي فيها، ترجيحًا وتقوية.
 
إنّ الدراسات التطبيقيّة في دراسة الجُملة لا تقوم إلا على الجانب النظريّ، لذا فإنّ هذا الكتاب يعين الباحثين والدّارسين للجُملة العربيّة، ولا أدّعي أنّ هذا الكتاب ارتقى إلى مرحلة الكمال- كلّا وحاشا- فقد يستدرك اللاحق كثيرًا على السابق، إلّا مفتاحًا وعونًا لدارسي لتراكيب اللغويّة.
 
لقد انبنى هذا الكتاب من مِهاد، وثلاثة فصول، وخاتمة، وثبت بالمصادر والمراجع، أمّا المِهاد، فقد تناولت فيه معنى الجُملة في اللغة والاصطلاح، حيث عرضت الجذر على المعاجم اللغوية التي أفادت الجمع والضم، أمّا المعنى الاصطلاحي، فتدارسته عند كثيرين قدامى ومحدثين، مبينًا الترابط بينهما، وأنّهما يدلان على الجمع والقوة لصالح الإفادة.
 
ودار الفصل الأوّل حول الجُملة عند النحاة، مبينًا أنّ الجُملة موضوع الدرس النحويّ، فليس النحو إلا ما كان من الجُملة- كما قال الرمّاني- وأوّل من استخدم المصطلح، ثم عرض إلى الجُملة والكلام عندهم، حيث إنّ المتتبع للمصطلحين عند النحويين يجدهم فريقين: أولهما، يرى أنّ المصطلحين مترادفان، وثانيهما، يرى عكس ذلك، علاوة على تفريقهم بينهما وبين القول.
 
أمّا الفصل الثاني، فجاء عنوانه الجُملة عند البلاغيين، وتحدث عن اهتمامهم بها، لأنّهم يرونها لا تنفكّ عن الفائدة والتركيب، والجُملة عندهم مرادفة للكلام إذْ لم يفرقوا بين المصطلحين، إلا أنّهم التقوا مع النحويين في أنّ الإفادة شرط لا مندوحة عنه في الكلام. ثمّ عرّج للحديث عن أقسام الكلام: الخبريّ والإنشائيّ، ومدى اهتمامهم بالمسند والمسند إليه ومقيداتهما ضمن نظرية النظم.
صفحة 3
وجاء الفصل الثالث يحمل عنوان أقسام الجُملة، إذْ إنّها تنقسم أقسامًا عدّة؛ لأنّ التعابير اللغويّة تسير وفق أكثر من نمط، فتحدّث عن أقسامها باعتبار الصّدر أو الصيغة اللفظيّة، فهي إمّا اسمية أو فعليّة، فهناك من الجُمل ما يتراوح بينهما باعتبار الوظيفة النحويّة للكلمة، أو تقدير المحذوف. وعن أقسامها باعتبار الوصف، فهي على نوعين: كبرى وصغرى، فالكبرى: الاسميّة التي خبرها جُملة، أي أنّ فيها مسندين إليه، والصغرى: هي التي تحوي مسندًا إليه واحدًا، وتطرقت إلى التسميات الحديثة لهكذا جُمل. وعن أقسامها باعتبار الإعراب: وهي الجمل التي لها محل من الإعراب، والجمل التي لا محل لها من الإعراب. وعن أقسامها باعتبار الأسلوب، إذ إنّها على نوعي الكلام عند البلاغيين، الجُملة الخبريّة، والجُملة الإنشائيّة، وعن أقسام الجُملة باعتبار البِنية وهما نوعان: بِنية عميقة، أو باطنيّة، أو تحتيّة، وبِنية سطحيّة تجسد التحقق الصوتي أو الكتابي للبِنية العميقة، وهي القائمة على نظرية التوليد والتحويل.
 
أمّا خاتمة الكتاب، فقد عرضت أهمّ النتائج التي توصّل إليها الباحث، وأخيرًا فقد اعتمد المؤلف على مجموعة كبيرة من المصادر والمراجع القديمة والحديثة ليستنير الدّارس بآراء السابقين بما يحقق أهداف اللاحقين.
 
"آخر دعوانا أنِ الحمد لله ربّ العالمين"
 
د. أحمد داود دعمس
 
(بيت المقدس)
 
تحريرًا في: 30، ربيع أول، 1433هـ،
 
الموافق 22، شباط، 2012م
صفحة 4
التمهيد
 
الجُملة لغة واصطلاحًا
 
1) الجُملة لغة: تنتمي كلمة (جُملة) إلى الجذر الثلاثي المكون من الجيم، والميم، واللام، وبعد العودة إلى معاجم اللغة، والاطلاع على مادة (جَمَل)، وجدناها على أكثر من معنى منها:
 
التجمّع وعِظم الخلق، فيقال أجْمَلتُ الشيء، وهذا جُملة الشيء، وأجْمَلته،: حصلته. والجَمَل؛ الذكر من الإبل هو من هذا لعِظم خلقه، وكذلك الجُمَل: وهو الحبل الغليظ. قال الفرّاء(1): الجُمَل هو زوج الناقة، وفي التنزيل الكريم: حتى يلج الجَمَل في سم الخياط(2)
 
1. الجُمَل سمكة في البحر، ولا تكون في العذب، وقيل طولها ثلاثون ذراعًا.
 
2. الجُمَل: النخل على التشبيه بالجُمَل- ذكر الناقة- في طولها وضخمها.
 
3. جَمَل يَجْمُل جَمْلاً: إذا جمع، وجَمَل الشحم، يُجْمَله جَمْلاً: أذابه ومنه الحديث: "لعن الله اليهود حُرّمت عليهم الشحوم فجَمَلوها وباعوها" أي أذابوها، ودعت امرأة على رجل فقالت: جَمَلك الله، أي أذابك كما يذاب الشحم.
 
4. وتأتي (جَمُل) بمعنى حُسـْن، ومنه الجمال الذي هو ضد القبح، قال ابن سيده(3): الجَمَال: الحُسْـن يكون في الفعل والخلق، ويقع على الصور والمعاني؛ ومنه الحديث: "إنّ الله جميل يحب الجمال"، أي حَسَن الأفعال كامل الأوصاف.
 
أمّا الجُملة، فهي واحدة الجُمَل، والجُملة- بضم الجيم- تعني جماعة الشيء، وأجْمِل الشيء جمعه عن تفرقه، وأجْمَل له الحساب كذلك. والجُملة: جماعة كل شيء بكماله من الحساب وغيره. يقال:أجْمَلت له الحساب والكلام؛ قال الله تعالى: لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً(4)؛وقد أجْمَلت له الحساب إذا رددته إلى الجُملة، وفي حديث القدر: كتاب فيه أسماء أهل الجنة والنار أُجْمِل على آخرهم فلا يزيد فيهم ولا ينقص.
 
والجُملة: قُوَّةٌ من قُوَى الحبل الغليظ؛ لأنّ الحبل قوًى كثيرةٌ جُمعت فأُجْمَلتْ جُملة. وقد قيل لكل جماعة غير منفصلة جُملة(5).
 
2) الجُملة اصطلاحًا:
 
لم يُجمع العلماء والباحثون الذين تناولوا الجُملة بالدراسة على تحديد مفهوم دقيق، فكانت التعريفات كثيرة، نتيجة لاجتهاداتهم، فقدّموا لنا مجموعة كبيرة منها، يقول محمود نحلة: "اجتهد الباحثون منذ أفلاطون (ت.347 ق.م) حتى عصرنا الحاضر على اختلاف منازعهم ومناهجهمفي تحديد مفهوم الجُملة بما هي مصطلح، فقدموا لنا عددًا ضخمًا من التعريفات أربى على ثلاثمائة تعريف"(6).
 
وسوف نعرض في هذا الكتاب بعضًا من تعريفات الجُملة للقدامى وللمحدثين، لأنّ المقام لا يتسع لعرض التعريفات كلها ومناقشتها.
 
فهذا الرماني (ت.384هـ) يرى أن الجُملة: "هي المبنية من موضوع، ومحمول للفائدة".(7) في حين يعرّفها ابن يعيش (ت.643 هـ) بقوله هي: "كل كلام مستقل قائم بنفسه"(8)، أمّا ابن هشام الأنصاري (ت.761 هـ) فيقول إنّ: "الجُملة عبارة عن الفعل وفاعله كـ"قام زيد"،والمبتدأ وخبره، كـ"زيد قائم" وما كان بمنزلة أحدهما نحـو "ضُرب اللصُّ"، و"أقائم الزيدان" و"كان زيد قائمًا" و"ظننته قائمًا"(9).
صفحة 5
ومن التعريفات المعاصرة للجُملة، تعريف إبراهيم أنيس القائل: "إنَّ الجُملة في أقصر صورها هي: أقل قدر من الكلام يفيد السامع معنى مستقلاً بنفسه، سواء تركب هذا القدر من كلمة واحدة أو أكثر"(10). أمّا خليل عمايرة، فيرى أنَّ الجُملة هي: "الحد الأدنى من الكلمات التيتحملمعنى يحسن السكوت عليه"(11)، بينما نظر إليها إبراهيم السامرائي على أنها قضية إسنادية، بصرف النظر عن نوعها، فيقول: "الجُملة كيفما كانت اسمية، أو فعلية، قضية إسنادية، والإسناد اللغوي علاقة وارتباط بين طرفين موضوع ومحمول، أو مسند ومسند إليه"(12).
 
أمّا مبارك مبارك، فيقول في تعريف الجُملة هي: "الصورة اللفظية الصغرى للكلام المفيد في أيّ لغة من اللغات، وهي المركب الذي يبين المُتكلم به أنّ صورة ذهنية كانت قد تآلفت أجزاؤها في ذهنه، ثمّ هي الوسيلة التي تنقلُ ما جال في ذهن المتكلم إلى ذهن السامع. والجُملة التامة التي تعبّر عن أبسط الصور الذهنية التامة التي يصح السكوت عليها تتألف من ثلاثة عناصر رئيسة هي: المسند إليه، والمسند، والإسناد، وهو الارتباط بين المسند والمسند إليه"(13).
 
وعرّفها ياسر الملاح بقوله: "أمّا الجُملة، فهي الصورة اللفظية لنقل المعنى"(14). ورأى مهدي المخزومي أنّ الجُملة هي التركيب الذي يعبر عن فكرة تامة، ويدل على معنى يحسن السكوت عليه(15). وذهب محمد عبادة إلى تعريف آخر قائلاً: "هي أكبر وحدة نحوية تقبل التحليلاللغوي، فالفعل ومتعلقاته، والاسم وتوابعه المذكورة في النص تمثل الجُملة، وليس الفعل والفاعل أو نائبه أو المبتدأ والخبر وحدهما"(16).
 
وإذا أمعنّا النظر في هذه التعريفات: القديمة منها والحديثة، نجد أنّها تدور حول القضايا الآتية:
 
أولاً: إنّ الكلمة، أو الكلمات- التي هي مادة بناء الجُملة- يتآلف بعضها مع بعض مكونة مادة يتلقاها المستمع، فيستقر عنده المعنى، ويطلقون على هذه الكلمات المتآلفة مصطلحات الفعل، والفاعل، أو نائبه، أو المبتدأ والخبر، أو المسند والمسند إليه، أو الموضوع والمحمول، أمّا إذا كانت الجُملة مكونة من كلمة واحدة، يحسن السكوت عليها، وتعطي السامع معنًى مفيدًا، فلا بدّ لها من كلام آخر تستند إليه، فعلى سبيل المثال، يأخذ السامع من كلمتي (نعم)، أو (لا)، معنى مستقلاً إذا كانتا جوابًا عن سؤال، أمّا إذا كانتا غير ذلك، فلا أعتقد أنّ السامع ينال ما يرجوه منهما، فمثلاً إذا قلنا: هل تفوّق يوسفُ في المدرسة؟ تكون الإجابة بوساطة حرفي الجواب (نعم)، أو (لا)، فهنا تفيدان معنى للمتلقي، وهذا هو الهدف الأساس للجُملة، بصرف النظر عن عدد كلماتها.
 
ثانيًا: الإفادة: فالكلمة المستعملة التي بطبيعتها لها معنى مفيد للمُستقبِل، عندما تنضم إلى أخواتها تتشكل الإفادة التي تُرتجَى. يقول الرُّماني: "وتكون الفائدة حاصل الكلام المفيد، أو الكلمة المفيدة، والفائدة في ذلك ما يصار من ذلك إلى معنى مفيد دال على شيء بعينه أو حال بعينها"(17). لأنّ للجُملة هدفًا يتمثل في نقل معلومة يستفيد منها السامع أو القارئ(18).
 
ثالثًا: الربط بين الكلمات- مادة بناء الجُملة- وعُرِف هذا الربط باسم الإسناد، ويرى الباحث أنّه علاقة وهمية تربط عناصر بناء الجُملة ببعضها بعضًا، وهو عنصر أساس في تكوين الجُملة، لا يُسْتغنَى عنه، وبخاصة إذا أردنا بناء عبارة يحسن السكوت عليها. وهو عند الشريف الجرجاني، (ت.816هـ)، "عبارة عن ضم إحدى الكلمتين إلى الأخرى على وجه الإفادة التامة، أي على وجه يَحْسُـن السكوت عليه"(19).
صفحة 6
رابعًا: التركيب أو البناء، ويكون هذا من خلال نظم الكلمات لتكوين جُملة مكونة من عناصرها الرئيسة، إضافة إلى المتممات الأخرى، وبما أنّ الجُملة تقبل التحليل إلى مكوناتها، فهذا يعني أنّها مركبة منها.
 
خامسًا: الجُملة لا تكون إلا صورة مادية لما نفكر فيه، فالتفكير يكون بجُمَل، إذ لا يمكن لشخص ما أنْ يفكر بوساطة كلمة واحدة، وإنّما بوساطة مجموعة من الكلمات يصهرها في بوتقـة واحدة ضمن قالب معين، ويخرجها على شكل جُمَل معبرة عن أفكار تامة، يحسن السكوت عليها.
 
سادسًا: إنّنا لا نستطيع إغفال العناصر الأخرى التي تسهم في بناء الجُملة كالمفاعيل وغيرها؛ لأنّ لها أثرًا كبيرًا في استكمال معانٍ إضافية لها علاقة بأحد ركني الجُملة الأساسيين.
 
سابعًا: الاستقلال:يلاحظ الباحث أنّهم اشترطوا في تعريفهم للجُملة أنْ تكون مستقلة في معناها قائمة بنفسها، وأراني موافقًا على هذا الشرط؛ لأنَّه عنصر مُهم في بناء الجُملة التامة. مثل: انتصر الحق. فهذه الجُملة تقوم على فكرة مستقلة بنفسها.
 
وبعدُ، فمصطلح الجُملة رغم شهرته وكثرة استخدامه، إلا أنّه مصطلح شائك يختلط مع مصطلحات أخرى مثل الكلام، والقول- وهذا ما سيأتي الحديث عنه إنْ شاء الله فيما بعد- ولكنّ هذا الاختلاط لا ينقص منها شيئًا؛ لأنّ هناك مصطلحاتٍ كثيرةً يُعرِّف بعضها بعضًا.
 
وخلاصة القول: الجُملة هي: كلمة أو كلمتان أو أكثر، تُضم بعضها إلى بعض، ضمن نسق معين محكوم بقوانين بهدف إيجاد الفائدة. وتكون مكونة من كلمة واحدة إذا حُذِف أحد ركنيها الأساسين، أو كانت جوابًا عن سؤال.
 
وإذا قارنا بين مفهومي الجُملة: اللغوي، والاصطلاحي، فإنّنا نجد ترابطًا بينهما، لأنّهما يقومان على فكرة الضمّ والجمع للأشياء.