eKtab
EN ع
الجنس الآخر
اقرأ عينة مجانية

الجنس الآخر

بقلم سيمون دي بوفوار

صفحة 1
مقدمة المترجم
 
يقول «جول لافورغ»: «لا تربطنا بالمرأة أبداً رابطة الأخوة، فقد جعلنا منها، بالخمول والفساد، كائناً منعزلاً ليس له من سلاح سوى سحره الجنسي».
 
الواقع أن الرجال والنساء ليسوا راضين عن بعضهم بعضاً في يومنا هذا. ولكن المسألة هي أن نعلم فيما إذا كانت هناك لعنة أصلية تحكم عليهم بالتخاصم والتنازع أو أن الخصومات التي تفرق بينهم لا تعبر إلا عن لحظة انتقالية في التاريخ الإنساني.
 
لقد رأينا، رغم ما جاء في الأساطير، أن ليس هناك سبب فيزيولوجي يفرض على الذكر والأنثى العداء الدائم لأنهما من جنسين متمايزين. إن الإنسانية ليست نوعاً، بل هي صيرورة تاريخية. ومهما يكن سوء النية كبيراً فمن المستحيل اكتشاف خصومة ذات طبيعة فيزيولوجية بين الأنثى والذكر البشريين. لذلك يعمد بعضهم إلى اعتبار وجود هذا النزاع في ميدان متوسط بين البيولوجيا وعلم النفس أي ميدان التحلل النفسي «فرويد»، ولكننا بيّنا أن المأساة لا تجري على الصعيد الجنسي ولم يبد لنا قط أن الغريزة الجنسية تحدد مصيراً إنسانياً وأنها تقدم بذاتها مفتاحاً يفسر السلوك البشري.
 
إن المجتمع الذي وضع الرجل تشريعاته وقيمه يعتبر المرأة أقل من الرجل. ولا تستطيع المرأة إلغاء هذا النص إلا بتحطيم تفوق الرجل، لذلك تحاول أن تسيطر عليه وأن تناقضه وأن تنكر حقيقته وقيمه. إنها بذلك لا تفعل سوى الدفاع عن نفسها. هذا النقص لا ينجم عن جوهر ثابت أو قدر سيئ، بل هو مفروض على المرأة فرضاً. وإن كل اضطهاد يخلق حالة نزاع. والكائن الذي تُنتزع منه صفة الجوهر لتلصق به صفة التبعية والإلحاق لا بد أن يحاول استرجاع سيادته.
 
أما اليوم فتأخذ المعركة شكلاً آخر. فالمرأة لم تعد تحاول جر الرجل إلى الجمود، بل تحاول الهروب إلى عالم الارتقاء والسمو. ولكن يطيب للرجل أن يبقى السيد المطلق والكائن المنفرد بالجوهر ويرفض أن يعتبر رفيقته مساوية له.
 
لم تعد المعركة إذن بين أفراد ينحبس كل منهم في نطاقه، بل إن هناك طبقة ذات مطاليب تهب إلى النضال فتنتصر عليها الطبقة ذات الامتياز. نحن الآن أمام حريتين نزاعتين إلى السمو والارتقاء يسود بينهما الخصام بدل التعارف والوئام.
 
تحاول المرأة «الأنثى» بجعل نفسها متاعاً وفريسة سلبية، أن تقيد الرجل بالرغبة التي تثيرها في نفسه. وعلى العكس من ذلك ترفض المرأة «المتحررة» السلبية التي يدعي الرجل فرضها عليها. ولكن المرأة «الحديثة» تقبل قيم الذكور وتؤكد نفسها كمثيلة لهم.
 
إن هذا المطلب مشروع ما دام يُعبر عنه بتصرفات ملموسة. إلا أن كثيراً من النساء اللواتي يردن أن يثبتن بنجاحاتهن أنهن مثل الرجل، ينشدن تأييد الرجل عن طريق الجنس، إنهن يلعبن ضمن إطارين: فهن يطالبن بالاحترام التقليدي، وباعتبار جديد أيضاً، معولات على سحرهن القديم وحقوقهن الجديدة ولكن الرجل أيضاً لا يخلو من مثل هذا الازدواج. والحقيقة أن الصراع بين الرجل والمرأة لا يمكن أن يكون واضح المعالم لأن المرأة لا تنتصب أمام الرجل على اعتبار أنها شخص ولكنها كمتاع، كشيء له حياته الشخصية.
 
وسيدوم النزاع طالما لا يعترف أحدهما أنه شبيه الآخر ونظيره. وإذا كان من الصعب تحطيم الحلقة الفاسدة والدوامة الفارغة، فذلك لأن كل من الجنسين هو في الوقت نفسه ضحية الجنس الآخر وضحية نفسه. وليس من الصعب إحلال الاتفاق بين خصمين يتنازعان في حريتهما الصرفة ولا سيما أن هذا النزاع لا يفيد أحداً. إلا أن تعقيد هذه القضية ناشئ عن أن كل فريق هو في الوقت نفسه شريك خصمه ..
 
لقد رأينا لماذا استعبد الرجال النساء في الأصل، لقد كان انخفاض قيمة الأنوثة مرحلة ضرورية في التطور البشري؛ ولكن كان بالإمكان أن يسود التعاون بين الجنسين. إن الاضطهاد يفسر بنزعة الكائن إلى الهروب من ذاته والتخلي عن نفسه للآخر في سبيل هذه الغاية، وحتى هذا اليوم توجد هذه النزعة عند كل الرجال.
صفحة 2
إذا ما حررنا المرأة فإننا نحرر الرجل، ولكنه يخشى ذلك بالذات ويصر على التعميمات التي تستهدف إبقاء امرأة في الأغلال. وقد رأينا كيف يجري إخفاء قيود الأعباء المنزلية المملة تحت ستار شعري، بل إن هناك رجالاً كثيرين يحاولون إقناع أنفسهم أن المرأة تتمتع بامتيازات. والحقيقة أن المرأة تتمتع بامتياز عدم المسؤولية. وقد رأينا أن تربية المرأة يُقصد منها سد طريق الثورة أمامها، وأن المجتمع كله يكذب عليها إذ يتغنى بقيم الحب والتضحية؛ وهي نفسها ترضى بهذا الكذب، لأنه يدعو إلى انتهاج طريق السهولة. وتخطئ المرأة خطأً كبيراً إذ تخضع للإغراء، ولكن الرجل هو آخر من يحق له أن يأخذ ذلك عليها، لأنه هو نفسه الذي يغويها. إن كلاً من الجنسين يعتقد أنه يبرر نفسه حين يعمد إلى الهجوم، إلا أن أخطاء أحدهما لا تبرئ الآخر.
 
لا يجري التبادل في علاقتهما بين غرضين لهما الكيفية نفسها؛ ويبرز عدم التساوي هذا في أن الوقت الذي يقضيانه معاً ليس له نفس القيمة بالنسبة إلى الشريكين. فالرجل لديه دائماً شيء آخر يعمله. أما المرأة فتحاول التخلص من وقتها. ولكن يستحيل تحقيق العدالة في كنف اللاعدالة: وفي الحياة كثيراً من الأحوال التي ليس لها حل مرضٍ لأنها تتعين بشروط هي ذاته غير مرضية وإن البلاء ناجم عن وضع يصبح أمامه المسلك الفردي عاجزاً كل العجز فلنسمح للنساء بكيان مستقل وليصبح بإمكانهن النضال في الحياة لينتزعن معيشتهن، كي تلغى تبعيتهن وتبعية الرجل أيضاً.
 
ولا ينبغي الاعتقاد أن من الكافي تعديل وضع المرأة الاقتصادي كي تتغير. هذا العامل كان ولا يزال العامل الأساسي في تطورها، ولكن طالما لم تنجم عنه النتائج الأخلاقية والاجتماعية والثقافية التي يبشر بها، فلا يمكن للمرأة الجديدة أن تظهر، ولكن إذا افترضنا مجتمعاً تتحقق فيه مساواة الجنسين تحققاً ملموساً فإن هذه المساواة تتأكد في كل فرد.
 
إن عداء الذكور لا يبدو كامتياز الأمراء إلا في كنف نظام يتآمر بمجموعه ليثبت سيادة الذكور. والحقيقة أن الرجل مثل المرأة مكون من جسد، أي أن له صفة السلبية وأنه يتأثر بالنوع ويخضع للشهوة. وليس من شك في أننا إذا أبقينا طبقة ما في حالة النقص بقيت ناقصة؛ إلا أن الحرية تستطيع تحطيم هذه القيود. فلنعط المرأة مسؤوليات فإنها تنهض بها. وإن الأحوال الجديدة تنشأ أحياناً من ثورة المضطهدين وأحياناً من تطور الطبقة ذات الامتياز. هكذا اضطر الرجال في مصلحتهم بالذات، أن يحرروا المرأة تحريراً جزئياً.
 
وعلى كل حال سيبقى دائماً بين الرجل والمرأة بعض الفروق. فعالم المرأة الجنسي، لما له من وجه خاص، لا بد أنه سيُحدث لديها حساسية خاصة. وإن علاقاتها بجسمها وبجسم الذكر وبالطفل لن تصبح أبداً مطابقة تمام التطابق لعلاقات الرجل بجسمه وجسم الأنثى وبالطفل.
 
إن تحرير المرأة يعني رفض تقييدها بالعلاقات التي تقيمها مع الرجل، ولكن لا يعني أبداً إنكار هذه العلاقات. ولن تحذف علاقاتهما المتبادلة الأعاجيب التي يحدثها انقسام الكائنات البشرية إلى فئتين منفصلتين (الرغبة، الامتلاك، الحب، الحلم، المغامرة)؛ بل على العكس، حينما يلغى استعباد نصف الإنسانية وكل مجموعة الرياء الناجمة عنه ستُظهر الإنسانية مغزاه الصحيح وسيرى الزوج البشري وجهه الحقيقي.
صفحة 3
المقدمة
 
ترددت طويلاً قبل أن أُقدم على تأليف كتاب حول المرأة؛ صحيح أن الموضوع مثير، خاصة بالنسبة إلى النساء، إلا أنه ليس بالجديد.
 
وعلى كل حال، هل هناك مشكلة؟ وما هي؟ بل هل هناك نساء؟ يقال لنا: «الأنوثة في خطر» ويحثوننا قائلين: «كنّ نساء ... أبْقَيْن نساء». فكأنما كل كائن إنساني مؤنث ليس امرأة بالضرورة بل ينبغي له أن يساهم بهذا الواقع الخفي الذي هو الأنوثة. وهل تتكفل المبيضات بإفراز الأنوثة أم أن هذه تكمن في سماء أفلاطونية؟
 
في عهد القديس توماس كانت المرأة تبدو كجوهر تحدد خصائصه كما تحدد خصائص ومزايا نبات الخشخاش. إلا أن هذا المذهب الفكري فَقَدَ من نفوذه لأن العلوم البيولوجية والاجتماعية لم تعد تقر بوجود جوهر جامد ثابت يحدد نماذج معينة كالمرأة واليهودي والزنجي.
 
إن موقف التحدي الذي تقفه النساء الأميركيات يثبت أن شعور الأنوثة يطغى عليهن. والحقيقة أنه يكفي إلقاء نظرة للتأكد من أن الإنسانية تنقسم إلى فئتين تتمايزان باللباس والوجه والجسم والابتسامة والمشي والاهتمام والمشاغل تمايزاً واضحاً، وقد تكون هذه الفوارق سطحية وذاهبة إلى الزوال. إنما الأكيد أنها موجودة في الوقت الحالي بكل وضوح.
 
إذا كانت الأنوثة وحدها لا تكفي لتعريف المرأة، ورفضنا أيضاً أن نفسرها بمفهوم «المرأة الخالدة» وبالتالي إذا كنا، نسلم ولو بصورة مؤقتة، أن هناك نساء على الأرض، فعلينا حينئذ أن نتساءل ما هي المرأة؟
 
إن الرجل يعتبِر جسمه كما لو كان كائناً مستقلاً يتصل مع العالم اتصالاً حراً خاضعاً لإرادته هو ... بينما يعتبِر جسم المرأة شيئاً حافلاً بالقيود التي تعرقل حركة صاحبته. ألم يقل أفلاطون: «الأنثى هي أنثى بسبب نقص في الصفات»!
 
إن الإنسانية في عُرف الرجل شيء مذكر فهو يعتبر نفسه يمثل الجنس الإنساني الحقيقي ... أما المرأة فهي في عُرفه تمثل الجنس «الآخر».
 
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: كيف تمكن أحد الجنسين فقط من فرض نفسه كجوهر وحيد، منكِراً وجود كل نسبية تربطه بالجنس الآخر، معرِّفاً إياه بأنه الآخر الصرف. ومن أين أتى للمرأة هذا الرضوخ؟
 
هناك حالات أخرى ترينا تمكُّن فئة من التحكم بفئة أخرى خلال فترة من الزمن. كان هذا الامتياز ناجماً في الغالب عن تمايز العدد فتفرض الأكثرية قانونها على الأقلية وتضطهدها. إلا أن النساء لسن أقلية، فضلاً عن أن هذا التسلط له بداية تاريخية معروفة. فمثلاً لم يكن هناك بروليتاريا مضطهدة على حين كان هناك دائماً نساء. إنهن نساء بتكوينهن الفيزيولوجي. ومهما أوغلنا في التاريخ القديم نرى النساء مُلْحَقات بالرجال. هذه التبعية ليست نتيجة حادث تاريخي وليست بالأمر الطارئ؛ مما يجعل من المرأة الجنس الآخر بصورة مطلقة.
 
إن نضال المرأة لم يكن قط إلا نضالاً رمزياً. ولم تفز إلا بما أراد الرجل التنازل عنه. لم تأخذ شيئاً أبداً بل تسلمت ما أُعطي إليها.
 
لا تستطيع المرأة حتى في الحلم إزالة الذكور. فالعلاقة التي تربطها بمضطهديها لا مثيل لها. ذلك أن انقسام الجنس هو في الواقع شيء عضوي محسوس وليس مرحلة من تاريخ البشر. إن ما يميز المرأة بصورة أساسية هو كونها الجنس الآخر ضمن وحدة ذات حدين متلازمين.
 
قد يُخيّل إلينا أن هذه العلاقة المتبادلة قد ساعدت على تحرير المرأة. والحقيقة أن الحاجة البيولوجية التي تجعل الذكر مقيداً بالأنثى لم تحرر المرأة اجتماعياً. وإذا كان إلحاح الحاجة متساوياً عند الطرفين فإنه يتدخل دائماً في صالح المضطهدين ضد المضطهدين.
 
إلى جانب ميل المرء إلى تأكيد نفسه كشخص، هناك ميل إلى الهروب من حريته وتحويل نفسه إلى غرض أو إلى متاع. إن هذه الطريق، طريق وخيمة، لأن المرء السلبي الذي يعيش في ضياع، يصبح فريسة لإرادة الآخرين، عاجزاً عن إغناء ذاته، محروماً من كل القيم. ولكنها طريق سهلة لأنها تجنب المرء الحيرة والمسؤولية. لذلك يَلقي الرجل الذي يجعل من المرأة «الجنس الآخر» استعداداً عميقاً من جانبها يساعده في مهمته.
 
هكذا لا تطلب المرأة لنفسها صفة الشخص الذي يؤكد ذاته، لأنها محرومة من الوسائل الملموسة؛ ولأنها تحس بالعلاقة الضرورية التي تربطها بالرجل دون أن تعتبرها علاقة متبادلة؛ ولأنها تقنع غالباً بدورها كـ «جنس آخر».
 
حينئذ يتبادر إلى الذهن السؤال التالي: كيف ابتدأت هذه القصة كلها؟ من المفهوم أن يتحول ازدواج الجنس (كأي ازدواج) إلى نزاع. ومن المفهوم أنه إذا نجح أحد الطرفين في فرض تفوقه فإن هذا التفوق يميل إلى تأكيد نفسه تأكيداً مطلقاً. ولكن ينبغي لنا أن نشرح لماذا كان الرجل هو الرابح في البداية؟ لماذا كان هذا العالم دائماً تابعاً للرجال، ولماذا لم تأخذ الأشياء في التبدل إلا في هذه الأيام فقط؟ هل هذا التبدل شيء حسن؟ وهل سيقسم العالم تقسمياً عادلاً بين الرجال والنساء؟
 
هذه الأسئلة ليست بالجديدة؛ وقد لقيت أجوبة عديدة. إلا أن مجرد اعتبار المرأة «الجنس الآخر» يُخرج كل التبريرات التي يقدمها الرجال لأنها كانت مستوحاة من مصالحهم.
 
قال أحد أنصار المرأة المغمورين: «كل ما كُتب عن المرأة من قِبَل الرجال يجب أن يثير الشبهات لأنهم خصوم وحُكّام في الوقت ذاته. وقد سخّروا اللاهوت والفلسفة والقوانين لخدمة مصالحهم».
 
وفي القرن الثامن عشر فقط أخذ بعض الرجال المشبعين حقاً بالديمقراطية يواجهون المسألة بصورة موضوعية.
صفحة 4
إن الفئة المهيمنة تحاول أن تُبقي المرأة في المكان الذي تخصصه لها وتستقي الحجج من الوضع الذي خلقته هذه الفئة نفسها، وهذا يذكرنا بقول «برناردشو» في الزنوج: «إن الأميركي الأبيض يهبط بالزنجي إلى مستوى ماسح الأحذية ليستنتج من ذلك أن الزنجي ليس صالحاً سوى لمسح الأحذية». نعم إن النساء هن غالباً في يومنا هذا أقل مكانةً من الرجال بمعنى أن وضعهن لا يفسح لهن إلا مجالات أضيق. والمسألة هي أن نعرف فيما إذا كانت هذه الحال ستدوم؟
 
لا شك في أن كثيرين من الرجال يتمنون ذلك وكلهم لم يلقِ السلاح بعد. فالبورجوازية ما زالت ترى في تحرير المرأة خطراً يهدد مفاهيمها الخلقية ومصالحها. وبعض الرجال يخشون منافسة المرأة، والمصالح الاقتصادية ليست وحدها في الميدان؛ لأن من محاسن وضع المضطهدين أن أبسطهم يظن نفسه من طينة أخرى. فكان أسهل على الكاتب الفرنسي «مونترلان» أن يحسب نفسه بطلاً وهو يقارن نفسه مع نساء «اختارهن هو نفسه» .. من أن يقارن نفسه وهو يأخذ دوره كرجل، مع بقية الرجال. مع العلم أن بعض النساء فقنه في القيام بهذا الدور. وها هو ذا «كلود مورياك» يكتب بخصوص النساء «نحن نصغي بلا مبالاة مهذبة لأذكى النساء ونحن نعلم جيداً أن فكرها يعكس بصورة متمايزة الوضوح الأفكار التي تصدر عنا نحن معشر الرجال». على كل حال إن المرأة التي يتحدث عنها لا تعكس أفكاره لأنه معروف بنضوب فكره ولعله يحتاج إلى أن يعكس هو نفسه أفكار كبار الفلاسفة وهو يتحدث.
 
إن المسألة النسائية استحالت إلى نزاع وخصام نتيجة لوقاحة الرجال. والإنسان حين يتخاصم يفقد مَلَكَة المحاكمة. وإذا أردنا حقاً أن نسلط النور على المسألة فينبغي لنا أن نطرح كل المفاهيم المبهمة كالتفوق والمساواة والنقص وأن تنطلق من جديد.
 
لكن كيف نطرح المسألة إذن؟ بل من نحن حتى نطرحها؟ فالرجال هم خصوم وحكام. والنساء أيضاً هنّ كذلك، فأين نجد ملاكاً يقوم بالمهمة؟ إنني أظن مع ذلك أن بعض النساء هن أحسن من يستطيع توضيح وضع المرأة، فلقد حظيت نساء كثيرات في يومنا هذا بالتمتع بمزايا الكائن الإنساني مما يجعلهن غير مغرضات، والواقع أن عدم التحيز هذا يشكّل حاجة بالنسبة إلى النساء ونحن النساء نعرف خيراً من الرجال عالم المرأة لأننا مرتبطات الجذور به، ونحن أقدر على إدراك ما معنى أن يكون الكائن الإنساني «امرأة».
 
إن المسألة التالية هي بالنسبة إلينا كبيرة الأهمية: أي تأثير في حياتنا نجم عن كوننا نساء؟ ما هي الإمكانيات التي أُعطيت إلينا والتي مُنعت عنا؟ أي مصير يمكن لأخواتنا الصغيرات انتظاره وفي أي اتجاه يجب توجيههن؟
 
مما يلفت النظر أن مجموع الكتابات النسائية مفعمة في هذه الأيام بجهد للتوضيح هو أكثر من الرغبة في المطالبة. وهكذا يجب أن يُعتبر هذا الكتاب محاولة من مجموع المحاولات لتوضيح الأمور.
 
إلا أنه من المستحيل، دون شك، البحث في أي مشكلة إنسانية بصورة مجردة عن التحيز فإن طريقة وضع الأسئلة، ووجهات النظر المتبناة، تفترض مجموعة متباينة من المصالح.
 
وبدل أن نحاول إخفاء المبادئ المفترضة بدرجات متباينة الوضوح، يجدر بنا أن نبدأ بوضعها وإرسائها. إننا بذلك لا نجد أنفسنا مضطرين إلى توضيح نوايانا في كل صفحة وما نقصده من كلمات أمثال: أعلى، أدنى، أحسن، أسوأ، تطور، تقهقر.
 
نحن نعتقد أن الصالح العام غير موجود إلا إذا كان هذا الصالح يضمن الصالح الخاص للمواطنين. ولا نحكم على المؤسسات والنظم إلا من خلال الإمكانيات الملموسة المتيسرة للأفراد. على أننا لا نخلط بين مفهوم الصالح الخاص ومفهوم السعادة. هذه نقطة أخرى تعترض سبيلنا غالباً؛ أليست النساء اللواتي يؤلفن الحريم أسعد من النساء العصريات المتمتعات بحق الانتخاب؟ إننا، لذلك لن نعتمد أبداً على مفهوم السعاة بل سنتبنى وجهة نظر الأخلاق الوجودية.
 
كل شخص يعمل على تأكيد نفسه تأكيداً فعلياً ملموساً من خلال المشاريع والأهداف، ولا يحقق حريته إلا بارتقاء مستمر وتسامٍ مضطرد نحو مستويات أخرى. ولا يمكن تبرير الوجود الحالي إلا بالتفتح نحو مستقبل ممهد السبيل تمهيداً مطلقاً، وكلما تحول الارتقاء إلى جمود سار الوجود نحو الانحطاط. إن هذا الانحدار يشكل خطيئة أخلاقية إذا ما رضي به المرء. أما إذا فرض عليه فرضاً أصبح ذلك اضطهاداً. وفي كلا الحالتين يكمن الشر المطلق. أجل إن كل فرد رائده تبرير وجوده لأنه يحس بهذا الوجود كحاجة لا متناهية إلى التسامي.
 
والمرأة تُعرَّف بأنها كائن إنساني وحرية مستقلة. وهي تكتشف نفسها وتصطفي ذاتها في عالم حرص الرجال فيه أن تلعب دور «الجنس الآخر» دور الغرض والمتاع.
 
إن مأساة المرأة تكمن في هذا النزاع القائم بين المطلب الأساسي لكل شخص ينصِّب نفسه دائماً في مقام الجوهر وبين متطلبات وضع يجعل منها لا جوهراً. فكيف يمكن إذن، للكائن الإنسان، في ظروف مثل ظروف المرأة، أن يستكمل ذاته؟ وما هي الطرق المفتوحة أمامه؟ أيها لا تؤدي إلى نتيجة؟ أي ظروف تحد من حرية المرأة وهل في الإمكان مجاوزتها؟ هذه أسئلة أساسية سنبذل جهدنا آملين توضيحها. وإننا إذ نهتم بإمكانيات الشخص، لا نحدد هذه الإمكانيات بتعابير السعادة بل بتعابير الحرية.
 
سيمون دي بوفوار
صفحة 5
الفصل الأول
 
مبادئ علم الحياة
 
يقول هواة العبارات السهلة: ما هي المرأة؟ هذا شيء بسيط. إنها رحمٌ ومبيض؛ فإنها أنثى وهذه الكلمة تكفي لتعريفها. ويلوك الرجل كلمة «أنثى» كما لو كانت إهانة؛ ومع ذلك فهو لا يحس بأي خجل من حيوانيته، بل يبدو، على العكس فخوراً إذا قيل عنه: «إنه ذكر». وليست كلمة «أنثى» مستقبحة لأنها تربط المرأة بالطبيعة وإنما لأنها تقيدها بحدود جنسها. ولئن كان هذا الجنس يبدو للرجل أهلاً للاحتقار فمرجع ذلك إلى اضطراب الخصومة التي تخلقها المرأة في نفسه؛ إلا أنه يريد أن يرى في علم الحياة تبريراً لهذا الإحساس.
 
إذا أردنا الابتعاد عن الأفكار المعادة فإن هناك سؤالين يظهران أمامنا:
 
1- ماذا تمثل الأنثى في مملكة الحيوان؟
 
2- أي نوع خاص من الأنثى يتحقق في المرأة؟
 
* * *
 
الذكر والأنثى هما نموذجان من الأشخاص يتمايزان نوعياً بالتعاون في سبيل التكاثر؛ ولا يمكن تعريفهما إلا بالترابط. بيد أنه يجب أن نلاحظ أولاً أن مدلول انقسام الأنواع إلى جنسين ليس واضحاً. ففي عالم الحيوان نجد أن في وحيدات الخلية كالأميبا تنفصل عملية التكاثر عن العملية الجنسية انفصالاً تاماً، كما أن منها ما يتكاثر بالانقطاع.
 
إن انقسام النوع إلى جنسين قد اعتبر أمراً مفروغاً منه من قبل أكثر الفلسفات إلا أن هذه الفلسفات لم تتمكن من تفسيره. أما بخصوص دور كل من الجنسين فهناك اختلاف في الآراء. كانت هذه الآراء في البداية خالية من كل أساس علمي ولا تعكس سوى تصورات اجتماعية. فخلال زمن طويل اعتقد الناس أن الأب ليس له أي دور في عملية الحمل. وأن روح الأجداد تدخل إلى بطن الأم بصورة بذرة حية. وحين حل النظام الأبوي أخذ الذكر يتمسك بذريته. ولما لم يكن بالإمكان إهمال كل دور للأم في التوالد فقد اعتبر أنها تحمل وتغذي البذرة الحية التي يقذفها الأب فقط. وحتى لما تم اكتشاف دور البويضة الإيجابي فقد حاول الرجال أن يقابلوا بين رداءة وسكون البويضة ونشاط وحيوية الحيوان المنوي. إلا أن هناك اتجاهاً جديداً معاكساً يحاول أن يثبت أن دور الذكر لا يتعدى دور المؤثر الفيزيائي الكيميائي.
 
إننا نطرح جانباً كل معتقد سابق للتجربة وكل نظرية عشوائية. نأمل استخلاص المغزى من فحص الواقع الملموس. وحينئذ قد يتكشف لنا مضمن كلمة «أنثى».
 
ليست غايتنا عرض فلسفة في الحياة ولسنا نريد التسرع في اتخاذ موقف في النزاع القائم بين المذهبين: الغائي والآلي. ودون أن نتخذ أي قرار بخصوص العلاقة بين الحياة والشعور، يمكننا أن نؤكد أن وراء كل وظيفة مشروعاً وهدفاً.
 
تتعاون الأعضاء المذكرة والمؤنثة، لدى أغلب الأنواع، في سبيل التوالد. وهناك تياران خاطئان: يقول الأول بسلبية الأنثى، والحقيقة أن الشرارة الحية تنبثق من التقاء الخليتين المولدتين. أما التيار الثاني فيناقض الأول، رغم تعايشهما معاً أكثر الأحيان، ويقول بأن دوام النوع تؤمنه الأنثى أما المبدأ الذكر فليس له سوى ظهور انفجاري، وعارض. والحقيقة أن الرشيم يخلد بذرة الأب وبذرة الأم ينقلهما إلى الذرية بصورة ذكر أحياناً وصورة أنثى أحياناً أخرى. إن الخليتين المذكرة والمؤنثة المولدتين تتحدان معاً وتذوب فرديتهما في عملية التمازج.
 
بلغ الشطط في بعضهم أنهم استنتجوا من وضع البويضة مكان المرأة في البيت، فقد أوحى «ألفريد فوييه» بإمكان تعريف المرأة كلها اعتباراً من البويضة، وتعريف الرجل اعتباراً من الحيوان المنوي.
صفحة 6
إن العضوين المذكر والمؤنث اللذين يتوزعان بصورة متساوية في الجنسين ويتطوران تطوراً متماثلاً اعتباراً من جذور واحدة، يبدوان متناظرين تمام التناظر بعد انتهاء تكوينهما. وكلاهما يتميز بوجود غدد منتجة للخلايا المولدة. وفي الحالة الساكنة يبدو الذكر والأنثى متكاملين ولا يمكن إدراك فرديتهما الخاصة إلا من الناحية الوظائفية.
 
إن التكاثر في الأشكال العليا من الحياة يصبح إنتاجاً لأعضاء متمايزة، ويأخذ وجهاً مزدوجاً: يحافظ على بقاء النوع ويخلق مخلوقات جديدة: هذه الناحية التجديدية تتأكد بتأكيد الفردية. وعند الحيوانات الثديية، تأخذ الحياة أشكالاً أكثر تعقيداً وفردية وحينئذ يتحقق الانفصال إلى جنسين بصورة نهائية. على أن المرأة رغم مساهمتها مساهمة إيجابية في التوالد، تتلقى البذرة من الرجل الذي يضعها.
 
إن هذه المعطيات البيولوجية ذات أهمية كبرى فهل تلعب في تاريخ المرأة دوراً أولياً وتشكل عنصراً أساسياً في وضعها. ونظراً إلى أن الجسم هو وسيلة تمكننا من العالم فإن هذا العالم يعرض لنا بصورة تختلف باختلاف هذا التمكن ولئن استعرضنا المعطيات البيولوجية فلأنها أحد المفاتيح التي تسمح لنا بفهم المرأة لكننا نرفض الفكرة القائلة بأن المعطيات البيولوجية هي التي تقرر مصيرها نهائياً. فهذه المعطيات لا تكفي لتحديد التمايز بين الجنسين ولا تفسر لماذا تعتبر المرأة «الجنس الآخر» كما لا تحكم عليها بأن تحافظ إلى الأبد على هذا الدور الثانوي.
 
زعم بعضهم أن الفيزيولوجيا وحدها تسمح بالإجابة على الأسئلة التالية: هل للنجاح الفردي حظ واحد عن الجنسين؟ أي الجنسين يلعب الدور الأهم في النوع؟
 
فالمتشبعون بنظرية الموازاة النفسية - الفيزيولوجية حاولوا القيام بمقارنات رياضية بين الأعضاء المذكرة والمؤنثة متخيلين أن هذه القياسات تسمح بتعيين القدرات الوظائفية، أما نحن فنطرح كل فكرة من هذا النوع؟ لأن هذه نظريات تهدمت نهائياً. كما تطرح كل فكرة تقول بوجود تسلسل طبيعي للقيم لأن كل هذه النظريات التي تمزج بين مذاهب طبيعية غامضة ممزوجة باعتبارات خلقية وجمالية هي نوع من الإسفاف.
 
لا يمكننا أن نقارن بين الأنثى والذكر في النوع البشري إلا من الزاوية الإنسانية. ولا يُعرَّف الإنسان إلا بأنه كائن غير مُعطى وأنه يصنع نفسه بنفسه ويقرر ما هو عليه. وكما قال «ميرلو بونتي» ليس الإنسان نوعاً طبيعياً بل هو فكرة تاريخية. والمرأة ليست واقعاً لازباً بل هي صيرورة، لذلك ينبغي مقارنتها مع الرجل في صيرورتها، أي ينبغي تحديد إمكانياتها: إن ما يعيب كثيراً من المناظرات، أنها تريد أن تقصر المرأة على ما كانت عليه أو ما هي عليه الآن. ولكننا إذا واجهنا رأياً يوصف بأنه تجاوز على الحقيقة فليس بإمكاننا أن نغلق الحساب.
 
ما دمنا نتبنى الزاوية الإنسانية التي تُعرِّف الجسم اعتباراً من الوجود، فإن البيولوجيا تصبح علماً تجريدياً، وحين تأخذ إحدى المعطيات الفيزيولوجية (النقص العضلي مثلاً) مغزى ما، فإن هذا المغزى يبدو لنا حالاً مرتبطاً بكل معقد. ويجب الرجوع إلى قرائن وجودية واقتصادية ومعنوية كيما يعرف مفهوم «الضعف» تعريفاً ملموساً. وعلى ضوء البيولوجيا فقط لا يمكن القول بأولية أحد الجنسين على أساس الدور الذي يلعبه في تخليد النوع.
 
وأخيراً، ليس المجتمع نوعاً من الأنواع، ففي المجتمع يحقق النوع نفسه كوجود ويجاوز ذاته نحو العالم والمستقبل، وأن أخلاق المجتمع لا تستنتج من البيولوجيا. والأشخاص ليسوا متروكين لطبيعتهم، بل يخضعون لطبيعة ثانية هي العُرف والتي تنعكس فيها رغبات ومخاوف تعبر عن وضعهم البشري. ولا يتولد لدى الشخص الشعور بذاته ويستكمل نفسه، بصفته جسماً فقط، وإنما بصفته جسماً خاضعاً للمعتقدات والقوانين. وهو لا يقيم نفسه إلا باسم بعض القيم، ومرة أخرى نؤكد، أن الفيزيولوجيا عاجزة عن تأسيس القيم، بل بالعكس، إن المعطيات الفيزيولوجية تكتسب القيم التي يضفيها الكائن عليها. فإذا حال الاحترام تجاه المرأة دون استعمال الشدة ضدها، فإن أفضلية الرجل العضلية مثلاً تفقد سلطتها.
 
هكذا، ينبغي لنا أن نفسر المعطيات البيولوجية على ضوء مجموعة العوامل البشرية، والاقتصادية، والاجتماعية والنفسية. إن خضوع المرأة لواجب النوع وحدود إمكانياتها الفردية هي وقائع بالغة الأهمية. فجسم المرأة هو أحد العناصر الأساسية من وضعها في هذا العالم. إلا أنه لا يكفي وحده لتعريفها. إذ ليس له من واقع وجودي إلا عن طريق الشعور ومن خلال فعلها ضمن المجتمع.
 
ليس بوسع البيولوجيا الإجابة على السؤال الذي يشغل بالنا: لماذا تكون المرأة «الجنس الآخر»؟
 
ينبغي لنا أن نعرف ما فعلته الإنسانية بالأنثى البشرية.