صفحة 1
مــقـدمة عامـــة
يكاد أول ما يلحظه المتأمل في تاريخ الخليج العربي هو بساطته. وعندما نتحدث عن الخليج، نعني الشق العربي منه، من عُمان حتى الكويت (لا يشمل المملكة السعودية). فسيرورته تبدو، من بعيد، شبه مستقرة. بيد أن مياهه الآسنة تنام على تيارات، ولصحرائه رمال متحركة. إجمالاً، لم تمر المنطقة بتحولات كبرى، لم تصنع تاريخها، بل أملته عليها القوى الخارجية، الكولونيالية بكل أشكالها، وآخرها بريطانيا، التي استباحت أرضها وشعبها وثقافتها، واستولت بالتالي على ثرواتها على مدى القرن ونصف القرن.يبقى القول إن للخليج وجهاً آخر. إذ إن ما يتوجب تدوينه كتاريخ مشرق لهذه المنطقة، هو نضال الشعوب الطويل لتحقيق حلم الإصلاح السياسي، وتشييد دولة العدالة والمساواة واحترام المواطن. وهو مسار بدأ قبل سبعة عقود، ولا يزال مستمراً.
ثمة عوامل رئيسية صاغت تاريخ المنطقة الحديث ورسمت مساره: الحقبة الكولونيالية البريطانية الطويلة، التي دامت رسمياً قرابة القرن ونصف القرن، (1820 - 1970). أنظمة الحكم الأسري، وليدة هذه الحقبة، وثقافة العشيرة. وهناك بالطبع الموقع الاستراتيجي، الذي غالباً ما فتح شهية الغزاة على مدى العصور. في التاريخ المعاصر، في الثلاثينات، أتى زلزال النفط ليغير مجرى التاريخ. وأخيراً، نضال الحركات الوطنية الإصلاحية والديمقراطية، في أكثر من بلد خليجي.
ينقسم هذا العمل إلى فصلين: يتناول الأول مسار الإصلاح في الكويت، من عام 1921، حتى استقلال الكويت عام 1961. وما تلاه من ممارسات لثقافة وطنية سياسية مميزة. ويتتبع الثاني التجارب الإصلاحية في البحرين منذ عام 1923، حتى مرحلة التحول إلى النظام الملكي عام 1999.
سيحاول هذا العمل، تقديم قراءة أنثربولوجية سياسية للتاريخ السياسي للكويت والبحرين. سنحاول تقديم قراءة معمقة للثقافة الوطنية التقليدية ودورها في صوغ الرؤية وتشريع المطالب الإصلاحية. إلى أي مدى أسست التقاليد والأعراف للفكر الديمقراطي؟
يهدف هذا العمل إلى إلقاء الضوء على تاريخ الشعوب، لا التاريخ الرسمي. وعلى نحو خاص الثقافة الوطنية التقليدية، وليس الثقافة الرسمية وليدة الحقبة الكولونيالية. سنتأمل خصوصياتها وثوابتها التي ولدت الحركات الإصلاحية والحراك الديمقراطي، منذ عشرينيات القرن الماضي. هذا الحراك الذي مابرح فاعلاً على الساحتين الكويتية والبحرينية.
كما يأخذ على عاتقه تبيان كيفية التعامل الكولونيالي البريطاني مع هذه الظواهر التاريخية، وإيحاءات تشكل المجتمعات الحديثة. وبالتالي كيف عملت على إجهاضها في المهد، الواحدة تلو الأخرى؟ وكيف فرغت المجتمعات الخليجية من روافعها وقوى نهوضها، لتتحول إلى محميات بريطانية، مفرغة من هويتها الوطنية والثقافية؟
صفحة 2
مبدأ المشاركة والديمقراطية
ثلاث فرضيات مؤسسة نسوقها في هذا العمل.أولاً، إن مبدأ المشاركة العرفي التقليدي، هو مبدأ مؤسس للثقافة السياسية الوطنية.
وثانياً، إن كل الثقافات الإنسانية تحمل قيمَ مشاركةٍ ومساواة، وهي جوهرياً قيم ديمقراطية. هذا يعني أن كل المجتمعات مسوقة، بالضرورة، إلى إنتاج ديمقراطيتها الخاصة بها. لا جدال في ذلك. ولنا في التجربة الكويتية أولاً، وفي المحاولات الجادة في البحرين ثانياً، ما يكفي من الدليل لإثبات فرضياتنا. وإنه لولا تمكّن الكولونيالي من فرض سيطرته على المنطقة، وتفكيكه للنسيج الاجتماعي، وبالتالي ضرب ثوابت الثقافة الوطنية، لتمكنت هذه المجتمعات الصغيرة من أن تبني نظمها الوطنية الديمقراطية الأصيلة. فالقاعدة هي أن كل أصيل، أكان عرفاً أو تقاليد، مسوق، بقوة الواقع، بحكم حركة التطور، بأن ينمو ويتشكل لو تمت المحافظة عليه.
ثالثاً، إن طبيعة الثقافة التقليدية، المرتكزة على مبدأي التفويض والمشاركة، لا يمكن أن تنتج نظماً استبدادية، ناهيك عن ثقافة استبدادية. سنرى كيف كان للثقافة الوطنية تأثير مباشر في حركة التاريخ الوطني، وفي إنتاج التاريخ الوطني.
إن الإرباك في الثقافة الوطنية، نتيجة لدخول العامل الكولونيالي إلى الفضاء الخليجي، أدى إلى انقطاع السيرورة التاريخية، كما أخذ منعطفاً تاريخياً جديداً، هو التاريخ الرسمي. وفي خلاله ظهرت نظم الاستبداد والتسلط. بهذا المعنى، فإن ثقافة الاستبداد ليست نبتة طبيعية، بل نبتة زرعت قسراً في الثقافة الوطنية في منطقة الخليج العربي.
قبل البدء بمناقشة طبيعة الحركات الإصلاحية والديمقراطية ومساراتها، في الكويت والبحرين، يتوجب علينا التعرف أولاً إلى طبيعة الديمقراطية وماهيّتها. التعريف الحقيقي للديمقراطية يسمح لنا بتقصي القيم، والتقاليد، والممارسات الديمقراطية في الثقافة الوطنية التقليدية لشعوب المنطقة.
هنالك "تعريفات" عامة متعددة. لكنها تصف وتشرح، ولا تعرف. والحال أن تعدد تلك "التعريفات" غير الدقيقة لم يضفِ على المسألة إلا غموضاً إضافياً بدلاً من أن يسهم في توضيحها. والتعريفات العامة المكررة، مثل "حكم الشعب"، أو "حكم الأغلبية"، لا تجعلنا نتقدم كثيراً في هذا الشأن. جميعها لا تقدم تعريفاً للديمقراطية، ولا تُحيل إلا على النظم السياسية. وهذه إحدى الإشكاليات الواجب إزاحتها عن طريقنا للوصول إلى المفهوم، إلى فكرة الديمقراطية. لا معرفة حقيقية دون مفهوم واضح وتعريف محدد.
ما هي فكرة الديمقراطية، ما جوهرها؟ هل هناك ديمقراطية أم ديمقراطيات؟ هل الديمقراطية نظام سياسي، أم قيمة ثقافية متأصلة؟ هل الديمقراطية منهج أم عقيدة؟ أهي غاية أم وسيلة، أم نمط حياة؟ ما علاقة الديمقراطية بتقاليد الشعوب وأعرافها؟ هل تُبنى خارج ثقافات الشعوب أم يجب أن تنبع منها؟
البرلمانات المنتخبة، نظم فصل السلطات، الحريات العامة، المساواة أمام القانون، هي من خصائص الأنظمة الديمقراطية، لكنها لا تعرفها. إنها تظهر الديمقراطية تعمل في الحياة السياسية. يبقى القول، إن الديمقراطية، التي تبدو سهلة الاستدلال، أقله في الشكل، تظل متعالية على التبسيط السياسي، وتبدو للوهلة الأولى، عصية على التعريف.
بحسب أرسطو، " إن طبيعة شيء ما هي فكرته أو شكله". يبقى أن الشكل شكل، والجوهر جوهر. لذلك، التعرف إلى الشيء يستوجب التعرف إلى فكرته. الشكل الخارجي المعروف للديمقراطية، هو "حكم الشعب" عبر ممثليه. أو ما يُسمّى بحكم الأغلبية، وهو تعبير تعوزه الدقة، ولا يستقيم نظرياً. لأنه من غير الطبيعي، كما يقول روسو (J.J. Rousseau) ، أن تحكم الأغلبية الأقلية (1).
من جانبه، توكفيل، (de Tocqueville) ، يحاول تعريفها كالتالي، " تبعاً لمقول الكلمات الحقيقي: حكومة يشارك فيها الشعب بنصيب متفاوت"، مضيفاً أن: " معناهامرتبط ارتباطاً حميماً بفكرة الحرية السياسية" (2). هذه مقاربة جوهرية، إلا أننا نعتقد بأنها تميل أكثر إلى شرح الديمقراطية أكثر من تعريفها.
صفحة 3
اسبينوزا، (Ispinoza) يقدم لنا جملته الشهيرة، "الديمقراطية هي قريبة إلى المنطق وإلى الطبيعة البشرية". تنطوي هذه الجملة على إيحاءات عميقة، على فكرة الديمقراطية، وهي أكثر الطروحات دعوة إلى التأمل. والسؤال يستولد آخر. هل هي قريبة، فعلاً، أم ربما مكون من مكونات الطبيعة البشرية، وكيف؟ أليس ثمة قيم أخرى، من تقاليد وأعراف، تعكس ربما جزءاً أساسياً من الطبيعة الإنسانية، وتمثل في الوقت ذاته مكوناً من المكونات الثقافية للديمقراطية، وربما شرطاً لتحقيقها؟
أياً كان الأمر، تعطينا هذه الجملة المفتاح النظري لتعريف الديمقراطية. لنبدأ بالقول أولاً، إن الإنسان هو كائن اجتماعي. إذن، كائن ثقافي، يتغذى من هويته، من قيمه، من إرثه الثقافي. والتراث هو في المقام الأول المخزون المعنوي والروحي للشعوب. ثم إن نزعة الحق، والتوق الأزلي إلى المساواة والحرية، ومشاعر التضامن والحاجة للمشاركة، ألا تمثل كلها قواسم مشتركة في التراث الإنساني؟ أليست هي مكوناً أساسياً للطبيعة البشرية؟
لنحاول أن نُخضع مفهوم الديمقراطية لامتحان أكثر دقة. إن فكرة الديمقراطية، أي المضمون، تكمن، إجمالاً، في فعل مشاركة الشعب في حكم ذاته. وإن كان بصيغ مختلفة. بهذا المعنى، " المشاركة " هي الديمقراطية. يبقى أنه وإن دل على الشكل، أيضاً، إلا أنه يشير إلى عامل ضمني، إلى محرك داخلي. لذلك فالمفهوم ذاته يحتاج إلى مزيد من التعمق، لنتمكن من الوصول إلى الجوهر، إلى الفكرة.
ولئن أدركنا أن النظام الديمقراطي يمنح المواطن حرية المشاركة ويجعله حراً، فاعلاً في الحياة العامة، صانعاً تاريخه، ندرك أن فكرة الديمقراطية، تمنح المواطن حق الفعل، أي حقاً من حقوق المواطنة. هنا يتبين لنا أن القوة الضمنية المحركة للديمقراطية، هي " الحق"، الكامن في فعل المشاركة. والحق قوة، أزلي ودائم الحضور. وهو جوهر الجوهر.
يمكننا هنا إذن، أن نُعرف الديمقراطية، بـ "حق المشاركة". فهو يجمع بين الحق، بمفهومه الحقوقي، والفعل، بمفهومه السياسي والثقافي. أي حق إبداء الرأي وحق الاعتراض. حق منح الشرعية أو إسقاطها. هكذا، تظهر لنا الديمقراطية ليس قريبة من الطبيعة البشرية فحسب، بل جزءاً منها. بهذا المعنى، هي لا تمثل إلا تجليات العدل والمساواة، في الحياة العامة. هي ليست إلا تعبيراً عن الحاجة الوجودية للإنسان. وهي عناصر مؤسسة لكل الثقافات الإنسانية. ولا يمكن لأي مجتمع كان أن يزدهر في ظل نظام لا يعطي هذه المبادئ المؤسسة أولوية.
وفق منطوق الفكر السياسي، إن الحاجة للمشاركة في الحياة العامة، هي من الحاجات الأكثر ضرورة في الحياة. لأنها شرط استقرارها وتقدمها. وكل تلبية للحاجات الأخرى، لا معنى لها في غياب حق المشاركة. المشاركة، إذن، هي الفعل في الوجود ـ أو فعل وجود.
إن أول ما يقودنا إليه هذا التعريف، هو أن كل المجتمعات الإنسانية، بما فيها البدائية، تملك شكلاً من أشكال "الديمقراطية"، لأنها تعيش حالة مشاركة، ولا تحيا إلا بفضل قيم التضامن. لم تتطور هذه الأشكال الأصيلة من الديمقراطيات الاجتماعية والثقافية، لفرز نظم سياسية. هذا موضوع آخر له عوامله التاريخية والسياسية. لكن أهميتها تكمن في كونها البناء التحتي المتين، الحاضر لتشييد برلماناتها الخاصة.
يرشدنا هذا التعريف، إلى استخلاص النتائج الآتية. أولاً، إن الديمقراطية، قبل كل شيء، هي قيم ثقافية، تشكل حالة ذهنية، يعبر عنها نمط حياة. ولا يمكن بالتالي اختزالها إلى آليات ونظم سياسية فحسب. فهذا التبسيط يفقدها دلالاتها الأعمق ويعرضها للتشويه. وثانياً، إنه لا يمكن فكرياً القبول بصفتها الحصرية الأوروبية، على ما تمثله الديمقراطيات الأوروبية من مثال يحتذى به. فهي، لاشك، أهم ما أنتجه الفكر السياسي في بناء الدولة الحديثة. يجب وضع الديمقراطية، إذن، في بعدها الثقافي الأشمل، أي بعدها الإنساني. وهنا تتحول إلى مشترك عام للبشرية، لا شرقية ولا غربية. تتجاوز الجغرافيا وتتحرر من محدودية السياسة.
أياً كان الأمر، تعطينا هذه الجملة المفتاح النظري لتعريف الديمقراطية. لنبدأ بالقول أولاً، إن الإنسان هو كائن اجتماعي. إذن، كائن ثقافي، يتغذى من هويته، من قيمه، من إرثه الثقافي. والتراث هو في المقام الأول المخزون المعنوي والروحي للشعوب. ثم إن نزعة الحق، والتوق الأزلي إلى المساواة والحرية، ومشاعر التضامن والحاجة للمشاركة، ألا تمثل كلها قواسم مشتركة في التراث الإنساني؟ أليست هي مكوناً أساسياً للطبيعة البشرية؟
لنحاول أن نُخضع مفهوم الديمقراطية لامتحان أكثر دقة. إن فكرة الديمقراطية، أي المضمون، تكمن، إجمالاً، في فعل مشاركة الشعب في حكم ذاته. وإن كان بصيغ مختلفة. بهذا المعنى، " المشاركة " هي الديمقراطية. يبقى أنه وإن دل على الشكل، أيضاً، إلا أنه يشير إلى عامل ضمني، إلى محرك داخلي. لذلك فالمفهوم ذاته يحتاج إلى مزيد من التعمق، لنتمكن من الوصول إلى الجوهر، إلى الفكرة.
ولئن أدركنا أن النظام الديمقراطي يمنح المواطن حرية المشاركة ويجعله حراً، فاعلاً في الحياة العامة، صانعاً تاريخه، ندرك أن فكرة الديمقراطية، تمنح المواطن حق الفعل، أي حقاً من حقوق المواطنة. هنا يتبين لنا أن القوة الضمنية المحركة للديمقراطية، هي " الحق"، الكامن في فعل المشاركة. والحق قوة، أزلي ودائم الحضور. وهو جوهر الجوهر.
يمكننا هنا إذن، أن نُعرف الديمقراطية، بـ "حق المشاركة". فهو يجمع بين الحق، بمفهومه الحقوقي، والفعل، بمفهومه السياسي والثقافي. أي حق إبداء الرأي وحق الاعتراض. حق منح الشرعية أو إسقاطها. هكذا، تظهر لنا الديمقراطية ليس قريبة من الطبيعة البشرية فحسب، بل جزءاً منها. بهذا المعنى، هي لا تمثل إلا تجليات العدل والمساواة، في الحياة العامة. هي ليست إلا تعبيراً عن الحاجة الوجودية للإنسان. وهي عناصر مؤسسة لكل الثقافات الإنسانية. ولا يمكن لأي مجتمع كان أن يزدهر في ظل نظام لا يعطي هذه المبادئ المؤسسة أولوية.
وفق منطوق الفكر السياسي، إن الحاجة للمشاركة في الحياة العامة، هي من الحاجات الأكثر ضرورة في الحياة. لأنها شرط استقرارها وتقدمها. وكل تلبية للحاجات الأخرى، لا معنى لها في غياب حق المشاركة. المشاركة، إذن، هي الفعل في الوجود ـ أو فعل وجود.
إن أول ما يقودنا إليه هذا التعريف، هو أن كل المجتمعات الإنسانية، بما فيها البدائية، تملك شكلاً من أشكال "الديمقراطية"، لأنها تعيش حالة مشاركة، ولا تحيا إلا بفضل قيم التضامن. لم تتطور هذه الأشكال الأصيلة من الديمقراطيات الاجتماعية والثقافية، لفرز نظم سياسية. هذا موضوع آخر له عوامله التاريخية والسياسية. لكن أهميتها تكمن في كونها البناء التحتي المتين، الحاضر لتشييد برلماناتها الخاصة.
يرشدنا هذا التعريف، إلى استخلاص النتائج الآتية. أولاً، إن الديمقراطية، قبل كل شيء، هي قيم ثقافية، تشكل حالة ذهنية، يعبر عنها نمط حياة. ولا يمكن بالتالي اختزالها إلى آليات ونظم سياسية فحسب. فهذا التبسيط يفقدها دلالاتها الأعمق ويعرضها للتشويه. وثانياً، إنه لا يمكن فكرياً القبول بصفتها الحصرية الأوروبية، على ما تمثله الديمقراطيات الأوروبية من مثال يحتذى به. فهي، لاشك، أهم ما أنتجه الفكر السياسي في بناء الدولة الحديثة. يجب وضع الديمقراطية، إذن، في بعدها الثقافي الأشمل، أي بعدها الإنساني. وهنا تتحول إلى مشترك عام للبشرية، لا شرقية ولا غربية. تتجاوز الجغرافيا وتتحرر من محدودية السياسة.
صفحة 4
البيئة الثقافية التقليدية العامة في الخليج
من أجل الإمساك بالجذور الثقافية للديمقراطية في المجتمعات الخليجية، يتوجب علينا الرجوع إلى منبت الثقافة السياسية. البيئة الاجتماعية والثقافة التقليدية، هما أرضية الثقافة السياسية الوطنية. هما الفضاء الخليجي المشترك، الذي كان سائداً قبل وصول الكولونيالي البريطاني عام 1820.سنحاول هنا الكشف عن مصادر الثقافة السياسية التقليدية. وجدير بالذكر أن مصطلح "الثقافة التقليدية" غالباً ما يعُطى مدلولاً سلبياً، في حين أن صفة "التقليدية"، هنا، ليست إلا للدلالة على أصالة الثقافة ودورها الإيجابي في التاريخ. فهي البيئة التي نمت وأثمرت فيها منظومة القيم، ومنظومة الأعراف، السياسية والأخلاقية والحقوقية، بل والفكر الإصلاحي الديمقراطي ذاته. وعلى نحو خاص في عُمان الكويت.
يتوجب علينا، إذن، أن نتلمس خصائص الثقافة التقليدية، مراكز القوة والضعف فيها. نحاول الإمساك بالنبض الإصلاحي الداخلي في المجتمعات الخليجية. علينا الاستدلال على طبيعة السلطة وعلاقة الحاكم بالمحكوم. معرفة مصدر شرعية السلطة، وموقع الفرد من الجماعة، فضلاً عن مسألة انتقال السلطة من حاكم إلى آخر. كيف تتم وبأي آلية تقليدية، وما قيمة الآلية في مسألة تثبيت الشرعية، وضمان استقرار النظام السياسي، الاجتماعي والوطني؟
بين القبيلة والعشيرة
إن طبيعة الثقافة هي التي تحدد طبيعة السلطة. ثمة مسألتان تشكلان مرتكزي الثقافة السياسية. طبيعة السلطة، مصدر شرعيتها التقليدية، شروط استمرارها. ومكانة الفرد وعلاقته بها. يقوم البناء الاجتماعي على قاعدتي القبيلة والعشيرة، وإلى حد ما الأسرة.المفتاح الرئيسي لفهم الثقافة التقليدية بصورة أدق، هو في معرفة الفوارق الجوهرية بين نظام القبيلة، المولدة للشرعية، ونظام العشيرة، أو النظام الأسري المحدود. ولكليهما ثقافته الخاصة.
الفارق الجوهري بين القبيلة والعشيرة، هو فارق بنيوي، وعلى نحو ما ثقافي. فطبيعة السلطة في العشيرة، على نقيض النظام السياسي في القبيلة، وراثية. ولا تحكمها بيعة أو إجماع. وغالباً ما يقع الكُتّاب والمؤرخون الأجانب والعرب في هذا الالتباس الشائع (3).
تُعرَف القبيلة في الأنثربولوجيا السياسية بـ "مؤسسة سياسية". "une société politique" . لكونها مخزن القيم والتقاليد، والأعراف.
هي، إذن، مخزن الإرث الثقافي التاريخي للإنسان، وكون القرارات لا تتخذ في حضنها إلا بالتشاور، بالإجماع، بالالتزام الأخلاقي والمعنوي.
تتمحور الثقافة السياسية في نظام الحكم التقليدي، على مركزية البيعة. أي على مبدأ الاختيار الحر للحاكم. اختيار الأجدر. وهو لا ريب يحمل، أقله رمزياً، مضمون الانتخاب. هو الانتخاب التقليدي. وما البيعة إلا عقد اجتماعي. هي جوهرياً عملية منح الثقة لمن تختاره الجماعة، الأمة. هي المبدأ الذي يضمن شرعية السلطة السياسية، ولا شرعية دون ذلك. كما أنها تجسيد للحرية الجماعية. وحاكم القبيلة ليس مخلداً، بل يحق لمن يحكمهم عزله واستبداله، غالباً في حالة انحرافه عما ترسمه الشرعية.
سنميز هنا بين الحكم التقليدي، الذي يعبر عن تقاليد عريقة، أصيلة، مبنية على قاعدة "الإجماع والتعاقد"، و"الحكم الأسري"، الوراثي، الذي أتى به الكولونيالي وأرساه، كما سنرى، وينعت أحياناً بـ"الحكم التقليدي". وهو وصف معمم، لا يخلق إلا إرباكاً في التشخيص السياسي والتحليل.
لكل نظام ثقافته ورؤيته للإنسان والوطن. إن عملية منح الثقة والالتزام بقواعدها في ثقافة القبيلة التقليدية، الثقافة الوطنية، أنتجت الثقافة السياسية، أي الثقافة المشاركة، المشيدة على قاعدة "الإجماع والتعاقد". وقد أرست بدورها الأسس لثقافة المواطنة. ويجد كلا الطرفين المتعاقدين كرامتهما ومكانتهما الطبيعية في المجتمع. والفرد، هنا، كائن عضوي، منتمي. هو ذات اجتماعية واعية لذاتها ومكانتها. والشعور بالذات، هو شعور بالوجود، بالديمومة. إذن، حق المشاركة يستولد حق المواطنة. لا مواطنة دون مشاركة.
ولئن كانت مكانة الفرد في الثقافة التقليدية، كونه عضواً فاعلاً، مصونة ومحترمة، فإن وضع الفرد في العشيرة، حيث يشكل رابطة الدم والولاء للزعيم مرتكز ثقافته، لا يحظى بمكانة خاصة. وهذا النوع من العلاقة لم يؤسس إلا لثقافة الرعية، ليس بمفهومها الديني، بل الرعية بمفهومها العشائري. مفهوم التابع والمتبوع.
فضلاً عن ذلك، هنالك التمايز في المواقف من السلطة. فموقف عضو القبيلة من السلطة موقف احترام لها، لأنه أنتجها. أما موقف عضو العشيرة من السلطة فموقف خوف وريبة. في الحالة الأولى احترام السلطة فيه احترام للذات. في الثانية الشعور بالخوف ينتج شعوراً بالعجز والذل. في الأولى هناك بيئة أمان واستقرار، وفي الثانية بيئة قلق واضطراب، إما داهم وإما مؤجل.
صفحة 5
هذه الحقائق تعمّق إحساس عضو القبيلة بالانتماء، وتمنحه الشعور بالمساواة والحرية، كما تعطيه طاقة معنوية ضرورية للحياة الكريمة. والإنسان المنتمي، دائم التمسك بمبادئه الوطنية. متحصن بثوابت ثقافته وقيمها، التي توفر لحياته عمقاً ومعنى.
إن التقاليد التي مهرها الزمن وأصّلتها الممارسة، تتحول إلى أعراف تجسد الإرادة العامة، محصنة بقوة معنوية وأخلاقية ملزمة. وتتحول إلى مؤسسة ثقافية تضبط إيقاع النظام السياسي وتضمن السلام الاجتماعي، كما ترسم تاريخ البلاد. هكذا تحول عرف البيعة، العرف المؤسس، إلى قانون طبيعي، منحوت في الثقافة، لا مجال لتجاوزه دون عواقب تشمل البلاد والعباد. فهو كفيل بمنع انحراف السلطة السياسية تشمل مسارها الوطني. وهو كفيل بتحصين المجتمع من الاستبداد والضامن لوحدة الأمة.
جوهر هذه الثقافة التقليدية هو المشاركة. وما هي إلا تجسيد لقيم المساواة. والمساواة، وليس الحرية، عند توكفيل، هي مطلب الشعوب الأبدي. ففي المشاركة اعتراف واحترام للآخر، لإنسانيته، ولحقوقه المقدسة. المشاركة بوصفها حالة انبعاث مستمرة، حالة شعور دائم بالانتماء، بالمواطنة. هي فعل مواطنة.
فضلاً عن ذلك، إن تجاوز مبدأ العرف، يمثل انقلابًا على النظام السياسي، بل على تقاليد المجتمع وقيمه. لا يُخلّ بالعلاقة بين السلطة والمجتمع وحسب، بل يُفضي إلى تصدع البناء السياسي التقليدي، ويضعف البناء الاجتماعي. وهكذا، تضرب حالة المشاركة، وتنتكس الثقافة الوطنية. وهكذا، تُكشف المجتمعات، وتكون، بالتالي، عرضة للمؤثرات الخارجية. أي إن المجتمعات تفقد سيادتها.
يبقى أن ثمة مبادئ وتعاليم إسلامية مرادفة، ملزمة للحكم العادل الصالح، "وإن حكمتم فاحكموا بالعدل"، و"أمرهم شورى بينهم"، وغيرهما. تبقى هذه التعاليم الدينية، حتى وإن لم تعد تطبق، المرجعية الفكرية والروحية لمفهوم السلطة، تبقى محركاً وجدانياً وأخلاقياً لشعوب المنطقة. وإذا أضفنا مقتضيات التقاليد والأعراف مع إلزامية التعاليم والمبادئ الإسلامية، يمكننا الجزم بأن الثقافة التقليدية لا يمكنها أن تستبطن بذور الاستبداد. بل الخروج عليها يؤدي يقيناً إلى ذلك.
ومهما يكن، علينا توخي الحذر عند المحاولة لفهم الثقافة السياسية للقبيلة. فمؤسسة القبيلة، ربما كأي مؤسسة سياسية أخرى، لها جوانبها الإيجابية والسلبية. فإلى جانب كونها المخزن الثقافي، هي، أيضاً، مخزن للعصبيات والتمرد، خاصة في حال انفلاتها. وغالباً ما يعود ذلك إلى ضعف الحكم المركزي. فهي إيجابية عندما تنحاز إلى المشترك الوطني العام، تنحاز إلى جانب الحق وتطالب بالعدل في الحكم وتثور للدفاع عن البلاد، وهي العصبية السلبية عندما تنجر بغرائزها، عند فقدانها القيادة الحكيمة، إلى نزعة التفرد والثأر أو الانتقام.
يبقى أن الولاء الثابت للقبيلة هو للقيادة الشرعية، المختارة من رجالات القبيلة ذاتها، أو الإمامة، كما في الحالة العُمانية، حيث تخضع لها القبائل الأخرى. وقد أثبتت التجربة في عُمان أن القبائل يمكن أن تتخلى عن عصبياتها طوعاً وتخضع لحكم مركزي، شرط أن يكون منتخباً، ليكون بالتالي شرعياً وعادلاً، وحينئذ يكون الخضوع له واجباً شرعياً ووطنياً. واللافت أن من القبائل العُمانية من انتخب شخصيات من قبيلة أخرى لتتزعمها. فلا يمكن أن يدل ذلك على تعصب قبلي (4).
* * *
الاستعمار، كما يقول فرانز فانون (Franz-Fanon) ، هو تنظيم الاحتلال وإدارته بعد الغزو. دشنت الحقبة الاستعمارية بشكل رسمي، في منطقة الخليج، بعد ضرب الأسطول العُماني أولاً، في نهاية القرن الثامن عشر، ومن بعده أسطول رأس الخيمة، أسطول القواسم عام 1819. وعلى أنقاض مدينة رأس الخيمة المدمرة، هي وسفنها البالغ عددها 200، تم فرض المعاهدة العامة على زعماء قبائل المنطقة، المعروفة، آنذاك، بـ"ساحل عُمان"، عام 1820. تبعها ما عرف بالاتفاقية المانعة، التي فرضت أولاً على عُمان عام 1892، وبعدها على مشيخات الخليج الأخرى.
وهي في الواقع ليست أقل من صك ملكية المنطقة لبريطانيا. لأنها ببساطة منعت أي حاكم من أن يتصرف، يبيع، ويؤجر أي قطعة من بلاده إلا بموافقة بريطانيا. ومع ذلك، ستتبعها معاهدات واتفاقيات إذعان أخرى، أخذت عدة أسماء وعناوين، منها العلني ومنها السري، أكملت، في مجملها، السيطرة الكولونيالية، وأدخلت بريطانيا في كل تفاصيل الحياة السياسية، الاقتصادية، القانونية، والثقافية. وقد أفضت هذه التعهدات إلى تثبيت مكانة بريطانيا كمرجعية عليا وحيدة لكل حكام المنطقة. وستبقى كذلك على مدى القرن ونصف القرن.
إن التقاليد التي مهرها الزمن وأصّلتها الممارسة، تتحول إلى أعراف تجسد الإرادة العامة، محصنة بقوة معنوية وأخلاقية ملزمة. وتتحول إلى مؤسسة ثقافية تضبط إيقاع النظام السياسي وتضمن السلام الاجتماعي، كما ترسم تاريخ البلاد. هكذا تحول عرف البيعة، العرف المؤسس، إلى قانون طبيعي، منحوت في الثقافة، لا مجال لتجاوزه دون عواقب تشمل البلاد والعباد. فهو كفيل بمنع انحراف السلطة السياسية تشمل مسارها الوطني. وهو كفيل بتحصين المجتمع من الاستبداد والضامن لوحدة الأمة.
جوهر هذه الثقافة التقليدية هو المشاركة. وما هي إلا تجسيد لقيم المساواة. والمساواة، وليس الحرية، عند توكفيل، هي مطلب الشعوب الأبدي. ففي المشاركة اعتراف واحترام للآخر، لإنسانيته، ولحقوقه المقدسة. المشاركة بوصفها حالة انبعاث مستمرة، حالة شعور دائم بالانتماء، بالمواطنة. هي فعل مواطنة.
فضلاً عن ذلك، إن تجاوز مبدأ العرف، يمثل انقلابًا على النظام السياسي، بل على تقاليد المجتمع وقيمه. لا يُخلّ بالعلاقة بين السلطة والمجتمع وحسب، بل يُفضي إلى تصدع البناء السياسي التقليدي، ويضعف البناء الاجتماعي. وهكذا، تضرب حالة المشاركة، وتنتكس الثقافة الوطنية. وهكذا، تُكشف المجتمعات، وتكون، بالتالي، عرضة للمؤثرات الخارجية. أي إن المجتمعات تفقد سيادتها.
يبقى أن ثمة مبادئ وتعاليم إسلامية مرادفة، ملزمة للحكم العادل الصالح، "وإن حكمتم فاحكموا بالعدل"، و"أمرهم شورى بينهم"، وغيرهما. تبقى هذه التعاليم الدينية، حتى وإن لم تعد تطبق، المرجعية الفكرية والروحية لمفهوم السلطة، تبقى محركاً وجدانياً وأخلاقياً لشعوب المنطقة. وإذا أضفنا مقتضيات التقاليد والأعراف مع إلزامية التعاليم والمبادئ الإسلامية، يمكننا الجزم بأن الثقافة التقليدية لا يمكنها أن تستبطن بذور الاستبداد. بل الخروج عليها يؤدي يقيناً إلى ذلك.
ومهما يكن، علينا توخي الحذر عند المحاولة لفهم الثقافة السياسية للقبيلة. فمؤسسة القبيلة، ربما كأي مؤسسة سياسية أخرى، لها جوانبها الإيجابية والسلبية. فإلى جانب كونها المخزن الثقافي، هي، أيضاً، مخزن للعصبيات والتمرد، خاصة في حال انفلاتها. وغالباً ما يعود ذلك إلى ضعف الحكم المركزي. فهي إيجابية عندما تنحاز إلى المشترك الوطني العام، تنحاز إلى جانب الحق وتطالب بالعدل في الحكم وتثور للدفاع عن البلاد، وهي العصبية السلبية عندما تنجر بغرائزها، عند فقدانها القيادة الحكيمة، إلى نزعة التفرد والثأر أو الانتقام.
يبقى أن الولاء الثابت للقبيلة هو للقيادة الشرعية، المختارة من رجالات القبيلة ذاتها، أو الإمامة، كما في الحالة العُمانية، حيث تخضع لها القبائل الأخرى. وقد أثبتت التجربة في عُمان أن القبائل يمكن أن تتخلى عن عصبياتها طوعاً وتخضع لحكم مركزي، شرط أن يكون منتخباً، ليكون بالتالي شرعياً وعادلاً، وحينئذ يكون الخضوع له واجباً شرعياً ووطنياً. واللافت أن من القبائل العُمانية من انتخب شخصيات من قبيلة أخرى لتتزعمها. فلا يمكن أن يدل ذلك على تعصب قبلي (4).
* * *
الاستعمار، كما يقول فرانز فانون (Franz-Fanon) ، هو تنظيم الاحتلال وإدارته بعد الغزو. دشنت الحقبة الاستعمارية بشكل رسمي، في منطقة الخليج، بعد ضرب الأسطول العُماني أولاً، في نهاية القرن الثامن عشر، ومن بعده أسطول رأس الخيمة، أسطول القواسم عام 1819. وعلى أنقاض مدينة رأس الخيمة المدمرة، هي وسفنها البالغ عددها 200، تم فرض المعاهدة العامة على زعماء قبائل المنطقة، المعروفة، آنذاك، بـ"ساحل عُمان"، عام 1820. تبعها ما عرف بالاتفاقية المانعة، التي فرضت أولاً على عُمان عام 1892، وبعدها على مشيخات الخليج الأخرى.
وهي في الواقع ليست أقل من صك ملكية المنطقة لبريطانيا. لأنها ببساطة منعت أي حاكم من أن يتصرف، يبيع، ويؤجر أي قطعة من بلاده إلا بموافقة بريطانيا. ومع ذلك، ستتبعها معاهدات واتفاقيات إذعان أخرى، أخذت عدة أسماء وعناوين، منها العلني ومنها السري، أكملت، في مجملها، السيطرة الكولونيالية، وأدخلت بريطانيا في كل تفاصيل الحياة السياسية، الاقتصادية، القانونية، والثقافية. وقد أفضت هذه التعهدات إلى تثبيت مكانة بريطانيا كمرجعية عليا وحيدة لكل حكام المنطقة. وستبقى كذلك على مدى القرن ونصف القرن.
صفحة 6
يبين لنا المسار الحدثي أنه بعد إخضاع البلدان بالقوة العسكرية، فرضت ترسانة تعهدات وضعت الأسس والآليات " القانونية"، التي حولت المنطقة بموجبها إلى " بحيرة بريطانية". بيد أن ما هو أدهى وأمر سيأتي لاحقاً. إذ عمد الإنجليز إلى العبث بكيان الإنسان ومجتمعه. فوضعت سياسة " التحالفات"، يدعم بمقتضاها الانجليز العشيرة الأقوى في القبيلة، أو الشخصية الأقوى في العائلة، ليحصر السلطة فيها، وبالتالي يتفرد بها. وقد أفضت هذه السياسة إلى تفكيك البناء الاجتماعي التقليدي وأعادت تركيبه من جديد، على نحو يخدم هيمنتها واستراتيجياتها.
وكنتيجة لذلك، تحولت العشيرة، المنشقة من مجتمعها، إلى حليف قوي للكولونيالي داخل البنية الاجتماعية، وفي تعارض تام معها. فلم يعد ثمة مشترك وطني عام. وألغي المفهوم التقليدي للوطن والأرض. وسينعكس ذلك على الشأن الداخلي كما الخارجي، وعلى مسألة الأمة والقومية خاصة. فبقدر ما يضعف البناء الوطني، يضعف الرابط القومي كذلك. وهكذا دخلت منطقة الخليج كلها في الفضاء الكولونيالي.
إن ضرب الأساس يصدع البناء ويهدمه. أفضى هذا العبث بالبناء السياسي والنسيج الاجتماعي، إلى تفكيك الثقافة السياسية التقليدية، وإلى ضرب عناصر القوة فيها. وسرعان ما أخذت مساراً اضمحلالياً. وبتغير البيئة الثقافية أسقط مصدر شرعية السلطة، وألغيت الأعراف والتقاليد الخاصة بشؤون الحكم والقيادة، وأسقط مبدأ "الإجماع والتعاقد"، وضربت الإرادة العامة.
وعندما تكفّ الحكومات عن التعبير عن المشترك الوطني، أي لا تعد تعبر عن المصلحة الوطنية العامة العليا، يتبدل جوهر العلاقة بين الحاكم والمحكوم جذرياً، ويبدأ الحكم بالتفرد. يبدأ الانقلاب الكامل على كل الموروث الثقافي. ففي هذا المسار القسري، تكونت السلطات الجديدة خارج إطار الثقافة التقليدية، والتفت عليها، وبالتالي فرضت نفسها كقوة مسيطرة على المجتمعات من خارجها، من خارج الشرعية التقليدية. هكذا، بدأت ثقافة الاستبداد تحل محل ثقافة المشاركة التقليدية. وهكذا، توقفت السيرورة والصيرورة الطبيعية للمجتمعات الخليجية.
أفضى هذا التحول الكبير إلى إضعاف موقع الفرد في معادلة السوسيو-بوليتيك، التقليدية، وبالتالي، تهميش دوره تماماً. تحول، إذن، من عضو فاعل في حياته، من مواطن له صوت وموقف، إلى تابع لإحدى العشائر، المنسلخة من القبيلة، سواء الحاكمة أو المحكومة. وبانفصاله عن الرابط الجماعي، ضعف الرابط المعنوي بوطنه، وتدريجاً سيطرأ تحول جوهري في طبيعة الانتماء.
بتغير واقع الإنسان الاجتماعي تغيرت ثقافته ومعها تصوره للوطن، للحاضر والمستقبل. بدأ الولاء للحاكم، للعائلة، للسلطة، يأخذ الأولوية على الانتماء إلى الوطن. وأعيد صوغ العلاقة، التعاقدية سابقاً، إلى علاقة نفعية قائمة على المصالح المادية البحتة. وتشكل نمط الاقتصاد الريعي. وهو أمر يحتاج إلى معالجة خاصة. فكل شيء ملك للحاكم، هو يوزع الثروة والعطاء كما يشاء، ولمن يشاء، وفق منسوب الولاء والطاعة.
ضمن هذا الخلل في البناء الاجتماعي، ولدت "ثقافة الرعية". وهي النقيض لثقافة المواطنة. ثقافة لا تخلق الإنسان الحر المسؤول، بل الإنسان المستلب، فاقد الإرادة، اللامنتمي. وبقدر ما تثبت سلطة العائلة أكثر، بقدر ما يضعف الرابط الوطني، ويهمش الموروث والمشترك العام بين المواطنين. أفضى هذا الواقع المبتسر إلى خلق أقطار تابعة، ومجتمعات سطحية وثقافة مشوهة. خلق إنساناً مقهوراً ومستسلماً طوعاً أو قهراً.
ستمثل هذه "الثقافة"، التي ولدت من رحم العشيرة، وفي الوعاء الكولونيالي، إطاراً للتاريخ الرسمي. وستتحول هذه الأقطار، خلال الحقبة الكولونيالية، إلى ملكيات أسرية، عائلية خاصة. وهذه النظم لا يمكن، أبداً، أن تبني مواطنين، بل أتباعاً. كيف يمكن أن يكون الإنسان مواطناً في ملكيات خاصة؟
فضلاً عن أن ثقافة " الكولونيالية- العشائرية" لا تقبله إلا تابعاً، طائعاً، ولا تسمح له أن يكون إلا كذلك. والدليل أن الإنسان في الخليج لم يحصل، حتى بعد الاستقلال، (باستثناء الكويت وعُمان ومؤخراً البحرين)، على صفة المواطن الحقيقي، ناهيك عن حقوق ومقتضيات المواطنة.
هكذا، حدد مسار التاريخ السياسي الجديد. وارتبـط وجود هذه "الأنظمة" واستمرارهــا بالوجود البريطاني. والأخيرة أضفت عليها شيئاً من "الشرعية التاريخية "، لكنها لن تكسب شرعية التطور التاريخي. لأنها أولاً، لم تكن مستقلة، وثانياً، لأن شرعية التطور التاريخي لا تبنى خارج إطار الشرعية الدستورية. في حين أن الكويت، مثلاً، اكتسبت ذلك بإقرارها دستور عام 1961، الذي نص على أن "الأمة هي مصدر الشرعية".
وكنتيجة لذلك، تحولت العشيرة، المنشقة من مجتمعها، إلى حليف قوي للكولونيالي داخل البنية الاجتماعية، وفي تعارض تام معها. فلم يعد ثمة مشترك وطني عام. وألغي المفهوم التقليدي للوطن والأرض. وسينعكس ذلك على الشأن الداخلي كما الخارجي، وعلى مسألة الأمة والقومية خاصة. فبقدر ما يضعف البناء الوطني، يضعف الرابط القومي كذلك. وهكذا دخلت منطقة الخليج كلها في الفضاء الكولونيالي.
إن ضرب الأساس يصدع البناء ويهدمه. أفضى هذا العبث بالبناء السياسي والنسيج الاجتماعي، إلى تفكيك الثقافة السياسية التقليدية، وإلى ضرب عناصر القوة فيها. وسرعان ما أخذت مساراً اضمحلالياً. وبتغير البيئة الثقافية أسقط مصدر شرعية السلطة، وألغيت الأعراف والتقاليد الخاصة بشؤون الحكم والقيادة، وأسقط مبدأ "الإجماع والتعاقد"، وضربت الإرادة العامة.
وعندما تكفّ الحكومات عن التعبير عن المشترك الوطني، أي لا تعد تعبر عن المصلحة الوطنية العامة العليا، يتبدل جوهر العلاقة بين الحاكم والمحكوم جذرياً، ويبدأ الحكم بالتفرد. يبدأ الانقلاب الكامل على كل الموروث الثقافي. ففي هذا المسار القسري، تكونت السلطات الجديدة خارج إطار الثقافة التقليدية، والتفت عليها، وبالتالي فرضت نفسها كقوة مسيطرة على المجتمعات من خارجها، من خارج الشرعية التقليدية. هكذا، بدأت ثقافة الاستبداد تحل محل ثقافة المشاركة التقليدية. وهكذا، توقفت السيرورة والصيرورة الطبيعية للمجتمعات الخليجية.
أفضى هذا التحول الكبير إلى إضعاف موقع الفرد في معادلة السوسيو-بوليتيك، التقليدية، وبالتالي، تهميش دوره تماماً. تحول، إذن، من عضو فاعل في حياته، من مواطن له صوت وموقف، إلى تابع لإحدى العشائر، المنسلخة من القبيلة، سواء الحاكمة أو المحكومة. وبانفصاله عن الرابط الجماعي، ضعف الرابط المعنوي بوطنه، وتدريجاً سيطرأ تحول جوهري في طبيعة الانتماء.
بتغير واقع الإنسان الاجتماعي تغيرت ثقافته ومعها تصوره للوطن، للحاضر والمستقبل. بدأ الولاء للحاكم، للعائلة، للسلطة، يأخذ الأولوية على الانتماء إلى الوطن. وأعيد صوغ العلاقة، التعاقدية سابقاً، إلى علاقة نفعية قائمة على المصالح المادية البحتة. وتشكل نمط الاقتصاد الريعي. وهو أمر يحتاج إلى معالجة خاصة. فكل شيء ملك للحاكم، هو يوزع الثروة والعطاء كما يشاء، ولمن يشاء، وفق منسوب الولاء والطاعة.
ضمن هذا الخلل في البناء الاجتماعي، ولدت "ثقافة الرعية". وهي النقيض لثقافة المواطنة. ثقافة لا تخلق الإنسان الحر المسؤول، بل الإنسان المستلب، فاقد الإرادة، اللامنتمي. وبقدر ما تثبت سلطة العائلة أكثر، بقدر ما يضعف الرابط الوطني، ويهمش الموروث والمشترك العام بين المواطنين. أفضى هذا الواقع المبتسر إلى خلق أقطار تابعة، ومجتمعات سطحية وثقافة مشوهة. خلق إنساناً مقهوراً ومستسلماً طوعاً أو قهراً.
ستمثل هذه "الثقافة"، التي ولدت من رحم العشيرة، وفي الوعاء الكولونيالي، إطاراً للتاريخ الرسمي. وستتحول هذه الأقطار، خلال الحقبة الكولونيالية، إلى ملكيات أسرية، عائلية خاصة. وهذه النظم لا يمكن، أبداً، أن تبني مواطنين، بل أتباعاً. كيف يمكن أن يكون الإنسان مواطناً في ملكيات خاصة؟
فضلاً عن أن ثقافة " الكولونيالية- العشائرية" لا تقبله إلا تابعاً، طائعاً، ولا تسمح له أن يكون إلا كذلك. والدليل أن الإنسان في الخليج لم يحصل، حتى بعد الاستقلال، (باستثناء الكويت وعُمان ومؤخراً البحرين)، على صفة المواطن الحقيقي، ناهيك عن حقوق ومقتضيات المواطنة.
هكذا، حدد مسار التاريخ السياسي الجديد. وارتبـط وجود هذه "الأنظمة" واستمرارهــا بالوجود البريطاني. والأخيرة أضفت عليها شيئاً من "الشرعية التاريخية "، لكنها لن تكسب شرعية التطور التاريخي. لأنها أولاً، لم تكن مستقلة، وثانياً، لأن شرعية التطور التاريخي لا تبنى خارج إطار الشرعية الدستورية. في حين أن الكويت، مثلاً، اكتسبت ذلك بإقرارها دستور عام 1961، الذي نص على أن "الأمة هي مصدر الشرعية".
صفحة 7
الحركات الوطنية الإصلاحية
منذ مطلع عشرينيات القرن، وبخط مواز للتاريخ الكولونيالي، بدأت تتشكل ملامح وجه التاريخ الوطني. تاريخ الشعوب. فقد ولد، من رحم الثقافة التقليدية أول مجلس في الكويت عام 1921. كان حدثاً مؤسساً، مشحوناً بالدلالات والرمزية. أتى المجلس كثمرة مقايضة تاريخية، تمت بين الشيخ أحمد الجابر، الذي طلب مبايعة أهل البلاد، أي تفويضهم له، وبين أعيان البلاد، الذين أرادوا، بدورهم، ممارسة حقهم الطبيعي، في أن يكون لهم رأي فيمن يحكمهم وكيف يحكمهم. لبى الحاكم طلبهم بمنحهم مجلساً يشاركه في الحكم، وبالمقابل منحوه هم الشرعية ليحكمهم.جسد هذا الفعل المؤسس المضمون الديمقراطي التقليدي للثقافة الوطنية التقليدية. وسيرسي المجلس ثوابت ومبادئ الثقافة السياسية الوطنية. أهمها أن الأمة هي مصدر الشرعية، وأن للمواطنين الحق في اختيار من يحكمهم، وللمواطن الحق، عبر مجلسه، في المشاركة في الحكم. وستتحول هذه الثوابت الثقافية إلى مواد قانونية يحفظها دستور وطني حرص على التعبير عن كل مكونات الثقافة الوطنية.
وبعد 17 عاماً أتت الموجة الثانية. كانت مرحلة مفصلية كبيرة. وانتخب الوطنيون مجلسهم عام 1938. كان حدثاً كبيراً بكل المقاييس. سيعيد المجلس، من جديد، التأكيد على الثوابت الوطنية ويعززها. وسيدخل إلى البلاد، ضمن جملة المسائل، الثقافة الدستورية بمفهومها الحديث. كما ستنتج عن هذه المرحلة مفاهيم جديدة للدولة، والمواطنة، والحقوق العامة والخاصة. وفي النهاية، سيحدد مسار البلاد وقدرها الديمقراطي.
بعد ستة أشهر من انتخابه، سيسقط الشيخ المجلس بدعم من الإنجليز. لكن فكرة المجلس ستظل ملهمة لنفوس الكويتيين. ستبقى محركاً داخلياً للفكر الإصلاحي الوطني. وفعلاً، وبفضل الوطنيين الكويتيين سيكتمل المسار، أخيراً، بوضع دستور البلاد عام 1961، ثم بانتخاب مجلس الأمة الكويتي عام 1962. وتتحول الكويت، في عهد الشيخ الديمقراطي عبدالله السالم، إلى منارة مشرقة في سماء الخليج المعتمة.
كما الكويت، كان للبحرين نضالها الوطني، وقدرها التاريخي. لم تفلح مثل الكويت. لم تتحقق أحلام البحرينيين. كان مسارها الديمقراطي متعثراً، لأن ثقل الاستعمار أشدَّ وطأة عليها. مع ذلك قدمت تجارب إصلاحية ستطبع التاريخ المعاصر للمنطقة بأسرها. ولدت أول فكرة لمجلس عام 1923، لكنها أجهضت في المهد.
ولأن الفكر الحقيقي لا يموت، خاصة إذا ارتبط بوجدان الشعوب، عادت المطالبة بالمجلس عام 1938. وقمعت المحاولة. وبعدها أتت هيئة الاتحاد الوطني عام 1956. ومع أنها لم تستمر إلا أشهراً معدودة، كانت مكثفة بالحوادث، بالفعل السياسي، بالدلالات، بالصراع الحقيقي، بالتآمر الإنجليزي، بالتحدي الوطني، كانت "ملحمة" صغيرة بحجم البلاد وأهلها.
هي الأخرى ضربت. لكن بعد أن جذرت الصراع وأعطته بعداً تاريخياً، وبعد أن جعلت من مطلب الحرية وحقوق المواطنة مسألة لا مناص منها. كما ستثبت الهيئة، أن الوعي القومي العام هو إحياء للوعي الوطني ومكمل له. وفعلاً، ستنتخب البحرين مجلسها الوطني الأول عام 1973.
يبد أن بريطانيا كانت دائماً بالمرصاد، فضربت كل الحركات الوطنية والديمقراطية. فالديمقراطية، التي ترمز إلى التقدم والرقي الحضاري ومثار تفاخر في المتروبول، مرفوضة في المستعمرات، لا بل، إن المطالبة بها تمثل جرماً يعاقب عليه بالسجن والنفي.
ولنتذكر، بأن الديمقراطيات الغربية، مع كونها أحد مكاسب الصراع في وجه الإقطاع والرأسمالية في الغرب، هي التي استعمرت العالم العربي،الأفريقي، والآسيوي. فالديمقراطيات الغربية هي، أيضاً، غازية ومحتلة ومستعمرة، ولا تزال حتى يومنا هذا.
وحتى حركة الأنوار الأوروبية التي طالما مجدت العقلانية ومبادئ الحرية والمساواة، لم تقبل ذلك للآخر، لم تقبل المساواة بالآخر، بل نظرت إليه بتعال وعنصرية. فهي ليست، كما يقول غارودي (R. Garaudy) ، حركة ثقافية فحسب، وإنما ميلاد الرأسمالية والاستعمار المتلازمين. أبعد من أن تكون ذروة " المذهب الإنساني"، حيثهدمت حضارات أرقى من حضارة الغرب في علاقتها بالإنسان والطبيعة (5).
استهدف القرار البريطاني، أساساً، فصل التشكل الوليد للإرادة العامة في البيئة المعاصرة، التي كانت مسوقة، بحكم جدلية التطور، بإرساء مبادئ العدل والمساواة، وتعزيز مفاهيم الانتماء الوطني والسيادة، وبالتالي خلق الأرضية الصالحة لبناء نظم ديمقراطية أصيلة، على غرار ما سوف نراه في الكويت لاحقاً. أفضى العبث البريطاني، إذن، إلى إعاقة آلية التقدم في المجتمعات الخليجية. وهكذا، حرفت عجلة التاريخ عن مسارها الطبيعي. وستتحول الحالة الكولونيالية إلى حالة ثابتة ضاربة الجذور في السياسة والاقتصاد، كما في الثقافة.
من جانب آخر، كانت الثلاثينات سنوات حاسمة في تاريخ الخليج المعاصر، وعلى كل مستوى. كان عصر اكتشاف النفط، وزمن التحولات الكبرى. وقد أفضت هذه التحولات إلى خلق انقلاب في بنية المجتمعات الخليجية الضعيفة أصلاً. ومن ثم أعادت صياغة بنائها الاقتصادي والاجتماعي كما بالطبع السياسي. وسيغدو لهذه الحقائق الجديدة تجلياتها الثقافية. أما عن مؤسسة الحكم الأسري، التي كان الكولونيالي ذاته يعتبرها في تقاريره متخلفة وبالية، فقد أعيد تزيينها بحيث تتمكن من تلبية متطلبات المرحلة الجديدة.
* * *
لم تعثر الهوية الوطنية في الخليج على دعائمها الحقيقية، إلا مع ظهور الفكر القومي العربي، الذي زفته ثورة 23 تموز/يوليو 1952، في مصر. حيث استيقظ أهل الخليج على هويتهم، وعلى اكتشاف انتمائهم، وعلى وعيهم بذاتهم القومية. فوجدوا مكانهم الطبيعي، التاريخي، الوجداني فيه. وهكذا حلت الهوية القومية، كحالة جامعة، منقذة، مكان الهويات القطرية والمذهبية الفرعية، هويات الانشقاق والتشتت. مثّل الفكر القومي، إذن، الوعاء الثقافي لشعوب المنطقة. العروبة ليست نظرية سياسية أو أيديولوجيا، بل وصفة لحالة وجود وكينونة. وأخيراً، الوطنية ليست إلا شعوراً بالانتماء والعزة.
بدأ إذن، تاريخ الخليج العربي المعاصر، السياسي كما الثقافي، في النصف الثاني من القرن العشرين. ويمكن تقسيمه، إلى مرحلتين متباينتين متداخلتين، لكن غير متمايزتين تماماً. فالتاريخ السياسي، كما الاجتماعي والثقافي، لا ينقطع تماماً. إذ غالباً ما تسير المرحلتان جنباً إلى جنب، أو كما يحدث أحياناً، في حالات العنف والثورات، تتقدم واحدة على الأخرى. بيد أنه إذا تقدم الجانب السياسي، وهو غالباً الأسرع في التحول، لا يعني أن الاجتماعي أو بالتأكيد الثقافي، قد تقدما أيضاً. ذلك لأن لكل جانب سيرورته وصيرورته وإيقاع تطوره.
في الأولى، كان الخليج، معروفاً بالمَحْمِيّات البريطانية، مغيب الهوية الوطنية، مبعثراً اجتماعياً، موغلاً في ثقافة العشيرة والرعية. في المرحلة الثانية، بدأ المسرح مختلفاً تماماً. كان مشهد يقظة الانتماء الحقيقية. عبرت عنها الشعوب بأشكال مختلفة، لخصت في مجملها لحظة الوعي بالذات الثقافية والوطنية. وضمن هذا التحول الثقافي التدريجي بدأت تتوالد جملة من المفاهيم السياسية الحديثة، مثل مفهوم الوطن والدولة والشرعية والسيادة وسواها، لتعزز بدورها ثقافة التحرر الوطني والقومي، في جدلية متماسكة. فبقدر ما يكون الإنسان وطنياً، يكون بالضرورة قومياً.
صفحة 8
الفصل الأول
الكـويت عن ثقافة المشاركة والشرعية
"الدستور الذي أصدرناه ليس أكثر من تنظيم حقوقي لعادات معمول بها في الكويت. فقد كان الحكم في هذا البلد شورى بين أهله".عبدالله السالم الصباح 1962
الجزء الأول: مجلس الشورى 1921
ارتبط تاريخ الكويت الحديث بتاريخ عائلة الصباح، المنتمية إلى قبيلة العنزة، النازحة عن الجزيرة العربية، لتتخذ من منطقة الكويت (الكوت سابقاً)، وطناً لها في نهاية القرن الثامن عشر. ووفق مقتضيات الحياة العربية البسيطة، اتسم هذا الاستيطان بالاستقرار والتعاون مع القبائل الأخرى. بدأ المهاجرون بتنظيم شؤون مجتمعهم الجديد. وكان لا بد من حاكم مقبول من الجميع. وقد تم اختيار صباح الأول، الذي توسموا فيه الخير والإصلاح، حاكماً لهم. ووفق صيغة معبرة، بسيطة تم الاتفاق على أن يقوم الشيخ بتحمل أعباء الحكم، وأن يقوم السكان بتمويل الحاكم مادياً (6). سوف يكون للعامل الأخير الأثر الكبير في ترسيخ مبدأ البيعة، أي التفويض العرفي والمشاركة في الحكم. إذن، سيكون للاقتصاد، قبل خروج النفط، تأثيراً كبيراً في الفضاء السياسي.
إن قيام أهل الكويت باختيار حاكمهم من عائلة الصباح بشكل طوعي، ومنحه ثقتهم، أمر ذو دلالة ثقافية وتاريخية كبيرة. الصباح ليست قبيلة، بل عشيرة، عائلة، انفصلت عن قبيلتها الكبيرة في الجزيرة العربية. ونظام الحكم كما نعلم في العشيرة هو وراثي. لكن ما حدث في هذه اللحظة التاريخية هو أن القبائل الكويتية المستقرة قبل وصول الصباح، هي التي منحت بيعتها ليكون الحاكم من عائلة الصباح. كانت صيغة التفويض التي وضعت بين الكويتيين ومرشحهم معبرة جداً.
بهذا الاتفاق الشفهي البسيط، ثبتوا مبدأين مؤسسين للثقافة السياسية في البلاد: مركزية عرف البيعة، أي منح الشرعية، وحق المشاركة. وما سيرسّخ هذين المبدأين أكثر، هو مساهمة أهل الكويت، طوعاً، بدعم السلطة، التي اختاروها، بالمال. ما يعني شراكتهم الفعلية في قيام السلطة وضمان استمرارها. ومن يعرف واجباته يعرف حقوقه كمواطن. ولا ريب أن من شأن هذه الصيغة الأصيلة أن تتطور مع تطور المجتمع والزمن. لأنها ولدت من رحم الثقافة التقليدية، ولأنها خلقت عناصر ديمومتها وديناميكيتها.
وهكذا، في عام 1921، توجهت عائلة الصباح بطلب من أهل الكويت منح بيعتهم لوريث الحاكم، الشيخ أحمد الجابر، ليحظى بشرعية تؤهّله لحكم الكويت. رد الكويتيون بأنه لا بيعة دون مجلس. لن يمنحوه البيعة، لن يفوضوه لحكمهم، ما لم يتعهد هو، كحاكم جديد للبلاد، بإنشاء مجلس شورى من أعيان البلاد، تكون مسؤوليته الأولى مساعدة الحاكم على إدارة شؤون الحــكم فيها. هكذا، إذن، عبر هذا العقد الاجتماعي، بدأ التطبيق الرسمي لعرف المشاركة في النظام السياسي في الكويت. تقدمت مجموعة من الأهالي بوثيقة من خمس مواد، أتى فيها الآتي:
1- تنظيم بيت عائلة الصباح بحيث لا يظهر بين أعضائها خلاف حول تسمية الحاكم.
2- يعيّن الشيخ أحمد الجابر والشيخ أحمد المبارك والشيخ عبد الله السالم كمرشحين لمنصب الشيخ الراحل.
3 - بعد موافقة الجميع على المرشح، يجب أن يوافق الحاكم على تعيين إحدى الشخصيات الثلاث المذكورة:
4 - تتولى الشخصية المعيّنة منصب رئيس مجلس الشورى.
5 - يتمّ انتخاب عدد معيّن من المسؤولين من بين أعضاء عائلة الصباح ومن بين السكان من أجل أن يديروا شؤون البلاد على أساس المساواة والعدل (7).
صفحة 9
كان لهم ما أرادوا، إذ التزم الحاكم الجديد بنصوص وروح وثيقتهم. وفي ضوء ذلك، منح أعيان البلاد، كممثلين لأهل الكويت، التفويض للشيخ أحمد الجابر. وأصبح الحاكم الشرعي للبلاد (1921-1950). وفعلاً، تم تشكيل أول مجـلس شورى (1921-1928). و قد ترأس الحاكم الجديد المجلس. وهكذا، وجد الحاكم والمحكوم مكانهما الطبيعي في وطنهما. كما ضمن للمجتمع تماسكه وانسجامه. كل ذلك شكل أرضية صلبة لأمن البلاد واستقرارها.
إذن، بفضل حق المشاركة، ممهوراً بشرط البيعة، إحدى المرجعيات المؤسسة للثقافة العربية الإسلاميّة، زرعت بذور الديمقراطية في ثقافة البلاد السياسية. كانت الخطوة الأولى في اتجاه المستقبل. ويمكن اعتبار هذه الوثيقة التاريخة، "عقداً اجتماعياً كويتياً". هي شهادة ميلاد الديمقراطية في الكويت.
ولئن كان البند الأول من الميثاق يعطي المجلس مسؤولية تنظيم بيت عائلة الصباح، كما يمنحه صلاحية الإشراف على انتقال السلطة في البلاد بشكل شرعيّ وسلمي، فقد أنيطت بالمجلس، إذن، مسؤولية تأمين استقرار المجتمع ونظام الحكم فيه. فمسؤولية الوطن مشتركة. وهذا البند العرفي، هو نص تأسيسي، يحمل الكثير من الدلالات التاريخية و الثقافية.
من الناحية الأنتروبولوجيّة السياسية، لطالما كانت هذه المسؤوليّة، وكما رأينا في المقدمة العامة، التي كلّف بها المجلس حديثاً، عُرفاً متأصّلاً في ثقافة مجتمعات بلدان الخليج، يمارسه أعضاء القبائل مع شيوخها وزعمائها، بشكل طبيعي وتلقائي. علماً أنه لم يكن ثمة نص مكتوب. لكن العُرف كان ماثلاً. فهو منحوت في التقاليد، في الممارسة، ومرتبط بإحكام بمنظومة الأخلاق الجمعية للقبيلة. هكذا صار جزءاً مؤسساً من ثقافتها. وله من القوة والتماسك ما يتجاوز النص المكتوب، أو حتى الدساتير، التي غالباً ما تخرق ويتم تجاوزها. والعرف بهذا المعنى، يشكل عند احترامه، صمام أمان ثقافي، يحصن المجتمع ويضمن تماسكه.
مهما يكن من أمر، شكّل إنشاء المجلس، على الرغم من أنّه غير منتخب، مرحلة هامة في تاريخ الكويت. إذ إنّ موافقة الحاكم على فكرة إنشاء المجلس كانت في حد ذاتها اعترافاً بقوة التقاليد، وسيادتها في تحديد طبيعة السلطة وتنظيم العلاقه بين الحاكم والمحكوم. فقد اعترف الحاكم بحق المشاركة، وحق المشاركة يعني الإقرار بأن الشعب هو مصدر الشرعية.
بيد أنّ المجلس، أخذ في الاعتبار المعطى الزماني والمكاني، لم يكن يتمتّع بكيان مؤسسي أو دور فاعل. لم يتح له أي هامش لمشاركة حقيقية، ولم تكن اجتماعاته القليلة إلّا كناية عن لقاءات خاصة مع الشيخ. وظلّت سيطرة الحاكم عليه تامّة. وفعلاً، سرعان ما همّش، وفي عام 1928، اختفى نهائياً. بيد أنها كانت التجربة الأولى. وعلى محدوديتها، تبقى مرجعية للثقافة السياسية. وبالتأكيد، إن فكرة المجلس أهم من المجلس ذاته.
والحال، إن فكرة المشاركة، على رمزيتها ومحدوديتها، بشرت بتشكل ثقافة سياسيّة خاصة في البلاد، وبتشكل نواة الإرادة العامة. وسيأخذ الوطنيون الكويتيون على عاتقهم إثراء الأولى وتعزيز الثانية على نحو لافت جداً.
ففي غياب الموارد المالية للحكام، أحدث التجار الوطنيون بثقلهم نوعاً من التوازن السياسي في البلاد. فتقديمهم الدعم المالي للحكام، إما إقراضاً وإما عطاء، سمح لهم بلعب دور وظيفي مؤثر في القرار السياسي. وبحكم تركيبتهم كتجار وطنيين وميولهم التحديثية في الشؤون الإدارية والجمركية والقانونية، شكلوا، قبل مرحلة النفط، قوة اقتصادية وطنية فاعلة في حركة الإصلاح بالمنطقة، ومنهم من قادها. وقد خرج من بينهم الكثير من المثقفين الذي ساهموا في بناء الكويت الحديثة.
إذن، بفضل حق المشاركة، ممهوراً بشرط البيعة، إحدى المرجعيات المؤسسة للثقافة العربية الإسلاميّة، زرعت بذور الديمقراطية في ثقافة البلاد السياسية. كانت الخطوة الأولى في اتجاه المستقبل. ويمكن اعتبار هذه الوثيقة التاريخة، "عقداً اجتماعياً كويتياً". هي شهادة ميلاد الديمقراطية في الكويت.
ولئن كان البند الأول من الميثاق يعطي المجلس مسؤولية تنظيم بيت عائلة الصباح، كما يمنحه صلاحية الإشراف على انتقال السلطة في البلاد بشكل شرعيّ وسلمي، فقد أنيطت بالمجلس، إذن، مسؤولية تأمين استقرار المجتمع ونظام الحكم فيه. فمسؤولية الوطن مشتركة. وهذا البند العرفي، هو نص تأسيسي، يحمل الكثير من الدلالات التاريخية و الثقافية.
من الناحية الأنتروبولوجيّة السياسية، لطالما كانت هذه المسؤوليّة، وكما رأينا في المقدمة العامة، التي كلّف بها المجلس حديثاً، عُرفاً متأصّلاً في ثقافة مجتمعات بلدان الخليج، يمارسه أعضاء القبائل مع شيوخها وزعمائها، بشكل طبيعي وتلقائي. علماً أنه لم يكن ثمة نص مكتوب. لكن العُرف كان ماثلاً. فهو منحوت في التقاليد، في الممارسة، ومرتبط بإحكام بمنظومة الأخلاق الجمعية للقبيلة. هكذا صار جزءاً مؤسساً من ثقافتها. وله من القوة والتماسك ما يتجاوز النص المكتوب، أو حتى الدساتير، التي غالباً ما تخرق ويتم تجاوزها. والعرف بهذا المعنى، يشكل عند احترامه، صمام أمان ثقافي، يحصن المجتمع ويضمن تماسكه.
مهما يكن من أمر، شكّل إنشاء المجلس، على الرغم من أنّه غير منتخب، مرحلة هامة في تاريخ الكويت. إذ إنّ موافقة الحاكم على فكرة إنشاء المجلس كانت في حد ذاتها اعترافاً بقوة التقاليد، وسيادتها في تحديد طبيعة السلطة وتنظيم العلاقه بين الحاكم والمحكوم. فقد اعترف الحاكم بحق المشاركة، وحق المشاركة يعني الإقرار بأن الشعب هو مصدر الشرعية.
بيد أنّ المجلس، أخذ في الاعتبار المعطى الزماني والمكاني، لم يكن يتمتّع بكيان مؤسسي أو دور فاعل. لم يتح له أي هامش لمشاركة حقيقية، ولم تكن اجتماعاته القليلة إلّا كناية عن لقاءات خاصة مع الشيخ. وظلّت سيطرة الحاكم عليه تامّة. وفعلاً، سرعان ما همّش، وفي عام 1928، اختفى نهائياً. بيد أنها كانت التجربة الأولى. وعلى محدوديتها، تبقى مرجعية للثقافة السياسية. وبالتأكيد، إن فكرة المجلس أهم من المجلس ذاته.
والحال، إن فكرة المشاركة، على رمزيتها ومحدوديتها، بشرت بتشكل ثقافة سياسيّة خاصة في البلاد، وبتشكل نواة الإرادة العامة. وسيأخذ الوطنيون الكويتيون على عاتقهم إثراء الأولى وتعزيز الثانية على نحو لافت جداً.
ففي غياب الموارد المالية للحكام، أحدث التجار الوطنيون بثقلهم نوعاً من التوازن السياسي في البلاد. فتقديمهم الدعم المالي للحكام، إما إقراضاً وإما عطاء، سمح لهم بلعب دور وظيفي مؤثر في القرار السياسي. وبحكم تركيبتهم كتجار وطنيين وميولهم التحديثية في الشؤون الإدارية والجمركية والقانونية، شكلوا، قبل مرحلة النفط، قوة اقتصادية وطنية فاعلة في حركة الإصلاح بالمنطقة، ومنهم من قادها. وقد خرج من بينهم الكثير من المثقفين الذي ساهموا في بناء الكويت الحديثة.
صفحة 10
المجلس البلدي
كان من ثمار ذلك الحراك، وفي أقل من عقد، انتخاب مجلس بلدي عام 1930. إذ، تقدمت بعض الشخصيات الوطنية من التجار بطلب إلى الحاكم، الشيخ أحمد جابر الصباح، للموافقة على قيام مجلس بلدي، تم انتخابه من الأهالي للاهتمام بالمدينة و تطوير الحياة فيها.وما يلفت النظر، حقاً، ليس فكرة المجلس المبكرة في المنطقة، بل أكثر من ذلك، استعداد أصحاب الفكرة لتمويل المشروع مادياً. إذ اقترحوا فرض ضريبة على أنفسهم، لميزانية المجلس، تجبى من الضريبة المفروضة على وارداتهم من البضائع. حددت بمقدار أربعة بالمائة من حجم الضريبة الجمركية الإجمالية. الفكرة الإصلاحية كانت منهم، والتمويل منهم، ولم يكن على الحكومة إلا الموافقة.
إزاء هذه المشروع الإصلاحي المتقدم آنذاك، وافق الحاكم على تشكيل المجلس. وفعلاً، اجتمع خمسون شخصية، كممثلين للعائلات الرئيسية في الكويت، وتم انتخاب اثني عشر عضواً للمجلس البلدي الأول، و انتخب سليمان العدساني رئيساً له (8).
تحولت فكرة المشاركة، إذن، إلى فعل. وكانت أول ممارسة للانتخابات تشهدها البلاد. كانت خطوة أولى، لاشك مؤسسة، في الممارسة الديمقراطية. لكنها، أيضاً، الخطوة الأولى في الصراع الطويل بين الشرعية والاستبداد. وسيطبع تاريخ الكويت الحديث، بل تاريخ الخليج ككل، بالصراع المستمر حيال ثنائية التفرد ومطالب الإصلاح. وكلاهما يحيل جوهرياً على مسألة مصدر الشرعية ومفهوم الوطن والمواطن.
حظي المجلس البلدي بأهمية أكبر من مجلس الشورى عام1921، لأنه على عكس الأخير، كان منتخباً ولم يعيّن. ولدَ المجلس البلدي، إذاً، بشرعيّة انتخابية، ذات مضمون ودلالات ديمقراطية. وهكذا دخلت الكويت، مبكرة، في مرحلة هامّة من تاريخها السياسي الحديث.
غداة تشكيله، باشر المجلس في معالجة كل الأعمال المتعلقة بتحسين حياة المواطن المدنية بكل تفاصيلها. كانت البلاد بحاجة ملحة للكثير من الإصلاح والتنمية، شأنها شأن البلدان الخليجية الأخرى. وفعلاً، برهن أعضاؤه عن جدارة لافتة. فقد هدفوا إلى إنجاح تجربتهم الجديدة، وترسيخها في الوعي الجمعي الكويتي. وقد عزز كل ذلك مكانة المجلس وأهمية العمل الوطني. وخلال فترة عهده، التي لم تتجاوز سنوات أربع، تمكن من إدخال الكثير من التحسينات الضرورية لتحديث المجتمع وتطويره. وبشكل خاص على المستوى المدني والصحي. واللافت أن النموذج العراقي التحديثي، في عهد الملك فيصل، ومن بعده ابنه غازي، برز كمحفز للمجلس البلدي الكويتي. ولا مبالغة في القول، إن الكويتيين كانوا يراقبون التحولات الكبرى في العراق بشيء من الغبطة والأمل.
وصف أحد شهود المرحلة، خالد العدساني، المجلس في مذكراته، "بالمجلس النيابي المصغّر". فكان هيئة تنفيذية وتشريعيّة في آن. وقد كان من شأن هذا الوعي المستجد أن يؤسس بدوره لمفاهيم حديثة للحقوق المدنية، والإصلاح ويرسخ نهج المشاركة أكثر.
كانت المفاهيم، إذن، تبنى، تتأسس، عبر ممارسة الفعل الوطني، وليس خارجه. يبقى أنه، من رحم العمل المشترك، وتنامي الوعي السياسي، سيشهد المجلس ولادة ثقافة ديمقراطية ستشكل سمة من سمات الحياة السياسية في الكويت. و يذكر العدساني، أنه في وسط المجلس، ومن خلال النضالات اليومية، تم تشكل نواة "الحركة الوطنية الكويتية". وهي التي ستسهم في كتابة تاريخ البلاد الحديث. وقد برزت في هذه المرحلة شخصيات وطنية مؤسسة للفكر الوطني في الكويت، منها عبد الله محمد الصقر وعبد اللطيف محمد الثنيان، والغانم والقطامي والعدساني.
يبقى أنه على الرغم من مرونة أعضاء المجلس، تولد صراع بين الشيخ والمجلس. فهو صراع طبيعي بين الفكر الإصلاحي الوليد والمتطلع إلى المستقبل، وممارسات سلطويّة كفت عن تقبل أي نوع من المشاركة. ويبدو أن برامج التطوير والإصلاح، خاصة إذا لم يكن مسيطراً عليها من السلطة، كانت تشكل لها شيئاً من الإرباك. فمع الفعل الإصلاحي تبنى الشرعية الوطنية.