eKtab
EN ع
الحب .. العاطفة المغادرة لكوكبنا
اقرأ عينة مجانية

الحب .. العاطفة المغادرة لكوكبنا

بقلم ابراهيم الخليل

صفحة 1

إنّ نصوص الإسلام المتمثلة في الكتاب والسنة تشكّل المسلمّات الوحيدة الصحيحة في هذا العالم ، أو إنّها وحدها الميزان الصحيح الذي توزن به المسلّمات.

وهذا العصر يحتاج لدراسات تستعرض هذه النصوص على ضوء ما توصّلت إليه العلوم ، مما يضفي عليها جاذبية الحداثة والمعاصرة بالإضافة إلى قوّة الحق الكامن فيها ، فتهدي الحيارى ، ولا تدع أمام أحد خيارا إلاّ قبولها والتسليم لها.

ومثل هذه الدراسات من أهمّ واجبات هذا العصر الذي فيه عاد الإنسان يشك في كلّ شئ.

والشعوب التي ملكت السيطرة المادية على العالم ، أصبحت نتيجة لذلك ، هي التي تصدر الأفكار وتدعو إليها وتفلسفها وتحاول أن تصوغ الأمور بالقالب الذي تريد. واصدرت سلفا أحكامها في كثير من الأمور ، وتحاول أن توصل النّاس إلى ما تريد في الإعتقاد والسلوك وغير ذلك.

وارتبط ذلك كلّه بعملية تناحر هائلة جبّارة على المواد الخام وعلى السيطرة على العالم،وبقضية الصراع من أجل البقاء. فسخّرت هذه الدول ، في عملية صبغ الأشياء بالأفكار المسبقة ، ما لا يخطر ببال من الإمكانات والطاقات ، حتّى كادت أن تتغير كلّ المسلّمات القديمة لدى أكثر النّاس. والقليل من النّاس هم الذين بقوا في مثل هذا الجو الضاغط محتفظين بمسلّماتهم ، وقليل من هذا القليل هو الذي احتفظ بالمسلّمات على بصيرة.

فالإجابة الشافية الكاملة لكلّ الأمور التي تطرح نفسها بشكل حاد في هذا العصر ، تحمله نصوص الإسلام ؛ لأنّ الله جعل كتابه تبيانا لكلّ شئ:

..... ونزّلنا عليك الكتاب تبيانا لكلّ شئ ، وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين سورة النحل: 89.

و بالسنّة ، التي هي بيان للقرآن ، يكتمل البيان ، قال تعالى:

..... وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناّس ما نزّل إليهم ولعلّهم يتفكرون النحل: 44.

ولا نلاحظ فقط ، أنّ كلّ شئ انطلق من عقالهفي عصرنا بحريّة كاملة ، دون أي إلتزام مسبق في الظاهر ، ولكنّ الأمر العجيب أن نلاحظ أنّ كلّ شئ يخدم قضية الحق أبعد لصالح الهوى، وكلّ شئ يخدم قضيّة اليقين أبعد لصالح الظنون. وكلّ ذلك يعطى صفة علمية يتم الإيهام بأنّهاقطعيّة ، وهي باطل في جوهرها.

[وبالأمس تطالعنا الأخبار بتصريح لمدير مشروع علمي يعنى ببناء دماغ صناعي بشري منذ خمسة عشر عاما: ليس هناك استحالة في بناء دماغ بشري ، وسننجز ذلك في غضون عشر سنوات ! والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون النحل: 20. لكنّه الإيهام بأنّ العلم قد يخلق الإنسان ، كي تعم الفوضى وتهتز قيم الإيمان].

لقد آن الأوان لنصوص الإسلام أن ترجع الأمور إلى نصابها في هذا العالم ، الذي انطلق كلّ شئ فيه في غير مساره الصحيح ؛ لتصبح كلمة الله هي العليا. وبداية ذلك كلّه أن تفهم كلمة اللهوكلمة رسوله صلّى الله عليه وسلّم فهما صحيحا ، وأن تقام الحجة بكلمات الله ورسوله على العالم. فلابد من إبراز كمال هذه الحجة لتخرج النّاس من التيه والظلمات إلى الهدى والنور ، و لاستكمال واجب التبليغ.

[ونرجو أن تكون هذه الدراسة شمعة مضيئة في طريق طويل. وحسبها أن تثير الحراكوالجدل ، وتدفع للمزيد من البحوث المتعمّقة لخير الإنسانية.]

نسأل الله أن يعين ، وأن يتقبّل ، إنّه سميع مجيب.

صفحة 2

الحب والوجود

الحب سر من أسرار الوجود ، كامن في النفس والجسم والروح ، و لا أحد بسرّه يبوح. وهو طاقة هائلة ، تحيط بعالمنا ، تناقصت بيننا وبينه قوى الجاذبية. وكان في سمائنا مشعّا ونجما مضيئا ليل نهار، لكنّه ، بكلّ أسف ، في طريقهللأفول و الإندثار. كأنّ كواكب أخرى تجاذب ضياءه فيخفت رويدا رويدا و يبعد عنّا سناه. أو ربما نحن الذين ابتعدنا فشحّ ضياؤه. فنحن نحتاج إلى معجزة كي نعيد إلى سماواتنا الحب من جديد.

الحب ، تلك الطاقة الخيّرة التي تجمّل وجدان الإنسان ، فتدفعه إلى الإحسان و التطلّع إلى تحقيق قيم الحق و الخير والجمال في النفس و المجتمع وفي الأخلاق والمعاملات. ثمّ تتسع آفاقه و ظلاله الوارفة لتشمل كل أطراف الكون الفسيح ، كل الأحياء و كل الجمادات.

فالمحبة الحقة كما تحمل في طيّاتها السعادة المنشودة ، تبشّر بالرقي والتطور في عالم الإنسان و الأمم و تحقق السلام والأمن في العالم.

حديثا استدلّ ديكارت بفكره على وجوده حيث قال: أنا أفكّر فأنا موجود.

لكن أيّ نوع من الفكر؟ و أيّ مستوى من الوجود؟

فإذا فكّرت _مثلا_في إبادة البشرية ، بإلقاء قنبلة ذرية ، تسبب القتل و الدمار. أو فكّرت في سرقة ممتلكات الآخرين واحتلال أراضيهم واستلاب مواردهم. ووضعت خطة محكمة لتشريد وقتل وأسر مقاوميهم ، و إرهاب الآمنين و الأبرياء. فهل هذا الفكر يؤهلني إلى الإنتماء لبني الإنسان ؟ وإذا نفّذت أفكاري هذه ، فأي وجود أحقق في الواقع غير وجود مجرمي الحرب و قطّاع الطرق وأعداء الإنسانية.

فبمجرد الفكر ، من دون تحديد مجالات الخير له ، لا يكفي لتحقيق الوجود الإيجابياللائق ببني الإنسان. فالإنسان المخلوق من قبضة الطين و نفخة الروح ، يمتاز على سائر المخلوقات بتسامي المشاعر الشفّافة التي تمنحه ملكة التعالي على الضرورات ، وكبح جماح النفس الشهوانية الحيوانية الشيطانية ، و الصعود إلى مقام الملائكة الأطهار. فبتحكّمه على إرادته و اختياره طريق الخير ، يظل يتعالى ويرتفع حتّى يهجر كل الشر ، و يترفّع حّتى عن اللمم.

كما لايسعدالإنسانأن يوجد أي وجود ، كوجودالبهائم والأشجار أو الأحجار.

فالوجود الإنساني الحق هو ذلك الوجود الحي النابض بكل المشاعر الإنسانية. المفعم بالخير ، المليء بالأمل. قال الشاعر:

إنّما الميّت ميّت الأحياءمن أضحى كسيفا باله قليل الرجاء

فالوجود الحي الإيجابي هو الذي يؤثّر و يتأثّر. المتعاون مع الآخرين على الخير.

المتجانس مع الكون. دائم الرضى و الإبتسام. ذو فطرة نقيّة كالطفل الوليد.

وجود متآلف مع الآخرين في مودّة. الوجود الذي ينشد العدل وينبذ الظلم .

ويستهويه الجمال في كلّ شيء. فإذا فقد هذه الصفات فهو وجود ميّت صنو العدم ، و إن كانت تجري في عروقه الحياة !

فكيف نصيغ هذا الفكر أولا ، لينتج لنا وجودا ثانيا، يليقان بالإنسان ؟

الحب وحده يصنع المعجزة في الحالتين.

أنا أفكر فأنا موجود ، غير مقبولة لإطلاق الفكر دون قيد ، ولإبهام الوجود دون تعريف كما أسلفنا.

أنا أحب فأنا موجود ، مقولة قديمة بلفظها ، جديدة بتفسيرها ، لكنّها أيضا غير كافية.

صفحة 3

صحيح أنّ الوجود الإنساني الحق لا يتمّ إلآّ بالمحبة ، التي يستحيل ، بدون أدواتها الفاعلة الكامنة في القلوب الحية المرهفة ، أن يكون لوجود الإنسان أي معنى. لكن ليس أي نوع من الوجود يليق بالإنسان. أنا موجود ببعدي الإنساني وليس رقما في التعداد السكاني. وجود يؤثر في الكون و يتفاعل معه. فالوجود الإنساني الحق هو الوجود الإيجابي المنتج ، الذي يملك أن يجعل الكون ربيعا في كل الفصول. إنّه الوجود الحي الذي يجعلنيأقولبثقة: أنا أحب فأنا حي !

(نلاحظ أنّ هذه المقولة تتعدّل إلى صيغتها النهائية عندما نناقش علاقة الحب بالدين ، في الفصل الثامن).

فأنا ، إن أحببت ، إستدللت بذلك على نبض الحياة في عروقي !

وإذا اتفقنا مع مقولة العقاد أنّ: (الجمال حريّة) ، فالحب هو ممارسة هذه الحريّة ومعايشتها في الواقع الحي. هو أن تمكننا أدوات تواصلنا مع الكون أن نستنشق عبير زهر البستان الجميل ، ونستمتع بالظل والنهر ، وأن يسحرنا ضوء القمر.

فالحب أن تكون لدينا القابلية بأن نعيش أبدا في الربيع ، رغم هاجرة الصيف وصقيع الشتاء ووحشة الخريف. فهو رؤية إبداعية تنير لنا آفاق الحق والخير والجمال. وعلى صعيد التجربة العملية ، نجد أنّ الحب لا يغرق في الماديّات ، بل يجرّدها إلى معان فكرية تضيف إلى حياتنا إشراقا وبهجة وسعادة.

فهو بمثابة منظار سحري نحقق برؤيته وجودنا الحق في كل مناحي الحياة. يجلي أبصارنا فتخترق حجب ضباب الحيرة الكثيف ، ونقيّم وفق معاييره الأشياء و الأشخاص والحوادث. ونتعايش مع الجميع في تناغم وتآلف مع استجابتنا لدعوته للتسامي مع رفرفة الروح الطليق من عالم الضرورات.

وهو طاقة بنّاءة ، وقوة روحية هائلة ، إذا أحسنّا توجيهها لتحقيق الخير في الأرض ، و لإحياء المشاعر في النفوس؛ كي يتميز الإنسان عن الحيوان ، ولنحقق عبره السعادة المنشودة.

الحب مفطور في نفوسنا ، و تغذيهو تنميه أدوات تفاعلنا مع العالم من حولنا ، فتبقي جذوته أبدا مشتعلة حية لا تخبو مادامت الحياة. أمّا إذا تعطّلت أدوات التفاعل والإستقبال هذه ، المتمثلة في حواسنا بالسمع والبصر ومركزها الأفئدة ، فكلّت أو عميت أو ماتت ، ضعف أو ضاع إحساسنا بالحب مؤقتا أو إلى الأبد !

ولكي نحب لابدّ من وجود الآخر ، الذي نتوق إليه ، ونتعاطف معه ، وربما يبادلنا نفس الشعور.

والآخر ، عندما نتحدّث عن الحب بمعناه الواسع ، قد يكون إلها نقدسهأو بشرا أو قيما أو وطنا أو مهنة أو إبداعا أو حيوانا أو جمادا أو أيّ شئ نال إعجابنا و ألفته أرواحنا وارتبطنا به و سعدنا معه.

فحب الله لا شك هو أسمى أنواع الحب؛ لإتصاله بالغيب والإيمان والعقائد. وتجرده التّاممن أيّ منفعة ماديّة. فحب العبد للرب سمته الخضوع والتذلل. وأدب التصوّف يذخر بتفصيل مقاماته السامية.

لكن الحب الأكثر إثارة للجدل من بين الأنواع الأخرى هو الحب بين البشر. فالبشر ، رجالا كانوا أم نساءا ، تربطنا بهم ألوان مختلفة من علاقات الحب. حب صلة الرحم والجيران والأصدقاء. ثمّ صلات تخلقها مشاركة المهنة أو الهوايات والرياضة. أو المصادفة العابرة ، كمسافر في نفس القطار ، أو في الطائرة أو في المطار. وزملاء الدراسة. علاقات مع كم هائل من البشر. ويمثّل حب الرجل للمرأة أو الزوجة قطرة في هذا البحر. كما تختلف ألوان الحب وتتنوّع بالنظر إلى طبيعة علاقتنا بهذا الآخر ، واستعدادنا النفسي للتفاعل.

فكل ألوان البشر نلتقي بهم في رحاب هذا الكون الواسع ، من مختلف الأجناس ، في مختلف الظروف ، فنتفاعل معهم . فهذه التعددية سنة من سنن خالق هذا الكون. هذه الشعوب و القبائل و الملل والنحل واللغات ، الهدف منها التعارف والتآلف في ظل المحبة الوريف.

يخاطبنا المولى في قرآنه الكريم ، خطابا عاما لكل الناس:

يا أيها الناس ، إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى ، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ، إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم الحجرات الآية: 13.

وسبيلنا إلى التعارف هو الحوار الودود ، بالحب و بالتي هي أحسن ، وليس الصراع والحرب. بل عند الإختلاف بالتدافع لإعادة التوازن ، وبناء جسور التآلف وإصلاح ذات البين ، والتعاون على البر والتقوى وحب الخير ، وإصلاح ما أتلفه الدهر. ويدفع هذا التفاعل مع الآخرين الشعور بالمساواة ، كأننا أسنان المشط. فلا تعالي أو تمايز أو كبرياء؛ فكلنا من تراب.

فما يميّزنا ويرفع درجات بعضنا فوق بعض هو اجتهادنا وكسبنا الناتج عن تقوانا؛ التي بمقدارها تشع أنوار المحبة في قلوبنا الصافية.

وهناك قلوب كبيرة ، تحمل طاقة أكبر من الحب. تعطف وتصفح على الدوام. ويستغرق حبها الأصدقاء والأعداء. فهل الحب تبع للإيمان ، يزيد معه وينقص ؟ ترى ما علاقتهما ؟ وما علاقة الحب بالأديان ؟ و أين مستودع الحب في الإنسان ؟ و بأي آلية نحس بالجمال المؤدي للإفتنان ؟ وهل إنتقاء شريك الحياة يتم اختيارا فكريّا محضا أم عاطفة خالصة ، أو مزجا بين الإثنين ؟ أم نحن مع العقاد حينما قال:

(نحن مع الأقدار ، حين نحب وحين نختار !)

وما علاقة القلب والروح والجسد ؟ وصلة الجميع بالحب والسعادة ؟

أسئلة حائرة نتيه فيها مع المفكرين.

صفحة 4

الحب والقلب

فصّلنا في كتابنا (العقل الغربي) أنّ القلب هو أداة وموضع الفكر والعاطفة معا ، وسنقتطف منه بالقدر الذي يتناسب مع هذا الفصل لبيان أهمية القلب.

وبإثباتنا ، بأوثق مصادر المعرفة ، أنّ مركز العمليات الفكرية في الإنسان ليس الدماغ أو المخ (Brain) الذي نطلق عليه مخطئين لفظ: العقل (Mind) ، و إنّما هو القلب! و ما الدماغ إلاّ مركزا عصبيا لتشغيل كل ما هو مبرمج في الإنسان ، ويعمل مع القلب في تنسيق تام ، مثال ذلك الحركة التي تريدها النفس ، فيبلغ القلب المخ ليصدر أوامره للأعضاء فتتحرك. فليس هناك وجودا فعليّا لما نسميه مجازا بالعقل! و لفظ العقل يعني الفكر والفقه والوعي والضبط والسيطرة ، من أجل جلب المنفعة و تحقيق العدل.

لفظ التعقل ورد في القرآن 49 مرة ، كفعل وليس كإسم علم ؛ إذ لا وجود فعلي للعقل، والموجود هو الفعل المتمثل في الفهم والإدراك والتعقل ، وهو ما يقوم بمهامه القلب.

ويجلي لنا الشيخ سعيد حوّى الخطأ في فهم النّاس لكلمة القلب التي ترد كثيرا في الكتاب والسنة فيبيّن: إنّ هناك قلبا محسوسا لكل الناس يشترك فيه الإنسان مع كثير من المخلوقات هو القلب الدموي ، هذا القلب الذي له وظيفة المضخة الدموية وهو مركز لقلب آخر هو مركز الأحاسيس الوجدانية ، من حب و بغض وحقد وسماحة وخوف وأمن ، وهذه القضايا كذلك محسوسة لكلّ النّاس، إذ كل النّاس يحسون بشئ من هذه المعاني في قلوبهم. هذا القلب الثاني هو محل الإيمان الذوقي، وهو محل الكفر والنفاق كذلك ، وههنا نجد أمورا محسّة عند بعض النّاس و غير محسّة عند آخرين ، فأهل الإيمان _ مثلا _ يحسّون بمعان كثيرة في قلوبهم ، لا يحس بها الكافرون لأنّ هذا الجانب في قلوبهم ميّت ، و هذا القلب المرتبط بالقلب الدموي ليس هو عين القلب الدموي ، بدليل أنّ الذين أجريت لهم عمليات نقل قلب آخر ، لم تتغير أحاسيسهم.[ثبت أنّ بعضهم تغيّرت أحاسيسهم ] .

أمّا د. محمد الشرقاوي فيقول عن ورود كلمة القلب في القرآن: بالرغم من ذكرها في حالات الإفراد والتثنية والجمع أكثر من مائة و ثلاثين مرّة ، إلاّ أنّه لم يقصد بها مطلقا الدلالة على القلب بمعناه التشريحي الطبي ، ولكن قصد بها التعبير عن جهاز إدراكي معرفي بالغ التعقيد له وظائف متشعبة ومتعددة ومتداخلة إلى حد بعيد جدا ، كما أنّ له خصائص قد انفرد بها ولم يشاركه فيها أي من الملكات الأخرى ، وأسند إليه وظيفتي: الإدراك والمعرفة والعلم ثمّ الإيمان وما يتصل به من عاطفة و وجدان و إرادة (تأملات حول وسائل الإدراك في القرآن الكريم _ص 43_ عالم الكتب ، الرياض).

وفي التفريق بين القلب الدموي والقلب الآخر يقول صاحب حاشية الجمل على تفسير الجلالين: وحيث أطلق القلب في لسان الشرع فليس المراد به الجسم الصنوبري الشكل فإنّه للبهائم و الأموات ، بل المراد به معنى آخر يسمى القلب أيضا ، وهو جسم لطيف قائم بالقلب اللحماني قيام العرض بمحلّه أو قيام الحرارة بالفحم ، وهذا القلب هو الذي يحصل منه الإدراك وترتسم فيه العلوم والمعارف.

هذا القلب ، الذي تسكن فيه النفس ، في المصطلح الشرعي يمرض و يموت ويعمى ويصم. و هذا القلب في المصطلح الشرعي مقره الصدرلا كما توهّم بعضهم مجازا ، من أنّ مقرّه الدماغ ،قال تعالى: فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور الحج: 46.فحدد مكانها في الصدور ، وهذا يكفينا يقينا إلى أن يمدنا الكشف العلمي بالتفاصيل. وما نرجحه أنّ القلب والأعصاب الملحقة به هي التي تفكر وتعقل كما سنفصّل لاحقا ؛ إذ ليس في الصدر غيره !

وبهذا التصحيح الخطير الذي يزلزل كل تاريخ الفلسفة والفكر والعلم ، نحتاج إلى تعريف جديد للإنسان في عصر العولمة ! فما عاد دقيقا أن نعرّف الإنسان بأنّه حيوان ناطق أو عاقل أو مفكر؛ ذلك لأن القلب مزج الفكر و التدبّر و التأمّل بالأحاسيس والمشاعر و العواطف . و أفرز منتجا جديدا نكهته الوجدان و مزاجه الإلهام والفراسة والذوق الصوفي. ويخضع هذا المنتج _ كسائر المنتجات _ إلى نظام تشغيل متفرد وبيئة إنتاج خاصة به. والسمة العامة للمنتج الجديدالمجاز للتسويق هي الإيمان مع تفاوت في درجات الجودة من إخبات وإنابة وتقوى و ورع و تواضع ولين. أمّا المنتج الرديء المرفوض الخاسر سمته الكفر مع تفاوت في مراحل الجحود والقسوة و التكبر والغفلة والجهل وإن كان ليس بعد الكفر ذنب.

و بذلك تسقط كلّ مقولات العقل المحض و الفكر الخالص و أصبحت الفلسفة كلّها تاريخا للسفسطة إلاّ ما انضبط بمعايير الإنتاج الجديدة وتطابق معها ! كما يسقط كل ما كتب عن الحب بوصفه عاطفة حسيّة خالصة مجردة من الفكر ، أو فكرا خالصامجرّدا من العاطفة.

( فالعقل ) ، بمعنى أداة و موضع الفكر، إنّما هو لفظ مجازي إخترعناه و لا وجود له في الحقيقة. فهناك الدماغ وهو تلافيف الأعصاب بالرأس. وهناك عمليات فكرية منفصلة عن الدماغ. فكيف تواضعنا وسلمنا أنّ الدماغ هو موضع التفكير والعمليات العقلية ؟ هذه فبركة وفي أحسن أحوالها فرضية لم يثبتها العلم. كل ما أثبته علم وظائف الأعضاء والتشريح أنّ هناك مناطق في الدماغ تؤثر في حواس الإنسان و أعصابه وحركته ، ويعمل بالتنسيق مع القلب في كل ما هو غير مبرمج. ويسيطر على ماهو مبرمج في جسم الإنسان كالتنفس التلقائي وعمل الغدد الصمّاء. و يمكن أن يستأصل جزء من الدماغ فتتعطل وظائف الجسم المسندة للجزء المستأصل ، لكن لا يموت الإنسان وتستمر عملياته الفكرية. صحيح يموت الإنسان بتوقف جذع المخ عن العمل ولو كان قلبه مازال ينبض: وهو ما يسمى بالحياة العضوية ، وقد تستمر لعدة أيام !

يقول مستشار المخ والأعصاب الدكتور مختار المهدي ، في بحثه :(ميلاد المخ) ، في ندوة الحياة والموت _ المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية _الكويت ، 1985:

(المخ هو السيد في الجسد ، وتعمل جميع الأعضاء في خدمته: يجهّز له الغذاء ويضخ له الأكسوجين عن طريق الدم الذي يضخه القلب فيحصل المخ على الطاقة اللازمة له لأداء وظائفه . وهو في مكان القيادة من الجسد وحيث تسكن الروح).

أمّا القلب ، مقر النفس ، إذا أصيب تتوقف الحياة كلها لأنه هو الذي يمد أعضاء الجسم بالغذاء والطاقة ! وهو المسؤول عن وعي الإنسان وإدراكه.

(راجع فصل {الإنسان} في كتابنا: نهاية الحكمة ، لمزيد من التفصيل).

والشائع عن القلب أنّه تلك المضخّة المركزية في جسم الإنسان لضخ الدم لسائر الأعضاء.

والخطأ الذي وقع فيه التجريبيون ( كما فصّلنا في المرجع السابق ) أن وجدوا تفاعلا لأعصاب المخ عند الفكر والشعور ، لكن تفاعل القلب يسبق تفاعل المخ ، والقلب هو الذي يرسل أوامره لخلايا المخ العصبية بعد تفاعله مع المؤثّرات الخارجية ، ويتبادل مع المخ الرسائل.

ويبينّ الله ، خالق الإنس والجن في القرآن الكريم صفات أهل النار المهيأون لدخولها: و لقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن و الإنس ، لهم قلوب لا يفقهون بها ، ولهم أعين لا يبصرون بها ، ولهم ءاذان لا يسمعون بها ، أولئك كالأنعام بل هم أضل ، أولئك هم الغافلون سورة الأعراف: 179 ، الجزء التاسع.

قلوبهم لا تفقه الحق و لا تعقله ، أي أداة الفهم والوعي والفكر _القلب_ عندهم معطلة.

و أعينهم لا تبصر الآيات الدالة على الهدى ، أي تعطلت حاسّة البصر التي تنقل للقلب.

صفحة 5

و أسماعهم لا تسمع الموعظة ، وهم صم فلا ينقل صوت الحق للقلب.

و نلاحظ أنّ هذه الأدوات: القلب أو الفؤاد ، والسمع والبصر هي أدوات التلقي والتفكر والمعرفة. فهي معطلة عندهم رغم صحتها العضوية فصاروا أضلّ من الأنعام لغفلتهم.

كما نلاحظ الإغفال التام لما نسميه العقل ، فلا وجود له ولا دور !

فالقلب في حقيقته ، بنظامه العصبي والعضلي الملحق به وحركته الدائبة الذاتية المودعة فيه يمثّل الوحدة المركزية لجمع و تحليل البيانات و المعلومات و السيطرة على الجسم . وفيه تتم كل عمليات الفكر واستعراض بديهيات الفرضيات المنطقية والمفاضلات العامّة ، وتقييم المجردات بما في ذلك العواطف و الإنفعالات والمشاعر ، وهو الذي يعقل ويفقه و يفهم و يفسّر ويستكشف ، و هو مستودع سر الحياة المعجز ، و إلاّ فكيف نفسر بعد خلقه العناية به ومدّه بالطاقة للضخ حتّى يستكمل الإنسان أجله المحدد له سلفا . ووظيفته تعادل مهام وحدة تحليل المعلومات المركزية في جهاز الحاسوب (Central Processor) بذاكرته ومقدرته التحليلية.

والوسائل التي يجمع عن طريقها البيانات والمعلومات هي الحواس و أشرفها البصر والسمع لحمة وسداة المعاني المجرّدة.

قال تعالى: أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها ، أو آذان يسمعون بها ، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور سورة الحج الآية: 46.

قال إبن كثير: أفلم يسيروا في الأرض ، أي بأبدانهم وبفكرهم أيضا ، وقال النسفي: هذا حث على السفر ، ليروا مصارع من أهلكهم الله بكفرهم ، ويشاهدوا آثارهم فيعتبروا فتكون لهم قلوب يعقلون بها أي يعقلون ما يجب أن يعقل من أسباب ما حلّ بالأمم المكذّبة من النّقم و النكال ؛ فيعرفون أنّ سبب ذلك التكذيب والشرك أو آذان يسمعون بها حقائق الوقائع فيعتبرون فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور أي ليس العمى عمى البصر ، و إنّما عمى البصيرة ، فإنّه وإن كانت القوة الباصرة سليمة ، فإنّها لا تنفذ إلى العبر، و لا تدري ما الخبر إذا كان القلب أعمى ، قال النسفي: (أي فما عميت أبصارهم عن الإبصار بل قلوبهم عن الإعتبار ..... وذكر الصدور لبيان أنّ محل العلم القلب و لئلا يقال إنّ القلب يعنى به غير هذا العضو) ويقول سعيد حوّى : القلب الذي هو محل الإيمان في الصدر ، وبينه وبين القلب الحسي صلة ، وقد دلّتنا الآية على وجوب التفكر والتدبر ، ولكنّ الكافر بدلا من أن يفكر فيعتبر فيؤمن ويتّبع ، يكذّب ويعلن عن تكذيبه بالإستهزاء.

وقال تعالى: وهو الذي أنشأ لكم السمع و الأبصار و الأفئدة ، قليلا ما تشكرون سورة المؤمنون الآية 78.

أي خلق لكم و أنعم عليكم بوسائل التفكّر والتدبّر التي تعتبرون بواسطتها بما في الكون من الآيات الدالّة على وحدانية الله ، وأنّه الفاعل المختار ، وقد خصّ الله عزّ وجل هذه الأشياء الثلاثة بالذكر لما يتعلّق بها من المنافع الدينية والدنيوية ، مما لا يتعلّق بغيرها قليلا ما تشكرون يقول سعيد حوّى: إنّكم لم تعرفوا عظم هذه النعم ، و وضعتموها في غير مواضعها ، فلم تعملوا أبصاركم و أسماعكم في آيات الله و أفعاله ، ولم تستدلوا بقلوبكم فتعرفوا المنعم و لم تشكروا له.

و قال تعالى: قل هو الذي أنشأكم ، و جعل لكم السّمع و الأبصار و الأفئدة ، قليلا ما تشكرون سورة الملك الآية 23.

قل هو الذي أنشأكم قال ابن كثير: أي: ابتدأ خلقكم بعد أن لم تكونوا شيئا مذكورا، و جعل لكم السمع و الأبصار و الأفئدة أي أدوات الفهم و الأدراك ، قال النسفي في علّة تخصيص السمع و البصر و الفؤاد بالذكر لأنها آلات العلم قليلا ما تشكرون قال سعيد حوّى: أي: تشكرون شكرا قليلا هذه النعم لأنّكم تشركون بالله و لا تخلصون له العبادة. قال ابن كثير: أي: قلّما تستعملون هذه القوى التي أنعم الله بها عليكم في طاعته و امتثال أوامره و ترك زواجره.

ولو كان للعقل وجود أو مهام ،لذكره الله في مثل هذا المقام ، حيث يحصي فيه للإنسان ما أسبغ عليه من إنعام.

قال صاحب الظلال: (و السمع و الأبصار معجزتان كبيرتان عرف عنهما بعض خواصّهما العجيبة. و الأفئدة التي يعبر بها القرآن عن قوة الإدراك والمعرفة ، معجزة أعجب و أغرب. ولم يعرف بعد عنها إلاّ القليل. و هي سر الله في هذا المخلوق الفريد.

قال تعالى: ما كذب الفؤاد ما رآى سورة النجم الآية 11. أي: ما كذب فؤادمحمد صلّى الله عليه وسلّمما رآه ببصره من صورة جبريل ، في أرجح التفاسير ، وهذا يعني: أنّه رآه بعينه، وعرفه بقلبه ، ولم يشك في ما رآه. فأسند النظر وإدراكه إلى القلب وليس إلى الدماغ. وقد يثبت علماء المسلمين، مع تطور العلم ووسائله، أنّ البصر يتم عن طريق العين والقلب مباشرة ليؤيد إعجاز القرآن الذي لا يحتاج لتأكيد.وكذلك السمع.

أمّا الأفئدة فهي الخاصيّة التي صار بها الإنسان إنسانا. وهي قوّة الإدراك و التمييز و المعرفة التي استخلف بها الإنسان في هذا الملك العريض.

وروى البخاري من حديث النعمان بن بشير _رضي الله عنه_ قوله: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: (الحلال بيّن والحرام بيّن و بينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من النّاس ، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه و عرضه ، و من وقع في الشبهات كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه ، ألا و إنّ لكل ملك حمى ألا وإنّ حمى الله محارمه ألا و إنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه و إذا فسدت فسد الجسد كلّه ألا و هي القلب.) صحيح البخاري: كتاب الإيمان.

وفي صحيح مسلم أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: (إنّ الله لا ينظر إلى صوركم و أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم و أعمالكم).

ولخطورة المهام الموكلة إليه ، صارالقلب معيارالتقييم منزلة الإنسان دون الجنس أو اللون أو الشكل أو المال، كما هو معيار لصلاح وفلاح الإنسان.

ومن المهام التي يسندها د. عجيل جاسم للقلب: (كل ما ينمي أحاسيس الإنسان و مشاعره وهواجسه ، من حب وبغض و إيثار و حسد ، وروحانية و صلافة ، وقوة وضعف ، وإيمان و كفر ، وثبات وقلق ، ويقين وشك ، ورضا وسخط ، ونور وظلمة وما إلى ذلك) طب القلوب ص 13.

وقال تعالى: أفرأيتمن اتخذ إلهه هواه و أضلّه الله على علم وختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة ، فمن يهديه من بعد الله ، أفلا تذكرون سورة الجاثية الآية 23. أفرأيت من اتخذ إلهه هواه قال إبن كثير: إنّما يأتمر بهواه ، فما رآه حسنا فعله ، وما رآه قبيحا تركه ، وقال النسفي: أي: هو مطاوع لهوى النفس ، يتّبع ما تدعوه إليه ، فكأنّه يعبده كما يعبد الرجل إلهه وأضلّه الله على علم أي: أضلّه الله لعلمه أنّه يستحق ذلك ، أو أضلّه الله بعد بلوغ العلم إليه ، و قيام الحجة عليه وختم على سمعه فلا يقبل وعظا وقلبه فلا يعتقد حقا وجعل علىبصره غشاوة فلا يبصر عبرة ، فهو لا يسمع ما ينفعه في أمر دينه ودنياه وآخرته ، ولا يعي شيئايهتدي به ، و لا يرى حجّة يستضئ بها ، و لهذا قال تعالى: فمن يهديه من بعد الله ؟ أي من بعد إضلال الله إيّاه أفلا تذكّرون ؟ فتتعظون ، فأصل الشر متابعة الهوى ، و الخير كلّه في مخالفته.

فألآية تحلل بدقة وصدق حال من لم تسعفه أدواته لتلقي المعلومات و تمحيصها عن التردّي في مهاوي الضلال. فهو بادر واختار طريقه : آمن بهواه وكفر بربه. ولو كان هناك أداة تسمى العقل يفكر بها _كما نعتقد مخطئين_ لذكرها الله خالق هذا الإنسان ، و لاستنصر بها هذا المسكين لتنير له طريق الهدى والرشاد. وهذا ينطبق على الآيات السابقة (المؤمنون و الملك) التي تفصّل الأدوات التي أنعم الله بها على الإنسان ، مبينا نعمته وإعجاز خلقه و عجائب قدرته في هذه الأدوات التي تقوم بكل عمليات الفكر والشعور دون أن يذكر من بينها ما نسميه بالعقل لأنّ هذا ليس له وجود !

أمّا الدماغ ، الذي نسميه خطأ بالعقل نسبة إلى وظيفة لا يقوم بها ، فمهمته السيطرة على أعضاء الجسم. فهو يحفظ كل المعلومات الخاصة بأجزاء الجسم وبرامج تشغيلها. و إذا تعطّل أحد هذه البرامج فمن البديهي أن تتعطّل وظيفة ذلك العضو المختص حتّى يتم إصلاح ومعالجة ذاك البرنامج.

وقيل أنّ العلم تذكر والجهل نسيان. وربمالذلكعلاقة بتباين السعة الحافظة للذاكرة. فبعضها كالآنية الغريقة السعة ، وبعضها أفطح ، وبعضها مقلوب كالصخرة التي لا تستقر عليها قطرة ماء. لكن السؤال المهم هو: أين موضع هذه الذاكرة ؟ وهل يشترك في ذلك المخ والقلب ؟ أم للقلب نصيب الأسد ؟ والأخير هو الذي ترجحه النصوص.

وورد عنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم: (إنّ مؤخر الدماغ موضع الحفظ ، والحجامة تذهبه). فهل ثبتت صحّة هذا الحديث و نسبته إليه ؟

صفحة 6

وبهذا الفهم يمكننا أن نضيف إلى تفسّير أفلا تذكرون : أفلا ترجعون إلى عهد الفطرة المركوز في ذاكرتكم الحافظة فتعالجه وتسترجع بياناته قلوبكم فتنير لكم طريق الهدى والرشاد فتتعظون و تنيبون.

وقال تعالى: أفمن يعلمأنّما أنزل إليك من ربّك الحقكمن هو أعمى ، إنّمايتذكر أولوا الألباب سورة الرعد آية 19.

يقول صاحب الأساس في التفسير: أي لا يستوي من يعلم من النّاس أنّ الذي أنزل إليك يا محمد من ربك هو الحق الذي لا شكّ فيه و لا مرية ولا لبس فيه و لا اختلاف فيه ، بل هو كلّه حق يصدّق بعضه بعضا، لا يضاد شئ منه شيئا آخر ، فأخباره كلّها حق ، وأوامره ونواهيه عدل ، لا يستوي من كان كذلك ومن هو أعمى لا يهتدي إلى خير ولا يفهمه ، ولو فهمه ماانقاد إليه ولا صدّقه ولا اتّبعه ، أفهذا كهذا ؟ لا استواء. إنّه ليس إلاّ العمى وحده هو السبب في عدم رؤية الحق). وختم الآية بقوله: إنّما يتذكر أولوا الألباب أي إنّما يتعظ ويعتبر ويعقل أصحاب أدوات الفكر السليم ، فمن لا يعقل لا يتذكر ، و من لم يتذكر فهو أعمى . وقد دلّ ذلك على أنّ الحق مركوز في اللب ، أي القلب ، كما نرجح تمشّيا مع النصوص التالية ، وهو كذلك يعني في اللغة السريانية والعبرانية، وواجهته الخارجية للتفاعل مع الأحداث: السمع والنظر، يتفاعل مع الحق ويعالج بياناته كلما أراد. فإذا نزل الوحي على القلوب السليمة طابقته بالمركوز عندها فتذكرت فأبصرت واهتدت. أمّا القلوب التي لا تتذكر فإنها وصلت إلى العمى الكامل ؛ لخلل في النظام التشغيلي الذي ينسق العمليات الفكرية الآنية في القلب وأعصابه مع المعلومات والتجارب والذكريات المركوزة فيه ، أو لفقدان المعلومات لتلف أصابها أو لعدم وجودها.

روى الإمام أحمد من جملة محاورة طويلة لليهود مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قالوا: إنّه ليس من نبي إلاّ وله ملك يأتيه بالخبر ، فأخبرنا من صاحبك ؟ قال: جبريل عليه السلام. قالوا: جبريل ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدوّنا. لو قلت ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والقطر والنبات لكان ، فأنزل الله:

قل من كان عدوّا لجبريل فإنّه نزّله على قلبك بإذن الله مصدّقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين البقرة: 97.

فمن عادى جبريل فليعلم أنّه الروح الأمين الذي نزل بالذكر الحكيم على قلب محمد صلى الله عليه وسلّم ، مصدقا لما بين يديه من الكتب المتقدمة ، وهدى لقلوب المؤمنين ، وبشرى للمؤمنين بالجنة.

فاختص القلب لأنه موضع الحفظ والفهم.

يفصّل الرسول الأكرم في الفطرة: (كل مولود يولد على الفطرة ، وأبواه يهودانه أو ينصّرانه أو يمجسانه.)

فالفطرة هي نظام تشغيل واحد لجهاز الإنسان ، موحّد ، ليس حاسوبا شخصيا (PC) أو ماك (Mac) ، بل نظام تشغيل أبدي خالد إكتملت كلّ مكوّناته فلا يحتاج إلى تطوير. لكنّه يحتاج في أيامه الأولى إلى بيئة صالحة، هي رعاية التربية ، تساعد على تثبيت نظامالتشغيل وجودةأداء كافةوحداته النسقية (Modules)، كي يضمن كفاءة عمل البرامج المستخدمة.

وتعطّل أدوات التلقي عن العمل ، أي القلب والبصر والسمع ، وهي أجهزة الفطرة ، رغم صحتها العضوية ، يرجع إلى خلل يصيب نظام التشغيل بأكمله. فمع انتكاس فطرة الإنسان تنتكس إنسانيته إلى مرتبة الحيوان ، بل أدنى منه ، ويموت معنويا رغم بقائه في سجل الأحياء !

وقال تعالى: إنّ في ذلك لذكرى لمن كان له قلب ، أو ألقى السمع وهوشهيد ق الآية 37. أي إنّ في ماذكر _ من قدرة الله في الكون ورحلة الإنسان من المنشأ إلى المصير _ لعبرة أي: تذكرة و موعظة لمن كان له قلب أي: واع ؛ لأنه من لا يعي قلبه فكأنّه لا قلب به ، أو قلب حي ؛ لأنّ القلب الميت لا يسمع عن الله أو ألقى السمع وهو شهيد أي: أو أصغى وهو حاضر الفكر والبال وإلاّ فهو في حكم الغائب غير الحاضر أو الميت غير الحي.

وقال تعالى في سورة يس: لينذر من كان حيّا ويحق القول على الكافرين آية 70.

لينذر القرآن أو الرسول صلى الله عليه وسلّم ( من كان حيّا أي عاقلا متأملا _ لأنّ الغافل كالميت _ أو حيا بالقلب ويحق القول أي وتجب كلمة العذاب على الكافرين الذين لا يتأملون وهم في حكم الأموات. قال ابن كثير: أي هو رحمة للمؤمنين وحجّة على الكافرين.

وألم يقل الشاعر:

إنّما الميت ميت الأحياء ، من أضحى: كسيفا باله قليل الرجاء !

فكيف بالذي تعطلت كل أدواته الإنسانية للتلقي !

ثمّ أصبح نهبا للفايروسات و الهكارز وشياطين الإنس و الجن !

والصورة المقابلة ، المشرقة المتفاعلة المليئة بالحياة يرويها النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه عزّ وجلّ أنه قال: (ما تقرّب إليّ عبد يبمثل ما افترضت عليه ، و لا يزال عبدييتقرّبإليّ بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي.) أخرجه البخاري ج 11 من حديث أبي هريرة.

يشرح إبن قيّم الجوزية الحديث (الروح): أخبر سبحانه أنّ تقرّب عبده منه يفيد محبته له،فإذا أحبه قرب من سمعه و بصره و يده و رجله ، فسمع به ، و أبصر به ، وبطش به ، ومشى به ، فصار قلبه كالمرآة الصافية تبدو فيها صور الحقائق على ما هي عليه ، فلا تكاد تخطئ له فراسة ، فإنّ العبد إذا أبصر بالله أبصر الأمر على ما هو عليه ، فإذا سمع بالله سمعه على ما هو عليه. و ليس هذا من علم الغيب بل علاّم الغيوب قذف الحق في قلب قريب مستبشر بنوره غير مشغول بنقوش الأباطيل و الخيالات و الوساوس ، التي تمنعه من حصول صور الحقائق فيه،و إذا غلب على القلب النور فاض على الأركان ، وبادر من القلب إلى العين ، فكشف بعين بصره بحسب ذلك النور ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم يرى أصحابه في الصلاة وهم خلفه كما يراهم أمامه.

و رآى بيت المقدس عيانا و هو بمكة.

و رآى قصور الشّام و أبواب صنعاء و مدائن كسرى و هو بالمدينة يحفر الخندق.

ورآى أمراءه بمؤتة و قد أصيبوا وهو بالمدينة.

ورآى النجاشي بالحبشة لمّا مات وهو بالمدينة ، فخرج إلى المصلّى فصلّى عليه.

و هناك الكثير من حكايات تفرّس أمير المؤمنين عمر و عثمان رضي الله عنهما ليس هنا مجالها.

ويبين القرآن الكريم و أحاديث الرسول صلّى الله عليه وسلّم أهمية القلوب و أنواعها.

فالكافرون ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم و على أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم 7 البقرة. فبها حجاب كثيف عطّل أجهزة الفطرة عن أداء مهامها فحجب نور الهدى عنها.

صفحة 7

وأطلق القرآن على القلوب الكثير من الصفات منها أنّها: لاهية وغافلة ومنكرة ومطمئنة ومؤمنة وتقية ولينة وقاسية ومريضة و سليمة ومخبتة ومنيبة وأوابة ، وذلك يدل على عظم دورها وتباين أنواعها.

ويلخص القرآن أنواع القلوب ويحصرها _ هنا_ في ثلاثة : المريضة والقاسية والمخبتة:

قال تعالى: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبّي إلاّ إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثمّ يحكم الله آياته والله عليم حكيم 52 ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض و القاسية قلوبهم، وإنّ الظالمين لفي شقاق بعيد 53 وليعلم الذين أوتوا العلم أنّه الحق من ربك ، فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم ، وإنّ الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم 54 سورة الحج.

يقول صاحب (الأساس في التفسير): وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلاّ إذا تمنى أمنية لها علاقة في هداية أمته ألقى الشيطان في أمنيته أي في محل أمنيته وهيأتباعه فينسخ ما يلقي الشيطان أي يذهب به و يبطله من قلوب المخلصين ثمّ يحكم الله آياته أي في قلوب الأتباع المخلصين ، فيثبتها و يحفظها والله عليم بما يلقي الشيطان وبغيره حكيم في وضع كل شئ في محلّه ، وهو يثبت ما يثبت في القلوب ، وينسخ ما ينسخ منها على مقتضى حكمته ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة أي محنة وابتلاء للذين في قلوبهم مرض أي شكونفاق والقاسية قلوبهم بسبب من أعمالهم وإنّ الظالمين أي المنافقين والمشركين والفاسقين لفي شقاق بعيد أي لفي خلاف بعيد عن الحق والصواب وليعلم الذين أوتوا العلم بالله و بدينه و بالآيات أنّه الحق أي أنّ القرآن حق من ربك فيؤمنوا به أي بالقرآن فتخبت له قلوبهم أي فتطمئن و إنّ الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم في كلّ شئ ، قال النسفي فيها: فيتأولون ما تشابه في الدين ، بالتأويلات الصحيحة،ويطلبون لما أشكل منه المحمل الذي تقتضيه الأصول المحكمة حتى لا تلحقهم حيرة و لا تعتريهم شبهة.

يبين الله عزّ وجلّ في هذه الآيات سنة من سننه ، أنّ هناك رغبة موجودة عند كلّ نبيّ و رسول، فكل نبيّ و رسول يتمنى أماني ضخمة في هداية أمّته ، و الأرتقاء بها إلى الله ، و لكن الشيطان يلقي في قلب كلّ فرد من أفراد الأمة إلقاءه ، وفي هذا المقام فإنّ لله سنة هي: أنّ إلقاء الشيطان يؤثر في مرضى القلوب ، وفي أصحاب القلوب القاسية ، ولكن إلقاء الشيطان لا يترتب عليه شئ في صدور الذين أوتوا العلم ، بل يتأكد عندهم بذلك أنّ وحي الله حق فيزدادون إيمانا وخشوعا تحقيقا لوعد الله عزّ وجلّ ، أن يهدي أهل الإيمان. و أن لا يجعل للشيطان على عباده المخلصين سلطانا ، أمّا غيرهم فللشيطان عليهم سلطان ، ومن ثمّ ينسخ إلقاء الشيطان في قلوب أوليائه ، ويحكم آياته بذلك ، أي يثبتها عملا بعد أن أثبتها في كتابه.

ويلاحظ سعيد حوّى من قوله تعالى: ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم أنّ إلقاء الشيطان ونفاذ أمره يحتاجان إلى مناخ ملائم ، والمناخ الملائم لألقاء الشيطان هو مرض القلب وقسوته ، وقد حمل بعض المفسرين كلمة: والقاسية قلوبهم على الكفّار، وليس لهم دليل على ذلك لأنّ قسوة القلب مرض قد يصيب المؤمنين ، والدرس الذي نستفيده من الآيات هو أنّ مادام هناك قسوة قلب ، ومرض قلب ، فللشيطان سبيل إلى فتنة الإنسان، ومن ثمّ فإنّ أول ما ينبغي أن يعالجه المربون هو مرض القلب و قسوته، و مرض القلب النفاق، وقسوة القلب مرض غير النفاق ، و لا يتخلّص الإنسان من النفاق وقسوة القلب إلاّ ببذل جهد ذاتي لذلك ، فمهما كان المربي قويا إذا لم تواته همّة المريد فلا فائدة ، ومن ثمّ فإنّ على المسلم أن يبتعد عن كلّ شئ يقسي القلب ..ككثرة الكلام الذي لا فائدة منه ، لا تكثر الكلام بغير ذكر الله فإنّ الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب ، وأبعد القلوب من الله القلب القاسي. و ككثرة الضحك فإنّها تميت القلب ، و كمجالسة أهل الدنيا بلا ضرورة ، و لابد للمسلم أن يبتعد عن كلّ أسباب النفاق من [كذب الحديث وخيانة الأمانة وخلف الوعد] و محبة الظالمين و موالاتهم ، ومودتهم ، وطاعتهم.

فأنواع القلوب تتشكّل و تتباينطبقا لأعمال أصحابها. فهي أربعة كما فصّلها الرسول صلّى الله عليه وسلّم في الحديث الذي رواه أحمد عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (القلوب أربعة : قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر ، وقلب أغلف مربوط على غلافه ، وقلب منكوس، و قلب مصفّح. فأمّا القلب الأجرد فقلب المؤمن سراجه فيه نوره ، و أمّا القلب الأغلف فقلب الكافر ، و أمّا القلب المنكوس فقلب المنافق عرف ثمّ أنكر ، وأمّا القلب المصفّح فقلب فيه إيمان و نفاق ، فمثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدّها الماء الطيّب ، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والدم ، فأي المدّتين غلبت على الأخرى غلبت عليه) _ رواهالإمام أحمد بإسناد جيد حسن.

فالقلب الأول السليم من العلل ، الحي ، فكل أدوات استقباله للمعلومات تعمل بكفاءة عالية ، العطوف اللين المتفاعل مع آيات الله في الكون ، المتجانس المتناغم معها ، المستجيب لنداء الفطرة هو قلب المؤمنين الموصوف بالتقوى. وهم الذين يهتدون بالقرآن الكريم ، ويؤمنون بالغيب: بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وجنته وناره ولقائه ويؤمنون بالحياة بعد الموت و بالبعث. ويقيمون الصلاة و يؤتون الزكاة.

والقلب الثاني المغلف هو قلب الكافر كما تقدم. والكفر هو ستر الحق بالجحود. قال ابن جرير: أخبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنّ الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها ، وإذا أغلقتها أتاها حينئذ الختم من قبل الله تعالى والطبع ، فلا يكون للإيمان إليها مسلك ، ولا للكفر عنها مخلص ، فذلك ما يعبر عنه القرآن بالختم والطبع: ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم .. البقرة الآية 7. كذلك عبّر القرآن عمّا يعتري القلوب بالزيغ والغشاوة والغلفة والران. قال مجاهد: الران أيسر من الطبع، والطبع أيسر من الإقفال، والإقفال أشدّ من ذلك كلّه. قال تعالى: فلمّا زاغوا أزاغ الله قلوبهم الصف: 5 ، فالله تعالى ختم على قلوبهم وحال بينهم وبين الهدى جزاءا وفاقا على تماديهم في الباطل و تركهم الحق.

أخرج الترمذي وغيره عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قوله: (إنّ المؤمن إذا أذنب ذنبا نكت في قلبه نكتة سوداء ، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه. وإن زاد زادت حتّى تعلو قلبه ، فذلك الران الذي [فيه] قال الله تعالى: كلاّ بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون المطففين : الآية14_ قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح. وكذلك يضل الله كلّ مسرف في عصيانه شاك في دينه مرتاب قلبه ، فقال الله فيهم في سورة غافر ، الآية 35: الذين يجادلون في آيات الله دفعا لها وإبطالا بغير سلطان أتاهم أي بغير حجة جاءتهم من الله. قال ابن كثير : أي الذين يدفعون الحق بالباطل ، ويجادلون الحجج بغير دليل وحجّة معهم من الله تعالى.

فإنّ الله عزّ وجلّ يمقت على ذلك أشد المقت فقال: كبر مقتا أي عظم بغضا جدال الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم عند الله وعند الذين آمنوا فالله يبغضهم أشد البغض ، والمؤمنون أيضا يبغضون من تكون هذه صفته كذلك أي: مثل هذا الطبع يطبع الله على كل قلب متكبر على الحق جبّار على خلق الله ، وإنّما وصف القلب بالتكبر والتجبر لأنه منبعهما. وقد بينت الآية أنّ الطبع على القلب إنّما يستحقه من اتّصف بالكبرياء والجبروت.

روى ابن أبي حاتم عن عكرمة وحكى عن الشعبي أنهما قالا: لا يكون الإنسان جبّارا حتّى يقتل نفسين ، وقال أبو عمران الجوني و قتادة : آية الجبابرة القتل بغير حق والله تعالى أعلم. أمّا صاحب الأساس في التفسير فلا يشترط القتل ليعتبر الإنسان من الجبّارين ، بل يكون جبّارا لمجرد قسوته و ظلمه بدليل الحديث: (لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتّى يكتب في الجبّارين فيصيبه ما أصابهم) رواه الترمذي وقال حديث حسن. قال النووي: (يذهب بنفسه) أي يرتفع ويتكبّر ، فقد يكون الإنسان من الجبّارين ولو لم يقتل بغير حق ، ولكن القتل بغير حق علامة من علامات الجبروت.

قال سعيد حوّى: الكفر الكاملهو ما انعدمت فيه قضية الفطرة في قلب الإنسان ، و إنّ هذاله علاماته وله حقيقته وثمراته. فمن اجتمعت له الحقيقة والثمرات والعلامات فهذا الذي لم تعد فيه بقية من الفطرة ، وهو الذي لم يعد ينفع معه إنذار. و لكون هذا لا يعلمه إلاّ الله فإننا مكلفون بالإنذار لإقامة الحجة ، أمّا الكافرون الذين لم يصلوا إلى مثل تلك الدرجة ، فهؤلاءلا زال فيشأنهم أمل أن يهتدوا بإذنالله [مصداقا لقوله تعالى]:

أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في النّاس .. الأنعام: 122.

أمّا القلب الثالث فهو قلب المنافق الذي تقدمت صفته في الحديث: إذا حدّث كذب ، و إذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان ، وزاد في بعض الروايات : وإذا خاصم فجر.وقال قتادة في نعت المنافق:(خنعالأخلاقيصدقبلسانهوينكربقلبه ويخالف بعمله ، يصبح على حال ويمسي على غيره ، ويمسي على حال ويصبح على غيره ، و يتكفّأ تكفؤ السفينة كلما هبّت ريح هبّت معها). وقال مالك: المنافق في عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هو الزنديق اليوم.

ولأنّ قلب المنافق عرف ثمّ أنكر فليس فيه أمل للتوبة أو الإنابة ، قال تعالى في حقّهم:

مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلمّا أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون 17 صم بكم عمي فهم لا يرجعون 18 سورة البقرة.

و أمّا القلب الرابع في الحديث الشريف لا زال فيه أمل ، وذلك إذا أصبح مدد الإيمان أكثر من مدد النفاق ، وذلك بالإقبال على الأعمال الصالحة وترك السيئآت و خلطة أهل الباطل ، كما ورد في التفسير.

ويفرّق ابن القيّم (في كتابه الروح) بين صبر القلب و قسوته كحالات عارضة أو ملازمة للقلب . فالفرق ، أنّ الصبر : خلق كسبي يتخلّق به العبد ، وهو حبس النفس عن الجزع والهلع والتشكّي ، فيحبس النفس عن التسخّط واللسان عن الشكوى والجوارح عمّا لا ينبغي فعله ، وهو ثبات القلب على الأحكام القدرية والشرعية. وأمّا القسوة: فيبس في القلب يمنعه من الانفعال و غلظة تمنعه من التأثّر بالنوازل ، فلا يتأثّر لغلظته وقساوته لا لصبره واحتماله.

وحسب انفعالها وحالاتها القلوب عنده ثلاثة: قلب قاس غليظ بمنزلة اليد اليابسة. وقلب مائع. وقلب رقيق جدّا. فالأول لا ينفعل بمنزلة الحجر ، والثاني بمنزلة الماء وكلاهما ناقص. و أصح القلوب: القلب الرقيق ، الصافي الصلب ، فهو يرى الحق من الباطل بصفائه ، ويقبله ويؤثره برقته ، ويحفظه و يحارب عدوّه بصلابته. وفي الأثر: القلوب آنية الله في أرضه ، فأحبّها إليه أرقّها و أصلبها و أصفاها، وهذا هو القلب الزجاجي ، فإنّ الزجاجة جمعت الأوصاف الثلاثة. وأبغض القلوب إلى الله القلب القاسي ، قال تعالى:

فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله الزمر:22. وقال تعالى:

ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم الحج: 53.

فذكر حال القلبين المنحرفين عن الاعتدال هذا بمرضه وهذا بقسوته ، وجعل إلقاء الشيطان فتنة لأصحاب هذين القلبين ورحمة لأصحاب القلب الثالث ، وهو القلب الصافي الذي ميّز بين إلقاء الشيطان و إلقاء الملك بصفائه وقبل الحق بإخباته ورقته ، وحارب النفوس المبطلة بصلابته وقوّته ، فقال تعالى عقيب ذلك: و ليعلم الذين أوتوا العلم أنّه الحق من ربّك ، فيؤمنوا به ، فتخبت له قلوبهم ، وإنّ الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم الحج: 54.

فحديث الرسول صلّى الله عليه وسلّم قسّم القلوب إلى أربعة حسب مصيرها في الآخرة لتفاوت درجات الإيمان فيها ، وابن القيم قسّم القلوب إلى ثلاثة حسب حالاتها الإنفعالية ، فلا تعارض بين هذه التقسيمات ؛ فالقلب المؤمن في الحديثهو القلب الصافي ، وقلب الكافر هو القلب القاسي الغليظ اليابس كوصف القرآن لقلوب بني إسرائيل: ثمّ قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشدّ قسوة البقرة: 74. والقلب المائع هو قلب الجبان الذي تفرّق عليه همه وإرادته وفكره الذييزن به الأمور، الإمّعة التابع الذي ليس له قرار وحزم ، فهو يمكن أن يندرج في الأنواع الواردة في الحديث حسب درجة ميوعته.

كما يمكن تقسيم القلوب من عدة نواحي،(د. سيد محمد ساداتي : القلب في القرآن)

دون تعارض مع الحديث: باعتبار أصحابها تبعا لدرجاتهم في الإيمان ودركاتهم في الكفر والنفاق ، كما جاء في الحديث ،باعتبار حالها من صحة وسقم وحياة وموت وقسوة وهو مقارب لتقسيم الحديث الشريف،باعتبار صفاتها من السلامة والطمأنينة و التآلف والوجل والإخبات والإنابة والطهارة والثبات والخشوع والتقوى والسكينة واللين والرأفة والرحمة وما هو ضد هذه الصفات ،باعتبار لونها تبعا لحالها من السلامة والمرض والموت وهما لونان قلوب بيضاء بسبب الطاعات ، وقلوب سوداء بسبب المعاصي: فالمكنونات التي أعطت القلوب ألوانها البيضاء والسوداء هي بذاتها التي أعطت الوجوه أنوارها وظلامها: يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ، فأمّا الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون آل عمران: 106 وأمّا الذين ابيضّت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون آل عمران: 107. باعتبار تأثّرها بالحق فإما تستجيب وتزداد إيمانا و تصديقا وإمّا تزداد في عماها وتفتن وتكفر وتجحد ،

باعتبار آثارها من صحة العلم والقصد والعمل والمسارعة في الخيرات أو الإنكار والإعراض واتباع الهوى والفساد في البر والبحر ،وكل هذه التقسيمات تدور في فلك الأنواع الأربعة التي ذكرها الحديث الشريف ولكن بمزيد من التفصيل.

يتبين لنا مما سبق خطورة وسمو وجلال وعظمة القلب في النشاط الإنساني. فهو مشغول بعظائم الأمور ، ولا يمثّل الحب ، أي حب المرأة ، _ مع سعتة _ إلاّ النذر اليسير . ومع شرف المكان ، وامتزاج العاطفة بالفكر فيما نسميه الوجدان _ وهو المعنى الخاص الذي أسقطناه على الوجدان في هذا الكتاب لتفسير مقولتنا _تضاءل دور الجنس في حياة الإنسان،و تأكد أن تضخيم دوره ، وتفسير الحياةعبره ، إنتكاس بالإنسان إلى مرتبة الحيوان. لذلك حفل التاريخ بعظماء ، جهلنا قدرهم ، لم يتسع وقتهم للزواج. فهم لم يخالفوا سنة الإسلام، وفاضت قلوبهم بالحب ، لكن شغلهم ترتيب الأولويات ، فلم يجدوا فسحة من الزمن ، وإنّما الأعمال بالنيّات. بل وذمّ البعض الهوى ، أي حب المرأة ، باعتباره أسمى أهداف الحياة. وعندالبعض الآخر لا بد أن يملأ القلب حب الرحمن ، وليس فيه بعد حبه مكان. لكن من العدل أن يعطى كل ذي حق حقه. أليس الله هو الذي جعل المودة والرحمة بين الأزواج ؟ وأنّ الزوجة الصالحة هي أكبر نعمة في الدنيا بعد تقوى الله عزّ وجل ؟ و أليس في بضع أحدنا صدقة ؟ ولست مع القائل:

وما ذرفت دموعي في الهوى سفها لفيء خلّ ولا تذكار جيران

لكن لذكر ذنوبليتها محيت بعفو ربّ وغفران وإحسان

فمن كمال الحب أن يذرف الدمع في الحالين ، فمن لم يذرف الدمع في الأولى يستعصي عليه في الثانية ؛ فمن فيض محبة الله محبة الكون بما فيه ومن فيه. وتفصيل ذلك في الحديث عن (الحب والدين).

صفحة 8

الحب والمرأة

الحب ، كما يؤكد الأستاذ محمد قطب ، هو بنية النفس الحيّة السوية التي تعيش متجاوبة مع حقيقة الوجود.

وهو ، كما رأينا في الفصل السابق ، حب شامل لكل الوجود بما في ذلك علاقة الإنسان بالله و بالكون والحياة وكل البشرية.

ويمثل حب المرأة قطرة في بحر الحب الزاخر في هذا الكون. وحتّى المرأة قد تكون أمّا أو أختا أو قريبة ، وقد تكون زوجة أو حبيبة. وقد تختلط الأدوار وتتعقّد ، لكن المرأة تخضع لنفس موازين علاقتنا بالآخر.

والحب لا يصنع ولكنه يولد . ينبت عفو الخاطر في بئة طبيعية . كزهور بريّة ، كقدر من أقدار الله ، ككلّ ظواهره الكونية.

يقول نبي الإسلام محمد عليه أفضل الصلاة والسلام:

(الأرواح جنود مجنّدة ، ما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف).

فالحب طاقة يمكن أن تقاس ، إذا تمّ التواصل بالنظر أو السمع ، لتكتمل الدائرة الكهرومغنطيسية ، فتسجل القلوب مقدار التآلف ودرجة التنافر.

والإحساس به نوع من الفراسة يقوى مع زيادة الإيمان وشفافية الروح.

وهذه الآلية ليست حكرا على حب المرأة وحدها وإنّما لكل أنواع الحب بمعناه الواسع.

أمّا إذا حصرنا أنفسنا في حب المرأة بوصفها حبيبة ، فهذا النوع من الحب لا يخضع للمنطق. وهو أشبه بالتجربة الصوفية ، يتعذر وصفه بالكلمات ولكن تسهل معايشته بالتجربة. و ألوانه متعددة ومتباينة في تمايز كألوان الطيف. وهو عطاء بلا حدود ، دون توقع أي مردود.

ولسنا بصدد تقصّي أحواله ومراتبه وأنواعه ، أو طرح آراء الفلاسفة فيه ، ولكن يكفي لموضوع الكتاب ، الإشارة إليه كعاطفة إيجابيّة في شحذ الهمم لطلب المعالي ، وسمو النفس لتقديس رب الجمال.

وما أجمل ما قاله الشعراء في وصف آثاره دون تحديد كنهه:

يابلبلا يقتات من أضلعي لو أحرم الدنيا وتبقى معي

ما لذّة العمر إذا مالم تكن قربي وفي عينيك من أدمعي

(أبيات لشاعر مجهول).

وأوّل إحساس به يتم فجأة دون توقع ، ودون تصنّع:

ما كان خطر بالبال ألقاك و افوز بتقديرك

أو حين أراك تختال أهواك ويسكرني تعبيرك

(فنان الغنائي السوداني: عبد الدافع عثمان).

فالذي يجذب الحبيب ليس بالضرورة جمال المحبوب ، و إنّما تعلّق الأرواح.

فعندما يتم التعارف في اللقاء الأول ترفع الكلفة ، كأنّه كانت هناك علاقة قديمة في عالم آخر:

كأنّنا من قبل كنّا معا في مسبح الأرواح والأنجم

يجمعنا دون الورى خافق أبقى رجاءا من هوى موهم

(الشاعر المجهول يشير إلى رأي أفلاطون في: مأدبة الحب).

صفحة 9

ومهما حاولنا لن نجيد وصف الحب؛ لأننا ببساطة عاجزين عن فك طلاسمه. ذلك لعدم خضوعه لقواعد المنطق كما أسلفنا. ولولا اختلاف النظر لبارت السلع ، كما يقول المثل الشائع. فالأبيض قد يحب الأسود أو الأصفر أو الأسمر أو الأحمر أو الأبيض. وكل لون يصلح أن يقال عليه ما قيل عن الألوان الأخرى.

وقد يتعقّد الأمر عندما يكون الحب من جانب واحد ، ويبلغ التعقيد درجة الجنون كما قال الأعشى:

علّقتها عرضا وعلّقت رجلا غيري وعلّق أخرى غيرها الرجل

علّقتها عرضا وعلّقت رجلا غيري وعلّق أخرى غيرها الرجل

و علّقته فتاة ما يحاولها و من بني عمّها ميت بها وهل

وعلّقتني أخيرى ما تلائمني فاجتمع الحب حب كله تبل

فكلنا مغرم يهذي بصاحبه ناء ودان و مخبول و مختبل

وقد يكون الحب مسببا للحزن الأليم حين لا يكون فيه أمل ولا رجاء ، كما يصوره الدكتور إبراهيم ناجي في الأطلال:

ياحبيبي كل شئ بقضاء ما بأيدينا خلقنا تعساء

ربّما تجمعنا أقدارنا ذات يوم بعد ما عزّ اللقاء

فإذا أنكر خلّ خلّه و تلاقينا لقاء الغرباء

ومضى كلّ إلى غايته لا تقل شئنا إنّ الحظ شاء!

و رغم أنّ الحب خاطر عفوي ، لكنه يقيني الدلالة و الأثر. نحاول أن نبدده بمنطق العقل ومقتضى الحال لكنّه لا يرحل. فيتسامى من أحسّ بوادر هذا الميل و التجانس ، فيطرد هذا الشعور ولا يستجيب له. وربماعفّلعلّة مانعة: كفارق العمر أو الثقافة والتعليم. أو عدم الإمكانات الماديّة التي تحول دون تحقيق أهدافه. أو عدم الإستعداد النفسي ، أو عدم الرغبة في الزواج أو تعدد الزوجات. أو حتّى إحترام النفس وعزّتها قد تعادي الحب وترفض الرضوخ إليه ، كما قال الشاعر السوداني العباسي:

وقد سلى القلب عن سلمى وجارتها و ربّما كنت أدعوه فيعصيني

يا بنت عشرين و الأيّام مقبلة ماذا تريدين من موعود خمسين

قد كان لي فيك قبل هذا اليوم هوى أطيعه و حديث ذو أفانين

أمّا اليوم فلا وألف لا ! فهو لا ينقاد لهوى يذلّه ، فيطيح باحترام نفسه ومكانته. وعزمه في مقاومة الحب راسخ كالجبال. وهو لا يرضى إلاّ أن يذكر بمكارم الأخلاق وطلب المعالي ليزدان الدهر بسيرته كما ازدان بسيرة آبائه الغر الميامين:

ألقى بصدري جسام الحادثات ولي عزم أصد به ما قد يلاقيني

ولست أرضى من الدنيا وإن عظمت إلاّ الذي بجميل الذكر يرضيني

وكيف أقبل أسباب الهوان ولي آباء صدق من الغرّ الميامين

النازلين على حكم العلا أبدا من زينوا الدهر منهم أي تزيين

فهل تحاز مكارم الأخلاق إلاّ بالتقوىوالإيمان ؟ ففضيلة الحياء من الله الذي يرانا و لا نراه تمدنا بعزيمة كالجبال فلا تؤثر فينا لحاظ الحسان. فتسلاهم القلوب رغمميلها المفطور فيها إليهن. فالمشاعر التي غمرها حسنهن تسامت تأدبا وعفة واحتراما للذات.

أمّا من قاوم الحبّ وصدّاه بإرادته ، أو لظروف حالت دون إرادته ، ولم يصبر عليه ، فهو إلى القنوط والتعاسة واليأس صائر ، وهو حائر وفي دروب الجنون سائر كما عبّر المجنون:

فوالله ما في القرب لي منك راحة ولا البعد يسليني ولا أنا صابر

و والله ما أدري بأية حيلة وأي مرام أو خطار أخاطر

وقال أيضا:

كأنّ فؤادي في مخالب طائر إذا ذكرت ليلى يشد به قبضا

كأنّ فجاج الأرض حلقة خاتم عليّ فما تزداد طولا ولاعرضا

والحب العضال يمتزج بكره الحال ولكنه قدر لا شفاء منه:

فيارب إذ صيّرت ليلى هي المنى فزنّي بعينيها كما زنتها ليا

و إلاّ فبغّضها إليّ وأهلها فإني بليلى قد لقيت الدواهيا

لكنّ المحب أسير عاجز لا مشيئة له و إن ظنّ غير ذلك كما يقول جميل:

ألا قاتل الله الهوى كيف قادني كما قيد مغلول اليدين أسير

وينفي جميل أن يكون الحب ضربا من الجنون والسحر:

يقولون مسحور يجن بذكرها فأقسم مابي من جنون ولا سحر

ويفرق المجنون بين الحب والسحر بلطافة:

هي السحر إلاّ إنّ للسحر رقية وإنّي لا ألقى لها الدهر راقيا

ويرى العقاد أنّ أصدق وصف للحب: أنه مزيج من الجنون والسحر.

نعم أنت الرحيق لنا وأنت النور و العطر

وأنت السحر مقتدرا وهل غير الهوى سحر؟

(هل [الحب] إلاّ جنون يعتقل العقل ويهزأ بالحذر ويطير مع الأهواء ، فإن ثقلت عليه النهى ازاحها عن عاتقه ومضى لطيته ؟ألا يعرف العاشق ما يوبقه ولكنّه لا يحيد عنه ، ويبصر ما يشفيه وهو يأبى أن يذوقه؟ وهل العشق المبرح إلاّ أن يغطي على السمع والبصر، وأن تنفث النفثة التي لا ينجع فيها طب طبيب ، ولا نشرة عرّاف ، فإذا بالفريسة المغلولة مأخوذة بين يديه كما يؤخذ المسحور إلى حيث أراد الساحر. وكما يثب الوسنان من وساده على غير هدى ، وهو المفيق الخادر والنائم السّاهر؟) (العقاد: الفصول ، دار الكتاب العربي ، الطبعة الثانية ، القاهرة، 1967).

وقديما أنشدنا إبن زريق البغدادي وحيدته ، عندما سافر من بغداد إلى الأندلس طلبا للرزق ، وترك زوجته وحيدة وقضى في بلاد الإغتراب:

ودّعني و بودّي لو يودّعني صفو الحياة وأنّي لا أودّعه

وكم تشبّث بي يوم الرحيل ضحى و أدمعي مستهلّات و أدمعه

لا أكذب الله،ثوب الصبر منخرق عنّي بفرقته ، لكن أرقّعه

رزقت ملكا فلم أحسن سياسته وكلّ من لايسوس الملك يخلعه

ومن غدا لابسا ثوب النعيم بلا شكر عليه ، فإنّ الله ينزعه

والحرص على الأرزاق والأرزاق قد قسمت بغي ألا إنّ بغي المرء يصرعه

عسى الليالي التي أضنت بفرقتنا جسمي ، ستجمعني يوما وتجمعه

وإن تغل أحدا منّا منيته فما الذي بقضاء الله يصنعه؟!

فهو مازال يرقع ثوب الصبر الذي تتزايد ثقوبه ، فكأنّهيكفكف دموعه الحرّى دون أن يسمع لبكائه صوت ، حتّى لقي ربّه ، ووجدت هذه الأبيات في ثيابه ، فمنحته الخلود ! وترك رسالة لكلّ من يود الإغتراب طلبا للرزق وحرصا عليه ، رغم توفر بعض أسبابه في موطنه ، وسط أهله ، وإن كانت مستترة عنه. وهو ما يذكّرنا بهدي المصطفى _ صلوات الله وسلامه عليه _ في طلب الرزق: (أجملوا في الطلب !) أي بالإيمان الكامل بأنّ كلّ نفس تستكمل رزقها قبل مماتها ، ثمّ لا يكون طلب الرزق هوانا أو تضحية بالقيم والمثل ، أو تشتيتا لأسرة ، أو تفريطا في رعاية الوالدين. فهذه هي المملكة الحقيقية ، الغنية بثروةالحب الطائلة ، التي يجب الحفاظ عليها بالحكمة والسياسة الرشيدة.

ألا رحم الله إبن زريق المبدع المؤمن كيف وسّع أفق مملكته الصغيرة إلى آفاق السياسة والحكم! فقد خالف أساسي الحكم : العدل والشورى! لام نفسه لأنّه لم يستمعلمشورة زوجتهالتي تضرعت إليه باكيةبالرضىبالرزق المتاحوعدم الإغتراب. وظلمها بحرمانه لها من قربه والعيش معها.

وقد شبّه الأستاذ محمد قطب التطور والثبات في حياة البشر بالصورة والإطار (الإنسان بين الماديّة و الإسلام):

فالإطار الثابت في مجال الحكم _ مثلا _ إقامة العدل ، والصورة المتغيرة هي كيفية الشورى . فحكمة الإسلام أنّه جاء ملبيا لفطرة الإنسان ، فوضع خطوطا عريضة ولم يضع التفصيلات.وضع الإطار الذييريد للبشريّة أن تتطور في حدوده. وترك وضع الصورة فيه للأجيال المتعاقبة حسب ما يناسبها من ظروف ماديّة وملكات إنتاجيّة وقدرات. بشرط أن تكون الصورة على قدر الإطار. لا أكبر منه فيتحطّم ، و لا أصغر منه فيبدو حولها الفراغ.

وإطار الحياة الزوجية هو المودة والرحمة والسكن فلا يخلع أحدهما لباس الآخر إلاّ في حالة الطوارئ والضرورة القصوى و أبغض الحلال. وطلب الرزق ليس ضرورة قصوى. إنّه الصورة المتغيرة. أي عمل يناسب ظروف البيئة والوجود وما يتوفر للإنسان من ملكات ، يكفي أن يحقق به استكمال الرزق قبل الممات. فالأرزاق مقدرة سلفا ، وعلينا أن نجمل في الطلب. فلا نكسر الإطار الثابت من أجل الصورة المتغيرة.

غفر الله لابن زريق ، فقد ترك لنا في إبداعه علما ننتفع به ، وجمعه وأهله في جنان الخلد !

صفحة 10

الحب والجنس

الحب مشاعر روحانية تصدر عن النفس الفاضلة.

والجنس شهوة جسمانية ألصق بطبيعة الغريزة الفطريّة.

والثقافة الغربية تزيل الفوارق بين الحب والجنس تدريجيا لتجعلهما شيئا واحدا ومترادفان لنفس المعنى وترجمة لكلمة (Love). فالحب تعبير عن الإنفعال بهوالحب أيضا ممارسة للجنس. وشاع إستخدام كلمة (Sex) لإسم جنس الرجل أو المرأة.

ورغم تداخل مشاعر الحب وغريزة الجنس فالفرق بينهما شاسع. لكن اختلط الأمر علينا ، فعندما يغرينا جمال الجسد، نظن واهمين أننا نسعى لنيل الحب ، بينما في حقيقة الأمر نلبّي شهوة الغريزة الفطرية.

وقد لعب الشعر والغناء الهابط دورا سالبا في إفساد الذوق العام أولا ، وفي خلط المفهومين ثانيا ، في الغرب والشرق على السواء.

ومنشأ التداخل بين الحب والجنس هو طبيعة الإنسان المزدوجة نفسها ، فهو مكوّن من قبضة طين ونفخة روح ، في كيان واحد ، تجعله فريدا متميزا.فلا هو حيوان تقهره ضرورة الجنس، ولا هو ملاك يحلق مرفرفا لا يثقله الجسد. فهو يملك أن يتسامى ويصبح روحا خالصة ويترهبن،أو يملك أن ينحدر في متعه الحسيّة نهما لا يشبع من طعام أو شراب أو جنس ، لكنّه في حالتيه لا يكون إنسانا سويا. فتوازن عنصريه يكسبه ميزة الإنسان.

فهو حين يأكل أو يشرب أو يمارس الجنس لا يفعلذلك كطريقة الحيوان منفلتا من كلّ قيد ، بل يخضع لنظام.

لذلك ، بحكم تركيبته المزدوجة ، يشترك الجسم والنفس في الإحساس بعاطفة الحب ، لكنّها للروح أقرب.

قال الألوسي: (والذي عليه جمهور الأمة سلفا وخلفا أنّ النفس – وهي الروح الأمرية -: جسم لطيف جدّا ألطف من الضوء عند القائل بجسميته ، والنفس الحيوانية مركب لها، وهي سارية في البدن نحو سريان ماء الورد في الورد، والنار في الفحم ، وسريان السيال الكهربائي عند القائل به في الأجسام ، والأدلّة على جسميتها كثيرة ، وقد استوفاها الشيخ ابن القيّم في كتاب الروح وأتى فيه بالعجب).

ويعلق الأستاذ سعيد حوّى (الأساس في التفسير) على ما قاله الألوسي: (هذا نموذج من كلام علمائنا الأقدمين على التفريق بين الحياة والروح ، فالجنين قبل نفخ الروح فيه حيّ ، وبعد نفخ الروح فيه تصبح شخصيته مستقلة فيها حياة ولها روح ، والإنسان بعد وفاته قد تبقى بعض أجزائه حيّة إلى أمد ولكن لا روح فيها).

والأرجح أنّ الروح مكانها جذع المخ ، وهي التي تسيطر على كل ما هو مبرمج في جسم الإنسان مثل الحياة في النبات والحيوان.

وأنّ النفس مكانها القلب ، وهي التي تسيطر على ما هو غير مبرمج في الإنسان من أفكار ومشاعر وأفعال ، و ما ليس تحت سيطرة الشفرات أو الكود الوراثي.

وهناكتنسيق مكثف بين المخ والقلب لما تقوم به الروح والنفس. فمثلا الحركة إرادة في النفس ، تبعث بها للمخ ، فيعطي أوامره للجهاز الحركي فتتحرّك الأعضاء.

(راجع فصل ‘الإنسان’ في كتابنا {نهاية الحكمة} للتفرقة فيما توصّل إليه العلم في مسألة النفس والروح).

والحب الصادق هو الذي ينسى فيه المحب جمال المحبوب.

والحب الذي يليق بالإنسان هو ما وصفه القرآن بالسكن والمودة والرحمة:

ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها، وجعل بينكم مودة ورحمة الروم: 21.