eKtab
EN ع
الحب فوق سطح مرمرة
اقرأ عينة مجانية

الحب فوق سطح مرمرة

بقلم مها عبود باعشن

صفحة 1
مقدمة

بقلم: محمد البعلبكي

نقيب الصحافة اللبنانية

"تمتّع من شميم عرار نجد بما بعد العشيّة من عرار" شميم ينعش الأرواح، ويغذي العقول، ويبعث في قلوب الآدميين حبّ العطاء، يهبّ علينا من مطلّ الحرمين الشريفين، رافعاً راية السلام، حاملاً رسالة الخير والحق والجمال.

كتاب جديد للأديبة المميّزة مها عبود باعشن "الحب فوق سطح مرمرة"، رواية إنسانية بعيدة المرامي، تصوّر الحياة، لا كما هي، بل كما يجب أن تكون. لا للعنف، لا للظلم، لا للقتل والتعذيب... إذ لا خلاص لهذا العالم الغارق اليوم في الموبقات إلّا عن طريق السلام، السلام الذي يصنع المعجزات.

في الكتاب قصص كثيرة، مشاهد من الشرق والغرب، وأوصاف دقيقة تضع النقاط على الحروف، وتصوّر الإنسان مترجّحاً بين الخير والشر على دروب الحياة.

هذا أدب ملتزم يرفع شعار العدالة الإنسانية، ويعطي كل ذي حقٍّ حقَّه في حياة حرّة كريمة. ما أجمل الإنسان يتعايش مع أخيه الإنسان، مهما اختلفت الديانات والطبقات واللغات والأجناس... لأننا نعيش فوق كوكب واحد، كوكب مفتوح، أصبح بالتكنولوجيا الحديثة عالماً واحداً، على الرغم من اختلاف العادات والتقاليد بين مجتمع وآخر.

"الحب فوق سطح مرمرة" أترك للقارئ العزيز أن يقلّب صفحاته على مهل، أن يتابع الأحداث المشوّقة على هواه، وأكتفي بالقول إنّه الرسالة التي تضع القيم الإنسانية على المحك، وهي تتساءل: ألا يجدر بالفلسطينيين والإسرائيليين أن يتقاسموا الأرض؟ لماذا لا نتعاون على إيقاف المجازر والحروب؟ إلى متى تستمر الحرب؟ إلى متى يتربى العنف في دماء الأطفال، ويصبحون بلا شفقة أو قلب؟ ما ذنبهم وهم أطفال؟ ما ذنبهم وهم يقتلون خطأ ويغرقون في الدماء؟

"الحب فوق سطح مرمرة" بقلم مها عبود باعشن، وأسلوبها الجميل الساحر، كتاب جليل يغني المكتبة العربية، ويعطي الرواية طابعاً خاصّاً وزخاً قوياً. والقصّة فيه كناية عن وعاء أنيق تراكمت فيه المشاهد والصور، ورقّت العواطف الإنسانية لتبلغ ذروة العطاء، وتعالت أصوات الخير توقظ الضمائر وتقف في صف المستضعفين من عباد الله عزّ وجل. بالخير يعبّر الإنسان عن ذاته، بالمحبة يحتضن أخاه الإنسان: معاً يكملان الطريق. والإنسان هو الإنسان في كل زمان ومكان. في غزّة وفي تل أبيب، وفي كل مجاهل الأرض...

"الحب فوق سطح مرمرة" كتاب يستحق كبرى جوائز السلام في وضح النهار.
صفحة 2
المقدمة

دائماً أقدارنا يتوشّحها الغموضُ؛ ففي كل يوم يبعث القدر إلينا بما هو مكتوب على الرغم من أنَّ الأقدار مليئة بالقصص المختلفة، المحزن منها والمفرح. الغريب منها والعجيب! المختلط بين السعادة والألم، وأحياناً بين صراع البقاء والمرض، لكن، كل تلك القصص تظل قصصاً في ذاكرة أبطالها الذين يعيشون ويكابدون مرارة الحياة بحلوها ومرّها فمرة تقهرهم الظروف، وأخرى يقهرونها.

هذه هي الحياة، بكل تفاصيلها وليلها ونهارها وساعاتها وثوانيها وصولاً حتى اللحظة الأخيرة.

فمن قصص القدر ينسج الخيال رواياته ليربطها بالواقع مكوِّناً قصصاً جديدة وأبطالاً نتتبع مصيرهم.... نحبهم أو نكرههم، نتعاطف معهم أو نتحامل عليهم.

هؤلاء هم الأبطال في هذه الرواية "الحب فوق سطح مرمرة" التي سنسرد تفاصيلها منذ لحظتها الأولى، حيث تحتشد الأحداث السياسية والإنسانية والاجتماعية وحتى العاطفية، لتشكل دعماً قوياً للسلام في العالم.

وفي الختام أحبّ أن أهدي هذا العمل الروائي إلى كل من يدعم السلام، وفي مقدمتهم خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز (ملك الإنسانية)، وكذلك إلى رئيس جمهورية تركيا السيد عبدالله غل ورئيس الحكومة التركية السيد رجب طيب أردوغان، وإلى كل من شارك في أسطول الحرية الذي توجّه لفك الحصار عن غزة، وأيضاً إلى قرائي، وإلى جائزة نوبل العالمية، وكل من يدعو للسلام وينادي به...

انطلقت صافرة الأحداث في هذه الرواية في الفترة الممتدة بين العامين 1324/1922 للميلاد، من البلاد التي كانت عاصمة للخلافة العثمانية؛ إنها تركيا ذات المعالم الإسلامية والعثمانية القيِّمة، أرض الجمال والأصالة والطبيعة الساحرة، وتحديداً من هضبة الأناضول، حيث توجد قرية ريفية صغيرة في محيط مدينة أضنه التي تعيش فيها عائلة حيدر وزوجته وأبناؤه والذين هم من أصول تركمانية.

فهذه الأسرة المؤلفة من اثنين من الأبناء وبنت واحدة، لديها الكثير من العادات والتقاليد الاجتماعية الموروثة التي على الرغم من أن الكثير منها تلاشى مع تطور الأجيال، وتغير الحياة والاختلاط بأعراق مختلفة فإنهم لا يزالون متمسكين بها كونها تعتبر جزءاً من انتمائهم وثقافتهم وهويتهم.

تعيش الأسرة في مزرعة متوسطة المساحة، وفي جزء منها قام الأب بإنشاء مبنى بسيط يحتوي على مطعم متصل بمتحف صغير الحجم يحتوي على بعض الأنتيكات القديمة وبعض التحف المتوارثة من الأجداد والقبيلة، الهدف منه أن يشرح للسائحين تاريخ الشعوب التركمانية وعاداتها، إضافةً إلى طريقة حياتهم وملابسهم....

عندما كبر الأبناء تولت ابنتهم نارفين مهمة الإشراف على المتحف وممتلكاته وسرد المعلومات على الزوار والسائحين، ولقد كانت تتسم بالشجاعة والقوة والفروسية كما هي عادات التركمان القديمة.

وذات صباح، كان الطقس الشتوي جميلاً وممطراً، وكان عليها الإسراع أكثر فأكثر، لأن هناك فوجاً سياحياً قادماً لزيارة المتحف، والتعرّف على الأكلات الشعبية القديمة التي يتميّز بها المطعم.

وحال وصولها، بدأت بفتح الأبواب لاستقبالهم، لكنها لم تر المرشد السياحي الذي تعرفه فاستغربت! فبحثت عنه بعينيها حتى اقترب منها شاب لم تره من قبل، فوقف أمامها وأومأ برأسه قليلاً إلى الأسفل، واضعاً يده اليمنى على ناحية صدره الأيسر وقال متبسماً:
صفحة 3
ـ أنا زاهر سليمان المرشد السياحي الجديد.

ـ أهلاً بك، ثم أكملت، أنت تعرف التحية التركمانية، وهذا يدل على أنك دقيق جداً في معرفتك لتقاليد الشعوب.

ـ صحيح. فأنا أقرأ الكثير في كتب التاريخ وأبحث في تاريخ الشعوب وعاداتهم.

فنظرت إليه وهي تمشي بين مقتنيات المتحف، وقالت:

ـ إن تاريخنا مليء بالعادات الجميلة وأبرزها مكانة المرأة وتقديرها في المجتمع التركماني.

ثم وقفت قليلاً وأضافت: الآن سأشرح للسائحين عن مقتنيات المتحف، فأخذت تحكي عن تاريخ التركمان وأصولهم وأماكن تواجدهم ولغتهم، و... حتى اقتربت من ركن صغير. فسألتها سائحة وهي تتأمل قميصاً أحمر وخاتماً مشيرة بيدها، ماذا يقصد به؟ وهل اللون الأحمر هو رمز لشيء؟

أجابت نارفين: إن من عادات الزواج القديمة عند أمراء التركمان والأبطال والعائلات الغنية والمتحابة، أن تخطب لأبنائها منذ الولادة؛ فالشاب يضع خاتم خطبة في إصبع الفتاة، والفتاة، بدورها، تقدم قميصاً لونه أحمر شرط أن تخيطه بيدها ليرتديه الشاب عند الزواج. ومن عاداتهم أيضاً أن تطلب عائلة الفتاة مهراً من عائلة الشاب، وأثناء الزّفاف كان هناك تقليد رمي السهام على خاتم العريس من قبل الأصدقاء، الذي كان عليه أن يحدد مكان ليلة الدخلة بواسطة رمي السهم، وكان أمراء التركمان وأبطالهم يقترنون بفتيات فارسات ومحاربات يركبن الخيل ويتقلّدن السّيف أسوة بهم، وهذا ما دفع أحد السائحين الفرنسيين الذي زار الأناضول في القرن الخامس عشر لأن يكتب عن مدى استغرابه من شجاعة النساء ومكانتهن المميزة عند رجال التركمان.

ثم اتجهت بخطوات قليلة نحو اليمين وأشارت بيدها إلى سرير هزاز لطفل صغير وقالت: هذا السرير يعود إلى عائلة من أمراء التركمان الذين كانوا يستخدمونه لكلّ الأطفال حديثي الولادة في الأسرة، والذين كانت تشرف على رعايتهم مربية تهز لهم السرير عند بكائهم.

وكان وجود فتاة في العائلة لا يعتبر عاراً كما كان لدى العرب، بحيث إنهم كانوا يقولون: «إن حق الأم هو حق الله».

تابعت نارفين الشرح، وبعد الانتهاء، توجه الجميع إلى المطعم لتناول طعام الغداء، وعادت هي إلى المتحف وبقيت بمفردها في ركنها الصغير وهي تحتسي الشاي وتفكر في الشبه الواضح بين المرشد الجديد زاهر سليمان وشخص آخر تعرفه، لكنها وضعت الشاي جانباً، وعادت إلى المطعم. وبعد انتهاء الزوار من تناول الطعام، غادر الجميع بعد أن قاموا بتوديعها وأثنوا على حسن استقبالها وسردها للمعلومات.

من جهته قال لها زاهر: أراك في القريب.

وبعد أن انتهت من مهمة الوفد الزائر جلست قليلاً، ثم تنبّهت إلى صوت والدتها التي جاءت منادية، وهي تقول: إن والدك لا يريد تناول الغداء من دونك، وقد تأخر عليه الوقت، فتعالي واجلسي معنا.

التفّ الجميع من حول المائدة، وكان الأب حيدر يحكي عن يومه الروتيني في العمل، وكيف أن الحياة تغيرت كثيراً، وأن الناس اختلفوا في تفكيرهم وأحوالهم وحتى في أذواقهم، ولم يعد للأشياء القديمة أهمية تذكر....

لقد أصبح الجميع متطلبين دوماً لكل ما هو جديد.

وتأكيداً على كلام والده، قال الأخ الأكبر: صحيح يا أبي إنَّ الحياة اختلفت، وإن الناس يهاجرون، أو يبعثون بأبنائهم إلى المدن الكبرى للعمل أو التعليم؛ فأنا أرى ذلك كل يوم، أثناء متابعتي لعملي في إصلاح السيارات والباصات داخل المحطة. لا أحد الآن يريد البقاء في المهن الحرفية يا أبي إلا القليل مثلي مع أن هذه المهنة ليست بالأمر السهل، لكنها ممتعة بالنسبة لي، ولا أعتبرها عيباً في حقي.

فنظر إليه أخوه معلقاً على كلامه: يعجبني حبك واقتناعك بما تعمل، ثم يكمل: كلُّ شيء تغيّر في الواقع، حتى أن أكثر العائلات التي تسكن هنا لم يبقَ لديها ملامح عن الطابع القديم سوى قلّة منهم؛ فالملابس تغيرت والمفاهيم اختلفت، وأصبح الكل يريد التمدن والتحضر حتى لو لم يتمكنوا من الرحيل إلى مكان أخر.. فالكل يطالب بالجديد، حتى الأطفال لم يعودوا راضين بألعابهم التقليدية، بل أصبحوا يطالبون بالدراجات وألعاب أخرى..

فقالت الأم حكمت: رحلت الأيام الجميلة، ورحل معها التاريخ وعصر الفروسية الذي كان من أهم ما يميز التركمان، لكن أهل القرية لا يزالون بخير.

واستمر النقاش مطولاً، باستثناء نارفين التي التزمت الصّمت، وبعد أن افترق الجميع، قال لها والدها:

ـ كنت بعيدة عن النقاش، ومشغولة الفكر، لماذا؟

ـ لا شيء معيّناً يا أبي.
صفحة 4
ـ إذاً.. هناك شيء محدد، أخبريني، فأنا أشعر أنك حزينة اليوم، هل أزعجك أحد الزوار؟

ـ اليوم لم يأت المرشد القديم، لقد ترك العمل وانتقل إلى فرصة عمل جيدة خارج تركيا. هذا ما أخبرني به المرشد الجديد زاهر سليمان الذي تفاجأت به.

نظر الأب مستغرباً!

فقالت: هناك شبه بينهما على الرغم من أنه ليس تفصيلياً لكنه بالشكل العام فقط.

ـ هل هذا الشبه يمثل لك شيئاً؟

فنظرت إليه بصمت ثم قالت:

ـ لا شيء.

ـ أنا أتفهم موقفك وتفكيرك، لكن يا ابنتي، من عاش بيننا، وقرر الرحيل فقد انتهى.

ـ أنت محق يا أبي.

ومضت الأيام على وتيرة واحدة ولحقتها الشهور، وكلُُّ مشغول بعمله اليومي.

وفي زيارة غير معتادة، جاء المرشد السياحي زاهر سليمان بقصد التحدث في أمر تم طرحه على نارفين أكثر من مرة، ولم يلق جواباً بالرفض أو بالقبول.

وبعد أن ألقى عليها التحية، ورحّبت به... نظر إليها قائلاً:

ـ لا أزال أنتظر، ولم أفهم سبب تأجيلك للموضوع.

ـ أردت أن أعطي لنفسي الوقت الكافي في التفكير، فالحياة في اسطنبول، بالتأكيد، ستكون مختلفة عن هنا... هي بالنسبة لي مخاطرة ومغامرة قد لا أتحمل نتائجها..

فقال لها: أنت لست أول من رحل إلى اسطنبول.. فلماذا الخوف؟

ثم أضاف:

ـ لا تخافي من شيء، فأنا إلى جانبك.. أنت أعطني الموافقة فقط حتى أتمكن من التحدّث إلى والدك وطلب يدك منه بشكل رسمي..

ـ أنا لا أنكر إعجابي بشخصيتك وارتياحي وثقتي بك.

أجاب بسعادة: هذا يكفيني، وسأترك الأيام تعلمك محبتي.

اتفق الاثنان ووافق الأب وكبار العائلة وحددوا موعد الخطوبة ثم الزواج، وطوال تلك الأيام كانت نارفين تتخيل شكل حياتها في تلك المدينة التي لا تعرف عنها سوى أنها مدينة تاريخية عظيمة.

والآن جاء الوقت، وجاء معه العريس وأهله بالهدايا، وانتهت مراسم الزواج التقليدية التي ملأت القرية وقلوب ساكنيها بالسعادة والفرح.

وغادر الزوجان بعد عدة أيام قضوها مع الأهل متوجهين إلى اسطنبول الساحرة.

وبعد وصولهما، أعجبت نارفين كثيراً بجمال البناء المعماري وروعته، وأخذت تجول بنظرها سريعاً نحو كل شيء متسائلةً... فوعدها زاهر بأن يأخذها كل يوم إلى مكان محدّد، وسيبدأ ذلك من صباح الغد... أما الآن فسيتوجهان إلى زيارة والده سليمان.

كان الوالد رجلاً مسالماً وعملياً، عمل في عدة شركات، ثم استقر به الحال للعمل مديراً للمبيعات في إحدى الشركات المعروفة.

كان يمضي معظم وقته مع ابنه، كما حرص على توفير الحياة الكريمة والتعليم الجيد له، وحرص أكثر أن يكون له بمثابة الأم والأب معاً، لأنه عانى نفسياً من فقدان والدته في عمر الثانية عشرة.

وصل الزوجان إلى منزل الأب الذي رحّب بهما، ثم راح يتحدث عن جمال الزواج التقليدي وعن مدى رقي زوجة ابنه، وحسن استقبال أهلها له ولباقي الأسرة، فشكرته نارفين على حسن إطرائه الذي أسعدها.. وفي نهاية الزيارة، توجّها إلى منزلهما الجديد المتواجد في منطقة تكسيم. وعند وصولهما أمام البناية، أعجبت نارفين بالبناء والألوان الخارجية. وعند دخولها الشقة نظرت إلى زوجها وقالت:
صفحة 5
ـ لم أتخيل أن أعيش في يوم من الأيام على أرض مساحتها بهذا الحجم الصغير والمغلق.

فرد عليها زاهر مبتسماً:

ـ هذه طبيعة الحياة في المدن التي تتصف ببيوتها وشققها الصغيرة، ما عدا المناطق الفارهة جداً التي تكثر فيها القصور الفاخرة المطلة على مضيق البوسفور وروعته..

ـ يشعرني المكان بأنني محاصرة بين جدرانه، وبأن خطواتي أكبر من حجمه... أشعر بأن حرية روحي وانطلاقتها بين الشمس والمساحات الخضراء والهواء النقي، ستختنق هنا. حتى الفرس ومتحفي الصغير... سيصبحان ذكرى تتلاشى.. إن كل هذا جزء منّي، لكننا افترقنا الآن. ماذا أفعل!! أعتقد أن الحياة هنا فيها تفاصيل مهمة لم أفكر فيها... أنظر إلي.. أشعر بأني مختلفة، حتى في شكلي وملابسي..

أجاب بهدوء: أنت على حق، لكن هذا أمر عادي يحدث لكل شخص يأتي إلى هنا لأول مرة. لا تقلقي، سأظل معك وإلى جانبك كي تتعرفي على طبيعة الحياة هنا إنني أعتقد أنك ستتأقلمين معها، فأنت ذكية جداً ولن تحتاجي إلى وقت طويل.

مر اليوم بسلام.. وجاء أول صباح لها في اسطنبول...

لقد كان صباحاً مختلفاً وجميلاً.. توجه فيه الزوجان لزيارة المعالم والآثار السياحية، فكان اليوم الأول لزيارة المتحف الشهير «آيا صوفيا» الذي كان كنيسة ثمّ تحوّل إلى مسجد، والذي يقع في منطقة السلطان أحمد مقابل الجامع الأزرق.

أما الأيام التي تلته فكانت موزّعة بين قصر السلطان «دولما باشا» الذي يطل على مضيق البوسفور بالقرب من حي «أرطاكوي»، وقصر «طوب كابي صراي» الذي يقع في منطقة السلطان أحمد.

أما «الجامع الأزرق» فإنه يقع في منطقة السلطان أحمد مقابل متحف «آيا صوفيا»، بينما يقع «جامع سلطان أيوب» والد أيوب الأنصاري وحديقة «يلدز» في منطقة جنكيا يلدز، بعدها السوق المغطى «كبالي جارشي» الذي يقع في منطقة بايزيت السلطان أحمد.

ولم ينسوا تناول الشاي التركي مع الكعك الخاص خلال تجوالهم بين الأماكن..

وفي اليوم الأخير قرر زاهر أن يصطحب نارفين إلى أشهر شارع في اسطنبول، والمسمى بشارع «الاستقلال».

اندهشت نارفين، وتعجبت من شدة الازدحام في هذا الشارع فقالت إنها لم تتخيل يوماً، أن تكون بين هذه الكمية من البشر، وبمثل هذا العدد..

ضحك زاهر وقال: الآن سنتجول فيه. ثم أكمل: هذا الشارع يا نارفين لا تدخله عربات أو سيارات، إنه مخصص للمشاة فقط، وهو يعتبر نقطة لانطلاق مشروع التعريب الذي بدأ في عهد السلطان «عبدالمجيد» حيث زاره الرحالة الفرنسي «جيرار دي نيرفال» عام 1843م، الذي قال: إنه ليس في حاجة إلى مترجم حتى يدخل شارع الاستقلال لأن الكل هناك يتحدث الفرنسية.

يقدّر عدد زوار الشارع يومياً بحوالى ثلاثة ملايين شخص، ويبلغ طوله حوالى ثلاثة كيلومترات، وهو يحتوي على العديد من المباني الأثرية ومحلات الملابس والمعارض والمطاعم والمكتبات وأماكن التسلية، بالإضافة إلى العديد من القنصليات مثل القنصليات الأميركية والفرنسية واليونانية والبريطانية..

نال التعب منهما وهما يسيران، فقررا الجلوس في أحد المطاعم..

ومع غروب ذلك اليوم.. انتهت إجازة زاهر، وأصبح عليه أن يعود إلى العمل، لكنه ظل يفكر بوحدة نارفين، فقرر أن يستعين بصديقة قديمة تدعى جيلان كانت جارة لعائلته في البناية التي سكنها والداه منذ زواجهما، ولا تزال شقتها في مقابل شقتهم.

هذه الجارة حنون وطيبة، أكملت تعليمها الثانوي، ولم تتمكن من إكمال دراستها الجامعية لأنها كانت في حاجة ماسة إلى إيجاد عمل حتى تتمكن من المساهمة في علاج والدها المصاب بفشل كلوي.

وبعد وفاة والدها لم يبق لها غير والدتها التي توفيت هي أيضاً بعد زواج الابنة بثماني سنوات.

لكن حياتها الزوجية لم تستمر، فقررت الطلاق بسلام، على الرغم من أن الأمر لم يكن سهلاً عليها، إلا أنها اجتازت الأزمة بمساعدة نفسها والآخرين بنجاح، فتمكنت بعد ذلك من بناء حياة جديدة خاصة بها، فعملت على تكريس وقتها في العمل فتكوّنت لديها خبرة كافية وكفاءة عالية، فعينت مديرة إحدى دور الأزياء النسائية المشهورة، فاستقرّت حياتها أكثر.

وبعد أن تحدث زاهر مع جارتهم جيلان وافقت بكل سعادة، فشكرها ثم أخبر زوجته التي رحبت بالفكرة.

وفي عشاء مسائي في منزل والده، تم التعارف بينهما وكذلك استمر الحديث، فقالت الجارة لجيلان: أنا سعيدة جداً بمعرفتك.
صفحة 6
لقد حدثني زاهر كثيراً عنك، وكنت أتمنى حضور الزفاف والتعرف عليكم وعلى عاداتكم الجميلة ومشاركتكم هذا اليوم الخاص، لكن للأسف لم أتمكن من طلب إجازة في هذا التاريخ. فقد كان لدينا تحضيرات هامة في دار الأزياء استعداداً لإطلاق المجموعة الجديدة الخاصة بملابس الزفاف. لقد كان عرض أزياء مميزاً، وقد غطت وسائل الإعلام العرض، وكان الحضور من مختلف الدول.

فنظرت إليها نارفين قائلة: بالتأكيد حضورك كان سيسعدنا، ولكن أعطني وعداً بأنك ستقبلين دعوتي نيابة عن أهلي لتزوري منطقتنا وتتعرفي على الجميع.

ابتسمت جيلان وقالت: بالتأكيد هذا يشرفني.

ثم أكملت، وهي تنظر إلى زاهر: كنت أتمنى أن تراك والدتك في يوم زفافك، ليتها بيننا الآن.

الأب: كم تمنيت ذلك... لكن دعونا نطلب له الرحمة لها.

أضاف زاهر موجّهاً الحديث إلى جيلان: لقد كنت بمثابة أم لي.

فضحكت قائلة: وكم صبرت عليك وعلى مشاغباتك التي تتفنن في فعلها.

فقاطعها سليمان قائلاً: أتذكرين عندما أصبح لديه أربع أسنان، وحاول أن يكسر لعبة صغيرة بأسنانه، وغضب منك عندما أخذت اللعبة من بين يديه، فوثب على كتفك الأيسر وعضّه بشدة.. ولم يتوقف حتى صرختِ.

فعلق زاهر: لقد أخبرت نارفين بأني كنت طفلاً مسالماً وهادئ الطباع.. فلا تجعلوها تخاف..

وضحك الجميع وأمضوا وقتاً ممتعاً.... وقبل المغادرة تم تحديد الموعد بين جيلان ونارفين.

بداية، كان على نارفين أن تشترى ملابس مناسبة لحياتها الجديدة، وأن تختار لشعرها قصَّة حديثة، وتتعرف على أماكن المجمعات والمحلات والمطاعم المشهورة وأنواع الأكلات الجديدة وأسماء الأماكن السكنية والتسويقية والشوارع والأماكن السياحية... وفكرت في الالتحاق بمكتب متخصّص في تعليم قيادة السيارات والحصول على رخصة.

ولم تنس جيلان أيضاً أن تلفت نظرها إلى كيفية استخدام جهاز الصراف الآلي.

كان كل شي جديداً ومشوقاً بالنسبة إلى نارفين، فكانت تتعلم وكأنها طفلة صغيرة، لكنها كانت تخاف من استخدام السلم الكهربائي والمباني الشاهقة، فتضحك من نفسها نظراً لشدّة خوفها.

لقد أخذ كل هذا الجهد وقتاً غير قصير من الصديقتين.. لكن الجميل أن صداقتها ازدادت مع جيلان التي اعتبرتها بمثابة أم لها، خصوصاً أنها لا تنجب.

وذات مرة اقترحت جيلان على نارفين أن تشترك في نادٍ رياضي حتى تتمكن من تكوين صداقات تخصها؛ فهناك ستجد مجتمعاً آخر، فوافقت نارفين مرحبة. ثم اقترحت عليها أيضاً، اسم نادٍ للفروسية يمكنها أن تكون واحدة من بين أعضائه ومرتاديه.

وبعد فترة من الزمن شعرت نارفين بأنها قد تأقلمت وأحبت الحياة في مدينة اسطنبول فأصبحت أكثر جرأة وثقة بالنفس وسعادة بمحيط عالمها الجديد.

استقرت الأمور هادئة مرة وعاصفة أخرى بينها وبين زوجها؛ وفي عام 1977م أنجبت مولودهما الأول أرسلان فانشغلت به وبتفاصيل حياته الجميلة والصغيرة حتى قررت وضعه في روضة صغيرة للأطفال قرب المنزل، وكان عمره حينها ثلاث سنوات.

ثم في عام 1982م رزقا بمولودهما الثاني، وقرّرا تسميته تحسين. وكانا في عام 1981م قد رزقا بمولودة فرحا بها كثيراً وقررا تسميتها روجين.

انشغلت الأم مع أبنائها كثيراً، فأصبحوا المحور الأساسي لها في الحياة هم ووالدهم لكن.. وبعد مرور تلك الفترة الزمنية، تمكنت الأم من تكوين صداقات جيدة بالإضافة إلى صداقاتها الاجتماعية المشتركة هي وزوجها.
صفحة 7
ولقد كانت تربطهم علاقة صداقة مع عائلة مقربة جداً منهم تدعى بعائلة د.ضياء فخري. هذه العائلة لها ابنة تدعى إنجي وهي في مثل عمر ابنتهما روجين، وكانت صديقة لها منذ الطفولة.

كانت الأم ربة منزل، أما د. ضياء فكان أستاذاً جامعياً، وكاتباً صحافياً في جريدة محلية، وبعد عدة سنوات جاءته فرصة عمل كمحاضر جامعي متخصص في علم الاجتماع السياسي في جامعة السوربون في فرنسا، فقرر السفر مع عائلته إلى هناك. لكن هذا لم يمنع التواصل في ما بينهم فكانوا يزورون بعضهم بعضاً، ويمضون أوقاتاً جميلة.

وكثيراً ما كانت روجين منذ صغرها تذهب إلى الدراسة الصيفية في فرنسا، وهذا ما منحها عالماً واسعاً من الأصدقاء من مختلف الأجناس والديانات. أما صديقتها إنجي، فكانت تحب المجيء في فصل الشتاء خصوصاً لزيارة مدينة بورصا.

عندما استقرّ الأهل في مدينة باريس كان الوضع جديداً عليهم، والحياة هناك مختلفة، لكنهم تأقلموا وسكنوا في مبنى مؤلف من خمس طبقات في منطقة سان جرمان. وفي الليلة الثانية لهم في منزلهم الجديد، وفي حوالى الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، فجأة شعر الأب بدوار وتعب، ولم تعرف الزوجة من شدة الخوف على زوجها كيف تتصرف؛ فهم حديثو العيش في فرنسا، فاستنجدت بجيران لهم في الطبقة ذاتها، وطلبت المساعدة، فبادروا إلى حمل الزوج إلى المستشفى، وبعد أن اطمأنوا على صحته وتأكدوا بأنه تعب عارض، عادوا جميعاً إلى المنزل.

لم تكن عائلة د. ضياء تعرف شيئاً عن جيرانها، لكن اتضح لهم فيما بعد أن جيرانهم هم عائلة فرنسية من أصول إسرائيلية تدعي عائلة د. جيراد بن يمين، ولديها ابنة واحده تدعي راحيل.

لقد كانت علاقتهم مع جميع جيرانهم جيدة، وكذلك مع د.جيراد الذي كان يعمل طبيباً نفسياً مثقفاً، ومهتماً بالقراءة في كتب التاريخ والأديان، وله مبدأ ينتهجه في حياته ويعلمه لابنته، وهو أن جميع الرسالات السماوية والرسل، منزلون ومرسلون بأمر من الله؛ فعلينا التعايش مع بعضنا بعضاً من دون عنصرية؛ فالإنسانية ليست حصراً في دين واحد أو جنس واحد، أو عرق واحد.

ومع مرور الأيام.. ازدادت روابط الصداقة بين عائلة د.ضياء، وعائلة د.جيراد وأصبح الجميع يتشاركون في فكر واحد وهو، أن الدين ليس عائقاً أمام التعارف والتعايش والتسامح والمحبة الخالصة لله.

هذه الأواصر التى قامت بين الأسرتين، جعلتهما يبنيان صداقة فيتبادلون اللقاءات مع أسرة زاهر سليمان كلما جاؤوا إلى فرنسا لزيارة عائلة د.ضياء. وفي المقابل، زارت أسرة د.جيراد أسرة زاهر سليمان في اسطنبول أكثر من مرة. وهذا التواصل عمل على تقوية علاقات الصداقة بين روجين وإنجي وراحيل منذ الصغر.

مرت عدة سنوات، وفي عام 2009م حدث القصف الصهيوني على مدينة غزة، واستنكر هذا الهجوم كل محبي الإنسانية والسلام في العالم. وبالمصادفة كانت روجين أثناء ذلك في فرنسا، في زيارة إلى عائلة د.ضياء. وعند المساء التأم الشّمل لمتابعة الأخبار، وكذلك حضرت عائلة د. جيراد الذي استنكر هذا الهجوم بشدة، وقال: على الرغم من حبي لبلدي إسرائيل إلا أني لا أريد أن تحدث هذه الحروب والهجمات، أتمنى إنهاء الحرب على هذه الأرض لأن من حق الجميع العيش بأمن وسلام. فأنا لا أحب القهر والظلم. لا أحب قتل الأبرياء، ولا أحب مشاهدة دموع الأطفال وصرخات الرعب..

فشاركه الجميع رأيه هذا... ثم أضاف: أريد أن أحكي لكم قصة قديمة.

في إحدى زياراتي العملية إلى تل أبيب، وبعد أن أمضيت بعض الوقت في منزل أهلي للاطمئنان عليهم، تعمدت أن آخذ ابنتي البالغة من العمر عشر سنوات، وتجولت وإيّاها في شوارع يافا وغزة، ثم دخلنا إحدى المستشفيات، فوجدت رجلاً في عمرالسبعينيات تقريباً، قد أنهكه التعب والمرض، فاقتربت منه وسألته: كم عمرك؟

فرد بحسرة: اثنتا عشرة سنة.

فسمعت صوت راحيل وهي تردد: اثنتا عشرة سنة!! كيف؟
صفحة 8
فنظر إليّ الرجل متابعاً: اثنتا عشرة سنة، هي كل حظي من السعادة، حين كنت بين عائلتي وأهلي وأصدقائي ومدرستي وأرضي..، وبقيت على هذا العمر منذ أن طردت من بيتي بسبب الاحتلال الإسرائيلي. أما باقي العمر فلن أحسبه حتى يتوفاني الله؛ فأنا أشعر بأنى مجرد رقم غير هام يعيش في الحياة، لأن سنوات عمري ماتت بعد كل تلك الأحداث المؤلمة.

تأثر الجميع لما سمعوا.. ثم سأله الدكتور ضياء: وماذا فعلت؟

أجاب الدكتور جيراد: بعد أن شعرت بضغط راحيل على يدي استأذنت من الرجل وذهبنا.

ثم أكملت راحيل وهي تنظر إليهم: لن أنسى ملامح ذاك الرجل، ولن أنسى ذلك اليوم، لن أنساه أبداً، لقد ظل مطبوعاً في وجداني، وعلى الرغم من صغر سني شعرت أن الحرب وفقدان الأهل أسوأ شيء في الحياة. لقد تربّى هذا الإحساس في داخلي، فكلما أتخيل أني قد أكون في وضع مشابه لهؤلاء الأطفال، وأفقد أسرتي، كنت أخاف وأبكي. وبقيت على هذه الحال؛ ومع كل يوم جديد كان حبي للسلام وكرهي للعنصرية والظلم والحروب يزداد أكثر فأكثر...

ثم أكملت: لقد تعمد أبي أن يزرع في داخلي هذا الإحساس، ويعلمني أن الحب هو أن أحب إنسانية الإنسان، وليس دينه وعرقه ولونه.

فقالت روجين موجهة حديثها إلى عائلة د.جيراد: إن أكثر ما أحببناه في عائلتكم أنا وعائلتي هو الإنسانية والتعايش مع الآخر.

أجابت زوجة د. ضياء: أنت محقة يا روجين، فهذا ما لاحظناه من أول يوم طلبنا فيه مساعدتهم بعد الله.

فعلقت زوجة د.جيراد قائلة: إن ما فعلناه واجب تحتمه الإنسانية.

فقالت إنجي: وأنا أيضاً أشارك أهلى وصديقتي روجين الرأي، وأكبر دليل على ذلك أننا ومنذ الصغر أنا، وهي وراحيل أصبحنا كالأخوات.

وتابع الجميع النقاش..

وبعد أيام قررت مجموعة من اليهود المناهضين للعنصرية والعنف، أن يقيموا تظاهرة في قلب العاصمة الفرنسية باريس تنادي بالسلام وإنهاء الاعتداءت والمجازر على قطاع غزة.

هذه التظاهرة شاركت فيها روجين وإنجي، مع راحيل وأبيها.

لكن على الرغم من أن التظاهرات سلمية إلا أن الأمر لا يخلو من المشاكل والفتن.

مضى شهر تقريباً على الاعتداء الصهيوني، وفي أحد الأيام كانت راحيل وإنجي و روجين، يتناولن إفطار الصباح في مقهى دو ماجو الباريسي، فاشترت راحيل إحدى الصحف وبدأت في تصفّحها فشد انتباهها مقال بعنوان «يا يهود العالم، ناضلوا ضد الصهيونية!» للكاتب ديكيل أفشالوم، إسرائيل الخميس: 25 يونيو 2009م.

كان محتوى المقال يتضمّن الحقيقة التالية وهي: "أن اليهود العاديين داخل إسرائيل، وخصوصاً خارجها، ليست لديهم أية علاقة مع المجزرة التي ارتكبت. كما أنه ليست لديهم أية علاقة بهذه الصهيونية. لكنهم ما داموا يواصلون دعم الدولة الإسرائيلية والحركة الصهيونية التي أدت إلى نشوئها، فإن المشاعر المعادية للسامية التي يؤججها الخلط بين الهمجية الصهيونية وبين الشعب اليهودي بأسره، ستستمر، معرضة حياة العديد من اليهود الأبرياء للخطر».

فعلق الجميع على المقال.

ثم نظرت روجين إلى راحيل وقالت: أنا مسلمة، وأتفق مع الكاتب في هذا المقال، فكل كلمة كتبها هي حقيقة.

أجابتها راحيل: إن أرواحنا وإنسانيتنا تعبت من الظلم والاتهام والخوف والعنصرية.

أضافت إنجي متسائلةً: ألم يحن الوقت ليحيا العالم في سلام؟

ثم تابعن النقاش وتبادل الآراء.

وبعد عدة أيام، حان الوقت لعودة روجين إلى اسطنبول، فحزمت أمتعتها وتوجهت إلى مطار شارل ديغول بعد أن ودعت الجميع.
صفحة 9
وفي تركيا

وصلت روجين إلى اسطنبول، بعد إجازة طويلة استمرت لأكثر من شهرين؛ فهذه الإجازة كانت مختلفة عن غيرها لأنها كانت بهدف الراحة بعد مشوار دراسي وجامعي طويل، لأنّ الحصول على درجة الماجستير ليس بالأمر اليسير.

وكان في استقبال روجين في المطار صديقتها تولان توركيش، التي احتضنتها قائلة لها: حمداً لله على سلامتك، اشتقت إليك .

روجين: وأنا أيضاً، أخبريني عنك؟

تولان: بل أنت من يجب أن تخبرني عما حدث في فرنسا بالتفصيل، كيف استطعتِ الخوض في تلك التظاهرة؟

- سأخبرك فيما بعد، لكن دعينا نذهب الآن إلى المنزل لمقابلة أهلي، ثم نمضي بقية الوقت مع بعضنا.

- موافقة.

وعند وصولهما استقبلها الجميع بترحيب، ثم تناولوا معها الحديث عن التظاهرات التي حدثت في باريس.

فقالت لها والدتها: لا أحب فيك هذا الاندفاع، ألا تخافين من إقحام نفسك في تلك المشاكل؟

- أرجوك يا أمي، لقد عاتبتني بما فيه الكفاية وأنا في باريس.

الوالد متدخّلاً: وستظل تعاتبك حتى تنسى الموضوع، ولن تنساه بسهولة أبداً.

تولان: معهم حق يا روجين، لقد خفنا عليك.

ثم أضافت الأم بغضب وانفعال: ألم تفكري بنا لو حدث لك مكروه وأنت هناك؟

روجين: أرجوكم، فلنوقف الحديث في هذا الموضوع، فأنا مرهقة من السفر.

تدخّل الأب، موجهاً حديثه إلى والدتها: فلندعها ترتاح الآن يا نارفين.

فشكرتهم روجين، قائلة: سأمضي بعض الوقت مع تولين في غرفتي، وعند حضور إخواني وجدي وجيلان، سآتي للجلوس معاً، وبالتأكيد لم أنسَ إحضار الهدايا المميزة لكم.

فضحك الأب معلقاً على كلامها، وقال: تريدين مراضاتنا.

فوقفت روجين، وذهبت لتقبيلهم، ثم توجهت مع تولان إلى غرفتها.

وعند دخولها الغرفة، قالت: اشتقت إلى غرفتي كثيراً.

أجابتها تولان: هذه المرة أمضيت وقتاً طويلاً في باريس.

- صحيح، لكن الهجوم على غزة كدر راحتي.

- لا أفهم مدى حبك وإصرارك في الخوض في الأمور السياسية؟ ألا ترين بأنها لا تناسبك؟

فأنت لا تعيشين كأي فتاة من أسرة غنية، كل وقتك بين الكتب والصحف والجمعيات والأنشطة الخيرية، والآن انظري ماذا فعلت؟

- أجابت: تعيدين كلام أمي وأبي، نحن اتفقنا أن نتحدث في مواضع أخرى فأتمنى أن نغير الموضوع.

تولان: دائماً عنيدة حتى في النقاش الذي لا يعجبك، ثم تابعت قائلة :

أخبرني كيف هي أخبار إنجي وراحيل وأهلهما.
صفحة 10
- بخير، كل واحدة منهنّ مشغولة بتحضير أعمالها.

- وأخبار الحب معهم؟

- كما تعلمين إنجي يجذبها الجمال قبل الشخصية، وراحيل مترددة في علاقتها مع خطيبها.

- لقد اشتقت إليهما، فمنذ مدة لم أرهما.

- قد تأتي إنجي وعائلتها إلى هنا، لكني لا أعلم تحديداً متى.

ثم تابعت الحديث بسؤال قائلة: والآن دورك، حدثيني عنك.

تولان: أنا بخير، وقتي كله مشغول في صالون التجميل النسائي، ومتابعة كل جديد لإرضاء الزبونات.

ثم تابعت مؤكدةً، لكننى لم أنسَ حياتي الاجتماعية واليومية، فبين ذهابي إلى الصالون والنادي الرياضي وسهراتي الاجتماعية، أشعر بأني أركض خلف الوقت لإيقافه قليلاً.

سألتها روجين وهي مبتسمة: وعن الحب؟

- لا أحد.

- أعرف بأنَّ سؤالي يسبب إحراجاً لك لكنك صديقتي منذ المرحلة الثانوية.

- تسألين عن أخيك أرسلان؟

- على الرغم من أنها ليست المرة الأولى التي أسألك فيها، لكن أشعر بأنك لم تنسي حبه بعد.

- حاولت لكنّي لم أستطع.

- صدقيني يا تولان، أنا أعرف أخي أكثر منك، وهو ليس في تفكيره أي علاقة جدية تنتهي بالزواج، ولا أريد أن تتعذبي وتبني آمالاً غير واقعية.

- لم أبنِ شيئاً يا روجين، فأنت تعلمين بأني لم ألفت نظره يوماً.

- أنت لم تحاولي.

- لم أتمكن لأن نظرته إليّ كنظرته إليك، دائماً ما شعرت بذلك.

- أنت صديقتي، وأتمنى لك الأفضل، إن أرسلان لا يناسبك، لكن ليس معنى هذا أن تقتنعي بكلامي.

أنت تحبينه، ويجب أن تحاربي من أجل هذا الحب حتى تكسبي ثقته وقلبه، وإن لم تتمكني وفضّلتِ الاستسلام، فلا تعذبي نفسك، وحاولي أن لا ترفضي أي شخص قد يكون مناسباً لك من دون أن تعطي نفسك الفرصة.

- الآن لا أفكر بشيء.

- إذاً دعينا نتحدث في مواضيع أخرى، أخبريني ما هو الجديد في الصحف عن المجتمع الاسطنبولي؟

وتحدثت الاثنتان عن أمور كثيرة، ثم حضر الجميع في المساء إلى منزل العائلة لتناول العشاء.

وبعد الانتهاء جلس الجميع لتناول القهوة، ثم قال إرسلان موجهاً سؤاله إلى تولان: ما هي أخبار أخيك أسمر، منذ وقت لم أره؟

- إنه مسافر، لديه بعض الأعمال العالقة، وهذا ما جعله يتأخر بالعودة.