eKtab
EN ع
الحب لا يفنى ولا يستحدث من عدم
اقرأ عينة مجانية

الحب لا يفنى ولا يستحدث من عدم

بقلم وليد الرجيب

صفحة 1
توطئة واجبة

كنت قد عملت جلسات العودة للحياة السابقة past life regression ، لمئات من العملاء في عيادتي وأماكن أخرى، وكانت النتائج مذهلة لهم ولي، واستفدنا من هذه التقنية لمعالجة جروح الماضي، والمؤثرة في حياتهم الحاضرة، مثل بعض حالات الفوبيا، التي لا يوجد لها جذور في حياة أو طفولة البعض، كما زارني بعض الأشخاص من الكويت، أو من بلدان عربية، فقط لمعرفة من كانوا في الحياة السابقة، والاستمتاع بهذه المعرفة، أو اكتشاف مواهبهم وإمكانياتهم السابقة.

وعملت جلسات العودة إلى الماضي لنفسي، فاكتشفت أنني كنت شاعراً إنجليزياً، قد يكون أسمي "جون هوبكنز"، وذلك في أعوام 1800م، والحياة التي قبلها، في أعوام 1700م، كنت كاتباً في البلاط الملكي البريطاني، ومت كبيراً بالسن، ورأيت نفسي وأنا أموت، أما الحياة السابقة والثالثة فقد كنت في الحضارة الإغريقية، وهذا يفسر حبي لأجواء البحر المتوسط، وكل ما يتعلق به، وكذلك حبي للتاريخ اليوناني، وقصص الإلياذة منذ كنت صغيراً.

وعندما فكرت أن أكتب عن حياتي السابقة، قررت أولاً الرجوع للتاريخ، وبحثت في الإنترنت، ووجدت شخصيات كثيرة باسم جون هوبكنز، فيهم الشاعر، والفنان التشكيلي، والمفكر الذي أسس جامعة هامة.

ولأنني كنت عازباً لعوباً، في حياتي السابقة، قررت تحوير بعض الأحداث، وبعض الأمور الخاصة بعلاقتي مع ربيكا، التي لم أستطع الزواج منها، لأسباب لم تتضح لي، ومتُّ في عمر الستينات عازباً.

وخلقت علاقة موازية في الحاضر، بين سالم وشيخة، ولأني أريد تبرئة نفسي، فأنا أؤكد أن ربيكاً لم تكن سيئة.

وليد
صفحة 2
(1)Past life

- نَمْ أعمق.. وأعمق..

أنت تستطيع أن تسترخي، وتنام نومة عميقة إذا أردت، وأنا أتساءل كيف تحب أن تسترخي، ربما فقط تريد أن تسترخي على هذا الكرسي الذي تجلس عليه الآن، أو ربما هناك شيء آخر تفكر فيه ويجعلك تسترخي أكثر، على كل حال أنت تستطيع أن تسترخي بالطريقة التي تناسبك، وتسمع ما سأقول لك..

وربما من هذه اللحظة سوف تلاحظ تنفسك، كل نفَس تزفره سيدخلك باسترخاء أعمق، وربما من هذه اللحظة سوف تركز على صوتي فقط وتهمل وتستبعد الأصوات الخارجية، وطالما تسمع صوتي سوف تنام أعمق..

والآن لا داعي لأن تنتبه ليديك وهما تصبحان أثقل وأثقل، ولا داعي لأن تنتبه لأجفانك وهما يصبحان أثقل وأثقل، أنت الآن مسترخ، لكن عندما أعد من العشرة حتى الواحد سوف تنام نومة عميقة جداً، كل رقم سوف يضاعف نومتك، لكن إذا وصلت إلى الرقم واحد، سوف تكون نائماً نومةً عميقة جداً ومريحة جداً..أبدأ بالعد.. عشرة تنام أعمق وأعمق..تسعة تنام أعمق وأعمق..

استرخت عضلات وجه سالم مع صوت لوتشيا بلكنتها الإيطالية، ولغتها الإنجليزية الممطوطة:

- في هذه الجلسة سآخذك في رحلة عبر الزمن، قد تغيِّر حياتك إلى الأبد.. فقط نَمْ أعمق مع كل كلمة أقولها، وبعد قليل ستجد نفسك تنتقل مع الضوء البنفسجي الذي يأخذك إلى الفضاء، بعيداً.. بعيداً، وتلتفت لتجد الأرض تصغر وتصغر حتى تصبح نقطة صغيرة ثم تتلاشى لتجد نفسك في فراغ عظيم، سكون وسلام، تنتقل دون أن تحرك رجليك، لا تعرف يمينك أو يسارك، لا يوجد فوق أو تحت، لا يوجد ماضٍ أو حاضر.. فقط سلام وسكون رائعان..

ملامح سالم جامدة، يغط في سرنمة عميقة، يخبو صوت لوتشيا ويعلو، وكل تركيز عقله الباطن مع هذا الصوت، يرى ويشعر بكل كلمة يسمعها.

- أنت لا تحلل أو تفسر، أنت فقط تعيش اللحظة في عالمك الساحر، مفتوناً بما تراه من ألوان، ترى شهباً تتنقل تاركة خيوطاً وأذيالاً نارية خلفها، ترشق الفراغ، ترى نجوماً ترقص بسعادة على عزف لحن إلهي، يعبر عن عظمة هذا الكون الذي توحدت به الآن وفي هذه اللحظة..أنت فقط تعيش في اللحظة تاركاً العنان لعقلك الباطن للانعتاق والتحرر، وإطلاق طاقاتك وإمكاناتك وقدراتك اللامحدودة.. نَمْ أعمق..

جسد سالم كصخرة ملقية على الأرض، ثابت في جمود وتخشُّب كاملين، وقد حاد عقله الواعي، وانتبه عقله الباطن بتركيز شديد، لا يشعر بجسده، لايعرف هل يداه تحت أم فوق، يشعر كأنه نائم على غيمة وهو يستمع إلى كلمات لوتشيا:

- بعد قليل سترى نفسك تصغر وتصغر، سترى مراحل حياتك والأمور المرتبطة بها، الآن ترى نفسك في سنّ الأربعين، ثم الثلاثين، عشرين، عشر، سنة واحدة، ثلاثة أشهر، شهر واحد.. ثم فجأة سكون وهدوء ودفء، فقط تشعر بنبض القلب وأمان رائع.. ومن بعيد ترى نقطة ضوء أبيض تنجذب معه مأخوذاً دون إرادتك وتنطلق لا تعرف إلى أين، لا تحلل ولا تفسر فقط عِشِ اللحظة.. ترَ بوابة ذهبية تنفتح فتعبرها، وتجد نفسك تهبط بهدوء ويسر إلى بقعة في الأرض، وبعد قليل سأسألك وستجاوبني، فالنائم يستطيع الكلام.

تصمت لوتشيا قليلاً، ثم تسأل سالم مقرِّبة أذنها من فمه:

- أنظر إلى قدميك، هل هما قدما امرأة أم رجل.

يأتي صوت سالم بطيئاً منخفضاً وكأنه تحت تأثير البنج:

- رجل.

لوتشيا تعلّق:

- عظيم، أنظر حولك، هل أنت في مدينة أم في طبيعة.

يأتي صوته بعد فترة:

- مدينة.

- هل بإمكانك معرفة في أي مدينة تعيش؟

يأخذ وقتاً أقصر ليقول:

- لندن.

- ممتاز وهل يمكنك معرفة التاريخ أو الحقبة، إذا كانت بقربك جريدة أو روزنامة.

يقطب سالم جبينه كأنه يبحث قبل أن يجيب:

-1850.

هل تستطيع أن ترى شكلك في مرآة أو زجاج نافذة أو مستنقع، لكنه يقاطعها وكأنه استذكر:

- الوقت صيف، وأنا خارج من المقهى أنتظر عربتي مع السائق مستنداً إلى عصاي ذات المقبض المذهب.

- إذاً أنت غني.
صفحة 3
- نعم.. العربة يجرها حصانان أسودان.

تتركه يسترسل بينما تعابير وجهه تتغير، بعد فترة صمت تسأله:

- ما اسمك؟

أجاب فوراً:

- جون هوبكنز.

بدأت الرؤية تتضح فإجاباته أصبحت سلسة، تسأله بعد فترة:

- ماذا تعمل؟ ما هو عملك؟ هل لديك عمل؟

يجيب بلكنة إنجليزية:

- أنا شاعر معروف.

تهز رأسها مبتسمة وهي تقول:

- ممم شيء جميل.

تلحظ ابتسامة على محياه، فتسأل:

- ماذا يحدث الآن؟

يجيب من خلال ابتسامة:

- سيدة مرت من أمامي، فرفعت قبعتي وانحنيت لها، جميلة جداً، أراها للمرة الأولى.

- وهل هذا سبب الابتسام.

ابتسامته تتسع وهو يجيب:

- لا لأنها التفتت وابتسمت، دون أن يلحظها زوجها، وهذا يعني علاقة جديدة جميلة.

تتذكر شيئاً فتتساءل:

- بالمناسبة هل أنت متزوج، هل لكَ أبناء؟

قطّب جبينه باستياء:

- لا أنا عازب بكل فخر، وأكره فكرة القيد، لماذا الزواج طالما أحصل على امرأة مختلفة كل يوم؟

- إذاً أنت شاعر لعوب.

- وبكل فخر، تتقاتل النساء عليّ، يخُنَّ أزواجهن معي، والعازبات يردن الزواج مني، لكنني مستمتع بهذا الصراع وما يحمله من هدايا ثمينة، لدي علاقات سرية حتى بالأميرات الصغيرات والكبيرات.

- لم تصف لي شكلك.

- وسيم، طويل، أنيق.

قطّب جبينه مرة أخرى، فقالت لوتشيا:

- هل تريد أن تشركنا بما يحدث معك الآن، أو ما تفكر فيه؟

قال بما يشبه الشجن:

- هناك وجه نسائي أحسه ولا أراه.

- هل يعني لك شيئاً مهماً؟

- نعم، وأشعر فيه بقوة، لكن لماذا لا أستطيع رؤيته؟!

- ربما لأنك لم تقابله بعد.

فكرت لوتشيا أن الجلسة كادت تنتهي، وهذا الرجل سيعود إلى بلده، ولن تستطيع تكرار جلسة العودة للحياة السابقة فقالت:

- على كل حال تستطيع أن تعود مرة أخرى لحياة جون هوبكنز بنفسك، سأعلّمك الآن التنويم الذاتي، وفي كل مرة تنوِّم نفسك وتعود لاكتشاف تفاصيل أكثر في حياتك، وقد يكون لها دلالات في حياتك الحالية.
صفحة 4
على شفا قصيدة

كان وما زال يعيش دائماً على شفا قصيدة، القصيدة قبل أن تكتب، كالقبلة قبل التصاق الشفتين، كلحظة الخلق والولادة، يعيش بحوافز حادة للحياة، وبمزاج شاعر غجري عبثي، لم يطق يوماً الزواج والارتباط والأطفال، ولذا يكرهه إخوته وبعض رجال العائلة، ويعتبرونه وغداً، أما نساء العائلة بمن فيهن المتزوجات فيعتبرنه وغداً وسيماً، يعرفنه جيداً لأنه عبث معهن جميعاً في طفولته ومراهقته، لكن لم يكنَّ أي مشاعر تجاههن، وهذا حدث مع بنات العائلة وغير بنات العائلة، كان يعرف جيداً جاذبيته الجنسية، وتأثيره على النساء:

- "سرسري ونسونجي".

هكذا كان يردد الرجال لزوجاتهم، اللواتي كنَّ يحتفظن بسر قديم مع سالم، يتذكرن تفاصيل علاقتهن به، فيتنهدن، ولكن لأنه عادة يتركهن بحسرتهن كنَّ يرددن:

- "صج سرسري".

كان صيته يصل إلى كثير من النساء، فيتمنين علاقة معه، يتصلن به بحجج مختلفة، مثل توقيع على ديوانه الجديد، أو أخذ رأيه بقصيدة، حجج مختلفة، لكنه لا يحب المندلقات عليه، رغم أن ذلك يدغدغ غروره، لكن بعض الرجال الحاسدين يرددون:

- "ما يطوف حتى صخلة، كل محتركة حلال عنده".

لكنهم مبالغون ومضخمون، صحيح هو يعترف أنه عازب لعوب، لكنه يختار العلاقة الجنسية لأنه يحب ويحترم جسده:

- نقِّل فؤادك ما شئت من الهوي..فما الحب إلا للحبيب الأول.

وعندما سأله صديقه:

- "ووين الحب الأول الحين"؟

يرد سالم عليه وهو يوجه إصبعه باتجاه صدره:

- "كاهو.. جدامك.. أنا".

- "أنت حبيب نفسك"؟!

- "طبعاً منهو يستحق أحبه أكثر من نفسي"؟

- "هذه أنانية ونرجسية".

يردّ بعثية:
صفحة 5
- "سمِّها ما شئت، أنا أبي استمتع بالحياة، أنا طير حرّ ليش أربط نفسي بوحدة طول عمري، وإلا حتى بوظيفة، أكره القيود".

* * *

هو بالطبع ليس لديه وظيفة، لديه استثمار معقول ورثه عن أبيه، ويكتب للصحافة الكويتية والعربية بشكل حرّ Free lance ، وكل ما يريده هو السفر إلى إيطاليا، وتأجير دراجة نارية للتّجوال في مدن وقرى توسكانيا، فمنذ سنوات اعتاد الذهاب إلى إيطاليا مرتين في العام على الأقل، بعد أن يبحث في الإنترنت عن الحفلات الموسيقية والأوبرات والأحداث الثقافية والفنية، والتجمعات للقراءات الشعرية وغيرها، ويحجز تذاكر الحضور، وفي هذه المرة تعرّف على لوتشيا وخاض تجربة العودة للحياة السابقة، بعد أن أخبرته صديقة إيطالية عن لوتشيا المعالجة بالتنويم، وأنها شخصياً مرت بتجربة العودة إلى الحياة السابقة، فأثار هذا الموضوع فضوله، خاصة وأنه قرأ عنه أكثر من مرة في الكتب والإنترنت.

* * *

بعد الجلسة سألت لوتشيا سالم:

- كيف تشعر؟

أجاب وكأنه يصحو من غفوة:

- شعور جميل، وكأنه حلم.

لوتشيا:

- وكيف وجدت رحلتك؟

أجاب:

- مألوفة، أحسست بنفسي، ورأيت أشياء مألوفة.

- هل لديك علامة في بدنك مميزة ولدت بها؟

رفع رأسه محاولاً التذكر:

- لدي "وحمة" على كتفي الأيسر، ولدت بها.

- هل أستطيع رؤيتها؟

رفع سالم كمَّ "التي شيرت"، وأراها الوحمة، لكنه سأل باستغراب:

- ما علاقة الوحمة في هذا الأمر؟

وضحت لوتشيا:

- الآثار البدنية في جسم الإنسان قد يكون لها دلالة في حياته السابقة.

ظل ينظر إليها بدهشة وحيرة من معنى كلامها، فوضّحت أكثر:

- قد تكون جرحاً أو أثر طلقة، نحن نأتي بعاداتنا وسلوكنا ومشاعرنا وحتى ندوبنا ومهاراتنا وهواياتنا من حيواتنا السابقة، مثلاً ماهو عملك أو اهتماماتك الآن.

ردّ مستكشفاً:

- أنا شاعر.

فابتسمت، اتسعت عيناه لهذا الاكتشاف، قال مدهوشاً:

- أنا شاعر عازب، وحياتي تشبه كثيراً حياة جون هوبكنز.
صفحة 6
صمت قليلاً قبل أن يستطرد:

- لكن من هي هذه المرأة التي كانت تلح على ذاكرتي، لكنني لم أكن أستطيع رؤيتها بوضوح، وكأنني رأيتها في حلم ذات ليلة؟

قالت لوتشيا بثقة:

- نعم قابلتها وقد تكون حلمت بها، فالأحلام وسيلتنا للتواصل مع حياتنا السابقة أحياناً، وفي كثير من الأحيان نرى شخصاً أو مكاناً لأول مرة، ونكاد نقسم أننا نعرف هذا الشخص أو كنا في هذا المكان، وهذا يعني أن هذا الشخص في حياتنا الحالية كان معنا في حياتنا السابقة، هل تعلم أن الرئيس الأمريكي الأسبق كلينتون وزوجته هيلاري كانا أخوين في الحياة السابقة؟

بدهشة:

- صحيح؟!

- طبعاً، وهذا يتكرر مع كثير من الناس، فبعض الأزواج يكونون أزواجاً في حيوات متعددة.

كان الاكتشاف مذهلاً ومحيِّراً بالنسبة له:

- ولكن لماذا هذا الوجه الذي كان مهماً في حياتي السابقة غير واضح؟ ولماذا أشعر بألم عند تذكُّره.

بلغة الخبير قالت لوتشيا:

- أنت عدت في لحظة لم يقابل جون هوبكنز هذه المرأة بعد، أما ألمك فيجب أن تكتشف سببه بنفسك.

قال متلهفاً:

- أريد أن أعرف أكثر عن حياتي السابقة.

- تستطيع العودة واكتشاف تفاصيل أكثر، وفي كل مرة تعود تكون الرؤية أسهل وأوضح.. ولذا سأعلِّمك التنويم الذاتي وكيفية العودة إلى الحياة السابقة بنفسك.

* * *

انطلق بدراجته النارية من روما المدينة المتحف، إلى فلورنسا الجميلة، مختاراً الطرق الريفية والجبلية الضيقة، كي يستمتع بمناظر الطبيعة، ويمر بأكبر عدد ممكن من قرى توسكانيا، وحقولها الشاسعة، وهو مشبع بتجربة مذهلة، واكتشاف لذّاته بوضوح أكثر ووعي أكبر.

وهو يمر على الوديان والهضاب والبحيرات، وحقول العنب، ومصانع النبيذ، والغيوم المتناثرة التي ترافقه بجذل، كان على شفا قصيدة ترقص على شرفات قلبه، وكأنه على موعد غرام، كانت سماعات ال ipod تحت خوذته، يستمع إلى عبد الحليم حافظ، الذي يحب أغانيه منذ أن كان صغيراً، وحرص على لقائه والتحدث معه.

* * *
صفحة 7
إزيّك يا باشا؟

كان في الرابعة عشر من عمره، في عام 1968م، بعد نكسة حزيران بعام، يرافق والده إلى القاهرة، لزيارة بعض ضباط الجيش الكويتي المرابط في سيناء، مساندة للجيش المصري، كانوا من أصدقاء طفولة والده، عندما سمع عن استشهاد أحدهم، وعلى كل حال استشهدوا جميعاً بعد بضعة أشهر.

كانوا يجلسون في ديوان السفير الكويتي عندما دخل عبد الحليم حافظ يرافقة الملحِّن بليغ حمدي، وللمصادفة الجميلة جلس عبد الحليم حافظ بقربه، ووضع كفه على رأسه ولعب بشعره وهو يقول:

- "إزيّك يا باشا"؟

فرد باستحياء مشوب بفرحة كبيرة:

- "زين".

فبادر والده إلى القول:

- "سالم يحب أغانيك وايد؛ وعندي تسجيلات وهو يغني بتلوموني ليه وعمره سبع سنوات".

ضحك عبد الحليم سعيداً وسأله:

- "أنت تحب المزّيكة؟ أنا أحب اللي يحب المزّيكة".

هز سالم رأسه بالايجاب، فقال بليغ حمدي:

- "خلاص بكره أجيب لك عود كويس أَوِي".

فقال سالم بصوت منخفض:

- "أبي كمنجة".

فقرب عبد الحليم أذنه من فم سالم:

- "ك إيه"؟

فوضح السفير:

- "آلة الكمان".

ابتسم عبدالحليم قائلاً:

- "خلاص ياسيدي، نجيب لك كمان وعود".

قال سالم:

- "ما أبي عود".

لكن عبد الحليم لا يعلم أن "سالم" دخل شقته في عمارة السعوديين بالعجوزة، في عام 1963م، بعد أن رشا "المكوجي" بسندوتش فول، الذي كان يعود بملابس عبد الحليم إلى شقته.

كانت أسرته تصطاف في القاهرة، وسكنوا في نفس العمارة التي تعتبر فخمة في تلك الأيام، دخل الشقة ذات الستائر البنفسجية، قال المكوجي للشغالة:

- "عاوز يشوف شقة الأستاز".

تجول سالم في الشقة وقلبه يخفق بشدة من الفرح، ولمس الأشياء بأنامله، ويتذكر أنه شاهد صورة في برواز على طاولة، لكنه لا يتذكر الوجه.

لكن الحصول على صورة لعبد الحليم موقَّعة باسمه، استغرق تحايلاً ورجاءً طويلين لسائقه، الذي رقّ قلبه في النهاية لإلحاح الصبي، وأحضر له صورة لعبد الحليم موقَّعة باسمه، مزقها أخوه الغيور في يوم ما، الذي كلما يُصاب بالغَيرة يدمر أعز ما عند أخيه سالم، وبكى سالم طويلاً لفقد الصورة والاهداء الغالي.

لكنه ظل ينتظر عبد الحليم كل ليلة عند باب العمارة، حيث عرف موعد خروجه مع شخصين أو أكثر، وعندما يمر عبد الحليم كان سالم يصفق طويلاً بيديه الصغيرتين، عبد الحليم لم يكن يعلم ذلك.
صفحة 8
(Salve (2

كان على بركة السباحة في فندقه الأثير بوسكولو Boscolo ، الذي يبعد عشرين دقيقة عن فلورنسا، تحيط به الهضاب التوسكانية، يحب هذا الفندق ويسكن به كل عام لعدة أسباب، لأنه فيلاّ بنيت قبل أربعمئة عام، ولأنه في الريف وقريب من فلورنسا وبقية المدن في نفس الوقت.

كان مستغرقاً في حديث ودِّي مع جيوفانا الإيطالية، تعرّف إليها في زيارته لروما العام الماضي، واستلطفا بعضهما، كما رأى كلٌّ منهما في الآخر صيداً لطيفاً، وعلاقة ممتعة، وفجأة انتبه لفتاة سمراء بشعر أسود ناعم، خلعت إزاراً كانت تلفه حول خصرها فوق المايوه البكيني الأسود، واستلقت على الكرسي القريب منه، وفتحت كتاباً باللغة العربية دون أن تنتبه لسالم الذي شُدِه لرؤيتها.

شيء ما جعله يلتفت لحظة وصولها، لم يعد يسمع ما تقوله صديقته الإيطالية، وظل يلتفت مأخوذاً بهذه الفتاة العربية، التي قد تكون كويتية أو خليجية بملامحها، كان لونها الطبيعي أغمق من البيج وأفتح من البنّي، بل هي أقرب إلى البنّي، كانت صديقته تتحدث، ولكنه كان مشغولاً بهذا الكائن الجميل، وكأنها طائر حطَّ على نافذته فهام به، شيء يجبره على الالتفات إليها، كانت تستمع إلى شيء من جهاز الـ ipod ، في جلستها المائلة كأنها آلهة إغريقية، أو نحتٌ جميلٌ لمايكل أنجلو، لم يكن جسدها مثالياً كجسد صديقته الإيطالية، كان لديها انتفاخ قليل في بطنها، وزوائد في خصريها عند حد المايوه، بالضبط كنموذج النساء في الأعمال الإغريقية والرومانية، حيث كانت مقاييس الجمال تختلف عن هذا العصر، إذ لابد أن تكون المرأة مملوءة ذات حوض عريض، فالنحافة عيب جمالي.

انتبهت صديقته إلى اهتمامه بهذه المرأة، وجرأته في التحديق بها فقالت:

- جميلة أليس كذلك؟

هز رأسه موافقاً وكأنه في غيبوبة، فشعرت الإيطالية بغيرة وإهانة من هذا العربي زير النساء، ولكي تبرِّد قليلاً من غيرتها قالت:

- سأنزل بركة السباحة.

ونهضت على الفور، لم يجبها سالم وظل ينظر إلى الفتاة بانجذاب أحسه في كل خلية من جسده، قال لنفسه:

- "غريب، مألوفة بشكل غير مألوف"!

وكأنه يعرفها من سنوات طويلة، فهل كانت معه أيام الدراسة الجامعية في القاهرة؟ لكنها تبدو أصغر من أن تكون زميلة دراسة، قد تكون من تلك الوجوه المألوفة التي يتكرر عبورها في حياتنا.

* * *
صفحة 9
الوغد الوسيم

لكن ما سرّ هذا الانجذاب غير المألوف لديه، فالنساء اللواتي عبرن في حياته كن هن المبادرات، وإذا انجذب إلى إحداهن كان يعرف نهاية العلاقة منذ بدايتها، ولذا لم يغرق قطّ في رمال الحب المتحركة، بل يتعامل مع انجذابه كفقاعة جميلة لامعة، لابد من أن تنفجر وتتلاشى في لحظة ما، ولم يكن التعرف إلى امرأة جديدة هو السبب في انفجار الفقاعة السابقة، لم يكن نذلاً على الإطلاق، لكن يلعب السأم دوراً كبيراً في ترك العلاقة، رغم تعرُّضه لسخطهن:

- "أنت قاسٍ ومتبلد المشاعر، أنت نذل، جرحتني وقطعت العلاقة من دون سابق إنذار".

كان يرد متحملاً مسؤولية الجرح الذي سيندمل:

- "من البداية اتفقنا على عدم الارتباط، كنت واضح معاك".

ترد ودموعها تسيِّح المكياج الصارخ الذي طالما كرهه فيهن:

- "أنا شسوّي من غيرك؟ ما أقدر أعيش من غيرك".

يجيب ورنة سخرية في صوته:

- "عندك زوجك وعيالك اللي أهملتيهم، صدقيني راح تعيشين من غيري وتتعرفين على واحد ثاني بسرعة".

وبمحاولة يائسة:

- "بس أنا أحبَك ما أحب زوجي".

يضحك قبل أن يقول:

- "أنا ما أحبِّك، وصدقيني راح تحبين بعد وبعد، أقول لك منو تكلمين غيري؟ زميلك اللي بالدوام معاك".

بهذه القسوة والصراحة الجارحة، كان يتخلص من العلاقات النسوية أحياناً، واللواتي يعلم أن لديهن علاقات مع رجال كاحتياط، يعتقدن أنها سرية، كن يكرهن هذا الوغد الوسيم، كل النساء طارئات بالنسبة له، أما إذا اكتشف أن إحداهن تحبه حباً حقيقياً، كان ينهي العلاقة بسرعة اكتشاف الشعور، لم يكن نذلاً على الإطلاق، ولكن يصعب فهم منطقه عند الآخرين، وقد اعتاد عدم الفهم هذا، فتوقف عن الشرح والإقناع.

لم يكن يبحث عن النساء بشغف، كما يفعل بعض الرجال أو كما تفعل بعض النساء، لكنه كان يعرف أن العلاقات ستأتي من تلقاء نفسها، ويمقت بشدة نساء الليل، أو اللواتي يأخذن مقابل، سواء هدايا أم نقوداً أم خدمات وسفرات، كان يحترم جسده، ولا يمنحه لأي كان، لم يكرر خبرة المواخير كأقرانه الذين ربما ما زالوا يؤمّونها في مدن الدنيا، هو لا يُقْدِم على ممارسة جنسية فجة، يكره رائحة المواخير والمومسات، ففي سنّ الخامسة عشرة من عمره، اتفق مع أصدقائه أن يذهبوا إلى ماخور صغير في بحمدون المحطة بلبنان، ولما دخل انقبض قلبه وشعر بخوف، واختار كل واحد من أصدقائه فتاة، وتبقت له واحدة تدعى ميرنا، لم يكن ماخوراً بمعنى الكلمة، ولكنها يفترض أن تكون جلسات "أنجشيه" أي رفقة ومؤانسة على شراب، أو ما يسميه العرب النديم، طلب زجاجة بيرة، وطلبت ميرنا شمبانيا، أقرفته رائحة ميرنا، رائحة المكياج والعطر الرخيص القوي، وبدأت خطة التحرش، على اعتبار أن صاحب الحانة لا يعلم، لكنه بالتأكيد متواطئ، لكي تزيد طلبات الشمبانيا على حساب سالم، حيث إن ثمنها غالٍ، دنت ميرنا منه ووضعت يدها على فخذه، لكنه لم يحرك ساكنا، وازداد شعوره بالغثيان، أراد الخروج والهرب، لكنه خشي استهزاء أصدقائه، لم تجد ميرنا منه تجاوباً، فانزوت تشرب من كأسها، لتطلب غيره، وحتى يلطِّف الجو قال لها:
صفحة 10
- "في حياتي ما ذقت الشمبانيا، تعطيني أذوق"؟

لكنها رفضت بشدة قائلة:

- "لا لا شو بدك بالشمبانيا"؟

وأبعدت الكأس عنه، فشك في الأمر، وانتظر غفلتها وتناول الكأس وجرع منها، فإذا به مشروب السفن أب الغازي، كان صاحب الحانة يأخذ منه ثمن كاسات السفن أب بسعر الشمبانيا، لكن حتى يتغاضى عن هذا الخداع، هجمت ميرنا على شفتيه وقبّلته، وفي هذه اللحظة استفرغ ما في معدته على صدرها العاري، وهرب بنفس اللحظة منطلقاً بسرعة خارج الحانة، وهو يسمع صوت ميرنا تشتمه:

- "الله يقصف عمرك".

ومن يومها لم تطأ قدماه ماخوراً، ولم يكلم مومساً في حياته، حتى المتخفيات منهن، فمرة كان على ناصية شارع في نيويورك ينادي على تاكسي، فسمع صوتاً نسائياً خلفه يقول:

- هل لديك ولاّعة؟

وعندما التفت وجد فتاة بملابس محتشمة، لكن رائحتها رائحة مومس، فابتسم لفنون الخداع، وأعطاها ظهره.

يكره المومسات، لكنه يحب النساء، على شرط الدخول والخروج بسلاسة من العلاقة، وبأقل قدر من الخسائر، وكانت النساء لغيظهن منه أحياناً، يطلقن حوله الإشاعات، أو يهددنه بإبلاغ أزواجهن أو إخوتهن، مدّعيات أنه تحرّش بهن أو يلاحقهن، لكنه كان يعرف أن الغيظ والغيرة، يقودان إلى أشياء غير متوقعة، وقد تكون خطرة ومجحفة وظالمة، كالفجور في المخاصمة.

الغريب أنه لم يجمع بين علاقتين بتاتاً، لم يكن نذلاً على الإطلاق، وإن ادّعين أنه وغد، فهو وغد وسيم.

* * *

يتذكر في أول سنة له في جامعة حلوان في القاهرة، أن زميلاته كنّ يتقربن منه، وفي يوم دخل قاعة المحاضرات متأخراً، فوقف محتاراً أين يجلس، وظل يبحث بعينيه عن مكان للجلوس، فأخذت زميلاته اللواتي لا يعرفهن يتصايحن:

- "تعال اقعد هنا جنبي ياسالم".

- "لأ لأ هنا جنبي أنا".

وبعضهن كن يَشِرْن له على أحضانهن، بداع التحرش والمزاح، فاحتقن وجهه من الخجل، ومن جرأتهن، لكن الدكتور صرخ بصوت أخافه:

- "جرى إيه يا شرموطة منك ليها".

ثم التفت إلى طالب يجلس في الأمام قائلاً:

- "قوم يا مرقص خلّي سالم يقعد مكانك، وشوف لك مكان تاني".

وفي مرة كان جالساً على درج الجامعة يستدفئ بالشمس، فجلست بجانبه زميلة يذكر أن اسمها كان ناهد، تجاهلها لأنها تطارده من مكان إلى مكان، فإذا جلس في الكافتيريا، جلست إلى الطاولة المقابلة، وهو يقرف من الاندلاق، وفجأة سألته: