مقدّمة
هذا كتاب من أعمال فرويد المتأخرة يطرح فيه آراءه في الحب والحرب والموت والثقافة والحضارة، فهو من كتب الفلسفة أقرب، وهو تطبيق للتحليل النفسي في مجالات غير مجال الأفراد، يحاول به فرويد أن يسبر أغوار الحب وأضابيره والحرب وشرورها، ويحلّلهما، ويتعرف إلى ظاهرة الموت ويعلم من أمور الحضارة، ويرّد ذلك جميعه إلى أصول فطرية في الإنسان، وناموس في الطبيعة، ومبادىء في الوجود لا يحيد عنها ولا تحيد، فإن استطاع الإنسان تحويرها أو تهذيبها فإنما ذلك ضمن إطارها كقوانين، وإن نجح في تعديلها وتهذيبها فليس ذلك إلا لأنه خاصة من خواصها.
ويحاول فرويد أن يطرح أسئلة من صميم الفلسفة: ما الغاية من الحياة؟ ولماذا نعيش؟ وما هى السعادة؟ وكيف نحصل عليها؟ وما هو الاجتماع؟ وكيف كان؟ وإلى أين يسير؟ وكلها تطبيقات في التحليل النفسي تسير على نفس المنهج وتجيب على كل ما يثيره من أسئلة إجابات قاطعة حاسمة.
ويندرج هذا الكتاب ضمن مجموعة كتب فرويد الفلسفية: «الطوطم والمحرَّم» و «مستقبل وَهم» و «ما فوق مبدأ اللذة» و «موسى والتوحيد»، وهو بهذه الصفة على قدر كبير من الأهمية، لأن فرويد به وبغيره يستكمل رؤياه بحيث تستحيل إلى أيديولوجية متكاملة تتجاوز التقنيات السيكولوجية إلى آفاق أرحب تصنع منها في زعمه نظرة عالمية Weltanschuung وطريقة في التعايش مع الوجود والناس، بشكل أفضل يحقّق السعادة للإنسان.
ولسوف نرى الإيدلوﭽية الفرويدية تعالج أطروحات عالجتها الإيدلوﭽية الماركسية، والفرويدية - كما نعرف، جاءت بعد الماركسية، ومن غير المعقول أن لا يحيط فرويد بالماركسية بوصفها إيديولوجية العالم في زمنه، لكن فرويد يزعم أنه لم يطلّع عليها الاطلاع الكافي، لكن ما يطرحه من أسئلة، وما يبديه من إجابات، يجعل من الفرويدية صنو الماركسية وتشبهها في الكثير، أو تكاملها، حتى أن بعض المفكرين قد أثارتهم ظاهرة التشابه أو التكامل، فحاولوا التوفيق بينهما وخرجوا على العالم بفلسفات توفيقية، ونُحصى من هؤلاء فلهلم رايخ، وإيريك فروم، وهيربرت ماركوزه.
ويلفت نظري في تاريخ الإيديولوجيتين مسائل تلحان في طرحها، فالفلسفتان من الفلسفات المادية، ومن إبداع العقلية اليهودية، والتشابه بينهما حقيقي، ويتعدّى التشابه في الأفكار إلى تشابه في المصطلحات، وكلاهما اتجه اتجاهاً «دوجماطيقياً» جزمياً، و«شمولياً» نرجسياً، و«استلابياً» عدوانياً، بمعنى أنهما لا تطيقان أن يخرج أتباعهما على نصوصهما، وحدث أن اتّهم ماركس ولينين وستالين وتروتسكي الكثيرين بالمروق عن خطه الفلسفي، فحكم عليهم بالفصل من الدولية العمالية، وهى تجمع الاشراكيين أو الشيوعيين في العالم؛ وحدث نفس الشيء مع فرويد، فاتّهم عدداً من حوارييه بالخروج عليه، وكاد اتّهامه يرقى إلى مستوى التكفير، وأخرج الكثيرين منهم من دولية التحليل النفسي، وهى تجمع المحللين النفسيين في العالم.
ويلفت نظري في تاريخ الإيديولوجيتين مسائل تلحان في طرحها، فالفلسفتان من الفلسفات المادية، ومن إبداع العقلية اليهودية، والتشابه بينهما حقيقي، ويتعدّى التشابه في الأفكار إلى تشابه في المصطلحات، وكلاهما اتجه اتجاهاً «دوجماطيقياً» جزمياً، و«شمولياً» نرجسياً، و«استلابياً» عدوانياً، بمعنى أنهما لا تطيقان أن يخرج أتباعهما على نصوصهما، وحدث أن اتّهم ماركس ولينين وستالين وتروتسكي الكثيرين بالمروق عن خطه الفلسفي، فحكم عليهم بالفصل من الدولية العمالية، وهى تجمع الاشراكيين أو الشيوعيين في العالم؛ وحدث نفس الشيء مع فرويد، فاتّهم عدداً من حوارييه بالخروج عليه، وكاد اتّهامه يرقى إلى مستوى التكفير، وأخرج الكثيرين منهم من دولية التحليل النفسي، وهى تجمع المحللين النفسيين في العالم.
ويلفت النظر أنّ القائمين على حركة التحليل النفسي كلهم من اليهود، ولا يسعني إلا أن أتساءل: لماذا؟ وأدّعى أحياناً بأني أعرف الجواب، وأزعم أن كل ما أعلمه: أن العقلية اليهودية تتباهى بأن التحليل النفسي من إبداعها، كتباهي أعضاء الأحزاب الشيوعية والاشتراكية بأنهم من اليهود أو من المتهوّدين، ولكني لا أعثر على تباه مماثل إزاء الليبرالية أو العَلمانية، مع أنهما إيديولوﭽيتان يهوديتان دون أن تصرحا بذلك، وإن كنا نلحظ أيضاً أن المنظّرين لهما بالأمس واليوم، معظمهم من اليهود، حتى فلاسفتهما الحاليون في العالم الرأسمالي أو الشيوعي أو الاشتراكي، وأثارت هذه الظاهرة رؤساء الأحزاب الليبرالية والعَلمانية، مثلما أثارت من قبل زعماء ماركسيين أمثال لينين، حتى أن ستالين أدهشه أن يجد أن من أعضاء المكتب السياسي الإثنى عشر الشيوعي السوﭭييتي، تسعة أعضاء يهوداً، وكانت تلك ظاهرة ملفتة للنظر، مثلما هى ملفته للنظر حالياً.
ولسوف نرى فرويد يقيم فلسفته في الحياة على مقولتين أو دعامتين، ويجعل على عرش العالم إلهين، يسمِّى أحدهما إيروس Eros، وهو إله الطاقة التي تنفخ في العالم الحياة وتحفظها عليه، وتجمع بين الناس وتربط بينهم برباط الحب، فتتكون الأُسر فالمجتمعات الكبيرة والإنسانية بعامتها، والآخر يسميه: أنانكيه Ananke إله الضرورة التي تشّد الناس إلى العمل، فيكون الاجتماع والتعاون والبناء والإنتاج والإمتلاك.
ولسوف نلحظ أن أنانكيه هذا هو إله ماركس، وهو الضرورة أو الدوافع الاقتصادية التي قال بها، والتي تفعل فعلها في الإنتاج الفكري والفني والخُلقي للإنسان.
وقد يصوغ فرويد نظريته بطريقة أخرى فيطلق على إيروس: مبدأ اللذة، وعلى أنانكيه مبدأ الواقع، ويقول إنهما مبدءان يحكمان الإنسان من قديم الزمان، وسوف يحكمانه إلى ما شاء الله. ويتحكّم مبدأ اللذة في تصرفات الطفل بالإقبال على كل ما يمنح اللذة، والإدبار عما يكون مردوده الألم، وبطريقة أخرى ينشد الإنسان الذي لم تُصقله التجارب، ولم يتعلم حكمة الوجود، ينشد في تصرفاته الإشباع المباشر، من غير أن يشغل نفسه بظروف الزمان والمكان. لكن العالَم من حوله لا يتيح له هذا الإشباع المباشر المطلق، فيضطر أن يتعلّم أن يؤجل هذا الإشباع حتى تواتيه الظروف، ويتعلم أن يخضع للواقع أو لمبدأ الواقع، ويتعامل مع العالم بإمكاناته المتاحة.
ويقرّ فرويد للماركسية بقوة التأثير، لكنه لا يسلم معها بغلبة الدوافع الاقتصادية في تحريك الإنسان والتاريخ، ويحتج على ذلك بأنه حتى في الظروف الاقتصادية الواحدة لا تسلك الجماعات الإنسانية المختلفة سلوكاً واحداً. وإذن فالغلبة لا يمكن أن تُعَقد إلا العوامل النفسية، تلك العوامل التي تحدد مسار الظروف الاقتصادية والسلوك الإنساني، لأن الإنسان حتى وهو يتصرّف بضغط من الظروف الاقتصادية إنما يمتثل لنزعاته الغريزية فيحافظ على حياته ويميل إلى العدوان ويريد الحبّ، وينشد اللذة، ويتحاشى الألم، ويحقق لنفسه كل ذلك وأكثر منه ضمن إطار عام يسميه فرويد: التطوّر الثقافي حيناً، والحضارة أحياناً.
وللتطوّر منطقه وحتميته، وهو يحمل الإنسان على الانحراف بغرائزه عن أهدافها الأصلية، وبوجهها وجهات لاشك أن الظروف الاقتصادية تدفع إليها، لكنها على أي الأحوال وجهات تتفاوت بتفاوت التكوين العام للأفراد والشعوب، وبتفاوت تأثيرات الثقافة والظروف المادية عليهم جميعاً.
ولسوف نجد أن فرويد في طرحه لهذه القضايا وغيرها لا يطرحها كفروض علمية، ولا يكون منها في مواقف العلماء، لكنه يطرحها كتأملات. وهو أقرب في منهجه إلى أصحاب الرؤى، بل هو يتنبأ بنبوءات ويتنبأ ماركس بنبوءات، ويلفت نظرنا التشابه مرة أخرى، ونتذكر فوراً أنهما يهوديان، وأن خلفيتهما الثقافية أو تراثهما - واحد وهو التوراة، وكأنما «رأس المال» لماركس و«تفسير الأحلام» لفرويد سِفْران آخران ينضافان إلى أسفار التوراة التسعة والثلاثين، وكارل ماركس وفرويد متنبئان يندرجان ضمن قائمة متنبئى بني إسرائيل الأربعة والعشرين، وحينئذ قد يكون هناك جواب على السؤال الذي طرحناه في أول الكلام: لماذا هذا التجمع اليهودي حول الماركسية واليهودية؟ ألا يفسّر هذا التراث ذلك التجمع؟ وألا تكون الماركسية واليهودية نسختين عصريتين للتوراة؟ وألا يكون هذا التراث هو الأرض المشتركة التي عليها يجتمع كل اليهود؟ لكن ماذا يشدّهم فيه؟ أنه تراثهم وماضيهم وإسهامهم الحضاري، ولأنه إسهامٌ مادي فهو يبشر بالمادية، ولا أعتقد أن قاريء التوراة أو التالمود يمكن أن يخرج بانطباع آخر سوى أنهما كتابان في المادية. وتخلو التوراة والتالمود تماماً من أي حديث عن الروح، أو الحياة الأخرى، أو الحساب، ويقصران فلسفتهما على التعامل مع الواقع وتنظيمه، لكن ماديتهما مادية نفسية وتاريخية واقتصادية ممتزجة مع بعضها امتزاج العناصر في نسيج الخلية، لكن ماركس ينفرد بالمادية التاريخية الاقتصادية ويبرزها، ويختص فرويد نفسه بالمادية النفسية، ومن ثم يبشّران اليهود، ويقدمان نسخاً عصرية للمادية اليهودية التي هى الرؤية الحضارية لليهود، وأسلوبهم في الحياة (بلغة فروم وأدلر). وربما يكون هذا التفسير هو إجابتي على ما سبق أن أبديت من تساؤل وما لفت نظري، لكنك قد تسألني: لماذا هذا الجواب؟ فأقول: إن ماركس قد نبّهني إليه في مقاله «المسألة اليهودية» الذي طرح فيه تصوّره لاضطهاد اليهود، ولم تكن مسألة اضطهاد اليهود تطرح نفسها بشكل حاد حتى ينبري ماركس للتصدّي لها، ومناقشتها، وتقديم الحلول لها، لكنه كان يحسّها بشكل حاد. وفارق بين أن توجد المشكلة بشكل موضوعي يفرضها اجتماعياً، وبين الوعي بها كمشكلة ذاتية وعياً له أسبابه السيكولوجية، وما كان من الممكن أن يكتب ماركس نحواً من مائتي صفحة، ويستشهد بنحو خمسين مرجعاً، لو لم تكن المسألة اليهودية تلح عليه وتشغل من وقته وفكره الشيء الكثير، وبمعنى آخر: أنها مسألة قومية تخصّه كيهودي، وهو يريد أن لا يجعلها قومية، ومن ثم يخلعها من خاصيتها القومية. وطالما أنها مسألة من مسائل الاقتصاد، وتعنى أن "اليهودية هى الملكية"، فإن إلغاء الملكية يفرغ اليهودية من مضمونها ويلغيها كمشكلة، ولكنه في مقابل حلّها بتجريد اليهود من ملكياتهم، يجرّد المجتمع كله من الملكية، فالملكية سبب انحراف اليهودي، وليس فقط اليهودي ولكنها سبب انحراف كل الناس. لكن نبوءة ماركس تخيب كما خابت نبوءات أخرى، فلقد جرد المجتمع السوفيتي اليهودي وغيره من الملكية، لكن المسألة اليهودية ما تزال. وإذن فكما يقول فرويد: إن العوامل النفسية هى التي لها الغلبة، وفرويد يبحث عنها في التراث. وإذا نحن أردنا أن نفهم اليهودي فلنحاول أن نقرأ تراثه، فمفتاح اليهودية كله في التراث، وفرويد يكشف هنا عن يهوديته، لأنه هنا لا يتناول تراث الإنسانية كلها، وهيهات له أن يفعل، لكنه يقرأ التراث اليهودي ويجعله تراثاً لكل الإنسانية، وكأنه يجعل أصل الحضارة "التراث اليهودي"، أو يجعل لها "أصلاً يهويداً". ويقدّم عالم الأنثروبولوجيا مالينوفسكي تفسيراً لأصل الحضارة، باعتبارها حصيلة الشعور بالذنب نتيجة عدوان الأبناء على الأب الأول، ويقبله فرويد لكنه يجعل أصل الحضارة الأوروبية الشعور بالذنب نتيجة قتل الأب ويجعله هنا النبي موسى، وفرويد يؤمن بأن اليهود – كما يأتي في التوراة – قتله اليهود في صحراء مواب، ومن ثم يصبحون بلا أب، ويتحول مجتمعهم مجتمعاً أخوياً، ولكنهم في هذه المرة أيضاً ثم يقتلون "أخاهم"، ويقصد به هنا المسيح، ومن ثم يتأكد الشعور بالذنب مرة أخرى كأصل لهذه الحضارة، وهذا هو السبب الذي يجعل فرويد ومن يحذون حذوه يذهبون إلى القول: بأن الحضارة والثقافة والأخلاق الأوروبية يهودية مسيحية الأصل.
ويلفت ذلك نظرنا، وليس فرويد مُنزّلاً أو مُنزّهاً حتى نصّدِقه، وإني لأُعجب بمنهجه كل الإعجاب، فهو يفترض الفروض وينبذ بعضها ويتبنى بعضها ويسايرها حتى النهاية، برؤية واضحة وهدف محدد، يسهب في التعبير، ويستدرك، ويستطرد، ويلف ويدور، وينتهي إلى النهاية التي يريدها بأستاذية لاشك فيها، وإني لأحبّ لو أتعلم منه، وياليت يكون من مفكرينا من يقفو على أثره ويخدم قضايانا القومية والثقافية بمثل ما يخدم فرويد قضايا قومه. وليست هذه المقدمة نقداً، وليس فيها ما يشبه النقد، ولكنها ملحوظات كتبتها كهوامش لعل فيها بعض الفائدة.
عبد المنعم الحفني
- 1 -
الحرب
سيكولوجية الحرب - موقف العلماء والفرد والدولة من الحرب - النظرة إلى الموت - الحرب تحرر من الأوهام - موقف الفرد والدولة من الأخلاق - الخير الذي مصدره حبّ الناس، والخير الذي مصدره النفاق الاجتماعي - غرائز الأنانية وتحوّلها إلى غرائز اجتماعية - توهم أن الأخيار أكثر من الأشرار - التكيف الثقافي وهزة الحرب.
***
نحن ننجرف إلى دوّامة الحرب، وما يبلغنا من معلومات يأتينا من طرف واحد، وليس بوسعنا، ونحن نعيش على شفا الحرب، أن نتبين حقيقة التغيّرات الضخمة التي جرت وتجري، وما من بصيص يدل على المستقبل الوافد، ونحن عاجزون عن إدراك مغزى ما نزخر به من أحاسيس، ولا ندري قيمة ما يصدر عنا من أحكام، ونحن مدفوعون إلى الاعتقاد بأن الحرب كانت أبداً أعتى الأحداث وأوسعها تدميراً لكل ما له قيمة إنسانية. ولم يحدث أن ضلل شيء أذكَى العقول، ولا سفّه شيء أسمى ما عرفه الإنسان، بقدر ما تفعل الحرب. وحتى العلم يفقد حياده، ويتوسل به علماؤه لاختراع أسلحة تُلحق الهزيمة بالأعداء. وفي التهيئة للحرب اندفع علماء الأنثروبولوجيا إلى إعلان انحطاط أصول الخصوم، وادّعى علماء النفس أن العدو مصاب في عقله قد اعتلت منه الروح. ونحن يقيناً نبالغ في تقدير كل هذه الشرور المتبدية، ولا يحق لنا أن نقارنها بشرور العصور التي سبقتنا لأننا لم نكن في تلك العصور، ولم نجربها ونعاني منها.
ولأننا لسنا أنفسنا ضمن القوات المتحاربة، ولسنا تروساً ضمن آلة الحرب الضخمة، فإننا أقدر على إدراك التغرير الذي حاق بنا، والتضليل الذي أحاطونا به، ونحن ندرك أنهم يحجرون علينا وعلى نشاطاتنا زمن الحرب، ولا أظن إلا أننا لذلك نرحب بأي جهد، مهما كان ضئيلاً، يتيح الفرصة لما قد أصاب قدراتنا من عى. وإني لأميز عاملين من أبرز العوامل وأشدّها إفصاحاً عن الأزمة التي تعتور المشاركين في الحرب بشكل مباشر، وأحسب أن إنكارهما شيء صعب، ولا أجد من السهل مناقشتهما هنا. العامل الأول هو التحرر الذي تستحدثه الحرب من الأوهام؛ والثاني موقفنا الذي قد تغير من الموت، والذي فرضته علينا هذه الحرب، شأنها كشأن أي حرب أخرى.
وعندما أتحدّث عن التحرر الذي تستحدثه الحرب من الأوهام، أدرك أن كل إنسان يعرف فوراً ما أعنيه، فلا لزوم أن نكون عاطفيين، وقد يكون الواحد منا على وعى بضرورة الحرب، ضرورتها البيولوجية والسيكولوجية في اقتصاديات الحياة البشرية، ومع ذلك يظل يلعن الحرب، سواء فيما تستخدمه من وسائل أو تتذرع به من أهداف، ويتمنى بإخلاص أن تنتهي كل الحروب. والواقع أننا أقنعنا أنفسنا أن الحروب لا يمكن أن تتوقف طالما أن الشعوب تعيش في ظروف متباينة أشدّ التباين، وطالما أن حياة الأفراد لها وزنها المختلف في كل أمة، وطالما أن الأخطار التي تباعد بين الأمم ليست إلا انعكاساً للطبائع المتمكنة في العقول. ونحن نميل إلى الاعتقاد بأن الحروب كانت دائماً بين شعوب بدائية وأخرى متحضّرة، وأنها تندلع أبداً بين عصبيات متخلّفة، وأنها قامت بين جنسيات دالت حضاراتها، وأنها ستستمر شغل البشرية الشاغل لوقت طويل. لكني مع ذلك متفائل، فلقد كنا نتوقع من الدول الكبرى من الشعوب البيضاء(1)، التي آلت إليها زعامة الأجناس البشرية، والمعروفة باهتماماتها العالمية، والتي بفضل قواها الإبداعية يرجع تقدمنا التقني نحو السيطرة على الطبيعة، ويعود ما أحرزناه من مكاسب علمية وإنجازات فنية. ومن شعوب كهذه كنا منوقع أن يكون النجاح نصيبها في اكتشاف طريقة أخرى لتسوية الصراعات على المصالح وفض سوء التفاهم. ونحن نعلم أن للفرد في هذه الشعوب مستويات عليا من العرف الجاري لابد أن يجرى سلوكه في إطارها إذا رغب أن يكون نصيبه منها ما تقدمه هذه المجتمعات من امتيازات لصاحب السلوك الحميد. وكثيراً ما يكون العرف الاجتماعي زاجراً ، يطالب الفرد بالكثير من ضبط النفس والتعفف عن الإشباع الغريزي، ويحظر عليه بشكل خاص أن يفيد مما تتيحه ممارسة الكذب والاحتيال من فرص هائلة تعرض له خلال عمليات التنافس التي تجري بينه وبين غيره من الأفراد. وتعد الدولة المتحضّرة هذه المعايير المقبولة الأساس الذي يقوم عليه وجودها، وتفرض العقوبات الصارمة على كل من تسّول له نفسه العبث بها، وكثيراً ما نرفض حتى مجرد مناقشتها، ولذلك الأولى أن تكون الدولة هى البادئة باحترام هذه المعايير، ولا يعقل أن تتجه إلى الاعتداء على ما أقرت أنه أساس وجودها. ولكن الحرب اندلعت، وباندلاعها تبددت الأوهام. وكانت حرباً ضروساً تسفك وتدمر أكثر من أية حرب أخرى من الحروب الخوالي، بسبب التطور الهائل الذي استحدث في أسلحة الهجوم والدفاع، ولكنها كانت كغيرها من الحروب، مريرة وعنيفة وحقودة وعنيدة، قوضت كل المواثيق المعروفة باسم القانون الدولي، التي التزمت بمراعاتها كل الدول في زمن السلم، وتجاهلت ما للجرحى والخدمات الطبية من حقوق، ولم تميز بين عسكريين ومدنيين، ولم تراع حقوق الملكية، وداست في سورة عمياء على كل ما صادفها كما لو أن الإنسانية بعدها لن تقوم لها قائمة ولن يكون بين البشر صفاء، وهتكت كل الأواصر ومزقت كل الروابط بين الشعوب المتناحرة، وتهدد بأن تخلف وراءها ميراثاً من الحقد والمرارة يجعل من المستحيل لزمن طويل تجديد هذه الروابط وبعثها.
والأمم يمثلها إلى حّد ما الدول التي تصنعها، والدول تمثلها الحكومات التي تقوم عليها، وإنّ الفرد في أي من هذه الأمم ليجد في هذه الحرب فرصة عظيمة ليقتنع بما قد يطرأ على ذهنه أحياناً أيام السلم: أن الدولة تحظر عليه أن يرتكب إثماً، لا لأنها تريد أن تمحى هذه الآثام، بل لأنها تريد أن تحتكر ارتكابها لنفسها، كاحتكارها لتجارة الملح والدخان. وتسمح الدول المتحاربة لنفسها بارتكاب كافة الأعمال العدوانية وكل الآثام التي لو ارتكبتها الأفراد لجللهم العار. وهى تنصب كل الأحاييل المعروفة ضد العدو، وتمارس الكذب المتعمّد والغش بشكل يفوق كل ما عرف في الحروب السابقة، وتطالب رعاياها بأقصى درجات الطاعة، وأكبر التضحيات، وتعاملهم في نفس الوقت كما لو كانوا أطفالاً تضرب حولهم سياجاً متيناً من السرية والرقابة على الأخبار، وتحظر عليهم التعبير عن رأيهم، ويجردهم هذا الاضطهاد الفكري من كل الدفاعات ضد تقلّب الأحداث والإشاعات المغرضة التي تكون في غير صالحهم.
وتحلّ هذه الدول نفسها من كافة التعهدات وكل المواثيق الت يارتبطت بها مع غيرها من الدول، ولا تخجل من الاعتراف بأنها تسعى لامتلاك القوة وتشتهيها بِنَهَم، ومع ذلك فهى تطالب الفرد باسم الوطنية، أن يقرّها على ما تسعى إليه وما تشتهيه، وترفض أن يجابه طلبها بالرفض، وتأبى أن يطالبها بالامتناع عن إلحاق الضرر بالغير، وتتذرع بأن هذا الامتناع لن يكون في صالحها، مع أن الفرد لو ساير العرف الأخلاقي بشكل عام، وامتنع عن كل تصرف غير متحضّر من شأنه أن يلحق الأذى بالآخرين، لحاقه من ذلك هو أيضاً ضرر لن يكون أقل في أثره من الضرر الذي يلحقها. ورغم ذلك يندر أن تكافئه الدولة عما تقتضيه من تضحيات، ومن ثم فلن يدهشنا أن يكون نتيجة هذه التظرة تراخ في العلاقات الدولية، وأن يتأثر الأفراد بما يلمسونه في سياسة دولهم، وأن يكون هذا التأثير ضاراً بأخلاقهم، لأن الضمير الإنساني ليس هو ذلك القاضي المتشدّد الذي ينحو علماء الأخلاق إلى تصويره، وإنما هو في أصله ليس أكثر من خوف الأفراد من المجتمع، ولو لم يكن المجتمع يحاسب أفراده لما زجروا أنفسهم وقهروا شهواتهم، ولارتكبوا من الأعمال أعنفها ومارسوا الخداع والغش، وتصرفوا بهمجية لا تناسب حضارتهم، ولأتوا بكل ما نصفه الآن بأنه مستحيل.
الحرب إذن تحرّرنا من أوهام السلم، وقد يعترض على وصفنا لمعتقدات السلم بأنها أوهام، وقولنا إن الحرب تحطم الأوهام، فما نصفه بأنه أوهام، إنما هو معتقدات أقبلنا عليها لأننا كنا بها أقدر على الإقبال على ما يرضى نزعاتنا ويشبع رغباتنا، ولأننا بالاعتقاد فيها نتجنب الأزمات العاطفية، ولكننا بالعمل بمقتضاها نصطدم مع ذلك بجوانب من الواقع من آن لآخر. وإذن فمعتقدات السلم ضرورية، ولا مبرر للشكوى من أنها تبدو زمن الحرب كأوهام.
وعلى أي حال، فنحن عندما نشكو منها كأوهام، وعندما تصيبنا بخيبة الأمل، فإنما نفعل ذلك ونحن نعلم أن خلف شكوانا سببين أو عاملين، كلاهما مزّق المعتقدات وحرّرنا من أوهامها، الأول هذا الإملاق الشديد الذي تعاني منه العلاقات الخلقية الخارجية بين الدول، مع أن هذه الدول، داخلياً، تقف حارسة على العرف الأخلاقي. والعامل الثاني ما يتبدى في سلوك الأفراد زمن الحرب من وحشية لا تصدق أنها تصدر عن أناس المفروض أنهم شركاء في صنع أسمى ما بلغته الحضارة الإنسانية من أشكال.
وسأتناول هنا هذا العامل الثاني، وأحاول أن أصوغ بأكبر قدر من الإيجاز وجهة النظر التي تعترض عليه. ولنسأل أنفسنا عن الكيفية التي يبلغ بها الفرد المستويات الخلقية التي يتوصل إلى بلوغها والتي يكون عليها. وقد يتبادر إلينا للوهلة الأولى أن الإنسان منذ ميلاده ينحو بطبعه نحو الخير، وأنه يصدر في أفعاله عن نبالة أصيلة، وهو رأي لن نناقشه، ونرجح عليه القول بأن الإنسان يجري عليه التطور، وأن التطور محاولة لاجتثاث كل ميل نحو الشر، ودفعه نحو طلب الخير بتأثير التربية، وبفعل الوسط الاجتماعي المتحضر. ويدعم وجهة النظر الأخيرة التي تقول بالتطور من الشر إلى الخير، أن الإنسان، رغم كل ما يتناوله من تهذيب وما يؤخذ به من تربية، ميال للشر، تظهر عليه دلائله وكلها تشير إلى سيطرته عليه وإحاطته به.
ومع ذلك فهذا القول الأخير الذي طرحناه هو نفسه ما نختلف معه، فهو في جانب منه على صواب، لكنه من ناحية أخرى يفترض ما نعترض عليه، فالواقع أنه لا صحة لما يقال له اجتثاث الميول الشريرة. وتظهر الدراسات النفسية، أو بالأصح الدراسات التحليلية النفسية أن الطبيعة البشرية في أخص خصائصها تتكون من غرائز أولية يمتلكها كل الناس، عملها إشباع حاجات أولية معينة. وهذه الغرائز في ذاتها لا هى بالخيرة ولا بالشريرة، تمر بمرحلة طويلة من التطور قبل أن تبدأ عملها بشكل إيجابي لدى البالغ، ولكنها أحياناً تتوقف عن العمل، وتتوجه بنشاطها أحياناً نحو أهداف أخرى، وقد تنصرف إلى مناطق أخرى غير المناطق المنوطة بها، وقد تتداخل أحياناً، وقد تغير موضوعاتها، وقد ترتد على صاحبها بشكل أو بآخر، وقد تعارض بعضها البعض وتتخذ في ذلك أشكالاً تخدعنا عن طبيعتها، كأن تغير محتواها فتتحول من الذاتية إلى الغيرية، أو تقلب فيها القسوة إلى رحمة، وهو أمر سهل طالما أن الكثير من الغرائز يعمل منذ البداية في ازدواج يضم النقيضين، وهى ظاهرة يلمسها كل ذي عينين رغم أن عامة الناس قد يدهش لها، لكننا نسميها ازدواجية الشعور ambivalence of feeling(2). ولعل أوضح ما يمكن أن نضرب به المثل لهذه الازدواجية هو شعور الحب الشديد والكراهية المسرفة الذي يكون لدى الشخص الواحد والذي يظهر التحليل النفسي أنه رغم تناقض الحب والكراهية فيه، إلا أن هذا الحب وتلك الكراهية كثيراً ما يتوجهان في نفس الوقت نحو موضوع واحد بعينه.
ولا تتبلور شخصية الفرد بالدرجة التي يمكن أن نصفها فيها بالخير أو بالشر إلا بعد أن تكون هذه التقلبات التي تتعرض لها الغرائز قد تمت. ومع ذلك يندر أن يكون الإنسان خيراً تماماً أو شريراً على وجه الإطلاق، ولكنه يكون عادة خيراً في ناحية وشريراً في أخرى، أو خيراً في مواقف وشريراً في غيرها. ومن المفيد أن نعلم أن وجود بعض دوافع الشر القوية في الطفولة قد يكون هو الشرط اللازم لاتجاه بعض الأفراد نحو الخير عند البلوغ. وقد يتحول بعض الأطفال المعروفين بالأنانية المسرفة إلى أناس من أكثر أفراد المجتمع بذلاً وتضحية بأنفسهم. ونعلم أن معظم من نعرف من أصحاب النزعات العاطفية وأصدقاء الإنسانية ومناصري العطف على الحيوانات قد كانوا في طفولتهم من أكثر الناس اتجاهاً نحو السادية Sadism(3)، يسومون الحيوانات العذاب ويلحقون الأذى بالغير.
وهذا التغيير الذي تتعرض له الغرائز يؤدي إليه عاملان يتعاونان على صرفها عن الاتجاه إلى الشر، أحدهما داخلى والآخر خارجي، ويؤثر العامل الداخلي على الغرائز الشريرة أو غرائز الأنانية، ويصرفها عن أنانيتها، وهذا هو عامل الرغبة الجنسية أو الحاجة التي يتفجر بها الإنسان إلى الحب بأوسع معانيه. وتعمل مكونات الحب أو المكونات الشبقية الداخلة في غرائز الأنانية على توجيهها وجهة اجتماعية وجعلها غرائز اجتماعية. ونحن نتعلم أن حب الآخرين لنا ميزة نضحي في سبيلها بأية مزايا أخرى تتعارض معها. هذا عن العامل الداخلي. أما العامل الخارجي فهو فعل التنشئة فينا، ودفعها لنا لاحترام ما تطالبنا به بيئاتنا الثقافية، وتأييدها لهذه المطالب، ثم تأتي الحضارة من بعد لتطور أثر التنشئة وتُنمّيه، والحضارة، لو علمنا، لم تقم لها قائمة إلا عندما تخلينا عن رغباتنا في الإشباع الغريزي، وهى ثمرة نبذنا لهذه الغرائز. وتصر الحضارة أن تتقاضى كل إنسان متحضر أن يتخلى عن رغباته الغريزية وإشباعها. ويظل العامل الداخلي في محاولة دائبة ليحل محل العامل الخارجي طوال حياة الفرد. وتزيد المؤثرات الحضارية من فرص تحول الميول والاتجاهات الأنانية في الإنسان إلى ميول واتجاهات غيرية واجتماعية، وذلك كله بفضل امتزاج العناصر الشبقية بمكونات غرائز الأنانية، حتى ليمكن أن نقول في النهاية أن كل أمر يصدر في الإنسان من داخله يخدم تطوير صاحبه، ومن ثم تطوير الجنس البشري، وأنه لم يكن في الأصل سوى أمر خارجي. وإننا لنطلق اسم التكيف الثقافي على تلك القدرة الشخصية التي لكل فرد، والتي تمكنه من تغيير دوافعه الأنانية إلى دوافع غيرية اجتماعية، بتأثير طاقته على الحب. ونحن نقول إن هذا التكيف يتكون من جزءين، جزء فطري والآخر مكتسب بفعل الممارسة، ونقول إن العلاقة بينهما، ثم العلاقة بينهما، ثم العلاقة بينهما معاً وهذا الجزء من دنيا الغريزة الذي يظل دون أن يعتريه تحوّل أو تبدل، هى علاقة دائمة التغير. ومع ذلك فنحن نميل إلى أن نولى الجزء الفطري عناية أكبر، بل نذهب إلى أكثر من ذلك، فنرجح دور القدرة العامة على التكيف للحضارة، ترجحه على دور الغرائز التي تظل على حالها البدائي دون أن يطرأ علهيا أي تحول أو تبدل، ومن ثم يجوز لنا أن نقول إن الطبيعة البشرية بهذه الطريقة تتطور إلى الأحسن وتسير إلى أفضل مما هى عليه.
ويُحدث القسر الخارجي للتنشئة وللبيئة فعله على الطبيعة البشرية، ويثمر تحولاً في الحياة الغريزية نحو الخير، وينتج تبدلاً من الأنانية إلى الغيرية، لكن هذا التحول، وذلك التبدل، لا يلزمان، بالضرورة أو بصورة منتظمة، عن هذا القسر الخارجي، فالتربية والبيئة قد تغرسان في الإنسان حب الخير، بحيث يأتيه من تلقاء نفسه، وتبادله البيئة حباً بحب، وتهبه المزايا والمنافع كنتيجة للحب الذي يؤثرها به. غير أن التربية تستخدم نظام الحوافز كذلك لتحفز الأفراد على خدمة البيئة، فتكافىء المحسن وتعاقب المسىء، ومن ثم قد يختار من ستقع عليه آثار المكافأة والعقاب، أن يسلك السلوك الحسن بالمعنى الحضاري للتعبير، رغم أن غرائزه لم يجر لها أي تسامٍ، ولم يحدث لميوله أي تبدل من حال الأنانية إلى حال الغيرية.
والنتيجة واحدة في الأمرين، سواء كان دافع الفرد هو الحب أم توقع المكافأة، غير أن الظروف وتعاقبها يكشفان دائماً أن أحد الناس يكون حسن السلوك باستمرار لأن ميوله الغريزية تدفعه دفعاً إلى التصرف بهذه الطريقة، وأن غيره يكون حسن السلوك طالما أن سلوكه المتحضر يعود بالنفع عليه ويفي بمتطلباته الأنانية. غير أن المعرفة السطحية بالشخصين لن تمكننا من التمييز بينهما ومعرفة الدوافع الحقيقية لسلوكهما، ومن ثم نعدهما معاً كحالتين من الحالات التي نجحت في تحويل غرائزها الأنانية إلى غرائز غيرية، ولذلك نخطيء إذ نتفاءل ونحسب أن عدد الذين تحولوا إلى الخير بالمعنى الحضاري قد زاد زيادة كبيرة(4).
وإذن فإن المجتمع المتحضّر الذي يطالب أعضاءه بأن يسلكوا سلوكاً حسناً، بالمعنى المتحضّر لتعبير السلوك الحسن، ولا يكلف نفسه مشقة معرفة الدوافع الحقيقية التي تدفعهم إلى هذا السلوك الحسن، هذا المجتمع قد كسب لنفسه أعداداً هائلة من الناس يدينون له بالولاء والطاعة، ولكنهم لا يأتون ما يأتون بوازع من طبائعهم الحقيقة. ولقد شجعه ما أحرز من نجاح على التشدد، إلى أقصى حد، فيما فرضه من معايير خلقية، ومن ثم باعد بينهم وبين اتجاهاتهم الغريزية أكثر من قبل، وعرّضهم للمزيد من القمع، وأوقعهم تحت ضغوط هائلة، وكشفت ظواهر ردود الفعل وأعمال التعويض عما يعانونه تحت وطأتها، وبانت نتائجها في مجال الجنس في شكل الاضطرابات العصابية التي انتشرت ظواهرها، لأن القمع في الجنس من أصعب ما يمكن أن يفرضه المجتمع على الناس، أما في غير ذلك من المجالات فإن الضغوط الحضارية لن تكون لها نتائج مرضية، لكنها تكشف عن نفسها فيما يصيب الشخصية من تشوهات، وفي استعداد الغرائز المكفوفة، دائماً، على التمرد والانطلاق نحو الإشباع كلما أتيحت لها الفرصة. وإذاً فكل إنسان يجبر على الحياة باستمرار داخل نطاق المفاهيم الاجتماعية، وطبقاً لمعايير المجتمع التي لا تعبر عن ميوله الغريزية، وبذلك يحيا بالمعنى السيكولوجي فوق مستوى إمكانياته، حتى ليمكن وصفه موضوعياً بأنه منافق، سواء كان يعلم أو لا يعلم أن حياته الظاهرة خلاف حقيقته الباطنة، ولا يمكن أن ينكر أحد أن الحضارة المعاصرة تهيىء بشكل يفوق الوصف لهذا الشكل من النفاق وتؤدي إليه. ومع ذلك فإنه لِبقاء الحضارة واستمرارها، برغم أساسها السابق الذي يمكن أن يثور الكثير من الجدل حوله، كان على جيل جديد أن يحاول تحقيق المزيد من التحوّيل الغريزي، وأن يسعى لإحراز قصب السبق في مضمار تحقيق شكل أسمى من أشكال الحضارة.
وبناءً على ما سبق يجوز أن نخلص إلى أن ما نشعر به من خزي، وما نحّسه من أسى مؤلم، إزاء ما يظهر من سلوك غير متحضّر يصدر عن كل الناس في كل مكان من العالم، هو شيء لا ينبغي أن نحسّه. ويعّزينا أن ما نشعر به من خزي وأسى قد قام على أوهام انسقنا إليها، والحقيقة أن إخواننا المواطنين لم يهبطوا في سلوكهم إلى هذا الدرك الأسفل كما كنا نخشى، لأنهم في الحقيقة لم يرتقوا إلى كل هذه الذرى كما كنا نعتقد.
ويكشف تطور العقل عن خاصية لا توجد في أي نوع آخر من أنواع التطور، فعندما تنمو إحدي القري لتصبح مدينة، وعندما يكبر الطفل ليصير بالغاً، فإن القرية والطفل يختفيان في المدينة وفي البالغ، وما من سبيل إلى تتبع ما كان لأيهما من سمات سابقة في الصورة الجديدة التي آلت لهما. والواقع أن المواد والأشكال التي كانت لهما في الماضي قد نُسخت وحلّت محلها أشكال ومواد جديدة. ولكن المسألة تختلف مع العقل وتطوره، وحالة العقل هنا حالة فريدة، فكل مرحلة سابقة من مراحل تطوره تبقى وتستمر إلى جوار المرحلة اللاحقة التي تطورت عن السابقة، يحكمها جميعاً نوع من التعايش الذي يفرضه أن كل ما يطرأ على العقل من تغيرات وتبدلات إنما يجرى كَمّاً داخل إطار أن المواد التي يتألف منها هى نفسها لا تتغير. وقد تحتجب إحدى المراحل الباكرة لعدة سنوات، لكنها مع ذلك تظل موجودة، وربما تعود من جديد إلى الظهور وتبرز كوسيلة تعبير عن قوى العقل، كما لو كانت كل التطورات اللاحقة قد بطلت وانتهى أمرها. وقد يحدث أن يعفى على إحدى المراحل الأرقى ثم لا يستطاع بلوغها من بعد. لكن المراحل البدائية تظل دائماً ممكنة البلوغ والاستعادة، فالعقل البدائي عقل لا يفنى، بكل ما في هذا التعبير من معان. وقد يظن عامة الناس أن ما نسميه الأمراض العقلية. هو بالضرورة كل ما يصيب الحياة العقلية بالدمار، ويلحق الخراب بالنفس. والواقع أن الدمار لا يصيب إلا المراحل والأطوار اللاحقة. وربما كان جوهر المرض العقلي أنه عودة إلى طرقه الأولى في العمل، وظروفه الأولى التي كانت عليها حياته الانفعالية.
وإذن فإن ما يطرأ على الغريزة من تحوّل، هذا التحوّل الذي يقوم عليه التكيّف الثقافي البشري، يمكن أن يتوقف ويبطل بفعل تجارب الحياة إما بشكل دائم أو مؤقتاً. ولا شك أن الحرب على رأس القوى التي يمكن أن تفسد هذا التكيف، لكن ذلك لا يعني أن كل من يشارك في السلوك الهمجي في زمن الحرب قد فقد تكيفه الثقافي، فلربما استعاد تحضر غرائزه في زمن السلم.
وهناك مرة أخرى، ظاهرة أخرى لمسناها في الناس في عالمنا اليوم، ربما أثارت فينا من الدهشة، وصدمتنا صدمة لا تقل في تأثيرها عن الصدمة التي اعترتنا لما أصاب الناس من تدهور خلقي أفزعنا أمره كثيراً. وأقصد بهذه الظاهرة ضيق الأفق الفكري الذي لفت نظرنا في أحسن المفكرين، وصلابة دماغهم وعدم تأثرهم بما يقدّم لهم من براهين، حتى لو كانت أسطع البراهين وأدمغها، وتصديقهم الأعمى مع ذلك لقضايا متهافتة ربما كانت من أكثر القضايا تهافتاً. وإنها لصورة محزنة حقيقة تلك التي أقدّمها هنا، لكني أحب أن أؤكد أني إزاءها لست من المتحزبين ضد أهل الفكر، ولست ممن لا يرون فيهم إلا النقائص، ومع ذلك فإن ما نلمسه في الفكر من نقائص، وما نجده في الفكر من سلبيات، يمكن تفسيره بأسهل مما فسرنا به الظاهرة السابقة، فلقد علّمنا علماء الطبيعة البشرية والفلاسفة أننا نخطىء إذ نجعل الذكاء هو القوة الأفعل، ونتجاهل اعتماد الذكاء على الحياة العاطفية، ولقد علّمونا أن الذكاء البشري يعمل بكفاءة عندما يكون بمنأى عن النوازع العاطفية القوية، وإلا فإنه يتصرف كمجرد أداة في خدمة الإرادة، يستخرج من البراهين والنتائج ما يكون في مصلحة الإرادة.
وأكدت تجربة التحليل النفسي هذه النتيجة، وما تزال تكشف لنا كل يوم أن أذكى الناس يتخلى عنهم ذكاؤهم فجأة، ويتصرفون كالحمقى حالماً يتواجد ذكاؤهم في مواجهة مع مفاومة عاطفية، ولكنهم بمجرد أن يتغلبوا على هذه المقاومة فإنهم يستعيدون الحدة التي كانت لذكائهم. ومن ثم فإن المنزلقات المنطقية التي تخدع إخواننا المواطنين عن أنفسهم، وكثير منهم من النابهين وأشد الناس ذكاء، إنما هى ظاهرة ثانوية، ونتيجة للاضطراب العاطفي، ونأمل أن تختفي بانتهاء الحرب.
ولعلنا نكون قد توصلنا بذلك إلى فهم إخواننا المواطنين الذين نراهم قد نأوا عنا كثيراً، ولعل ذلك يجعلنا أكثر تحملا لما قد تتسبب فيه المجتمعات الصغيرة والأمم الكبير من مآس، لأننا قد رأينا أن ما يمكن أن نطالبهم به(5) ينبغي أن يكون في حدود استطاعتهم، وهى استطاعة محدودة. ولربما كانت هذه الأمم تستعيد في نفسها تجربة الفرد في التطور، وأنها ما تزال حتى اليوم في أشد مراحله بدائية من حيث التنظيم والشكل الذي يمكن أن تقوم عليه أرقى الوحدات الاجتماعية.
ونحن نفتقد في حالة الأمم عامل القسر التربوي الخارجي، الذي يجبر الفرد على الأخذ بالأخلاق، والذي نجح أشد النجاح في حالة الأفراد. ولقد كنا نأمل حقيقة أن يكون التشابك الواسع للتجارة والإنتاج نواة هذا القسر الذي يجبر الأمم والمجتمعات الكبيرة على الأخذ بالأخلاق، لكن الأمم ما تزال أكثر استعداداً للانصياع لأهوائها الخالصة من الانقياد لمصالحها، بل إنها لتوظف مصالحها في خدمة وتبرير أهوائها، وتتفنن في استعراض مصالحها تبرر بها إشباع أهوائها، والواقع أننا نحار في تفسير الأسباب الحقيقية التي من أجلها تكره الأمم بعضها البعض، وتحتقر بعضها البعض، وتزدري كل منها الأخرى حتى في أوقات السلم. ولربما استطاعت مراحل التطور المستقبلة، بطريقة ما، أن تغير من هذا الواقع المؤسف. غير أنه يلزم أن يكون هناك كذلك مزيد من الصدق والاستقامة في التعامل الشخصي بين الأفراد بعضهم وبعض، وبينهم وبين الذين يحكمونهم، لأن ذلك يجعل التغير الذي ننشده أسهل تحققاً وأقرب منالاً.
***
- 2 -
الموت
الموت شيء طبيعي - الموت هو موتنا نحن ومع ذلك لا نفكر فيه إلا بوصفه موت الآخرين - المهم أن نستمر في الإبحار - الحرب تواجه الإنسان بالموت وتجبره على الاعتراف به - الموت كدافع للتفكير - الموت عند البدائي. فكرة الروح والخلود والشعور بالذنب - لا شعورنا البدائي تفضحه الحروب.
***
والعامل الثاني الذي أرجع إليه سبب إحساسنا الحالي بالغربة في هذه الدنيا التي كنا نظن في يوم من الأيام أنها دنيا حلوة ومناسبة لنا، هو الاضطراب الذي حدث في نظرتنا للموت، وكنا حتى الآن متمسكين أشد التمسك بتلك النظرة.
ولم تكن نظرتنا نظرة سليمة أبداً، وكنا بالطبع نسلّم بأن الموت هو النهاية الضرورية للحياة، وأن كل واحد منا مدين للطبيعة(6)، وينبغي أن يتوقع أنه في يوم من الأيام سيوفى الدين، وبالاختصار أن الموت شيء طبيعي لا يمكن إنكاره ولا سبيل إلى الإفلات منه. ومع ذلك فقد تعودنا أن نتصرف كما لو كان الأمر على خلاف ذلك، ونظهر من السلوك الواضح ما يُستشف منه أننا قد استبعدنا الموت من الحياة ووضعناه على الرف وأخرسناه، وصرنا كما يقول المَثَل: نحاول التفكير في أشياء أخرى تصرفنا عن التفكير في الموت. وبالطبع فإن الموت الذي نتوجه بالحديث عنه هو موتنا نحن، والواقع أننا عندما نفكر في الموت لا نفكر فيه بوصفه موتنا نحن، وكلّما تخيلناه تدافعت صوره في مخيلتنا بوصفنا متفرجين، ولذلك فإننا قلنا من خلال التحليل النفسي أننا في أعماقنا لا نعترف بأننا سنموت، وأننا بمعنى آخر نعتقد في لا شعورنا أننا خالدون. أما عن موت الآخرين، فكل إنسان متحضر يتجنّب بقدر المستطاع أن يتحدّث عن موت الآخرين على مسمع منهم. بل إنه لا يتصوّر نفسه يتمنّى موت الآخرين دون أن يتّهم نفسه في مشاعره، ويصف نفسه بالقسوة وسوء النية. اللّهم إلا إذا كان طبيباً أو محامياً أو شيئاً من هذا القبيل، وكان عليه بالطبع أن يتعامل مع فكرة الموت من وجهة النظر المهنية. ومن غير ذلك فلن يسامح الإنسان المتحضر نفسه إذا تطرق تفكيره إلى تمنّى الموت للآخرين، خاصة إذا كان في موت الآخرين بعض النفع له كأن يحصل على الحرية أو يكسب بعض المال أو يفوز بمركز من المراكز. ومع ذلك فإن هذه الحساسية التي لنا تجاه التفكير في الموت لم توقف يد الموت، وكلما طالتنا كان تأثرنا بالغاً، وتقوضنا بتقوض آمالنا. ولقد تعودنا أن نؤكد أن الموت يأتي بالصدفة، في حادث، أو بسبب مرض، أو عدوى، أو بفعل الشيخوخة، وبهذه الطريقة في التفكير كشفنا عن محاولتنا التعديل من معنى الموت، فبدلاً من النظر إليه كضرورة اعتبرناه حادثاً وعَرَضَا. وتبدو فكرة موت الآلاف في نفس الوقت فكرة بشعة جداً. لكننا لا ننظر نفس النظرة لموت شخص واحد، ولربما كان شعورنا تجاهه شعور المعجبين بشخص استطاع أن ينجز عملاً شاقاً وينتهي منه. ونحن نؤجل نقده، ونتجاوز عن أخطائه، ونهتف قائلين الله يرحمه، ونجد في هذا التعبير ما يبرر أن نستعيد محاسنه ولا نذكر إلا ما ينفع ذكراه. ونحن نراعي ذكرى الميت ونحترمها مع أنه لن يفيد من ذلك، واحترامنا للميّت أعز علينا من اعتبارنا للأحياء.
وتبلغ هذه النظرة التقليدية للموت ذروتها عند إنسان اليوم المتحضر فيما نشهده من انهيار تام نصاب به كلما اختطف الموت شخصاً نحبه، كأن يكون أحد الوالدين أو زوجاً أو أخاً أو أختاً أو صديقاً عزيزاً، فنحس كما لو أن الآمال التي نجيش بها، والكبرياء الذي يملأنا، والسعادة التي تغمرنا، كلها قد دفنت في القبر معه، ولن يعزينا فيه شيء، ولن يعوضنا عنه أحد، ونتصرف كما لو كنا غير متحضرين ننتمي للقبائل الهمجية التي كانت إذا مات أحد أفرادها حكمت على أحبائه بالموت معه.
ومع ذلك فلقد كان لموقفنا هذا من الموت أثره القوي على حياتنا، فما لم نشعر أن أعز ما في لعبة الحياة، وهو الحياة نفسها، معرض للخطر، فإن الحياة تفقد ثراءها، ولن تثير اهتمامنا. ونحن نباعد بين أنفسنا وبين الخطر، ولا نعرض أنفسنا للخطر، لأننا نعلم مدى حب الآخرين لنا، ومدى ما يمكن أن يصابوا به من الحزن علينا، ولذلك أيضاً فنحن نبعد الخطر عن أحبائنا، ولا نقوى على التفكير فيما يمكن أن تفعله الأم بدون ابنها، والزوجة بلا زوجها، والأطفال نت غير أبيهم، فيما لو نزلت بهم كارثة. وإذن فالإنسان يميل إلى استبعاد شبح الموت عن تفكيره، وإلى إسقاطه من حساباته، والمهم عنده كما يقول المثل أن يستمر في الإبحار ولا يهم بعدها إن عاش أو مات(7).