eKtab
EN ع
الحب والحيرة
اقرأ عينة مجانية

الحب والحيرة

بقلم د. عبد الحسن حسن خلف

صفحة 1

دعـــاء

جنّبك الله – عزيزي القارئ – الحيرة، وآنسك في الغربة، وأفرغ عليك صبراً ساعة الوداع، وحماك من قسوة السلطان، وجمعك على المحبة مع أخيك الإنسان في العراق، وفي جميع بلاد الإسلام.

عصمكِ الله – عزيزتي القارئة – من العنوسة قبل رحيل القطار، وأسبغ عليك نعمة الرجل، وجمعك وإياه في بيت على الحب والوئام.

د. عبد الحسن حسن خلف

ميسان

20 اكتوبر / تشرين أول 2010

صفحة 2

حيرة ودليل

اللهم بك نبدأ، وعليك نتوكل، وبك نستعين، كلمات اعتاد صبيح المؤمن أن يرددها مع نفسه وأحياناً يسمعها الطلاب كلما همَّ بصعود السُلَّم ليلقي محاضراته في الفيزياء على طلاب الكلية الواقعة في الأطراف الشمالية من المدينة، إلا أنه لم يستطع الصعود هذه المرة، ولم يرَ طلابه؛ أُجبر على الخروج من الكلية عنوة لأمر يجهله، لم يسمح له بالمناقشة أو الاعتراض بل وحتى الاستفسار.. لم يدرِ إن كان الخروج عقوبة له أو اشفاقاً عليه، لاسيما أنه اقترب من العقد الخامس وجسمه الضخم لا يساعده على الإجهاد.. إذا قطع مسافة أو تكلم كثيراً أحسَّ السامعون بنفسه يتصعّد، وشعر هو بشيء من الإرهاق... قامته بدينة تميل الى الطول، ساعداه ممتلئتان وكذلك كفّاه، ينحدر أنفه نحو الشفتين بشيء من الطول والاستقامة، حلق شاربيه من أعلى، ولم يبق منهما إلا خيط يحرس الشفتين.. تشرف على الصدغين أذنان طويلتان بارزتان، بشرته بيضاء تميل إلى الحمرة. لسانه عربي وشكله كردي، كان أبوه من أهل السنَّة يطلقون عليه «المؤمن»، وأمه شيعية يقال لها «زهراء»، أما هو فقد نشأ في أهل السنة وعاش مع الشيعة، قضى حياته كلها سنياً شيعياً في الحب والهوى، لم يجرفه تيار الفتنة ولم يتأثر بنعرات الجاهلية.

كان يكره اللجاجة، ولهذا أطاع الأمر الصادر إليه من جهة عليا، أدار ظهره إلى الساحة وخرج متباطئاً.. ودع الساحة النائمة تحت السقف الذي يربط جناحي الكلية اللذين يمدان ذراعيهما نحو الفضاء، وجبهة الكلية تقابل بستان نخيل من جهة الشمال، عليه أن يقطع خمسين خطوة على وجه التقريب حتى يصل البوابة، تفصل بينهما استعلامات داخلية تبعد عن الساحة عشرين خطوة.. نزل خطوتين أو ثلاثاً عن الساحة، رأى خمسة أو أربعة من زملائه يسيرون أمامه، وعلى جهته اليسرى يسرعون الخطى، سمع أحدهم يهمس إليه بصوت خفيف وهو يسير بجانبه، عرف صوته من دون أن يلتفت إليه «أستاذ سلام» قال له بعبارة صريحة :

نحن ذاهبون إلى مسرحية، وسنكون أشخاصها وأبطالها.

أخذ الكلام على محمل الجد، لأنه لم يألف المزاح ولم يؤثر عن الأستاذ سلام الكذب، انتابه شعور بالإحراج وأحس بشيء من الخوف، قال محدّثاً نفسه: كيف يستطيع هؤلاء أن يؤدوا مسرحية لم يزودوا بنصها ولم يدربوا عليها، مع أن أجسامهم وطبيعة عملهم لا تساعدهم على أدائها أو النجاح فيها.

صفحة 3

- كاد أن يصل الاستعلامات الداخلية، أحس بالطقس والمكان يتغيران في لحظة خاطفة كلمح برق أو رمشه عين، فإذا به يجد نفسه في الجادرية غرب العاصمة، في مكان يعرفه ولا ينكره، يحدده بما يقارب نصف كيلو من الأمتار غرب جامعة بغداد، رفع رأسه نحو السماء فرأى قطعاً من غيوم قزحية متفرقة لكنها لا تتحرك، نظر إلى الأفق وكأنّ السماء تنطبق على الأرض، أو تصبح سقفاً علياً فوقها، أخذ الضباب ينتشر في الفضاء لكنه لم يحجب الرؤية، أحس به مشبعاً بالغبار، لكنه لا يرى غباراً في الجو أو على الأرض.. الشمس مشرقة بل ساطعة لكن ليس فيها حرارة، ليس في الطقس ريح أو نسيم، لكن الجو منعش ولطيف، إلا أن المؤمن أحس بالضنك، وجد سيارة واقفة، وبابها مفتوح، ذات لون بيجي تحتزم بخط أخضر و تتسع لثمانية عشر راكباً، بينه وبينها خطوات.. صعد إليها من دون أن يدعوه أحد، وكأنه على موعد معها وهي تنتظره، وجد فيها بضعة أشخاص يجلسون خلف السائق الذي لم يكن موجوداً، جلس في المعقد الثاني من جهة الباب من دون أن يسلم على الجالسين، كتفه اليمنى ملاصقة للزجاج، عرف من بعض كلمات تفوّه بها الجالسون أنّ الشخص الجالس خلف السائق بمقعد أو مقعدين هو ابن السلطان المهيوب الجانب... أدرك أنّ المسرحية واقعة لا محال، وموضوعها جاد، ومصيرها مأساة، وحياة الأبطال فيها إما السعادة أو الشقاء، إما النصر أو الهزيمة، إما الحياة أو الموت.. أحجم قليلاً، وضع كفه اليسرى على خده، وفوض أمره لخالق الأشخاص والابطال.. كانت واجهة السيارة باتجاه مبنى الجامعة بزاوية منحرفة تسمح لصبيح المؤمن أن يراها، أطال النظر إليها، لأن لونها الأبيض المصقول يثير الانتباه، يقارب ارتفاعها عشرة طوابق، ترتفع عن سطح الأرض بما يقارب عشرين مدرجاً، كأنّ السيارة كانت بانتظار الانطلاق، تصور أن الرحلة ستطول، وما كان يدري أن بينه وبين المسرح رمية عصا، أطرق يتأمل وإذا به في لحظة خاطفة يهم بصعود مدرجات الجامعة، رأى أمامه وعلى جانبه الأيسر ناساً يصعدون من الرجال دون نساء، وبشكل مألوف لا يثير القلق أو الخوف، تصور المؤمن أنه ذاهب لتعقيب معاملة أو متابعة ترقية، الباب زجاجي ذو قطعتين عريضتين باتساع المدرجات، يقترب عرضها من ثلاثة أمتار، القطعة اليمنى ثابتة، لم يبق بينه وبين الباب إلا خطوة واحدة.. يقظ ذهن المؤمن، أحس بالباب وكأنه كتاب تقلب فيه الأوراق انفتاحاً وانغلاقاً لتتابع الداخلين، ولج فيه وإذا به يرى قاعة مستطيلة مفروشة بما يشبه سندساً أخضر، والجدران مطلية بلون سمائي فاتح يناغم الفراش الأخضر، يناهز عرضها سبعة أمتار ولم يتحقق المؤمن إلى أي مدى تنتهي استطالتها، ينطلق منها نسيم كأنه آتٍ من جهاز تبريد باتجاه الداخلين، ما إن يلامسهم حتى يصابوا بنعاس شديد يجذبهم إلى الداخل.. أحس المؤمن أن الداخلين قبله يحاولون الانفلات من جاذبية النعاس وكأنهم يحاولون الهروب من مصير مجهول.. حدث تدافع ليس فيه جلبة، أحس المؤمن بالنعاس، أمال برأسه نحو اليسار، كاد أن يصرع لولا أنه تراجع خطوة واحدة.. استطاع الإفلات، انحرف إلى اليمين مع الناجين الذين يركضون في ممر ضيق، قطعوا ما يقارب ثلاثة أمتار ثم انحرفوا إلى اليسار فقطعوا ما يقارب سبعة أمتار.. أنحرف صبيح المؤمن إلى اليمين برفقة أثنين أو ثلاثة من الهاربين، وقفوا بعد ثلاث خطوات عند باب مفتوح، وجدوا رجالاً يرتدون ملابس بيضاء ذوي بشرة سوداء، يجلسون على أسرة، وفي أيديهم أطباق وهم يأكلون، عرف من لون بشرتهم وأزيائهم ولهجتهم وطيب سجاياهم أنهم من أهل السودان.. عرضوا عليهم الطعام لكن المؤمن اعتذر، رجع خطوات إلى طريق الهاربين، وجدهم يتدافعون من دون أصوات أو جلبة، وقفوا في عتبة الباب، وجدوا غرفة مستطيلة يصطف قريباً من جدارها المواجه للباب خمسة أو أربعة شبان، ذوو وجوه مرعبة، حلقوا أنصاف شواربهم، بأيديهم عصي رفيعة وطويلة تتصل بها سياط يعترضون المنحدرين من قاعة النعاس، لاصطيادهم أو دعوتهم إلى الانخراط معهم، أو الانتماء إليهم بأساليب الترغيب والترهيب، لكنهم لا يقطعون الطريق.. علاقتهم بالداخلين علاقة كر وفر، يتقدمون نحوهم لاعتراضهم بسياطهم ثم يتراجعون قليلاً إلى أماكنهم، وكأن السياط شباك صيد.

ولج المؤمن في الباب، وإذا بالشاب المواجه له يعترضه مادّاً السوط نحوه، كاد السوط أن يقطع طريقه دون أن يلامسه، والشاب يصيح به «تعال، تعال، تعال» كاد المؤمن أن يصرع، لولا أنه اندفع إلى اليمين خطوة أو خطوتين، حتى أفلت من قبضة السياط، وانطلق هارباً متوجساً، وإذا بالقاعة تنفتح أمام الهاربين وكأنها ميدان سباق.. ارتفعت سحابة من غبار، حسب المؤمن أقدام الهاربين أمامهم لكثرتها وسرعتها كحوافر خيل، أنحرفوا يساراً حتى ولجوا في باب ضيق، سلكوا ممراً طويلاً يتسع عرضه لمترين، على يمينهم جدارٌ طويل، وعلى اليسار أبواب صغيرة متلاصقة، معظمها مغلق وبعضها مفتوح، حسبها صبيح المؤمن حمامات، لمح بطرف عينه اليسرى امرأة من باب مفتوح، يوحي مظهرها بالخلاعة، ترتدي ثوباً بُنياً منقطاً بسواد منهمكة بعمل دون أن تبالي بالداخلين، انتهى الممرُ الطويل بالمؤمن وشابين اثنين على باب مواجه للممر، وكأنه نهاية المطاف، دخلوا الباب إلى غرفة مستطيلة يتسع عرضها لثلاثة أمتار، علقت على جدارها الأيمن الملاصق مقصلة، في وسطها، وقريباً من الباب، يتربع قصاب على جذع عريض مقطوع من الشجر، يقطع عليه اللحم والعظام، القصاب بدين ومربوع بشرته سمراء مطحونة، يستمع القصاب إلى جهاز ينقل أخباراً، وقف صبيح المؤمن ينظر إلى القصاب دون أن يعي أو يستوعب ما يقوله الجهاز، سمع القصاب يقول نقلاً عن الجهاز:

إنّ شخصية بارزة في الحكم سقطت من الأفلاك.

صفحة 4

وأشار القصاب بإصبعه إلى أسفل. أدرك المؤمن أنه في مكان علوي، وأن الجهاز ينقل أخباراً عن الأرض وسكانها. بعدها تراجع المؤمن ورفيقاه الشابان حتى خرجوا من عتبة الباب، وقفوا في مجاز ذي ثلاثة أمتار عرضاً وطولاً، وراء ظهورهم باب مغلق، ويمينهم إلى الممر الذي قدموا منه، ووجوههم نحو سلم آتٍ من طابق علوي لا يعرفون كنهه.. شعروا بالضيق، أحسوا أنهم حوصروا ويتمنون الخروج، وإذا بفتاة ذات طلعة تثير البهجة تنزل السلم من الطابق العلوي، كانت في الثلاثين من عمرها، بشرتها بيضاء تميل إلى السمرة طويلة القامة، ترتدي حجاباً إسلامياً، أحسوا بالاطمئنان عندما رأوها وشعروا بأنها ستساعدهم على الخروج، قالوا لها بعبارة تثير الأشفاق:

- رجاءً، نحن حوصرنا، ونريد الخروج، من أين نخرج.

- لم ترد، كانت تنظر إليهم ولا تتكلم معهم، عندما وصلت منتصف السلم النازل أشارت بإصبعها إلى الممر، التفتوا يميناً، رأوا سيدة في الأربعين من عمرها ذات وقار، تميل قليلاً إلى التربيع والقصر، شديدة السمرة، ذات أنف قصير ووجه مدور، ترتدي حجاباً إسلامياً ذا لون أسود تتكلم اللهجة العراقية بوضوح، قالت لهم قبل أن يسألوها :

- ها، تريدون تطلعون.

- أي والله.

أشارت بيدها إلى الباب المغلق الذي خلف ظهورهم :

- اطلعوا من هنا، حتى يلاقيكم باب أسود مفتوح.

أداروا ظهورهم وإذا بالباب المغلق ينفتح من تلقاء نفسه، أحسوا بالفرج، وأوشكوا أن يمشوا خبباً.. المؤمن خطا خطوتين أو ثلاثاً، افتقد صاحبيه ولا يدري أين ذهبا، أسبقاه في الخروج أم رجعا إلى الممر ؟! أحسَّ بالمكان كأنه زقورة تودي إلى باب مفتوح إلى اليسار عليه قطع سوداء تشبه القطع السوداء التي تعلق على حيطان البيوت عند وفاة شخص، يبعد الباب عنه ما يقارب سبعة أمتار، أحس بالباب والطريق والجدار الذي على يمينه كأنها تسير به إلى اتجاه عالٍ أو تؤدي به إلى سطح منزل، لم يستطع الوصول إلى الباب، ففي لحظة خاطفة وجد نفسه واقفاً في شارع السعدون، ظهره باتجاه ساحة التحرير، في مكان يعرفه ولا ينكره، وبالتحديد أمام عمارة تقع شمال ساحة النصر على يسار القادم من التحرير، انتابه شعور بالدهشة والعجب، عندما رأى الشارع عامراً والناس يتجولون بحرية لا تبدو عليهم علامات خوف أو إحساس بالرعب.. وقف يتأمل، يرى ويتفقد، التفت إلى الجهة الثانية من الشارع.

هناك رأى الدكاكين والمحلات تعمل، والمطاعم مفتوحة، والبنايات معمورة والشوارع على أتم ما تكون من النظافة والبداعة، والناس الذين يتحركون على أفضل ما يكونون من التأنق والتحضر وراحة البال.. بالأمس كان الشارع خاوياً خالياً من الزحمة إلا من المارة، لذلك لا يسلكه الرجل إلا على عجل أو خائفاً يترقب، يخشى على نفسه السلب أو سفك دمه، ولا يجد من يحميه أو يدافع عنه أو يرد حقوقه.

بالأمس كان الناس شبه أعداء يكرهون بعضهم بعضاً ويخاف بعضهم بعضاً.. كانت الشوارع مهجورة مليئة بالأوساخ والاوحال، ماذا حدث له: هل أن الدولة قويت شوكتها وبسطت قانوناً يعاقب الظالم وينصف المظلوم، أم أن الله سبحانه آلف بين قلوبهم وأصلح بينهم.. أسئلة وتأملات ازدحمت في ذهن المؤمن، إلا أن الشيء الذي أثار عجبه، وجعل نفسه في حيرة، أن الناس في الشارع قليلون يتحركون ولا يتكلمون، والشوارع خالية من وسائط النقل، والمطاعم فاخرة وعلى درجة من الرّقيّ، أبوابها مفتوحة، يحسّ أن فيها رواداً من دون أن يتحقق كأنّ بينه وبين المطعم الذي يقابله ما يقارب ثلاثة أمتار.. رأى حارس المطعم يرتدي قميصاً أبيض ناصعاً وبنطلوناً أزرق، على رأسه ما يشبه القبعة، كأنه قوام على ما يشبه أكلات شعبية «فلافل أو قطع من اللحم المشوي أو ما يسمى في عرف المدينة كص»؛ أشتهى المؤمن أن يأكل شيئاً رخيصاً ولذيذاً، رأى رجلاً يرتدي ما يشبه لباساً عربياً يسير أمامه بخطوات، أخذ ديناراً من المؤمن ليقدمه إلى حارس المطعم، لكن المؤمن لم ير النقود ولم يقدمها، والحارس نفسه لم يتسلمها.. تقدم المؤمن أمامه خطوات، أحس أن المطعم ذو جناحين، الأول كبير، أحس بوجود أشخاص فيه من دون أن يتحقق منهم، والثاني صغير إلى جانبي الشارع قريباً من الحارس.. تقدم المؤمن نحوه خطوة واحدة، رأى طاولة صغيرة على جانبيها كرسيان، عليهما إناء فيه قطعة كبيرة من الرقي الأحمر، أحست عينه ببرودتها وطيب طعمها، اشتاقت نفسه إليها، أحس أنه أكل مما كان يقوم عليه الحارس من دون أن يمسك أو يرى الأكل، أحس بلذة لم يذقها من قبل، لكن قطعة الرقي حجبت عنه وبقي في نفسه شيء منها.

صفحة 5

في لحظة خاطفة أزيح به خطوات باتجاه ساحة النصر، انحرف يساراً نحو ما يتصور أنه شارع المشجر، التفت يساراً، لم ير عيادات الأطباء.. تذكر أوجاعه في الفقرات السفلى، خفق برقبته مرتين، أحنى ظهره إلى الأمام، لم يحس فيها بألم، انحدر شرقاً باتجاه ما يعتقده أنه القصر الأبيض، قبل أن يقطع الشارع القصير شعر بأشخاص ينسلون من الشوارع القصيرة والمتفرعة مما حسبه ساحة النصر وشارع السعدون، يسرعون الخطى، يسيرون باتجاه شط كبير، أمواجه تنضح أمام ناظريه، وبخطوات تقارب الثلاثين أو الخمسين، رأى مشهداً يثير الدهشة والخوف، على جانبيه أربعة أشخاص ذوي قامات طوال بأيديهم حبل غليظ يوصل بين الضفتين، يرتفع عن السطح بما يقارب ثلاثة أمتار.

وبجانبي المؤمن جمع غفير يتدافعون ويتزاحمون على العبور، شعر بالخوف عندما رأى عدداً كبيراً من الناس يتساقطون في الشط غرقاً، يسقط كثير منهم في بدايته، وأقل منهم عند منتصفه، وبعضهم قبل الوصول، ومن الناس من يعبر بسلام.. وجد المؤمن نفسه مدفوعاً برغبة أو رهبة إلى التدافع والزحام، بينه وبين الرجلين القوامين على العبور ما يقارب ثلاثة أمتار، ناداه القوام الذي على اليسار :

- تعال صبيح تعال.

أحس بالاطمئنان، كأنه يرعاه ويفضله على غيره، التفت نحوه المتدافعون وأخذوا ينظرون إليه بحسد، مد القوام يده اليمنى نحوه، أحس بها تطول حتى وضع يده على يافوخه وسحبه، انفض المتدافعون عن طريقه، اعترضه القوام المقابل واضعاً يده أمامه وكأنه يمنعه عن العبور، وسأله :

- أقتلت مسلماً أو نفساً بريئة من أي مذهب أو ملة؟ أجابه الماسك بيافوخه :

- لا، لا، لم يفعل، صبيح مؤمن.

وضع قدمه اليسرى على الحبل متوجساً، وإذا بالحبل يتسع طريقاً سهلاً وجسراً ممهداً. ركض المؤمن فرحاً حتى قطعه بخطوات، نظر إليه القوامان في الضفة الثانية بوجهين مستبشرين، حيَّاه بكلمة «سلام» انحدر خطوات. وجد نفسه يمشي في فضاء فسيح، تقطعه شوارع عريضة وطويلة، وكأنها طرق خارجية تنحدر من مدينة كبيرة.. صعد به نحو الشمال إلى ما يتصور أنه طريق يؤدي به إلى ساحة الطيران في الباب الشرقي.

لاحت لناظريه مدينة قريبة، مرَّ قبلها بساحة إلى يساره تؤدي إلى فضاء، فيها رافعات عملاقة، توحي بأنها معدات إعمار أو بناء، تنصب أمامها عجلات ضخمة لا يقل قطرها عن مترين، تتحرك إلى الأمام بضعة أمتار ثم تعود إلى مكانها، وأحياناً تسقط ثم تنهض من تلقاء نفسها لتعاود نشاطها، ولا تتجاوز أو تصطدم إحداها بأخرى تجاورها، أو تعمل أمامها أو خلفها.. ولم يرَ المؤمن أثراً لشخص أو كائن ما يتدخل في حركتها أو يؤثر فيها.. المكان خالٍ والفضاء واسع، وكأن جهازاً بما يشبه «الريموند» يتحكم بها عن بعد، يقدمها أو يؤخرها، وأحياناً يسقطها لمشيئة يجهلها وعلة لا يدرك كنهها.. تبادر إلى ذهنه أنها تبدل دهونها وتجدد مصادر الطاقة فيها، تجاوزها وعبر شارعاً عريضاً يجاورها من جهة الشمال، وقبل أن يقطعه زاغت عيناه يساراً إلى دهليز بين بنايتين ليستا شاهقتين، فيه جنود يرتدون بدلات زرقاء غامقة، على رؤوسهم سدارات بلون بدلاتهم، لا يتجاوز عددهم عشراً، يحجزون أو يفضون نزاعاً بين متخاصمين، أحدهما قوي جبار والآخر ضعيف مسكين، يرفعون الضعيف متقابلين وهو ممدود بأيديهم، رأسه إلى الشرق، يمسك بقدميه خصمه القوي، يجذبه بقوة للفتك به أو الانتقام منه، والجنود يسحبونه جاهدين إلى الشرق لتخليصه والنجاة به، جذبه بقوة، كاد أن ينتصر عليه وأوشك، أن يفترسه.. بدت على الممدود علامات الخوف وحركات تثير الشفقة، لكن الجنود تفانوا في الدفاع عنه، وبجهد شاق استطاعوا إعادة النزاع إلى بدايته.. لمح المؤمن حركات تجمع بين العراك والمزاح، قطع الشارع وفي نفسه إشفاق على الضعيف، تجاوزهم عندما انحرف إلى اليمين، ولم يخطر في باله أن يعرج عليهم ليسألهم عن سبب النزاع بينهما... مشى خطوات، استدار بعدها إلى اليسار ليسلك شارعاً حسبه باتجاه الطيران، وجد نفسه في مدينة خالية من أي أثر للإنسان، والشوارع فارغة من أي أثر للمواصلات، لا يحس بأية حركة ولا يسمع، أي صوت، لمح على يساره بنايات بارتفاع طابق واحد مترابطة بانتظام واحد، أحس بوجود دهاليز فيها، يعجز البيان أن يحيط بوصفها وطبيعة طقسها، وأكثر ما يستطيع القول فيه إنه منعش ولطيف، ولا يحس فيه بلسعة برد أو ضنك حر... استيقظت في نفسه حاستا التأمل والتفكير، أين يمضي، وأي طريق يسلك؟ وإلى أي مكان يأوي؟ ومع من يعيش؟ تذكر بيتاً قرأه في شبابه لشاعر يتفلسف يقول فيه :

ولو أني حُبيتُ الخلدَ فرداً لما أحببتُ في الخلد انفرادا

انتابـه إحساس بالغربـة، وتيقظت في نفسه مشاعـر الحنين إلى أهلـه ومدينته.. تذكـر زوجته وأطفاله الأربعة، والقاصرين منهم خصوصاً عزيزاً وعصاماً، تذكر أن عزيزاً في صباح اليوم الذي خرج فيه ولم يعد إليهم ودعه بقوله:

«وَصَلْ أبوي للكلية، يا الله»، وعندما قطع من الشارع أمتاراً التفت إلى عصام، رآه واقفاً في عتبة الباب يؤشر بيده ويناديه «بباه بباي».. أحسّ وكأنه فارقهم أعواماً وليالي طوالاً، ضاقت عيناه بالغربة، انقبض صدره، أغرورقت عيناه بالدموع، كاد أن يجهش بالبكاء، لولا أنه رآى شاباً مقبلاً نحوه، يبعد عنه بما يقارب عشرة أمتار، لم يفطن إليه من بعيد، وكان الله قيضه له ليسأله عن مدينته... كان الشاب في العشرين، بشرته شديدة السمرة، ذو قامة معتدلة ورشيقة، يرتدي بدلة تستعمل في البيت أثناء النوم، ذات لون نيلي غامق، عندما اقترب من المؤمن سأله على الشكل التالي:

رجاءً أين الطريق الذي يؤدي إلى مرأب مدينة الثورة. التفت الشاب إلى الوراء، وأشار بيده إلى الجهة التي على يمين المؤمن، ونطق بكلمة واحدة لا زيادة فيها ولا نقصان :

أمامك.

صفحة 6

انطلق الشاب على رسله دون مبالاة أو إشفاق على السائل، ولم يخطر في بال المؤمن أن يسأله عن المدينة وأهلها والمظاهر التي تثير الدهشة والتعجب فيها.. مضيا لحاليهما، وكأنما لكل منهما شأن يغنيه.. شعر صبيح المؤمن بالارتياح، تصور أن المسافة التي تفصله عن الطريق المؤدي إلى مرأب الثورة والمتفرع عن ساحة الطيران لا تتجاوز بضع مئات من الأمتار.. مشى خطوات وفي نفسه أحلام، أن يشتري تفاحاً ورماناً لعزيز وعصام، التفت إلى اليمين، لم يشاهد محطة الوقود.. صعَّد ينظر قليلاً، لم ير أثراً لكنيسة الأرمن شعر أنه يمشي في طريق لم يسلكه ومدينة لم يشاهد مثلها، حتى اقترب من ساحة كان يحسبها الطيران.

كانت الساحة كبيرة باتساع ورحبة، تتفرع منها أربعة شوارع عريضة، على جنباتها أرصفة ذات فسحة، وبين كل شارعين تجلس عمارة أنيقة ذات اعتدال في الاستطالة، تقارب في الارتفاع خمسة عشر طابقاً، شبابيكها متقاربة، ذات متر ونصف في الطول وأقل من ذلك في العرض، مصنوعة من الألمنيوم، أو مادة تشبهه، مغلفة بزجاج عاكس، والعمارات مطلية بلون أبيض مصقول.. أحست عيناه بملاسة فيها متناهية، ولم تر أثراً لخدش أو عيب من قدم أو استعمال أو تخريب.. أبوابها والشبابيك مغلقة بإحكام، لا دليل فيه ا لوجود ساكنين مستيقظين أو نيام.

- لم يشعر المؤمن بضنك حر أو وخز برد، ليس فيها نسيم أو هواء، أو أثر لغبار أو سحاب، وطائر يطير في الجو ولا ورقة تسقط من شجرة.. الطقس مشرق ومنير ولا وجود لشمس أو قمر أو نجوم، لحمرة أو صفرة في الإنارة، لكنها تميل قليلاً إلى البياض بما يتناغم مع طلاء العمارات، والعمارات من أعلاها إلى أسفلها، والشوارع بمتونها وحواشيها كأنما غسلت بالماء والصابون.. تأمل صبيح المؤمن في هذه المعطيات، وأدرك من خلال ثقافته الفيزيائية أنه في مكان خارج نطاق المجموعة الشمسية. وقف في أحد أركان الساحة، وبالتحديد الركن الذي ينتهي عنده الشارع الذي كان يتصور أنه قادم من القصر الأبيض، ظهره إلى ما كان يعتقد ساحة التحرير، وجهه باتجاه محمد القاسم والطريق الذي أشار إليه الشاب الأسمر بأنه يؤدي إلى مرأب الثورة.

تأمل في المعطيات السابقة ولا يزال يتأمل، ولقد ساعده على التأمل بصر حديد، وبصيرة في الاستشراف، ونفاذ ذهن في التفسير والمقارنة، فكر أن يصيح بصوت عال لعل أحداً في مرأب الثورة يسمعه فيهتدي إليه، وإذا قيض لهم أن يأتوا بقضهم وقضيضهم، ماذا سيفعلون؟ أيعيشون فيها بسلام أم يتنازعون؟ أيحافظون على عمرانها وجمالها أم تراهم يخربون ويحرقون؟ أيصلحون فيها أم يفسدون؟ أيسفك بعضهم دم بعض على سمكة اصطادوها من بحيرة صدام كما فعلوا بعد السقوط؟ حزّت بنفسه مأساة بغداد وما رأى من نهب وسلب وإحراق وسفك دم وأيتام أطفال وإيماء نساء وفرهود بعد السقوط. أحس بالندم وشعر بالذنب عندما وجد ما يشبه التناقض بين تأملاته وأمانيه، أيترك مستقراً طيباً ومدينة أنيقة وطقساً زمهريراً ويبحث عن أخرى ذات غبار وأوساخ وأوحال ومشاكل عشائر؟ وهل وجد أذى مدينته لذيذاً كأنما جنى النحل أصناف الشقاء الذي يجني؟ أيكون التناقض بين الأماني المؤذية ذات الفساد والمثال الخالد الصالح عصياناً؟ ترحم على أبيه آدم في عصيانه ومفارقته الجنانِ. خفق برأسه مرتين عندما تفقد شوارع المدينة الخالدة فلم ير فيها فرداً أو يسمع صوتاً أو يحس بحركة... وجد في الغربة وفقدان الزوجة والأطفال تبريراً للتناقض والعصيان. التفت قليلاً إلى اليسار، نظر إلى الشارع المؤدي إلى جامع الكيلاني في حسبانه، دارت عيناه بين العمارتين المشرقتين على يمينه ويساره بأجفان مصعدة ونازلة، ثم زاغت عينه نحو أقصى اليسار باتجاه الشارع المؤدي إلى جامع الخلاني لعله يتطلع إلى ملامح من كنه المدينة، لكن العمارات المشرفة والمتألقة بين أركانها حالت دون إحاطة النظر بمدى سعتها ومنتهى الإبداع والجمال فيها، إلا أنه استطاع أن يلمح صورة للبعيد غير المتناهي من خلال القريب المنظور، ويستدل على شيء من كنه الغائب المجهول من خلال المشاهد المنظور، وهي أن كل شارع من الشوارع الأربعة القريبة من ناظريه تؤدي، بعد مئات من الأمتار كان يقطعها المؤمن بخطوات، إلى ساحة كبيرة تشبه أختها القريبة، وتقوم بين أركانها عمارات مشرقة هي أخوات في الصنعة والإبداع للعمارات التي تشرق بين ناظريه.

لقد أنعم على صبيح المؤمن بحواس قوية وذهن يقظ وبصيرة استشراف في لحظة لا يعلم مقدارها إلا السلطة التي أخرجت المؤمن عنوة من الكلية قبل صعود السلم. لكنه حرم من حرية الإرادة.. لم يخطر في باله أن يطرق باباً في العمارات، أو يتقدم نحوها لينظر عن قرب في شبابيكها أو يصيح بصوت عال لعل أحداً يسمعه، أو يقطع الطريق الذي قيل له إنه يؤدي إلى مرأب الثورة... كان يتأمل ولا يعمل، وأحياناً يهم بفعل شيء لكنه لا يستطيع أن يفعل، لا يتحرك إلا بإزاحة، ولا يمتنع عن فعل شيء إلا بصرفة، ولا يلتقي بأحد إلا بتفويض.. إنها لحظات لم ير المؤمن أجمل منها، ومدينة رائعة في الإبداع والإشراق لم يشاهد مثلها، ونظافة وأناقة ليس في الوجود شبيه لها، وغربة وحنين لم يمر بلحظة قبلها، وبلحظة لا يعرف مقدراها أزيح به نحو الشمال الغربي باتجاه الخلاني كما يتصور في حسبانه.. مشى بضع خطوات لا تسمح له بالتأمل فإذا به ينحدر في شارع عريض وقصير باتجاه نفق الطيران، وكأنه أعيد به نحو المكان الذي كان فيه واقفاً، يتأمل.. يقترب شكل الشارع قليلاً من المثلث، رأسه في ساحة الخلاني، وينحدر باتساع نحو ما دار في خلده أنه نفق الطيران.. أحس به تموجاً وكأنّ الشارع يتحرك، مشى خطوات، أحس إلى يساره بشخصين يتحدثان. التفت قليلاً، رأى شاباً طويل القامة إلى جانبه، أشقر يرتدي بدلة بُنية يحمل سترتها على ذراعه الأيسر، وقميصاً شكرياً تتناسق معه ربطة عنق.. سألهما عن الطريق المؤدي إلى الثورة، أشارا إلى يسارهما نحو الشارع المقابل له عندما كان واقفاً يتأمل، والذي أشار إليه الشاب من قبل... أحس بتعاطفهما معه، وأنهما يودان مساعدته في الاهتداء إليه، لكنهما اعتذرا إليه بقولهما :

- نحن في عجالة إلى المطار لنسافر إلى عمان، سألهما :

- هل باستطاعتي الاتصال بكما إذا لم أستطع الاهتداء إليه.

قالا :

- اتصل بنا إذا وجدتنا. شعرباليأس لأنهما أوحيا إليه بتعذر وجودهما. سبقاه في السير خطوات ثم اختفيا عن ناظريه.. ضاقت نفسه بالحيرة.. اعترضت طريقه فجأة امرأة ترتدي عباءة سوداء، لم يتحقق من أوصافها، ولم ير وجهها على وجه التحقيق، لكنه كان يحسبها طويلة القامة، انحرفت إلى يساره، وبقي هو ينظر باتجاه طريقه، شعر باطمئنان، تيقّظ ذهنه، واستيقظت في نفسه أفكار وأحلام، خطرت على ذهنه فكرة في لحظة خاطفة، أن يجد معها مأوى، بأن يرافقها ويعرض عليها الزواج إذا لم تكن في عصمة رجل، راوده مشروع كبير أن ينجب نسلاً من بنات وبنين، ليعيشوا في هذه الأرض الطيبة ويسكنوا المدينة المعمورة.. شعر فجأة بالأسى عندما تذكر محنة أبيه آدم وأمه حواء، أحس أن المأساة قد بدأت منذ أن «طفقا يخصفان عليها من ورق الجنة»(1)، وأنّ البحث عنها والعودة إليها طريق شاق ومنال بعيد.. غضب على الشيطان الرجيم، واستعاذ بالله العظيم من غوايته، وبينما كان المؤمن يفكر ويخطط ويتأمل ويستعيذ والمرأة واقفة إلى يساره تنتظر، إذ بصوت عالٍ من أهل الدنيا يناديه فجراً :

الله أكبر الله أكبر

أشهد أن لا إله إلا الله أشهد ان لا إله إلا الله

أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله

صفحة 7

لواعج حب

عبث الشوق بقلبي، ونسج العنكبوت أشباح الذكريات في عيني، وذابت نفسي بين حب غابر طارت وريقاته في مهب الريح، ثم حطت ثم ضاعت في شوارع الباب المعظم أو حي الحسين، كان الحب يتودد إلي، لكني لا أحسن معه سياسة التعرف والتصرف، وبين حاضر لا أملك من الأسباب ما يجعلني أتواصل معه، حب كريم من نوع راقٍ، من سجاياه الكريمة أنه لا يهجرني ولا ينقطع عني، مسالم لا يتشاجر، لكنه لا يعرف التملق أو التودد. جلست مع نفسي أحدّثها وأبحث عن أسباب التناقض معها، قلت بأسلوب الصبيان: كان يا مكان قبل أكثر من خمسين عاماً ،نشأت وإياك في قرية تجاور الوديان، ألقيت في رجلي الأصفاد، لا نبرحها مذ كنا صبياناً، لا نستطيع ركوب الحصان، ولا نجيد السباحة في نهر المصاص، سمعت الناس ينادونك عاشوراً، سألتها:

إن كان ذلك عن تأثير شؤم من تاسوعاء وعاشوراء، أجابت:

لا أدري، لكنك تستقبله مستبشراً مسروراً.

سألت نفسي عن الألعاب التي تلهو بها، هل كانت تسليها وتحقق رغبتها وتنمي مواهب التفكير العقلي وتؤهله للإبداع والابتكار، قالت:

أتذكر

كنت أتذكر أنكم تقطعون عيداناً من القصب تضعونها بين أرجلكم وتمسكون بطرف منها على أنها أحصنة تطاردون عليها، وبأيديكم ألواح من الخشب تلوحون بها على أنها سيوف تتبارزون بها تكرون وتفرون، تنتصرون أحياناً وأحياناً تنهزمون، وأعلى مراتب الإبداع لديكم أنكم تعقدون مجلساً عشائرياً يتربعه الشيخ أو المحفوظ تحيط به الحاشية والرجال المقاتلون، وكل ما تفعلون أنكم تدفعون امرأة دية لمقتول، تقفون حجراً بوجه زواج أخرى، تأمرون وتنهون أو تحثون على ارتكاب جريمة تطلقون عليها أخذاً للثأر.

تبسلون موضع الشوارب من أفواهكم، وتمسحون مواضع اللحى، على أنكم أبطال فرسان أو فرسان في الميدان، وفي الغالب أنكم ظالمون وقليلاً ما تنصفون، حتى اذا ما شبتم وكبرتم أصبحتم تحبون وتكرهون أكثر مما تفكرون، وإذا خسرتم في الحب تغنون وتبكون أكثر مما تبدعون، تحسبون أنكم مظلومون لكنكم في الحقيقة ظالمون قلت لها:

- أنت تسجعين، والسجع أسلوب النادمين والفاشلين قالت:

- وما أبرئ نفسي عن السوء إن كان في السجع سوء، لكنك تعاقبني وأصحاب السوء طلقاء، أما تتذكر ما حفظناه في الجامعة :

- غيري جنى وأنا المعاقب فيكم فكأنني سبابة المتندمِ

والجناة هم القرية وأصحاب الشوارب في القرية، والصافية عند السلطان في العاصمة: المال والسلاح.. بالأمس كان السلطان يمشي في الشارع ويأكل في الأسواق لا يعدو أن يكون واحداً من أفراد القبيلة، ومن المارقين على قيم الخير في بعض الأحيان، إذا كان للخير فيها بقايا، يتفرد عادة بقيم المبالاة والجرأة والإقدام، يكون لصاً ماهراً أو قاطع طرق أو جريئاً في السلب والنهب ولا يتورع أحياناً عن سفك الدماء، وأحياناً تضيق به السبل أو تجبره البطالة أو الفشل في الدراسة على الانخراط في حركة أو جمعية أو منظمة، وأحياناً يحالفه الحظ فيحصل على رتبة في الجيش، وفي جنح الظلام، وبالاشتراك مع هذا وذاك، وخلال سويعات الفجر، يجد نفسه زعيماً لدولة وقائداً عاماً للقوات، يجد نفسه عندئذ مثقلاً بأعباء القبيلة، يحكم بعقلية الشيخ، يحب ويكره بدافع العنصرية، ويبسط سلطانه بعصا السفاك، والسلامة لمن سلم عليه، وكل من خالفه أو اعترض عليه إنما هو قبيلة أو قبائل تحارب قبيلة الأم ويتنافس معها على المال والسلاح.

صفحة 8

سألتها إن كانت راضية أو ساخطة، سعيدة أو تشعر بالإحباط.

- قالت: لست من هذا ولست من ذاك، ذقت شيئاً من طعم النجاح، وتجرعت مرارة الإخفاق، توافر لك شيء من أسباب المعرفة ونجحت في التحصيل، إلا أنك لم تواكب الحياة، وتسير باتجاه التيار، تعرف ما كان متوافراً في القرية، وتجهل ما يباع في السوق، وما يكتب على الورق، وتجهل ما تتكلم به المخترعات.

- سألتها: إن كان في ذلك غربتها في المدينة وشعورها باليأس وضجرها من الوحدة ورتابة العيش.

- أجابت: أرفق بنا يا عاشور، عليك أن تعمل وتفكر، وعليَّ أن أحس وأشعر، إنزل إلى مدينتك، وامشِ في شوارعها، وتحدث مع أهلها، ثم علل وحلل، واسأل وفسّر.

رجع عاشور إلى مدينته التي رحل عنها قبل أربعين عاماً، يتفرع دجلة عند رأسها، ويحتضنها بذراعيه شرقاً وغرباً، حتى تُسرَح قدماها نحو الفيحاء، إذا نظرت إليها في الخارطة حسبتها فرعاء ممشوقة، وإذا تجولت في شوراعها رأيتها سوداء مكروبة، سوقها الكبير لا يزال يرتدي ثيابه القديمة في منتصف القرن العشرين، يتذكر عاشور، أنّ السوق في صباه كان أجمل وأبهى، بل كان أنظف وأليق، الأوراق مبعثرة، والعربات تزاحم المارة في طريق ضيق يصلح أن يكون طريقاً للسابلة لا شارع سوق، والناس يتدافعون، المرأة تدفع الرجل، والرجل يخشى أن يمسك بها خوفاً من عشيرتها، أيقن عاشور أن سنة التطور فيه مقلوبة على رأسها نحو الأسوأ، أهل المدينة مسالمون لكنهم إذا تشاجروا تنهض وراءهم من عشائرهم أفخاذ وبطون، يتطيرون من الحسد، وهم في ما بينهم على أرزاقهم يتحاسدون، والغالب على طباعهم ويلفت أنظار الذين لا يعرفونهم، إنهم يحلفون كثيراً على الصغيرة والكبيرة، ومنهم من يحنث في يمينه، وقد يلتمس المرء الأعذار على يمينه وقت الضيق أو الشدة في موقف الخوف، أو اضطرار الحاجة، ولكن ما عذر الذين يحلفون على أشياء لا تجلب لهم منفعة ولا تدفع عنهم أذىً.. اعتاد عاشور بعد أن سئم من كثرة ما سمعه من قسم ويمين، اعتاد أن يحلف بكلمة «صراحة» ويؤكد صدقه للشاكين بكلمة «صدقوني»، وعلل ما سئم منهم بفقر الموارد وتخلف العمران وقلة العمل، والمدينة لها تاريخ طويل من الكسل، عرفهم منذ صباه يحبون النوم والجلوس في الشميسة أيام القر والصر في الشتاء، وأجمل أمانيهم أن يقضوا اليوم الغائم الداجن مع بهكنة، وبعضهم من يمضي عليه الأسبوع والشهور وهو نائم تحت الحبوكرة ويطلقون عليها أم الحبوكر، ومنهم من يعيش بقدرة الخالق، وإذا قيض لأحدهم أن يظفر بعمل لاينجزهُ إلا على وفق سياسة «التسخيت»، وذلك أن يعمل بحركة دون بركة، ويصرف وقتاً طويلاً بإنجاز عمل قليل واقتصاد في الجهد.

والرجال منهم خصوصاً لا يتزاورون ولا يتجولون، ورفقة الصديق لصديقه، أصبحت في جداول أيامهم شاغرة، ومشاهدها غابت عن الذاكرة، والمقاهي غير موجودة، ودور السينما مغلقة، والقديم منها رآه عاشور بأم عينه وقد تحول إلى معرض للمرمر والسيراميك، وإذا طرق الصديق على أحدهم الباب لا يكرمونه، ولا يعرضون عليه الجلوس في بيوتهم حتى لو كان من باب الكلام أو الإشارة، والصداقة بمجملها وتفاصيلها لا تعدو أن تكون «السلام عليكم، وعليكم السلام»، وإذا تصافحوا معك مسكوا كفك بقوة وجذبوا ذراعك نحوهم حتى يتماسك كتفك بأكتافهم، والقبلة لا مفر منها، لا ينكر عاشور أن كثيراً من ذلك والغالب عليه هو أريحية ونابع عن طيب خاطر، لكن قبائل منهم محدودة ومعروفة مشهورة في الجنوب الشرقي من المدينة تحديداً، لها باع طويل في الغدر، حتى قيل عنهم إذا ثقب أحدهم ثقباً في الحائط فلا تدخل معه، فلا تأمن أن يومىء إلى أنصاره أن يغدروا بك من الخلف.

اصطرعت منغصات المدينة في نفس عاشور مع ما ألفه في صباه من بساطة الحياة وصدق القول وحب الصداقة وتواصل الجيران، تفاعلت هذه المتناقضات مع شعور بالغربة عن العاصمة التي قضى فيها أيام شبابه ومراحل تحصيله، وقد رحل عنها مهاجراً أو مهجراً بعد أن عصفت بها رياح العنف، رياح جاءت بالغربان، وأطاحت بالسلطان، وأدخلت معها أشكالاً من المتغيرات والمتناقضات، بعضها في صالح التطور والتقدم وآخر يرجع بنا إلى التخلف، شيء من الإعمار والإصلاح، وكثير من النهب والاستلاب، كثير من الناس تحسنت حياتهم في المعاش، وآخرون قد أثروا واكتنزوا على حساب الناس، وبين هؤلاء وأولئك من يفتح فاه للهواء.

صفحة 9

الواقع الجديد بما فيه من تذبذب بين الحاضر والماضي البعيد، كان مخيباً لآمال عاشور في بحثه عن الصديق الملازم والقائل الصادق والجار الذي يتواصل.. شكا متاعبه تلك إلى صديقه عمران الشيخ، لم يخرج الشيخ عن الصداقة المألوفة في المدينة وحدودها المعروفة والمحصورة بين «السلام عليكم، وعليكم السلام»، ولم يكن الجامع بينهما السّير على دجلة، أو التجوال في السوق، أو جلسة في مقهى أنما يلتقيان على وفق متطلبات العمل وحب المعرفة ومزاج يحسان به ولا يفكران فيه، كلاهما متوسطا القامة، يقتربان قليلاً من النحافة بدرجة واحدة، ذوا بشرة بيضاء مع ميل قليل إلى الاصفرار تحس به وكأنه من بقايا الحصار، يميلان إلى الهدوء ويكرهان العنف، وإن كان عاشور قد مر بشطحات منه في شبابه حتى الأربعين لكنها قليلة ونادرة إذا ما قيست بالآخرين، إذا تكلما وتأملت مخارج الأصوات في نطقها؛ حسبتها من دير الزير أو البو كمال أو حصيبة، وقد سمع عاشور بعض الناس يقول له: أنت من كبيسة، والجامع بينهما أنهما ينبضان بقلب عراق، قد تحررا من شوائب النعرة وعصبية القبلية ونصرة الظالم، كان عمران الشيخ يكبره ببضع سنين، ويختلف معه في التحصيل، يجيد الانكليزية ويتواصل مع جمعية في سدني وله معارف في بيروت، وعاشور يجيد العربية ويتكلم بلغة البادية يعرف طبائع المعدان، ولم ينعم بالسفر ويطلع على تطور البلدان.. كان عمران الشيخ نقي القلب لين الطبع لم تقصر يداه عن المساعدة، أعطى شكوى صديقه عاشور إذناً صاغية وقلباً مشفقاً، قال له:

لك مالي وعليّ ما عليك، وطِّن نفسك وتقبل ما أعرضه عليك، ما رأيك أن أعرفك على امرأة ذات دِلِّ وجمال، تسد عليك فراغك، تساعدك وقت حاجتك، ولا تغدر بك، تواصلك متى أردت أو أحببت ولا تنقطع عنك إذا بعدت.

استبشر عاشور وانفتحت أسارير وجهه، وقد أثلج كلام الشيخ قلبه، لم يتردد في القول :

لك عليّ فضل إذا انجزت، وأرجو ألّا تتأخر في تحقيق ما وعدت.. ضحكا سوية وانطلقا يتهامسان ويدردشان.. سلكا شارع دجلة، وعندما اقتربا من مدخل السوق الكبير، قال عاشور :

- أندخل من «حلك السوك المسكوف» عبارة سمعها منذ صباه، وكأن السوق لديهم جوف بعير، قال عمران ضاحكاً :

- لا، أخشى أن يأكلنا السوق، ولا طاقة لي في مدافعة النساء، استدركه عاشور :

- أراك تخاف أن تقع بين فكي «همزة الفصل والوصل» وما يتبع ذلك من عواقب «هات الفصل، وخذِ الوصل»، ومن أي نسب جئت وإلى أي حسب تعود ومن أي بطن خرجت وعلى أي فخذ تسير. خفق عمران برأسه وهو يتمتم. مسك عاشور من زنده الأيمن ودفعه عن مدخل السوق كي يواصل سيره، تجاوزا المدخل بما يقارب عشرين متراً، انحرفا يميناً، وسلكا شارعاً ترابياً ضيقاً خالياً من الباعة والمتجولين، ينام الصيف كله تحت الشمس ممرغاً بالماء الثقيل وفي الشتاء ممطوراً مزكوماً دون غطاء، تتكرم عليه يد العمران منذ أن أسست المدينة أيام بني عثمان، استأجرته القطط والفئران من بلدية المدينة بعقد مصدق وموثق، شرطه الأساس أن تنام فيه القطط والفئران الليل كله، حتى إذا انبلج الصباح تسرح وجهها نحو المزابل والأوساخ، تأكل ما يفيء الله عليها من المطاعم والدكاكين، تكفي عمال البلدية مؤونة الجمع والتنظيف، تعفى مقابل ذلك من فاتورة الطعام، وتكفل البلدية لها الحماية من الملاحقة أو المطاردة.. تذكر عمران وعاشور بنود العقد هذه بمزاح عندما شاهد قطة تنفر من هنا وفأراً يلوذ هناك، لا يتطلب السير في الشارع المتخلف إلا عشرات أمتار، حتى يفضي بهما إلى شارع متطور هو باتفاق الغريب والقريب قلب المدينة النابض، فيه التبضع والتدافع والتشاجر، يتقاطع مع السوق الكبير، يحتضنه بذراعيه ويسرّح قدميه جنوباً لتنام عليه شوارع المدينة القديمة، انحرف عمران وعاشور نحو اليمين بانعطاف قليل نحو السوق، خطوات متباطئة خفق معها قلب عاشور، انتابه شعور بتردد بين الخوف والخجل، يخاف أن يفشل معها وهو بحاجة شديدة إليها، ويخجل منها لأنها بمواصفات ومؤهلات تتفوق عليه، بأي طريقة يتعرف عليها، وبأي أسلوب يتحدث معها، وهو لا يجيد أساليب التعرف والتصرف، أيرفع لها بحاجبيه أم يعض لها بإحدى شفتيه، أيبتسم معها أم يضحك بملء شدقيه، لم يتخذ بذلك قراراً وترك الحبل على غاربيه، دخلا باباً عريضاً، اجتازا ثلاثة أمتار، ثم انحرفا يساراً، وجدا قاعة عريضة وطويلة تجلس على مقاعدها خمس أو ست نساء، تقدم عمران بجرأة وتأخر عنه عاشور بخطوة أو خطوتين، حتى بلغا الزاوية اليسرى، رأى عاشور أمرأة شقراء ذات طلعة ورقاء، تسرح شعراً قصيراً تبرز صدرها، وتباعد بين منكبيها، سلم عليها عمران، تصافحها وصافحها وجلس على مقعد مقابل لها وقريباً منها، اعتصم عاشور بالصمت وجلس على مقعد خلف عمران بزاوية تواجهها.. أخذ عمران يغازلها بمفاتيح يحملها، وبطريقة يشاهدها عاشور ولا يفهمها، وكأنه يمارس السحر معها، وإذا بها بعد دقائق معدودة تبتسم معه، وتكشف له عن صدرها. أحس عاشور بالغيرة، انتابه شعور بالحسد، وقد نسي قبل أيام كان يأخذ على أهل المدينة التحاسد في ما بينهم، وقد تحول اليوم إلى حاسد غيور، والشيء الذي فهمه وأيقنه أنها تجيد الانكليزية بطلاقة، ولا تستعصي عليها العربية، تتصرف بفنون القول وتعرف كثيراً من العلوم، التفت عمران الشيخ إلى صديقه مشيراً بيده اليسرى نحوه قائلاً لها :

- أقدم لك صديقي أستاذ عاشور.

هي لم ترد، أطالت النظر إليه وكأنها تبحث عن مواطن القوة والضعف في شخصيته، تردد عاشور بين النظر والإطراق، قالت له:

- أتعرف القراءة والكتابة ؟

- بذلت جهداً وقضيت وقتاً من صباي وشبابي في تقويم اليد وتثقيف اللسان، لكن البصر قد رابني منذ بضع سنين، فأصبحت لا أقرأ ما يكتبون ولا يقرأون ما أكتب، أخرجت نفساً فيه صوت من أنفها مع تمتمة قصيرة، قالت :

- يصعب عليك التعامل معي في الاهتداء إلى مفاتيح أسراري والدخول إلى مسالك طرقي والخروج منها .

شعر عاشور بالإحباط وأخرج من صدره حسرة واحدة أشار بيده اليمنى إلى عمران، قائلاً:

- أستعين بأخي وصديقي. التفت عمران نحوه وهز برأسه إلى أسفل.

- بسيطة.

أطرقت إلى الأرض برهة سألته :

- أي لغة تجيد وتحب؟

- العربية، أحبها وأحس بها «نجمة قطبية وأطلَّتْ نص الليل أعليَّ»(2).

رنت بنظرها نحوه، هز عمران الشيخ رأسه مرتين إعجاباً بروعة صديقه في التعبير العاطفي ولعله يستميل قلبها إليه. قالت :

- وما مقدرتك في الانكليزية ؟

- أعرف منها أشياء لا بأس بها: سألته من باب الاختبار :

- What is your name?

- My name is A’ashur.

- What is my name?

- Your name is ستوتة (3)

ضحك عمران الشيخ بملء فمه.. ظهرت على شفتيها ابتسامة خفيفة. ثم قالت :

- الغربيون يسمون المرأة «مسز» والعرب يطلقون عليها سيدة أو آنسة، ويقتربون من الغربيين عندما يقولون عنها «ست»، ولم أسمع أحداً يقول لها «ستوتة» إلا أنت. احمرت وجنتاه وأطرق قليلاً، ثم قال :

- أرجو المعذرة، لأن ظروفي الخاصة لا تسمح لي بمسايرة التطورات السريعة، قالت :

- هل تعرف شيئاً عن المخترعات ؟

صفحة 10

- أعرف «الراديو، والتلفزيون، والثلاجة، والمروحة التي تدور في السقف».

- هل تعرف وسائل التبريد ؟

- نحن لا نستخدمها لأن الكهرباء عندنا مقطوعة.

- لماذا ؟

- قصفها الأمريكان.

- هل حاولتم إصلاحها ؟

- بذلنا جهداً وصرفنا أموالاً طائلة في أصلاحها.

- أصلحنا قسماً ولا يزال الآخر مخرباً، وقسم ثالث أعيد تخريبه.

- ومن المسؤول ؟

- الذين يعمرون أصحاب الرؤوس الكبيرة من الوزراء والساسة المتعطشين وفيلق الإعمار من مهندسين ومقاولين الذين يسرقون أكثر مما يصرفون ويخربون بقدر ما يعمرون، فضلاً عن الإرهابيين وقسم من أبناء وأهل المروءة والغيرة من أبناء العشائر والمتنافسين على السلطة والثروة.

- لماذا تأخرت عن مواكبة الحياة واللحاق بركب التطور والمخترعات ؟

- خضعنا للسلطان في وقت متقدم وعرفنا الحرية متأخرين، وتعاقبت علينا عقود من الكبت والضغط والتسلط، وانقسم الناس على حاكم ومحكوم وسلطان وعبيد والسلاطين في سياسة التسلط أذكياء، وهم على دراية ويقين بأن السيطرة على الأعمى أسهل من البصير، وعلى الجاهل أسهل من المتعلم و على المتخلف أيسر من المتطور، حتى قضينا صبانا وشبابنا لا نسمع إلا أصواتهم، ولا نرى غير صورهم ولا ندين إلا بالولاء لهم، ونجهل كل شيء إلا ثقافتهم والأشعار التي تمجدهم.

حدث صمت قصير عندما سكت وأطرقت بنظرها وكأنها تفكر في اتخاذ موقف أو الحكم على واقع عاشور.. أعجب عاشور بتصرفها وشعر برغبة شديدة فيها وحاجة ملحة إليها.. طموحه في ظرفه ذاك أن يتصل بها ويظفر بعلاقة ودية معها.. كانت العاطفة تلح عليه، استغل لحظة صمتها، وسألها :

- ثقي وتأكدي أني أحبك، وسأكون إن شاء الله وفياً معك، ولن أفارقك طيلة حياتي، فهل من سبيل إلى عقد تواصل معك؟ أجابت دون تردد :

- إذا سعيت واجتهدت، أو عادت قوة البصر إليك.

رفع نظره وكفه إلى أعلى يدعو :

- رب إشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واكشف الغمامة عن بصري، ثم قال :

- عرفت عني ما لا أعرفه عنك، وجهلت عنك ما تعرفينه عني.

قالت :

ولدت قبل أربعين عاماً لأب لم يمس أمي. والناس منذ ذلك الوقت يعرفونني ويتصلون بي، ولعلك آخر من يعرفني في هذه الدنيا، أنا لست ليلى أو لبنى هواك. أنظر بعينك واحكم بعقلك وخفف من غلواء عاطفتك.. أنا شبكة عنكبوتية أمدّ خيوطي إلى أقطار العالم كلها في مشارق الأرض ومغاربها، ولست العنكبوت الذي ينسج أشباح الذكريات في عينك.

فتح عاشور عينيه باستغراب، نهض من مقعده، وتقدم نحوها حتى كاد أن يلثمها، حدق في وجهها وهو يقول :

- انتِ التي يقولون لك «آت يا هو، دوت كوم، انترنيت».

هزت رأسها مرة واحدة وهي تقول بصوت رقيق :

- Yes.

مسك عاشور أطراف لحيته التي علاها الشيب وهو يردد :

ألا ليت الشباب يعود يوماً.