eKtab
EN ع
الحضارة العربية الاسلامية في المغرب (العصر المريني)
اقرأ عينة مجانية

الحضارة العربية الاسلامية في المغرب (العصر المريني)

بقلم د.مزاحم علاّوي الشاهري

صفحة 1

أولاً: بنو مرين

1- أصلهم

ينحدر نسب بني مرين إلى قبائل زناتة القديمة العهد في بلاد المغرب العربي والتي تفرعت عنها بطون كثير وقبائل جمة(1).

وأرجع بعض المؤرخين قبائل زناتة إلى اصلها العربي وردّها إلى جدها برّ بن قيس عيلان الذي نزح إلى بلاد البربر(2). الذين كانوا يسكنون المناطق التي تطل على البحر الأبيض المتوسط في المنطقة المحصورة ما بين بلام الشام ومصر(3).

أما فيما يتعلق بانتقال بر بن قيس عيلان فقد ذكر ابن أبي زرع انه تزوج من البهاء بنت دهمان بن عيلان بعد أن وقع خلاف بين إخوته في شأن زواجها من احدهم، فكان ذلك سبب انتقاله من موطنه الأصلي إلى بلاد أخواله البربر آنذاك.

بعد أن شعرت والدته بالخطر عليه وعلى زوجته، أما عن حالة في ارض أخواله البربر فقد استقر فيها وأنجبت له البهاء ولدين: علوان ومادغيس، مات الأول صغيرا وبقي مادغيس وكان يلقب بالأبتر وهو أبو البتر من البربر (4).

وقد قدم بعض المؤرخين الرواية نفسها بصورة اقتربت من الأسطورة كأن يقول في انتقال بر: «وشردت له ناقة فتبعها فوقعت في بلاد أخواله من البربر» (5).

وعلى الرغم من اجتماع معظم المؤرخين على إرجاع زناتة إلى بر بن قيس، إلا أن ذلك لا يعني خلو الروايات التاريخية ممن ينكر عليهم هذا النسب (6)، غير أن الذي بين أيدينا شواهد كثيرة نقلتها المصادر التاريخية، مشيرة إلى انتقال بر بن قيس إلى بلاد البربر وما استجد عليه من حال، كما نسبت إلى تماضر بنت قيس أبياتا من الشعر ترثي أخاها الذي ابتعد عن موطنه، وتغير لسانه، وكأنه لم يعش بأرضه نجد، ولم ينطق اللغة العربية قبل ذلك(7).

ومن الوثائق المهمة التي قدمت لنا موقفا واضحا، ودليلا قاطعا على إزالة اللبس والغموض في نسبهم ما نقله مؤلف الذخيرة السنية في عروبة قبائل زناتة وهي انه لما فتح القائد حسان بن النعمان (8). إفريقية والمغرب العربي كانت أكثر جيوشه من قبائل قيس، فلما وصل جبل أوراس وجد أن قبيلة زناتة قد اجتمعت لقتاله، فدعاهم إلى الإسلام وقال لهم «يا معشر زناتة انتم إخواننا في النسب، فلم تخالفونا وتعينون علينا أعداءنا؟ أليس أبوكم بر بن قيس بن عيلان؟ قالوا بلى؟ ولكنكم معشر العرب تنكرون لنا ذلك وتدفعوننا عنه، فإذا أقررتم بالحق ورجعتم إليه فاشهدوا لنا به على أنفسكم» فتم لهم ذلك كتب الحاضرون من وجوه قيس وزناتة هذه الوثيقة ونصها: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما شهد به أنجاد قيس لإخوانهم زناتة ابن بر بن قيس عيلان أن أقررنا لكم وشهدنا على أنفسنا وعلى آبائنا وأجدادنا أنكم معشر زناتة من ولد بر بن قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان فأنتم والحمد لله إخواننا نسبا واصلا ترثوننا ونرثكم، نجتمع في جد واحد، وهو قيس عيلان فلكم مالنا، وعليكم ما علينا» (9).

ويبدو واضحا أن هذه الوثيقة لها أهميتها التاريخية، غير أن الذي لابد من الإشارة إليه هو أن مؤلف الذخيرة لم يذكر المصدر الذي اعتمد عليه في نقلها بل اكتفى بالقول و«لم تزل نعرف ذلك ونتوارث علمه وصحته من آبائنا ومشايخنا وأهل العلم بالتاريخ والمعرفة بالأنساب منا، يأخذه كابر عن كابر، وعادل من عادل» (10).

ومما يجدر بالتأمل أن المصادر التاريخية حفلت بالكثير من الروايات التي تشير إلى التأسف بسبب ماطرأ على زناتة، لاسيما تبدل لسانها عن العربية شأنها في ذلك شأن غيرها من أخواتها قبائل المغرب، فالمزوزي في أرجوزته(11)، وقف مفسرا لهذه الظاهرة، مبينا ماطرأ على زناتة من تبدل لسانها، نتيجة ابتعادها عن موطنها الأول غير انه لم يتجاهل واقعها الحياتي الذي كان يعتمد أصوله من منبعه العربي، كما انه أشار إلى أن قبيلة زناتة كانت تضاهي القبائل العربية في ميادين شتى (12).

ومما يلفت الانتباه أن الإحساس بالتفرقة ما بين العرب والبربر كان أمر يضجر منه سكان تلك البلاد، بل أنهم يرون فيه مغالطة للحقيقة وأيها ما بعده إيهام، لذلك اندفعوا إلى إظهار اعتزازهم بالعروبة مع الوقوف بوجه من يحاول أن يؤجج نار الفرقة ما بين العرب والبربر، وأكد احدهم عمق الروابط والأصول فيما بينهم، وان منبتهم واحد، وقيمتهم تأتي من خلال وحدتهم التاريخية في الأرض والنسب والتطلع، تلك التي طالما تناساها الكثيرون أو حاولوا إغفالها، وهم يدركون انه لا يمكن فهم عراها مهما تغيرت الأحوال(13).

وعلى آية حال فإن قبائل زناتة بصورة خاصة والبربر بصورة عامة أدركوا هذه المحاولات في عزلهم عن العرب، فكانوا يظهرون اعتزازا بنسبهم دون نكران للظروف الحياتية التي طرأت عليهم في بلاد المغرب العربي أي بربريتهم،أنهم تعاملوا معها بروح واقعية على مستوى الفكر والممارسة، فذكروها، ولم يتجاهلوها، وكانوا يذكّرون الآخرين دوما من أين كانوا ولأي شيء ينتمون، وفي قول يزيد بن خالد وهو من شعراء زناتة خير دليل على ذلك:

أيها السائل عـــن احسابنــا

قيـس عيلان بنو العــز الاول

وبنوبر بن قيس من بـــــــه

تضـرب الامثال في كــل اهل

ان نسبنـا فبنو بر النـــــدى

طـارد الازمة نحــار الابـــل

من تـردى سالف المجد علا

وبـرودا فاكتســى منها حلـل

ان قيسا يعتـــزى بـــــر له

ولبّر يعتــــزى كـــل بطـــل

حسبك البربر قومي انهـــم

ملكوا الأرض بأطراف الاسل

وببيض تضرب الهـــام بهـا

هام من كان عن الحق نكل (14)

وأخيرا فقد ذكر بعض المؤرخين نسبا يرقى إلى علي بن أبي طالب لقبيلة مرين بعد تسلمها زمام الحكم(15)، وهي برأينا لا تخرج عن محاولة بعض الشخصيات للتقرب من الدولة المرينية لغايات عديدة (16)، أما موقف الدولة الرسمي إزاء ذلك فقد أوضحه السلطان يوسف بن يعقوب عندما قدمت له شجرة النسب تلك فقال للذي احضرها «أما هذا فقد شكرنا تهممك به وحمدنا لك مسعاك، وهذا شيء إن كان على ما قلته فنرجو النفع به عند الله في العقبى وان كان غير ذلك، فلا خير لنا في الشك بما فيه مطعن علينا» (17)، وعلى ضوء ذلك نقول أن إظهار الدولة المرينية لنسبها العربي والتأكيد عليه بعد تسلمها الحكم أمر طبيعي لانهم كذلك، والشيء الذي لابد أن نذكره أننا لم نلمس ما يفسر استخدامها له ولغرض ما، أو أن هذا الأمر كان حاجة ملحة في ترجيح كفتهم على صعيد الصراع السياسي مع الموحدين أو بعد ذلك، ولابد أيضاً من أن نشير إلى أنها رعت العربية رعاية خاصة بجعلها اللغة الرسمية في البلاد(18).

وأخيرا فقد ذكر البعض نسبا لأميرهم عبد الحق بن محيو فهو «ابن أبي بكر حمامة بن محمد بن ورزير بن مجوس بن جرماط بن مرين بن ورتاجن بن ماخوخ ابن وجديج بن بن فاتن بن نظر بن يحبت بن يصليتين بن مسرى بن زاكيا بن ورسيكر بن زانات ابن جانا بن تامزيت ابن خمريس بن رجيح بن مادغيس الأبتر بن بر بن قيس عيلان ابن مغز بن نزار بن معد بن عدنان» (19).

صفحة 2

2- بيئتهم حتى دخولهم المغرب

انتشر بنو مرين في المنطقة المحصورة ما بين فجيج وسجلماسة وملوية، وربما وصلوا أحيانا إلى منطقة الزاب(20)، ووصفهم احد المؤرخين بأنهم «لايعرفون الحرث ولا التجارات ولا يشتغلون بغير الصيد والغارات جل أموالهم الإبل والخيل» (21).

إن الطابع الرعوي الذي اتسمت به حياة بني مرين فرض عليهم البحث والتنقل لإيجاد المراعي الخصبة، إدامة لحياتهم ولماشيتهم التي كانوا يربونها والتي كانت تشكل عنصرا أساسيا من حياتهم، وكانت أيضاً سببا في توجههم سنويا إلى المناطق الشمالية من بلاد المغرب للتزود بما يحتاجون إليه، ولبيع ما في حوزتهم منها، وقد كانت رحلتهم السنوية تتم في فصل الصيف حتى إذا أوشك الخريف على الانتهاء، عادوا للتجمع في منطقة كرسيف(22)، التي عدت قاعدة لهم وقلعة لحفظ أمتعتهم، متجهين إلى جنوب البلاد، استعدادا لقضاء فصل الشتاء هناك (23)، وبحلول سنة 610هـ- 1213م، اضطروا إلى مغادرة موطنهم، حيث سكنوا في المنطقة المطلة على وادي ملوية، بسبب الخلافات القبلية الحادة التي نشبت بينهم وبين أبناء عمومتهم بني عبد الواد(24).

إن الظهور المفاجئ لبني مرين في مطلع القرن السابع الهجري شكل منعطفا كبيرا على صعيد تغير العلاقات السياسية في المغرب العربي بصورة عامة وذلك يثير فينا تساؤلا مهما، هو لماذا لم يكن لبني مرين أثر قبل هذه الفترة على صعيد الأحداث السياسية؟ وفي اعتقادنا أن ذلك يتعلق بأمرين أساسين أولهما: أن قبيلة بني مرين – وكما هو معروف- كانت تعيش قبل دخولها المغرب الأقصى على نمط من الحياة الاقتصادية الذي يمكنها فقط من توفير حاجاتها الاقتصادية التي كانت تشكل جل اهتمامها، غير أن ذلك الأمر لم يكن ليعزلها عن المشاركة في الأحداث السياسية الكبرى لاسيما في مهمة الجهاد على صعيد بلاد الأندلس(25).

وثانيهما: أنها كانت تعيش عزلاً سياسياً من قبل الدولة الموحدية على عكس بعض فروع زناتة كبني عبد الواد الذين شهدوا محاباة ورعاية في علاقتهم مع الدولة الموحدية(26).

إن العامل الذاتي الذي كان يكتنف حياة هذه القبيلة والذي عبر عنه كنون بقوله «ولم تكن هذه القبائل في بلادها فوضى لا نظام لها ولا قانون بل كانت خاضعة لأحكام الشرع الشريف في معاملاتها وأحوالها الشخصية وكانت تقيم على رأسها زعيما كسائر القبائل، يسمى الأمير تحقيقا لاستقلالها الذاتي» (27)، والظرف الذي كانت تشهده البلاد في النصف الأول من القرن السابع الهجري في ظل الدولة الموحدية، شجعا هذه القبيلة على الظهور، وأداء دورها في تاريخ المغرب ليس على مستوى الحياة السياسية فحسب بل وفي المستويات كافة.

وأخيرا نقول أن هذه القبيلة، قامت حضارتها بخلاف المرابطين والموحدين الذي تبنوا اتجاها دينيا (28)، ولذلك كان لإنجازها الحضاري طعم آخر، له شخصيته المميزة في تاريخ دول المغرب الأقصى قاطبة.

صفحة 3

3- صراعهم مع الموحدين

تعاقب على رياسة بني مرين رؤوسا كثيرون قبل دخولهم المغرب، حيث كانت لمحمد بن ورزير بن فكوس بن كرماط بن مرين، ولما توفي قام بأمرهم اكبر أولاده حمامة بن محمد، ثم خلفه أخوه عسكر، وولده المخضب الذي ظل على زعامة قومه حتى قتل قي موقعة قادها ضد الموحدين في مكان يعرف بفحص مسون في سنة 540هـ-1145م (29).

تولى عبد الحق بن محيو زعامة قومه بعد أن كانت لأبيه، كما استمرت فيما بعد بأبنائه، وقد اظهر الأمير عبد الحق براعة سياسية، «وكان عالما مشهوراً وأميرا مطاعا يقفون عند أمره ونهيه، ويصدرون في جميع أموره عن رأيه» (30)، وفي أيام إمارته على بني مرين بدأ ضعف الموحدين وزحف المرينيون نحو الشمال، حيث دخلوا أراضي المغرب الأقصى عن طريق وادي تلاغ (31)، وأقاموا ببلاد الريف وبطوية (32).

اخذ المرينيون يغيرون على النواحي المجاورة لهم ويتصرفون بلا وازع من السلطة الموحدية، لاختلال حالها، فشكا الناس حالهم إلى الخليفة الموحدي وقتئذ يوسف المنتصر الذي أمر بتشكيل قوة بقيادة الشيخ الحسن بن واندين، وكلف عامل فاس إسحاق بن يوسف بمساندته، وكانت القوة مكونة من عشرة ألاف مقاتل (33).

التقت القوتان عند وادي نكور بفحص الوادي ما بين رباط تازا والمقرمدة سنة 613هـ-1216م فمنيت قوة الموحدين بهزيمة منكرة وأطلق على هذا العام عام المشعلة (34). وهذا مما حفز قبيلة بني مرين على شن حملة في السنة نفسها على رباط تازا وقتل عامله(35).

لم تقف الدولة الموحدية مكتوفة الأيدي إزاء الانتصارات المرينية المتلاحقة فعمدت إلى توظيف بني عسكر الذين اغاضهم انتصارات بني حمامة أبناء عمومتهم فتحالفوا مع عرب رياح ضد بني مرين، وتمكن هذا الحلف من تحقيق انتصار عسكري على بني مرين بالقرب من وادي سبو على اميال من تافر طاست بوا جرمان(36)، ونتج عن تلك الموقعة مقتل الأمير عبدالحق وولده إدريس اللذين دفنا في تافر طاست في الموضع المعروف بسوق الجمعة(37).

عقد بنو مرين لأبي سعيد عثمان بن عبد الحق في سنة(614هـ/ 1217)(38). بعد أن خاضوا معركة ثانية ثأرا لقتلاهم، لم يهدأ أوراها حتى تمكنوا من إخضاع عرب رباح لطاعتهم وإرغامهم على دفع ضريبة سعرية لهم (39).

استطاع الأمير عثمان بن عبد الحق أن يخضع عدة قبائل أخرى لنفوذه كهوارة وزكارة وتسول ومكناسة وبطوية وفشتالة وسدراتة وبهلولة ومديونة، كما فرض على أهالي فاس ومكناسة ورباط تازا وقصر عبد الكريم ضريبة سنوية لقاء حمايتهم، كما تمكن أيضاً في سنة (620هـ/ 1223م) من إخضاع قبائل جناته والقبائل العربية التي كانت تسكن منطقة ازغار، وعين عمالا عليها(40)، وبحلول سنة (625هـ/ 1227م) خضعت كافة القبائل التي سكنت وقتئذ وادي ملوية إلى رباط الفتح، ولم يزل على هذا المنهج حتى اغتاله علجبوادي ردات سنة (638هـ/ 1240م) (41).

بايع المرينيون أخاه محمد بن عبد الحق الذي «اقتفى سنن أخيه في تدويح بلاد المغرب واخذ الضريبة من أمصاره وجباية المغارم من باديته» (42)، إلا أن الدولة الموحدية تمكنت من تحقيق هزيمة كبيرة للمرينين بالقرب من فاس بمنطقة تدعى أغلان سنة (642هـ/1244م) وولي أخوه الأمير أبو بكر بن عبد الحق (43).

تمكن المرينيون في عهد أميرهم أبي بكر من السيطرة على مكناسة سنة (643هـ/ 1245م) بعد أن انحاز إليهم واليها على بن أبي العافية، ولما كانت سنة (645هـ/ 1247م) تقدم السعيد لاسترجاع فاس فتراجع بنو مرين أمامه باتجاه منطقة تازا والريف، شعورا منهمبعدم القدرة على مواجهة قوته، فعادت مكناسة إلى الموحدين، كما أرسل الأمير أبو بكر ببيعته إلى الخليفة السعيد، وأرسل له خمسمائة مقاتل من بني مرين تأكيدا لولائهم (44).

استطاع المرينيون إخضاع فاس في سنة (646هـ/ 1248م) أي بعد أن لقي الخليفة السعيد مصرعه على يد بني عبد الواد، ولم تستقر الأوضاع فيها حتى سنة (648هـ/1250م)، عندما تمكن المرينيون من تصفية العناصر الموالية للموحدين الذين تأمروا عليهم عندفتحها أول الأمر(45).

استطاع الأمير أبو بكر السيطرة على سلا ورباط الفتح في سنة (649هـ/ 1251م)، غير أن الخليفة المرتضى الموحدي عزم على استرجاع المدن التي سقطت بيد المرينين، فجهز خطة عسكرية سنة (653هـ/ 1255م) تقدر بحوالي ثمانين ألاف مقاتل فالتقى بالمرينينعند احواز فاس في موضع يدعى بتي بهلول وانتهت المعركة بهزيمته، وكانت من المعارك التي شجعت المرينين على السيطرة على بلاد تاولا وسجلماسة ودرعة التي سقطت في قبضتهم سنة (655هـ/ 1257م)(46).

توفي الأمير المريني سنة 656هـ/ 1258م فأعطيت البيعة لابنه عمر في حين فضل أشياخ بني مرين عمه يعقوب بن عبد الحق الذي وصل إلى فاس، بعد أن كان في تازا، فتمت له البيعة بعد أن قضى ابن أخيه أشهرا قليلة فيها (47).

وعرف عن الأمير يعقوب بن عبد الحق انه «لم تهزم له قط راية ولم يكسر له جيش ولم يغز عدوا إلا قهره ولا لقي جيشا إلا هزمه ودمره ولاقصد بلدا إلا فتحه»(48). وتمكن في سنة 658هـ- 1259م من إخضاع انفا (الدار البيضاء) وتامسنا، وفي السنة نفسها أدرك المرتضى الموحدي تعاظم أمر المرينين فلم يجد بدا من مهادنتهم، فأرسل هدية إلى الأمير يعقوب، وطلب عقد صلح بينهما على أن يكون وادي أم الربيع الحد الفاصل بينهما، إلا أن ذلك كان أشبه بهدنة أرادها المرتضى استعدادا لمجابهتهم، وفعلا قامت بينهما في سنة 659هـ-1250م موقعة أم الرجلين التي انتهت بهزيمة المرتضى(49).

أما في سنة 660هـ - 1261م فقد توجه الأمير يعقوب قاصدا مراكش فتصدت قوات المرتضى بقيادة إدريس الملقب بأبي دبوس، فاشتبكت القوتان، إلا أن القوات المرينية انسحبت على أثر مقتل الأمير عبد الله بن يعقوب، وكان الخليفة المرتضى قد أدرك خطورة هذاالأمر، فأرسل تعزية للأمير يعقوب، وتعهد له بدفع ضريبة سنوية، على أن تحل الخلافات بينهم، إلا أن الأمير المريني لم يوافق على ذلك وذلك لأن حلم السيطرة على مراكش مازال يراوده(50).

هرب قائد الجند الموحدي أبو دبوس إلى الأمير يعقوب بن عبد الحق لوشاية وصلت أسماع المرتضى، وطلب منه أن يعينه على المرتضى مقابل إعطاء الأمير يعقوب نصف الأراضي التي يسيطر عليها، فكتب الأمير يعقوب بن عبد الحق إلى القبائل العربية وهسكورة يطلب منه مؤازرته (51).

قام المرتضى باعتقال شيخي قبيلتي بني سفيان وجابر، فأثار ذلك استياء ضده، بينما عزز ذلك من دور أبي دبوس الذي تمكن من اقتحام مراكش، في الوقت الذي هرب فيه المرتضى، والتجأ إلى صهره ابن عطوش والي ازمور الذي أرسله مكبلا إلى أبي دبوس فتمكن من قتله في صفر من سنة 655هـ / تشرين الثاني 1266م (52).

لم يف أبو دبوس بالعهد الذي قطعه على نفسه للأمير يعقوب فتقدم الأمير إلى مراكش، فاتجه أبو دبوس بأنظاره إلى يغمراس بن زيان طالبا نصرته، فاضطر الأمير يعقوب إلى مواجهة الأخير في وادي تلاغ سنة (666هـ/ 1267م) فكانت الدائرة على يغمراس بينما عادالأمير يعقوب بسحبه بعيدا عن العاصمة مراكش، وما أن وصل إلى وادي غفو حتى كر راجعا، وشعر أبو دبوس بضعفه أمام المرينين فحاول الهرب إلا انه لم ينج من قبضة المرينين، فقتل في ميدان الحرب، وانتهت به دولة الموحدين(53).

صفحة 4

ثانياً: تولي أبي الحسن علي بن عثمان الحكم المريني

1- نشأته

هو علي بن عثمان بن يعقوب بن عبد الحق المريني، يكنى بأبي الحسن، كما يعرف بـ «أمير المسلمين» وهو اللقب الذي غلب على سلاطين بني مرين، منذ أن تولى مؤسس دولتهم يعقوب بن عبد الحق، كما عرف بالأكحل(54).

ولد بتفرديون في صفر عام 697هـ/تشرين الثاني 1297م (55)، وكان منذ نشأته متميزا عن اقرانه، ملازما لمسجد المقدسي بالعباد السلفي يواظب على الصلاة، ويستمع لمن يقرأ فيه، وقد تربى على مبادئ دينية وأخلاقية سليمة (56)، وقيل عنه انه كان من شدة تقواه وخوفه من الله يبكي كلما قرأ القرآن بين يديه (57).

أما عدله فقد وصفه احدهم بأنه «اعدل من رؤى من الملوك في هذه الإعصار»(58)، وأضاف آخر انه «آخر ملوك العدل نشأة» (59). وليس أدل من عمق هذا الوصف الذي نعته به ابن مرزوق حيث قال «كان أمامنا.. اشد الأئمة مسارعة لحسنة يبديها ولسيئة يمحو أثرها، فقامت السنن في مدته على ساق، وذهبت آثار البدع ولم يبق لها انتظام ولا اتساق»(60)، وأضاف آخر عن تقاليد يومية اتبعها السلطان في جلوسه للمظالم ووصفه بأنه كان يجلس في قبة معلومة والأشياخ من حوله يتقلدون سيوفهم، فيحضر الشاكي، فيصيح من بعيد: «لا اله إلا الله انصرني نصرك الله» عندما تؤخذ قصته، فإذا عاد إلى قصره، تدارسها مع كاتب السر، وبت فيها (61).

ومن دراستنا للبيئة التي عاش فيها السلطان أبو الحسن، يتضح لنا انه عرف وعاصر مجموعة من العلماء الذين اغنوا الحياة العلمية في المغرب آنذاك، ويكفي أن نتعرف على مجلس أبيه الذي كان يضم أمثال القاضي أبي عبد الله محمد بن أبي الحسن الملييلي، والرحالة أبي عبد الله بن رشيد الفهري، والأديب أبي محمد عبد المهيمن بن الإمام أبي عبدالله الحضرمي، وأبي عبد الله بن مدين (62)، وهذا بطبيعة الحال لا يعني أن السلطان أبا الحسن قد استقى ثقافته من هؤلاء فقط وإنما عنينا بذكرهم لدورهم في مجالس المرينين في حكم أبيه، على أن مجلس أبيه كان أيضاً يضم أدباء وعلماء كان لهم – بلا شك – الفضل في بناء شخصية السلطان أبي الحسن الثقافية والدينية.

ويكفي لذلك أن نرى مقدار اهتمام والده وأجداده بمراكز العلم والمدارس وتوفير عناصر ديمومتها، خدمة لطالبي العلم، وتشجيعا للعلماء لنعرف بالنتيجة كما هي ثقافة أبي الحسن المتنوعة، التي امتلكها بسبب حضور العلماء الذين قصدوا دولتهم ومن أماكن مختلفة.

ومهما يكن من أمر، فإن المعلومات المتوفرة عن شخصية أبي الحسن فيما يتعلق بالذين أشرفوا على نماء ثقافته قليلة، غير أن بعض المصادر التاريخية تشير إلى انه كان احد أطباء أبيه (63)، في حين وصفه بعضهم أن له معرفة في الشعر ومن قوله:

وارضــي الله في ســـر وجهـــري

واحمي العرض على دنـــس ارتياب

وأعطــي الوفر من مـــالي اختيارا

واضرب بالسيوف طلى الرقاب (64)

أما مجلسه فقد كان زاخرا بالعلماء، الذين اصطفاهم لنفسه، وزين حياته بهم، حتى صاروا سمة له، حيث «.. كان.. ابر الناس بأهل العلم واعرفهم بقدرهم، أستخلصهم لنفسه وجمعهم من سائر بلاده في حضرته، وجعله من خواص أهل مجلسه وأجرى عليهم الجرايات التي تكفيهم حضرا وسفرا» (65).

ولتنوع العلماء في اختصاصاتهم، يمكن أن نضع أيدينا على بعض معالم ثقافته من خلال الكتب الدينية والعلوم التي كان يفضل قراءتها في مجلسه، بيد أننا سنكتفي بذكر القليل مما كان يرغب في دراسته، فقد قرأ صحيح البخاري مرات وصحيح مسلم والسير، والاكتفاء لأبي الربيع، وسراج الملوك والفرج بعد الشدة، وفتوح الشام، والحلية لأبي نعيم(66).

لم يتجاهل المؤرخون قدر أبي الحسن، وأثره في ازدهار الدولة المرينية في السياسة والعلم والميادين الأخرى، فقد قال احدهم في معرض حديثه عن دوره بين سلاطين دولته بأنه: «فخرها وواسطة عقدها ومشيد منار مجدها» (67)، وتحدث ابن حجر قائلا بأنه: «كامل السؤدد، شديد المهابة»(68)، ووصفه احد المؤرخين الغربيين بأنه «أقوى ملك في القرن الرابع عشر الميلادي» (69).

والواقع أن تلك الصفات التي تمتع بها كمقاتل شجاع ورجل سياسة متميز، ورغبته العلمية في أن يكون فقيها متميزا بين الفقهاء وأديبا بين الأدباء، كانت عاملا جوهريا في نجاحه على الأصعدة كافة، وأبرزها سعة دولته التي احتوت حدود الإمبراطورية الموحدية في المغرب العربي وان كان ذلك لفترة قصيرة (70).

صفحة 5

2- ولايته للعهد المريني

لم يتسلم ولاية العهد أول حكم أبيه وذلك لانها كانت لأخيه عمر الذي كان بالنسبة لأبيه «أثرهما لديه، وأعلقهما بقلبه منذ نشأ» وحدث في سنة (714هـ/ 1314م) أن استقرار والده في تازا بعد الحملة التي أرسلها إلى عاصمة بني عبد الواد، فأرسل ولديه علي وعمر إلى فاس، إلا أن الأمير عمر فكر بالاستبداد فأعلن ذلك، مما أدى إلى نشوب معركة بينهما انتهت بهزيمة والده، وترتب عليها، إرغام والده أن يكون واليا على تازا وجهاتها في حين ظل هو سلطانا على فاس بعد أن بايعه المرينيون، إلا انه لم يوفق بها وذلك لمرضه، فبايع المرينيون والده، وعفا عنه، وأرسله واليا على سجلماسة، ولقب الأمير أبا الحسن وليا للعهد بدله، ومنحه ما كان يتمتع به أخوه الأمير عمر قبله من «تفويض الاستقلال واذن له في اتخاذ الوزراء والكتاب ووضع له العلامة على كتبه وسائر ما كان لأخيه» (71).

صفحة 6

3- بيعته

واستمر الأمير أبو الحسن وليا للعهد حتى وفاة أبيه في وادي سبو ليلة الجمعة الخامس والعشرين من ذي القعدة سنة 731هـ/ 30 آب 1331م (72)، فبويع بعد الانتهاء من مراسيم دفن والده (73).

صفحة 7

ثالثاً: سياسته في توحيد المغرب العربي

1- ضم سجلماسة

اتبع السلطان أبو الحسن المريني في بناء دولته على عدد من المحاور التي كان في مقدمتها، توحيد أجزاء المغرب العربي، وعلى الرغم من جسامة هذا الأمر إلا أن ذلك لم يثنه من الجوانب الأخرى التي كانت قد تشكلت في العهد الذي سبقه وإنما كان عهده يمثل عطاءها، وثمار حركتها الدؤوبة التي تزايدت في عهده، حتى صارت نموذجا للازدهار المريني على مختلف المستويات.

وكان أول الخطوات في توحيد المغرب العربي، ضمه لسجلماسة التي كان قد استقل بها أخوه الأمير عمر في عهد أبيه، وتزايد خطره، وتجاوز على البلاد المجاورة له وعبث بها في عهد أخيه السلطان أبي الحسن، وزيادة في الإساءة قام بعقد الاتفاق السياسي مع أبي تاشفين (74). في تلمسان للقضاء على السلطان أبي الحسن (75).

وبينما كان أبو الحسن ينتظر السلطان الحفصي، استغل الأمير عمر انشغاله ذلك فاتجه إلى درعة(76). وقتل عاملها، متقدما إلى مراكش، الأمر الذي اغضب السلطان ابن الحسن، فقرر معاقبته، وخاصة بعد أن تأكد من أمر تحالفه مع حاكم تلمسان، ولائه أيضاً نكث بالعهد الذي أعطاه للسلطان أبي الحسن عند توليه على سجلماسة (77).

فضل السلطان إزاء هذا العمل أن يسوى أمره مع أخيه، فأرسل ولده تاشفين الذي استقر في تاوريرت(78)، مع قواه، بينما توجه أبو الحسن إلى سجلماسة وفي محاولة من السلطان أبي تاشفين لإنقاذ الأمير عمر، تقدم من تلمسان باتجاه سجلماسة، إلا انه فوجئ بالقوات المرينية المتحصنة في حصن تاوريرت، حيث تمكنت من إفشال هجومه، وأجبرته على مغادرة الأراضي المرينية، بينما تمكنت الجيوش المرينية المحاصرة لسجلماسة من اقتحامها بعد سنة كاملة، فدخلها السلطان أبو الحسن في 19 محرم سنة 734هـ/ 30ايلول 1331م، أما الأمير عمر فقد لقي مصرعه بعد أشهر من سجنه، وبذلك يضع السلطان أبو الحسن يده على أول مرحلة في توحيد المغرب العربي، على أن الذي لابد من ذكره أن هذه المدينة ظلت مستقلة ولفترة تقارب العشرين سنة عن الدولة المرينية في المغرب الأقصى قبل ضمها من قبل السلطان أبي الحسن المريني (79).

صفحة 8

2- ضم دولة بني عبد الواد في تلمسان

ظلت حدود دولة بني عبد الواد بين مد وجزر، نتيجة لتوسطها ما بين الدولتين المرينية والحفصية، إذ أن توسعها في جهة ما أو انحسارها يعتمد بالدرجة الأساسية على ضعف أو قوة الدولة المجاورة، لذلك بقيت حدودها السياسية غير ثابتة، وعلى كل حال فقد كان البحر الأبيض المتوسط يحدها من الشمال إلى صحراء الجزائر جنوبا أو من الشرق جبال سعيدة ووادي منية إلى وادي ملوية ومدينة وجدة غربا (80).

ولم تكن العلاقة بين الدولة المرينية وبني عبد الواد في تلمسان منذ قيام الأخيرة في سنة 633هـ - 1235م سليمة (81)، وذلك بسبب نيات التوسع التي تسيطر على زعماء الدولتين، أما الذي يمكن ذكره وخاصة على صعيد أبرز المعارك التي اشتعلت بينهما، فموقعة وادي تلاغ سنة 666هـ- 1227م(82)، وايسلي (قرب وجدة) سنة 670هـ- 1271م (83)، التي تمكن من خلالهما المرينيون تحطيم وجدة ومحاصرة تلمسان، وكذلك موقعة خررونة في سنة 679هـ-1280م(84)، والحصار(85)، الذي فرضه السلطان يوسف بن يعقوب المريني واستمر على عاصمتهم تلمسان مدة ثمان سنين وثلاثة أشهر وخمسة أيام(86).

وإزاء هذا العداء القديم صارت تلمسان مقرا للهاربين من طاعة المرينين بل أن حكامها اذكوا في نفوس البعض حب الثورة والتمرد على الدولة المرينية، ففي العهد الذي تولى فيه السلطان المريني عثمان بن يعقوب (710-731هـ/ 1310-1331م) هرب أخوه يعيش إلىتلمسان، ولما طلب منهم إرجاعه، رفضوا طلبه فجهز حملة عسكرية في سنة 714هـ-1314م فاجتاح أراضيهم حتى وصل إلى أسوار العاصمة بعد أن أباد قراها ومزارعها(87)، وتكرر اللجوء ثانية إلى تلمسان عندما قام أولاد الأمير عمر بن عثمان المريني في سنة 722هـ -1322م يطلبون نصرة والدهم على أبيه فاستجاب السلطان العبد وادي إلى دعوتهم، وأرسل جيشا اجتاح قسما من مدن المرينين وفي مقدمتها مدينة جارت.

وعلى أية حال فإن مناصرة الخارجيين عن طاعة دولهم من قبل دولة بني عبد الواد كانت وراءه رغبة الأخيرة في إيجاد الفرصة المناسبة للتوسع على الدولتين (88). ولم يكن الانتصار العسكري الذي حققه العبدواديون على الحفصيين حلفاء المرينين في سنة 729هـ- 1328م إلا تعميقا في إثارة النفوس وإشعالا لنار الحرب والوعيد بين بني عبد الواد والمرينين، وهذا ما دفع السلطان أبو سعيد عثمان إلى تقديم الرجاء لبني عبد الواد من أجل إعادة المدن الحفصية إلى أصحابها تلك التي سيطروا عليها في المعارك الأخيرة التي جرت فيمابينهما (89).

وسار السلطان أبو الحسن على نهج أبيه في إغاثة بني حفص، وجدد إليهم رسوله، طالبا من السلطان أبي تاشفين، التوقف عن قتال الحفصيين، وإرجاع مدنهم ولو مدة عام، غير أن جواب السلطان العبدوادي كان قاسيا، بل انه سمح لخدمه، بالتجاوز على سفير السلطان أبي الحسن(90)، بينما أشار مؤلف المسند الصحيح إلى أن السلطان المريني أبا الحسن كان قد توعد أبا تاشفين شرا في حالة عدم استجابته لرغبة السلطان أبي الحسن، وبالتالي سينتهي الأمر إلى الحركة إلى بلاده (91).

وبرأينا أن طلبه من بني عبد الواد بالكف عن الحفصيين ولو مدة عام، إنما كان ذلك هدنة أرادها السلطان أبو الحسن لإنجاز مهمات ليست باليسيرة، ولاسيما تحرير جبل طارق، وضم سجلماسة وهذا هو ما حدث فعلا فإنه لم يقدم على ضم تلمسان إلا بعد أن أنجز هاتين المهمتين الجسيمتين(92).

أمر السلطان أبو الحسن أسطوله البحري بالتوجه إلى بجاية لمضايقة بني عبد الواد بعد أن عقد قيادته للقائد محمد البطوي، ثم تحرك في سنة 735هـ- 1334م إلى تلمسان فافتتح وجدة وندرومة وهنين وتاسالة ووهران ثم توجه إلى تلمسان، حيث أعاد بناء المنصورة التيخربها العبدواديون(93)، وكي يسهل على جنده مهمة الوصول إلى العاصمة صنع أبراجا متدرجة للتقرب من أسوارها، كما استخدم المجانيق لدكها، وبحلول يوم 27 رمضان سنة 737هـ / 29 نيسان 1337م دخلت القوات المرينية إلى تلمسان عنوة بعد أن دامالحصار أكثر من سنتين (94).

وهكذا سقطت عاصمة بني عبد الواد التي عجز عنها سلاطين الدولة المرينية وفي ذلك يقول ابن الخطيب «واستولى السلطان صاحب المغرب الأقصى على تلك الإمارة المؤثلة بما اشتملت عليه من نفيس الحلي، وثمين الذخرة، وفاخر المتاع، وخطير العدة، وبديع الآنية، وضروب الرقيق (95)، وأصلح السلطان أبو الحسن أحوال المدينة بعد دخوله، وأوقف أعمال النهب والسرقة التي نتجت بسبب المعارك وفقدان الأمن، ورعى أحوال بني عبد الواد، قال ابن خلدون «وفرض لهم العطاء واستتبعهم على راياتهم ومراكزهم» وفرق بعض أمرائهم في أماكن مختلفة من البلاد، وأضاف «واتسع نطاق ملكه وأصبح ملك زناتة بعد أن كان ملك بني مرين وسلطان العدوتين بعد أن كان سلطان المغرب»(96).

صفحة 9

3- ضم الدولة الحفصية في تونس

منذ أن قامت الدولة المرينية وعلاقتها تزداد، بل وتتعمق مع الحفصيين لأسباب عديدة في مقدمتها الخطر المستمر على الدولتين من قبل حكام المغرب الأوسط، وبطبيعة الحال فقد اتسمت هذه العلاقة بالحرص على مساندة بعضهما، بغية إضعاف بني عبد الواد.

وعلى ضوء ذلك، استمرت السفارات بينهما، وتبادلا الهدايا في مختلف المناسبات(97)، وشهدت العلاقات المرينية – الحفصية تطورا واضحا، بل انتقلت إلى مرحلة مهمة تمثلت بالمصاهرة فيما بينهما، فبعد أن حضرت السفارة الحفصية العاصمة فاس - بعد موقعة الرياس- (98)، التي ترأسها الأمير أبو زكريا ووزير الدولة الحفصية أبو محمد عبدالله بن تافراجين حيث وقعوا معاهدة ضد آل زيان مع السلطان المريني فبادر السلطان الحفصى في خطبة ابنته الحرة فاطمة لولي عهده آنذاك ابنه أبي الحسن، على أن المؤرخ ابن خلدون يشير إلى أن الرغبة المرينية في المصاهرة مع الحفصيين قد سبقت سنة 730هـ- 1329م عندما أرسل السلطان أبو سعيد قائده البحري يحيى الرنداحي إلى تونس في سنة 721هـ- 1321م ولكن انشغال الدولة المرينية بأوضاعها الداخلية أعاقها عن تحقيق ذلك، حتى كانتسنة 731هـ- 1330م عندما وصلت إلى الدولة المرينية شخصيات مهمة من كبار الدولة الحفصية يرافقون ابنة السلطان الحفصي(99).

وتجدد المصاهرة ثانية بين السلطان الحفصي أبي بكر والسلطان المريني أبي الحسن، وذلك لمقتل الأميرة فاطمة في واقعة طريف، وكانت أيضاً هذه السفارة المرينية قد وصلت العاصمة تونس في سنة 746هـ- 1345م وتم عقد القران على عزونة ابنة السلطان أبي بكرالحفصي أيضاً، وتقديرا لهذا توجهت سفارة حفصية كان فيها الأمير الفضل صاحب بونة ابن السلطان الحفصي عن طريق البر في جمادى الثاني من سنة 747هـ- أيلول 1346م(100).

على أن العلاقات المرينية – الحفصية تغير حالها، وسادها التوتر على أثر وفاة السلطان الحفصي أبي بكر في رجب سنة 747هـ تشرين الأول 1346م (101)، والسبب في ذلك يعود إلى مؤامرة الأمير عمر بن السلطان الحفصي الذي أعلن البيعة لنفسه وتجاهل أخاه ولي العهد ولقب نفسه بالناصر، بعد أن قتل أخاه الأخر في العاصمة(102).

علم ولي العهد الحفصي بما حصل بعد وفاة أبيه، فاتجه في شعبان من السنة نفسها لاسترداد مركزه، وقبل أن تشتبك القوتان، هرب الوزير الحفصي ابن تافراجين (103)، وتخلى عن الأمير عمر، بينما لحق القسم الأكبر من قوات الأمير عمر بأخيه أحمد ولي العهد، فشعر الأمير عمر بعدم قدرته على المواجهة، فهرب إلى مدينة باجة، بينما دخل الأمير أحمد إلى العاصمة، وأعلن نفسه سلطانا على البلاد، غير أن فوجئ في اليوم الثامن من دخوله، بعودة الأمير عمر الذي تمكن من السيطرة على العاصمة، وقتل أخيه مع جملة من المقربين، ونصب نفسه سلطانا على البلاد (104).

أن الاضطرابات السياسية التي عاشتها البلاد الحفصية كانت فرصة ثمينة ومناسبة لتحقيق حلم أبي الحسن في ضم الدولة الحفصية إلى دولته، فضلا عن وجود الوزير الحفصي ابن تافراجين الهارب إلى المرينين والذي كان بدوره يحث على ضمها(105).

انطلق الجيش المريني في صفر سنة 748هـ- أيار 1347م معتمدا في تقدمه على أرضاء من بايعه عن طريق منحه الولاية التي كان يحكمها أو تعويضه بأخرى، كما تسلم مدينتي بجاية وقسنطينة، وفي باجة تسلم رأس الأمير عمر الحفصي، كما تم السيطرة علىالشخصيات السياسية البارزة في الدولة الحفصية، ثم دخل سنة 748هـ-1347م العاصمة تونس في موكب رسمي رائع، واستقبل بحفاوة وتكريم(106).

وهكذا تمكنت الدولة المرينية أن تعيد للمغرب العربي وحدته، فكانت حدودها من مصراته(107)، إلى السوس الأقصى في المغرب الأقصى والى رندة في الأندلس، وذكر ابن مرزوق أن دولة أبي الحسن امتدت من «آخر المعمور بالمغرب إلى حدود برقة»(108).

صفحة 10

رابعاً: نهاية عهد السلطان أبي الحسن

سعى السلطان أبو الحسن إلى تنظيم شؤون البلاد وتحسين أحوالها، وسيادة الأمن في أرجائها، بخاصة وان البلاد تعيش أوضاعاً سيئة وبالذات في تصرف قبيلة سليم وبقايا الهلاليين القاطنين في القيروان، وما فيما يتعلق بقطاعات الضواحي والأمصار التي يمكن أن تساهم في إنجاح مقاصد الاستقلال الذاتي أو تأسيس دويلات منافسة للدولة المركزية، فقد أخذها منهم وعوض لهم بدلا عنها برواتب تصرف لهم كحال جنده، وأمرهم أيضاً بالكف عن الأتاوات التي كانوا يفرضونها على المدن الإفريقية والتي تعرف بالخفارة (109).

وكانت هذه الإصلاحات التي قام بها السلطان أبو الحسن سببا في تذمر القبائل العربية التي أغارت على القطعات المرينية ومعسكراتها، حتى بلغت في اعتداءاتها ضواحي العاصمة، وفيها السلطان أبو الحسن، بل أنها تحالفت فيما بينها على تدبير مؤامرة مع بعض الحفصيين لطرده من إفريقية، فاعتقل وفدهم الذي حضر إلى مجلسه في عيد الفطر لتقديم التهنئة، فتحزبت ضده بطون هذه القبائل من أولاد أبي الليل والقوس وبني مسكين وأولاد مهلهل الفارين إلى الصحراء وبني كعب وحكيم، والتقت جموعهم بمنطقة توزر من بلاد الجريد(110)، ونصبوا ملكا عليهم يدعى أحمد بن عثمان بن أبي دبوس(111).

وتمكن السلطان أبو الحسن أن يلحق بهم هزيمة في الثنية(112)، إلا أنهم تمكنوا في المعركة الثانية من هزيمته، بعد أن تخلى عنه جنده من بني عبد الواد ومغراوة وتوجين، فاضطر إلى الانسحاب والاحتماء بمدينة القيروان في 8 محرم سنة 749هـ- 9 نيسان 1348م(113).

ووصف بعضهم الحالة التي كان عليها بنو عبد الواد تحت جناح الدولة المرينية قائلا «فمضت الأيام وهي بين بني مرين لهب مخمود وصارم مغمود والأكباد تتفطر غيرة والقلوب تحترق حنقا فالعيون شازرة والألسن هامسة إلا أن الصبر مستشعر والخضوع والتسليم مستظهران للظفر» (114).

وعلى كل حال، فما أن شاع خبر هزيمته حتى بدت الأمور، وكأن الأوضاع كلها قد أصبحت ضده، فعلى صعيد البلاد الحفصية، هرب الوزير ابن تافراجين إلى صفوف القبائل التي كانت تحاصره في القيروان(115)، بينما ثارت قسنطينة بوجه القوة الموجودة فيها وتمكن الفضل من دخولها في محرم سنة 749هـ / نيسان 1348م وكذلك الحال في بجاية التي رجعت إليه بعد ثلاثة أشهر من أقامته في قسنطينة، أما العاصمة الحفصية فقد أظهرت رغبتها في استقبال الفضل بعد أن حاصرت القوة المرينية الموجودة فيها، تلك التي كان قدتركها أبو الحسن حين قصد المغرب الأقصى(116).

أما حال القبائل الثائرة بوجه السلطان أبي الحسن فقد استجاب أولاد مهلهل وحكيم لعقد صلح مع السلطان لقاء مبلغ كبير من المال، في حين سارع قتيبة بن حمزة مؤكدا الطاعة له، مقابل إطلاق سراح أخويه بل تحسن حال أبي الحسن مع بني حمزة عندما اعتقلوا السلطان الجديد أحمد بن أبي دبوس وقدموه له(117)، فعفا عنه وأرسل إلى الأندلس (118).

من جانب آخر، فقد اضطربت أوضاع الدولة المرينية بغياب أبي الحسن، حيث أعلن ابنه الأمير أبو عنان (ت 759هـ/ 1358م) نفسه سلطانا على البلاد بعد إغرائه من قبل بني عبد الواد، ولاعتقاده بان الأمير منصورا ابن أخيه قام في المغرب الأقصى لتنصيب نفسهأيضاً، على أن هذه المأساة انتهت بمقتل الأخير بعد أن حاصره عمه في العاصمة فاس(119). وهذا مما سهل عودة الحكم لبني عبد الواد في المغرب الأوسط بعد انسحاب الأمير أبي عنان عنه وهزيمة أخيه الناصر في موقعة وادي ورك التي أرادها حركة تأديبية لقبائل بني عبد الواد (120).

وعلى أية حال، فقد شعر السلطان أبو الحسن بضرورة العودة إلى المغرب، بعد أن شعر باللاجدوى من بقائه في تونس، فركب البحر في أسطول مريني من ستمائة سفينة(121). واتجه إلى بجاية فوجد مقاومة من أهلها ثم واصل سيره حيث هبت عاصفة هوجاء حطمت أسطوله، وقدر له أن ينجو بعد أن شاهد بعض العلماء الذين كانوا معه يخطفهم البحر وأخيرا وصل إلى مدينة الجزائر (122).

وهناك في الجزائر تنفس الصعداء عندما تمكن من تشكيل قوة له من أعوانه فهاجم بني عبد الواد – الذين تمكنوا من إعادة سلطتهم في تلمسان – قرب شدبونة، فهزمت قواته، وقتل ولده الناصر، ففر إلى الصحراء حتى وصل سجلماسة وقد عزم على استرداد ملكه(123).

واصل الأمير أبو عنان ملاحقته لأبيه، واستعد الطرفان للمعركة التي قدر لها أن تجري قرب وادي أم الربيع(124). في موضع يعرف بتامرغوست في صفر سنة 751هـ/ نيسان 1350م وانتهت بهزيمة أبي الحسن ولولا حياء فرسان بني مرين ودفاع أمير الزواودة أبو دينار عنه لقتل في هذه المعركة، وعلى كل حال فقد توجه السلطان إلى جبل هنتانة، واستقر عدد كبير قومهم عبد العزيز بن محمد بن علي، غير أن الأمير أبا عنان، رتب المسالح، وحاصر الجبل، وإزاء هذا الأمر لم يتحمل السلطان أبو الحسن هذه الكوارث فأرسل إلى ابنه أبي عنان يرجوه الكف وكتب له بالبيعة (125) ولم يستغرق طويلا حتى اعتل ومات حزينا في السابع والعشرين من ربيع الأول سنة 752هـ/ 24 مايس 1351م، وبعث أولياؤه إلى ابنه وهو في معسكره بالخبر فبكى وخرج فتلقاه حافيا وقبل اعواده، ثم نقله إلىمراكش، ودفنه في مقبرتهم في شالة (126).

ومهما يكن من أمر فإن عهد السلطان لم يكن مليئا بالأحداث السياسية التي جعلته يغفل عن الأنشطة العلمية والعمرانية الميادين الأخرى، بل أن هذه الأحداث وعلى الرغم من ضخامتها لم تأخذ فترات طويلة من عهدة ولم تشمل مساحات واسعة من دولته وهذا يعني بطبيعة الحال أن الميادين الأخرى كانت تسير باطراد، لذلك ظل عصره يمثل مرحلة مهمة من تاريخ المغرب بصورة عامة والمريني بشكل خاص.