الفصل الأول : الهجاء والهجّاء
- ماهيّة الهجاء.
- خصال الهجّاء.
- الهجاء في ديوان الشّعر العربي.
ماهيّة الهجاء
اصطلح منذ القدم على أنّ الهجاء هو فنّ الشّتم والسّّباب، وهو نقيض المدح. وجعل له كلّ ممّن تصدّوا لتقسيم الشّعر العربي مكانة بارزة بين أبواب كتبهم، ومن هؤلاء: أبو تمّام (ت231هـ) في حماسته، ثمّ جاء بعده قدّامة بن جعفر (ت310هـ) وكتابه (نقد الشّعر)، وخلفه أبو هلال العسكري (ت395هـ) فألّف كتابه (ديوان المعاني)، وتلاهم (عمدة) ابن رشيق (ت456هـ)... ولعّل مدلول الكلمة اللّغوي واشتقاقها قد يعنيان على مدلولها الإصطلاحي.
أ- هجا: هجاه، يهجوه، هجوأ وهجاء وتهجاء، وهو خلاف المدح.
ب- والمرأة تهجو زوجها أي تذمّ صحبته.
ج - وقال أبو زيد: الهجاء القراءة، قال: وقلت لرجل من بني قيس أتقرأ من القرآن شيئاً ؟ فقال: والله ما أهجو منه حرفاً، يريد ما أقرأ منه حرفاً.
د - قال ابن سيده: وهذه الكلمة يائيّة، وواويّة، قال: وهذا على هجاء هذا أي على شكله وقدره...
وهجو يومنا: أشتدّ حرّه.
والهجاة: الضّفدع، والمعروف الهاجة.
وهجي البيت هجياً:انكشف. وهجيت عين البعير: غارت.
هـ - وقال ابن الأعرابي: الهجي الشّبع عن الطّعام(1) .
وبعد، يصعب ترجيح معنى من هذه المعاني اللّغويّة على أنه أصل المادّة: فقد يكون الهجاء – بمعناه الأدبي – مأخوذاً من:
أ - الضّفدع ، فهو قبيح الشّكل بشع الصّوت.
ب - اشتداد الحرّ، ففيه معنى التنكيل.
ج - الأصل اليائي فهو يكشف عن سيّئات المهجو.
د - ولعلّ الهجاء. بمعنى تعديد حروف الكلمة يكشف عنها كما تكشف الريّح عما بداخل البيت(2).
على كلّ حال، إنّ معاني المادّة تدور حول الإقذاع والبشاعة والنّكال وكشف العيوب والإزدراء والسّخرية... والكلمة مطّاطة تحتمل الزّيادة، ولا مانع من اتسّاع مدلولها بحيث يشمل المعاني القريبة، إذ ينبغي لها أن تتطوّر مع تطوّر الفنون الأدبية الأخرى حسب مقتضى الحال.
على العموم، الهجاء - بشقيه المادّي والمعنويّ – هو أدب غنائي يصوّر عاطفة الغضب والإستهزاء والإحتقار... سواء أكان موضوع العاطفة الفرد، أم الجماعة، أم الأخلاق والمذاهب... له وقع رهيب في النّفوس، ودبيب تخافه الأفئدة وتهابه... لإرتباطه بالسّحر.
فقديماًَ كانت العرب تزعم أن لكلّ شاعر رئيّاً من الجنّ. وهذا الزّعم بيّن واضح في قصصهم، وفي شعرهم، وفي خطاب القرآن عند تسفيه مزاعمهم، وفي أكثر من آية.
هجا جرير الرّاعي وابنه بقصيدة، جاء فيها قوله:
فغضّ الطّرف إنّك من نمير فلا كعباً بلغت ولا كلابا
فيرحل الرّاعي النّميري وابنه، حتىّ إذا وصلا إلى قومهما، وجدا الشّعر قد سبقهما إليهم، فيقسم الرّاعي ما بلّغها إنس، وإن لجرير أشياعاً من الجنّ، ويتشاءم قومه به وبابنه(3).
ويخرج جرير والفرزدق – يوما – مرتدفين على ناقة إلى هشام بن عبد الملك الأموي، وهو يومئذ بالرّصافة، فنزل جرير لقضاء حاجته، فجعلت النّاقة تتلفّت، فضربها الفرزدق وقال:
إلام تــلَفَّتين وأنـت تحــتي وخير النّــاس كلِّهُمُ أمـامي
متى تردي الرُّصافة تستريحي من التّهجير والدَّبَر الدّوامي
ثمّ قال: الآن – يجيئني جرير فأنشده هذين البيتين فيقول:
تلَفَّتُ أنّها تحت ابــن قين إلى الكيرين والفاس الكهام
متى ترد الرّصافة تَخْزَفيها كخزيك في المواسم كلّ عام
قال: فجاء جرير والفرزدق يضحك، فقال ما يضحك يا أبا فراس؟ فأنشده البيتين الأوّلين، فأنشده جرير البيتين الآخرين، فقال الفرزدق: والله لقد قلت هذا، فقال جرير: أما علمت أنّ شيطاننا واحد؟(4).
وفي القرآن الكريم آيات بيّنات، وذكر ليس بالقليل للشّعراء وسحرهم، ولخساسة شياطينهم، من ذلك على سبيل التّمثيل لا الحصر، قوله تعالى، على لسان فرعون حين ألقى موسى عصاه، قال للملأ حوله: (إنّ هذا لساحر عليم)(5).
وخاطب الله تعالى متّهمي النبيّ محمّد بأنّه شاعر ولشيطانه تأثير في النّفوس خاطبهم بقوله: (هل أنبئكم على من تنزّل الشّياطين والشّعراء يتبعهم الغاوون)(6).
بالإجمال، إنّ الجنّ والشّياطين وما حيك حولها من قصص، وما نظم فيها من شعر، وما أنزل فيها من آيات بيّنات... لهي دليل على ما للشّاعر من هيبة بالغة الأثر، ومكانة عالية عند عموم النّاس وعلى مرّ العصور، أجاهلّية كانت أم إسلاميّة. فهذا جرير يفتخر ويعتزّ أيّام يدعونه أو يشبّهونه بالشّيطان فيقول:
أيّام يدعونني الشيطان من غزل
وهنّ يهوينني، إذ كنت شيطانا(7)
خصال الهجّاء
الهجّاء ناقد عيّاب، يترصّد أخطاء النّاس وزلاّتهم، ويتربّص بهم لكشف مثالبهم ونشر معايبهم، لا يهتدي لنفسه إلاّ بالقدر الذي يدفعه إليه حقده وسخطه، لا شأن له بحماس البشر وفضائلهم، فهي لا تحّرك فيه وتراً من شعور، يدفعه إلى ذلك مركّب نقص فيه أو عقدة نفسيّة يحاول أن يغّطيها بصبّ جام غضبه على المجتمع والحياة لمعاناته منهما.
و(دقّة الملاحظة) من أولويّات شروط النبّوغ عند الهجّائين، فللهجّاء النّابغ عين ثاقبة تراقب عيوب النّاس، فيضرب على الوتر الحسّاس المؤلم، مؤدّياً فكرته إداء غير مباشر، ملحّاً في طلبها بلباقة. فهذا جرير يهجو (تيماً) بالجبن، ملمّحاً غير مصرّح بفرارهم من المعمعة، فيقول:
ترى الأبطال قد كلموا وتيم
صحيحو الجلد من أثر الكلوم (8)
مع كلّ هذا ، الهجّاء ماهر في التماس وجوه الشّبه بين هجائه وبين الصّور القبيحة التي تبعث على الإستهزاء والضّحك، نتيجة وضعها في قالب تمزج فيه الموهبة مع عبقريّة الحسّ اللّفظي. فأنظر إلى بيت جرير في أمّ الأخطل كيف يضحكك قبل أن تفهم معناه، فإذا عاينته لم تجد فيه المعنى العميق أو الفكر المبتدع. فهي تأكل صغار الخنازير والفول فتضطرب في أمعائها...
تضغو الخنانيصُ والفولُ الذي أكلت
في حاويات رَدُوم الليل مِجْعار(9)
فالهجّاء لا مكان عنده للفكرة العميقة التي تجهده، وتذهب بشطر كبير من قوّة تأثيره، إنّما عماده التّأثير السّريع والرّؤيا الواضحة بأسلوب بسيط لا أثر فيه للتّعقيد. فهو يستمدّ صوره عن الواقع لا من الخيال. من هنا، كانت الواقعيّة البعيدة عن الإسراف في الصّناعة، والقائمة على التّجربة ودقّة الملاحظة من أبرز خلال الهجّاء النّابغ.
ولعّل تخّلف الأخطل عن صنويه - جرير والفرزدق – في فنّ الهجاء قد تأتّى من تجويده الشّعر ومذهبه به مذهب الفخامة والتّسامي. فهو لم يستمّد هجاءه من خصمه ولا من احتكاكه بالنّاس، ولكنّه تناوله من فنّه الشّعري، بخلاف جرير الذي يعتمد على الواقع، وعلى دقّة الملاحظة حين يرميه بالبخل، فيقول:
والتّغلبيّ إذا تنحنح للقرى حكّ إسته وتمثّل الأمثالا(10)
فأنت أمام هذا البيت، تعيش الواقع، وترى بأمّ عينك ذاك البخيل وقد تولّته الحيرة وتملّكه الإضطراب حين ينزل به ضيف، فيكثر من الحركات والتّنحنح وضرب الأمثال ليصرفه دون قرى.
ففي هذا البيت كما في غيره، استند جرير إلى الواقع في هجائه. في حين اعتمد الأخطل على فنّه وخياله حين تناول المعنى نفسه (البخل) فقال:
قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم قالوا لأمّهم بوّلي على النّار(11)
على العموم، لو تتبّعنا تاريخ الهجّائين في مختلف الآداب العالميّة، بما فيها الأدب العربي، لرأيناهم قد قاسوا من الحياة ما بغّضها إليهم، وحقّرها في نظرهم. فكان الهجاء عندهم نتيجة طبيعيّة لعقدة نفسيّة، وربمّا كان في كثير من الأحيان نتيجة مركّب نقص. فقد كان الحطيئة دميم الخلقة مغمور النّسب، وكان بشّار مشوّه الخلق وكان أبوه مولى مهينا، وكان الجاحظ أسود قصيراً دميماً... وكذلك شأن الهجّائين في مختلف الآداب(12).
وبعد هل تنطبق هذه الخصال، وخاصّة مركّب النّقص والعقد النّفسيّة، على هجّاءين فحلين كجرير والفرزدق؟
أ – جرير (30هـ - 111هـ):
هو ابن عطيّة بن حذيفة، ولقب حذيفة الخَطفي، وهو من بني كليب بن يربوع، ولدته أمّه لسبعة أشهر(13)، إنّه وضيع الحسب والنّسب، فقير الحال، كان أبوه عطيّة مضعوفاً، وكانت ضعة أبيه وسقوط قبيلته تؤلمه وتغيظه، فقد روي أنّه كان من أعقّ النّاس لأبيه(14).
سئل جرير: من أشعر النّاس؟ فأجاب السّائل: قم حتّى أعرّفك الجواب. فأخذ بيده وجاء به إلى أبيه عطيّة وقد أخذ عنزاً له فاعتقلها، وجعل يمصّ ضرعها، فصاح به: اخرج يا أبت، فخرج شيخ دميم رتّ الهيئة، وقد سال لبن العنز على لحيته. فقال: أترى هذا؟ قال: نعم، قال أو تعرفه؟قال لا. قال: هذا أبي، أفتدري لم كان يشرب من ضرع العنز؟ قلت: لا، قال مخافة أن يسمع صوت الحلب فيطلب منه لبن، ثمّ قال: أشعر النّاس من فاخر بمثل هذا الأب ثمانين شاعراً وقارعهم به فغلبهم جميعاً(15).؟
سواء أكانت هذه الواقعة حقيقّية أم مختلقة، فهي إن دلّت، إنّما تدلّ على خلّة الفقر وخصلة البخل عند عطيّة والد جرير، وهما (الفقر والبخل) آفتان كافيتان لنبش مكامن السّخط، والشّعور بالنّقص والمذلّة عند أيّ كان، وفي أيّ زمان. فكيف إذا اجتمعتا في فحل من فحول الشّعرالعربي كجرير؟ وفي زمن كزمنه ينبذ البخل ويحتقر الفقر؟
ب - الفرزدق (10هـ- 111هـ؟)
هو أبو فراس همّام بن غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمّد بن سفيان ابن مجاشع بن دارم(16). كان أبوه من جلّة قومه وسرواتهم، وله مناقب مشهورة ومحامد مأثورة(17).
و(الفرزدق) هو لقب عليه، واختلف كلام ابن قتيبة في تلقيبه به. فقال: الفرزدق: قطع العجين، وإنّما لقّب به لأنّه كان جهم الوجه. كما قال: إنّما لقّب بالفرزدق لغلظه وقصره. والقول الأوّل أصحّ، لأنّه كان أصابه جدري في وجهه ثمّ برأ منه، فبقي وجهه جهماً متغضّناً(18).
مهما يكن، فكل من السّببين المذكورين في اللّقب، عاهة وصم بها أبو فراس قد تدفعه لإزدراء النّاس، وتطبعه بطبع فظّ غليظ. وقد أصاب منه جرير مقتلاً حيث قال:
لقد ولدت امّ الفرزدق فاسقاً
وجاءت بوزواز قصير القوائم(19)
والواقع، إنّ الفرزدق لا يعاب بآبائه وأجداده، فأبوه رئيس قومه، وكان جدّه صعصعة عظيم القدر في الجاهليّة، اشترى ثلاثين موءودة، وكان أوّل من أسلم من أجداده وذكر في جملة الصّحابة(20).
بناءً عليه، لعلّ فظاظة الفرزدق وغلظ طبعه قد تأتيّا من تلك العاهة التي شوّهت وجهه، أو من قصره وغلظه. فأصابت سهام هجائه أوّل ما أصابت أبناءه (لبطة وسبطة وحبطة، وركضه، وزمعه، وكلطه وجلطه)(21) ، أسماء لو شاء عدوّه أن يطلقها لما وفّق كما وفّق هو، وكأنّي به ينتقم من نفسه ويسخر منها ومن ذريّتها.
خاتمة القول: لا شكّ أنّ هناك مفارقة بين الشّعر الصّادر عن الكّد والإجهاد الذي يزيده تحليق الخيال جمالاً، وتزيده الصّناعة اللّفظيّة نشوة في الموسيقى، وبين الهجاء الذي يقوم على البساطة في التّعبير، ويعتمد على الواقعيّة بعيوبها، وبلغتها الشعبيّة في بعض الأحيان. فالغوص يتلفه، والتعمّق يلفّه بغشاوة تحجب الرّؤيا عماّ فيه من نقد لاذع ونكتة بارعة مضحكة.
الهجاء في ديوان الشّعرالعربي
منذ الجاهليّة، اتّقدت نار الهجاء بين الشّعراء، وسدّد بعضهم إلى بعض كثيراً من سهام الذّمّ والتّحقير والإستهزاء... فتراشقوا حيناً بألفاظ السّبّ التي تظهر الشّخص وتجسّده في هيئة حيوان منبوذ، أو بعوضة نتنة حقيرة، أو غرسة هزيلة محتقرة تشمئزّ منها الأنفس... إلى آخرما هنالك من المعاني التي تعرّي المرء من الرّجولة فخار العربيّ الجاهليّ.
وحيناً آخر، ترى إلى كنانهم، وهي ترشق سهام التعبيّر، من فسق وفجور وبخل وجبن وفاحشة ووضاعة نسب... وكلّ ما هو مستهجن منبوذ في قاموس الشّتم والسّباب، وكلّ ما يرذله العربيّ من عادات وتقاليد.
ولعلّ إنكار مؤرّخي الأدب، أو كثير منهم، للسّباب المادّي؛ كانتقاص قدر المرء لقصره أو لدماثته أو لتشويه أحد أعضائه، أو تصوير أعضائه التّناسليّة تصويراً مجهرياّ ينافي الذوق والحشمة... لعلّ إنكارهم لهذا السّباب المادّي مقابل إسرافهم في تدوين السبّاب المعنوي؛ كالشّح والتقتير والخوف والجبن... هو ضآلة ما وصلهم منه، أو لأسباب دينيّة أو أخلاقيّة أو غير ذلك ممّا ترفضه القيم الإجتماعيّة.
ذلك لا يعني أنّ الهجّائين قد ترفّعوا عن الألفاظ البذيئة، أو قد قتّر المؤرّخون في تدوين ما يخدش الحياء منها، لجهل منهم أو عدم دراية، إنّما العكس صحيح، فما أكثر الدّواوين التي حلّت فيها النّقط محلّ لفظ محذوف، أو تعبير مشين، أو استعيض عنها بتعبير (كلمة على وزن كذا)، فاستحالت تلك النّقاط النّاطقة إلى أبيات وقصائد منقوطة في مجال الإستشهاد على فحش شاعر أوإقذاع آخر.
ولمّا كان لا حياء في المعرفة، اقتضت الضّرورة أن نشير تصريحاً وتلميحاً ـ وإن لماماً ـ إلى هجاء الفحش والإقذاع الذي ورد في كتب الأدب ودواوين الشّعراء. ولعلّ ابن قتيبة من هؤلاء الأوائل الذين آثروا الموضوعيّة والحقيقة، واستأذنوا الحشمة والعفّة ليبحث في هذا الموضوع. فذكر طرفاً منه لطرفه بن العبد، ومنه قوله:
فما ذنبنا في أن أداءت خُصاكُمُ
وأن كنتمُ في قومكم معشراً أُدُرا
إذا جلسوا خيّلت تحت ثيابهمْ
خرانق توفي بالغضيب لها نذرا(22)
وكذلك كان الهجاء الفاحش سلاحاً من أسلحة شاعر الرّسول (محمّد)، حسّان بن ثابت الذي أوغل في ردّه على أعداء النبيّ، وردّ عليهم ما كانوا يهجون به المسلمين من ذكرهم العورات. مثال ذلك قوله في بني المُغيرة:
هلاّ منعتُمْ من المخزاة أمّـــكُمُ
عند الثّنيّة من عمرو بن يحمــوم
أسلمتموها فباتت غير طاهرة ...
الرّجـال على الفخدين كــالـموم
بنــو المغــيرة فحش في نـديّهم
توارثوا الجهل بعد الكفر واللّوم(23)
وقال لبني رحضة من بني الدّيل:
يا ابن التي لبثت مليّاً في استهـا
... وفـــي ... كـراع بـعـيـــر
قد كنت لا أهوى السِّباب فسبّني
أحـلام طيـر في قلـوب حمـير(24)
وقال في النّابغة، امرأة من عنزة:
ظلّت ثـلاثاً وملـحانٌ مـعانقهـا
عند الحجون فما ملاّ وما فترا(25)
وفي الخبر أنّ الإمام عليّ بن أبي طالب قد أمر شاعره النّجاشي بأن يردّ على شاعر معاوية ابن أبي سفيان، خصمه الذي هجاه بهجاء لا شّك أنه تناول العورات، فاضطرّ النّجاشي إلى نقضه بمثل ما قال(26).
ما نوّد الإشارة إليه أنّ الهجاء الجاهلي كما الهجاء الإسلامي قد تناولا الأعراض، وهتكا حصون العورات، ولم يتورّع الشّاعر عن ذكر ما يؤلم خصمه ويضنيه، أكان ادّعاؤه حقاً أم زوراً وبهتاناً، غير أننا لا يمكن أن نجزم بأنّه رجحت، أو على الأقلّ، وازت كفّة الهجاء المّادي، وخاصّةً في الإسلام، كفّة نظيره عند الثنّائي الأموي: جرير والفرزدق، وقد استعملا من المديّ أمضاها، ومن السّيوف أبترها، لإدماء كلوم التأمت حديثاً ثغورها أو كادت... وأوجع ضربها أنىّ وقع، وكشفت فؤوس هجائهما الأديم عن سمات وعادات بالية، فأحيتها بعد أن كانت رميماً، فسلكا مسلكها وأوغلا في دروبها ومجاهل شعابها أيّما إيغال.
الفصل الثّاني : جرير
- نبذة عن حياته.
- هجاؤه.
أ - الهجاء المعنوي.
ب - الهجاء المادّي.
نبذة عن حياة جرير
لقد سبق التعّريف بجرير، وهو كما تقدّم، ولدته أمّه لسبعة أشهر، والعرف والعادة يقرّان – وكذلك الطّب - أنّ طفلاً كهذا معرّض للضّعف والهزال، أو على الأقل لا يتساوى مع غيره ممّن أنجبتهم أمّهاتهم لتمام تسعة أشهر. لذلك نشأ جرير وشبّ حسّاساً تجرحه ألطف نسمة وتؤثر فيه الهمسة...
ولعلً ممّا زاد الطّين بلّة، وضاعة أصله، فأبوه بخيل فقير، يعيش عيشة مهملة مغمورة، يشرب من ضرع العنز مخافة أن يسمع صوت الحلب فيطلب منه لبن. إنّه خامل الأجداد، شديد الشّعور بنقصه، ساخط على القدر الذي جاء به عن طريق عطيّة النّتن هذا، فعقّه وضاق به. ولعلّ هذا الإحساس العميق بالضّعة وهوان النّسب كان من الدّوافع التي ألهبته، وأدّت به إلى ترك البادية المجدبة، واللّجوء إلى البصرة والكوفة ودمشق؛ حيث الحضارة والتمدّن والثّراء.
أضف إلى كلّ ما سبق، اضطرابه وتوتره النّفسي، ووقوفه أمام شعراء – ومنهم الفرزدق - لم يفسحوا له المجال لنسيان ماضيه كلّما جاهد واستمات في سبيل ذلك، لا بل يضاحكونه بأوباقه وأجدائه ومعزه... وبكلّ ما يحّط من قدره، ويضرم فيه نار الغضب.
فهذه العوامل وغيرها، هي التي جعلت من جرير أتوناً يتّقد حقداً، وبركاناً تثور في أحشائه حمم حامية تكوي ضلوع من يتعرّض له، أو يقف في وجهه، ومن يعاضد عدوّه أو يفضله عليه... وكلّ من ألهبت ظهره سياط جرير، فهو واحد من أحدى الطّوائف الأربعة (27):
أ - شعراء إلتحم بهم في صورة مناقضة.
ب - شعراء غيرهم أعانوا عليه الفرزدق.
ج - شعراء وأحياء وأناس هجاهم جرير لأسباب شتّى.
د - شعراء عرضوا بينه وبين الفرزدق.
أمّا من كان البادئ في المهاجاة، فإنّ جريراً برّأ نفسه من ذلك، وادّعى أنّه يقف موقف الدّفاع عن نفسه حيال كلّ الشّعراء الذين جرّح أنوفهم وانتصر عليهم. وفي بعض المظّان وردت قصّة مفادها أنّ جريراّ قد سئل: علام تشتم النّاس وتظلمهم؟ فقال جرير والله أنيّ ما أظلمهم ولكنّهم يظلمونني فأنتصر وأخذ يسرد من التحم بهم في الهجاء(28). وفي هذا المعنى نظم جرير قوله:
ألم ينه عنّي النّاس ان لست ظالماً برّيـاً وأنيّ للمتاحين مِتْيـح
فمنهم رميّ قد أصـيـب فـؤاده وآخر لاقى صكّه فمرنّح (29)
وقال الأصمعي: كان ينهشه ثلاثة وأربعون شاعراّ فينبذهم ويرمي بهم واحداً واحداً، ومنهم من كان ينفحه فيرمي به، وثبت له الفرزدق والأخطل. فقال جرير: والله ما يهجوني الأخطل وحده وإنّه ليهجوني معه خمسون شاعراً كلّهم عزيزليس بدون الأخطل، وذلك أنّه كان إذا أراد هجائي جمعهم على شراب، فيقول هذا بيتاً وينتحل هو القصيدة(30).
ونظير هذه الرّواية، عن الأخطل وندمائه، ورد في إحدى نقائض جرير حيث يقول:
أعددت للشّعـراء كأسـاً مـرّة
عنـدي مخـالطها السّمـام المنــقـع
هلاّ نها هـ م تسعة قتـلتــهـم
أو أربعون هـجوتهم فاستجمعـوا
خصيت بعضهم وبعض جدّعوا
فشكا الهوان إلى الخصيّ الأجدع(31)
زد على ذلك مناسبة التّعارف بين عطيّة ومن سأل جريراً عن أشعر النّاس، فما كان منه إلاّ أن قال بعد أن عرّف بأبيه: (أشعر النّاس من فاخر. بمثل هذا الأب ثمانين شاعراً وقارعهم به فغلبهم جميعاً)(32)
ولولا الحياء وشماتة الأعداء، لهجا جرير أقرب المقرّبين إليه نسبا لكنّه لم يفته أن يعاقب قومه في قصيدة خاطب فيها أباه وجدّه الخطفي ممتنّاً عليهم بنفسه:
ألا لا تخافا نَـبوتي في مـلـمّة وخافا المنايا أن تفوتكما بـيا
ألم أك ناراً يصطليها عدوّكم وحرزاً لما ألجأتم من ورائـيا
وباسط خير فيكُمُ بيـمـينـه وقابض شّر عنكم بشماليا(33)
الهجاء عند جرير
لا يذكر الهجاء عند جرير، إلاّ ويتبادر إلى الذّهن فوراً تلك المناقضات التي حمي وطيسها وارتفع غبارها، وردّدتها الألسن وما زالت وأهمّها وأوسعها إنتشاراً: نقائض جرير والفرزدق، ونقائض جرير والأخطل. ولو أنّ الهجاء لم يكن الموضوع الرئيس أو الهدف الوحيد للنّقائض، غير أنّه يشغل حّيزاً كبيراً ومهمّاً منها. إذ إنّه لم تخل نقيضة أمدحاً كانت أم فخراً، أنسيباً كانت أم رثاء... إلاّ وتضمّنت أبياتاً في الهجاء. على كلّ فلنحاول استجلاء فنّ جرير في الهجاء.
لقد ظهر ممّا سبق، اين تكمن عقدة النّقص عند جرير، ولمّا عرف هو ذلك، فقد كان لزاماّ عليه أن يتشبّث بنقائض تناهت إليه عن خصمه وقبيلته، فبالغ فيها ورسم لها صوراً مستوحاة من مجهر عينه الثّاقبة، فسخر بها سخرية لاذعة، وجعل من أصحابها لقمة سائغة تلوكها الألسن. وكأنّه بذلك ينتقم من مجتمعه، ويصبّ جام غضبه على كلّ من عاصره، لكثرة من اشتبك معهم. وكأنّي به قد شهر سيفه، وأطبق جفنيه، ثمّ أطلق ليمناه العنان لبتر عنق كلّ شاعر تلقاه، فلم يبق على صديق ولا نصير.
والعيوب التي تناول بها جرير خصومه ليست جلّها عيوباً شخصيّة، بل هي عيوب إجتماعيّة تتمثّل في المجتمع أو القبيلة التي ينتمون إليها. ومن العناصر المشتركة في هجائه الشّخصي، العنصر النّسائي الذي تمسّك به تمسّكاً متيناً بحقّ أوبغير حقّ. وهناك عناصر انفرد بها شاعر دون آخر، كالنّصرانيّة عند الأخطل. والفسق و الفجور عند الفرزدق، بالإضافة إلى (جعنّن) والقيون. واللّؤم ورقّة الأصل الذي عرف عن التّيم.
أمّا كيفيّة دراسة الهجاء، فقد ارتأيت دراسته بشقية: الهجاء المعنوي، والهجاء المادّي. فتحت هذين البابين تندرج جميع أنواع المهاجاة من: شخصيّة واجتماعيّة وأخلاقيّة وسياسيّة ودينيّة...
أ- الهجاء المعنوي
إنّ هذا النّوع من الهجاء يتعرّض لنواقص في القيم الأخلاقيّة والشّيم الإجتماعيّة التي اعتاد عليها النّاس وتعارفوا. وكلّ من يخّل أو يحيد عن نهجها المرسوم - ولو قيد أنملة - كان عرضه لأن تنهشه أنياب النّقاد، وتذريه رياح الاعداء والخصوم الذين يجدون في ذلك مأرباً لهم. إنّ هذا النّوع لقديم العهد في الأدب العربي، راسخ الجذور، عميق الغور - اللهّم - إلاّ ما فرضته ظروف وتطوّرات طارئة معيّنة، كالهجاء الدينيّ مثلاً.
أمّا الهجاء المعنوي عند جرير، ما خلا الديني منه، فهو في مجمله عودة إلى الجاهليّة، أو بالأحرى إحياء لتقاليد وعادات جاهليّة بائدة كاد الإسلام أن يقضي عليها، ويزيل أثرها من نفوس المسلمين، وأخرى عمّت المجتمع قبل الإسلام ثمّ جاء الدّين الحنيف ليدعمها ويثبتّها ويقويها لما فيها من خيرللعباد. ولعّل عناوين المباحث التي تنطوي تحت هذا الباب، هي:
1 - الأيّام:
تعدّ الأيّام في مقدّمة العناصر التي استغلّها جرير للإمساك بخناق خصمه، والإجهاز عليه ليقوّض ما يشعر به من نقص. فكانت نصاله التي غرزها في نحر عدوّه إمّا جاهليّة ترجع إلى ماضي القبائل، وأكثر ما تجلّت بينه وبين الفرزدق، وغيره من الشّعراء المسلمين. وإمّا إسلاميّة اشتدّ أوارها بينه وبين الأخطل.
عيّر جرير الفرزدق بيوم (أوارة)، إذ كان لعامر بن مالك على دارم، فقال:
ولسنا بذبح الجيش يوم أوارة
ولم يـستبـحـنا عامـر وقـنابـله(34)
وكان يوم (أَقْرُن) لعبس على دارم، وفيه يقول جرير:
عرفتم بني عبس عشيّة أقرن
فـحُلّي لـلجيش اللواءُ وحامله(35)
وبهذا اليوم، يعيرّ، كذلك، الفرزدق، قائلا:
هل تعـرفـون على تنِيَّة أقرن
أنس الفوراس يوم شُكّ الأَسْلَعُ
وزعمتَ ويلَ أبيك أنّ مُجاشعاً
لو يسمعون دعاء عمرو وَرَّعوا(36)