صفحة 1
المقدمة
ان دراسة الحكاية الشعبية في مجتمع ما هي الرجوع الى دراسة تراث المجتمع والرجوع الى الماضي السعيد او الحزين والحياة الشعبية التي حياها الشعب ايضاً . فالحكاية عنصر مهم من عناصر التعبير الادبي واسترجاع للواقع الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والسياسي للامة ،كما تعد جزءاً مهماً من تراثه العريق والماضي الجميل.
فالحكاية هي من الشعب واسلوبه في التعبير عن حياته وافكاره كما تعد ذاكرته التي تحفظ وتنقل ما تحفظه من اخلاق وافكار وظواهر اجتماعية واسرية وتجارب وخبرات الانسان من جيل الى أجيال .
فدراستنا للحكاية الشعبية هي الوقوف على المورث الشعبي والوقوف على تطور المفاهيم الاجتماعية والانسانية في هذا الجزء من العالم حيث تطورت المعتقدات الى الاساطير والحكايات وتلاحم الثقافات المختلفة فيما بينها كما تدلنا على جذور وقيم وأصول المجتمعات البشرية وتقدم خلاصه تجارب وخبرات الانسان.
ظلت الحكاية الشعبية منعطفاً مجهولاً حتى اتجه اليها الدارسون والباحثون الغربيون والعرب بالبحث العلمي الجاد والدراسة المستفيضة والسبب الرئيس لذلك ربما يعود الى ان هذا اللون من الادب جديد عليهم أو لقلة الدراسات في هذا المجال.
يقع كتابنا هذا في ثلاثة فصول ،يتناول الفصل الاول الحكاية ونظرية بروب .فقد قدم الكاتب الروسي فلادمير بروب للقارئ منهجاً لدراسة وتحليل القصة الخرافية بالبناء الافقي الامتدادي أكثر من تمثله بالبناء العمودي الترابطي . ويتناول الفصل الثاني البنيوية في الحكاية الشعبية متبعين نظرية بروب في تحليل الحكاية . فيما يتناول الفصل الثالث مجموعة حكايات وقصص مترجمة من “Contes et Nouvelles” تتماشى مع ذوق الطفل العمري.
أتقدم بشكري الجزيل الى زميلي الدكتور علي كمال الدين الفهادي والدكتور باسم ادريس قاسم الاستاذين المساعدين في قسم اللغة العربية كلية الاداب جامعة الموصل لقيامهما بالتقويم اللغوي للكتاب.
المؤلف
د.توفيق عزيز عبدالله
صفحة 2
الحكاية ونظرية بروب
الدراسات العربية والاجنبية للحكاية الشعبية قليلة جداً نسبة الى الانماط الادبية الاخرى كالشعر والرواية والقصة القصيرة فقد قدمت الدكتورة نبيلة ابراهيم في كتابها "الحكاية الخرافية" التفريق بين الحكاية الشعبية والحكاية الخرافية، فالحكاية الخرافية عندها وريثة للاسطورة، في حين ان الحكاية الشعبية تمثل مرحلة لاحقة للحكاية الخرافية .لقد ميزت د.نبيلة ابراهيم بين هذين النوعين، فهي ترى ان الحكاية الخرافية تتسم بالانعزال عن الزمان والمكان، في حين ان الحكاية الشعبية ترتكز على الواقع وان شخصيات الحكاية الخرافية نماذج ورموز وأشكال من دون أجساد في حين نجد شخصيات الحكاية الشعبية لاينقصها العمق الجسدي أو الروحي فهي تنمو من العمق الذي يمتد في نفس الانسان (1).
ويرى الدكتور عبد الحميد يونس أن مصطلح الحكاية الشعبية جديد، لا بالقياس الى الادب العربي وحده، ولكن بالقياس الى الاداب العالمية أيضاً، ذلك لان وصف السرد القصصي بالشعبية انما كان بين اطار قصصي أدبي وآخر يتسم بالحرية والمرونة ومسايرة العقول والامزجة والمواقف (2) .
وثمة جهود عراقية بذلت لدراسة الحكاية الشعبية، فقد قام الدكتور داؤد سلوم بجمع خمس عشرة حكاية في كتابه "قصص بغداد" عام 1963 جاء في مقدمة كتابه هذه نشأة الحكاية الشعبية والتراث الشعبي وأهمية دراسة هذا النمط الادبي (3).
ونشر السيد يوسف أمين قصير سنة 1970 كتابه "الحكاية والانسان" تناول فيه تاريخ الحكاية وتطورها وصلتها بالانسان .فالحكاية بالنسبة له سجل يتحدث عن أقدم الحوادث الطبيعية والتاريخية التي مرت على الانسان (4)، كما قدم كاظم سعد الدين جهوداً كبيرة في كتاب "الحكاية الشعبية العراقية" حيث تناول فيه تسمية الحكاية الشعبية وأصولها وأنواعها والهدف من هذا النمط الادبي ولاسيما في دراسة الموتيفات في الخطابة الشعبية العراقية (5).
ويرى الدكتور عمر الطالب في كتابه "أثر البيئة في الحكاية الشعبية العراقية" أن الحكاية الشعبية أسلوب اجتماعي هدفه الاصلاح والتقويم والتوجيه والمرونة في مجال الحياة العامة .لذا نجد فيها النقد اللاذع والسخرية أو الاقناع بحقيقة الواقع الاليم، ويرى أيضاً أن الحكاية الشعبية تتطور مع الزمن وهي تتبعه في تنوع مصالحه وتعدد اغراضه بحيث تشمل جوانب البيئة المختلفة (6).
صفحة 3
مع هذا كله فان الدراسات المخصصة للحكاية الشعبية والخرافة، كما يطلق عليها أحياناً في ادبنا العربي، قليلة لقلة الباحثين والدارسين لهذا النمط الادبي الذي يعده الادباء الاوربيون أمثال فردريش فون ديولاين نتاجاً أدبياً معبراً عن الروح الانسانية والذي يستمد منه الادباء ابداعهم، كما يعد مصدر الهام للقصاصين والشعراء ومتتبعي التراث في العالم من جهة. أوقد تكون القلة لعدم وجود نظرية محددة وواضحة (فيما أعلم) من جهة أخرى.
ولقد رأينا أن نقدم هذا الفصل مدخلاً لدراسة وتحليل الحكاية معتمدين على نظرية بروب في كتابه (مرفولوجية الخرافة) .
الحكاية: تعريفها ونشأتها
قبل البدء بالقاء الضوء على نشأة الحكاية لابد لنا ان نعرفها . يعرفها الكاتب هنري ليمايتر(7) Henri le Maitre في معجم بورداس للادب الفرنسي :
ان الحكاية بصورة عامة، قصة قصيرة معروفة وتكون أحياناً حقيقية وأحياناً أخرى خيالية وعجيبة (8) وكلمة حكاية يقابلها في اللغة الفرنسية (La Conte) . ويعد الدكتور ابراهيم الخطيب في مقدمة كتابه " مورفولوجية الخرافة" الحكاية خرافة ولهذا فهو يقول: ((أن الخرافة فيذاتها تنطوي على معنى العجيب والمستملح في القصص وأنها لذلك يمكن أن تحل اصطلاحاً محل الحكاية العجيبة برمتها (9)، ولقد اعتمد الدكتور الخطيب على ما جاء في لسان العرب لابن منظور وفي مادة الخرافة "الحديث المستملح من الكذب"، وقالوا : "حديث خرافة"، ذكر ابن الكلبي في قولهم حديث خرافة :، أن خرافة من عذرة بن جهينة اختطفه الجن ثم رجع الى قومه فكان يحدث بأحاديث ما رأى تعجب منها الناس فكذبوه فجرى على السن.
وقد تطور معنى الاسطورة ليشمل الخرافة التي هي القصة الكاذبة التي لايقبلها العقل وليشمل ايضاً ذلك التشويه الخيالي لشخصية حقيقية ماثلة في أذهان الناس، ونستطيع ان نقول ان الحكاية الشعبية في الواقع تخرج بين الواقع الحقيقي والخيالي ويكون بطلها انساناً وترتبط عادة بالسحر والخيال، في حين تكون الفابلو قصة أسطورية خيالية واستحضاراً لحقيقة أخلاقية وتعليمية، اضافة الى ذلك فان ابطال (الفابلات) يكونون عادة من الحيوانات ذوي الخصائص البشرية (10)، وأخيراً نستطيع القول انه من الصعب جداً على القارئ غير المتخصص التمييز بين الخرافة و (الفابلو) و الاقصوصة.
صفحة 4
La nouvelle, La fable et La conte.
لان الانماط الثلاثة تشترك أحياناً بالخصائص انفسها، تتشابه الحكايات الشعبية في الادبي العربي والاوربي من حيث المضمون وقد تختلف من حيث الشخصيات والعناصر الزمانية والمكانية، على الرغم مما يفصل بينها من ( مسافات زمانية وحضارية وفكرية لكن الحكايات تخرج من مصدر متماثل واحد الا وهو العقل البشري)(11).
ان الموطن الاصلي للحكاية كما يقول فل ماريك بيوكيوت هو الصور الاولى المكتملة للحكايات الخرافية وسابقتها تقابلها فيما يعرف عن منطقة شرق البحر الابيض المتوسط فعالم الحكايات الخرافية هو عالم المزارعين، لما كانت شعوب بلاد الشمال وفقاً لوجهة نظر علماء ما قبل التاريخ حطابين قبل أن يعيشوا حياة الزراعة لذلك فليس في وسع الانسان أن يقبل بناء على ذلك أن تكون هذه الشعوب الشمالية قد عاشت عالم الحكايات الخرافية وان اتفقنا جدلاً مع الرأي الذي جاء به فريد ريرفون ديرلاين في كتابه فان الحكايات انتقلت شفاهاً عبر العصور من جيل الى جيل، لهذا نرى التشابه الموجود في الحكايات في الادب العالمي فحكاية " المزمار السحري" مثلاً نراها في الحكايات الشعبية الالمانية والحكاية الشعبية العربية على حد سواء مع اختلاف بسيط في أسماء الشخصيات والاماكن وكذلك الاختلاف في الوضعية البدئية فالحكايات في كلا الادبين تتشابه من حيث المضمون كما نرى التشابه أيضاً في حكاية الحيوان والحكاية الخرافية(12).
ان الاختلاف بين الحكاية الشعبية والخرافية تكمن في أن القصاصين يحذفون أو يغيرون أو يكيفون احداثاً لتلائم الحياة الثقافية والاجتماعية والبيئة التي يعيشون فيها وهذا شيء طبيعي، آن تاريخ الحكاية يرجع الى الاف السنين او بمعنى آخر ان نشأتها قديمة قدم الإنسان ولقد تطورت وشهدت ازدهاراً عبر العصور في أوربا . ولاسيما في القرن الحادي عشر حيث ظهرت مجموعات من الحكايات الخرافية في فرنسا مثل حكايات "اسي لوي" لشارك بيرو وظهرت في ألمانيا حكاية " ذات الرداء الاحمر" و "الوردة الشائكة" وغيرها.
أما في الشرق فقد ظهرت حكايات لا يزال الأدب العالمي متأثراً بها ويتغنى بها الى يومنا هذا كحكايات " ألف ليلة وليلة " على سبيل المثال والتي تتضمن حكايات خرافية وبطولية واسطورية وبجانب هذه الحكايات المدونة هناك حكايات محلية شعبية تحكى شفاهاً، ونود ان نشير الى ان هنالك جهوداً مكثفة مبذولة في الشرق والغرب لجمع هذه الحكايات .
صفحة 5
فلقد جمعت الاف من الحكايات الخرافية والشعبية في اوربا وجمع كل من (فسر) في (هولشتين) و(فوسيدلو في فيكلنورج) و (تيري) في صقلية وفي الشرق الدكتور عمر الطالب والدكتور داؤد سلوم في العراق وغيرهم في اقطار عربية اخرى وما يزال جمع الحكايات مستمراً في جميع انحاء المعمورة.
قبل البدء في عرض نظرية بروب في "الخرافة" وتطبيقها على الحكايات آنفة الذكر نود أن نعرض ولو بايجاز خصائص الحكاية التي نراها تتشابه في جميع القصص الشعبية وتتمثل الحكاية الشعبية بصورة عامة بالبساطة في الاسلوب لانها عادة تحكى للعامة، لذلك يجب ان يكون الاسلوب بسيطاً خالياً من الكلمات الصعبة والجمل المعقدة . أما بالنسبة للوضعية المبدئية فان معظم الحكايات تبدأ بافتتاحية تقليدية "كان في قديم الزمان" .أما الحكايات الشعبية العراقية فانها تبدأ عادة بــ ((كان يا مكان على الله والتكلان كل من عليه ذنب يقول التوبة واستغفر الله )). كما أن جميع الحكايات تنتهي بنهاية سعيدة كالزواج أو جمع الشمل أو بقصاص المعتدي(13) . وبعد عرضنا بايجاز خصائص الحكاية نود أن نقدم البناء الوظيفي للحكاية التي جاء بها بروب في كتاب" مورفولوجية الخرافة"، فالوظائف التي جاء بها بصورة عامة هي :-
1. النأي
2. وجود المنع
3. انتهاك المنع ودخول المعتدي
4. يحاول المعتدي الحصول على معلومات
5. يتلقى المعتدي أخباراً حول ضحيته
6. يحاول المعتدي خداع ضحيته للسيطرة عليها او على ممتلكاتها
7. تقع الضحية في حبائل الخدعة وبذلك تعين عدوها بالرغم منها
8. يلحق المعتدي ضرراً بأحد أفراد العائلة او يسيء اليه
9. انتشار خبر الاساءة او النقص
10. يقبل البطل الباحث السعي او يقرره
صفحة 6
11. يغادر البطل منزله
12. يتعرض البطل لاختبار او استنطاق او هجوم يهيؤه لتلقي اداة او مساعدة.
13. يرد البطل على أفعال الواهب المقبل
14. توضع الاداة السحرية تحت تصرف البطل
15. ينقل البطل او يرشد او يعاد الى جوار المكان الذي يوجد فيه موضوع بحثه
16. يتبارز البطل والمعتدي عليه في المعركة
17. يتلقى البطل علامة على جسده
18. ينهزم المعتدي
19. اصلاح الاساءة البدنية وتعويض النقص
20. يعود البطل
21. يطارد البطل
22. يغاث البطل
23. يصل البطل متنكراً الى بيته او الى قطر اخر
24. يدعي بطل لنفسه دعاوى كاذبة
25. تقترح على البطل مهمة صعبة
26. انجاز المهمة
27. التعرف على البطل
28. يكشف قناع البطل المزيف او المعتدي او الشرير
29. يكتسي البطل مظهراً جديداً
30. يعاقب البطل المزيف او المعتدي
31. يتزوج البطل ويرتقي الى العرش
صفحة 7
المصادر والمراجع
المصادر العربية :
1. أثر البيئة في الحكاية الشعبية العراقية، عمر الطالب، الموسوعة الصغيرة، دار الجاحظ، بغداد، 1981.
2. الادب المقارن، محمد غنيمي هلال، دار النهضة مصر للطباعة والنشر، القاهرة، الطبعة الثالثة، بلا.
3. الحكاية الخرافية، ترجمة نبيلة ابراهيم، دار العلم، بيروت، 1971.
4. مورفولوجية الحكاية، ترجمة ابراهيم الخطيب، الشركة المغربية للناشرين المتحدين،1986.
5. معجم المصطلحات الادبية، مجدي وهبة.
6. في علم التراث الشعبي، لطفي الخوري، الموسوعة الصغيرة، منشورات وزارة الثقافة والفنون، 1979.
المصادر الاجنبية:
1. GOUATTENOIRE, j.(ed): contes et nouvelles ,Haehelte, pnris,1977.
2. LEMAITRE,Henri, Dictionnaire Bordas, de litterature Française ,Bordas, Paris,1985.
3. Lukas, Ga théorie du roman ,traduit de lallemand par jem claire voge, Gouthiers, aun Rhein, Bberlin Spanden, 1963.
4. RROPP Vladimir, Morphologic du conte ,traduction de Marquerite Berrida, Ytzvetar Todorov et Clande Kahn, senil ,Paris ,1970.
5. Victot E.Neuburg, Popular literature ,Penguin Books, 1977