eKtab
EN ع
الحكايات الشعبية في البلاد الشامية ( الجزء الثاني )
اقرأ عينة مجانية

الحكايات الشعبية في البلاد الشامية ( الجزء الثاني )

بقلم مصطفى الصوفي

صفحة 1

الخياطة وابن الملك

الراوي: وردة الشيشكلي

كان في قديم الزمان رجل فقير الحال عنده بنتاً صبية جميلة، وذكية وعين الله عليها أراد أن يعلّمها الخياطة، فأرسلها إلى خياطة بالحارة لتتعلّم عندها، وتساعدها بأمور البيت وتسقي الحديقة التي يشرف عليها قصر الملك. في يوم من الأيام رآها مرة ابن الملك عما تسقي حوض الورود، فأعجب بجمالها وأحبها، وقال لها: ( يا ساقية زهرة الحبق هل تعرفي الزهرة كم لها من ورق )

فقالت له: ( أعرف بالحبقة كم ورقة إذا أنت عرفت بذقنك كم شعرة وبإسطبلك أبوك كم بقرة ) فغضب من ردها وتركها.

عاد في اليوم التالي فسألها نفس السؤال، فردت عليه بالجواب ذاته، فاحتار في أمرها وكيف الوصول إليها فدعى الخياطة، وقال لها: خذي ألف دينار مقابل أن تدعيها عندك هذه الليلة، فقالت الخياطة للبنت: عندي جهاز عروس لازم يخلص اليوم أريد أن تساعديني به، فوافقت البنت وعادت في المساء، وجلست تعمل في العليّة، فحضر ابن الملك إلى بيت الخياطة، فقالت الخياطة للبنت: لقد نسيت بكرة الخيطان بالغرفة التحتانية انزلي أحضريها، فنزلت البنت وكانت الغرفة معتمة فأمسكها ابن الملك وقبّلها، فصاحت البنت: " يا معلمتي ببيتك في رابوص يقرص ويعض ويبوس "،

فتركها وهرب وعادت البنت إلى بيتها، ومرضت ونامت في الفراش وغابت عن الخياطة عدة أيام، ولما تعافت رجعت إلى معلمتها، وخرجت تسقي الورد في الحديقة رآها ابن الملك فقال لها: " الحمد لله على السلامة يا ساقية الحبقة تعرفي بالحبقة كم ورقة ؟".

فردت عليه: " أعرف بالحبقة كم ورقة إذا عرفت بذقنك كم شعرة وبإسطبل أبوك كم بقرة ؟". فقال: " يا معلمتي في بيتك رابوص بيقرص وبيعض وببوس ". فعرفت أنه هو من أمسكها وباسها في بيت معلمتها، فعادت إلى البيت وهي تفكّر بالانتقام وكيف ترد له المقلب .

في اليوم التالي ذهبت البنت إلى الخياط وطلبت منه أن يفصل لها ثوباً من اللبّاد مع خشاخيش وأجراس. ثم ذهبت إلى عند جارتها وطلبت منها أن تمثّل دور الشحادة، وتذهب إلى قصر الملك وتأخذها معها ففعلت، ولما دخلت القصر ذهبت سراً إلى غرفة ابن الملك، ونامت تحت التخت.

جاء ابن الملك لينام آخر الليل، فأطفأ النور وجلس على السرير، فخرجت وبدأت ترقص وتخشخش بالأجراس وتقول: " أنا عزرائيل الصغير بعثني عزرائيل الكبير لأقبض روحك " خاف ابن الملك وترجاها أن لا تقبض روحه، فوافقت بشرط أن يشرب هذا الشراب، فشربه وخرجت وتركته لوحده. فأصابه مرض غريب لم يعرف أحد له دواء وعجز الأطباء من معالجته، فلبست البنت الخياطة لباس الطبيب، وحملت معها حقيبة وأخذت تنادي:" أنا الطبيب أنا المداوي، أنا أشفي من كل الأمراض ". فركضت الخادمة إلى الملكة، وأخبرتها عن الطبيب فأحضرته، وعرضت عليه حالة ابن الملك.

فقالت البنت: أمره بسيط الآن يشفى بإذن الل، وأدخلته إلى غرفة لوحده، وقالت له: أنا سأشفيك الآن لكن اسمع مني هذا القول: " إذا جاءك أحدهم مرة، وقال من أجل حكيمك لا تضيع غريمك فاقبل منه ". فوعدها بذلك، وسقته شراباً مضاداً للشراب الأول، فشفي في الحال وتركته وعادت إلى بيت الخياطة.

وخرجت بعد ذلك لتسقي الورود في الحديقة فرآها ابن الملك وقال لها: " يا ساقية الحبق تعرفين كم ورقة في الحبق ؟". فأجابته: " أعرف إذا كنت تعرف في ذقنك كم شعرة، وفي إسطبل أبوك كم بقرة ؟" فقال لها: " فيه أبو رابوص بيقرص وبيعض وببوس ". فقالت له: " أنا عزرائيل الصغير بعثني عزرائيل الكبير كي أقبض روحك" .

فغضب ابن الملك وأحضر والدها لينتقم من هذه الإهانة الكبيرة التي ألحقتها به البنت الخياطة، فطلب منه أن يفصل بدلات للعساكر من الحجر، وإلاّ سيقطع رأسه.

عاد والد الخياطة إلى ابنته وهو في غم كبير فسألته عن سبب ذلك ؟ فأخبرها بطلب ابن الملك منه، فطلبت منه أن ينتظرها وذهبت إلى الخياطة، وأخبرتها بالقصة فقالت لها: بسيطة قولي لوالدك أن يذهب إلى الملك وحاشيته، ويوزع عليهم بعض الأحجار كي يصنعوا له منها خيطاناً يخيط بها البدلات.

وفي اليوم التالي جاء أبوها، وطلب من الملك ما أمرته به الخياطة، فتعجب ابن الملك وقال له: والله هذا ليس صنعك هذا من صنيع ابنتك .

صفحة 2

وفي اليوم التالي طلب منه أن يأتي إليه لابساً وعرياناً، وحفياناً وليس حفياناً، وماشياً وراكباً في الوقت نفسه، فعاد إلى ابنته حزيناً وحكى لها القصة، فذهبت إلى الخياطة وأخبرتها بما حدث، فعلّمتها أن يلبس والدها فردة حذاء، وأن يركب قصبة، وأن يلبس سروالاً قصيراً، وقبعة على رأسه.

ففعل مثلما أخبرته ابنته، ودخل إلى ابن الملك بهذه الهيئة فضحك منه الجميع.

وقال ابن الملك: والله لقد غلبتني ابنتك أريد أن تزوجني ابنتك، وأعطاه مهرها كيساً من الذهب، فوافق وذهب يبشّر ابنته.

ذهبت البنت وسألت معلمتها، فقالت لها الخياطة: نصيبك بدو يصيبك وهذا قدرك لكن الله يعينك من شرّ هذا الرجل، فوافقت البنت وأخبرت ابن الملك وقام العرس والاحتفالات، وفي يوم الدخلة نام هو في غرفة وهي في غرفة ثانية، ولم يقرب منها.

في الصباح أمرها أن تدخل المطبخ وتحضّر له الطعام، فقالت له: أنا أصبحت زوجتك وملكة فكيف سأدخل المطبخ وأصنع لك الطعام أمام الخدم ؟.

فقال لها: أنا تزوجتك كي تكوني خادمة وتقشري البصل حتى تعرفي قيمتك. فقالت: أنا ما بتفرق معي لكن الناس سيقولون زوجة الملك قشّارة بصل، وبقيت البنت على هذا الحال فترة من الزمن يعاملها ابن الملك معاملة الخادمة ولا يقرب منها أبداً.

في أحد الأيام قامت الحرب بينهم وبين دولة أخرى، فجهّز ابن الملك الجيش، وخرج إلى المعركة وعسكر بعيداً عن المدينة، فذهبت البنت إلى معلمتها وحكت لها قصتها، فطلبت منها الخياطة أن تجهّز مجموعة من الفرسان البنات، ولبست هي لباس الفرسان، وذهبت مع المجموعة إلى قرب معسكر الملك وضربت الخيام هناك.

في المساء أتت إلى ابن الملك وسلمت عليه وقالت له: إنها ابن الملك الفلاني، وقد خرجت للصيد ومررت من هنا فرأت الجيش فأردت أن أعرف أخباركم ؟.

فرحّب بها الملك وجهّز الطعام، وبعد أن أكلوا وشربوا وسهروا. قالت له: ما رأيك أن نلعب الشطرنج فإذا غلبتني أعطيتك زوجتي تنام عندك، وإذا غلبتك تعطيني زوجتك. فقال ابن الملك: لكن زوجتي قشارة بصل، فأجابته لا يهم أنا موافقة، فلعبا فغلبها ابن الملك.

فقالت له: بعد قليل سأرسل لك زوجتي، ولكن زوجتي منقبة، وتستحي أن تخلع النقاب عن وجهها فلا تحاول أن تكشف عن وجهها.

ذهبت البنت إلى معسكرها وبدّلت ثياب الفرسان، ولبست أحلى الثياب ووضعت نقاباً على وجهها ثم عادت إلى خيمة ابن الملك ونامت معه، وفي آخر الليل طلبت منه أن يهديها السيف فأعطاها إياه، وعادت إلى جماعتها ورحلوا إلى المدينة وانتهت المعركة وعاد ابن الملك وجيشه.

بعد مدة حملت بنت الخياطة وأنجبت ولداً جميلاً مثل القمر، وسمته عكا وتركته عند معلمتها لتربيه .

في العام التالي قامت حرب وخرج ابن الملك بالجيش، وعسكر في المكان نفسه وفعلت البنت مثل ما فعلت بالمرة الأولى ونامت مع ابن الملك وفي الصباح أخذت منه الخاتم، وحملت وأنجبت ولداً أجمل من الأول، وسمته صور ووضعته عند معلمتها أيضاً لكي تربيه.

وفي المرة الثالثة نامت معه وأخذت منه المنديل أيضاً، وحملت وأنجبت هذه المرة بنتاً وسمتها ست بدور ووضعتها مع أخوتها عند معلمتها الخياطة.

كبر الأولاد وتعلّموا في المدرسة وأخذوا يذهبون إلى زيارة أمهم في مطبخ القصر، فيأكلون ويلعبون في الحديقة، وكان ابن الملك يراهم ويلاعبهم وأصبح يحبهم كثيراً دون أن يعرف أنهم أولاده، ويتمنى من قلبه لو أن لديه أولاداً مثلهم، وكانوا كلما أتوا إلى القصر يقفون على الباب ويدقون ويغنون: "خيّا عكا خيّا صور خيتنا الست بدور افتحولنا باب الدور". فيسمعهم ابن الملك ويفتح لهم، ويدخلهم إلى الحديقة ليلعبوا فيها طوال النهار.

بعد فترة من الزمن أراد ابن الملك أن يتزوج، فخطب بنت ملك وأقام عرساً كبيراً وفرحاً عظيماً. ولما سمعت البنت الخياطة ذلك جمعت أولادها، وأخبرتهم بالقصة وعرفوا أنهم أولاد ابن الملك، وأعطتهم السيف والخاتم والمنديل، وذهبوا ووقفوا على مدخل القصر، ولما أتى الملك للدخول على عروسه، اعترضوه وأخبروه أنهم أولاده، فسألهم عن أمهم فقالوا: هي مقشرة البصل، فلم يصدق، فأظهروا العلامات فتذكّر القصة وفرح بهم كثيراً، وأحضر أمهم من المطبخ واعتذر منها، وألبسها لبس الملكات

وجدّد الأفراح والأعراس سبعة أيام بلياليها لا أحد يأكل، أو يشرب إلا من بيت الملك، ودخل على

البنت الخياطة من جديد فوجدها أجمل نساء العالم، وعادت الأمور إلى مجاريها، وعاشوا بالفرح والنعيم وطيب الله عيش السامعين .

صفحة 3

العجوز وصحن الدبس

الراوي: نزهة الصوفي

كان يا ما كان في غابر الأزمان. امرأة أرملة وفقيرة الحال، وعندها ثلاث بنات صغار تعمل، وتتعب وتشقى لإطعامهم ورعايتهم. في يوم من الأيام اقترحت البنت الصغيرة على أمها أن يساعدوها في العمل وتأمين حاجات البيت، فطلبوا من أمهم أن تجلب لهم بعض الصوف حتى يغزلوه، ويصنعوا منه كنزات فتبيعها أمهم في السوق، وتشتري لهم بثمنه طعاماً، وهذا ما حصل وتعاونت البنات الثلاث على حياكة الصوف حتى صنعوا منه كنزة جميلة أخذتها الأم إلى السوق، فباعتها ببعض الدراهم واشترت لأولادها صحناً من الدبس، وعادت به إلى البيت.

استمرت على هذا الحال عدّة أيام، وفي يوم بينما كانت عائدة بصحن الدبس، واجهت عجوزاً نحيفاً، مقعداً، مرمياً على قارعة الطريق، ذقنه طويلة، مهلهل الثياب.

قال لها العجوز: " طبي دبيستك واحمليني ولبيتك وديني ". فقالت له الأم: هذا تعب بناتي الصغار فكيف أرميه وأحملك بدلاً منه ؟ وماذا سأفعل بك، فقال لها العجوز: (طبي دبيستك واحمليني ولبيتك وديني، ومثل ما بقولك اعمليلي أنا رزقتك ما راح تندمي فيني ).

بعد إلحاحه الشديد أخيراً رمت الأم صحن الدبس، وحملته على ظهرها وقالت: أمري إلى الله.

أنزلته في البيت فاستغربت بناتها قصة العجوز، واستنكروا على أمهم أن تتخلى عن صحن الدبس من أجل هذا العجوز الهفتان، وسألوا أمهم ماذا سيفعلون به ؟.

صفحة 4

فقال العجوز للمرأة: " بالغرفة حطيني والفرشة مدّي لي، وبالّلحاف غطيني "، فمدّت له الفراش وغطّته باللحاف. فقال لها: " الآن جيبي عصي ودقّيني ".

استغربت كلامه ورفضت المرأة في البداية لكنه ألحّ عليها، ورجاها أن تفعل ما يريد، فأتت ببعض العصي، وأخذت تدقّه مع أولادها حتى أصبح كالعجينة، فرفعوا عنه الغطاء وإذ بالعجوز تحوّل إلى كومة من الذهب.

فرح الأولاد والمرأة بهذه الرزقة العظيمة، وطلبت المرأة من ابنتها الكبيرة أن تذهب وتستعير من جارتهم الغنية ( المسحة ) التي يكيلون فيها الحب، فاستغربت جارتهم هذا الطلب، وأرادت أن تعرف ماذا سيكيلون فيها فوضعت في أسفلها علكة، وعندما أعادوها لها وجدت فيها قطعة من الذهب، فطار عقلها وذهبت إلى جارتها، وسألتها عن مصدر الذهب فلم تجبها، فألحّت عليها حتى اعترفت لها الجارة بكل ما حدث، فغرّها الطمع وحملت الجارة الحسود في اليوم التالي صحناً من الدبس، وجابت الشوارع حتى قابلت عجوزاً فقيراً مريضاً، فطلبت منه أن يأمرها برمي صحن الدبس وحمله إلى البيت، فحاول التملّص منها لكنها أرغمته على قول ذلك، فقال لها ما أرادت وحملته إلى البيت، وقالت له أن يطلب منها أن تمدّ له الفراش وتغطّيه باللحاف، ففعل ، ثم أمرته أن يقول لها أن تضربه بالعصا، فأخذ يبكي ويرجوها أن ترحمه وتتركه في حال سبيله، لكنها لم ترد عليه وسحبت العصي هي وأولادها، وصاروا يضربونه وهو يصيح ويستغيث من الألم حتى همدت حركته، فرفعوا الغطاء عنه وإذا هو جثة هامدة، وكومة من اللحم المفعوس، والفراش بركة من الدم.

حضرت الشرطة فقبضت عليهم، ووضعوهم في السجن بتهمة قتل الرجل العجوز ولقوا جزاء طمعهم وحسدهم لجيرانهم.

بينما عاشت المرأة الصالحة وبناتها في رغد ونعيم وتزوجن وأنجبن البنات والبنين ...

صفحة 5

الحطّاب وبناته الثلاث

الراوية: كرجية رسلان

كان في بزمانه حطّاب فقير جداً كبيراً في السن, عنده ثلاث بنات. يحطب كل يوم بعض الحطب يبيعه ثم يشتري بثمنه قليلاً من الطعام لبناته بحيث لا يكاد يسد الرمق.

استمر على هذا الحال حتى انهدّ حيله وضعفت قوته، ولم يعد يقوى على العمل، فقرّر أن يتخلّص من بناته ويرتاح من همهنّ، فأخذهن إلى الغابة بحجة أنهن سيساعدنه، وبعد فترة من العمل جلس الجميع على حافة البئر ليرتاحوا.

ادعى الحطاب أن المسلّة وقعت منه في البئر، فطلب من ابنته الكبيرة أن تنزل إلى البئر لتبحث عن المسلّة فدلاّها بالحبل، وبعد قليل نادته ابنته أنها لم تجدها، فأنزل ابنته الوسطى وقال لها: أربع عيون يرون أفضل من اثنتين.

أيضاً بعد مدة من الزمن نادته الوسطى أنها لم تجد المسلّة، فأنزل البنت الصغيرة وقال لها: ست عيون يرون أفضل من أربع، ثمّ دلاّها بالحبل إلى أخواتها، ولما أصبحت أسفل البئر رمى الحبل في البئر وتركهم ومضى في حال سبيله.

بقيت الأخوات يفتشن حتى يئسن من إيجاد المسلّة، فأخذن ينادين أباهم ليخرجهم من البئر، لكن دون فائدة حتى تعبن وشعرن بالجوع، فبكين كثيراً حتى نعسن ونمن، وبعد ساعات أفاقت الصغيرة، فقامت تتلمّس جدران البئر في الظلام فمرّت على (طاقة ) صغيرة يدخل منها هواء بارد، فدخلت منها بصعوبة، فإذا هي في دار كبيرة واسعة في وسطها شجرة كبيرة معلّق بأغصانها صيد كثير من الغزلان والطيور، فشمّرت عن يديها وعملت بهمّة ونشاط، ونظّفت الدار وكنّستها، ورشّتها بالماء ورتّبتها، وأنزلت الصيد ونظّفته وقطّعته، ووضعته في قدر كبير وطبخته وطبخت معه قدراً من البرغل، ثم رتّبت المائدة وصفّت عليها الطعام، وملأت صينية من الطعام وحملتها، وعادت بها إلى أخواتها، فتعجبوا من أمرها وسألوها من أين هذا الطعام وكيف وجدته، فروت لهم ما جرى معها. فأكلوا حتى شبعوا وحمدوا الله ثم ناموا حتى الصباح.

صفحة 6

أما الدار فقد كان أصحابها ثلاثة فرسان شجعان يسمّون:" علاء وحسن وحسين " يخرجون كلّ يوم إلى الصيد ولا يعودون إلى المساء. في ذلك اليوم عادوا فرأوا العجب، المائدة مرتّبة وعليها أشهى الطعام، تفوح منه أطيب الروائح، لم يذوقوا مثله في حياتهم، فعرفوا أن أحداً ما دخل الدار في غيابهم، وفعل كل هذه الأعمال، فأكلوا بنهم وشبعوا وناموا إلى الصباح.

في اليوم الثاني عندما عادوا إلى البيت رأوا الأمور ذاتها قد حدثت فزاد استغرابهم، وقرّروا أن يعرفوا من يأتي في غيابهم، ويصنع كل هذه الأعمال، واتفقوا أن يبقى أخاهم الكبير حسين ليكشف لهم السر. لكن حسين جلس فترة طويلة من الليل حتّى ملّ ونعس ونام، ولما عادوا أيقظوه من النوم، وقد جرى ما

يحدث في كل يوم، ولم يتمكن حسين من معرفة الحقيقة.

في اليوم التالي بقي الأخ الأوسط حسن، فجرى معه مثل ما جرى مع حسين ونام ولم يعرف ما يحدث، فجاء دور الأصغر علاء فصمّم على كشف السر مهما كلّفه الأمر.

جلس علاء يراقب ساعات طويلة من الليل حتى أحسّ بالنعاس، وحتى لا ينام أحضر دلواً ملأه بالماء، وعلّقه في الشجرة وجلس تحته، فكان ينقّط على وجهه نقطة ماء كل لحظة، فينبهه من غفلته فبقي مستيقظاً طوال الوقت، وبعد منتصف الليل رأى فتاة رائعة الحسن والجمال تدخل إلى الدار من الطاقة الصغيرة، وشاهدها كيف تنظف وترتب وتصنع وتطبخ الطعام، وتجهّز المائدة، وعندما انتهت وحملت صينية الأكل إلى أخواتها هجم عليها علاء وأمسك بها وصاح بها: أنت إنسية أم جنية ؟، فخافت منه الفتاة ولاذت بالصمت، فأجلسها وبقي يسايرها ويحدّثها بألطف الكلام حتى اطمأنت، فروت له قصتها من أولها إلى آخرها، فذهب معها وأحضر أخواتها وأعطاهم الأمان، وجلسوا جميعاً يتسامرون حتى حضر اخوته، ففرحوا بهن كثيراً، وتزوج كل منهم الفتاة التي تماثله بالعمر، وعاشوا جميعاً في السرور والهناء وراحة البال والصفاء.

صفحة 7

تفاح الجبل للحبل

الراوية: نزهة الصوفي

كان يا مكان في قديم الزمان كان يعيش فلاح مع زوجته مبسوطين بدون أولاد لا صبيان ولا بنات، وفي يوم من الأيام سمعت زوجة الفلاّح منادي ينادي: ( تفاح الجبل للحبل .. تفاح الجبل للحبل ). فطار عقلها من الفرحة وحنّت للأولاد، فاشترت من البائع تفاحة خد أحمر وخد أصفر، وأعطته ثمنها ما جنته في حياتها من المال، ووضعت التفاحة في الشباك حتى يعود زوجها من البستان، لتأكل التفاحة معه قبل أن ينام في المساء.

جاء الزوج تعب وجوعان فوضع عدّة الفلاحة في الإسطبل ودخل إلى البيت، فرأى التفاحة فأعجبته واشتهاها، وظن أن زوجته احتفظت له بها، فأكلها بلقمتين وجلس يحمد الله بعد أن وجد طعمها لذيذًا لم يذق مثله في حياته،

وفي المساء فقدت المرأة التفاحة، فسألت زوجها عنها فأخبرها أنه أكلها وشكرها عليها، فصاحت وناحت وقالت له: إنها تفاحة الجبل للحبل، وقد أكلتها لوحدك يا ويلي ماذا سيحدث معك، فضحك على عقلها وقال: عقلك صغير حتى تصدقي هذه الأمور.

مضت الأيام والشهور وقد نسيا موضوع التفاحة، لكن الرجل بدأ يشعر أن بطّة رجله تكبر، وأخذت تؤلمه فذهب إلى الطبيب، فتعجب من أمره وقال له: الغريب أن بطة رجلك حامل وفيها ولد وهذا لم يحدث من قبل.

خاف الرجل وفزع من هذا الأمر، واستحى أن يقول لزوجته الحقيقة، فلمّ أغراضه بحجّة أنه مسافر سفرة بعيدة، وذهب وسكن في الغابة لوحده حتى جاءه المخاض تحت شجرة كبيرة، وكان على الشجرة طاووس وقاقا، فساعداه حتى خرجت من بطة رجله بنت حلوة مثل القمر، لفّها في بعض الملابس ووضعها على غصن شجرة، وعاد إلى بيته، وكأن شيئًا لم يحدث.

تقاتلت القاقا مع الطاووس على الطفلة حتى تغلّبت القاقا عليه، وأخذت الطفلة إلى عشها فأطعمتها، ورعتها، وسمتها ست الحسن حتى كبرت الصبية، وصارت سبحان الخالقها، وكانت تلعب مع الغزلان في البرية وتأكل من ثمار الغابة.

في يوم من الأيام خرج علاء الدين للصيد والقنص، فرأى الصبية سارحة مع الغزلان، فقال لرفاقه كل الصيد لكم إلا هذا الصيد لي، ولاحق الغزلان حتى صاد الصبية بالشبكة، فتعجب من حسنها وجمالها كأنها البدر التمام، فأخذها إلى البيت وألبسها أحسن لباس وفرش لها أحسن غرفة في القصر، وأوصى أمه وأخته بها، لكنهما كانا بغياب علاء الدين يعاملاها معاملة الخادمة ويقسوان عليها.

صفحة 8

أما علاء الدين فقد عشق الصبية ولم يعد يصبر عليها، فقال لأمه أنه يريد أن يتزوجها. حاولت أمه منعه من الزواج منها، ولكنه أصرّ علي الزواج منها وعمل فرحاً كبيرًا وتزوجها، فوجدها مليحة وبنت ناس وصاحبة نخوة وناموس، وصارت ترعى البيت وتنظفه وتكنسه، وتطبخ الطعام وعاشا حياة سعيدة وفي أحسن حال.

بعد فترة من الزمن أراد علاء الدين أن يسافر في رحلة تجارة بعيدة، فأوصى أمه وأخته أن يعتنيا بزوجته في غيابه، لكنهما بعد أن سافر علاء قامتا وخلعتا ملابسها، وألبستاها ثياباً عتيقة وسخة، وضربتاها حتى ورم جسمها، وأعطياها كسرة خبز يابسة وطرداها من البيت، وهدّداها إن عادت سيقتلانها.

وبعد رحيل الصبية ألبّست الأم ثياب العروس لابنتها، وزينتها حتى صارت مثل زوجة علاء الدين، وعملت قبراً على أنه قبر أخته، ولما عاد أخبرته أن أخته ماتت، فحزن عليها حزنًا شديدًا، ورأى أخته اللي عاملة حالها زوجته حالتها متغيّرة، فسأل أمه عن هذا الأمر فقالت له: حالتها تغيّرت من الحزن على أختك ومن غيابك عنها.

أما الصبية ست الحسن فقد مشت في البرية، حتى وصلت إلى شجرة كبيرة جلست تحتها تستريح، فنامت من النعس والتعب، فمرّت القاقا ورأتها على هذه الحال فأخذتها إلى البيت، واعتنت بها وعرفت قصتها فطيّبت خاطرها وقالت لها: اصبري سيأتيك الفرج إن شاء الله وتأخذين بثأرك من أعدائك.

في الصباح بنت لها القاقا قصراً أحسن من قصر علاء الدين، وفيه جنينة وبستان فيه من كل الفواكه والثمار وما لذّ وطاب، وعيّنت لها حراساً وحاشية وخدّاماً فعاشت في القصر كالأميرات .

في يوم من الأيام مرّت أخت علاء الدين العاملة حالها زوجته من قرب سور القصر، فشاهدت العنب في البستان، فعادت إلى علاء الدين، وطلبت منه عنقوداً من العنب لأنها تتوحم عليه، فأرسل الخادم إلى القصر، وطرق الباب فأطلّت عليه صاحبة القصر ست بدور من الشرفة وسألته ماذا يريد ؟ فقال لها: يا ستي أريد عنقود عنب لزوجة الملك لأنها تتوحم عليه، فردت عليه: " أمي اشتهت التفاحة وأبي أكلها وحبل فيّ، والطاووس والقاقا تقاتلوا علي، وابن الملك حملت أخته وردّت وحامها علي، روح يا مقص قص لسانه حتى لا يفسد عليّ". فقصّ المقص لسانه، وعاد إلى سيده ( يلغلغ ) في الكلام فلم يفهم عليه سيّده، وتعجّب علاء الدين مما حصل للخادم، فأرسل الثاني فعاد يلغلغ مثل الأول، فغضب علاء الدين وصمّم أن يعرف حقيقة الأمر، فذهب إلى القصر ودقّ الباب، فعرفته الفتاة فأرسلت له الخادم ليسأله ما يريد، فقال للخادم: لقد أرسلت خادمي ليطلبا عنقود عنب، فعادا ولسانهما مقطوع، فقصّ عليه الخادم القصة وكيف طلبا، وماذا ردّت عليهما ست الحسن، وكيف أن المقص قطع لسانهما، ولما سمع علاء الدين القصة شكّ بالأمر وأراد أن يعرف الحقيقة، فطلب مقابلة صاحبة القصر، فأمرت الخادم أن يدخله فرآها مثل الأميرات جالسة على عرش من الذهب سبحان الخالقها، فعرفها وعرفته وسألها عن قصتها، فحكت له ما جرى معها منذ أن تركها وسافر وحتى الآن وما فعلت بها أمه وأخته، فغضب من أمه وأخته لأنهما خدعتاه، وصمم أن ينتقم منهما، فطلبت منه ست بدور أن يحضرهما إلى القصر، فذهب الخادم ودعاهما إلى القصر، ولما دخلا إلى الحديقة هفّت نفسهما على الفواكه الشهية، فأكلا منها بنهم، وأمرت سيدة القصر الخادم أن يفلت الكلاب الجائعة عليهما، فهجمت عليهما ونهشت لحمهما ولم يبق منهما إلاّ العظام، وأمر علاء الدين الخدم أن يجمعوا العظام ويدفنوها، وبينما كانت الست بدور تمشي في الحديقة دعست على عظمة منها، فصدر عن العظمة صوتاً ( زيق ) فقالت: الفتاة زيق زقّك، حزن دقّك، أنت متّي وأنا استوفيت. وعاشا في لذّة ونعيم وطيب الله عيش السامعين.

صفحة 9

قمع الرفوف

الراوي: عبد الرحيم العمر

كان يوجد صبية اسمها " قمع الرفوف" تعيش مع والدها وخالتها، وكان أبوها رجلاً بسيطاً ومسكيناً، وخالتها كانت متضايقة ومنزعجة منها، وكانت تعمل على التخلص منها. في إحدى الليالي أمرتها أن تنام على السطح لوحدها، فقالت لخالتها: أنها تخاف أن تنام لوحدها، فأصرّت خالتها على ذلك وإلاّ ستطردها من البيت وضربتها وأجبرتها على الصعود إلى السطح حزينة مقهورة وخائفة.

صعدت الصبية وجلست في العتمة لوحدها، ولم تستطع أن تنام، فبقيت سهرانة طوال الليل، وبعد منتصف الليل ظهر القمر في السماء، فأنست وفرحت به وصارت تغني له:

أهلا وسهلا بأبو الغرايب بالليل عندي وبالنهار غايب

فسمعتها خالتها تغني بهذا الكلام فنقلته لأبيها وقالت له: حتى تعرف أن ابنتك عاشقة وتغني لحبيبها. صعد الأب إلى السطح وهو غاضب منها، وسمع غناء ابنته فأحس بالغضب والعار، وجلس يفكر بطريقة ليتخلص منها، فأشارت عليه زوجته أن يأخذها إلى الغابة لتقطف معه الرمان، وهناك يتركها فتأكلها الوحوش.

في الصباح أخذ الرجل ابنته إلى الغابة، ونزلا تحت شجرة الرمان، فمدّت البنت يدها لتقطف الرمان فضربها بالسيف فقطعها، ثم مدّت الأخرى فقطعها، وقطع رجليها الاثنتين، وتركها في الغابة غارقة في دمائها وعاد إلى البيت.

بعث الله لها زوج من الحمام، وقف أحدهما عند رأسها والآخر عند رجليها. قالت إحداهن للأخرى: إذا أكلت قمع الرفوف الرمان بقشره، ولحست مكان الجرح تلتصق يديها ورجليها مكانيهما، ويعودوا كما كانوا بإذن الله، ورميا لها خاتماً من الماس وطارا في السماء.

سمعت الصبية الكلام وفعلت كما قالوا، فقامت تمشي كما كانت وأحسن من الأول، ووجدت الخاتم بجانبها فلبسته، ومشت في الغابة حتى تعبت، فجلست تحت شجرة تبكي وشعرت بالبرد، وفتّشت حولها فوجدت جلد دب فلبسته، ونامت حتى الصباح.

صادف أن ابن الملك خرج يومها للصيد في الغابة، فمر قربها فرآها من بعيد وظنها دباً نائماً فقال لمن معه: كل الصيد لكم أما هذا الصيد فهو لي ومن نصيبي، ثم لفّها بشبكة وحملها على فرسه، وعاد بها إلى البيت. وضعها في حديقة القصر ولم يعرف هل هي إنسية أم جنية ؟ فربطها في إحدى الأشجار ووضع لها بعض الحشيش وتركها.

صفحة 10

بعد أيام صار عرس كبير في البلد، فلبس ابن الملك أحسن الثياب وخرج إلى العرس، فمرّ من أمام قمع الرفوف، فسألته أن يأخذها معه فردّ عليها مستهزئا، هذا ما كان ينقصني أن تذهب الدبّة معي إلى العرس ..! لتبهدلني، فحزنت قمع الرفوف وبقيت بعد ذهابه فترة من الزمن، ثم فركت الخاتم وتمنت أحلى الثياب، فحضرت أمامها لبستها، فظهرت كبنات الملوك.

ذهبت مسرعة إلى الحفلة فلفتت أنظار الناس بحسنها وجمالها، ورقصت أحلى الرقصات ثم أخذت منديل ابن الملك، ودبكت على الأول بجانب ابن الملك، فطيّرت عقله وتعلّق قلبه بها كثيراً، وقبل نهاية الحفلة اختفت، وعادت إلى مكانها في الحديقة كما كانت.

عاد ابن الملك إلى قصره حزيناً مكسور الخاطر، وقلبه مشغول بالأميرة. مرّ من قرب قمع الرفوف، فسألته عن حاله فردّ عليها منزعجاً: اتركيني بحالي ليس لي نفس أن أتكلّم مع أحد.

في اليوم التالي لبس ابن الملك أحلى الثياب وتزين أحسن زينة، وخرج ذاهباً إلى الحفلة فقالت له قمع الرفوف: خذني معك إلى الحفلة ولن تندم، فردّ عليها ماذا سأفعل بك ؟ أبق مكانك أحسن لك وخليك في حالك، وفعلت قمع الرفوف مثل اليوم الأول، وبعد أن دبكت وتعبت جلست بجانب ابن الملك تتساير معه، فأخرج علبة الدخان، ولفّ منها سيجارة فطلبت العلبة ودخّنت منها، وخبأتها في ملابسها، فسألها ابن الملك من تكون ؟ ومن أهلها ؟ وأين تسكن ؟ فلم ترد عليه، فطلب أن يقابلها فقالت له: غداً بعد العصر اصنع لنا " سيّالة"، وسأحضر لعندكم ففرح الأمير، وعاد إلى قصره مسروراً متلهفا للقاء حبيبته.

في اليوم التالي طلب من أمه أن تصنع له السيّالة فقالت له: لكني لا أعرف كيف يصنعونها، فردّ عليها: ( دبري حالك )، وتركها وذهب. جلست أمه حزينة محتارة، فسألتها قمع الرفوف عن حكايتها فقصّت عليها أمر السيّالة وطلبات ابنها، فقالت لها: هذا بسيط جهّزي لي بعض الحنطة والسمنة والقشدة والسكر، واتركي الباقي علي، ففرحت الأم وأحضرت لها ما تريد، فركت قمع الرفوف الخاتم، وطلبت منه أن يصنع السيّالة، فأصبحت جاهزة في الصينية خلال لحظات، ووضعت فيها منديل ابن الملك وعلبة الدخان، ولفّت صينية السيّالة وأعطتها إلى الأم، فحملت الأم الصينية إلى ولدها ووضعتها أمامه، فشم رائحتها اللذيذة وفرح بها كثيراً، وجلس ينتظر حبيبته فتأخّرت عليه، وطال انتظاره ولم يعد يتحمل ،ففكّ الصرّة عن الصينية، فوجد منديله وعلبة الدخان فيها، فطار صوابه وصاح، ووقع مغشياً عليه. حملوه إلى غرفته، ولما أفاق كان أهله حوله، فسأل أمه من صنع السيالة؟ فقالت له: أنا صنعتها، لكنها كانت مرتبكة في الكلام، فأقسم عليها أن تقول الحقيقة، عندها اعترفت له أن قمع الرفوف هي التي صنعت السيالة، لم يصدّق وجلس في الحديقة طول الليل يراقب الفتاة، حتى رآها بعد منتصف الليل ترفع الجلد عن رأسها، لتمشّط شعرها على ضوء القمر،

فشاهد شعرها الطويل الناعم، ووجهها الجميل كالقمر. هجم عليها ومزّق الجلد عنها وأحرقه، فبانت صبية جميلة لم ير مثلها في الدنيا، فحملها إلى القصر، وسألها عن حكايتها فحكت له قصتها من أولها إلى آخرها وحتى أحضرها معه إلى القصر، فطيب خاطرها وزاد حبه لها وطلبها للزواج منه فوافقت، وأقاموا الأفراح والليالي الملاح وعاشوا في سبات ونبات، وخلفوا صبيان وبنات.