eKtab
EN ع
الحكم العطائية شرح وتحليل - المجلد الثالث
اقرأ عينة مجانية

الحكم العطائية شرح وتحليل - المجلد الثالث

بقلم محمد سعيد البوطي

صفحة 1

الحكمة الحادية عشرة بعد المئة

«الغافل إذا أصبح ينظر ماذا يفعل،

والعـاقـل ينـظر ما يفـعل الله بـه»

كان المفروض أن يعبر عما يقابل العاقل بـ: الغبي أو الساذج مثلاً. ولكنه عبر عما يقابله بـ: الغافل، كما ترى. فلماذا؟

والجواب: لأن مراده بالعاقل من يحكّم عقله في حقائق الأمور، ويستعمله في فهمها وإدراكها على ما هي عليه. وإنما يقابله، بهذا المعنى، الغافل. إذ الشأن فيه أنه ذاهل عن استعمال عقله منصرف عن تحكيمه في حقائق الأمور وعن السعي به للوصول إلى كنهها ولإدراكها على ما هي عليه.

وهذا يدلّك على أن كلا الرجلين يتمتعان بالعقل، ولكنّ أحدهما جادٌّ في استعماله مخلص في التعامل معه، والآخر مهمل له، لا يلجأ إليه إلا لينجده في تحقيق أهوائه وتذليل رغباته. فهو فيما وراء ذلك مهمل له، أي فهو غافل عنه وعن المسائل والأمور الأخرى التي لا يهمه شأنها.

إذن فصنيع ابن عطاء الله هذا (إذا أراد بالعاقل ما قد ذكرته لك، ومن ثم قارنه بالغافل) يردّ استشكال من قد يقول: ولكن الدنيا مليئة بالعقلاء والأذكياء الذين لا ينظر أحدهم إذا أصبح ما يفعل الله به، بل ينظر، كما ينظر الغافل، ماذا يفعل، أجل.. إن صنيعه هذا يردّ هذا الاستشكال ويجيب عنه بأن هؤلاء العقلاء والأذكياء غافلون عن الاهتمام بما لا غرض لأهوائهم به، معرضون عما يرون أن لا مصلحة لهم بالنظر أو التفكير فيه، فهم لا يُعملون عقولهم فيه على الرغم من أنهم يتمتعون بها.

* * *

والآن.. لاحظ الدقة التالية في كلام ابن عطاء الله:

يقول عن الغافل: إنه ينظر ماذا يفعل، ويقول عن العاقل: إنه ينظر ما يُفعل به. استعمل كلمة «ينظر» في الحالتين، بدلاً عن كلمة «يقول» فلماذا؟ لماذا لم يصغ حكمته هذه بالعبارة التالية: الغافل إذا أصبح يقول: ماذا أفعل، والعاقل إذا أصبح يقول: ماذا يُفْعَل بي؟!..

والجواب أن المسألة هنا تتعلق بالاعتقاد، لا باللفظ والعبارة، أي إن المطلوب من المسلم أن يعلم أنه لا يستقل بأمر نفسه في حال من الأحوال ولا فعل من الأفعال ولا في حركة أو سكون، وإنما هو مقود في كل ذلك بقرار الله وقضائه، وبعونه وتدبيره.

فإذا علم المسلم ذلك واستيقنه، فلا حرج، عند التعبير والبيان أن ينسب إلى نفسه الفعل مخبراً عن الماضي أو المستقبل، بأن يقول: فعلت كذا، أو سأفعل كذا، ولا ضير في أن يخطط لما هو مقبل عليه من شؤونه وأن يضع لنفسه المنهاج الذي يريد، وأن يعلن عن التزامه به وعزمه على تنفيذه. بل هذا هو المطلوب من حال المسلم وشأنه. وتلك هي سيرة رسول الله في تقلباته وأعماله.. ولو لم يصح من المسلم أن يعزم بصريح القول على الأفعال والتصرفات التي يريد أن يقوم بها، لما صح أن يطالبه الله بالأفعال التي أمره بالقيام بها، من صلاة وصوم ونسك وجهاد ونحو ذلك.

إذن فلا حرج في أن يقول المسلم إذا أصبح: سأفعل اليوم كذا، ولكن يجب على كل مسلم أن يعلم أنه إذ يقول ذلك مقرراً النهوض بأعماله وشؤونه التي عزم على القيام بها، إنما يمارس من ذلك القدر الذي متعه الله به، وهو العزم النفسي على الشيء. وهو ثمرة اختيار متع الله به الإنسان، فهو يملك أن يتوجه بقصده الاختياري إلى ما يشاء من التصرفات والأعمال. أما التنفيذ الفعلي له فيتوقف على أن يوفقه الله له بأن يقدره على النهوض به، وبأن يمنع العوارض والموانع التي قد تعوقه عنه، وبألاّ يكون في قضاء الله ما يخالف اختياره وعزمه.

وبالجملة فإن العبد إذ يتجه إلى فعلٍ ما، لا يملك تجاهه إلا القصد إليه والعزم عليه، أما المبادرة إليه بالتنفيذ فإنما تكون بخلق الله له.

إذن، فليس المهم في هذا الأمر العبارة التي تدور على اللسان من مثل كلمة «سأفعل» وإنما المهم العقيدة التي ينبغي أن تستقر في العقل.

فمن أجل ذلك حاد ابن عطاء الله عن كلمة «يقول» واستعمل بدلاً عنها كلمة «ينظر» وإنما أراد بها النظر الفكري والاعتقادي.

أي إن العاقل، وإن قال: سأفعل اليوم كذا، فإنه يعلم جازماً أنه لا يملك من الفعل الذي يعنيه إلا القصد إليه والعزم عليه، أما التنفيذ فمتوقف على حكم الله وقضائه ومعونته وتوفيقه، ومن ثم فهو ينظر بعقله إلى ما يفعله الله به تجاه الأمور التي عزم عليها وقرر القيام بها.. أما الغافل فهو الذي لا يدري هذه الحقيقة، ومن ثم فهو ينظر إلى الفعل الذي عزم عليه على أنه هو المستقل بشأنه، والمتمكن من النهوض به، وعلى أنه هو المتسلّط على أفعال نفسه بما يملك من قدرة وتنفيذ وتدبير.

صفحة 2

ثم إن هذه الحكمة مبنية على مبدأ معلوم من مبادئ العقيدة، وهو أن من الثابت باليقين العلمي والنصوص القاطعة أن الله هو الذي يخلق أفعال العباد، وهو مصدر القوى والقدر كلها.

أما المثوبة والعقاب، فإنهما يدوران على محور القصد والعزم، لا على الفعل المادي الذي هو بخلق الله عز وجل؛ والمصطلح القرآني الذي يعبر عن القصد والعزم، هو «الكسب» في مثل قول الله تعالى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة: 2/286] .

وإياك أن تتوهم الخطأ الفادح الذي يقع فيه عوام الناس وكثير من أنصاف العلماء فيهم، إذ يتوهمون أن القضاء هو إلزام الله الإنسان بما حكم عليه به، ومن ثم فإن بين القضاء الإلهي وحرية التصرف تناقضاً حاداً، يمنعهما من التلاقي والاجتماع، فيما يحسبون أو يتوهمون.

إن معنى القضاء فيما يتعلق بأفعال الإنسان وتصرفاته الاختيارية، علم الله عز وجل بما سيختاره الإنسان ويفعله. والقدر وقوع هذه الأفعال أو التصرفات مطابقة لعلم الله. إذن فلا علاقة بين القضاء الإلهي، ووقوع الإنسان في قيود الجبر وأسره.

على أننا نقول هنا كلاماً موجزاً في مسألة الجبر والاختيار وما يتعلق بهما، فإن أعوزك التفصيل، وكنت ممن غُمَّ عليه هذا البحث، فارجع إلى تفصيل القول فيه، في كتابي (الإنسان مسير أم مخير).

فابن عطاء الله يبني حكمته هذه - كما قلت لك - على هذا المبدأ الذي هو من أهم مبادئ العقيدة الإسلامية. غير أنه ليس معنياً هنا بالتركيز على معناه النظري ودلائله العلمية التي تبسط في أماكنها من كتب العقيدة. وإنما الذي يلفت إليه النظر في حكمته هذه، هو ضرورة وضع المسلم هذا المبدأ الاعتقادي الهام، من حياته موضع التنفيذ، ولا يحبسه في مخزن المعارف النظرية من فكره. وذلك هو شأن المسلم الذي هيمنت عقائد الإسلام على كيانه فغدت القائد الأوحد له في سائر سلوكاته وتصرفاته.

ومن ثم فإن من شأن المسلم الذي صحا إلى معاني التوحيد وسلطانها على كيانه (وهو المقصود بالعاقل) كلما أصبح، أي كلما أقبل على شأنه الذي أقامه الله فيه، أن ينظر أي يتأمل ويفكر فيما يفعله الله به. ترى هل سيوفقه الله فيما قد عزم عليه من الأفعال والتصرفات والمشاريع؟.. هل ستمتد به الحياة فيعيش بياض يومه الجديد هذا؟ هل في قضاء الله تعالى أن يبتلى بمصيبة ما في جسمه أو ماله أو بعض من أهله؟[1].

ونظراً إلى أن الحقيقة العلمية، تقول لصاحب هذه التساؤلات: لا أملك من علم هذه الأمور الاحتمالية شيئاً، وإنما مردّ ذلك كله إلى الله ومشيئته، فإن الشأن فيه أن يعلم في كل لحظة، لا في كل صباح فقط، أنه إنما يتحرك في قبضة الله، ويُساق تحت سلطان الله. فهو مهما قرر وخطط، ومهما عزم على أن يفعل أو يترك، لا يملك أن يتحرك إلا بمدد من الله وعون منه.

ومن ثم فإن الشأن فيه أن يستعمل ملكة الاختيار التي متعه الله بها، وأن يتوجه بها إلى العمل الصالح الذي شرعه الله وأمر به، مما يعود بالفائدة الدينية أو الدنيوية إليه وإلى إخوانه، وأن يعزم على النهوض به، خدمة للأمة، وإرضاء لله عز وجل، وأن يسعى سعيه للإنجاز والتنفيذ، على أن يستسلم في الوقت ذاته لتدبير الله، ويتكل على توفيق الله، وعلى أن يعلم أن مشيئة الله هي النافذة. ومن ثم فهو يسعى سعيه إلى إنجاز ما عزم عليه، منتظراً ظهور قرار الله في شأنه، متسائلاً عما يفعل الله به.

فمن هنا جاء الأدب الإسلامي بتنبيه المسلم إلى أن يقيد وعوده وإخباراته عن الأعمال والتصرفات

التي عزم على إنجازها، بمشيئة الله عز وجل. ليأتي كلامه بعد تقييده بمشيئة الله أرسخ في دائرة الصدق، وأبعد عن احتمال الكذب والخلف. وبوسعك أن تتبين أهمية هذا الأدب الإسلامي، في هذا الكلام الذي يخاطب الله به رسوله محمداً r: {وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيْتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَِقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا} [الكهف: 18/23-24] .

وأجلى من ذلك في هذا الباب قول الله تعالى لرسوله: {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ } [الأحقاف: 46/9] .

وأصح ما قيل في تفسير قوله تعالى: {وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ} لأن ذلك عائد إلى أمور الدنيا وتقلباتها، أما في يوم القيامة فقد أنبأ الله رسوله بما قد أعدّ له فيه من المقام المحمود والحوض المورود والمكرمات التي لا حصر لها[2].

فإذا التزم المسلم تجاه شؤونه وأعماله وتصرفاته التي يقبل إليها، بهذا التسليم موقناً بأن الله هو المسيّر له في كل شؤونه وتقلباته، فإنه لا يفاجأ من إرادة الله فيه وقضائه بحقه، إلا بما يستيقن أنه خير. ذلك لأنه إنما ينسب النتائج كلها إلى إرادة الله وحكمه. والمؤمن بالله حقاً لا يكون إلاّ واثقاً بحكمة الله ورحمته، ومن ثم فهو يوقن بأن ما اختاره الله له هو الخير، حتى وإن كان ظاهره دالاً على خلاف ذلك. كيف لا وهو يقرأ قول الله تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 2/216] ، ويقرأ قوله عز وجل: {فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 4/19] .

وحتى في الأمور التي لايستبين له، ولا لغيره، وجه الخير فيما اختاره الله له وقضى عليه بشأنها، فإنه لا يشك في أنها تربية من الله له، وإيقاظ له من التيه أو الغفلة إلى مزيد من الانضباط بطريق الرشد، فهي وإن تلقاها ضربات موجعة، ولكنه لا يشك في أنها كعصا المؤدب، موجعة في وقعها ولكنها مريحة بل ممتعة في عاقبتها. ورحم الله من قال:

فقسى ليزدجروا ومن يك راحماً

فليقس أحياناً على من يرحم

ولا تسل على السعادة النفسية والصحة الجسدية اللتين يحرزهما الإنسان لنفسه، إذ يكون من صنف «العقلاء» على حدّ تعبير ابن عطاء الله، فيتلقى الظروف التي تمرّ به، والأحوال التي يفاجأ بها، والأعمال التي تصدر منه أو التي يعزم عليها، على أنها اختيارات من الله، وأحكام قضى عليه بها، وأنه في خضم الحياة التي يعيشها لا يملك أن يفعل، بقدرة وسلطان منه، شيئاً، بل هو الله وحده، يفعل به ما يشاء.

مثل هذا الإنسان لا يعرف التوتر العصبي إليه من سبيل... ولا تجد الكآبة إلى نفسه، ومن ثم إلى قلبه، أي منفذ. وقد تتركه الدنيا كلها، في بياض يوم واحد، بعد أن ذاق طعمها، وتقلب في نعيمها، فلا يودعها إلاّ كما استقبلها، بنفس مطمئنة راضية، وبأمل مزدهر من الله عز وجل بأن خيراً سيفد إليه من خلال هذا الشر أو من ورائه، وبأن الله يمتحن في هذا الابتلاء صبره، وأن عاقبة صبره ستأتي مثقلة بأضعاف ما قد خسره أو فقده الآن.

فتلك هي حالة المؤمن الذي إذا أصبح ينظر ما يفعل الله به، وقد علمت معنى كلمة «ينظر». وعن هذا الفريق من المؤمنين يقول رسول الله علية الصلاة والسلام : «عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحدٍ إلاّ للمؤمن. إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيراً له»[3].

بل المؤمن الصادق في إيمانه لا يكون إلاّ كذلك، أي لا يرى نفسه إلا متقلباً في كل الأحوال، في قبضة الرحمن، ومن ثم فإنه لا يرى نفسه إلا ممتعاً بخير محظياً بما يسره ويسعده إن عاجلاً أو آجلاً.

* * *

صفحة 3

أما الغافل، على حدّ تعبير ابن عطاء الله، وهو الذي لم يستعمل عقله في إدراك الحقيقة والتعامل معها، فإنه يرى أنه هو المستقلّ بأمر نفسه، وأنه هو المنفذ لخططه ومشروعاته، ناسياً أنه لا يملك من وراء اختياراته وعزائمه النفسية أي قدرة تنفيذية، وذاهلاً عن أن خالق كل شيء والمدبر لكل شيء إنما هو الله، ومن ثم فإنه إذا أصبح ينظر، أي يفكر، فيما قرره وقضاه في حق نفسه.

والشأن في حال هذا الإنسان الغافل، أن يتعرض للمفاجآت التي لم يكن يضع لها في نفسه أي حساب، مما يخالف قراراته وأحكامه التي اتخذها في حق نفسه، إذ الأمر - كما قد علمت - ليس عائداً إليه، وإنما هو عائد إلى قضاء الله وحكمه وخلقه. وهو لم يكن يضع لذلك في ذهنه أيّ اعتبار.

ولا تسل عن الضيق الذي ينتابه، إذ يفاجأ بأن آماله خابت، وبأن أحكامه التي عوّل على نفسه بها، عادت أمنيات باطلة.

قرر، ولم ينفّذ قراره. وعوّل على قدرته وإمكاناته، ولم تنجده قدرته ولا إمكاناته بشيء، وأصرّ على أن ما تعلقت به نفسه واتجهت إليه رغائبه هو الخير، ولم يتحقق له ذلك الخير، فمن أين ينفذ إلى قلبه العزاء؟ وأنى له أن يعلم أن الله هو المسيّر، وأنه هو صاحب القوى والقُدَر، وأن الذي يعلم ما تنطوي عليه ظواهر الأشياء من خير أو شر إنما هو الله؟ أنى له أن يعلم هذا كله، وهو غافل إلا عن الاغترار بنفسه، محجوب بأوهام قدراته عن وحدانية الله وقدرته.

حياة هذا الصنف من الناس معرضة دائماً لأخطر المنغصات، ولأسوأ الأمراض النفسية والجسمية، ولا علاج لذلك كله إلا اليقظة من الغفلة والإصغاء إلى صوت العقل، ولسوف يقول العقل لصاحبه

عندئذ: انظر ما يفعل الله بك، ولا تنظر - تحت سلطان الوهم - ما تفعله مستقلاً بنفسك.

* * *

صفحة 4

الحكمة الثانية عشرة بعد المئة

«إنما يستوحش العباد والزهاد من كل

شيء، لغيبتهم عن الله في كل شيء. فلو

شهدوه في كل شيء لم يستوحشوا من شيء»

في العُبّاد والزُهّاد، من يحسبون أن الانقطاع لكل من العبادة والزَّهادة يستدعي العزلة عن الدنيا والابتعاد عن الناس، لتصفو قلوبهم عن الشواغل، ولكي يكون ابتعادهم عن الدنيا عوناً لهم على الزهد فيها والإعراض عنها، فيبحثون لعباداتهم عن أماكن معزولة عن الناس مفصولة عن زخارف الدنيا وشواغلها، ويمارسون زهدهم من خلال الابتعاد عن النعيم وأسبابه، والتجرد عن الزينة، والحذر من التبسط في المأكل والمشرب والمباحات.

فهل هذه هي الرتبة العالية المثلى التي ينبغي أن يشدّ العبد نفسه إليها، لينال رتبة الأبرار والصديقين؟

يؤكد ابن عطاء الله من خلال هذه الحكمة أن التفرغ للعبادة والإعراض عن زخارف الدنيا وملهياتها، لا يكون السبيل إليها بالعزلة في الكهوف ونحوها، وبهجران مقومات الحياة الدنيا، كزراعة الأرض وبناء البيوت، وإنشاء المعامل وإقامة المشروعات التجارية، والسعي وراء اكتشاف الحقائق العلمية.

ولو صح أن يكون سبيل العبادة والزهد في الدنيا، الاستيحاش من كل شيء تراه العين من مظاهر هذه الحياة الدنيا، ومن ثم الفرار منه والابتعاد عنه، إذن لعادت الأرض خراباً، ليس فيها عرق أخضر، ولا بناء لساكن، ولا رزق يُعدّ لطاعم، ولتحولت أرض المسلمين إلى مرتع للكافرين من أعداء الله وعباده المؤمنين به، دون أن يكون في المسلمين جند يذودون عنها ولا حاكم يرعى شؤونها ومصالحها.

وكل ذلك يتناقض مناقضة حادة مع قول عز وجل: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 11/61] أي أمركم بعمارتها، ومع قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ } [الملك: 67/15] ومع قوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الأعراف: 7/32] .

ولكن كيف السبيل إلى أن يقبل المسلم فيلبي نداء الله الآمر له بعمارة الأرض والتقلب في نعيمها والاستفادة من خيراتها والتعامل مع كنوزها ومدّخراتها، دون أن تشغله عن الإقبال إلى الله وعن أداء الرسالة التي خلق من أجلها والتي دلّ عليها قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ } [الذاريات: 51/56-57] بل كيف السبيل إلى أن يقبل المسلم إلى الدنيا وخيراتها وكنوزها هذا الإقبال، ثم لا يحجب بها عن الله وعن الدار الآخرة؟

يجيب ابن عطاء الله، من خلال حكمته هذه عن هذا السؤال.

يقول ابن عطاء الله: إنما يأسرك من الدنيا تعلقك بها، لا تعاملك معها. والمطلوب منك أن تتعامل معها لا أن تتعلق بها.

والسبيل إلى ذلك أن تأخذ نفسك بالأسباب التي توقظ بين جوانحك محبتك لله، والتي تزيدها قوة وتأثيراً على قلبك. وأهم هذه الأسباب الإكثار من ذكر الله ومراقبته، وقد مرّ بك الحديث عن أهمية ذكر الله تعالى وآدابه وآثاره، في أكثر من مناسبة، فلا داعي إلى التكرار.

غير أني أذكرك بما قلته لك من أن أفضل وأيسر طريقة لذكر الله تعالى أن تربط النعم التي تفد إليك بالمنعم جل جلاله، بألاّ تتلقاها غافلاً عن مصدرها الذي وصلت إليك منه. ونظراً إلى أن نعم الله تعالى سلسلة متصلة الحلقات لا تكاد تنقطع عنك، إذن لا بدّ أن تكون دائماً مع الله في استقبالك لنعمه، بفكرك ووجدانك، وهذا هو أعلى مراتب مراقبة الله وذكره.

فإذا أخذت نفسك بهذا الورد، بل بهذا الغذاء الروحي المتميز، واستقمت على ذلك دون انقطاع، تراقب المنعم المتفضل، كلما تقلبت في نعمةٍ من نعمه، فإن قلبك يصبح وعاء يفيض بحبه وحده، وتفيض بل تزول منه محبة الأغيار.

واعلم أن محبة الله موجودة بالفطرة في أفئدة عباده جميعاً، ولكنها قد تكون راقدة، من جراء ما قد غشّى عليها من محبة الشهوات والأهواء. ولكن الدوام على ذكر الله تعالى، لاسيما بالطريقة التي حدثتك عنها، يوقظ هذه المحبة الربانية من رقدتها، ثم إنها تزداد قوة وتكاملاً مع الاستمرار على مراقبة الله وذكره، إلى ألاّ يبقى في القلب شريك مع الله في حبه.

وربما استشكلت هذا الذي أبينه لك، قائلاً: ولكن ألا تبقى في القلب مع محبة الله تعالى محبة الأب لأولاده، والزوج لزوجه، والمسلم لإخوانه.. إلخ؟

والجواب أن الذي فاض قلبه حباً لله تعالى، لا يتأتى منه أن يحب مع الله أحداً، فإن أحب ابنه أو أباه أو إخوانه، أو الرسل أو الصالحين من عباد الله، فإنما هو حبٌ في الله تعالى، وليس حباً مع الله. وبينهما فرق كبير.

صفحة 5

إن الحب مع الله لون من أخطر ألوان الشرك، أما الحب في الله فمن أجلّ ثمار التوحيد.

ونعود الآن إلى ما نحن بصدده، من بيان معنى هذه الحكمة، فنقول: إن هذا الذي فاض قلبه حباً لله عز وجل، لا يبصر من الدنيا إلا ما يذكره بالله، ولا يستقبل شيئاً من نعيمها أو يصادف شيئاً من ابتلاءاتها، إلا ويرى نفسه يتعامل من خلالها مع الله.

إن محبة الله تعالى تجعل عين المحب، مهما تقلبت في أنحاء المكونات وصورها وزخارفها، لا تشهد في ذلك كله إلا صفات الله تعالى ومظاهر آلائه وحكمته وبالغ سطوته وقدرته. وهي حال يعرفها ويتذوقها كل من استقام على مراقبة الله وذكره بالنهج الذي أوضحته لك، وهي الحال التي يسمّونها وحدة الشهود.

ففيم يستوحش صاحب هذه الحال من الأشياء التي يراها أو يتعامل معها، وهي إنما تذكره بالله، بل لا يشهد فيها إلا صفات الله عز وجل؟

ومن ثم ففيم يفرّ منها، أي من أشياء الكون ومقومات الحياة الدنيا إلى الانعزال في الكهوف وشعاف الجبال؟

إذن، فالذي لا تحلو له العبادة إلا بعد أن يقصي نفسه عن معترك الحياة، ولا يتأتى له ذكر الله إلا بعد أن يقطع نفسه عن أسباب الدنيا كلها، محجوب عن الله بصور الدنيا ومظاهرها، غائب بل مشغول عنه بأشيائها وخيراتها، ومن ثم فهو يعالج نفسه، إذا أراد الإقبال إلى الله، بالاعتزال عن الناس ودنياهم، وبالانفراد في الكهوف والشواهق. وهذا شأن من كان حديث عهد بمعرفة الله والإقبال إليه، والانضباط بأوامره. وربما كان من الخير بالنسبة له ولأمثاله، أن يأخذ نفسه أحياناً ببعض الخلوة، ليروضها على التحرر من الملهيات والمنسيات الدنيوية، وليجمع ذهنه وشتات فكره بين يدي مراقبته لله تعالى. بل إن ورداً جزئياً من الخلوة يأخذ به المسلم نفسه في كل يوم وليلة، كالقيام في الأسحار، أو في أي من أوقات البكور والآصال، من شأنه أن يعينه على تصفية فكره من الشواغل والشوائب، وعلى التوجه بقلبه إلى مراقبة الله والتفكر في نعمه وآلائه وباهر صفاته.

وليس في الصالحين والربانيين من عباد الله، من ليس له حظ من هذه الخلوة الجزئية يغذي بها وجدانه، ويتطهر بها من وساوس نفسه.

ولكن ابن عطاء الله يتحدث هنا عن المنقطعين عن الدنيا تزهداً فيها ورغبة في التفرغ لعبادة الله ظناً منهم أن التعامل مع الدنيا يشغلهم عن الله. وقد علمت مما شرحته لك من كلام ابن عطاء الله، أن هذا النهج في تربية النفس خطأ لا يُقرّ عليه. وبتعبير أدق: هذا النهج شأن من لم يبلغوا درجة العلماء الربانيين الذين كانوا امتداداً لما عليه السلف الصالح رضوان الله عليهم، فإنهم كانوا مع سموّ درجاتهم، وشدّة إعراضهم عن الدنيا، وعظيم قربهم من الله، ودوام ذكرهم له، يتعاملون معها، وينشطون في القيام بما أمرهم الله به من عمارتها، ويندمجون في المجتمع الإنساني الذي من حولهم، دون أن يعكر شيء من ذلك على قربهم من الله وشهودهم الدائم له بأعين بصائرهم.

ألا ترى إلى الخلفاء الراشدين؟ ألم يكونوا نُقاية السلف الصالح؟ أفهجروا الأوطان والأموال والديار، واستوطنوا الكهوف وبطون الأودية أو شعاف الجبال؟.. ألا ترى إلى عمر كيف أنشأ ديوان العطاء، وبنى الكوفة ومارس جهوده الهندسية في بنائها، وباشر في إنشاء أسطول بحري؟ ألا ترى إلى أبي بكر كيف كان تاجراً يصفق من أجل الرزق في الأسواق؟ وهل كانت تقوم للإسلام الحضاري

قائمة، بل للإسلام من حيث هو قائمة، لو أن أولئك الخلفاء ومعهم ذلك الرعيل الأول، هجروا الدنيا

وخيراتها و فعلوا ما فعله المتعبدون الذين يتحدث عنهم ابن عطاء الله؟.

غير أنك قد تسأل: فكيف أتيح لذلك السلف الصالح أن يسبحوا في بحار الدنيا، كما قلت، دون أن يختنقوا في أعماقها، ودون أن تعصف بهم أمواجها؟

إن ابن عطاء الله رحمه الله تعالى قد تولى الإجابة عن سؤالك هذا، عندما قال: «فلو شهدوه في كل شيء، لم يستوحشوا من شيء».

هكذا كان شأن ذلك السلف: شاهدوا الله تعالى في كل شيء من مخلوقاته، فكانت مخلوقاته دليلاً لهم إليه، ولم تكن حجاباً يصدهم عن معرفته وشهوده، ويشغلهم عن تسبيحه وذكره!.. ففيم يستوحشون مما يدلّهم على الله ويبصّرهم بمظاهر ربوبية الله؟

وأنت تعلم أننا لا نعني بقولنا: إنهم شاهدوا الله في كل شيء من مخلوقاته، وحدة الخالق والمخلوق، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، ولكنا نعني، كما قلت أكثر من مرة، أنهم لم يروا في مخلوقات الله أياً كانت، إلا ما يذكرهم بالله، فهي - فيما يبصرون - أشبه ما تكون بألواح زجاجية شفافة نقية صافية، تنظر إليها، فلا تبصر منها إلا ما وراءها. فهي دالة عليه تبصّر العين به، وليست حاجزاً يحول بينه وبين العين.

وإنما استطاع الرعيل الأول الجمع بين هذين الأمرين: التعامل مع الدنيا والترفع فوقها، والإقبال إليها مع ذهوله بالله عنها، عندما أخذوا أنفسهم بالعلاج الذي ذكرته لك: أكثروا من ذكر الله ومراقبته، حتى فاضت أنفسهم حباً له وثقة به، ثم وجدوه يحدثهم في خطابه القرآني عن تفاهة الدنيا وعن كونها مجرد متاع يُستخدم لقضاء حاجة ثم يلقى به أرضاً، ورأوه يؤكد هذه الحقيقة ويكررها بأساليب شتى. فاستقر في أنفسهم هذا الذي وصفها الله به وأيقنوا أنها عرض زائل وبرق خلّب، فاجتثوا محبتها من قلوبهم، بدافع من عظيم حبهم لله وثقتهم التامة ببيانه وخطابه.. ثم وجدوه يأمرهم بأن يقبلوا إليها فيتعاملوا معها ويستفيدوا منها، ولكن تعامل المستخدم للخادم، والمؤجر للمستأجر، وذلك في مثل قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} [المائدة: 5/87] ، وقوله: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف 7/ 32] مقيَّداً بقوله عز وجل: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [القصص: 28/77] .

* * *

بقي أن تعلم أن ابن عطاء الله، لا يتهم المتعبدين والزهاد الذين يستوحشون من مظاهر الدنيا التي تفور بها المجتمعات، فيفرون منها إلى خلواتهم التي يطيب لهم أن ينقطعوا إلى عبادة الله فيها، أقول: لا يتهمهم بالانحراف عن جادة الدين ولا يأخذ عليهم تورطاً في بدعة أو ارتكاباً لمحرم.. كيف، وهو يسميهم متعبدين وزهاداً.

ولكنه يلفت النظر من خلال كلامه الذي شرحته إلى أن رتبة هؤلاء المتعبدين والزهاد، متقاصرة على رتبة العارفين ومن كان قبلهم من أصحاب رسول الله علية الصلاة والسلام . إذ إن الذي يرى زخارف الدنيا وخيراتها أمامه فلا تشغله عن الله، بل تزيده قرباً منه وتذكرة له، أرفع شأناً في سلّم الوصول والقرب من الله، من الذي إذا رأى زخارف الدنيا وخيراتها شغلته عن الله وصرفته عن مراقبته وذكره.

ومن المستحسن أن يعالج هذا الفريق الثاني من الناس نفسه، بالفرار منها مستعيناً بالعزلة، كما يفعل هؤلاء المتعبدون، ريثما تضؤل الدنيا ومغرياتها في نفوسهم، وتهيمن رقابة الله ويستحوذ ذكره على قلوبهم. وعندئذ عليهم أن يندمجوا في مجتمعاتهم ويمارسوا وظائفهم الدنيوية فيها، ويتحققوا بالقاعدة القائلة: «إنما الخلوة في الجلوة» لأن غلبة شهود الله عليهم يمحق حجاب الدنيا عن بصائرهم.

والزهد ليس في نفض اليد ولا في إخلاء الجيب أو الصندوق من المال، وإنما الزهد أن تخلي قلبك من التعلق والاهتمام به، مستعيضاً عنه بثقتك بالله عز وجل وبرحمته التي لا تنفك عنك. مصداق ذلك قول الله تعالى: {وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [الزخرف: 43/32] وقول رسول الله علية الصلاة والسلام : «ليست الزهادة في تحريم الحلال ولا في إضاعة المال، إنما الزهادة أن تكون بما في يد الله أوثق مما في يدك».

ولكن عندما يجد المسلم تعلقه بالمال وتلذذه بجمعه والركون إليه، فليس خطأ أن يفطم نفسه عنها بأن يمارس نوعاً من البعد عنها، كي يعوّد نفسه على الإعراض عنها، ويخفف من تعلقه بها.. فالابتعاد عن المال في هذه المرحلة علاج قد يحسن استعماله بين يدي الوصول إلى الزهد الحقيقي، الذي هو فراغ القلب عن الانشغال بالدنيا.

فافهم هذا الذي قلته لك، كي لا تتوهم أن ابن عطاء الله يستهين بحال هؤلاء الزهاد والمتعبدين، وينكر عليهم شأنهم، وينسبهم إلى معصية أو ابتداع، فيحملك ذلك على أن تنضم إلى الناس الذين ينكرون حال أصحاب العزلة والابتعاد عن الناس رغبة في التفرغ لعبادة الله وذكره، فتقع من جراء إنكارك عليهم، في شر أنواع المعاصي التي قد تستنزل غضب الله. وشرّ أنواعها سوء الأدب مع الصالحين من عباد الله.

صفحة 6

الحكمة الثالثة عشر بعد المئة

«أمـرك في هذه الدار بالنظـر في مكوَّناته،

وسيكشف لك في تلك الدار عن كمال ذاته»

من شأن المؤمن الذي أكرمه الله بمعرفة ربه، فتنبه إلى توارد نعم الله عليه، وعلم أنه يتقلب دائماً في حماية الله ولطفه، أن يتمنى لو رآه.. لا سيما عندما يناجيه ويدعوه فتأتيه الاستجابة، يلتجأ إليه، فتأتيه النجدة.

إنه يشتاق، تحت سلطان هذه العوامل، إلى رؤية مولاه الذي يكرمه ولا يتخلى عنه، يلبيه كلما توجه إليه بطلب، يكشف عنه ضره، ويصلح له أمره..

ولكن قضى الله تعالى أن يكون العبد محجوباً في هذه الحياة الدنيا عن رؤية ربه، فقد أنشأه نشأة ترابية، وأقامه ضمن قدرات وإمكانات محدودة، لا تؤهله لرؤية قيوم السماوات والأرض.

وقد سبق أن أعلن كليم الله سيدنا موسى عن اشتياقه الذي وصفته لك إلى رؤيته، فقال له: {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف: 7/143] ولكأن سؤاله هذا اتجه إلى الله عز وجل باسمه وباسم سائر عباده الذين تطلعوا إلى رؤيته لما عرفوه، ثم ازدادوا تطلعاً وشوقاً إلى رؤيته لما راقبوه وذكروه فأحبوه، ولكن الله عز وجل أجابه، بل أجاب كل متطلع إلى رؤيته كتطلعه، بالقضاء الذي قضى به، فقال له ولهم: {لَنْ تَرَانِي} ونبهه ونبههم إلى الكينونة الضعيفة التي أقام الله فيها عباده في حياتهم الدنيوية هذه، والتي لا تتناسب إلا مع مرحلة التكليف التي يأخذهم بها، ومع الحياة الترابية التي يعيشون في غمارها، فقال: {وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا} [الأعراف: 7/143] .

إذن فقد قضى الله عز وجل، في حق أحبائه المتطلعين، بل المتشوقين إلى رؤيته، في هذه الحياة الدنيا، بالصوم عن بلوغ هذه الأمنية العظمى.

ولكنه عوضهم عن ذلك بأمرين اثنين: أحدهما: الموعدة التي وعدهم إياها بأن يريهم ذاته العلية، إذا وفدوا إلى الله صالحين ملتزمين بالعهد، وأن يجعل رؤيتهم له في مقدمة المكرمات التي سيتحفهم بها. ثانيهما: مكوَّناته المتنوعة العجيبة التي تحمل إليهم الكثير من مظاهر لطفه وإحسانه وحكمته وجماله.. إنها لوحات متنوعة شتى مبثوثة في جنبات هذه الدنيا، بوسعك أن تقرأ في كل منها رسالة مرسلة من الله إليك، تحمل إليك في طواياها الكثير من صفاته وآلائه، وتزيدك حباً له، وحنيناً إلى رؤيته.

ابعث بطرفك إلى السماء في جنح الليل، وتأمل في كواكبها الكثيرة التي تخفق في حلك الظلام وانظر إلى القمر المتألق فيما بينها، تَجِدْ نفسك منها أمام رسالة موجهة إليك من الله، تعرّفك على ذاته والكثير من صفاته.

ثم ارجع البصر إلى الأرض، وتأمل في بساطها السندسي أيام الربيع وأنواع الزهور التي نقشت ذلك البساط الأخضر بألوانها المتآلفة الرائعة، على أوراقها الفضة الناعمة، وتأمل كيف ينتعش الفؤاد بروائحها الفواحة العجيبة، وانظر إلى أعاجيب الورود التي تحكي التفافةُ أوراقها الحلوة، بعضها على بعض، قبلات جاثمة على شفاه متضامّة سـكرى. تجد نفسك منها أمام رسالة أخرى مرسلة من الله عز وجل، إلى الذين برّح بهم الشوق إلى مصدر الجمال الذي حيل بينهم وبينه، لتكون بكل ما فيها من عبق وجمال، نديماً يسامرهم، وجليساً يؤنسهم، ونجيّاً يتأثر لأناتهم، ويتمايل لآهاتهم، وليكون عزاء لهم عن الجمال الذي افتقدوه، وسلوى عن الحبيب التي لم تحن ساعة اللقاء به بعد[4].

وانظر إلى الرياح الهابّة ما بين السماء والأرض، وما تثيره من سحاب سرعان ما يتراكم منبسطاً في جو السماء، ثم يرسل الله منه الأمطار سخية إلى عباده في الأرض، ليتلاقى من جوده العطاءان: فيض السماء ونبات الأرض، ولتمتد من ذلك مائدة الرحمن مبسوطة لعباده جميعاً، وفياضة بأنواع المطعم والمشتهيات. وصدق الله القائل: {كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاَءِ وَهَؤُلاَءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} [الإسراء: 17/20] .

فما الذي تراه في هذه المكوَّنات التي يأمرنا الله عز وجل - كما يقول ابن عطاء الله - بالنظر فيها؟

إنك لترى فيها ما يسليك عن التلهف إلى تعجل لقائه.. وإنك لترى فيها ما يؤنسك بذاته العلية، وإن لم تكن ساعة اللقاء قد حانت بعد، بل إنك لتنظر إليها بعينيك، فتغيّبك بصيرتك عنها لتشهد الله في مكانها أمامك بصفاته وآلائه الأخاذة الباهرة، فكأنك من المكونات المتنوعة التي تراها، أمام الله عز وجل، وتلك هي وحدة الشهود التي كم استمتعتُ وأمتعتك بالحديث عنها، وإن لم نكن قد بلغنا رتبة التمتع بها.

* * *

صفحة 7

فإذا طويت هذه الدنيا، بكل ما فيها من متاع، وتجاوز الناس مرحلة الحياة البرزخية، وقاموا جسداً وروحاً لرب العالمين، فإن من الثابت يقيناً أن الله يخلقهم خلقاً جديداً ممتعين بطاقات عضوية وجسدية متميزة عما كانوا عليه في دار الدنيا، كي يتأهل مستحقو العذاب للمعاناة الجسمية من العذاب الذي أعدّه الله لهم. ولو حشروا بأجسادهم وطاقاتهم العضوية التي كانوا يعيشون بها في دار الدنيا، لذابت في ضرام ذلك العذاب خلال دقائق يسيرة. ولكي يتأهل الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه في دار الدنيا، لأصناف النعيم التي أعدها الله لهم، مما لاعين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وفي مقدمتها وعلى رأسها رؤيتهم لله عز وجل رؤية حقيقية بأعين رؤوسهم. ولو حشروا هم الآخرون بطاقاتهم وإمكاناتهم العضوية المحدودة التي كانوا مجهزين بها في دار الدنيا، لما تم الانسجام المطلوب بينها وبين تلك الأصناف الجديدة من النعيم، ولعانوا من إمكان تمتعهم بها وهضمهم لها عجزاً وأي عجز، ولما أمكنهم التمتع برؤية الله عز وجل بتلك العيون التي كانوا يبصرون بها في دار الدنيا، ولوقعوا في العجز ذاته الذي وقع فيه سيدنا موسى، عندما خرّ صعقاً لرؤيته الجبل الذي تجلى الله عليه كما لا نعلم.

إذن فرؤية العبد الصالح الذي ختم الله حياته الدنيوية بالحسنى، ربه يوم القيامة في جنان الخلد، أكدها الله عز وجل في مثل قوله: {وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 75/22-23] وزادها تأكيداً رسول الله علية الصلاة والسلام في مثل قوله: «إنكم سترون ربكم عياناً، كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته»[5] وفي مثل قوله: «إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبّيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجّنا من النار؟ فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم»[6].

وتلك هي السلوى الحقيقية التي ينتظرها أحباء الله السائرون على صراطه اليوم، والتي سيسعدون ببلوغها غداً يوم الجزاء. وكل أنواع المتع والنعيم التي وعد الله بها عباده الصالحين، تقف دون مرتبة النظر إلى الله عز وجل.

وآية ذلك أن النعم والمنح الكثيرة المتنوعة التي يكرم الله بها عباده في الدنيا هي من أهم العوامل التي تهيِّج بين جوانح الصالحين من عباد الله لواعج الاشتياق إلى رؤية ذاته العلية، فكيف إذا تضاعفت هذه النعم يوم القيامة وتسامت في أنواعها، وتمتع منها هؤلاء الذين استبدّ بهم الشوق إلى رؤية الله بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر؟

لاريب أن لواعج اشتياقهم إلى رؤية الله تتضاعف، وتزداد هياجاً.. مع تزايد النعم ومضاعفة الإكرام.

فافرض أنهم حرموا مع ذلك من إطفاء غلّة اشتياقهم، وحيل بينهم وبين رؤية الله، إذن سيتقلبون من ذلك في آلام مبرّحة، ولن تقوى سائر ألوان النعيم التي يمتعهم الله بها على صرف تلك الآلام المبرحة عنهم. وقد علمنا أن الجنة لا يستقيم أن يوجد فيها أي أثر لآلام. كيف، وإن الجنة كما وصفها الله تعالى هي دار النعيم الصافي من الشوائب، وهي الدار التي وصفها الله بقوله: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الزخرف: 43/71] . وليس فيما تشتهيه نفوس الصالحين من عباد الله وأحبائه، شيء أشهى وألذّ إلى نفوسهم من أن يروا مولاهم الذي تتوافد إليهم منه نعمه الطارفة والتليدة. أفيكرمهم إذن بنعمه، ثم يذيقهم آلام احتجابه عنهم، ويعيدهم إلى مثل الآلام التي كانوا يتقلبون بها في حياتهم الدنيا، إذ كانوا في شوق لاهب إلى رؤيته؟ تعالى الله عن أن

يـبتلي عباده الصالحين في جنة خلده، بهذا البلاء الممضّ علواً كبيراً!..

أما الحجج التي يتكلف الاستدلال بها، منكرو هذا النعيم الذي تتوق إليها نفوس سائر عباد الله المؤمنين حقاً به، وفي مقدمتهم المعتزلة، فكلها أوهام باطلة يتكلفون إظهارها في مظهر الحجج المنطقية.

يقولون: إن رؤية العبد ربه، تستدعي انحصار المرئي أياً كان داخل ضلعين من زاوية النظر، وذلك يستلزم أن يكون الله محصوراً مثلنا في مكان محدد، وهو منزه عن ذلك كما هو ثابت ومعلوم.

أقول: إن هذا التصور منهم مبني على أن الله ينشئ عباده النشأة الثانية بالقوى والإمكانات الجسمية والعضوية المحدودة ذاتها التي كانوا مجهزين بها في دار الدنيا!.. وهذا وهم عجيب لا تزلّ فيه أذهان البسطاء السذج من الناس المؤمنين بالله!..

إذن كيف تتحمل جسوم الكافرين الخلود في النار؟ وكيف يمارس السعداء الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، المتع والنعم النوعية التي لا عهد لهم بها، بجسومهم وإمكاناتهم الضعيفة المحدودة التي لم تهيأ لها؟ وكيف يجهل هؤلاء ما هو ثابت بالأحاديث الصحيحة من أن الصالحين الذين يدخلهم الله في نعيمه ورضوانه، يبعثون بقامات أطول، وأشكال أجمل، وإمكانات أقوى؟

ويقولون: إن الله أجاب موسى عندما سأله رؤيته بقوله: لن تراني. ويزعمون بأن «لن» تدلّ على تأبيد النفي!..

أقول: مردّ هذه المسألة إلى قواعد العربية، ولم يقل جماهير علماء العربية أن «لن» تدل على التأبيد. وأوضح دليل من القرآن على ذلك قول الله تعالى عن اليهود الذين زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه (بعد أن طلب منهم أن يتمنوا الموت إذن ليستعجلوا لقاء الله الذي لابدّ أن يكون قد برّح بهم الشوق إليه): {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} [البقرة: 2/95] .

صفحة 8

فقد عبر البيان الإلهي بكلمة «لن» وزاد النفي تأكيداً بكلمة «أبداً» ومع ذلك فقد أكد البيان الإلهي أن أصحاب النار - واليهود الذين يتحدث الله عنهم هنا منهم - يتمنون لو ماتوا ليتخلصوا بذلك من عذابهم، فقال: {وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} [الزخرف: 43/77] فدل ذلك على أنّ لن لا تدلّ على التأبيد الذي يخترق حدود الحياة الدنيا إلى الآخرة، ودلّ ذلك على أن كلمة «أبداً» بعدها ناظرة إلى الوحدة الزمنية المحصورة في الحياة الدنيا وحدها.

وأعجب من هذا الوهم والذي قبله أن منكري رؤية الله يوم القيامة، يقررون من خلال إنكارهم لها، أنهم أعلم بذلك من كليم الله سيدنا موسى، فقد فاته ما استقلوا هم عنه بعلمه، وغاب عنه، ما لم يغب عنهم، من حقيقة هذا الأمر، فسأل ربه أن يريه ذاته العلية بعيني رأسه، ذاهلاً أو جاهلاً، بأن رؤيته له لا تدخل في حدود الإمكان!.. فكيف يتأتى لهؤلاء أن يعتقدوا أنهم أعلم بهذا الأمر من سيدنا موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام؟

هذا، وقد علمت أن الأدلة التي استند إليها جماهير المسلمين وأئمة أهل السنة والجماعة، لا يرقى إليها شك، سواء النصوص الصريحة التي جاء بها القرآن وأكدتها السنة، والأدلة العقلية التي ذكرتها لك قبل قليل.

ولا تلتفت إلى التنطع المحجوج الذي تكلفه من قالوا إن «ناظرة» في قوله تعالى: {وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 75/22-23] معناها منتظرة، والتقدير منتظرة نعيم ربها. فما من عربي ذي فهم للغة العربية في أبسط دلالاتها، وذي ذوق سليم، يفسّر كلمة {نَاظِرَةٌ} بهذا التفسير. إن «منتظرة» تتعدى بنفسها، وناظرة متعدية بإلى، وناظرة بمعناها المعروف لا تحتاج إلى تقدير، بل يفسدها التقدير، أما تحويلها، بل تصحيحها إلى «منتظرة» يضطرها إلى التقدير، إلى تقدير مفعول به لها وهو «نعم ربها».

ثم ليقل لنا المعتزلة ومن تابعهم في الأخذ بهذا الوهم:

ما العزاء الذي بوسعهم أن يقدّموه لعباد الله الذين برّح بهم الشوق في دار الدنيا إلى لقاء ربهم، إذا فوجئوا يوم القيامة، بأن آمالهم التي كانت مزدهرة في دار الدنيا برؤيته، خائبة باطلة، وأن رؤيتهم لله مستحيلة؟

ما العزاء الذي سيقدمه المعتزلة لهؤلاء الناس، كي يتحقق لهم قول الله تعالى: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الزخرف: 43/71] .

* * *

صفحة 9

الحكمة الرابعة عشرة بعد المئة

«علم أنك لا تصبر عنه، فأشهدك ما برز منه إليك»

هذه الحكمة ليست أكثر من تأكيد للتي قبلها. وربما انطوت على تفسير وبيان لجانب منها.

قال لك هناك: أمرك في هذه الدار بالنظر في مكوَّناته ثم فسر هذا الأمر هنا بقوله: علم أنك لا تصبر عنه.. إلخ، لتعلم أنه أمر إرشادي وجهه الله إليك لطفاً بك وتحبباً إليك، أكثر من أن يكون أمراً تكليفياً تنفيذاً لواجب.

والحقيقة أن الأمر الصادر من الله بالنظر في مكوَّناته يختلف معناه حسب حال المخاطب من حيث صلته بالله عز وجل. فالناس التائهون عن الله، الغافلون عنه برغائبهم وأهوائهم، والمعرضون عن آيات وجوده ووحدانيته وباهر صفاته، يتجه إليهم هذا الأمر على وجه التكليف، ليفيقوا من غفلتهم، وليذكروا الله من خلال التأمل في سطور المكونات، وما تنطق به من آيات وجوده ودلائل حكمته وعظيم سلطانه.

أما الذين عرفوا الله فأحبوه وأكثروا من مراقبته وذكره، وحركهم الشوق إلى رؤيته، فإنما يتجه إليهم هذا الأمر على وجه الإرشاد إلى السبيل الذي يعينهم على الصبر عن رؤيته في حياتهم الدنيا هذه، ألا وهو النظر إلى ما قد برز لهم منه، من بديع آثاره، ومظاهر حكمته وإحسانه وجماله. فإن ذلك سيؤنسهم به وإن لم يرده، ولسوف يشهدونه فيها، أي في تلك المظاهر، وإن كانت تشوِّقهم إليه.

وقد علمت أن ابن عطاء الله إنما يخاطب بهذه الحكمة والتي قبلها، هذا الفريق الثاني من الناس، فهم الذين يصدق عليهم أنهم لا يصبرون عنه؛ أما عامة الناس، فيغلب أن تشغلهم دنياهم ورغائبهم عن الله، وإن كانوا مؤمنين به بعقولهم وقناعات أفكارهم؛ فإن صدق على هؤلاء أنهم لا يصبرون، فعن الدنيا وشواغلها؛ وإن صدق عليهم وصف الحنين والاشتياق فإنما ذلك إلى رغائبهم وأحلامهم الدنيوية التي حيل بينهم وبينها.

إن في إشهاد الله عباده ما برز منه لهم من مكوَّناته، تذكرة وإيقاظاً لعباده الغافلين، وتمتيعاً وإيناساً وسلوى لعباده المقربين، وإن في ذلك لحكمة بالغة، ورحمة عميمة لكلا الفريقين.

فاحرص أن يكون إشهاد الله ما برز من مكوناته لك، إيناساً لك بذاته، وسلوى عن حرمانك من رؤيته في هذه الحياة الدنيا، وألاّ يكون ذلك علاجاً لأمراض غفلتك، وإيقاظاً لك من ضلالك وتيهك.

ولكن إن قضى الله أن تكون من الفريق الثاني، تائهاً عن ذاتك، محجوباً عن الله بالركون إلى لهوك وشهواتك، فاحرص على أن تلتفت باليقظة والاعتبار إلى ما ينبهك الله إليه من دقيق صنعه وبالغ حكمته وباهر صفاته، في كل ما يلوح لك من مكوّناته ومخلوقاته العلوية والسفلية وما بينهما. وجاهد نفسك أن توقظها من نومة الغافلين، حتى ترى الله بكل ما هو موصوف به من صفات الكمال، في مرآة مكوناته. واتخذ من كتاب الله حافزاً لك إلى هذه اليقظة، وآخذاً بيدك إلى حيث ترى الله من خلال موجوداته.

فإذا عدت إلى كتاب الله، فتدبر معانيه ولا تجعل حظك منه ترديد كلماته وألفاظه، وتأمل بعين عقلك في هذا الذي يقوله الله لك: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 2/164] .

فإن ألزمت نفسك بذلك، فلسوف تتجاوز حال الغفلة والضياع عن ذاتك وربك، إلى صعيد الهداية والعرفان، ولسوف ترقى بك مرحلة معرفة الله، إلى مرحلة حبه والاشتياق إلى رؤيته وشهوده.

فإذا عدت عندئذ إلى ما يشهدك الله إياه من رائع صنعه ومكوناته، فلسوف تجد فيها حينئذ ما يؤنسك بالله، ويسليك عن ألم اشتياقك إليه، ويعينك على الصبر عن رؤيته، ريثما تنتقل إلى رحابه، ويكشف عنك غطاء كينونتك الترابية، ومظاهر ضعفك البشري.

وعندئذ يرقى بك الحال إلى الفريق الثاني الذي يخاطبه ابن عطاء الله بحكمته هذه قائلاً: «علم أنك لا تصبر عنه، فأشهدك ما برز منه إليك».

صفحة 10

الحكمة الخامسة عشرة بعد المئة

«لما علم الحق منك وجود الملل، لوّن لك الطاعات، وعلم ما فيك من وجود الشره فحجرها عنك في بعض الأوقات، ليكون همّك إقامة الصلاة لا وجود الصلاة، فما كل مصلّ مقيماً»

مرة أخرى أذكرك بأن ابن عطاء الله إنما يخاطب، في أكثر حكمه هذه، المؤمنين الباحثين عن الطريق الموصل إلى الله، وقل أن تجده يناقش جاحداً أو يخاطب مرتاباً في الله عز وجل.

وهو في هذه الحكمـة، يلفت النظر إلى الحكمـة من تنويـع الله عز وجل الطاعات، وإلى الحكمة من منعك منها، لاسيما الصلاة في بعض الأوقات.

أما التنويع فلأنه سبحانه وتعالى علم أن الإنسان من شأنه أن يدركه الملل مما يلازمه بالاعتياد والتكرار، وذلك مظهر من مظاهر ضعفه. فهو لو كلفك من الطاعات بالصلاة وحدها في مكان سائر الطاعات والعبادات الأخرى، لأدركك من ذلك الملل، ولربما شعرت بأنك قد أشبعت حاجة من حاجات نفسك إلى العبادة والتقرب إلى الله، ولكنك لم تشبع حاجات نفسك الأخرى. إذ العبادات المختلفة كالأغذية والأطعمة المتنوعة، لكل منها متعة مختلفة ومذاق مختلف، بل لكل منها أثر من الفائدة في الجسم، لا ينوب عنه في ذلك غيره. فلو وضعك الله من أنواع الأطعمة كلها أمام طعام واحد لا تحيد عنه، إذن لأدركك الملل منه، خلال مدة قصيرة من الزمن، ولتطلع جسمك إلى حاجات أخرى من التغذية لا يستقل النوع الواحد بتحقيقها.

كذلكم العبادات، نوعها الله لك، وندبك إليها جميعاً، كالصلاة، والذكر، وتلاوة القرآن، والصوم، والحج، وكالتفكر في مخلوقات الله، كما شرحنا في الحكمة السابقة، بل إن الله عز وجل وضعك منها أمام آفاق لا حصر لها. إذ أعلمك أن كل ما تسعى لتحصيله، من مصالح دنياك، لنفسك أو لأي من أهلك وأولادك، أو لأي من إخوانك في الله، قربات وعبادات يتقبلها الله منك مأجورةً؛ إن أنت قمت بها على النحو المشروع، وقصدت بها التقرب إلى الله.

وقد مرّ بك حديث رسول الله عن الرجل الذي خرج باكراً إلى كسبه، إذ قال أحد أصحابه عنه: ويح هذا لو كان جَلَدْه في سبيل الله، فأجابه رسول الله قائلاً: إن كان خرج يسعى على أبوين شيخين، فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى ليعف نفسه وأهله، فهو في سبيل الله.. الحديث.

إن العبادات ليست محصورة إذن في أنواعها التي لا يقبل المسلم إليها إلا ابتغاء مثوبة دينية كالصلاة والصوم والحج والأذكار، بل هي تشمل كل ما تبتغى منه مصلحة دنيوية لطعام وشراب أو لمسكن أو نحو ذلك، إن صفا القصد إلى ذلك عن الأهداف والغايات النفسية التي حرمها الله.

وهكذا فإن المؤمن الذي اتجه منه القصد دائماً إلى مرضاة الله تعالى، أينما سار، وكيفما فعل، وحيثما

تقلب، لا يخرج من محراب عبادته وعبوديته لله، وهيهات أن يدرك الملل من العبادة من كل هذا شأنه. ذلك لأنه يعيش منها داخل ما يشبه بستاناً تنوعت ثماره وطعومه وألوان زهوره ووروده، ومظاهر خضرته، وعبق رياحينه، فهو منها ، كل يوم أمام جديد، فأنى ولماذا يداخله الملل منها؟..

* * *

أما الحكمة من حجره عز وجل عنك بعض الطاعات، في بعض الأوقات، فهي - كما قال ابن عطاء الله - أنه عز وجل علم أن العبد الذي ذاق لذة معرفته لربه، وعاش تائقاً إلى مرضاته وسعادة لقائه، شغوف بالإكثار من العبادات شره إلى الدوام عليها والتكرار منها، لاسيما الصلاة التي قال عنها رسول الله علية الصلاة والسلام : «وجعلت قرة عيني في الصلاة».

غير أن هذا الشغف منه بالدوام عليها والتكرار لها، قد يعرضه إلى آفتين اثنتين أو إلى واحدة منهما.