صفحة 1
المستخلص
لقد أولت الدساتير للملكية الخاصة أهمية بالغة، وحماية قصوى، وقد جاء هذا الأمر نتيجةً وانعكاساً لما أثارته الشرائع الإلهية، وإعلانات حقوق الإنسان بشأن الملكية الخاصة، وفضلاً عن الثورات والمطالبات الشعبية التي أسهمت هي الأخرى على تكريس الحماية الدستورية لها، ولكن على الرغم من ذلك فإن الدساتير قد أجازت المساس بالملكية الخاصة والتعرض لها عن طريق فرض القيود عليها، وذلك لغرض تنظيمها. ولرب سائل يسأل: ما هي الضمانات الكفيلة لتوافر الحماية الدستورية والقانونية لحق الملكية الخاصة؟. وما مدى كفايتها؟. وما هي الكيفية التي تتم بها الحماية الدستورية والقانونية لها؟.
وقد قسمنا دراستنا هذه على ثلاثة فصول، تناول الفصل الأول دراسة الأساس الدستوري والقانوني لحق الملكية الخاصة. أما الفصل الثاني فقد اختص لأهم الضمانات الدستورية والقانونية لحق الملكية الخاصة. أما الفصل الثالث فقد ضم القيود الدستورية والقانونية التي تفرض على حق الملكية الخاصة.
وقد أنهينا دراستنا هذه بخاتمة تبين أبرز ما توصلنا إليه من نتائج وتوصيات. ومن النتائج التي توصلنا إليها في بحثنا للضمانات الدستورية لحق الملكية الخاصة، أن حق الملكية الخاصة لن يجد له حماية وطريقاً للتطبيق إذا لم يكن هناك احتراماً للنص الذي يقرره. ويكون تحقيق ذلك من خلال الأخذ بمبدأ سيادة القانون. وفي بحثنا للضمانات القضائية إتضح لنا أن الرقابة القضائية هي الوسيلة الفعالة لحماية حق الملكية الخاصة عند تجاوز سلطات الدولة حدود وظائفها الموكلة إليها، ولكي يؤدي القضاء دوره الفعال هذا كان من الأولى أن تنظم الهيئات القضائية تنظيما يوفر لها الأهلية والإمكانية للقيام بمهام الرقابة على أعمال السلطات الأخرى.
صفحة 2
المقدمة
أهمية الموضوع
يعد موضوع الملكية من الموضوعات المهمة التي تطرح في مجال البحث في وقتنا الحاضر. فقد كانت الملكية ولا تزال سبباً للكثير من المشاكل التي يتعرض لها الإنسان سواء أكان بشكل جماعي أم فردي، وعلى الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، إذ أن حق الملكية بشكله المطلق هو عبارة عن السلطة التي يمارسها المالك على الشيء في مواجهة الناس كافة. وفيما يتعلق بكافة المسائل التي تهم الآخرين بصدد هذا الشيء. والذين قد تكون لديهم في الوقت نفسه الرغبة في ممارسة حق الملكية على هذا الشيء. الأمر الذي يحتاج إلى تنظيم هذا الحق وحمايته.
وقد وجدت في نفسي الرغبة في الكتابة في هذا الموضوع من حيث الحماية الدستورية والقانونية لحق الملكية الخاصة، تلك الملكية التي عرفها الإنسان منذ أن خلقه الله - سبحانه وتعالى - ، والتي عظم شأنها بمرور الزمن وسادت حتى أضحت تؤثر من خلال نظامها ليس على النظام الاقتصادي فحسب، وإنما على النظام السياسي أيضاً، وما ترافق في ذلك من إساءة الاستغلال بشكل واسع حتى أمست وسيلة للقهر والهيمنة والنفوذ لأصحابها، مما أدى إلى ظهور صراع حاد داخل المجتمع، وأصبح النظام السياسي للدول ينظر إليه من زاوية موقفه من الملكية الخاصة.
فرضية الدراسة:
تتمثل فرضية الدراسة بالإجابة عن الأسئلة الآتية:
1. ما هي الكيفية التي تتم من خلالها الحماية الدستورية والقانونية لحق الملكية الخاصة؟ وهل أن هذه الضمانات كافية لحماية حق الملكية الخاصة؟.
2. هل أن فرض القيود على حق الملكية الخاصة يعد انتقاصاً من هذا الحق؟ أم أنه ضمانة لهُ؟.
هدف الدراسة:
تهدف هذه الدراسة إلى بيان الأساس الدستوري والقانوني لحق الملكية الخاصة، فضلاً عن البحث في الضمانات التي يمكن بوساطتها حماية حق الملكية الخاصة. وكذلك بحث القيود التي ترد على حق الملكية الخاصة، في دراسة مقارنة بين دساتير متعددة حسب المتوفر منها. ومعززين ذلك بقرارات للقضاء الإداري العراقي فيما يتعلق بموضوع الدراسة.
نطاق الدراسة وصعوبات البحث:
جاءت هذه الدراسة متخصصة في نطاق القانون العام في حين عرجت الدراسة إلى القانون الخاص مثل القانون المدني وذلك حفاظاً على التكامل المطلوب في الموضوع.
ومن الصعوبات التي واجهتني في هذه الدراسة مشكلة قلة المصادر أو انعدامها فيما يتعلق بالحماية الدستورية لحق الملكية الخاصة، الأمر الذي دفعني إلى القياس على القواعد العامة في القانون الدستوري.
هيكلة الدراسة:
من أجل الإحاطة بالموضوع من جوانبه كافة، فقد تم تقسيمه على ثلاثة فصول. تناول الفصل الأول الأساس الدستوري والقانوني لحق الملكية الخاصة. وخصصت الفصل الثاني لضمانات حق الملكية الخاصة. أما الفصل الثالث والأخير فقد ضم القيود التي ترد على حق الملكية. وختمت الدراسة بخاتمة تضمنت أهم ما تم التوصل إليه في الدراسة.
صفحة 3
المبحث الأول
التعريف بحق الملكية الخاصة والأسس العامة له في الأيديولوجيات المختلفة.
تعبر فكرة الملكية في معناها البسيط المستمد من الواقع، عن اختصاص الفرد بشيء من الأشياء اختصاصاً يكفل له السيطرة على منافعه وكيانه. والملكية على هذا النحو تفترض شخصاً معيناً يسند إليه الاختصاص بالشيء المملوك، طبيعياً كان هذا الشخص أم معنوياً. وعاماً كان الشخص أم خاصاً. بما يفضي إلى تنوع صورها. وتظهر هذه الملكية في سلطات أو مكنات معينة يمارسها المالك على ملكه والتي تعد مضموناً لها (1).
ولما كانت الملكية ولا تزال مصدراً لأغلب المشاكل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، فلهذا السبب ليس من المتصور أن يتجاهل أي نظام اقتصادي أو سياسي أو اجتماعي نظرية الملكية أو يبقى بعيداً عنها دون أن يكون بشأنها رأياً أو مفهوماً معيناً.
وبناءاً على ما تقدم نتناول في هذا المبحث مضمون حق الملكية الخاصة من خلال تعريفه، وبيانه، وبيان خصائصه وعناصره، مع بيان الأسس العامة لحق الملكية الخاصة في الأيديولوجيات المختلفة. وهذا ما نوضحه في مطلبين وعلى النحو الآتي:
المطلب الأول: التعريف بحق الملكية الخاصة
المطلب الثاني: الأسس العامة لحق الملكية الخاصة في الأيديولوجيات المختلفة
المطلب الأول: التعريف بحق الملكية
نوضح في هذا المطلب تعريف حق الملكية وخصائصه وعناصره في ثلاثة فروع وعلى النحو الآتي:
الفرع الأول: تعريف حق الملكية
الفرع الثاني: خصائص حق الملكية
الفرع الثالث: سلطات المالك على الملكية (عناصر الملكية)
صفحة 4
المطلب الأول
التعريف بحق الملكية الخاصة
الفرع الأول: تعريف حق الملكية الخاصة
لغةً: الملكية نسبة إلى المالك، والملك يعني: احتواء الشيء، أو القدرة على الاستبداد به. والملكية اسم صيغة من مادة ملك منسوباً إلى المصدر وهو الملك (2).
أما اصطلاحاً: فقد عرفه الأحناف الملك بأنه القدرة التي يثبتها الشارع ابتداءاً على التصرف إلا لمانع. والملك أو الملكية علاقة بين الإنسان والمال. أقرّه الشرع وجعله مختصاً، ويتصرف فيه بالتصرفات كلها ما لم يوجد مانع من التصرف (3).
وقد وردت تعريفات عدة لحق الملكية في القوانين المدنية. فقد نصت المادة (1048) من القانون المدني العراقي على أن: ((الملك التام من شأنه أن يتصرف به المالك تصرفاً مطلقاً فيما يملكه عيناً ومنفعة واستغلالاً فينتفع بالعين المملوكة وبغلتها وثمارها ونتاجها ويتصرف في عينها بجميع التصرفات الجائزة.
ومن الواضح نجد تأثر المشرع العراقي بالفقه الإسلامي، وذلك بنقله هذا التعريف حرفياً من المادة (11) من مرشد الحيران، وهو بهذا يتفق مع القانون المدني المصري، بأبرز سلطات المالك الثلاث، وهي: الاستعمال، الاستغلال، والتصرف. وعبارة: ((جميع التصرفات الجائزة)) الواردة في تعريف القانون المدني العراقي تقابلها عبارة في ((حدود القانون)) الواردة في تعريف القانون المدني المصري. فالمادة (802) من القانون المدني المصري تعرف حق الملكية بقولها: ((لمالك وحده في حدود القانون حق استعماله واستغلاله والتصرف فيه)) (4).
وقد نصت المادة (544) من القانون المدني الفرنسي بقولها إن: ((الملكية هي الحق في الانتفاع والتصرف في الأشياء على النحو المطلق بشرط أن لا يستعملها أحد استعمالاً محرماً بموجب القوانين أو الأنظمة)). وهذا التعريف قريب من تعريف القانون المدني العراقي لحق الملكية (5).
وبإمعان النظر إلى تعريف القانون المدني العراقي ومرشد الحيران وغيرهما من تعريفات الفقه الإسلامي والقانون المدني المصري والفرنسي، قد يتبادر إلى الذهن لأول وهلة أنها قرنت الملكية بصفة الأطلاق. إلا أن هذه التعريفات تضمنت إشارة مهمة تنزع عن حق الملكية هذه الصفة. فعجز المادة (1048) من القانون المدني العراقي والمادة (11) من مرشد الحيران تتحدث عن تصرفات المالك في العين بعبارة ((بجميع التصرفات الجائزة)) فإذا خرج عن حدود الشرع والجواز فلا يعده الشرع أو القانون مستحقاً لحمايته. وهذه العبارة مفيدة من ناحيتين اثنتين هما:
أولاً: فمن ناحية السياسة التشريعية تثبت للمشرع الحق في تقيد حق الملكية على أساس أن ذلك من حقه. وليس من قبيل التعدي والغصب.
ثانياً: ومن الناحية الأخرى فيها تأكيد على الطابع الاجتماعي لحق الملكية الخاصة بأن الملكية هي حق له وظيفة اجتماعية (6).
كما أن هذه الفكرة أٌيدت بموجب دساتير الدول. فقد نصت أغلبها على أن الملكية وظيفة اجتماعية. فمثلاً الفقرة (أ، ب) من المادة (16) من الدستور العراقي المؤقت لعام (1970) التي تنص على أن (( أ- الملكية وظيفة اجتماعية تمارس في حدود أهداف المجتمع ومناهج الدولة، وفقاً لأحكام القانون. ب- الملكية الخاصة والحرية الاقتصادية الفردية مكفولتان في حدود القانون وعلى أساس عدم استثمارها فيما يتعارض أو يضر بالتخطيط الاقتصادي العام)) (7).
ويرى بعض الكتاب أنه حتى لا نبتعد عن هذا التعريف المستمد من الفقه الإسلامي يمكن تعريف حق الملكية (الملك التام) بشيء من الإيجاز وعلى النحو الآتي: ((الملك التام من شأنه أن يتصرف المالك فيما يملك بجميع التصرفات الجائزة عيناً ومنفعة واستغلالاً)) (8).
الفرع الثاني: خصائص حق الملكية
ينفرد حق الملكية بخصائص دون سواه، وهي كونه حقاً جامعاً ومانعاً ودائماً، ونقتصر الحديث وبإيجاز عن بيان الخصائص التي ينفرد بها حق الملكية وعلى النحو الآتي:
أولاً: حق جامع
يعد حق الملكية حقاً جامعاً، وذلك لأنه يشمل أوسع السلطات التي يمكن أن تكون للشخص على الشيء، وهذه السلطات هي: الاستعمال، الاستغلال، التصرف. وهي التي تمكنه من الحصول على جميع المزايا في الشيء محل الحق وضمن الحدود الجائزة قانوناً (9).
ثانياً: حق مانع
وهو يعني ذلك أن المالك وحده له الحق في أن يستأثر بجميع مزايا ملكه دون سواه. ويستطيع أن يزاول سلطاته عليه، ويمنع غيره من مشاركته فيه حتى ولو لم يلحقه ضرر من المشاركة (10).
ثالثاً: حق دائم
وهو يعني أن حق الملكية يظل باقياً ما دام الشيء محل الحق موجود. وهذا لا يعني أن ملكية الإنسان للشيء تدوم أبد الدهر. وقد يتخلى المالك عن ملكيته للشيء بأي تصرف ناقل للملكية نحو البيع أو الهبة. فالقصد من قولنا أن حق الملكية حق دائم، يعني أنه حق دائم في ذاته. أي لكونه وارداً على شيء معين يظل باقياً ما دام الشيء باقياً أيضاً (11).
صفحة 5
الفرع الثالث: سلطات المالك على ملكه (عناصر الملكية)
يقصد بعناصر الملكية: السلطات أو المكنات التي يخولها الحق لصاحبه على ملكه. وهذه السلطات هي: الاستعمال، والاستغلال، التصرف. وقد أشارت المادة (1048) من القانون المدني العراقي إلى هذه السلطات الثلاث (12).
ونتولى بإيجاز بيان تلك السلطات التي تكون مضموناً للملكية فيما يأتي:
أولاً: سلطة الاستعمال
وهي تعني انتفاع مالك الشيء بعينه الانتفاع الذي أعد له بحسب طبيعته وعلى النحو الذي أعد له، شريطة عدم استملاك الشيء نفسه، فالسيارة تستعمل لركوبها، والمنزل لسكناه، والكتاب بقراءته...
فالاستعمال هو استخدام الشيء المملوك في وجوه الاستعمال التي أعد لها والمتفقة مع طبيعته (13).
ثانياً: سلطة الاستغلال
يختلف استغلال الشيء عن استعماله، فالاستغلال يعني القيام بالأعمال اللازمة للحصول على ثمار الشيء المملوك، فاستغلال الدار بتأجيرها، واستغلال الماشية بالحصول على نتاجها.
وقد يقيد المشرع في بعض الحالات من حرية المالك في استغلال الشيء المملوك له، فمثلاً لا يجيز قانون زراعة التبغ زراعته إلا في مناطق معينة، وبمساحات تحددها السلطات المختصة، وبترخيص منها (14).
ثالثاً: سلطة التصرف
بينت المادة (1048) من القانون المدني العراقي أن للمالك بماله من سلطة جامعة أن يتصرف في الشيء محل الحق بجميع التصرفات الجائزة. إما أن تكون هذه تصرفات فعلية (Acte Materielle) وذلك باستهلاك الشيء، أو إتلافه، أو إحداث تغيير فيه. وإما أن تكون تصرفات قولية (Acte juridigne) وذلك بنقل بعض عناصرها إلى الغير. نحو البيع، أو الهبة، أو ترتيب حق الإرتفاق، أو الرهن.
وسلطة التصرف تعد أهم عنصر من عناصر الملكية، وتميز حق الملكية عن غيره من الحقوق العينية، بأن للمالك وحده سلطة التصرف المادي في الشيء الذي يملكه، وله وحده سلطة التصرف القانوني في رقبة الشيء. وهذه السلطة لا تكون إلا للمالك سواء أكان التصرف تصرفاً مادياً أم كان تصرفاً قانونياً. أما سلطة التصرف في منافع الشيء فتشترك مع حق الملكية الحقوق العينية الأخرى كل بقدر معين. فالتصرف إذن لا ينفصل عن الملكية والمالك ما دام مالكاً لا يفقد سلطة التصرف (15).
وكما أن للمالك الحرية في التصرف في ملكه كيف ما يشاء. وله الحرية أيضاً إلا يتصرف فيه. وهناك حالات استثنائية تقيد فيها سلطة المالك في التصرف أو يحرم من هذه السلطة بصفة مؤقتة. وذلك بمقتضى نص في القانون، أو بموجب قيود إدارية (شرط المنع من التصرف) (16).
صفحة 6
المطلب الثاني
لأسس العامة لحق الملكية الخاصة في الأيديولوجيات المختلفة
كانت الملكية ولا تزال مصدراً لأغلب المشاكل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، فلهذا ليس من المتصور أن يتجاهل أي نظام اقتصادي أو سياسي أو اجتماعي نظرية الملكية أو يبقى بعيداً دون أن يكون له بشأنها رأياً أو مفهوماً معيناً. بل بخلاف ذلك لا توجد حركة سياسية أو تيار اجتماعي اقتصادي أحجم عن بيان مفهومه الأصيل عن الملكية سواء أكان ذلك بصورة صريحة أم على نحو ضمني، حيث يمكن القول إن أهم ما تختلف فيه الحركات السياسية والاقتصادية والاجتماعية فيما بينها، هو موقف تلك الحركات من فكرة الملكية، إذ أن أغلب الحركات والتيارات تسلك بخصوص الملكية المسلك الذي يتفق مع أهدافها وغاياتها.
ولبيان أهمية حق الملكية ودورها في النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي في النظم الدستورية المختلفة سوف نقسم هذا المطلب إلى ثلاثة فروع وعلى النحو الآتي:
الفرع الأول: حق الملكية الخاصة في النظام الرأسمالي.
الفرع الثاني: حق الملكية الخاصة في النظام الاشتراكي.
الفرع الثالث: حق الملكية الخاصة في الشريعة الإسلامية.
الفرع الأول: حق الملكية الخاصة في النظام الرأسمالي
ظهر النظام الرأسمالي الذي تحددت معالمه منذ منتصف القرن السادس عشر. وقد عرفت الرأسمالية بأنها: ((هي النظام الفردي الذي يسعى فيه كل فرد لتحقيق أرباحه في ظل منافسة حرة اقتصادية تامة)) (17).
أن النظام الرأسمالي يعد من الأنظمة التي أقرت الملكية الخاصة، وهذه الحقيقة هي التي تهمنا، عليه سوف نقسم هذا الفرع على النحو الآتي:
أولاً: الملكية الخاصة من أهم خصائص النظام الرأسمالي.
ثانياً: مساوئ الملكية الخاصة في النظام الرأسمالي.
أولاً: الملكية الخاصة من أهم خصائص النظام الرأسمالي.
إن من أهم خصائص النظام الرأسمالي هي الملكية الخاصة. لأن هذا النظام يقوم على فلسفة المذهب الفردي الذي يقوم على فكرة الحرية الفردية. ومن أهم مظاهر هذه الحرية هي حرية الفرد في أن يمتلك ملكية خاصة سائر أنواع الأموال. فالأساس المهم الذي يقوم عليه هذا النظام هو تقديس الملكية الفردية، وذلك بفتح الطريق لأن يستغل كل إنسان قدراته في زيادة ثروته، وحمايتها، وعدم الاعتداء عليها، وتوفير القوانين اللازمة لنموها، والحد من أ، تدخل السلطة الحاكمة في النشاط الاقتصادي إلا بالقدر الذي يتطلبه النظام العام وتوطيد الأمن (18).
فالقانون يقر الملكية الخاصة لوسائل الانتاج من الأرض والمباني، والآلات، وكل ما يستعمل لسد الحاجات الاستهلاكية من الملابس والأطعمة. ويقوم بالمحافظة على هذه الملكية. ويقع على الدولة التزام بالامتناع عن تقييدها، أو إلغائها، أو عرقلة أي عمل يريد أن يقوم به المالك على ما يملكه إلا بالقدر الضروري لضمان حرية الجميع وحقوقهم (19).
وعلى هذا فأن حق الملكية الخاصة في النظام الرأسمالي هو حق مطلق ومقدس، وإن القيود التي تفرض على هذا الحق هي ضرورة ملحة لا مفر منها للتخفيف من حد الأطلاق. وهذه القيود لا تؤثر على المقومات الأساسية للنظام الرأسمالي بما أنها لا تصل إلى حد إلغاء النظام نفسه (20).
وأن من أهم الدول الرأسمالية التي قويت فيها فكرة الملكية الخاصة، هي فرنسا. وأن بداية الحديث عن حق الملكية في فرنسا يجب أن يكون عن الثورة الفرنسية، وإعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي نشأ عنهما. فقد جاء الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان معبراً عن وجود حقوق طبيعية للإنسان ومن بينها، حق الملكية. وعدَه حقاً مقدساً، وذلك في المادة (17) منه بقولها: ((إذ أنها تؤلف حقاً مقدساً لا يمكن انتهاكه فلا يجوز انتزاع الملكية من أحد، إلا إذا قضت به صراحةً الضرورة العامة، وذلك بعد التحقق من وجودها بصورة مشروعة، بشرط أن يتقدم هذا الانتزاع تعويض عادل ومسبق)). وقد أيدت هذه الفكرة في الدستور الفرنسي لعام 1791 وذلك في نص المادة (87) حيث جاء فيها ((الملكية حق مقدس لا يمس))، إلا أن تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية نتيجة العوامل الاجتماعية والاقتصادية أدى إلى تحول فكرة الملكية المطلقة إلى ملكية مقيدة (21).
صفحة 7
ثانياً: مساوئ الملكية الخاصة في النظام الرأسمالي
1. عدم مقدرة المشروعات الصغيرة من منافسة المشروعات الرأسمالية الضخمة. مما تؤدي إلى القضاء على صغار الملاكين، والمنتجين الحرفيين، مما ينتج عنه تجمع وسائل الانتاج بأيدي فئة قليلة (22).
2. إن تركيز ملكية وسائل الانتاج بأيدي فئة قليلة والتي تستخدمها لاستغلال الفئات الأخرى، وتضطرها إلى بيع عملها لها. هذا يؤدي إلى تركيز الثروة للطبقات المالكة مما ينتج عنه طبقة مالكة غير عاملة، وطبقة عاملة غير مالكة، وهذا كله يؤدي إلى سوء توزيع الدخول والثروات في المجتمع. وإن هذه الطبقة الثرية لا تعرف كيف تستثمر هذه الثروات بما يخدم المجتمع (23).
3. عدم فرض القيود على ملكية وسائل الانتاج يؤدى إلى استغلال المالك الرأسمالي بحكم هذه الملكية الفلاحين والعمال عن طريق تخفيض نفقات الانتاج حتى تنمو أرباحه. فهو يسعى إلى تحقيق ربح أكبر. هذا وبالتالي سيعود بالضرر على المجتمع بأسره. ولتحقيق هذا الربح يقوم الرأسماليون برفع الأسعار مما يؤدي إلى انخفاض الاستهلاك الكلي. وهذا يؤدي إلى زيادة ما ينتج عما يستهلك. وبالتالي يؤدي إلى الكساد وانتشار البطالة (24).
4. إن تعرض الحريات العامة والحياة الديمقراطية في المجتمع للخطر هو نتيجة للملكية الخاصة المطلقة الرأسمالية، حيث تسعى الطبقات المالكة الرأسمالية إلى إخضاع السلطات السياسية والإدارية لتحكمها، وتجعلها أداة لخدمة مصالحها الفردية، ووسيلة لتسيير النظام الاقتصادي. فكفالة الحريات الفردية للطبقات المالكة على حساب الأغلبية غير المالكة تؤدي إلى هدر الحريات العامة في المجتمع (25).
يتضح لنا مما سبق بيانه عن الملكية الخاصة في النظام الرأسمالي، بأن الدول الرأسمالية قد تخلت عن مبدأ عدم التدخل، وتزايد دورها في الحياة الاقتصادية. مما أدى إلى فشل الفلسفة الليبرالية التي حاولت قصر دور الدولة في حفظ الأمن. وكذلك فإن الرأسمالية مذهب مادي يغفل القيم الروحية في تعامله مع المال مما يزيد الأغنياء غنىً والفقراء فقراً. وعلى الرغم من سيادة الملكية الخاصة في البلدان الرأسمالية إلا أنها لم تعد كما كانت حقاَ ((مقدساً)) لا يجوز انتهاكه. وانتهى هذا الأمر بتدخل الدولة، وكثرة القيود التي فرضتها على حق الملكية.
صفحة 8
الفرع الثاني: حق الملكية الخاصة في النظام الاشتراكي
إن الاشتراكية في ابسط صورها هي مساهمة جميع أفراد المجتمع في إنتاج الثروة وتوزيعها (26).
لابد لنا بادئ ذي بدء من بيان الأسس العامة لحق الملكية في النظام الاشتراكي، نظراً لأهمية هذا النظام ودوره الكبير في إحداث تغيرات جوهرية على حق الملكية.
وهذا النظام الاشتراكي يقوم على عناصر أساسية وعلى أساس أن المجتمع هو الهدف من وجود القانون. فالغاية من القانون هي إسعاد المجموع لا الفرد وحده. وسعادة المجموع لا تتعارض مع سعادة الفرد، إذ ينظر إلى الفرد على أنه كائن اجتماعي يرتبط مع غيره من الناس ويتضامن معهم في سبيل تحقيق الصالح العام للجماعة. ومن ثم تكون وظيفة القانون في نظر النظام الاشتراكي هي المحافظة على كيان المجتمع وتسخير الفرد لخدمته. وهو ينكر فكرة الحقوق الطبيعية للفرد واللصيقة بشخصه والمستمدة وجودها من الطبيعة والملازمة له في حياته. فالفرد لا يتمتع بالحق إلا إذا وجد في مجتمع. فهو لا يستطيع العيش بدون مجتمع وفقاً لطبيعته. فهو مدين للجماعة بوجوده وبما يملك، فالحق الذاتي لا وجود له في ظل النزعة الاشتراكية، فالحق وظيفة اجتماعية يمارسها الفرد لتحقيق خدمة عامة معينة (27).
وكذلك يؤمن النظام الاشتراكي بأن زيادة الانتاج، وعدالة التوزيع هما الطريق الصحيح لتحقيق الخدمة العامة، والسعادة للمجتمع. ويتم ذلك بالتخطيط الاقتصادي الموجه من قبل النظام الاشتراكي. بحيث يصبح الانتاج والتوزيع نتيجة لنشاط سلطة مركزية تحددها الأهداف النهائية للإنتاج والتوزيع في المجتمع ككل (28).
وإن أهم عنصر من عناصر النظام الاشتراكي هو مهاجمة الملكية الخاصة. إذ يذهب إلى أن خير الجماعة لا يتحقق إلا إذا تفانى كل فرد في السعي إلى تحقيق المصلحة العامة بصورة مباشرة، وسمح له باستغلال جميع مؤهلاته وبذل كل طاقته لخدمة الجماعة بدافع الرغبة في خدمتها. فلا وجود للحق الذاتي مطلقاً. فلا حق لأحد قبل المجموع. وإن ما يسمى بحق الملكية لا يعدو أن يكون واجباً مفروضاً على كل فرد لينجز خدمة اجتماعية (29).
إن نقد نظام الملكية الخاصة يعد نقطة البداية في الاشتراكية. فحق الملكية في الدول الاشتراكية يختلف عن حق الملكية في الدول الرأسمالية في نواح عدة. وقد قام نفر من روادها بشن حملة واسعة ضد الملكية الخاصة ولاسيما ملكية وسائل الانتاج. ويطالبون بتنظيم حقوق الملكية الخاصة، وتحديدها. ويرسمون معالم مجتمع جديد وحقوق جديدة. فتصور سان سيمون (1760-1825) واتباعه من بعده أن حق الملكية الخاصة لن يدوم إلا على شكل حق المرء في السيطرة على الممتلكات بنسبة مقدرته على اصطناعها في الأغراض الصالحة، وتصور عدم شرعية حق الإرث. ووصف بردون (1809-1865) الملكية بعبارته المشهورة رداً عن تساؤلاته في كتابه الموسوم (ما هي الملكية؟) بقوله: إنها السرقة، وإنها كلها منتزعة من ثمرات العمل (30).
ثم هاجم كارل ماركس (1818-1883) الملكية الخاصة، ولاسيما الملكية الخاصة لوسائل الانتاج تلك الملكية التي جوبهت بأعنف هجوم في التاريخ على يد ماركس، الذي يرى أن الملكية الخاصة هي سبب الصراع بين الطبقات، لأن المصالح متعارضة. ونظراً لكون مصلحة المالك الرأسمالي هي استغلال وقت العامل الأجير كله، لتوفير الانتاج وزيادته، لتحقيق أكبر قدر ممكن من الربح بأقل خسارة، وبالتالي فإن الملكية الخاصة لأدوات الانتاج تمكن الرأسماليين من الحصول على فائض القيمة، مما يستوجب إلغاؤها. فالقضاء على ملكية وسائل الانتاج هو أحد الخصائص المهمة التي قامت عليها الاشتراكية الماركسية لهذا فإنها تمثل المركز الأول في الدساتير الشيوعية لكون أن هدم النظام الرأسمالي لا يتم إلا بإلغاء الملكية الخاصة وهذا المبدأ يمثل البند الأساس في دستور الاتحاد السوفيتي السابق (31).
والملاحظ أن المفكرين الاشتراكيين قد نادوا بضرورة إلغاء الملكية الخاصة للأموال الرئيسة في المجتمع. ولاسيما أدوات الانتاج ووسائله المهمة. بما يضمن العدالة الاجتماعية والمنفعة العامة للشعب، وينادي الفكر الاشتراكي بضرورة جعل الملكية الخاصة ملكية اشتراكية. ووضعها تحت سيطرة الشعب، لأنها كانت السبب الرئيس للصراع بين الطبقات، كما أن ضمان الحرية المطلقة للملاك يعني في الوقت ذاته الحكم على غير الملاك بالعبودية الواضحة (32).
ولو نظرنا إلى التطبيق العملي لهذه الأفكار بعد انتصار الثورة الروسية 1917 لألفينا أن الاتحاد السوفيتي (سابقاً) قد نصت في الدساتير السوفيتية على ملكية الدولة لوسائل الانتاج مستنداً في ذلك على النظرية الماركسية التي تعد إلغاء الملكية الخاصة لأدوات الانتاج هو الإجراء الذي يجب أن يسبق المصائب التي أصابت المجتمع. ولها في الاتحاد السوفيتي ثلاث صور هي: ملكية الدولة، والملكية التعاونية، والملكية الخاصة والملكية الشخصية (33).
صفحة 9
الفرع الثالث: حق الملكية الخاصة في الشريعة الإسلامية
نبين في هذا الفرع الأسس العامة لحق الملكية الخاصة في الشريعة الإسلامية دون الولوج في التفاصيل والتفرعات. وذلك بتقسيم هذا الفرع وعلى النحو الآتي:
أولاً: موقف الإسلام من حق الملكية الخاصة.
ثانياً: نطاق حق الملكية الخاصة في الإسلام.
أولاً: موقف الإسلام من حق الملكية الخاصة.
أقرَ الإسلام الملكية بنوعيها العامة والخاصة، إلاَ أنه أقام الملكية الخاصة على أساس أن الله – سبحانه وتعالى – هو المالك الأصلي لكل ما يملكه الناس، وينتفعون به، فهو الذي خلق كل شيء وسخره للإنسان. فهو إذن المشرع للملكية لكونه المالك الحقيقي لها. وهذا المعنى مصداق لما أشارت إليه الآيات الكريمة التي نسبت الملكية إلى الله تعالى. قال الله تعالى: ( وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ۗ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ۖ وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ۚ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (34). وقوله تعالى: ( آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) (35). وقوله تعالى: ( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۚ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ۗ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (36). وقوله تعالى: (وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۖ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ) (37).
يتضح لنا من الآيات الكريمة أن كل شيء في الوجود هو ملك لله - تعالى -. فالله وحده الذي له ملكوت السموات والأرض. وإن الإنسان هو خليفته في أرضه. وبمقتضى هذا الاستخلاف يكون للفرد حق التملك الشخصي، ينفرد به، ويستغل الانتفاع به دون منازع من هذا. فإن الله تعالى لم يخلق ذلك ليكون هو المالك. فالله هو الغني والقدير والرزاق، ولكنه خلق كل شيء لكي ينتفع به البشر (38).
ومن الآيات التي تنسب الملكية للإنسان نحو قوله – تعالى -: ( وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ ۚ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمً ) (39). وقوله تعالى: ( وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) (40). وقوله تعالى: ( لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ۚ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ) (41) وقوله تعالى: ( وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ) (42)
إلا أن هذه الآيات كان إقرارها للملكية الخاصة ضمناً، ثم جاءت الآية: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۗ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) (43). فهذه الآية صرحت بأن غرض الملكية الخاصة هو إشباع حاجات المسلم الشخصية ثم إنفاق ما زاد عن حاجاته في سبيل الله. أي لغرض المنفعة العامة.
إن الإسلام قد أقر الانتفاع بالملكية الخاصة. فأباح تملك الأموال سواء أكانت عقاراً أم منقولاً، إذا كان اكتسابها قد تحقق بطريق شرعي. كما أن للأفراد حرية التصرف في الأموال المملوكة لهم والتعامل فيها بالبيع، أو الهبة، أو الوصية، أو غير ذلك من التصرفات المباحة شرعاً. وإن الشريعة الإسلامية جعلت الملكية من مقاصدها الخمسة. وهذه المقاصد: الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال. فالملكية الخاصة حالها حالي باقي الحقوق وإن تقررت للإنسان للانتفاع منها إلا أنها مقيدة فيما فرضه الله من قيود وما وضعه من حدود. وهي بهذا تتمتع بحماية الشارع وأصبحت حقيقة ثابتة، وقاعدة أساسية في النظام الاقتصادي الإسلامي (44).
وقد ذهب الإسلام في احترام الملكية الخاصة وصيانتها إلى الحد الذي فرض فيه عقوبات صارمة. وجزاءاً حاسماً يحول دون الاعتداء عليها وهذه العقوبة هي قطع يد السارق. قال الله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۗ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) (45). ومن هذا يتضح لنا جلياً أنه ليس ثمة خلاف بين فقهاء الإسلام عامة والباحثين في الاقتصاد الإسلامي خاصة حول مبدأ تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية ولاسيما في مجال الملكية الخاصة (46).
ثانياً: نطاق حق الملكية الخاصة في الإسلام.
إن الشريعة الإسلامية احترمت الإنسان وحرصت على كرامته، وأقرت الملكية الخاصة وصانتها على أساس أنها حق فطري للإنسان. وجاءت نتيجة العمل والتنافس في ميدان الحياة. فعمل الإسلام على تشجيع الملكية، ووضع الضمانات الكفيلة لحمايتها. إلا أن هذه النزعة الفردية وما تتضمنه من صيانة حق الملكية وإقراره لا تعني إن هذا الحق مطلق من كل قيد وإنما تقف في وجه أي تدخل من قبل الحاكم. فالإسلام حرص كذلك على الجماعة ومصالحها. فهو لا يجعل صالح الفرد وحده أو حريته هدفه وغايته، وإنما يهدف إلى تحقيق صالح الفرد والجماعة في آنٍ معاً (47).
فمن أهم المبادئ التي يقوم عليها الاتجاه في الإسلام فيما يتعلق بحق الملكية الخاصة هي خضوع المالك في التصرف في المال إلى نظم وقيود من شأنها أن تؤدي إلى تحقيق مصلحة الجماعة. فهذا الحق يقوم على مجموعة من المبادئ أو القواعد التي تسمح بتدخل الحاكم رعايةً للمصلحة العامة فالإسلام أقام نوعاً من الموازنة بين المصلحتين الخاصة والعامة فيما يمنح الفرد الحق بالتملك، وكذلك التصرف. إلا أنه قيده بقيود لمصلحة المجتمع (48).
فالتملك وظيفة اجتماعية، إذ أن الفرد الذي يستثمر ماله إنما يعمل في مال المجموع لا في ماله الخاص. وبذلك فإن حيازة المال وظيفة والفرد موظف قائم بعمل الوكيل أو النائب عن الجماعة. وهكذا فإن الإسلام يفرض رعاية مصلحة المجتمع عند تملك المال فيد المالك يد استخلاف. والله جعل المال وسيلة للخير فلا يصح أن يستعمل إلا في مصلحة الجماعة. وبذلك تكون الملكية الخاصة في نظر الإسلام وظيفة اجتماعية (49).
وبناءاً على ما تقدم فإن الإسلام قد فرض عدداً من القواعد والنظم التي لا تعطي المالك حق التصرف المطلق في ماله، ويورد القيود المباشرة وغير المباشرة على الملكية، ويفرض عليهما من الواجبات ما يستهدف منه بناء المجتمع على أسس لا تتعارض مع الفطرة الإنسانية، ولا تقوم على تهيئة أسباب الاستغلال أو تعريض مصالح المجتمع العامة للخطر.
صفحة 10
ومن هذه القيود:
1. القيود غير المباشرة: وهي تلك التي فرضت على الإنفاق لا على التملك، وغرضها إلغاء تضخم الثروات وتجميعها في أيد قليلة. وضمان حياة إنسانية كريمة للفقراء والمساكين المعوزين، ومن أمثلة هذه القيود، تحريم التبذير أو التقتير، فالإسلام كان يحجب عن المالك ملكه عندما يسيء إلى أمواله بالتبذير، أو اختزانها دون عمل. فقد دعا إلى الإنفاق في سبيل الله، بوسائل الترغيب في البذل، والترهيب من الشح والترف (50).
وتعد فريضة الزكاة من القيود غير المباشرة فهي ركناً ركيناً من أركان الإسلام. وهي حق دائم، وثابت، ومحدد. فهي فريضة على كل من حاز على نصابها، وهي ليست إذلالاً للفقير، ويمكن أن يقدمها الغني للفقير مباشرة أو بوساطة الدولة التي قد تقوم بجمعها وتوزيعها بمعرفتها (51). وقد جاء في قوله تعالى: ( مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) (52).
وكذلك يعد الإرث والوصية من القيود غير المباشرة على حق الملكية فقد وضع الإسلام الوصية والإرث في نظام يترتب على تطبيقه المنع من تركيز الأموال وتكديسها فأعطى المالك الحق في أن يوصي الثلث فقط من ماله أما ما زاد عن ذلك فلا يجوز (53).
2. القيود المباشرة على الملكية: فهي متعددة ومنهما جواز تحديد الملكية. فالأصل في الشريعة الإسلامية أنه ليس هناك حدود لما يمتلكه الإنسان وما دام حق التملك إباحة من الخالق شرعها الله وفي حدود معينة فلا يجوز والحالة هذه أن تكون سبيلاً للضرر الفاحش. بحيث إذا اقتضت مصلحة الأمة التحديد كان جائزاً وواجباً (54).
ومن هذه القيود أيضاً نزع الملكية للمصلحة العامة. فإذا أدت الملكية الخاصة إلى أن يتحكم مالكها في ثمنها أو توزيعها أو يحبسها عن الناس بحيث يتضررون من ذلك وهم في حاجة إليها كان على الدولة أن تحول دون الاحتكار، وجاز لها أن تتخذ الوسائل الكفيلة لاشتراك الناس جميعاً في الإفادة منها. إلا أن نزع الملكية يجب أن يكون مقابل تعويض عادل يدفع للمالك ما دام قد تم كسبها بسبب مشروع. على أنه إذا لم يكن هناك ضرر أو مصلحة عامة. فلا يجوز نزعها من المالك وفقاً لقول الرسول محمد ^: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه »(55).
ومراعاة لمصلحة المجموع. فأن للإمام أن يقيد التصرفات في الملك على نحو معين. فمنع الإسلام أن تكون الملكية الخاصة. وسيلة للاحتكار فعن أبي هريرة – رضي الله عنه - قال رسول الله ^: «من احتكر طعاماً على أمتي وتصدق به لم يقبل منهُ» (56).
ويظهر لنا مما سبق أن حق الملكية في الإسلام ليس حقاً مطلقاً (مقدساً) حسب كما نُصت عليه في وثيقة إعلان حقوق الإنسان والمواطن سنة 1789 في عصر الثورة الفرنسية وإنما هو حق ذو وظيفة اجتماعية . وان الإنسان فيما لديه من مال إنما هو حائز لوديعة أودعها الله بين يديه. ومكنه من الانتفاع بها للوفاء بحاجته. على أن لا يتعارض هذا الانتفاع مع مصلحة المجتمع الذي يعيش فيه ومصلحة الإنسانية بوجه عام (57).