صفحة 1
مقدمة
لعل مباحث ومتوناً وقراءات ونسوجاً عديدة ومتنوعة قاربت بالنقد والتحليل والتعليل والاستقراء موضوعة الحرب النفسية، وأعملت فيها معاول الحفر والتنقيب والتحرّي والكشف والبحث، ووقفت على اهتماماتها ومقاصدها وأغراضها وغاياتها، كما على مكامن خطرها ووجوه سطوتها وحضورها، واستحضرت لهذه الغاية تجارب تاريخية، واستدلت بوقائع وشواهد وبراهين وأدلة. وهي- لا شك- دراسات وازنة، وذات قيمة علمية ومعرفية محترمة، وغاية في الأهمية والإلحاح. إلا أنها على فضيلتها وجديتها واتزانها، وما انطوت عليه من كشوف وفتوح، وما راكمته من حقائق على غير صعيد ذي صلة، ظلت تعاني قصوراً حاداً في مقارباتها الفاحصة، وعلى نحو يحول دون الإحاطة الشاملة بظروف تخلق هذا الوليد من الحروب، كما بسيرورة اكتماله وتنضجه، وبعموم مكوناته المؤسّسة، وروافعه، وحوامله، وفواعله؛ فقد وقع بعضها في الاختزال والتبسيط والتسطيح، وقصر بعضها عن بيان جملة المركبات التي تنظم عمل هذه الحرب، كما بيان تمثلاتها وتجلياتها وترجماتها المختلفة، حيث صير إلى الاكتفاء بنشر إضاءة حول جوانب دون أخرى، وبالإلماع إلى فاعل دون سواه. وعانى بعضها الآخر أزمة بلحاظ وضوح المفاهيم والمعاني حيث سُجّل اختلاطها وتداخل الحدود والفروق بين هذه وتلك، وبنحو يُودي بالمتلقي إلى متاهات من التشرذم والبلبلة والتشوّش والتيه. في حين أنّ مقاربات ودراسات أخرى كان يعوزها الاستدلال المكين، والتوظيف السليم للمصطلحات، وتبيئتها، وإفراغ حمولاتها واسقاطاتها بنحو موجب وخلاق.
والحال هذه، كان لهذه الدراسة أن تتصادى لمقاربة من طبيعة مفارقة، تحرص على الشمول والإحاطة بكل ما للحرب النفسية من أساليب وطرائق وفنون وأواليات عمل وأهداف وغايات، بمقدار حرصها وإلحاحها على التعمّق الجادّ في المفاهيم والمصطلحات ذات الصلة، وبيان الفروق بينها، وحسن استخدامها وتوظيفها وتفعيل حضورها، والعمل بها، من خلال الاستدلال بالوقائع والتجارب الحسية، وبالترجمات والبراهين والشواهد الحية، لغرض اخراجها من إطارها النظري، ومن مثاليتها المتعالية، والإلقاء بها عارية في خضم المعاينة والفحص والاختبار.
لكنّ المعاينة العلمية الفاحصة التي تقصّدناها وأردناها هنا، لا يمكن لها أن تستقيم بإطلاق على نحو وازن، دونما تخفيضٍ لمستوى التوتر الفكري والانفعالي المصاحب- في العادة- لمثل هذه المقاربات، بحيث يصار إلى سوقها بعيداً من الصياغات الحماسية والشعاراتية والانفعالية، وإلى تجنيبها كلّ أشكال الارتجال، وكلّ ما هو لحظي وظرفي عابر، ويساعد- بالتالي- على توفير قدر أكبر من الحيادية والموضوعية، ويجعل المشهدية المقدمة بنحو أقرب ما يكون من الحقيقة، وأكثر تجسيدا للواقع القائم.
أمّا لماذا الحرب النفسية؟.
لا شكّ أنّ التقدّم الكبير في دنيا العلوم، والتطوّر الهائل في تكنولوجيا المعلومات، وفي وسائط الإعلام والاتصال، فضلاً عن تطوّر أساليب التحليل النفسي، أسهم على نحو فاعل في تعظيم مكانة الحرب النفسية، وشأنيتها وخطرها؛ بحيث أصبح من غير اليسير على أيّة جهة توفير القدرة الحمائية لنفسها، أو تحقيق الحصانة والمناعة الداخلية لديها، أو خوض غمار النزاعات والحروب، دونما الاستعانة والاستنجاد بها.
فبعد أن ساد الاعتقاد طويلاً بهامشية الدور الذي تضطلع به الحرب النفسية: لا تحسم حروباً، ولا تعدو وصفها عنصراً ثانوياً مكمّلاً من عناصر العملية الحربية، أي ليست غير أداة إضافية في جعبة القيادة العسكرية... وسوى ذلك من مقولات تبهّت حضورها، وتبخّس من قيمتها، وتقلل من فعاليتها؛ قيّض لها أن تشكل أداة النصر الفاعلة والصالحة، وأدرجت عملياتها بالتوازي إلى جانب القوات البرية والبحرية والجوية لتشكل مجتمعة «قوى الدولة الشاملة»، بل إنّها اكتسبت أهمية خارج أطر الصراعات العسكرية المباشرة، بحيث طاولت صعد الحياة العصرية، ما جعلها من أخطر أنواع الحروب الموجهة ضد الكائن البشري، لقدرتها على النيل من عقله ووعيه وذاكرته، واستطراداً لقدرتها على سوقه وقوده والأخذ به نحو الاستلاب والهزيمة. والأخطر أنّها لم تكتف بإعمال التأثير في السلوك الاجتماعي للفرد أو للجماعة فحسب، وهذا ما منحها قيمة مضافة، بل وسّعت مدار استهدافاتها لغرض التأثير في سلوك الدول، وإحداث تغييرات وتحوّلات في مواقفها وتصوّراتها.
هذا التطور الملحوظ الذي استجد على غير صعيد، وحفر بصماته عميقاً في موضوعة الحرب النفسية، أشّر ليس إلى خطرها وحسب، بوصفها أداة فاعلة في النزاعات والمواجهات البشرية القائمة، بل إلى تسيّدها وهيمنتها وحضورها وسطوتها على كلّ الصعد، وفي غير مجال من مجالات الحياة. وأذن بتحوّلها إلى ركن ركين في عقائد الجيوش، وفي منظومات الدول والأمم الدفاعية والهجومية والحربية، كما أذن بتحوّلها إلى علم قائم بذاته، له فنون ومتون ونظريات وضروب وتخصّصات، ويحظى بالعناية والرعاية والاهتمام والتدريس، وتقام باسمه الندوات والمؤتمرات والورش التأهيلية... ما ولد لدينا فضولاً معرفياً محرضاً ودافعاً على إجراء مقاربة علمية تظهر ما لهذه الحرب وما عليها، وتكشف حجم الاستباحة التي لطالما أعملها الآخر المستعمر في عقولنا وذاكرتنا وأفكارنا ووعينا.
ولماذا ـ في موازاة ذلك ـ القراءة في إستراتيجيات حزب الله؟.
الحق يقال، إنّ حزب الله صنع انتصارات عزيزة، وميمونة، وغير مسبوقة في تاريخ الصراع العربي-الإسرائيلي. وكان للحرب النفسية- التي برع فيها الحزب، وأجاد توظيفها وتثميرها وتفعيلها، وحسن ادارتها، وسُجّل له غير مرة فتوحات عظيمة على هذا الصعيد- فضيلة صياغة سيرورات اكتمال هذه الانتصارات، كما فضيلة تعزيزها وصيانتها، ذلك أنّ حزب الله في سياق ممارسته لهذه الحرب لم يقف في قبالة الإسرائيلي موقفاً تنافسياً أو ندياً وحسب، وانما كان له في صولات وجولات عديدة اليد الطولى وعظيم الباع وجميل الصنيع، وأنّ إستراتيجياته ومناوراته وتكتيكاته ذات الصلة قد نجحت، وأربكت العدو فعلاً، وأضرّت بوعيه، وحملته إلى إعادة نظر في أوضاعه ومستقبل وجوده، بعدما أحيت من جديد هواجس البقاء لديه ... ما ولد دافعية الإضاءة على مظاهر هذا الاقتدار وفواعله، وعلى أسباب هذه القوة، ونتائج ما صير إليه من فتح ونصر. علنا نسهم في معركة تنشيط الوعي العربي والإسلامي بحقيقة ما لديه من قدرات وإمكانات وطاقات، كما بتثويره، وتحفيزه، وعتقه من إسار الشعور بالتصاغر والدونية أمام الآخر المحتل والمعتدي والمستعمر بمعناه الكولونيالي.
والحال هذه، اتخذ الكتاب من عنوان «الحرب النفسية: قراءة في إستراتيجيات حزب الله»، لافتة المسار والوجهة، ودليل السفر والبرهان، والمظلة البحثية التي أرخت بأثقالها وأحمالها، لتظلل كل مساحات اشتغالاته، وتوضعاته، واهتماماته، وعنايته: تشفف المقاصد، وتثير الإشكاليات، تعاين الوقائع والأحداث، ترصد وتقارن، وتزن، وتتحرى، وتطلق الأسئلة القلقة، كما المعادلات والأحكام، في رحاب الفضاء البحثي المفتوح على غير صعيد، ما يلحّ على انطراح غير سؤال وسؤال: علام استقام متن الكتاب؟. وإلامَ نزع؟. وماذا توسل من أهداف وغايات؟. ووفق أيّة بنائية استوت هيكليته ومشهديته العامة؟.
لعل مباحث ومتوناً وقراءات ونسوجاً عديدة ومتنوعة قاربت بالنقد والتحليل والتعليل والاستقراء موضوعة الحرب النفسية، وأعملت فيها معاول الحفر والتنقيب والتحرّي والكشف والبحث، ووقفت على اهتماماتها ومقاصدها وأغراضها وغاياتها، كما على مكامن خطرها ووجوه سطوتها وحضورها، واستحضرت لهذه الغاية تجارب تاريخية، واستدلت بوقائع وشواهد وبراهين وأدلة. وهي- لا شك- دراسات وازنة، وذات قيمة علمية ومعرفية محترمة، وغاية في الأهمية والإلحاح. إلا أنها على فضيلتها وجديتها واتزانها، وما انطوت عليه من كشوف وفتوح، وما راكمته من حقائق على غير صعيد ذي صلة، ظلت تعاني قصوراً حاداً في مقارباتها الفاحصة، وعلى نحو يحول دون الإحاطة الشاملة بظروف تخلق هذا الوليد من الحروب، كما بسيرورة اكتماله وتنضجه، وبعموم مكوناته المؤسّسة، وروافعه، وحوامله، وفواعله؛ فقد وقع بعضها في الاختزال والتبسيط والتسطيح، وقصر بعضها عن بيان جملة المركبات التي تنظم عمل هذه الحرب، كما بيان تمثلاتها وتجلياتها وترجماتها المختلفة، حيث صير إلى الاكتفاء بنشر إضاءة حول جوانب دون أخرى، وبالإلماع إلى فاعل دون سواه. وعانى بعضها الآخر أزمة بلحاظ وضوح المفاهيم والمعاني حيث سُجّل اختلاطها وتداخل الحدود والفروق بين هذه وتلك، وبنحو يُودي بالمتلقي إلى متاهات من التشرذم والبلبلة والتشوّش والتيه. في حين أنّ مقاربات ودراسات أخرى كان يعوزها الاستدلال المكين، والتوظيف السليم للمصطلحات، وتبيئتها، وإفراغ حمولاتها واسقاطاتها بنحو موجب وخلاق.
والحال هذه، كان لهذه الدراسة أن تتصادى لمقاربة من طبيعة مفارقة، تحرص على الشمول والإحاطة بكل ما للحرب النفسية من أساليب وطرائق وفنون وأواليات عمل وأهداف وغايات، بمقدار حرصها وإلحاحها على التعمّق الجادّ في المفاهيم والمصطلحات ذات الصلة، وبيان الفروق بينها، وحسن استخدامها وتوظيفها وتفعيل حضورها، والعمل بها، من خلال الاستدلال بالوقائع والتجارب الحسية، وبالترجمات والبراهين والشواهد الحية، لغرض اخراجها من إطارها النظري، ومن مثاليتها المتعالية، والإلقاء بها عارية في خضم المعاينة والفحص والاختبار.
لكنّ المعاينة العلمية الفاحصة التي تقصّدناها وأردناها هنا، لا يمكن لها أن تستقيم بإطلاق على نحو وازن، دونما تخفيضٍ لمستوى التوتر الفكري والانفعالي المصاحب- في العادة- لمثل هذه المقاربات، بحيث يصار إلى سوقها بعيداً من الصياغات الحماسية والشعاراتية والانفعالية، وإلى تجنيبها كلّ أشكال الارتجال، وكلّ ما هو لحظي وظرفي عابر، ويساعد- بالتالي- على توفير قدر أكبر من الحيادية والموضوعية، ويجعل المشهدية المقدمة بنحو أقرب ما يكون من الحقيقة، وأكثر تجسيدا للواقع القائم.
أمّا لماذا الحرب النفسية؟.
لا شكّ أنّ التقدّم الكبير في دنيا العلوم، والتطوّر الهائل في تكنولوجيا المعلومات، وفي وسائط الإعلام والاتصال، فضلاً عن تطوّر أساليب التحليل النفسي، أسهم على نحو فاعل في تعظيم مكانة الحرب النفسية، وشأنيتها وخطرها؛ بحيث أصبح من غير اليسير على أيّة جهة توفير القدرة الحمائية لنفسها، أو تحقيق الحصانة والمناعة الداخلية لديها، أو خوض غمار النزاعات والحروب، دونما الاستعانة والاستنجاد بها.
فبعد أن ساد الاعتقاد طويلاً بهامشية الدور الذي تضطلع به الحرب النفسية: لا تحسم حروباً، ولا تعدو وصفها عنصراً ثانوياً مكمّلاً من عناصر العملية الحربية، أي ليست غير أداة إضافية في جعبة القيادة العسكرية... وسوى ذلك من مقولات تبهّت حضورها، وتبخّس من قيمتها، وتقلل من فعاليتها؛ قيّض لها أن تشكل أداة النصر الفاعلة والصالحة، وأدرجت عملياتها بالتوازي إلى جانب القوات البرية والبحرية والجوية لتشكل مجتمعة «قوى الدولة الشاملة»، بل إنّها اكتسبت أهمية خارج أطر الصراعات العسكرية المباشرة، بحيث طاولت صعد الحياة العصرية، ما جعلها من أخطر أنواع الحروب الموجهة ضد الكائن البشري، لقدرتها على النيل من عقله ووعيه وذاكرته، واستطراداً لقدرتها على سوقه وقوده والأخذ به نحو الاستلاب والهزيمة. والأخطر أنّها لم تكتف بإعمال التأثير في السلوك الاجتماعي للفرد أو للجماعة فحسب، وهذا ما منحها قيمة مضافة، بل وسّعت مدار استهدافاتها لغرض التأثير في سلوك الدول، وإحداث تغييرات وتحوّلات في مواقفها وتصوّراتها.
هذا التطور الملحوظ الذي استجد على غير صعيد، وحفر بصماته عميقاً في موضوعة الحرب النفسية، أشّر ليس إلى خطرها وحسب، بوصفها أداة فاعلة في النزاعات والمواجهات البشرية القائمة، بل إلى تسيّدها وهيمنتها وحضورها وسطوتها على كلّ الصعد، وفي غير مجال من مجالات الحياة. وأذن بتحوّلها إلى ركن ركين في عقائد الجيوش، وفي منظومات الدول والأمم الدفاعية والهجومية والحربية، كما أذن بتحوّلها إلى علم قائم بذاته، له فنون ومتون ونظريات وضروب وتخصّصات، ويحظى بالعناية والرعاية والاهتمام والتدريس، وتقام باسمه الندوات والمؤتمرات والورش التأهيلية... ما ولد لدينا فضولاً معرفياً محرضاً ودافعاً على إجراء مقاربة علمية تظهر ما لهذه الحرب وما عليها، وتكشف حجم الاستباحة التي لطالما أعملها الآخر المستعمر في عقولنا وذاكرتنا وأفكارنا ووعينا.
ولماذا ـ في موازاة ذلك ـ القراءة في إستراتيجيات حزب الله؟.
الحق يقال، إنّ حزب الله صنع انتصارات عزيزة، وميمونة، وغير مسبوقة في تاريخ الصراع العربي-الإسرائيلي. وكان للحرب النفسية- التي برع فيها الحزب، وأجاد توظيفها وتثميرها وتفعيلها، وحسن ادارتها، وسُجّل له غير مرة فتوحات عظيمة على هذا الصعيد- فضيلة صياغة سيرورات اكتمال هذه الانتصارات، كما فضيلة تعزيزها وصيانتها، ذلك أنّ حزب الله في سياق ممارسته لهذه الحرب لم يقف في قبالة الإسرائيلي موقفاً تنافسياً أو ندياً وحسب، وانما كان له في صولات وجولات عديدة اليد الطولى وعظيم الباع وجميل الصنيع، وأنّ إستراتيجياته ومناوراته وتكتيكاته ذات الصلة قد نجحت، وأربكت العدو فعلاً، وأضرّت بوعيه، وحملته إلى إعادة نظر في أوضاعه ومستقبل وجوده، بعدما أحيت من جديد هواجس البقاء لديه ... ما ولد دافعية الإضاءة على مظاهر هذا الاقتدار وفواعله، وعلى أسباب هذه القوة، ونتائج ما صير إليه من فتح ونصر. علنا نسهم في معركة تنشيط الوعي العربي والإسلامي بحقيقة ما لديه من قدرات وإمكانات وطاقات، كما بتثويره، وتحفيزه، وعتقه من إسار الشعور بالتصاغر والدونية أمام الآخر المحتل والمعتدي والمستعمر بمعناه الكولونيالي.
والحال هذه، اتخذ الكتاب من عنوان «الحرب النفسية: قراءة في إستراتيجيات حزب الله»، لافتة المسار والوجهة، ودليل السفر والبرهان، والمظلة البحثية التي أرخت بأثقالها وأحمالها، لتظلل كل مساحات اشتغالاته، وتوضعاته، واهتماماته، وعنايته: تشفف المقاصد، وتثير الإشكاليات، تعاين الوقائع والأحداث، ترصد وتقارن، وتزن، وتتحرى، وتطلق الأسئلة القلقة، كما المعادلات والأحكام، في رحاب الفضاء البحثي المفتوح على غير صعيد، ما يلحّ على انطراح غير سؤال وسؤال: علام استقام متن الكتاب؟. وإلامَ نزع؟. وماذا توسل من أهداف وغايات؟. ووفق أيّة بنائية استوت هيكليته ومشهديته العامة؟.
صفحة 2
لقد توزّع الكتاب وتنازعه فصلان اثنان، استقل كل منهما بأطروحته، إلا أنهما اجتمعا ليصوغا له أشغولته الحاكمة، وليشكلا مادته ومتنه، وليقفا على ما طواه في تضاعيفه من حمولات ودلالات، وما أثاره من إشكاليات، وما توفر عليه من إجابات.
بحث الفصل الأول بنحو أكاديمي في مسارات التشكل النظري لأطروحة الحرب النفسية وتنضجها، وتطورها على المستوى المفهومي والعلومي؛ وللغاية لم يجد مندوحة من التنقيب الحفري عن الامتدادات التاريخية الغورية لجذور المصطلح واستخداماته، ومن تحرّي كل قواعد الضبط الحاكمة، وفروض العمل والاشتغال التي قنّنتها، ودفعت بها إلى التخلّق والتبلور على النحو الذي تناهت به إلينا، بحيث استقام لها الأمر، وقيّض لها أن تشكل أداة النصر الفاعلة والصالحة في غير موقعة ونزاع وحرب، وفق ما كانت قد تكشّفت عنه المعطيات والوقائع والأحداث.
وبعد التوطئة التاريخية الممهدة، ألحّ هذا الفصل على محاولة إيجاد تعريف جامع مانع، تتوضع بين حدّيه بطاقة هوية الحرب النفسية، بكل ما تتوفر عليه من خصوصية وحساسية وفرادة. إلا أنّ الأمر كان دونه منزلاقات غير محمودة، بسبب من تعدّد المدارس والنظريات والآراء والمقاربات التي عكفت على تأطير المفهوم وتقعيده، بلحاظ ميادين العمل والأساليب والوسائل والأهداف المرجوة. وذلك قبل أن يصار إلى بيان الأهمية والإلحاح الذي كانت عليه هذه الحروب، وإلى ملاحظة أوجه الخطر المتأتي منها، وإلى الوقوف ملياً عند الأدوات والوسائل التي تتخذ منها منصات إطلاق، وعند الأشكال والأنواع والاتجاهات والأهداف التي تتوسلها، كما الأساليب الملتوية التي تتلبّس بها؛ نحو: الدعاية، والشائعة، والضغوط الاقتصادية، والمناورة السياسية، والاغتيالات، والتسميم السياسي، وتشجيع التمرّد، وغسل الدماغ، واستخدام الأقليات والمنظمات، والأعمال العسكرية الرادعة، وحروب المصطلحات، وما إلى ذلك من أساليب. لينتهي المطاف إلى التعرّض للسبل الكفيلة بدرء خطرها، وكيفية مواجهتها، والتصدي لها.
وآثر الفصل الأول أن لا يُبقي جهده في أنساق جامدة، وفي قوالب محنطة، وفي إطار من النظرية المثالية المتعالية البعيدة من الحسية والتجربة؛ فحرص- والحال هذه- على أن يقدم عرضاً موجزاً للمرتكزات التي انبنت وتهيكلت عليها الحرب النفسية الإسرائيلية في مواجهة العرب، كما للمرتكزات التي نهض عليها معمار حرب حزب الله النفسية في مواجهة إسرائيل، مضمناً الأولى الأهداف النفسية للعدوان على لبنان في صيف العام 2006، في حين انطوت الثانية على بعض فصول المواجهات النفسية التي استجلبت لحزب الله نصراً ميموناً، وحققت له فتوحاً كبيرة على غير صعيد.
أمّا الفصل الثاني من الكتاب فكان له شأنٌ آخر، حيث عكف على تقديم قراءة افتراضية لمنظومة المركبات والإستراتيجيات التي تخلقت منها عقيدة حزب الله في إطار حربه النفسية المشروعة والمفتوحة مع إسرائيل؛ نحو ما نقع على تمثلاته وترجماته، في ما يمكن الاصطلاح عليه بإستراتيجية الغموض البناء، وإستراتيجية المفاجآت، وإستراتيجية الردع، وإستراتيجية تثوير الوعي واستنهاضه... مع بيان ما لهذه الإستراتيجات المتبعة من فعالية وسطوة، ومن فضيلة على الإضرار بالذات الإسرائيلية الجمعية، كما بالوعي والمخيال والذاكرة، بنحو تبدّت مفاعيله في انكفائها جميعاً، وفي تقهقرها وتصاغرها وانهزامها.
منهجياً، ألحّ الكتاب في تشفيف مقاصده على توسل منهجية من طبيعة مركبة، تتداخل فيها غير أداة وطريقة، حيث يتساوق ويتحايث التاريخي مع التفكيكي والوصفي والتقابلي المقارن. ذلك أنّ الاقتصار على تفعيل أداة منهجية واحدة دون سواها، من شأنه أن يتأدّى إلى التبسيطية والاختزال في مقاربة الأمر، وأن يكون بالضرورة على حساب جلاء بعض جوانب الأطروحة، وبعض مكونات وروافع المقولة الواحدة، وبالتالي تتعذر الإحاطة بعموم مكونات المشهد، وفق ما تقتضيه الحقيقة العلمية.
ألحّ الكتاب أيضاً على مجانبة الوقوع في السلبية، ومجانبة المجافاة القصدية للحقيقة والموضوعية، فضلاً عن مجانبة أي نزوع للانحراف أو ميل للتحريف، وعكف للغاية على جمع مادته بنحو يرتقي بها إلى مستوى عال من الصدقية والجدية والتوثيق، إذ قلما تقع على صفحة من صفحاته خلت من مراجع مسندة، أو ايضاحات مفسّرة، أو تعليقات، أو تذييلات، أو شروح، كانت من الوفرة بحيث تتجاوز في أحايين كثيرة الخمس أو السبع ملاحظات، وكانت من التنوّع بحيث لا يصار إلى المصادرة والاختزال اللذين يفرضهما الاكتفاء بالنظر إلى زاوية واحدة من زوايا الصورة. كما عكف الكتاب على تحرّي الوقائع والأحداث، والتدقيق في البيانات والتفسيرات والشواهد والمفاهيم والمصطلحات بنحو يتيح للمتلقي الركون إليه، والأخذ به كمعطى علمي، وبنحو يحيل الدراسة إلى وثيقة مرجعية حاكمة من حيث أنها وُفقت إلى وضع معايير أكاديمية وعلمية وبحثية، يصحّ اعتمادها في القراءات والمقاربات والمراجعات والمقارنات والمقايسات والموازنات ذات الصلة بالحروب النفسية.
الجدير بالإلفات والاهتمام، أنّ أحداً لا يدّعي قدرة الكتاب على الإحاطة الشاملة والوافية بكل جوانب الحرب النفسية، بحيث أنه يستنفد الحديث عنها، ويغلّق الأبواب خلفه، فهذا ما لا طاقة لأيّ كتاب به، نظراً لتعقيدات هذا النوع من الحروب، ولكثرة مخاتلاته ومراوغاته وأوجه الحيلة لديه، كما لكثرة تشعباته وتمثلاته، ولتعدّد الميادين والمجالات والمساحات التي تشكل بيئة عمل له وفضاء لاشتغاله. والحال، فالكتاب لا يضع نفسه إلا في سياق المحاولة الجادّة والوازنة التي تتوسّل مثل هذه الإحاطة الشاملة، دون أن تدعيها، ودون أن تقطع مع المباحث ذات الصلة، أو أن تبخّس هذه الأخيرة حقها، بل تمنّي النفس بأن تشكل مع من سبقها عتبة وعي صحيح ملؤه الدافعية والتحفز، وعتبة انطلاق إلى مباحث أخرى؛ أرحب، وأوسع، وأشمل، وأغنى، وأعمق في الرؤية، وأعم في الفائدة، بما يضيئ على الحقيقة، ويخدم الرقي الفكري والمعرفي والثقافي، ويحقق الإضافة العلمية.
قصارى القول، أن يقع هذا الكتاب بعين الله سبحانه وتعالى؛ لهو- بلا شك- خيرُ ما نرجوه ونأمله، ومنتهى ما نصبو إليه من أهداف وغايات وأماني ورجاءات. وأن يُوفق- هذا الكتاب- إلى تقديم فائدة جليلة وعظيمة لقارئ يبحث في ميادين الحرب النفسية، بما لها من دور في تفعيل المسارات الموجّهة لبناء الاتجاهات العامة، وبما هي أداة مؤثرة في عمليات إنتاج وإعادة إنتاج الوعي والذاكرة والمخيال، كما إنتاج وإعادة إنتاج مباني الصور المنمّطة والمتبناة من الرأي العام؛ لهو الحسب والرضى. وأن يشغل- هذا الكتاب- مكاناً لائقاً في المكتبة العربية، ويُسيّل كرأسمال رمزي في دنيا العلوم، ويشكل قيمة معرفية تضاف إلى خزانة نهضة الأمة؛ لهو طموح ينشده ويجدّ في طلبه أيّ باحث وكاتب. وأخيراً، أن أسهم – بدوري - في معركة تنشيط الوعي العربي والإسلامي، على نحو ممانع ومقاوم ومتحفز لصناعة غد أفضل، ولصناعة مستقبل قوامه الحرية والرفعة؛ لهو منتهى الرسالية الطامحة لأداء دورها وتكليفها الإلهي، ولهو شرف أعتدّ به وأفخر.
المؤّلف
بحث الفصل الأول بنحو أكاديمي في مسارات التشكل النظري لأطروحة الحرب النفسية وتنضجها، وتطورها على المستوى المفهومي والعلومي؛ وللغاية لم يجد مندوحة من التنقيب الحفري عن الامتدادات التاريخية الغورية لجذور المصطلح واستخداماته، ومن تحرّي كل قواعد الضبط الحاكمة، وفروض العمل والاشتغال التي قنّنتها، ودفعت بها إلى التخلّق والتبلور على النحو الذي تناهت به إلينا، بحيث استقام لها الأمر، وقيّض لها أن تشكل أداة النصر الفاعلة والصالحة في غير موقعة ونزاع وحرب، وفق ما كانت قد تكشّفت عنه المعطيات والوقائع والأحداث.
وبعد التوطئة التاريخية الممهدة، ألحّ هذا الفصل على محاولة إيجاد تعريف جامع مانع، تتوضع بين حدّيه بطاقة هوية الحرب النفسية، بكل ما تتوفر عليه من خصوصية وحساسية وفرادة. إلا أنّ الأمر كان دونه منزلاقات غير محمودة، بسبب من تعدّد المدارس والنظريات والآراء والمقاربات التي عكفت على تأطير المفهوم وتقعيده، بلحاظ ميادين العمل والأساليب والوسائل والأهداف المرجوة. وذلك قبل أن يصار إلى بيان الأهمية والإلحاح الذي كانت عليه هذه الحروب، وإلى ملاحظة أوجه الخطر المتأتي منها، وإلى الوقوف ملياً عند الأدوات والوسائل التي تتخذ منها منصات إطلاق، وعند الأشكال والأنواع والاتجاهات والأهداف التي تتوسلها، كما الأساليب الملتوية التي تتلبّس بها؛ نحو: الدعاية، والشائعة، والضغوط الاقتصادية، والمناورة السياسية، والاغتيالات، والتسميم السياسي، وتشجيع التمرّد، وغسل الدماغ، واستخدام الأقليات والمنظمات، والأعمال العسكرية الرادعة، وحروب المصطلحات، وما إلى ذلك من أساليب. لينتهي المطاف إلى التعرّض للسبل الكفيلة بدرء خطرها، وكيفية مواجهتها، والتصدي لها.
وآثر الفصل الأول أن لا يُبقي جهده في أنساق جامدة، وفي قوالب محنطة، وفي إطار من النظرية المثالية المتعالية البعيدة من الحسية والتجربة؛ فحرص- والحال هذه- على أن يقدم عرضاً موجزاً للمرتكزات التي انبنت وتهيكلت عليها الحرب النفسية الإسرائيلية في مواجهة العرب، كما للمرتكزات التي نهض عليها معمار حرب حزب الله النفسية في مواجهة إسرائيل، مضمناً الأولى الأهداف النفسية للعدوان على لبنان في صيف العام 2006، في حين انطوت الثانية على بعض فصول المواجهات النفسية التي استجلبت لحزب الله نصراً ميموناً، وحققت له فتوحاً كبيرة على غير صعيد.
أمّا الفصل الثاني من الكتاب فكان له شأنٌ آخر، حيث عكف على تقديم قراءة افتراضية لمنظومة المركبات والإستراتيجيات التي تخلقت منها عقيدة حزب الله في إطار حربه النفسية المشروعة والمفتوحة مع إسرائيل؛ نحو ما نقع على تمثلاته وترجماته، في ما يمكن الاصطلاح عليه بإستراتيجية الغموض البناء، وإستراتيجية المفاجآت، وإستراتيجية الردع، وإستراتيجية تثوير الوعي واستنهاضه... مع بيان ما لهذه الإستراتيجات المتبعة من فعالية وسطوة، ومن فضيلة على الإضرار بالذات الإسرائيلية الجمعية، كما بالوعي والمخيال والذاكرة، بنحو تبدّت مفاعيله في انكفائها جميعاً، وفي تقهقرها وتصاغرها وانهزامها.
منهجياً، ألحّ الكتاب في تشفيف مقاصده على توسل منهجية من طبيعة مركبة، تتداخل فيها غير أداة وطريقة، حيث يتساوق ويتحايث التاريخي مع التفكيكي والوصفي والتقابلي المقارن. ذلك أنّ الاقتصار على تفعيل أداة منهجية واحدة دون سواها، من شأنه أن يتأدّى إلى التبسيطية والاختزال في مقاربة الأمر، وأن يكون بالضرورة على حساب جلاء بعض جوانب الأطروحة، وبعض مكونات وروافع المقولة الواحدة، وبالتالي تتعذر الإحاطة بعموم مكونات المشهد، وفق ما تقتضيه الحقيقة العلمية.
ألحّ الكتاب أيضاً على مجانبة الوقوع في السلبية، ومجانبة المجافاة القصدية للحقيقة والموضوعية، فضلاً عن مجانبة أي نزوع للانحراف أو ميل للتحريف، وعكف للغاية على جمع مادته بنحو يرتقي بها إلى مستوى عال من الصدقية والجدية والتوثيق، إذ قلما تقع على صفحة من صفحاته خلت من مراجع مسندة، أو ايضاحات مفسّرة، أو تعليقات، أو تذييلات، أو شروح، كانت من الوفرة بحيث تتجاوز في أحايين كثيرة الخمس أو السبع ملاحظات، وكانت من التنوّع بحيث لا يصار إلى المصادرة والاختزال اللذين يفرضهما الاكتفاء بالنظر إلى زاوية واحدة من زوايا الصورة. كما عكف الكتاب على تحرّي الوقائع والأحداث، والتدقيق في البيانات والتفسيرات والشواهد والمفاهيم والمصطلحات بنحو يتيح للمتلقي الركون إليه، والأخذ به كمعطى علمي، وبنحو يحيل الدراسة إلى وثيقة مرجعية حاكمة من حيث أنها وُفقت إلى وضع معايير أكاديمية وعلمية وبحثية، يصحّ اعتمادها في القراءات والمقاربات والمراجعات والمقارنات والمقايسات والموازنات ذات الصلة بالحروب النفسية.
الجدير بالإلفات والاهتمام، أنّ أحداً لا يدّعي قدرة الكتاب على الإحاطة الشاملة والوافية بكل جوانب الحرب النفسية، بحيث أنه يستنفد الحديث عنها، ويغلّق الأبواب خلفه، فهذا ما لا طاقة لأيّ كتاب به، نظراً لتعقيدات هذا النوع من الحروب، ولكثرة مخاتلاته ومراوغاته وأوجه الحيلة لديه، كما لكثرة تشعباته وتمثلاته، ولتعدّد الميادين والمجالات والمساحات التي تشكل بيئة عمل له وفضاء لاشتغاله. والحال، فالكتاب لا يضع نفسه إلا في سياق المحاولة الجادّة والوازنة التي تتوسّل مثل هذه الإحاطة الشاملة، دون أن تدعيها، ودون أن تقطع مع المباحث ذات الصلة، أو أن تبخّس هذه الأخيرة حقها، بل تمنّي النفس بأن تشكل مع من سبقها عتبة وعي صحيح ملؤه الدافعية والتحفز، وعتبة انطلاق إلى مباحث أخرى؛ أرحب، وأوسع، وأشمل، وأغنى، وأعمق في الرؤية، وأعم في الفائدة، بما يضيئ على الحقيقة، ويخدم الرقي الفكري والمعرفي والثقافي، ويحقق الإضافة العلمية.
قصارى القول، أن يقع هذا الكتاب بعين الله سبحانه وتعالى؛ لهو- بلا شك- خيرُ ما نرجوه ونأمله، ومنتهى ما نصبو إليه من أهداف وغايات وأماني ورجاءات. وأن يُوفق- هذا الكتاب- إلى تقديم فائدة جليلة وعظيمة لقارئ يبحث في ميادين الحرب النفسية، بما لها من دور في تفعيل المسارات الموجّهة لبناء الاتجاهات العامة، وبما هي أداة مؤثرة في عمليات إنتاج وإعادة إنتاج الوعي والذاكرة والمخيال، كما إنتاج وإعادة إنتاج مباني الصور المنمّطة والمتبناة من الرأي العام؛ لهو الحسب والرضى. وأن يشغل- هذا الكتاب- مكاناً لائقاً في المكتبة العربية، ويُسيّل كرأسمال رمزي في دنيا العلوم، ويشكل قيمة معرفية تضاف إلى خزانة نهضة الأمة؛ لهو طموح ينشده ويجدّ في طلبه أيّ باحث وكاتب. وأخيراً، أن أسهم – بدوري - في معركة تنشيط الوعي العربي والإسلامي، على نحو ممانع ومقاوم ومتحفز لصناعة غد أفضل، ولصناعة مستقبل قوامه الحرية والرفعة؛ لهو منتهى الرسالية الطامحة لأداء دورها وتكليفها الإلهي، ولهو شرف أعتدّ به وأفخر.
المؤّلف
صفحة 3
الفصل الأول
الحرب النفسية
لقد تملك الإنسان منذ القدم نزوع إلى التملك، والاستئثار، والاستحواذ، والتسلط، والهيمنة، والسيطرة...، ليس على ما هو مادي وحسي وعيني فحسب، بل على وعي وعقل وأفكار وإرادات ومعنويات الآخرين. كما دأب على تسخيرها واستغلالها وفق مشيئته ورغبته ومصلحته. وكان قد توسّل في سبيل هذه الغاية استعمال واستخدام طرائق وأساليب ووسائل متعدّدة ومتنوّعة(1). تكفي العودة الحفرية التاريخية كي تتأكد صحة هذا المذهب، وكي نقع على كثير من الوقائع والشواهد الدالة والمعبّرة. ما يعني أنّ تجريد العدو والخصم من الروح المعنوية، وتحطيم إرادة القتال والممانعة لديه؛ هو قديم قدم نشوء النزاعات. ويعني- بالتالي- أنّ الحرب النفسية هي حقيقة قديمة، قائمة وماثلة منذ أن كان الصراع البشري قائماً وماثلاً(2)، إلا أنّها كمصطلح لم تتخلق وتتبلوّر على النحو الذي تناهى إلينا، ولم تحدّد قواعد ضبطها وفروض عملها واشتغالها، إلا خلال فترة الحروب الكونية، حيث قيّض لهذا الأخيرة في الحرب العالمية الثانية(3) أن تشكل أداة النصر الفاعلة والصالحة، وأن تحدث فتوحاً كبيرة على غير صعيد.
والحال هذه، عكفت الأمم والشعوب الخارجة لتوها من آتون هذه الحرب العظمى والمدمرة ـ تحسساً منها لخطورة وفعالية هذه الأداة الجديدة للحرب ـ على تلقف هذا المصطلح، والأخذ بهذا المفهوم، كما على تفعيله، وتطويره، وتعزيزه، ليصار إلى إدخاله كمركب وكمكون أصيل وفاعل، من مركبات ومكونات عقائدها ومنظوماتها الحربية(4). لقد أدرجت العمليات النفسية ـ بالتوازي ـ إلى جانب القوات البرية والبحرية والجوية؛ لتشكل مجتمعة «قوى الدولة الشاملة»(5) وفقاً لتعبير وايز كلاين. بحيث أصبح من غير السوي التخطيط لحرب، والانخراط فيها، دونما تفعيل للعمليات النفسية، ودونما تطوير لاستخداماتها على نحو يتأدّى إلى حسم المعركة سريعاً، كما إلى الوصول إلى النصر النهائي بالأقل من الخسائر والأكلاف البشرية والمادية.
وبعد تجاوز قطوع التمأسس في الحرب العالمية الثانية، تابعت الحرب النفسية سيرورة اكتمالها وتمدّدها وانفلاشها إلى ميادين وصعد مختلفة، فاكتسبت في ظل الحرب الباردة أهمية خارج أطر الصراعات العسكرية المباشرة(6)؛ مورست فيها كلّ أشكال وتمظهرات الدعاية، والتضليل، والمخاتلة، والتهديد، والوعيد، والمراوغة، وتزييف الوعي، والكذب، والافتراء، والشائعات... بوسائل وطرائق شتى(7). ما جعلها من أخطر أنواع الحروب الموجّهة ضد الكائن البشري، بوصفها تستهدف عقله وتفكيره ووعيه وقلبه وذاكرته ومخياله، وتنال من عزيمته وإصراره، وتحطم روحه المعنوية، وتقضي على إرادة المواجهة لديه، وتقوده استطراداً نحو الاستلاب والارتهان والهزيمة والاستسلام. كما لم ترضَ الحرب النفسية- إكتفاء- بإعمال التأثير في السلوك الاجتماعي للفرد أو للجماعة فحسب، وهذا ما منحها قيمة مضافة؛ بل وسّعت مدار اشتغالاتها واستهدافاتها لخوض غمار معارك كسب الرأي العام العالمي أيضاً، وذلك وفق قاعدة سيكولوجية مكمّلة للعمل العسكري والاقتصادي والسياسي، يصار إلى ترجمتها بأساليب دعائية نفسية ترمي إلى التأثير في سلوك الدول، وإحداث تغييرات وتحوّلات في مواقفها وتصوراتها وإيديولوجيتها.
وهكذا قدّر للحرب النفسية- مفهوماً وثقافة وممارسة– أن تلج إلى فضاءات ومدارات كل الأمم والكيانات والمجتمعات والدول، وإنْ كان ذلك بنحو نسبي وحادّ. ثم كان للتقدّم الكبير الذي صير إليه في دنيا العلوم على اختلافها، ولاسيما منها النفسية، والاجتماعية، والسياسية...، وسواها من العلوم التي توفر معرفة بالسلوك الإنساني، كما كان للتطور الهائل الحاصل في تكنولوجيا المعلومات، وفي وسائط الإعلام والاتصال(8)؛ إسهام كبير في تعظيم شأن الحرب النفسية(9)، وتضخيم دورها، وتوسيع هوامش ومساحات حركتها واهتماماتها واشتغالاتها، على نحو أصبح من العسير على أية جهة توفير القدرة الحمائية لنفسها(10)، أو تحقيق الردع والحصانة والمناعة الداخلية من ناحية، وخوض غمار النزاعات والحروب والمناكفات السياسية، دونما الاستعانة والاستنجاد بها(11).
وإذا كان أفلاطون قد أشار قديماً إلى عظمة الروح المعنوية في موضوعة الحرب، حيث يقول «إنّ أسوار المدينة لا تبنيها الحجارة». وكان نابليون بونابرت، قد أشار بدوره إلى قوة الكلمة وأثرها وفعاليتها في إدخال الرعب والخوف والتوتر والهلع إلى نفوس وقلوب المقاتلين والمحاربين، حيث يقول: « إنني أرهب صرير القلم أكثر من دوي المدافع»؛ فإنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق مناحيم بيغن، يصف حديثاً كيف تحوّلت هذه الأداة- أي الحرب النفسية- إلى ركن ركين فاعل في منظومات الحروب المعاصرة، من حيث أنها أعطيت مجد كسب المعارك، وتحقيق الإنتصارات، وصناعة الإنجازات، وإحداث الفتوح السياسية والعسكرية «يجب أن نعمل» يقول بيغن «ولنعمل بسرعة فائقة قبل أن يستفيق العرب من سباتهم، فيطلعوا على وسائلنا الدعائية. فإذا استفاقوا، ووقعت بأيديهم تلك الوسائل، وعرفوا دعامتها وأسسها، فعندئذ سوف لا تفيدنا مساعدات أميركا، وتأييد بريطانيا، وصداقة ألمانيا. عندها سنقف أمام العرب وجهاً لوجه مجردين من أفضل أسلحتنا».
هذا قبل أن تتفتق الحرب النفسية عن آخر إبداعاتها وصرعاتها وكشوفها في الحروب الحديثة؛ حرب الخليج الثانية(12)، وغزو أفغانستان(13)، وحرب الخليج الثالثة(14)، وحرب لبنان في صيف العام 2006 (15)، وما سمّي بالحرب المفتوحة على الإرهاب.
في المحصلة، بالمقدور القول إنّ الأمر استتب للحرب النفسية، فاستقام عودها بنحو أصبح معه الكائن البشري في هذا العصر يتنفس المؤثرات النفسية والدعائية والإعلانية، كما يتنفس الهواء. ويغتذي من نتاجها ويقتات، كما يقتات من سائر صنوف الأغذية والأطعمة، وذلك بعد أن فرضت ذاتها حاجة ضرورية من حاجاته الحيوية الملحة. لكنّ المفارقة أنه في تنفسه للهواء يأخذ ما ينفعه ويمدّه بأسباب الحياة (الأوكسجين)، ويلفظ في قبالة ذلك ما يضرّه، وما يسئ إليه ويفسد عيشه (ثاني أوكسيد الكربون). أما في تنفّسه للعمليات النفسية على اختلاف تمظهراتها وتمثلاتها، فهو غالباً غير قادر على الانتقاء والتخيّر والفرز والتمييز. بل هو عرضة للتوعك النفسي وللإصابة بالعلة التي قد تقتل فيه الروح والإرادة والإيجابية والاندفاع والقوّة الرمزية والمعنوية. والحال، لكي ندرك طبيعة هذا النوع من الحروب، ونتحسّس مخاطره، ونقف على تخلقاته والآعيبه ومراوغاته، علينا أن نعي تمام الوعي ماهية الحرب النفسية، ونفقه أهميتها، ونتعرّف على أساليبها، وأشكالها، وأهدافها، وسبل مواجهتها، وعناصرها المكوّنة، ومبادئها، واتجاهاتها.
الحرب النفسية
لقد تملك الإنسان منذ القدم نزوع إلى التملك، والاستئثار، والاستحواذ، والتسلط، والهيمنة، والسيطرة...، ليس على ما هو مادي وحسي وعيني فحسب، بل على وعي وعقل وأفكار وإرادات ومعنويات الآخرين. كما دأب على تسخيرها واستغلالها وفق مشيئته ورغبته ومصلحته. وكان قد توسّل في سبيل هذه الغاية استعمال واستخدام طرائق وأساليب ووسائل متعدّدة ومتنوّعة(1). تكفي العودة الحفرية التاريخية كي تتأكد صحة هذا المذهب، وكي نقع على كثير من الوقائع والشواهد الدالة والمعبّرة. ما يعني أنّ تجريد العدو والخصم من الروح المعنوية، وتحطيم إرادة القتال والممانعة لديه؛ هو قديم قدم نشوء النزاعات. ويعني- بالتالي- أنّ الحرب النفسية هي حقيقة قديمة، قائمة وماثلة منذ أن كان الصراع البشري قائماً وماثلاً(2)، إلا أنّها كمصطلح لم تتخلق وتتبلوّر على النحو الذي تناهى إلينا، ولم تحدّد قواعد ضبطها وفروض عملها واشتغالها، إلا خلال فترة الحروب الكونية، حيث قيّض لهذا الأخيرة في الحرب العالمية الثانية(3) أن تشكل أداة النصر الفاعلة والصالحة، وأن تحدث فتوحاً كبيرة على غير صعيد.
والحال هذه، عكفت الأمم والشعوب الخارجة لتوها من آتون هذه الحرب العظمى والمدمرة ـ تحسساً منها لخطورة وفعالية هذه الأداة الجديدة للحرب ـ على تلقف هذا المصطلح، والأخذ بهذا المفهوم، كما على تفعيله، وتطويره، وتعزيزه، ليصار إلى إدخاله كمركب وكمكون أصيل وفاعل، من مركبات ومكونات عقائدها ومنظوماتها الحربية(4). لقد أدرجت العمليات النفسية ـ بالتوازي ـ إلى جانب القوات البرية والبحرية والجوية؛ لتشكل مجتمعة «قوى الدولة الشاملة»(5) وفقاً لتعبير وايز كلاين. بحيث أصبح من غير السوي التخطيط لحرب، والانخراط فيها، دونما تفعيل للعمليات النفسية، ودونما تطوير لاستخداماتها على نحو يتأدّى إلى حسم المعركة سريعاً، كما إلى الوصول إلى النصر النهائي بالأقل من الخسائر والأكلاف البشرية والمادية.
وبعد تجاوز قطوع التمأسس في الحرب العالمية الثانية، تابعت الحرب النفسية سيرورة اكتمالها وتمدّدها وانفلاشها إلى ميادين وصعد مختلفة، فاكتسبت في ظل الحرب الباردة أهمية خارج أطر الصراعات العسكرية المباشرة(6)؛ مورست فيها كلّ أشكال وتمظهرات الدعاية، والتضليل، والمخاتلة، والتهديد، والوعيد، والمراوغة، وتزييف الوعي، والكذب، والافتراء، والشائعات... بوسائل وطرائق شتى(7). ما جعلها من أخطر أنواع الحروب الموجّهة ضد الكائن البشري، بوصفها تستهدف عقله وتفكيره ووعيه وقلبه وذاكرته ومخياله، وتنال من عزيمته وإصراره، وتحطم روحه المعنوية، وتقضي على إرادة المواجهة لديه، وتقوده استطراداً نحو الاستلاب والارتهان والهزيمة والاستسلام. كما لم ترضَ الحرب النفسية- إكتفاء- بإعمال التأثير في السلوك الاجتماعي للفرد أو للجماعة فحسب، وهذا ما منحها قيمة مضافة؛ بل وسّعت مدار اشتغالاتها واستهدافاتها لخوض غمار معارك كسب الرأي العام العالمي أيضاً، وذلك وفق قاعدة سيكولوجية مكمّلة للعمل العسكري والاقتصادي والسياسي، يصار إلى ترجمتها بأساليب دعائية نفسية ترمي إلى التأثير في سلوك الدول، وإحداث تغييرات وتحوّلات في مواقفها وتصوراتها وإيديولوجيتها.
وهكذا قدّر للحرب النفسية- مفهوماً وثقافة وممارسة– أن تلج إلى فضاءات ومدارات كل الأمم والكيانات والمجتمعات والدول، وإنْ كان ذلك بنحو نسبي وحادّ. ثم كان للتقدّم الكبير الذي صير إليه في دنيا العلوم على اختلافها، ولاسيما منها النفسية، والاجتماعية، والسياسية...، وسواها من العلوم التي توفر معرفة بالسلوك الإنساني، كما كان للتطور الهائل الحاصل في تكنولوجيا المعلومات، وفي وسائط الإعلام والاتصال(8)؛ إسهام كبير في تعظيم شأن الحرب النفسية(9)، وتضخيم دورها، وتوسيع هوامش ومساحات حركتها واهتماماتها واشتغالاتها، على نحو أصبح من العسير على أية جهة توفير القدرة الحمائية لنفسها(10)، أو تحقيق الردع والحصانة والمناعة الداخلية من ناحية، وخوض غمار النزاعات والحروب والمناكفات السياسية، دونما الاستعانة والاستنجاد بها(11).
وإذا كان أفلاطون قد أشار قديماً إلى عظمة الروح المعنوية في موضوعة الحرب، حيث يقول «إنّ أسوار المدينة لا تبنيها الحجارة». وكان نابليون بونابرت، قد أشار بدوره إلى قوة الكلمة وأثرها وفعاليتها في إدخال الرعب والخوف والتوتر والهلع إلى نفوس وقلوب المقاتلين والمحاربين، حيث يقول: « إنني أرهب صرير القلم أكثر من دوي المدافع»؛ فإنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق مناحيم بيغن، يصف حديثاً كيف تحوّلت هذه الأداة- أي الحرب النفسية- إلى ركن ركين فاعل في منظومات الحروب المعاصرة، من حيث أنها أعطيت مجد كسب المعارك، وتحقيق الإنتصارات، وصناعة الإنجازات، وإحداث الفتوح السياسية والعسكرية «يجب أن نعمل» يقول بيغن «ولنعمل بسرعة فائقة قبل أن يستفيق العرب من سباتهم، فيطلعوا على وسائلنا الدعائية. فإذا استفاقوا، ووقعت بأيديهم تلك الوسائل، وعرفوا دعامتها وأسسها، فعندئذ سوف لا تفيدنا مساعدات أميركا، وتأييد بريطانيا، وصداقة ألمانيا. عندها سنقف أمام العرب وجهاً لوجه مجردين من أفضل أسلحتنا».
هذا قبل أن تتفتق الحرب النفسية عن آخر إبداعاتها وصرعاتها وكشوفها في الحروب الحديثة؛ حرب الخليج الثانية(12)، وغزو أفغانستان(13)، وحرب الخليج الثالثة(14)، وحرب لبنان في صيف العام 2006 (15)، وما سمّي بالحرب المفتوحة على الإرهاب.
في المحصلة، بالمقدور القول إنّ الأمر استتب للحرب النفسية، فاستقام عودها بنحو أصبح معه الكائن البشري في هذا العصر يتنفس المؤثرات النفسية والدعائية والإعلانية، كما يتنفس الهواء. ويغتذي من نتاجها ويقتات، كما يقتات من سائر صنوف الأغذية والأطعمة، وذلك بعد أن فرضت ذاتها حاجة ضرورية من حاجاته الحيوية الملحة. لكنّ المفارقة أنه في تنفسه للهواء يأخذ ما ينفعه ويمدّه بأسباب الحياة (الأوكسجين)، ويلفظ في قبالة ذلك ما يضرّه، وما يسئ إليه ويفسد عيشه (ثاني أوكسيد الكربون). أما في تنفّسه للعمليات النفسية على اختلاف تمظهراتها وتمثلاتها، فهو غالباً غير قادر على الانتقاء والتخيّر والفرز والتمييز. بل هو عرضة للتوعك النفسي وللإصابة بالعلة التي قد تقتل فيه الروح والإرادة والإيجابية والاندفاع والقوّة الرمزية والمعنوية. والحال، لكي ندرك طبيعة هذا النوع من الحروب، ونتحسّس مخاطره، ونقف على تخلقاته والآعيبه ومراوغاته، علينا أن نعي تمام الوعي ماهية الحرب النفسية، ونفقه أهميتها، ونتعرّف على أساليبها، وأشكالها، وأهدافها، وسبل مواجهتها، وعناصرها المكوّنة، ومبادئها، واتجاهاتها.
صفحة 4
فما هي هذه الحرب النفسية؟
تعريفها
إنّ تعريف الحرب النفسية (Psychological Warfare)، ومقاربتها مقاربة جادّة ووازنة، هو أمر شائك، بالغ الصعوبة والتعقيد، حيث بالمقدور أن نقع على تمثل ذلك وترجماته في انعدام تبلور فهم جامع مانع لها، يمكن الاستناد إليه، والاتكاء عليه، لبناء تصوّر علمي حولها، لا تعوزه الإحاطة، ولا تنقصه الحجج. والحال هذه، تعدّدت الآراء، وتنوعت المقاربات، وتباينت وتفاوتت الأفهام، واختلفت زوايا النظر: فثمّة من رأى إليها «الحرب التي يستخدمون فيها الدعاية من أجل التأثير على أشخاص بين أوساط العدو». وأراد بالتأثير هنا تقويض ثقة هؤلاء الأشخاص– المستهدفين بالنصر(16). وثمّة من اعتبرها «عمليات تستخدم فيها وسائل الإقناع على نحو غير عنفي، لتحقيق أهداف الحرب العسكرية». ما يجعلها مجرد أداة إضافية لتحقيق مقاصد الحرب وأهدافها. وثمّة من استخدمها كمصطلح لوصف «العمليات الدعائية» التي تهدف إلى تحقيق الغايات المطلوبة عسكرياً في زمن الحرب. وثمّة من وجد فيها «عملية منظمة شاملة، يستخدم فيها من الأدوات والوسائل ما يؤثر على عقول ونفوس واتجاهات الخصم»، بهدف كيّ وعيه(17)، وتحطيم إرادته وإخضاعه، أو بهدف تغيير هذه الإرادة وإبدالها بأخرى، بما يؤدّي في نهاية المطاف إلى سلوكيات تتفق مع أهداف ومصالح منظم العملية.
وثمّة ـ أخيراً وليس آخراً ـ من قال فيها أنّها نوع من النشاط النفسي الحربي يمارسه كلّ طرف من الأطراف ضد عدوه لتحقيق أجندة أهدافه وسياساته، ما يجعلها مكوّناً أصيلاً من مكوّنات الحرب الشاملة، وعاملاً من عوامل الإخفاق أو النجاح فيها، من حيث أنّها تمارس قبل الحرب، وفي أثنائها، وتستمرّ معها بلا توقف، وقد لا تنتهي بانتهائها(18). وهي تستخدم في سبيل ذلك الدعاية وسواها من العمليات النفسية، بالتساوق والتزامن مع التدابير والإجراءات العسكرية والاقتصادية والسياسية الهادفة إلى إخضاع العدو، وتثبيط معنوياته، وشلّ إرادة القتال والمقاومة لديه، ودفعه إلى التسليم والاستسلام.
وقد حاول بول لينبارجر في كتابه القيّم «الحرب النفسية»(19)، الأخذ بكلّ هذه الإلماعات المفاهيمية، وتدوير زوايا النظر المختلفة، والإضاءة على مجمل مساحات اشتغال الحرب النفسية؛ حيث حدّد هذا النوع من الحروب بأنّه «استخدام الدعاية ضد العدو مع إجراءات عملية أخرى ذات طبيعة عسكرية أو اقتصادية أو سياسية»(20)، أو سوى ذلك من إجراءات ترى إليها الدعاية شرطاً لازماً وعضوياً لتحققها. كما إنّه– وهذا ما يزيد من فعاليته وتأثيره وسطوته، ويمنحه قيمة علمية مضافة– تطبيق «لبعض أجزاء علم النفس لمعاونة المجهودات» التي تبذل في المجالات المختلفة. وقد أراد لينبارجر من الدعاية- كي لا يبقى التحديد على عواهنه- ذلك الاستخدام الفاعل والمخطط «لأي شكل من أشكال الإعلام بقصد التأثير على عقول، أو عواطف مجموعة معادية، أو محايدة، أو صديقة»، لغرض تحقيق هدف إستراتيجي أو تكتيكي معين(21).
وعلى خطى لينبارجر مشى حامد ربيع، فوجد الحرب النفسية نوعاً «من القتال لا يتجه إلا إلى العدو». وهي بذلك على خلاف الدعاية التي تتعدّد فيها الوجهات. كما وجدها فناً حربياً «لا يسعى إلا إلى القضاء على إيمان المستقبِل بذاته، وبثقته بنفسه». وهي بذلك تتوسّل، لا الإقناع والاقتناع، وإنّما تحطيم الإرادة الفردية والجماعية.
وأدلى العالم الأميركي شفارتز بدلوه في مقاربة موضوعة الحرب النفسية، فأشار في مطالعة قيّمة إلى أنّها: «استخدام الصنوف المختلفة للحجج الحقيقية والمزورة»، التي من شأنها أن تتأدّى إلى إضعاف وتحطيم وقتل الروح المعنوية لجمهور العدو وجيشه، كما تخريب وتشويه سمعة قياداته، ونزع الثقة بإمكاناتهم وقدراتهم، والإضرار بمصالحهم. ما يعني في نهاية المطاف «الضغط والتأثير على الرأي الاجتماعي عامة، وآراء الناس المستقلين خاصة، لتحقيق هذه الأهداف أو تلك».
والحرب النفسية من منظور الرؤية الأكاديمية المتخصصة؛ هي «الاستخدام المدبر لفعاليات معينة معدّة للتأثير على آراء وسلوك مجموعة من البشر بهدف تغيير نهج تفكيرهم». وهي تتوسّل- في ما تتقصّده بمعناها الشامل والواسع- مفاهيم علم النفس واصطلاحاته، كما استعمال أدواته وميادينه لغرض تحقيق الهدف المنشود بأساليب الدعاية، والشائعة، والمقاطعة الاقتصادية، والمناورة السياسية... وتعدّ بحق أقل الأسلحة وأبخسها كلفة إذا ما أجيد توظيفها وتثميرها، مع لحاظ أنّ استعمالها واستخدامها لا يقتصر على أوقات النزاعات والحروب فحسب(22)، بوصفها عملية دائمة ومستمرة. فضلاً عن أنّ تلمّس نتائجها غير متاح وغير ممكن، إلا بعد مرور مساحة زمنية فارقة- قد تحسب بالأشهر أو ربما بالسنين- على انطلاقتها(23).
أمّا الحرب النفسية من وجهة نظر خبراء الإعلام والدعاية؛ فإنّها «استخدام مخطط من جانب دولة، أو من جانب مجموعة من الدول، للدعاية وغيرها من الإجراءات الإعلامية الموجّهة، إلى جماعات عدائية أو محايدة أو صديقة، للتأثير على آرائها وعواطفها ومواقفها وسلوكها». ما يجعلها ـ وفق هذه الرؤية - أداة صالحة، هادفة وفاعلة، لتحقيق مآرب وسياسات ونوايا وأهداف الجهة، أو الدولة، أو الجهات والدول الراعية لها، والمطلقة لشراراتها.
قصارى القول: إنّ الحرب النفسية هي حرب ذات أبعاد وحمولات ودلالات وأغراض متعدّدة؛ هي حرب ناعمة(24) قوامها برمجة الوعي، وهي حرب أفكار تستبطن الاستحواذ على العقول والألباب، كما تستبطن استلاب الإرادات والعزائم والذاكرة والمخيال(25). وهي حرب إيديولوجية ـ عقائدية ـ فكرية. وهي حرب المساس بالمرجعيات والبداهات والقيم الحاكمة. وهي أيضاً حرب باردة، وحرب الدعاية والإعلان، وحرب أعصاب، وحرب سياسة، وحرب الكلمات والشائعات. وهي حرب بناء الاتجاهات، وصناعة المواقف، وتكوين التصورات، وتغيير السلوك... وهي أخيراً حرب إخراج الإنسان من ذاتيته، ومن نفسه، ومن عفويته، ومن قيمه؛ ليكون صنيعة أخرى: هجينة ومشوّهة.
أهمية الحرب النفسية
تحظى الحرب النفسية- لدى الجيوش والقادة والحكومات من المستوى السياسي– بأهمية بالغة(26)، وبقدر من الاهتمام والعناية والرعاية، حيث توظف في سبيلها كلّ الإمكانات والمقدرات والموارد، بوصفها أخطر أسلحة الحرب فتكاً(27)، وأشدّها تأثيراً، وأكثرها إضراراً، وأمضاها، وأضمنها، وأقلها كلفة؛ تثير الفتن والقلاقل والصراعات في جبهة العدو الداخلية. تشقّ وحدة الصفوف لدى الخصوم والأعداء، وتشتت شملهم. تستهدف تمزيق وتحطيم وقتل الروح المعنوية، كما كسر إرادة الصمود، ودفع العدو إلى الاستسلام، بعد أن تكبح وعيه واندفاعته، وتعمل على تعريته من قواه الرمزية الفاعلة، وتجعله لاإرادياً يتقهقر مخلفاً وراءه الخسائر الجسيمة (28).
والحال هذه، تنبّه الخبراء والباحثون وذوو الاختصاص والمعرفة في شؤون الحرب وشجونها إلى خطورة الحرب النفسية، وتسالموا على أنّها أقوى أسلحة الصراع قدرة على إلحاق الهزيمة بالأعداء، كما أشدّها أثراً في جلب وتحقيق النصر بسرعة، وبأقلّ الخسائر والأكلاف(29): فإذا كان تفعيل الآلة العسكرية من شأنه أن يتأدّى إلى تدمير مادي للقوات، وللعتاد، وللبنى التحتية... وإذا كانت الحروب الاقتصادية تسفر عن حرمان العدو من المواد الأولية والحيوية، وتعطل أو تبطئ دورة وعجلة الحياة لديه، وتفضي بالتالي إلى شلل وعقم يدبّ في أوصاله ومَقاتله؛ فإنّ بمقدور الحرب النفسية ما هو أخطر وأدهى: إنّها وفق ما يقول بول لينبارجر«تحدث شرخاً عميقاً في خصال الشخصية، ومظاهر السلوك، وفي طبيعة الأداء، والآراء، والمعتقدات، والقيم المعنوية والروحية للفرد». وتتوسّل في سبيل ذلك أساليب خبيثة تصيب الإنسان في إنسانيته، وفي روحه، ومعنوياته، وإرادته، ووعيه، وعقله، وقلبه، وتفكيره، وعواطفه...، وتمنحه شعوراً قاتلاً بالدونية والتصاغر والعجز والإحباط والخيبة(30). ما يقلل من قابلياته على التحسّس بمسؤولياته الوطنية والأخلاقية، ويقعده عن الحراك، وعن القيام بما يتوجب عليه، ويقوده ـ في نهاية المطاف ـ إلى الهزيمة الكلية، وإلى أبشع أنواع الاستسلام والخضوع والخنوع والاستعباد والإذلال.
وإذا شئنا الاستدلال على خطورة الحرب النفسية، وعلى مبلغ فعاليتها وتأثيرها وسطوتها؛ فلنا في أقوال بعض قادتها وقادة الحروب الكونية شواهد وبراهين قاطعة:
قال ونستون تشرشل(31) في معرض توصيفه لخطورة الحرب النفسية: «كثيراً ما غيّرت الحرب النفسية وجه التاريخ».
وقال جوزف ستالين(32) عن الدعاية، بوصفها ركناً ركيناً من أركان الحرب النفسية: «إنّ للدعاية الأهمية القصوى في الانتصار النهائي» في الحروب. وكان أدولف هتلر، قد قارب الأمر من زاوية أخرى، حين أشار إلى «أنّ الرأي العام يعتمد على معرفة بالأشخاص؛ فالشخص يستسلم للدعاية دون أن يشعر».
وفي سياق متصل، اعتبر القائد الميداني الألماني أروين روميل(33) أنّ: «القائد الناجح، هو الذي يسيطر على عقول أعدائه قبل أبدانهم». أما أدميرال البحرية الأميركية جيمس بلدوين؛ فأشار إلى دهاء الحرب النفسية بقوله: «إنّنا غالباً ما نعرف أنّ الحرب تكون باستخدام الوسائط العسكرية(...) لكن هنالك وسائط تبدو أكثر مكراً، هي الحرب النفسية التي تستخدم الصور والأفكار والشعارات والدعايات والتقنيات الإعلامية...» .
أساليب الحرب النفسية
تتوسّل الحرب النفسية لتحقيق مآربها ومقاصدها وأغراضها، أساليب وصيغاً مختلفة ومتنوعة؛ أبرزها:
تعريفها
إنّ تعريف الحرب النفسية (Psychological Warfare)، ومقاربتها مقاربة جادّة ووازنة، هو أمر شائك، بالغ الصعوبة والتعقيد، حيث بالمقدور أن نقع على تمثل ذلك وترجماته في انعدام تبلور فهم جامع مانع لها، يمكن الاستناد إليه، والاتكاء عليه، لبناء تصوّر علمي حولها، لا تعوزه الإحاطة، ولا تنقصه الحجج. والحال هذه، تعدّدت الآراء، وتنوعت المقاربات، وتباينت وتفاوتت الأفهام، واختلفت زوايا النظر: فثمّة من رأى إليها «الحرب التي يستخدمون فيها الدعاية من أجل التأثير على أشخاص بين أوساط العدو». وأراد بالتأثير هنا تقويض ثقة هؤلاء الأشخاص– المستهدفين بالنصر(16). وثمّة من اعتبرها «عمليات تستخدم فيها وسائل الإقناع على نحو غير عنفي، لتحقيق أهداف الحرب العسكرية». ما يجعلها مجرد أداة إضافية لتحقيق مقاصد الحرب وأهدافها. وثمّة من استخدمها كمصطلح لوصف «العمليات الدعائية» التي تهدف إلى تحقيق الغايات المطلوبة عسكرياً في زمن الحرب. وثمّة من وجد فيها «عملية منظمة شاملة، يستخدم فيها من الأدوات والوسائل ما يؤثر على عقول ونفوس واتجاهات الخصم»، بهدف كيّ وعيه(17)، وتحطيم إرادته وإخضاعه، أو بهدف تغيير هذه الإرادة وإبدالها بأخرى، بما يؤدّي في نهاية المطاف إلى سلوكيات تتفق مع أهداف ومصالح منظم العملية.
وثمّة ـ أخيراً وليس آخراً ـ من قال فيها أنّها نوع من النشاط النفسي الحربي يمارسه كلّ طرف من الأطراف ضد عدوه لتحقيق أجندة أهدافه وسياساته، ما يجعلها مكوّناً أصيلاً من مكوّنات الحرب الشاملة، وعاملاً من عوامل الإخفاق أو النجاح فيها، من حيث أنّها تمارس قبل الحرب، وفي أثنائها، وتستمرّ معها بلا توقف، وقد لا تنتهي بانتهائها(18). وهي تستخدم في سبيل ذلك الدعاية وسواها من العمليات النفسية، بالتساوق والتزامن مع التدابير والإجراءات العسكرية والاقتصادية والسياسية الهادفة إلى إخضاع العدو، وتثبيط معنوياته، وشلّ إرادة القتال والمقاومة لديه، ودفعه إلى التسليم والاستسلام.
وقد حاول بول لينبارجر في كتابه القيّم «الحرب النفسية»(19)، الأخذ بكلّ هذه الإلماعات المفاهيمية، وتدوير زوايا النظر المختلفة، والإضاءة على مجمل مساحات اشتغال الحرب النفسية؛ حيث حدّد هذا النوع من الحروب بأنّه «استخدام الدعاية ضد العدو مع إجراءات عملية أخرى ذات طبيعة عسكرية أو اقتصادية أو سياسية»(20)، أو سوى ذلك من إجراءات ترى إليها الدعاية شرطاً لازماً وعضوياً لتحققها. كما إنّه– وهذا ما يزيد من فعاليته وتأثيره وسطوته، ويمنحه قيمة علمية مضافة– تطبيق «لبعض أجزاء علم النفس لمعاونة المجهودات» التي تبذل في المجالات المختلفة. وقد أراد لينبارجر من الدعاية- كي لا يبقى التحديد على عواهنه- ذلك الاستخدام الفاعل والمخطط «لأي شكل من أشكال الإعلام بقصد التأثير على عقول، أو عواطف مجموعة معادية، أو محايدة، أو صديقة»، لغرض تحقيق هدف إستراتيجي أو تكتيكي معين(21).
وعلى خطى لينبارجر مشى حامد ربيع، فوجد الحرب النفسية نوعاً «من القتال لا يتجه إلا إلى العدو». وهي بذلك على خلاف الدعاية التي تتعدّد فيها الوجهات. كما وجدها فناً حربياً «لا يسعى إلا إلى القضاء على إيمان المستقبِل بذاته، وبثقته بنفسه». وهي بذلك تتوسّل، لا الإقناع والاقتناع، وإنّما تحطيم الإرادة الفردية والجماعية.
وأدلى العالم الأميركي شفارتز بدلوه في مقاربة موضوعة الحرب النفسية، فأشار في مطالعة قيّمة إلى أنّها: «استخدام الصنوف المختلفة للحجج الحقيقية والمزورة»، التي من شأنها أن تتأدّى إلى إضعاف وتحطيم وقتل الروح المعنوية لجمهور العدو وجيشه، كما تخريب وتشويه سمعة قياداته، ونزع الثقة بإمكاناتهم وقدراتهم، والإضرار بمصالحهم. ما يعني في نهاية المطاف «الضغط والتأثير على الرأي الاجتماعي عامة، وآراء الناس المستقلين خاصة، لتحقيق هذه الأهداف أو تلك».
والحرب النفسية من منظور الرؤية الأكاديمية المتخصصة؛ هي «الاستخدام المدبر لفعاليات معينة معدّة للتأثير على آراء وسلوك مجموعة من البشر بهدف تغيير نهج تفكيرهم». وهي تتوسّل- في ما تتقصّده بمعناها الشامل والواسع- مفاهيم علم النفس واصطلاحاته، كما استعمال أدواته وميادينه لغرض تحقيق الهدف المنشود بأساليب الدعاية، والشائعة، والمقاطعة الاقتصادية، والمناورة السياسية... وتعدّ بحق أقل الأسلحة وأبخسها كلفة إذا ما أجيد توظيفها وتثميرها، مع لحاظ أنّ استعمالها واستخدامها لا يقتصر على أوقات النزاعات والحروب فحسب(22)، بوصفها عملية دائمة ومستمرة. فضلاً عن أنّ تلمّس نتائجها غير متاح وغير ممكن، إلا بعد مرور مساحة زمنية فارقة- قد تحسب بالأشهر أو ربما بالسنين- على انطلاقتها(23).
أمّا الحرب النفسية من وجهة نظر خبراء الإعلام والدعاية؛ فإنّها «استخدام مخطط من جانب دولة، أو من جانب مجموعة من الدول، للدعاية وغيرها من الإجراءات الإعلامية الموجّهة، إلى جماعات عدائية أو محايدة أو صديقة، للتأثير على آرائها وعواطفها ومواقفها وسلوكها». ما يجعلها ـ وفق هذه الرؤية - أداة صالحة، هادفة وفاعلة، لتحقيق مآرب وسياسات ونوايا وأهداف الجهة، أو الدولة، أو الجهات والدول الراعية لها، والمطلقة لشراراتها.
قصارى القول: إنّ الحرب النفسية هي حرب ذات أبعاد وحمولات ودلالات وأغراض متعدّدة؛ هي حرب ناعمة(24) قوامها برمجة الوعي، وهي حرب أفكار تستبطن الاستحواذ على العقول والألباب، كما تستبطن استلاب الإرادات والعزائم والذاكرة والمخيال(25). وهي حرب إيديولوجية ـ عقائدية ـ فكرية. وهي حرب المساس بالمرجعيات والبداهات والقيم الحاكمة. وهي أيضاً حرب باردة، وحرب الدعاية والإعلان، وحرب أعصاب، وحرب سياسة، وحرب الكلمات والشائعات. وهي حرب بناء الاتجاهات، وصناعة المواقف، وتكوين التصورات، وتغيير السلوك... وهي أخيراً حرب إخراج الإنسان من ذاتيته، ومن نفسه، ومن عفويته، ومن قيمه؛ ليكون صنيعة أخرى: هجينة ومشوّهة.
أهمية الحرب النفسية
تحظى الحرب النفسية- لدى الجيوش والقادة والحكومات من المستوى السياسي– بأهمية بالغة(26)، وبقدر من الاهتمام والعناية والرعاية، حيث توظف في سبيلها كلّ الإمكانات والمقدرات والموارد، بوصفها أخطر أسلحة الحرب فتكاً(27)، وأشدّها تأثيراً، وأكثرها إضراراً، وأمضاها، وأضمنها، وأقلها كلفة؛ تثير الفتن والقلاقل والصراعات في جبهة العدو الداخلية. تشقّ وحدة الصفوف لدى الخصوم والأعداء، وتشتت شملهم. تستهدف تمزيق وتحطيم وقتل الروح المعنوية، كما كسر إرادة الصمود، ودفع العدو إلى الاستسلام، بعد أن تكبح وعيه واندفاعته، وتعمل على تعريته من قواه الرمزية الفاعلة، وتجعله لاإرادياً يتقهقر مخلفاً وراءه الخسائر الجسيمة (28).
والحال هذه، تنبّه الخبراء والباحثون وذوو الاختصاص والمعرفة في شؤون الحرب وشجونها إلى خطورة الحرب النفسية، وتسالموا على أنّها أقوى أسلحة الصراع قدرة على إلحاق الهزيمة بالأعداء، كما أشدّها أثراً في جلب وتحقيق النصر بسرعة، وبأقلّ الخسائر والأكلاف(29): فإذا كان تفعيل الآلة العسكرية من شأنه أن يتأدّى إلى تدمير مادي للقوات، وللعتاد، وللبنى التحتية... وإذا كانت الحروب الاقتصادية تسفر عن حرمان العدو من المواد الأولية والحيوية، وتعطل أو تبطئ دورة وعجلة الحياة لديه، وتفضي بالتالي إلى شلل وعقم يدبّ في أوصاله ومَقاتله؛ فإنّ بمقدور الحرب النفسية ما هو أخطر وأدهى: إنّها وفق ما يقول بول لينبارجر«تحدث شرخاً عميقاً في خصال الشخصية، ومظاهر السلوك، وفي طبيعة الأداء، والآراء، والمعتقدات، والقيم المعنوية والروحية للفرد». وتتوسّل في سبيل ذلك أساليب خبيثة تصيب الإنسان في إنسانيته، وفي روحه، ومعنوياته، وإرادته، ووعيه، وعقله، وقلبه، وتفكيره، وعواطفه...، وتمنحه شعوراً قاتلاً بالدونية والتصاغر والعجز والإحباط والخيبة(30). ما يقلل من قابلياته على التحسّس بمسؤولياته الوطنية والأخلاقية، ويقعده عن الحراك، وعن القيام بما يتوجب عليه، ويقوده ـ في نهاية المطاف ـ إلى الهزيمة الكلية، وإلى أبشع أنواع الاستسلام والخضوع والخنوع والاستعباد والإذلال.
وإذا شئنا الاستدلال على خطورة الحرب النفسية، وعلى مبلغ فعاليتها وتأثيرها وسطوتها؛ فلنا في أقوال بعض قادتها وقادة الحروب الكونية شواهد وبراهين قاطعة:
قال ونستون تشرشل(31) في معرض توصيفه لخطورة الحرب النفسية: «كثيراً ما غيّرت الحرب النفسية وجه التاريخ».
وقال جوزف ستالين(32) عن الدعاية، بوصفها ركناً ركيناً من أركان الحرب النفسية: «إنّ للدعاية الأهمية القصوى في الانتصار النهائي» في الحروب. وكان أدولف هتلر، قد قارب الأمر من زاوية أخرى، حين أشار إلى «أنّ الرأي العام يعتمد على معرفة بالأشخاص؛ فالشخص يستسلم للدعاية دون أن يشعر».
وفي سياق متصل، اعتبر القائد الميداني الألماني أروين روميل(33) أنّ: «القائد الناجح، هو الذي يسيطر على عقول أعدائه قبل أبدانهم». أما أدميرال البحرية الأميركية جيمس بلدوين؛ فأشار إلى دهاء الحرب النفسية بقوله: «إنّنا غالباً ما نعرف أنّ الحرب تكون باستخدام الوسائط العسكرية(...) لكن هنالك وسائط تبدو أكثر مكراً، هي الحرب النفسية التي تستخدم الصور والأفكار والشعارات والدعايات والتقنيات الإعلامية...» .
أساليب الحرب النفسية
تتوسّل الحرب النفسية لتحقيق مآربها ومقاصدها وأغراضها، أساليب وصيغاً مختلفة ومتنوعة؛ أبرزها:
صفحة 5
أولاً - الدعاية السياسية
تعريفها: الدعاية لغة؛ من الفعل دعا، وتعني «الدعوة إلى مذهب أو رأي بالكتابة أو بالخطابة ونحوهما»(34). والداعية «الذي يدعو إلى دين أو فكرة، والتي تدعو إلى نفسها قد عُرفت بالفساد» (35).
والدعاية اصطلاحاً؛ هي وسيلة غايتها اجتذاب الناس وجلبهم إلى جهة معينة(36)، وجعلهم يطيعون وينقادون لمن يرغب في قيادتهم وسوقهم، فيتقبلون آراءه وأعماله بالإقناع(37)، المنظم منه الذي لا يخلو من ترغيب، والذي يستقيم من غير وسائل عنفية؛ نحو: خداع بالمصلحة. أو ذلك الذي لا يخلو من ترهيب؛ نحو: الإكراه على القبول. ما يعني أنّ الدعاية هي إثارة إعلامية ونفسية معدّة بعناية وحذق، على نحو دقيق ووازن ومسبق، للتأثير في اتجاهات وعقول ومواقف وعواطف المتلقين، كما في وعيهم وآرائهم وتصوراتهم وأفكارهم وسلوكياتهم(38)... متوسّلة في سبيل ذلك تقنية ضخّ وبثّ ونشر المعلومات- سواء أكانت حقائق أو فبركات وأكاذيب وأضاليل(39)– في وجهة محدّدة، وبكيفية مقننة ومنظمة وفاعلة. والحال، تكون الدعاية وفقاً لمعجم المصطلحات السياسية والدولية «هي المحاولة المقصودة والمنظمة لتشكيل الآراء والتلاعب بالإدراكات وتوجيه السلوك للرأي العام من أجل خدمة صاحب الدعاية. إنّها تهدف إلى جعل الأفراد يتبنون سلوكاً مختلفاً عن ذاك الذي كانوا يتبعونه بصورة عفوية، فهي تولد تصرفات ايجابية أو سلبية، لدى الجماعات أو الأشخاص الذين تتوجّه إليهم»(40).
والدعاية في علم الاجتماع السياسي؛ هي تلك التي تشغل «المسارات النفسية–الاجتماعية المستعملة في توصيل الخطاب السياسي، ونقله من المرسِل (الخطيب، الزعيم) إلى المرسَل إليه (المتلقي، الجمهور)»(41).
أمّا في ميدان علم النفس فينظر إلى الدعاية على أنّها محاولة للتأثير في اتجاهات الأفراد وآرائهم، وميولهم، ورغباتهم، ونزوعاتهم، وأنماط سلوكهم، وطرائق تفكيرهم؛ بحيث تأخذ الوجهة التي يرغب إليها رجل الدعاية. وقد يحدث هذا من طريق التلميح والإيحاء والإيماء والإشارة، أكثر مما يحدث من طريق توسّل المباشرة والمنطق في عرض وتقديم الحقائق، أو أنصافها، أو أشباهها.
وعلى اختلاف في المقاربات المتعدّدة لأطروحة الدعاية في الميادين العلمية ذات الصلة؛ حظيت الأخيرة بعناية العلماء والباحثين والمختصين: رأى إليها نعوم تشومسكي «وسيلة للهيمنة» بوصفها مؤثراً أيديولوجياً فاعلاً بصرف الانتباه عن الأسلوب والوسيلة التي تتوخاها للوصول بها إلى مقاصدها. واعتبرها كلاوس ميرتن «فعلاً وعملية اتصالية، رسالتها ومضمونها أشياء رئيسة تسعى في النهاية إلى الهيمنة على المتلقي».
أمّا هارولد لاسويل فقد رأى إليها بدوره نشاطاً اتصالياً تحريضياً واضحاً ومباشراً، باعتبارها لا حقلاً للنص وللإشارات والشفرات؛ بل «وضعاً وفعلاً اتصالياً تطلق فيه الأهداف». وكان عبد القادر حاتم قد وصفها بأنها «فن التأثير والممارسة والسيطرة والإلحاح والتغيير، والترغيب بقبول وجهات النظر أو الآراء أو الأعمال أو السلوك». كما عرّفها أحمد بدر بأنّها « الجهود الواعية التي يقوم بها الداعية لنشر أفكار وآراء أو معتقدات معينة للتأثير في الرأي العام وعلى السلوك الاجتماعي، دون أن تفكر الجماهير في الأسباب التي دفعتها لتبني تلك الآراء ومنطقيتها».
وتطول قائمة المقاربات، وتتنوّع، وتتعدّد، وتتداخل، وتتخارج: فثمّة من قدّم الدعاية السياسية بوصفها «مجمل الوسائل التي تستعملها جماعة سياسية»، لغرض إشراك جمهرة من الأفراد أو الجماعات في نشاطها، وهم أفراد وجماعات- كما يذهب Jacques Ellul- يصار إلى «توحيدهم على الصعيد النفسي بواسطة مناورات نفسانية». وثمّة من أحكم المزاوجة بين شرطها الوسائطي وغايتها المنشودة؛ فكانت الدعاية السياسية هي «اللغة الموجّهة إلى الجماهير» وفقاً لمذهب جامعة برنستون، تتوسّل الكلمات والإشارات والرموز وسائر الوسائط الأخرى، لغرض التأثير على مواقف وسلوكيات وتوجّهات الجماهير حيال قضايا محدّدة تشكل موضوعات الرأي العام، وتشغل حساسياته واهتماماته، وعلى نحو يتأدّى في حصيلة الأمر- كما يضيف Bartelett- إلى تبني هذه الجماهير «لرأي معين وسلوك محدّد». وثمّة من وسّع من دائرة اشتغالها وتوضّعها، لتصبح الدعاية السياسية والحال هذه، عمليات بثّ ونشر وضخّ معلومات– حقائق كانت، أو وقائع، أو مبادئ، أو مجادلات، أو إشاعات، أو أنصاف حقائق، أو أكاذيب مختلقة، أو شيئاً ملفقاً من كل هذا أو من بعضه- وفق وجهة محدّدة، من قبل فرد أو جماعة، في محاولة منظمة لإحداث أثر في الرأي العام، أو تغيير في اتجاهات الأفراد والجماعات(42)، وذلك باستخدام وسائط الإعلام والاتصال بجمهرة المتلقين.
والدعاية هي الأسلوب الذي ينزع إلى نشر فكرة أو عقيدة أو خبر أو قيمة، وإلى ترويج معلومات وآراء منتخبة ومنتقاة بعناية، وبثها وإشاعتها وفق تخطيط هادف وموجّه بقصد التأثير على عقول ومشاعر وأعمال وسلوكات واتجاهات طائفة ومجموعة محدّدة من البشر، لغرض قد يكون اقتصادياً أو عسكرياً أو سياسياً... ما جعلها بحق إحدى أدوات الحرب النفسية الفاعلة، وواحدة من أسلحتها الفتاكة، بل ومصدراً رئيساً من المصادر المؤثرة في ساحة المعركة، وحفّز بالتالي الدول والحكومات والجيوش على العناية والاهتمام بها، وعلى التفنّن في كيفية استخدامها.
والدعاية ـ على النحو الذي ألمعنا ـ هي فن التأثير بخيال الجماهير، وهي محاولة منظمة ووازنة للتأثير على الرأي والمزاج العام عبر استخدام وتفعيل وسائل ووسائط المنظومات الإعلامية المختلفة والمتنوعة. مع لحاظ الاعتبار هنا، أنّ الطرائق والأدوات المكثفة التي تتوسّلها الدعاية لخلق وصياغة واقع ما، وإن كان بمقدورها أن تحقق نجاحاً آنياً وظرفياً قد يعوّض عن التمثل الحقيقي لراهنية الوضع السائد، إلا أنّ ذلك لا يستطيل، ولا يستمرّ إلى أمد بعيد، فسرعان ما تتكشّف الحقائق، وتظهر جلية على نحو بيّن وواضح. لكنّ ذلك لا يعني بإطلاق، أنّ توسّل التضليل والخداع والمراوغة وسوى ذلك من ميكانيزمات حرف الانتباه واستلاب الرأي وممارسة التأثير، قد لا يكون ملحاً وضرورياً ومطلوباً في أحايين كثيرة، وذلك بسبب من اضطرار القائمين على الدعاية إلى إبراز زاوية واحدة من زوايا الصورة، وإلى إظهار مكوّن واحد من مكوّنات المشهد العام(43)، وبالتالي الحرص على إخفاء الجوانب والمكوّنات الأخرى، لا لشيء إلا للتستر على الإخفاقات والهزائم، كما لتمييع وتحوير مظاهر الفشل والتقهقر والسقوط؛ فشدّة الصخب والصراخ والضجيج الإعلامي الممجوج تتأتى بالضرورة على نحو تعويضي، لتخفي وراءها قصوراً وضعفاً في القدرة على الفعل والتأثير(44). وكذلك حين تظهر في الفضاء والأثير الإعلامي حماسة أو اندفاعة لاعقلانية يصار إلى النظر إليها من خلال مرايا محدّبة؛ فتضخم وتفخّم وتدبلج وتتبّل من قبل الوسائط الإعلامية المختلفة، ثم يصار إلى بثها بكيفيات مكرورة وممجوجة ومقزّزة، وبقوالب مملة ورتيبة؛ فإنّ ذلك يعتبر مؤشراً على انطراح تساؤلات حول صدقية ونزاهة المعلومات المبثوثة.
كما تتسم الدعاية بالحيوية والدينامية؛ إذ تسجّل المعاينات والقراءات الفاحصة والحفرية مواكبتها للعصرنة والتطور، ومرافقتها لصيرورة التحوّلات المستجدّة، وبالتالي انتقالها من طرائق وأساليب تقليدية إلى أخرى أكثر حداثة، وأكثر انسجاماً مع خصوصيات العصر والمجتمع والبيئة. يقول الباحث شيلفورد بيدويل في هذا الصدد: «كان جهاز توزيع المعلومات في الحرب العالمية الأولى محدوداً في الصحف. ولكن كانت الصحافة مألوفة وإمكانية القراءة والكتابة واسعة. وكان هذا الأسلوب يبدو كافياً لإثارة وتكثيف الكراهية الدائمة للعدو». أمّا وسائل «التأثير على الرأي العام في الوقت الحاضر» يضيف بيدويل فهي «أكثر إقناعاً، والرأي العام هو أكثر تعقيداً وصعوبة للتنبؤ به، يتلوّن بإيديولوجيات تتعدّى الولاء الوطني. ولكن من الحق أن نذكر أنّ واجب الدعاية في الوقت الحاضر هو إقناع الرأي العام بفكرة أنّ هناك مجموعات من الناس هي خارج حدود الإنسانية، وتستحقّ فعلاً أن تقصف بالمدفعية، أو أن تموت جوعاً، أو تغزى، أو تذبح. هذا التغيّر المتطرّف بدأ في الحرب العالمية الأولى»(45).
تعريفها: الدعاية لغة؛ من الفعل دعا، وتعني «الدعوة إلى مذهب أو رأي بالكتابة أو بالخطابة ونحوهما»(34). والداعية «الذي يدعو إلى دين أو فكرة، والتي تدعو إلى نفسها قد عُرفت بالفساد» (35).
والدعاية اصطلاحاً؛ هي وسيلة غايتها اجتذاب الناس وجلبهم إلى جهة معينة(36)، وجعلهم يطيعون وينقادون لمن يرغب في قيادتهم وسوقهم، فيتقبلون آراءه وأعماله بالإقناع(37)، المنظم منه الذي لا يخلو من ترغيب، والذي يستقيم من غير وسائل عنفية؛ نحو: خداع بالمصلحة. أو ذلك الذي لا يخلو من ترهيب؛ نحو: الإكراه على القبول. ما يعني أنّ الدعاية هي إثارة إعلامية ونفسية معدّة بعناية وحذق، على نحو دقيق ووازن ومسبق، للتأثير في اتجاهات وعقول ومواقف وعواطف المتلقين، كما في وعيهم وآرائهم وتصوراتهم وأفكارهم وسلوكياتهم(38)... متوسّلة في سبيل ذلك تقنية ضخّ وبثّ ونشر المعلومات- سواء أكانت حقائق أو فبركات وأكاذيب وأضاليل(39)– في وجهة محدّدة، وبكيفية مقننة ومنظمة وفاعلة. والحال، تكون الدعاية وفقاً لمعجم المصطلحات السياسية والدولية «هي المحاولة المقصودة والمنظمة لتشكيل الآراء والتلاعب بالإدراكات وتوجيه السلوك للرأي العام من أجل خدمة صاحب الدعاية. إنّها تهدف إلى جعل الأفراد يتبنون سلوكاً مختلفاً عن ذاك الذي كانوا يتبعونه بصورة عفوية، فهي تولد تصرفات ايجابية أو سلبية، لدى الجماعات أو الأشخاص الذين تتوجّه إليهم»(40).
والدعاية في علم الاجتماع السياسي؛ هي تلك التي تشغل «المسارات النفسية–الاجتماعية المستعملة في توصيل الخطاب السياسي، ونقله من المرسِل (الخطيب، الزعيم) إلى المرسَل إليه (المتلقي، الجمهور)»(41).
أمّا في ميدان علم النفس فينظر إلى الدعاية على أنّها محاولة للتأثير في اتجاهات الأفراد وآرائهم، وميولهم، ورغباتهم، ونزوعاتهم، وأنماط سلوكهم، وطرائق تفكيرهم؛ بحيث تأخذ الوجهة التي يرغب إليها رجل الدعاية. وقد يحدث هذا من طريق التلميح والإيحاء والإيماء والإشارة، أكثر مما يحدث من طريق توسّل المباشرة والمنطق في عرض وتقديم الحقائق، أو أنصافها، أو أشباهها.
وعلى اختلاف في المقاربات المتعدّدة لأطروحة الدعاية في الميادين العلمية ذات الصلة؛ حظيت الأخيرة بعناية العلماء والباحثين والمختصين: رأى إليها نعوم تشومسكي «وسيلة للهيمنة» بوصفها مؤثراً أيديولوجياً فاعلاً بصرف الانتباه عن الأسلوب والوسيلة التي تتوخاها للوصول بها إلى مقاصدها. واعتبرها كلاوس ميرتن «فعلاً وعملية اتصالية، رسالتها ومضمونها أشياء رئيسة تسعى في النهاية إلى الهيمنة على المتلقي».
أمّا هارولد لاسويل فقد رأى إليها بدوره نشاطاً اتصالياً تحريضياً واضحاً ومباشراً، باعتبارها لا حقلاً للنص وللإشارات والشفرات؛ بل «وضعاً وفعلاً اتصالياً تطلق فيه الأهداف». وكان عبد القادر حاتم قد وصفها بأنها «فن التأثير والممارسة والسيطرة والإلحاح والتغيير، والترغيب بقبول وجهات النظر أو الآراء أو الأعمال أو السلوك». كما عرّفها أحمد بدر بأنّها « الجهود الواعية التي يقوم بها الداعية لنشر أفكار وآراء أو معتقدات معينة للتأثير في الرأي العام وعلى السلوك الاجتماعي، دون أن تفكر الجماهير في الأسباب التي دفعتها لتبني تلك الآراء ومنطقيتها».
وتطول قائمة المقاربات، وتتنوّع، وتتعدّد، وتتداخل، وتتخارج: فثمّة من قدّم الدعاية السياسية بوصفها «مجمل الوسائل التي تستعملها جماعة سياسية»، لغرض إشراك جمهرة من الأفراد أو الجماعات في نشاطها، وهم أفراد وجماعات- كما يذهب Jacques Ellul- يصار إلى «توحيدهم على الصعيد النفسي بواسطة مناورات نفسانية». وثمّة من أحكم المزاوجة بين شرطها الوسائطي وغايتها المنشودة؛ فكانت الدعاية السياسية هي «اللغة الموجّهة إلى الجماهير» وفقاً لمذهب جامعة برنستون، تتوسّل الكلمات والإشارات والرموز وسائر الوسائط الأخرى، لغرض التأثير على مواقف وسلوكيات وتوجّهات الجماهير حيال قضايا محدّدة تشكل موضوعات الرأي العام، وتشغل حساسياته واهتماماته، وعلى نحو يتأدّى في حصيلة الأمر- كما يضيف Bartelett- إلى تبني هذه الجماهير «لرأي معين وسلوك محدّد». وثمّة من وسّع من دائرة اشتغالها وتوضّعها، لتصبح الدعاية السياسية والحال هذه، عمليات بثّ ونشر وضخّ معلومات– حقائق كانت، أو وقائع، أو مبادئ، أو مجادلات، أو إشاعات، أو أنصاف حقائق، أو أكاذيب مختلقة، أو شيئاً ملفقاً من كل هذا أو من بعضه- وفق وجهة محدّدة، من قبل فرد أو جماعة، في محاولة منظمة لإحداث أثر في الرأي العام، أو تغيير في اتجاهات الأفراد والجماعات(42)، وذلك باستخدام وسائط الإعلام والاتصال بجمهرة المتلقين.
والدعاية هي الأسلوب الذي ينزع إلى نشر فكرة أو عقيدة أو خبر أو قيمة، وإلى ترويج معلومات وآراء منتخبة ومنتقاة بعناية، وبثها وإشاعتها وفق تخطيط هادف وموجّه بقصد التأثير على عقول ومشاعر وأعمال وسلوكات واتجاهات طائفة ومجموعة محدّدة من البشر، لغرض قد يكون اقتصادياً أو عسكرياً أو سياسياً... ما جعلها بحق إحدى أدوات الحرب النفسية الفاعلة، وواحدة من أسلحتها الفتاكة، بل ومصدراً رئيساً من المصادر المؤثرة في ساحة المعركة، وحفّز بالتالي الدول والحكومات والجيوش على العناية والاهتمام بها، وعلى التفنّن في كيفية استخدامها.
والدعاية ـ على النحو الذي ألمعنا ـ هي فن التأثير بخيال الجماهير، وهي محاولة منظمة ووازنة للتأثير على الرأي والمزاج العام عبر استخدام وتفعيل وسائل ووسائط المنظومات الإعلامية المختلفة والمتنوعة. مع لحاظ الاعتبار هنا، أنّ الطرائق والأدوات المكثفة التي تتوسّلها الدعاية لخلق وصياغة واقع ما، وإن كان بمقدورها أن تحقق نجاحاً آنياً وظرفياً قد يعوّض عن التمثل الحقيقي لراهنية الوضع السائد، إلا أنّ ذلك لا يستطيل، ولا يستمرّ إلى أمد بعيد، فسرعان ما تتكشّف الحقائق، وتظهر جلية على نحو بيّن وواضح. لكنّ ذلك لا يعني بإطلاق، أنّ توسّل التضليل والخداع والمراوغة وسوى ذلك من ميكانيزمات حرف الانتباه واستلاب الرأي وممارسة التأثير، قد لا يكون ملحاً وضرورياً ومطلوباً في أحايين كثيرة، وذلك بسبب من اضطرار القائمين على الدعاية إلى إبراز زاوية واحدة من زوايا الصورة، وإلى إظهار مكوّن واحد من مكوّنات المشهد العام(43)، وبالتالي الحرص على إخفاء الجوانب والمكوّنات الأخرى، لا لشيء إلا للتستر على الإخفاقات والهزائم، كما لتمييع وتحوير مظاهر الفشل والتقهقر والسقوط؛ فشدّة الصخب والصراخ والضجيج الإعلامي الممجوج تتأتى بالضرورة على نحو تعويضي، لتخفي وراءها قصوراً وضعفاً في القدرة على الفعل والتأثير(44). وكذلك حين تظهر في الفضاء والأثير الإعلامي حماسة أو اندفاعة لاعقلانية يصار إلى النظر إليها من خلال مرايا محدّبة؛ فتضخم وتفخّم وتدبلج وتتبّل من قبل الوسائط الإعلامية المختلفة، ثم يصار إلى بثها بكيفيات مكرورة وممجوجة ومقزّزة، وبقوالب مملة ورتيبة؛ فإنّ ذلك يعتبر مؤشراً على انطراح تساؤلات حول صدقية ونزاهة المعلومات المبثوثة.
كما تتسم الدعاية بالحيوية والدينامية؛ إذ تسجّل المعاينات والقراءات الفاحصة والحفرية مواكبتها للعصرنة والتطور، ومرافقتها لصيرورة التحوّلات المستجدّة، وبالتالي انتقالها من طرائق وأساليب تقليدية إلى أخرى أكثر حداثة، وأكثر انسجاماً مع خصوصيات العصر والمجتمع والبيئة. يقول الباحث شيلفورد بيدويل في هذا الصدد: «كان جهاز توزيع المعلومات في الحرب العالمية الأولى محدوداً في الصحف. ولكن كانت الصحافة مألوفة وإمكانية القراءة والكتابة واسعة. وكان هذا الأسلوب يبدو كافياً لإثارة وتكثيف الكراهية الدائمة للعدو». أمّا وسائل «التأثير على الرأي العام في الوقت الحاضر» يضيف بيدويل فهي «أكثر إقناعاً، والرأي العام هو أكثر تعقيداً وصعوبة للتنبؤ به، يتلوّن بإيديولوجيات تتعدّى الولاء الوطني. ولكن من الحق أن نذكر أنّ واجب الدعاية في الوقت الحاضر هو إقناع الرأي العام بفكرة أنّ هناك مجموعات من الناس هي خارج حدود الإنسانية، وتستحقّ فعلاً أن تقصف بالمدفعية، أو أن تموت جوعاً، أو تغزى، أو تذبح. هذا التغيّر المتطرّف بدأ في الحرب العالمية الأولى»(45).
صفحة 6
ولذلك نرى إلى الدعاية اليوم تعتمد على أسس وقواعد وبرمجيات ونظريات وأفكار علمية ومنهجية، وتتكئ على جملة من العلوم والمعارف ذات الصلة؛ نحو: علم النفس، وعلم الاجتماع، والتاريخ، والجغرافيا، والعلاقات الدولية والدبلوماسية. كما تستخدم تقنيات ووسائط علمية حديثة تساعدها على التكيف مع طبيعة الأهداف التي تنشدها وتسعى إلى تحقيقها. والحال هذه، كفلت لنفسها الحياة والصيرورة والديمومة والبقاء والاستمرار، على نحو أصبحت فيه تمارس فعاليتها وتأثيرها وسطوتها وحضورها في زمن السلم، كما في زمن الحرب دونما حدود، بعد أن كيفت أدواتها وطرائقها وأساليبها لتتلاءم مع كل مقام. هذا فضلاً عن أنّها أصبحت عملاً واعياً وهادفاً، منظماً ومخططاً ومبرمجاً، قد يوجّه إلى داخل الدولة لاستثارة الجماهير، ولإحداث تأثير أو تغيير أو تعديل في خياراتها، وقد يوجّه إلى الخارج لإحداث التأثير المطلوب في الرأي والمزاج العام العالميين.
إلا أنّ الدعاية بلحاظ غاياتها المرجوة وأهدافها المنشودة هي في السلم غيرها في الحرب. ففي السلم تستحضر الدعاية وتفعّل لغرض الإنتصار لقضية ما، أو لعقيدة معينة، أو لفكرة مفتاحية يُراد لها أن تتسيّد وتعمّ، وذلك بإعلائها ومقاربتها والإتيان عليها؛ تسويغاً وتعليلاً وتبريراً وترويجاً، بما يتأدّى إلى تخلق بيئة داخلية حصينة قوامها المنعة والاستعصاء. في قبالة إعمال معاول الهدم في عزائم الأعداء والخصوم، وتثبيط إرادات القوة لديهم، واستلاب عقلهم، وكيّ وعيهم، وكبح جماح اندفاعاتهم، وإفشال مخططاتهم ومؤامراتهم، بما يحول دون نجاحهم في عرقلة الإنجازات والفتوح وبرامج التثقيف والتوعية والتنمية التي يعكف عليها رجل الدعاية، أو تتنكبها الجهة العاملة على ابتداعها ـ أي الدعاية ـ ونشرها وتسويقها.
أما في حالة الحرب؛ فللدعاية شأن آخر، فهي تستهدف إدامة معنويات المتلقي الداخلي، والنفخ في روحه وهمته وإرادته، وتهيئته نفسياً لقبول فكرة الحرب، وما قد يترتب عليها من أكلاف وتضحيات، أو ما قد ينجم عنها من ويلات وكوارث إنسانية.
كما تستهدف في هذا السياق أيضاً، النفخ في روح ومعنويات المقاتلين خلال احتدام القتال واستعار المعركة، لاسيما في أشدّ اللحظات حرجاً، كما في لحظات الإخفاق والعجز عن صناعة الانتصارات وتحقيق النجاحات والإنجازات في الميدان، حيث تكون الأعصاب مشدودة بسبب من غموض الموقف، وعنف المفاجآت، وضبابية الأفق المفتوح على التطوّر والاحتمال. ما يرتب على الدعاية أن تفعّل اهتماماتها وقدراتها، وأن توجّه جهودها للتأثير، لا على العقل، بل على الأعصاب، وعلى المشاعر والعواطف والجوارح، وعلى النفس التي تكون في حالة إرباك وتوتر واضطراب وبلبلة وتشوّش، حيث تعكف– أي الدعاية- على بثّ الشعور بالسكينة والارتياح، وعلى تعزيز الشعور التدريجي بالاطمئنان والاستقرار، بنحو يُعيد الاتزان والهدوء إلى روح المقاتل المضطربة، كما إلى وعيه وإرادته، وهو لا شكّ أمر بالغ الأهمية والخطورة والتأثير في اللحظات العصيبة والحرجة والمصيرية. وفي قبالة ذلك، تستهدف الدعاية الإضرار بعزيمة العدو، والعبث بعقله ووعيه وروحه، وإضعاف معنوياته، وإيهامه بعقم محاولاته، وتيه خياراته، وقصور القدرة لديه عن استجلاب النصر، فضلاً عن محاولة التأثير على الدول والجماعات المحايدة لاجتذابها، أو بالأقلّ للحوؤل دون انزلاقها إلى الخيار الآخر.
وتتوسّل الدعاية- في معرض عملها واشتغالها وتوضّعها- بث ونشر معلومات وأخبار مختلفة: قد تتخلق على غير نحو، وقد تتلبّس غير لبوس وزيّ(46)؛ قد تكون حقائق تشفّ عن وقائع وأحداث، وعن معطيات وشواهد حسية ملموسة، كما عن حجج منطقية لا يعوزها برهان أو دليل. وقد تكون أنصاف حقائق، كأن تتأتى من حالة ولادية مبتسرة، أو من تهجين وتلفيق وتوليف بين ما هو واقعي ومنطقي، وما هو متخيّل ومختلق. وقد تكون- ثالثاً- محض أكاذيب وتخرّصات وأباطيل وسرابات وتهويمات وافتراءات وأوهام...، يصار إلى تركيبها وفبركتها وتصنيعها وهندستها وإخراجها، كما حياكتها واستيلادها من نسيج مخيلات حاذقة. وقد تدّعي الدعاية من الإنجازات والنجاحات والفتوح، وتنسب لنفسها ما ليس من عالم الحقيقة، وما ليس له وجود أو ترجمة أو مصداق في حيّزات الواقع وتمثلاته. وقد تحدث كثيراً من الصخب والضجيج والإثارة حول موقف معين، على نحو يفقد هذا الأخير بعض ألقه وصدقيته ومنعته، ويجعله بالتالي قابلاً للشكّ، ومداراً للاسترابة. وقد تذهب بعيداً في جنوحاتها ومغالاتها وتطرّفاتها وطروحاتها، بحيث يكون بمقدورها أن تجعل المتلقي كائناً يعيش وسط احتفالية من السرابات والتهويمات ومن المظاهر الخادعة والبرّاقة، وهذا لا شكّ منتهى ما تطمح وتصبو إليه الدعاية في حراكها وتوقها. إلا أنّ الحصيلة الأكيدة التي لا يخامرها شكّ ولا يداخلها لبس أو تهافت؛ أنّ الدعاية الفاعلة المؤثرة التي تؤتي أكلها كما ينبغي لها، هي تلك المتكئة على الحقائق الملموسة، وتلك الآخذة بالوقائع والحيثيات، وتلك التي تدير ماكينتها وعجلتها لتقدّم ـ بموضوعية وجلاء ـ الصورة الحقيقية.
أركان الدعاية السياسية
تتوفر الدعاية السياسية، بوصفها عملية اتصالية هادفة، على اجتماع جملة من الأركان والعناصر والمكوّنات المؤسّسة، التي تشيّد بتداخلها وتآزرها معمار الدعاية، وترسّم مشهديتها العامة:
أ ـ المرسِل: هو الدعائي، أو هو رجل الدعاية ومطلقها الذي يقوم بعمليات البثّ والاتصال والإرسال. ما يجعله الركن المؤسّس الذي غالبا ما نستطيع تمثله في جماعة سياسية تكون حاملة لإيديولوجية معينة، ولمنظومة اعتقادية وقيمية وفكرية معينة، كما تكون مالكة لتصوّر إجمالي ومتكامل للكون والمجتمع والحياة والوجود.
ب ـ الرسالة: هي عبارة عن سلسلة متوالية من الشفرات والرموز والعلامات والمعاني والإشارات والدلالات والحمولات... التي تنطوي عليها الدعاية، وتتقصّد بثها وإرسالها عبر قناة إلى جمهور المتلقين. كأن تمثل وجهة نظر ما، أو تعبّر عن مضمون فكري نفسي موجّه.
ج- المتلقي: هو مستقبل الرسالة (فرد ، أفراد، جمهور، مجتمع...)، أي هو المرسَل إليه المعني باستهدافاتها بنحو مباشر أو غير مباشر، والمتفاعل، والمتماهي فيها وبها ومعها؛ تمارس عليه سطوتها وهيمنتها وتأثيرها، وترخي فوقه بأحمال مقاصدها وادعاءاتها ومزاعمها واستبطاناتها، وتظلله بمروحة اشعاعاتها ... فتستلب إرادته، وتستحوذ على عقله ووعيه ولاوعيه، لتتوضّع في بؤر التوتر الموجّهة لتفكيره، والبانية لتصوّراته الحاكمة.
د- الوسائط الاتصالية: هي وسائل وأدوات البثّ أو الإرسال الصالحة والفعّالة التي تُمّرر الرسائل عبر أقنيتها ومساربها إلى المتلقين على نحو يؤدّي الغاية المرجوّة والغرض المقصود. وتشمل مجمل الوسائط القادرة على نقل الرموز والشفرات اللغوية منها وغير اللغوية؛ نحو: الملصقات، اللافتات، البيانات، الدعوات، الندوات، المقابلات، المؤتمرات، السفارات، الصحافة، السينما، التلفزيون، المسرح، الإذاعة، المرئيات، الانترنت، المعارض...
هـ - الهدف: هو الأثر الذي ينبغي له أن يترتب على عمل الدعاية وفعلها في المتلقين، والذي بالمقدور ملاحظته من خلال معاينة وفحص التأثيرات والتحوّلات والتغييرات المستجدّة على الرأي والمزاج العام، كما على المواقف والاستجابات. ما يعني أنه السلوك المعيّن الذي تتوسّله الدعاية وتنشده في جماعة محدّدة؛ نحو تغيير آرائها، أو أفكارها، أو عقولها، أو مواقفها، أو تطوير استجاباتها...، وفق ما يتوافق مع تطلعات وأهداف مرسِل الدعاية ومطلقها.
إلا أنّ الدعاية بلحاظ غاياتها المرجوة وأهدافها المنشودة هي في السلم غيرها في الحرب. ففي السلم تستحضر الدعاية وتفعّل لغرض الإنتصار لقضية ما، أو لعقيدة معينة، أو لفكرة مفتاحية يُراد لها أن تتسيّد وتعمّ، وذلك بإعلائها ومقاربتها والإتيان عليها؛ تسويغاً وتعليلاً وتبريراً وترويجاً، بما يتأدّى إلى تخلق بيئة داخلية حصينة قوامها المنعة والاستعصاء. في قبالة إعمال معاول الهدم في عزائم الأعداء والخصوم، وتثبيط إرادات القوة لديهم، واستلاب عقلهم، وكيّ وعيهم، وكبح جماح اندفاعاتهم، وإفشال مخططاتهم ومؤامراتهم، بما يحول دون نجاحهم في عرقلة الإنجازات والفتوح وبرامج التثقيف والتوعية والتنمية التي يعكف عليها رجل الدعاية، أو تتنكبها الجهة العاملة على ابتداعها ـ أي الدعاية ـ ونشرها وتسويقها.
أما في حالة الحرب؛ فللدعاية شأن آخر، فهي تستهدف إدامة معنويات المتلقي الداخلي، والنفخ في روحه وهمته وإرادته، وتهيئته نفسياً لقبول فكرة الحرب، وما قد يترتب عليها من أكلاف وتضحيات، أو ما قد ينجم عنها من ويلات وكوارث إنسانية.
كما تستهدف في هذا السياق أيضاً، النفخ في روح ومعنويات المقاتلين خلال احتدام القتال واستعار المعركة، لاسيما في أشدّ اللحظات حرجاً، كما في لحظات الإخفاق والعجز عن صناعة الانتصارات وتحقيق النجاحات والإنجازات في الميدان، حيث تكون الأعصاب مشدودة بسبب من غموض الموقف، وعنف المفاجآت، وضبابية الأفق المفتوح على التطوّر والاحتمال. ما يرتب على الدعاية أن تفعّل اهتماماتها وقدراتها، وأن توجّه جهودها للتأثير، لا على العقل، بل على الأعصاب، وعلى المشاعر والعواطف والجوارح، وعلى النفس التي تكون في حالة إرباك وتوتر واضطراب وبلبلة وتشوّش، حيث تعكف– أي الدعاية- على بثّ الشعور بالسكينة والارتياح، وعلى تعزيز الشعور التدريجي بالاطمئنان والاستقرار، بنحو يُعيد الاتزان والهدوء إلى روح المقاتل المضطربة، كما إلى وعيه وإرادته، وهو لا شكّ أمر بالغ الأهمية والخطورة والتأثير في اللحظات العصيبة والحرجة والمصيرية. وفي قبالة ذلك، تستهدف الدعاية الإضرار بعزيمة العدو، والعبث بعقله ووعيه وروحه، وإضعاف معنوياته، وإيهامه بعقم محاولاته، وتيه خياراته، وقصور القدرة لديه عن استجلاب النصر، فضلاً عن محاولة التأثير على الدول والجماعات المحايدة لاجتذابها، أو بالأقلّ للحوؤل دون انزلاقها إلى الخيار الآخر.
وتتوسّل الدعاية- في معرض عملها واشتغالها وتوضّعها- بث ونشر معلومات وأخبار مختلفة: قد تتخلق على غير نحو، وقد تتلبّس غير لبوس وزيّ(46)؛ قد تكون حقائق تشفّ عن وقائع وأحداث، وعن معطيات وشواهد حسية ملموسة، كما عن حجج منطقية لا يعوزها برهان أو دليل. وقد تكون أنصاف حقائق، كأن تتأتى من حالة ولادية مبتسرة، أو من تهجين وتلفيق وتوليف بين ما هو واقعي ومنطقي، وما هو متخيّل ومختلق. وقد تكون- ثالثاً- محض أكاذيب وتخرّصات وأباطيل وسرابات وتهويمات وافتراءات وأوهام...، يصار إلى تركيبها وفبركتها وتصنيعها وهندستها وإخراجها، كما حياكتها واستيلادها من نسيج مخيلات حاذقة. وقد تدّعي الدعاية من الإنجازات والنجاحات والفتوح، وتنسب لنفسها ما ليس من عالم الحقيقة، وما ليس له وجود أو ترجمة أو مصداق في حيّزات الواقع وتمثلاته. وقد تحدث كثيراً من الصخب والضجيج والإثارة حول موقف معين، على نحو يفقد هذا الأخير بعض ألقه وصدقيته ومنعته، ويجعله بالتالي قابلاً للشكّ، ومداراً للاسترابة. وقد تذهب بعيداً في جنوحاتها ومغالاتها وتطرّفاتها وطروحاتها، بحيث يكون بمقدورها أن تجعل المتلقي كائناً يعيش وسط احتفالية من السرابات والتهويمات ومن المظاهر الخادعة والبرّاقة، وهذا لا شكّ منتهى ما تطمح وتصبو إليه الدعاية في حراكها وتوقها. إلا أنّ الحصيلة الأكيدة التي لا يخامرها شكّ ولا يداخلها لبس أو تهافت؛ أنّ الدعاية الفاعلة المؤثرة التي تؤتي أكلها كما ينبغي لها، هي تلك المتكئة على الحقائق الملموسة، وتلك الآخذة بالوقائع والحيثيات، وتلك التي تدير ماكينتها وعجلتها لتقدّم ـ بموضوعية وجلاء ـ الصورة الحقيقية.
أركان الدعاية السياسية
تتوفر الدعاية السياسية، بوصفها عملية اتصالية هادفة، على اجتماع جملة من الأركان والعناصر والمكوّنات المؤسّسة، التي تشيّد بتداخلها وتآزرها معمار الدعاية، وترسّم مشهديتها العامة:
أ ـ المرسِل: هو الدعائي، أو هو رجل الدعاية ومطلقها الذي يقوم بعمليات البثّ والاتصال والإرسال. ما يجعله الركن المؤسّس الذي غالبا ما نستطيع تمثله في جماعة سياسية تكون حاملة لإيديولوجية معينة، ولمنظومة اعتقادية وقيمية وفكرية معينة، كما تكون مالكة لتصوّر إجمالي ومتكامل للكون والمجتمع والحياة والوجود.
ب ـ الرسالة: هي عبارة عن سلسلة متوالية من الشفرات والرموز والعلامات والمعاني والإشارات والدلالات والحمولات... التي تنطوي عليها الدعاية، وتتقصّد بثها وإرسالها عبر قناة إلى جمهور المتلقين. كأن تمثل وجهة نظر ما، أو تعبّر عن مضمون فكري نفسي موجّه.
ج- المتلقي: هو مستقبل الرسالة (فرد ، أفراد، جمهور، مجتمع...)، أي هو المرسَل إليه المعني باستهدافاتها بنحو مباشر أو غير مباشر، والمتفاعل، والمتماهي فيها وبها ومعها؛ تمارس عليه سطوتها وهيمنتها وتأثيرها، وترخي فوقه بأحمال مقاصدها وادعاءاتها ومزاعمها واستبطاناتها، وتظلله بمروحة اشعاعاتها ... فتستلب إرادته، وتستحوذ على عقله ووعيه ولاوعيه، لتتوضّع في بؤر التوتر الموجّهة لتفكيره، والبانية لتصوّراته الحاكمة.
د- الوسائط الاتصالية: هي وسائل وأدوات البثّ أو الإرسال الصالحة والفعّالة التي تُمّرر الرسائل عبر أقنيتها ومساربها إلى المتلقين على نحو يؤدّي الغاية المرجوّة والغرض المقصود. وتشمل مجمل الوسائط القادرة على نقل الرموز والشفرات اللغوية منها وغير اللغوية؛ نحو: الملصقات، اللافتات، البيانات، الدعوات، الندوات، المقابلات، المؤتمرات، السفارات، الصحافة، السينما، التلفزيون، المسرح، الإذاعة، المرئيات، الانترنت، المعارض...
هـ - الهدف: هو الأثر الذي ينبغي له أن يترتب على عمل الدعاية وفعلها في المتلقين، والذي بالمقدور ملاحظته من خلال معاينة وفحص التأثيرات والتحوّلات والتغييرات المستجدّة على الرأي والمزاج العام، كما على المواقف والاستجابات. ما يعني أنه السلوك المعيّن الذي تتوسّله الدعاية وتنشده في جماعة محدّدة؛ نحو تغيير آرائها، أو أفكارها، أو عقولها، أو مواقفها، أو تطوير استجاباتها...، وفق ما يتوافق مع تطلعات وأهداف مرسِل الدعاية ومطلقها.
صفحة 7
أنواع الدعاية السياسية
ليست الدعاية- بلحاظ طبيعة مصادرها وحساسية أو شفافية علاقة الأخيرة بها- من لون واحد، أو من نوع واحد؛ بل يتنازعها في هذا السياق أنواع ثلاثة، هي:
أ ـ الدعاية البيضاء (White Propaganda): وهي الدعاية السافرة، البنّاءة، ذات الحجة المنطقية في تسويق وتظهير نفسها، وذات المصدر المعروف والجلي والواضح والبيّن والمكشوف والعلني، الذي يشفّ عن نفسه، ويتداعى سريعاً حين طلبه، ولا يحتاج الإفصاح عن هويته، أو تحديد منطلقاته ودوافعه، أو تظهير ما يباطنه من خلفيات، إلى عمليات تحرّ أو بحث أو تكهن أو تخمين. وعادة ما يجد سبيله في التعبير عن ذاته عبر وسائط الإعلام المتاحة، كالإذاعات ووكالات الأنباء والصحف والتصريحات ذات الطابع الرسمي، وكثيراً ما يحمل اسم الجهة أو الدولة التي توجّهه. ولذلك يُطلق على هذا النوع من الدعاية تسمية: الدعاية الرسمية أو الدعاية الصريحة. ما يعني أنّ الدعاية البيضاء ـ فضلاً عن حقيقة وعي المستهدفين من الناس ببالغ تأثيراتها ومفاعيلها فيهم ـ هي من طبيعة شافة، حيث يُفصح رجل الدعاية عن نفسه، ويوضح مقاصده وأغراضه ومراده ومراميه، على نحو تشخص معه الأبصار إلى رؤيته، وإلى إدراكه ومعرفته.
ب ـ الدعاية الرمادية (Gray propaganda): وهي الدعاية الواضحة والبيّنة المصدر أيضاً، وهي كسابقتها لا تخشى من انفضاح وانكشاف أمر مصادرها الحقيقية، إلا أنّها ـ على خلاف الدعاية البيضاء ـ هي من طبيعة مواربة ومراوغة وخادعة؛ تتلطى خلف أهداف معينة، وتستتر وراء عناوين محدّدة، وتخفي اتجاهاتها، وتميّع منطلقاتها، ولا تفصح عن حقيقة نواياها وأهدافها، كما عن مضمرات أعمالها، بل تعمل بطرائق ملتوية، وتدعو إلى ما تريد بنحو غير مباشر. مثلها كمثل نصّ أدبي مخاتل؛ ظاهره عمل روائي أو قصصي أو مسرحي. أمّا ما يباطنه؛ فهو دعوة إلى اعتناق مذهب سياسي معين، أو إلى اجتذاب المريدين والأنصار للتحلق من حوله.
ج- الدعاية السوداء (Black Propaganda): وهي الدعاية المقنّعة ذات المصدر السري، غير البيّن، وغير الواضح، والمجهول الهوية والنسب والانتماء. وهي من طبيعة قاتمة، كالحة، مستترة، خفية الغرض، تتصف بالتكتم الشديد على أصولها ومنطلقاتها وأهدافها، وعلى ظروف عملها واشتغالها، كما تتصف بعدم البوح والإعلان والإشهار، إذ إنّها تؤثر عدم الكشف عن مصدرها، وتسعى إلى التنكّر والتلطي والتخفّي، وتقوم على نشاط المخابرات والمافيات والعصابات والعملاء السريّين، وتستخدم الحيل والكذب والخداع والطرائق الملتوية أسلوباً لنشر أخبارها وتسويقها.
وتعكف الدعاية السوداء على رفع اللافتات والشعارات البرّاقة الجاذبة، وعلى إطلاق الأطروحات الرنانة كالديمقراطية والليبرالية والعدالة والمساواة... وعلى استخدام تقنية التكرار والإعادة بغية ترسيخ موضوع الدعاية في أذهان جمهرة المتلقين- المستهدفين، ودفعهم إلى الإيمان بها كحقيقة غير قابلة للشكّ أو الارتياب، كما تعمل على افتعال صنوف التهويل وأشكال المبالغات والتضخيم والنفخ، وعلى انتقاء جانب من الحقائق ذلك الذي يخدم غرضها ويحقق غايتها المرجوّة دون أن يصار إلى التعرّض لباقي الحقائق، بل على خلاف هذا الأمر تلجأ الدعاية السوداء إلى عمليات اختلاق وتزييف وتشويه وتغيير وتحريف للحقائق والوقائع والمعطيات والأرقام بما يتلاءم مع أهدافها ويحقق لها مصالحها ومقاصدها. ومن أمثلتها ومصاديقها البيّنة الوسائط الإعلامية المجهولة الانتماء: كالصحف والإذاعات والمرئيّات، وكذلك المنشورات السرية، والمطبوعات والوثائق المزيّفة، والبيانات والرسائل التي لا تشير إلى مصدر محدّد، أو تلك التي ترسَل إلى المسؤولين بدون توقيع أو ترسَل مذيلة بتواقيع مزيّفة لأشخاص أو لمنظمات وجمعيات وهمية أو سرية. أمّا معيار تمايزها الفعلي؛ فهو قدرتها على النمو والازدهار والعمل في بيئات معادية، أو في مناطق ملاصقة لأرض العدو. والحال فهي تعتبر أداة رئيسة من أدوات الحرب النفسية.
وإذا ما صير إلى إجراء مقارنة وازنة بين تلك الألوان الثلاثة التي تتنازع الدعاية، بغرض الوقوف على أكثرها خطراً، وأشدّها فعالية وتأثيراً وفتكاً؛ فإنّه سرعان ما يتكشّف أمامنا أنّ الدعاية الرمادية هي- بما لا يقاس- الأخطر بينها، والأدهى والأشدّ فتكاً، حيث بمقدور الإنسان العاقل، بقليل من الذكاء والوعي والفطنة، وإعمال الذهن والتمحيص، أن يقف على خلفيات ومنطلقات وأهداف الدعاية البيضاء، كما الدعاية السوداء، بسبب من كون كليهما تتحيّز وتتوضّع في فضاء واضح الرؤية. أما تلك الرمادية فلها شأن آخر؛ هي تأتيه من حيث لا يحتسب، وتراوده عن نفسه دون أن يستعصم، تتسلل إلى عقله ووعيه ووجدانه متلطية خلف مظاهر برّاقة وجاذبة، فتبدو بذلك كدسّ السمّ في الدسم؛ يتجرّعها قبل أن يدرك نواياها ويكتشف أهدافها، ويتعرّض لتأثيراتها ومفاعيلها دون أن يشعر ودون أن يدري، وإلى إن يستيقظ من غفوته، ويعي حقيقة ما نال من عقله ونفسه ووعيه وإرادته ؛ يكون «الفأس قد استقرّ في الرأس».
والجدير بنظر الاعتبار، أنّ حملات الدعاية لا تقتصر على لون دون آخر، ولا تكتفي بواحد منها، بل تجمع بين طياتها عادة صنوف هذه الألوان الثلاثة. لكننا لا نكون قد جانبنا الحقيقة والصواب، إذا ذهبنا بعيداً في ادّعائنا، أنّ الدعاية الرمادية تحظى ـ بينها ـ بالقسط الأوفر من العناية والرعاية والاهتمام، وليست سعة انتشارها، وكثرة استعمالها، وعظيم استحواذها على مساحات العمل والاشتغال، إلا دليلاً ومؤشراً على خطرها ودهائها، وعلى قوة أثرها وفعاليتها.
وتتخذ الدعاية السياسية أيضاً ـ ولكن بلحاظ علاقتها بماهية المصدر ـ شكلين مختلفين:
أ ـ الدعاية العمودية (Vertical propaganda): وهي الدعاية التي تتنزّل من علٍ، وتهبط على جمهور المتلقين على نحو عمودي، أي إنها تسلك مساراً انحدارياً من أعلى إلى أسفل، يقوم بها قائد، أو زعيم سياسي، أو رئيس، أو مرشد ديني، أو موجّه... ما يُبقى رجل الدعاية خارج اصطفاف الجمهور واحتشادهم، ولكن غير بعيد، إذ يكون على علاقة وثيقة بهم، بحيث يبدو كواحدهم. وهذا ما يرتب بالضرورة- كي يستقيم الأمر- تفعيل أجهزة الاتصال الجماهيري المختلفة.
ب ـ الدعاية الأفقية (Horizontal propaganda): هي الدعاية التي تتمدّد على نحو أفقي داخل الجماعة، فلا تتنزّل أو تتساقط من علٍ، بل تتخذ في عملية توزعها وانتشارها وتشظيها مسارات هندسية مسطحة. الأمر الذي يحجب رجل الدعاية، ويخفيه، ويجعله بالتالي غير معلوم لدى الجماعة من حيث وجوده أو هويته؛ إذ ليس ثمّة قائد يتربّع على عرش الدعاية محرّكاً، وموجّهاً، ومحرّضاً... وإنما يتساوى في هذه المهمة جميع الأفراد الفاعلين، ما يُفضي إلى تشكيل وإنتاج وعي جمعي متماسك تتوسّله هاتيك الدعاية، وهذه فضيلتها. إلا أنّها قد تكتفي من حراكها بخطب ود الأذكياء بخاصة، ومخاطبة ذوي الألباب والعقول المتفتحة والراجحة.
إلا أنّ الأمر لا يستقرّ على هذه السويّة فحسب، لما يداخل معمار الدعاية من مكوّنات عديدة ، كما يداخل هويتها من عناصر وتحديدات، ما يجعل أنواعها تتعدّد بتعدّد مناظير أو زوايا الرؤية إليها:
ليست الدعاية- بلحاظ طبيعة مصادرها وحساسية أو شفافية علاقة الأخيرة بها- من لون واحد، أو من نوع واحد؛ بل يتنازعها في هذا السياق أنواع ثلاثة، هي:
أ ـ الدعاية البيضاء (White Propaganda): وهي الدعاية السافرة، البنّاءة، ذات الحجة المنطقية في تسويق وتظهير نفسها، وذات المصدر المعروف والجلي والواضح والبيّن والمكشوف والعلني، الذي يشفّ عن نفسه، ويتداعى سريعاً حين طلبه، ولا يحتاج الإفصاح عن هويته، أو تحديد منطلقاته ودوافعه، أو تظهير ما يباطنه من خلفيات، إلى عمليات تحرّ أو بحث أو تكهن أو تخمين. وعادة ما يجد سبيله في التعبير عن ذاته عبر وسائط الإعلام المتاحة، كالإذاعات ووكالات الأنباء والصحف والتصريحات ذات الطابع الرسمي، وكثيراً ما يحمل اسم الجهة أو الدولة التي توجّهه. ولذلك يُطلق على هذا النوع من الدعاية تسمية: الدعاية الرسمية أو الدعاية الصريحة. ما يعني أنّ الدعاية البيضاء ـ فضلاً عن حقيقة وعي المستهدفين من الناس ببالغ تأثيراتها ومفاعيلها فيهم ـ هي من طبيعة شافة، حيث يُفصح رجل الدعاية عن نفسه، ويوضح مقاصده وأغراضه ومراده ومراميه، على نحو تشخص معه الأبصار إلى رؤيته، وإلى إدراكه ومعرفته.
ب ـ الدعاية الرمادية (Gray propaganda): وهي الدعاية الواضحة والبيّنة المصدر أيضاً، وهي كسابقتها لا تخشى من انفضاح وانكشاف أمر مصادرها الحقيقية، إلا أنّها ـ على خلاف الدعاية البيضاء ـ هي من طبيعة مواربة ومراوغة وخادعة؛ تتلطى خلف أهداف معينة، وتستتر وراء عناوين محدّدة، وتخفي اتجاهاتها، وتميّع منطلقاتها، ولا تفصح عن حقيقة نواياها وأهدافها، كما عن مضمرات أعمالها، بل تعمل بطرائق ملتوية، وتدعو إلى ما تريد بنحو غير مباشر. مثلها كمثل نصّ أدبي مخاتل؛ ظاهره عمل روائي أو قصصي أو مسرحي. أمّا ما يباطنه؛ فهو دعوة إلى اعتناق مذهب سياسي معين، أو إلى اجتذاب المريدين والأنصار للتحلق من حوله.
ج- الدعاية السوداء (Black Propaganda): وهي الدعاية المقنّعة ذات المصدر السري، غير البيّن، وغير الواضح، والمجهول الهوية والنسب والانتماء. وهي من طبيعة قاتمة، كالحة، مستترة، خفية الغرض، تتصف بالتكتم الشديد على أصولها ومنطلقاتها وأهدافها، وعلى ظروف عملها واشتغالها، كما تتصف بعدم البوح والإعلان والإشهار، إذ إنّها تؤثر عدم الكشف عن مصدرها، وتسعى إلى التنكّر والتلطي والتخفّي، وتقوم على نشاط المخابرات والمافيات والعصابات والعملاء السريّين، وتستخدم الحيل والكذب والخداع والطرائق الملتوية أسلوباً لنشر أخبارها وتسويقها.
وتعكف الدعاية السوداء على رفع اللافتات والشعارات البرّاقة الجاذبة، وعلى إطلاق الأطروحات الرنانة كالديمقراطية والليبرالية والعدالة والمساواة... وعلى استخدام تقنية التكرار والإعادة بغية ترسيخ موضوع الدعاية في أذهان جمهرة المتلقين- المستهدفين، ودفعهم إلى الإيمان بها كحقيقة غير قابلة للشكّ أو الارتياب، كما تعمل على افتعال صنوف التهويل وأشكال المبالغات والتضخيم والنفخ، وعلى انتقاء جانب من الحقائق ذلك الذي يخدم غرضها ويحقق غايتها المرجوّة دون أن يصار إلى التعرّض لباقي الحقائق، بل على خلاف هذا الأمر تلجأ الدعاية السوداء إلى عمليات اختلاق وتزييف وتشويه وتغيير وتحريف للحقائق والوقائع والمعطيات والأرقام بما يتلاءم مع أهدافها ويحقق لها مصالحها ومقاصدها. ومن أمثلتها ومصاديقها البيّنة الوسائط الإعلامية المجهولة الانتماء: كالصحف والإذاعات والمرئيّات، وكذلك المنشورات السرية، والمطبوعات والوثائق المزيّفة، والبيانات والرسائل التي لا تشير إلى مصدر محدّد، أو تلك التي ترسَل إلى المسؤولين بدون توقيع أو ترسَل مذيلة بتواقيع مزيّفة لأشخاص أو لمنظمات وجمعيات وهمية أو سرية. أمّا معيار تمايزها الفعلي؛ فهو قدرتها على النمو والازدهار والعمل في بيئات معادية، أو في مناطق ملاصقة لأرض العدو. والحال فهي تعتبر أداة رئيسة من أدوات الحرب النفسية.
وإذا ما صير إلى إجراء مقارنة وازنة بين تلك الألوان الثلاثة التي تتنازع الدعاية، بغرض الوقوف على أكثرها خطراً، وأشدّها فعالية وتأثيراً وفتكاً؛ فإنّه سرعان ما يتكشّف أمامنا أنّ الدعاية الرمادية هي- بما لا يقاس- الأخطر بينها، والأدهى والأشدّ فتكاً، حيث بمقدور الإنسان العاقل، بقليل من الذكاء والوعي والفطنة، وإعمال الذهن والتمحيص، أن يقف على خلفيات ومنطلقات وأهداف الدعاية البيضاء، كما الدعاية السوداء، بسبب من كون كليهما تتحيّز وتتوضّع في فضاء واضح الرؤية. أما تلك الرمادية فلها شأن آخر؛ هي تأتيه من حيث لا يحتسب، وتراوده عن نفسه دون أن يستعصم، تتسلل إلى عقله ووعيه ووجدانه متلطية خلف مظاهر برّاقة وجاذبة، فتبدو بذلك كدسّ السمّ في الدسم؛ يتجرّعها قبل أن يدرك نواياها ويكتشف أهدافها، ويتعرّض لتأثيراتها ومفاعيلها دون أن يشعر ودون أن يدري، وإلى إن يستيقظ من غفوته، ويعي حقيقة ما نال من عقله ونفسه ووعيه وإرادته ؛ يكون «الفأس قد استقرّ في الرأس».
والجدير بنظر الاعتبار، أنّ حملات الدعاية لا تقتصر على لون دون آخر، ولا تكتفي بواحد منها، بل تجمع بين طياتها عادة صنوف هذه الألوان الثلاثة. لكننا لا نكون قد جانبنا الحقيقة والصواب، إذا ذهبنا بعيداً في ادّعائنا، أنّ الدعاية الرمادية تحظى ـ بينها ـ بالقسط الأوفر من العناية والرعاية والاهتمام، وليست سعة انتشارها، وكثرة استعمالها، وعظيم استحواذها على مساحات العمل والاشتغال، إلا دليلاً ومؤشراً على خطرها ودهائها، وعلى قوة أثرها وفعاليتها.
وتتخذ الدعاية السياسية أيضاً ـ ولكن بلحاظ علاقتها بماهية المصدر ـ شكلين مختلفين:
أ ـ الدعاية العمودية (Vertical propaganda): وهي الدعاية التي تتنزّل من علٍ، وتهبط على جمهور المتلقين على نحو عمودي، أي إنها تسلك مساراً انحدارياً من أعلى إلى أسفل، يقوم بها قائد، أو زعيم سياسي، أو رئيس، أو مرشد ديني، أو موجّه... ما يُبقى رجل الدعاية خارج اصطفاف الجمهور واحتشادهم، ولكن غير بعيد، إذ يكون على علاقة وثيقة بهم، بحيث يبدو كواحدهم. وهذا ما يرتب بالضرورة- كي يستقيم الأمر- تفعيل أجهزة الاتصال الجماهيري المختلفة.
ب ـ الدعاية الأفقية (Horizontal propaganda): هي الدعاية التي تتمدّد على نحو أفقي داخل الجماعة، فلا تتنزّل أو تتساقط من علٍ، بل تتخذ في عملية توزعها وانتشارها وتشظيها مسارات هندسية مسطحة. الأمر الذي يحجب رجل الدعاية، ويخفيه، ويجعله بالتالي غير معلوم لدى الجماعة من حيث وجوده أو هويته؛ إذ ليس ثمّة قائد يتربّع على عرش الدعاية محرّكاً، وموجّهاً، ومحرّضاً... وإنما يتساوى في هذه المهمة جميع الأفراد الفاعلين، ما يُفضي إلى تشكيل وإنتاج وعي جمعي متماسك تتوسّله هاتيك الدعاية، وهذه فضيلتها. إلا أنّها قد تكتفي من حراكها بخطب ود الأذكياء بخاصة، ومخاطبة ذوي الألباب والعقول المتفتحة والراجحة.
إلا أنّ الأمر لا يستقرّ على هذه السويّة فحسب، لما يداخل معمار الدعاية من مكوّنات عديدة ، كما يداخل هويتها من عناصر وتحديدات، ما يجعل أنواعها تتعدّد بتعدّد مناظير أو زوايا الرؤية إليها:
صفحة 8
أولاً - الدعاية من حيث الأسلوب
يتنازع الدعاية- باعتبار الأسلوب- نوعان:
أ- الدعاية المباشرة (Direct propaganda): هي الدعاية التي تتجّه مباشرة إلى أهدافها والى مقاصدها وأغراضها دونما موارابات أو مراوغات، ودونما تلمس لطرائق ملتوية أو السير في طرق متعرّجة؛ تسمّي الأشياء بمسمياتها، وتتصف بالمباشرة والقصدية والتعيين.
ب- الدعاية غير المباشرة (Indirect propaganda): هي خلاف سابقتها، تتوسّل طرائق ملتوية ومواربة للوصول إلى أهدفها المنشودة؛ ليس من اليسير بإطلاق اقتفاء أثرها أو ترصّدها، أو تعيين مسارب اندفاقها وانثيالها، أو الإحاطة بمجمل مسارات اشتغالها.
ثانياً- الدعاية بلحاظ الزمن واعتبار النتيجة
يتوزّع الدعاية- إذا ما صير إلى معاينتها وفحصها باعتبار معيارية الزمن وباعتبار طبيعة نتائجها المرجوّة– نوعان اثنان:
أ- الدعاية السياسية الإستراتيجية: هي تلك الدعاية التي تترفّع عن الاهتمام بالتفاصيل والجزئيات لتتوسّل أهدافاً كبرى رئيسة وحيوية، ولترمي إلى تحقيق أغراض مخطّطة على نحو مسبق وبكيفية دقيقة ووازنة، ولتعنى بوضع الدعائيات العامة ذات المدى المتطاول، كما برسم الخطوط العامة؛ كأن تعنى بترتيب الحملات الدعائية. والدعاية الإستراتيجية- بوصفها إعلاماً جماهيرياً يستهدف جماعة كبيرة من المتلقين يتوزعون بدورهم على مساحات شاسعة من الأرض- لا تتنكب في حراكها الاستحواذ على نتائج فورية عاجلة، بل على تلك ذات الطبيعة والمفاعيل البعدية التي يستغرق تحقيقها مدة زمنية طويلة، قد تمتدّ إلى عشرات السنين.
ب- الدعاية السياسية التكتيكية: هي تلك الدعاية التي تتوسّل أهدافاً مؤقتة يصار إلى تحديدها وانتخابها على نحو ينسجم مع أهداف الخطط الفرعية أو العمليات المرحلية المراد تنفيذها من قبل جهة ما، وتعدّ على وجه العموم مصاحبة للأعمال العسكرية والحربية(47). الأمر الذي يجعلها ذات مفاعيل وتأثيرات مباشرة وقصدية. والتكتيكية على خلاف الدعاية الإستراتيجية تسعى للحصول على نتائج فورية عاجلة، ومن مصاديقها الفاعلة ما يبذل في ساحة المعركة من محاولات حثيثة ودائبة لإشاعة الخوف، ونشر اليأس والإحباط، وتثبيط العزائم، وكبح الإرادات والوعي، وتهديم الروح المعنوية للمحاربين من الأعداء لتعجيل هزيمتهم وتسريع استسلامهم؛ كأن يصار إلى رمي منشورات أثناء الحرب، أو يصار إلى استخدام مكبّرات الصوت لدفع العدو إلى إلقاء السلاح ...
ثالثاً - الدعاية من حيث الوظيفة
أمّا الدعاية السياسية، إذا ما صير إلى النظر إليها بلحاظ معيارها الوظيفي؛ فهي على أنواع ثلاثة:
أ- الدعاية التحريضية: هي الدعاية التي تستبطن معاني التمرّد أو الحرب أو التحريض أو العصيان أو الاحتجاج، أو التآمر أو الانقلاب أو الثورة...؛ تتوسّلها جماعة أو جهة للإطاحة بسلطة قائمة، أو للإضرار بنظام معين، أو لتحطيم كيان سياسي واستبداله بآخر جديد... وقد تكون ـ على خلاف ذلك ـ من صنيعة سلطة ما، ومن بنات أفكار نظام ما، أي محض دعاية حكومية، في مسعى حثيث لتحريض الجماهير وإعدادها وتهيئتها لغرض تقبل تغييرات جذرية منشودة. أكثر ما يصار إلى تفعيل الدعاية التحريضية وتنشيط العمل بها في ظل الأزمات العاصفة والظروف الصعبة، وقد تقوم هي بافتعال الأزمات(48) واختلاقها وإثارتها، أو تسعيرها وإذكاء نارها، وتأجيج أوارها إذا ما كانت قائمة. وهي تختصّ- من ضمن ما تختصّ- بمهارة استلال الفرد من حياته اليومية والطبيعية، ودفعه إلى ركوب المخاطر والأهوال والمصاعب، بعد أن تكون قد أطلقت في ذاته ذلك الإحساس العارم بالحماسة والمغامرة والاندفاع والتهوّر.
ب- الدعاية الاندماجية: هي أكثر- بما لا يقاس- دقة وتعقيداً من سابقتها الدعاية التحريضية، بوصفها لا تكتفي بالسعي كالأخيرة إلى إثارة مؤقتة وظرفية ومرحلية عابرة، بل تجدّ في السعي نحو قولبة شاملة، وقوننة عامة، وإعداد متقن لوعي الفرد، ولمنظومة أفكاره وسلوكياته وتوجهاته وقيمه، كما لانفعالاته وممارساته، بحيث يصبح نتاج مقولاتها، وصنيعة مقاصدها، وخليق إرهاصاتها وتمخضاتها وتفاعلاتها. والحال، فهي تنزع إلى إقامة مجتمع قوامه التوازن، والاتساق، والانسجام، والتماسك، والوحدة، والتماهي بين أفراده ومكوّناته وعناصره الفاعلة والحاكمة.
ج- الدعاية التسويقية: وهي دعاية ذات طابع تسويقي وترويجي، تتوسّل تظهير صورة فاضلة ومشرقة عن الجهة الصادرة منها سواء أكانت دولة، أم حزباً، أم مؤسّسة... وذلك بهدف إكساب هذه الجهة وجهاً حضارياً وعصرياً، كما الاستحواذ لها على مشروعية أخلاقية، أو إنسانية، أو قانونية، أو حقوقية، أو دينية. يدخل على سبيل المثال في مدار هذا النوع من الدعاية؛ الأنشطة، والعلاقات العامة... ما يعني أنّ الدعاية التسويقية تتوخى في حراكها وفي نشاطها واشتغالها عملية ضبط وتقنين الصورة الذهنية الوهمية لدى الجميع عن حال الجهة ـ صاحبة الدعاية ـ لتكون موافقة ومطابقة للصورة الذهنية التي تحرص وتلحّ هذه الجهة على ترسيبها وتثبيتها في الأذهان كصورة نهائية.
رابعاً- الدعاية من حيث الهدف والوجهة والغرض
كما نقع في الدعاية السياسية، باعتبار أهدافها ووجهاتها وأغراضها، على نوعين اثنين:
يتنازع الدعاية- باعتبار الأسلوب- نوعان:
أ- الدعاية المباشرة (Direct propaganda): هي الدعاية التي تتجّه مباشرة إلى أهدافها والى مقاصدها وأغراضها دونما موارابات أو مراوغات، ودونما تلمس لطرائق ملتوية أو السير في طرق متعرّجة؛ تسمّي الأشياء بمسمياتها، وتتصف بالمباشرة والقصدية والتعيين.
ب- الدعاية غير المباشرة (Indirect propaganda): هي خلاف سابقتها، تتوسّل طرائق ملتوية ومواربة للوصول إلى أهدفها المنشودة؛ ليس من اليسير بإطلاق اقتفاء أثرها أو ترصّدها، أو تعيين مسارب اندفاقها وانثيالها، أو الإحاطة بمجمل مسارات اشتغالها.
ثانياً- الدعاية بلحاظ الزمن واعتبار النتيجة
يتوزّع الدعاية- إذا ما صير إلى معاينتها وفحصها باعتبار معيارية الزمن وباعتبار طبيعة نتائجها المرجوّة– نوعان اثنان:
أ- الدعاية السياسية الإستراتيجية: هي تلك الدعاية التي تترفّع عن الاهتمام بالتفاصيل والجزئيات لتتوسّل أهدافاً كبرى رئيسة وحيوية، ولترمي إلى تحقيق أغراض مخطّطة على نحو مسبق وبكيفية دقيقة ووازنة، ولتعنى بوضع الدعائيات العامة ذات المدى المتطاول، كما برسم الخطوط العامة؛ كأن تعنى بترتيب الحملات الدعائية. والدعاية الإستراتيجية- بوصفها إعلاماً جماهيرياً يستهدف جماعة كبيرة من المتلقين يتوزعون بدورهم على مساحات شاسعة من الأرض- لا تتنكب في حراكها الاستحواذ على نتائج فورية عاجلة، بل على تلك ذات الطبيعة والمفاعيل البعدية التي يستغرق تحقيقها مدة زمنية طويلة، قد تمتدّ إلى عشرات السنين.
ب- الدعاية السياسية التكتيكية: هي تلك الدعاية التي تتوسّل أهدافاً مؤقتة يصار إلى تحديدها وانتخابها على نحو ينسجم مع أهداف الخطط الفرعية أو العمليات المرحلية المراد تنفيذها من قبل جهة ما، وتعدّ على وجه العموم مصاحبة للأعمال العسكرية والحربية(47). الأمر الذي يجعلها ذات مفاعيل وتأثيرات مباشرة وقصدية. والتكتيكية على خلاف الدعاية الإستراتيجية تسعى للحصول على نتائج فورية عاجلة، ومن مصاديقها الفاعلة ما يبذل في ساحة المعركة من محاولات حثيثة ودائبة لإشاعة الخوف، ونشر اليأس والإحباط، وتثبيط العزائم، وكبح الإرادات والوعي، وتهديم الروح المعنوية للمحاربين من الأعداء لتعجيل هزيمتهم وتسريع استسلامهم؛ كأن يصار إلى رمي منشورات أثناء الحرب، أو يصار إلى استخدام مكبّرات الصوت لدفع العدو إلى إلقاء السلاح ...
ثالثاً - الدعاية من حيث الوظيفة
أمّا الدعاية السياسية، إذا ما صير إلى النظر إليها بلحاظ معيارها الوظيفي؛ فهي على أنواع ثلاثة:
أ- الدعاية التحريضية: هي الدعاية التي تستبطن معاني التمرّد أو الحرب أو التحريض أو العصيان أو الاحتجاج، أو التآمر أو الانقلاب أو الثورة...؛ تتوسّلها جماعة أو جهة للإطاحة بسلطة قائمة، أو للإضرار بنظام معين، أو لتحطيم كيان سياسي واستبداله بآخر جديد... وقد تكون ـ على خلاف ذلك ـ من صنيعة سلطة ما، ومن بنات أفكار نظام ما، أي محض دعاية حكومية، في مسعى حثيث لتحريض الجماهير وإعدادها وتهيئتها لغرض تقبل تغييرات جذرية منشودة. أكثر ما يصار إلى تفعيل الدعاية التحريضية وتنشيط العمل بها في ظل الأزمات العاصفة والظروف الصعبة، وقد تقوم هي بافتعال الأزمات(48) واختلاقها وإثارتها، أو تسعيرها وإذكاء نارها، وتأجيج أوارها إذا ما كانت قائمة. وهي تختصّ- من ضمن ما تختصّ- بمهارة استلال الفرد من حياته اليومية والطبيعية، ودفعه إلى ركوب المخاطر والأهوال والمصاعب، بعد أن تكون قد أطلقت في ذاته ذلك الإحساس العارم بالحماسة والمغامرة والاندفاع والتهوّر.
ب- الدعاية الاندماجية: هي أكثر- بما لا يقاس- دقة وتعقيداً من سابقتها الدعاية التحريضية، بوصفها لا تكتفي بالسعي كالأخيرة إلى إثارة مؤقتة وظرفية ومرحلية عابرة، بل تجدّ في السعي نحو قولبة شاملة، وقوننة عامة، وإعداد متقن لوعي الفرد، ولمنظومة أفكاره وسلوكياته وتوجهاته وقيمه، كما لانفعالاته وممارساته، بحيث يصبح نتاج مقولاتها، وصنيعة مقاصدها، وخليق إرهاصاتها وتمخضاتها وتفاعلاتها. والحال، فهي تنزع إلى إقامة مجتمع قوامه التوازن، والاتساق، والانسجام، والتماسك، والوحدة، والتماهي بين أفراده ومكوّناته وعناصره الفاعلة والحاكمة.
ج- الدعاية التسويقية: وهي دعاية ذات طابع تسويقي وترويجي، تتوسّل تظهير صورة فاضلة ومشرقة عن الجهة الصادرة منها سواء أكانت دولة، أم حزباً، أم مؤسّسة... وذلك بهدف إكساب هذه الجهة وجهاً حضارياً وعصرياً، كما الاستحواذ لها على مشروعية أخلاقية، أو إنسانية، أو قانونية، أو حقوقية، أو دينية. يدخل على سبيل المثال في مدار هذا النوع من الدعاية؛ الأنشطة، والعلاقات العامة... ما يعني أنّ الدعاية التسويقية تتوخى في حراكها وفي نشاطها واشتغالها عملية ضبط وتقنين الصورة الذهنية الوهمية لدى الجميع عن حال الجهة ـ صاحبة الدعاية ـ لتكون موافقة ومطابقة للصورة الذهنية التي تحرص وتلحّ هذه الجهة على ترسيبها وتثبيتها في الأذهان كصورة نهائية.
رابعاً- الدعاية من حيث الهدف والوجهة والغرض
كما نقع في الدعاية السياسية، باعتبار أهدافها ووجهاتها وأغراضها، على نوعين اثنين:
صفحة 9
أ- الدعاية الدفاعية: هي الدعاية التي تحصّن الجبهة الداخلية للجهة الناظمة لها، وتخدم مجهودها الحربي، وتزيد نفوس مواطنيها ثقة واطمئناناً، وتوضّح الأهداف...
ب- الدعاية الهجومية: هي الدعاية التي تقصد إلى برمجة وعي الأعداء والخصوم، والتأثير على عقولهم وعواطفهم، والإضرار بمعنوياتهم. وقد تقصد إلى استمالة المحايدين واجتذابهم، وكسب تأييدهم. وقد تنزع إلى تعزيز صداقة الأصدقاء والحلفاء، وتمتين الأواصر، وتعميق التحالفات. وهي في مجمل توجهاتها قد تأخذ بتكتيك القتال؛ تهاجم في مكان، وتنسحب من آخر، تناور وتراوغ وتتوسّل الحيلة، وتمارس ألوان التخفّي والتضليل والتمويه والخداع، مستفيدة من غير وسيلة وأداة لاسيما الإعلامية منها.
أنماط الدعاية السياسية
يتمّ التمييز عادة ـ وفق ما تتكشّف عنه المقاربات العلمية ـ بين نمطين من الدعاية السياسية، مع ما تعنيه كلمة نمط هنا من وصفها التقنية الفنية المستخدمة في تظهير الدعاية، وإعدادها، وإخراجها، وإنتاجها، على نحو يحقق الغاية المرجوّة والمأمولة منها:
أ- الدعاية السياسية العقلانية: هي الدعاية التي تشيّد تصوراتها، وتبني فروضها وصروحها، وتخطّ مسارات عملها واشتغالها، بالاستناد إلى الأرقام والوقائع والإحصائيات والشواهد والبراهين والحجج والأدلة الدامغة، كما إلى الدقة والوضوح. ما يجعل وجهتها تقوم، ليس على مخاطبة المشاعر والانفعالات والعواطف والغرائز والميول؛ وإنما على مخاطبة العقل والوعي والمنطق، وعلى استهداف الجانب الإدراكي من الشخصية الإنسانية. وبالتالي لا تخلو مقولاتها من حقائق أو من أنصاف حقائق يصار إلى تتبيلها وتلفيقها وتقديمها بقوالب مختلفة، وبما يتناسب وحساسيات المتلقين.
ب- الدعاية السياسية اللاعقلانية: هي الدعاية التي تستنكف عن إيلاء العقل والوعي عظيم الاهتمام والرعاية والنظر؛ لتنحو باتجاه تغليب مخاطبة لاوعي الفرد، واستثارة غرائزه وميوله وأهوائه وانفعالاته ومشاعره وعواطفه، كما التصويب على الجانب الفيزيولوجي من الشخصية الإنسانية. والحال، تفتقد الدعاية السياسية اللاعقلانية إلى أواليات الاستدلال والاستنباط والبرهنة، وما إلى ذلك من أدوات التحليل والتعليل العقلي والعلمي. بمقدور الباحث أن يقع على ترجماتها وتمثلاتها ومصاديقها في الدعاية النازية.
أهداف الدعاية السياسية
تطول قائمة الأهداف والغايات والأغراض التي تتوسّلها وتنشدها الدعاية في حراكها العام، والتي تسعى وتجدّ في طلبها تلمساً للنتائج والمخرجات المرجوّة، إذ تتشعّب الأهداف وتتعدّد وتتنوّع وتتفارق باعتبار موضوع الدعاية، كما منطلقاتها ودوافعها، وبلحاظ اختلاف الزمان والمكان. إلا أنّه بالمقدور- وفقاً لمذهب هارولد لازويل- ترسيم وتبيّن معالم خارطة طريق لها، تشفّ عن جملة محاور لا تخرج الأهداف الإستراتيجية للدعاية- على تنوّعها- من فضاءاتها ومداراتها وحيزاتها، ومن حقول عملها واشتغالها:
أ- كيّ وعي العدو، وكبح جماح اندفاعته، واستلاب إرادته وعزيمته، وتحطيم روحه المعنوية، والحؤول دون استخدامه وتفعيله لأسباب القوة لديه.
ب- تعبئة الجماهير بكراهية العدو وشحذ نفوسها ومشاعرها بألوان وصنوف البغض والحقد والضغينة والثأر والانتقام.
ج- تشويه صورة العدو(49)، وتخفيت بريقه، وتبهيت حضوره، وتبخيس قدره وشأنيته واعتباريته، وتجريمه، وتشريره، وشيطنة أعماله، وأبلسة تصرفاته وسلوكياته وممارساته، والإساءة إلى سمعته ومكانته وعلاقاته، والتقليل من قيمته، كما من فعالية نفوذه على المسارح الإقليمية والدولية والعالمية.
د- تمتين أواصر الصداقة مع الحلفاء، والحرص على صون وتعميق العلاقة بهم، وتفعيل أطر التعاون، وتثميرها، ودفعها بالاتجاه الإستراتيجي، على نحو تصبح فيه العلاقات والتفاهمات من طبيعة وجودية.
هـ- الحفاظ على صداقة الدول والحركات والأطراف المحايدة، بل الدفع باتجاه كسب تأييدها كمقدمة للحصول على دعمها وتعاونها لاحقاً.
و- تحييد الدول والحركات والأطراف التي تقيم صداقات وتفاهمات وتحالفات مع العدو.
ب- الدعاية الهجومية: هي الدعاية التي تقصد إلى برمجة وعي الأعداء والخصوم، والتأثير على عقولهم وعواطفهم، والإضرار بمعنوياتهم. وقد تقصد إلى استمالة المحايدين واجتذابهم، وكسب تأييدهم. وقد تنزع إلى تعزيز صداقة الأصدقاء والحلفاء، وتمتين الأواصر، وتعميق التحالفات. وهي في مجمل توجهاتها قد تأخذ بتكتيك القتال؛ تهاجم في مكان، وتنسحب من آخر، تناور وتراوغ وتتوسّل الحيلة، وتمارس ألوان التخفّي والتضليل والتمويه والخداع، مستفيدة من غير وسيلة وأداة لاسيما الإعلامية منها.
أنماط الدعاية السياسية
يتمّ التمييز عادة ـ وفق ما تتكشّف عنه المقاربات العلمية ـ بين نمطين من الدعاية السياسية، مع ما تعنيه كلمة نمط هنا من وصفها التقنية الفنية المستخدمة في تظهير الدعاية، وإعدادها، وإخراجها، وإنتاجها، على نحو يحقق الغاية المرجوّة والمأمولة منها:
أ- الدعاية السياسية العقلانية: هي الدعاية التي تشيّد تصوراتها، وتبني فروضها وصروحها، وتخطّ مسارات عملها واشتغالها، بالاستناد إلى الأرقام والوقائع والإحصائيات والشواهد والبراهين والحجج والأدلة الدامغة، كما إلى الدقة والوضوح. ما يجعل وجهتها تقوم، ليس على مخاطبة المشاعر والانفعالات والعواطف والغرائز والميول؛ وإنما على مخاطبة العقل والوعي والمنطق، وعلى استهداف الجانب الإدراكي من الشخصية الإنسانية. وبالتالي لا تخلو مقولاتها من حقائق أو من أنصاف حقائق يصار إلى تتبيلها وتلفيقها وتقديمها بقوالب مختلفة، وبما يتناسب وحساسيات المتلقين.
ب- الدعاية السياسية اللاعقلانية: هي الدعاية التي تستنكف عن إيلاء العقل والوعي عظيم الاهتمام والرعاية والنظر؛ لتنحو باتجاه تغليب مخاطبة لاوعي الفرد، واستثارة غرائزه وميوله وأهوائه وانفعالاته ومشاعره وعواطفه، كما التصويب على الجانب الفيزيولوجي من الشخصية الإنسانية. والحال، تفتقد الدعاية السياسية اللاعقلانية إلى أواليات الاستدلال والاستنباط والبرهنة، وما إلى ذلك من أدوات التحليل والتعليل العقلي والعلمي. بمقدور الباحث أن يقع على ترجماتها وتمثلاتها ومصاديقها في الدعاية النازية.
أهداف الدعاية السياسية
تطول قائمة الأهداف والغايات والأغراض التي تتوسّلها وتنشدها الدعاية في حراكها العام، والتي تسعى وتجدّ في طلبها تلمساً للنتائج والمخرجات المرجوّة، إذ تتشعّب الأهداف وتتعدّد وتتنوّع وتتفارق باعتبار موضوع الدعاية، كما منطلقاتها ودوافعها، وبلحاظ اختلاف الزمان والمكان. إلا أنّه بالمقدور- وفقاً لمذهب هارولد لازويل- ترسيم وتبيّن معالم خارطة طريق لها، تشفّ عن جملة محاور لا تخرج الأهداف الإستراتيجية للدعاية- على تنوّعها- من فضاءاتها ومداراتها وحيزاتها، ومن حقول عملها واشتغالها:
أ- كيّ وعي العدو، وكبح جماح اندفاعته، واستلاب إرادته وعزيمته، وتحطيم روحه المعنوية، والحؤول دون استخدامه وتفعيله لأسباب القوة لديه.
ب- تعبئة الجماهير بكراهية العدو وشحذ نفوسها ومشاعرها بألوان وصنوف البغض والحقد والضغينة والثأر والانتقام.
ج- تشويه صورة العدو(49)، وتخفيت بريقه، وتبهيت حضوره، وتبخيس قدره وشأنيته واعتباريته، وتجريمه، وتشريره، وشيطنة أعماله، وأبلسة تصرفاته وسلوكياته وممارساته، والإساءة إلى سمعته ومكانته وعلاقاته، والتقليل من قيمته، كما من فعالية نفوذه على المسارح الإقليمية والدولية والعالمية.
د- تمتين أواصر الصداقة مع الحلفاء، والحرص على صون وتعميق العلاقة بهم، وتفعيل أطر التعاون، وتثميرها، ودفعها بالاتجاه الإستراتيجي، على نحو تصبح فيه العلاقات والتفاهمات من طبيعة وجودية.
هـ- الحفاظ على صداقة الدول والحركات والأطراف المحايدة، بل الدفع باتجاه كسب تأييدها كمقدمة للحصول على دعمها وتعاونها لاحقاً.
و- تحييد الدول والحركات والأطراف التي تقيم صداقات وتفاهمات وتحالفات مع العدو.
صفحة 10
أساليب الدعاية السياسية
تجهد الدعاية السياسية لتحقيق مآربها ومقاصدها وغاياتها، وتتوسّل في سبيل ذلك أساليب متعدّدة ومتنوّعة ومختلفة، وفق ما تقتضيه خصوصية الزمان والبيئة والموضوع والمتلقي والهدف المنشود. سنقف على أبرز هذه الأساليب:
أ- أسلوب النكتة: تستحوذ النكتة السياسية- لاسيما عند الشعوب التي تستهوي بطبيعتها الفكاهة، وتميل إلى الطرافة واستظراف الكلام- على قدر كبير من الحظوة والأهمية والقيمة والتقدير، نظراً لما تستحوذ عليه من فيض في القابلية على الانتقال والانتشار والتمدّد وجذب الأسماع والأذهان، ولما لها من قدرة فائقة على إحداث تأثيرات جوهرية وجذرية في الرأي والمزاج العام، كما تسييل مفاعيل قد تكون في أحايين كثيرة أكبر وأعمق وأدهى من تأثير المقالات الصحفية، والأحاديث الإذاعية، والصور الذهنية والكاريكاتورية. ما جعلها موضع عناية واهتمام الخصوم والحلفاء على حدّ سواء.
وقد قطعت النكتة أشواطاً بعيدة في ترسيخ وترسيب وتعزيز مكانتها، حتى غدت معيار تفاضل الشعوب والأمم إذا ما صير إلى الموازنة بينها باعتبار الذكاء؛ حيث تشير الدراسات والأبحاث المختصّة إلى أن الشعوب الأكثر إبداعاً وتداولاً للنكتة السياسية، هي الشعوب التي تتوفر على مستوى ذكاء أعلى، من مثيلاتها التي تشهد النكتة السياسية عندها انحساراً وانكماشاً وضموراً.
والحال، أخذت الدعاية بأسلوب النكتة(50)، وتوسّلت به، وعملت على تفعيله، وتثميره، لتحقيق أهدافها وأغراضها وغاياتها ومقاصدها.
بالمقدور أن نعرض على نحو من التمثيل والاستدلال هنا، للكيفية التي صير فيها إلى تناول موقعة بيرل هاربور(51) بأسلوب دعائي ساخر يتوسّل النكتة سبيلاً، ما كان له بالغ الأثر في تقويض الروح المعنوية للشعب الأميركي. فقد أفصحت النكتة التي تناقلتها الألسن والشفاه، وصير إلى تعميمها وإذاعتها حتى بلغت كلّ مسمع، واستقرت في كلّ منزل ودار؛ عن أنّ أحد الطيارين اليابانيين الذين شاركوا في الإغارة على الأسطول الأميركي في قاعدة بيرل هاربور، قد عثر في جيبه على رغيف خبز طازج لُفّ في أوراق أحد المخابز الواقعة في جزيرة هونولولو التي تضم القاعدة البحرية الأميركية، في دلالة معبّرة على ارتفاع الروح القتالية عند المحاربين اليابانين، واستخفافهم بالقوّة الأميركية، في قبالة قصور الأخيرة وتقاعسها، وغفلتها عما يدور حولها.
ب- أسلوب التكرار: توسلت الدعاية السياسية بأسلوب التكرار(52)، بوصفه تقنية فاعلة من تقنيات تثبيت المعلومات والأخبار المراد بثها ونشرها وإشاعتها بين الجماهير، وترسيخها وترسيبها في أذهان الناس، ومنحها قدراً من الصدقية الموهومة الزائفة، ومن القبول والرضى، «فالشيء يتوصل عن طريق التكرار» يقول غوستاف لوبون «إلى الرسوخ في النفوس إلى درجة أنه يقبل كحقيقة برهانية (...) فعندما نكرّر الشيء مراراً وتكراراً، ينتهي به الأمر إلى الانغراس في تلك الزوايا العميقة للاوعي، حيث تصنع دوافع كل أعمالنا. فبعد أن تمرّ فترة من الزمن ننسى من هو مؤلف القول المكرّر، وينتهي بنا الأمر إلى حدّ الإيمان به»(53).
وكان أدولف هتلر قد أشار إلى فعالية وإلحاح هذه التقنية في العمل الدعائي، حيث يقول: «إنّ الجماهير يلزمها وقت طويل حتى تفهم وتتذكر، ما يعني وجوب استخدام هذا الأسلوب لتكثيف الجوانب الإيجابية للتذكير»(54).
لكنّ استعمال التكرار على نحو ممجوج دونه مخاطر ومحاذير، إذ قد يتأدّى إلى إصابة المتلقي بالملل، وإلى إشعاره بالنفور والتقزّز، واستطراداً إلى رفض الرسالة، وإلى الإحجام والامتناع عن قبولها. ولذا يُنصح أن يقدّم التكرار على أطباق متعدّدة ومتفارقة؛ كأن تُصاحب ترجماته بالتنوّع، وأن يُعبّر عنه بطرائق مختلفة، وأن ينطوي على عناصر التشويق والإثارة والدهشة، كما على أدوات الجذب والإلفات والانتباه «يميل الناس إلى سماع الدعاية التي يعجبهم مضمونها وأهدافها» يقول شيلفورد بيدويل «وضمن هذه التحديدات لا شكّ أن المواقف يمكن تغييرها عن طريق تحويل التأكيد وخلق القالب الجديد، وعن طريق التكرار المستمرّ للمضمون نفسه ولكن بأشكال مختلفة»(55).
ج- أسلوب إطلاق الشعارات(56): غالباً ما تعكف الدعاية السياسية على إطلاق الشعارات التي يصار عادة إلى انتقائها، وتخيّر مرموزاتها وحمولاتها، وإحكام صياغتها بعناية بالغة، بحيث يصبح الشعار عنوان مرحلة، يُعمل فيها ـ بنحو وثوقي ـ على الربط الشعوري بينه وبين الأهداف المعلن عنها، وبكيفية يغدو معها مجرد سماع تلفظات وتمتمات الشعار، محرضاً تلقائياً على استحضار تلك الأهداف، ومثولها أمام المتلقي.
تجهد الدعاية السياسية لتحقيق مآربها ومقاصدها وغاياتها، وتتوسّل في سبيل ذلك أساليب متعدّدة ومتنوّعة ومختلفة، وفق ما تقتضيه خصوصية الزمان والبيئة والموضوع والمتلقي والهدف المنشود. سنقف على أبرز هذه الأساليب:
أ- أسلوب النكتة: تستحوذ النكتة السياسية- لاسيما عند الشعوب التي تستهوي بطبيعتها الفكاهة، وتميل إلى الطرافة واستظراف الكلام- على قدر كبير من الحظوة والأهمية والقيمة والتقدير، نظراً لما تستحوذ عليه من فيض في القابلية على الانتقال والانتشار والتمدّد وجذب الأسماع والأذهان، ولما لها من قدرة فائقة على إحداث تأثيرات جوهرية وجذرية في الرأي والمزاج العام، كما تسييل مفاعيل قد تكون في أحايين كثيرة أكبر وأعمق وأدهى من تأثير المقالات الصحفية، والأحاديث الإذاعية، والصور الذهنية والكاريكاتورية. ما جعلها موضع عناية واهتمام الخصوم والحلفاء على حدّ سواء.
وقد قطعت النكتة أشواطاً بعيدة في ترسيخ وترسيب وتعزيز مكانتها، حتى غدت معيار تفاضل الشعوب والأمم إذا ما صير إلى الموازنة بينها باعتبار الذكاء؛ حيث تشير الدراسات والأبحاث المختصّة إلى أن الشعوب الأكثر إبداعاً وتداولاً للنكتة السياسية، هي الشعوب التي تتوفر على مستوى ذكاء أعلى، من مثيلاتها التي تشهد النكتة السياسية عندها انحساراً وانكماشاً وضموراً.
والحال، أخذت الدعاية بأسلوب النكتة(50)، وتوسّلت به، وعملت على تفعيله، وتثميره، لتحقيق أهدافها وأغراضها وغاياتها ومقاصدها.
بالمقدور أن نعرض على نحو من التمثيل والاستدلال هنا، للكيفية التي صير فيها إلى تناول موقعة بيرل هاربور(51) بأسلوب دعائي ساخر يتوسّل النكتة سبيلاً، ما كان له بالغ الأثر في تقويض الروح المعنوية للشعب الأميركي. فقد أفصحت النكتة التي تناقلتها الألسن والشفاه، وصير إلى تعميمها وإذاعتها حتى بلغت كلّ مسمع، واستقرت في كلّ منزل ودار؛ عن أنّ أحد الطيارين اليابانيين الذين شاركوا في الإغارة على الأسطول الأميركي في قاعدة بيرل هاربور، قد عثر في جيبه على رغيف خبز طازج لُفّ في أوراق أحد المخابز الواقعة في جزيرة هونولولو التي تضم القاعدة البحرية الأميركية، في دلالة معبّرة على ارتفاع الروح القتالية عند المحاربين اليابانين، واستخفافهم بالقوّة الأميركية، في قبالة قصور الأخيرة وتقاعسها، وغفلتها عما يدور حولها.
ب- أسلوب التكرار: توسلت الدعاية السياسية بأسلوب التكرار(52)، بوصفه تقنية فاعلة من تقنيات تثبيت المعلومات والأخبار المراد بثها ونشرها وإشاعتها بين الجماهير، وترسيخها وترسيبها في أذهان الناس، ومنحها قدراً من الصدقية الموهومة الزائفة، ومن القبول والرضى، «فالشيء يتوصل عن طريق التكرار» يقول غوستاف لوبون «إلى الرسوخ في النفوس إلى درجة أنه يقبل كحقيقة برهانية (...) فعندما نكرّر الشيء مراراً وتكراراً، ينتهي به الأمر إلى الانغراس في تلك الزوايا العميقة للاوعي، حيث تصنع دوافع كل أعمالنا. فبعد أن تمرّ فترة من الزمن ننسى من هو مؤلف القول المكرّر، وينتهي بنا الأمر إلى حدّ الإيمان به»(53).
وكان أدولف هتلر قد أشار إلى فعالية وإلحاح هذه التقنية في العمل الدعائي، حيث يقول: «إنّ الجماهير يلزمها وقت طويل حتى تفهم وتتذكر، ما يعني وجوب استخدام هذا الأسلوب لتكثيف الجوانب الإيجابية للتذكير»(54).
لكنّ استعمال التكرار على نحو ممجوج دونه مخاطر ومحاذير، إذ قد يتأدّى إلى إصابة المتلقي بالملل، وإلى إشعاره بالنفور والتقزّز، واستطراداً إلى رفض الرسالة، وإلى الإحجام والامتناع عن قبولها. ولذا يُنصح أن يقدّم التكرار على أطباق متعدّدة ومتفارقة؛ كأن تُصاحب ترجماته بالتنوّع، وأن يُعبّر عنه بطرائق مختلفة، وأن ينطوي على عناصر التشويق والإثارة والدهشة، كما على أدوات الجذب والإلفات والانتباه «يميل الناس إلى سماع الدعاية التي يعجبهم مضمونها وأهدافها» يقول شيلفورد بيدويل «وضمن هذه التحديدات لا شكّ أن المواقف يمكن تغييرها عن طريق تحويل التأكيد وخلق القالب الجديد، وعن طريق التكرار المستمرّ للمضمون نفسه ولكن بأشكال مختلفة»(55).
ج- أسلوب إطلاق الشعارات(56): غالباً ما تعكف الدعاية السياسية على إطلاق الشعارات التي يصار عادة إلى انتقائها، وتخيّر مرموزاتها وحمولاتها، وإحكام صياغتها بعناية بالغة، بحيث يصبح الشعار عنوان مرحلة، يُعمل فيها ـ بنحو وثوقي ـ على الربط الشعوري بينه وبين الأهداف المعلن عنها، وبكيفية يغدو معها مجرد سماع تلفظات وتمتمات الشعار، محرضاً تلقائياً على استحضار تلك الأهداف، ومثولها أمام المتلقي.