eKtab
EN ع
الحروب الصليبية كما رآها العرب
اقرأ عينة مجانية

الحروب الصليبية كما رآها العرب

بقلم أمين معلوف

صفحة 1

تمهيد

بغداد، آب/أغسطس 1099م.
دخل القاضي أبو سعد الهروي ديوان الخليفة المستظهر بالله الفسيحَ صائحاً حاسراً حليق الرأس علامة على الحداد، وفي أثره حشد من الرفاق شبّاناً وشيباً يصدقون بصخب على كل كلمة من كلماته ويُبدون مثله للعيان منظراً يشوبه التحدّي: لحية كثّة تحت رأس حاسر أملس. ويحاول بعض وجهاء البلاد تهدئته ولكنه يُزيحهم بحركة تنمّ عن ازدراء ويتقدّم بعزم وتصميم إلى وسط القاعة فيأخذ في تبكيت الحاضرين من غير اكتراث مناصبهم بكلام لاذع كالذي يستخدمه الواعظ على المنبر:
ـ أتجرؤون على التهويم في ظل أمن رغد وعيش ناعم شأن زهرة في خميلة وإخوانكم في الشام لا مأوى لهم سوى ظهور الجمال وبطون النسور والعقبان؟ كم من دماء سفكت! وكم من نساء أخفين وجوههن بأيديهن حياءً وخجلاً! أيرضى العرب البواسل بالمهانة ويقبل الأعاجم الشجعان بالذل؟! (1)
ويقول الأخباريون العرب: «وكان خطاباً أبكى العيون وحرّك القلوب» (2). وانتاب الحضورَ جميعاً نشيجٌ ونحيب، ولكنّ الهروي لا يريد شيئاً من دموعهم فيقول لهم:
ـ إن أسوأ ما يلجأ إليه المرء من سلاح أن يسكب الدمع بينما تُذكي السيوفُ نارَ الحرب.
وإذا كان قد سافر من دمشق إلى بغداد طوال ثلاثة أسابيع من أيام الصيف تحت أشعة الشمس المحرقة فما كان ذلك لاستدرار الشفقة، وإنما لإخطار أرفع السلطات الإسلامية بالمصيبة التي حاقت بالمؤمنين والطلب إليها أن تتدخل بلا إبطاء لوقف المجزرة. وردّد الهروي قائلاً: «لم يسبق قطّ أن أُذِلّ المسلمون هذا الإذلال ولا أن نهبت بلادهم بمثل هذه الوحشية». لقد كان كل من معه من رجال قد فرّوا من المدن التي نهبها الغازي؛ وكان بعضهم من القلّة الناجية من أهل بيت المقدس. وقد اصطحبهم ليتيح لهم أن ينقلوا بأنفسهم وقائع المأساة التي عاشوا فصولها قبل شهر.
والحقيقة أن الفرنج كانوا قد استولوا على المدينة المقدّسة يوم الجمعة في 22 من شهر شعبان من عام 492هـ (15 تموز/يوليه 1099م) بعد حصار دام أربعين يوماً. ولا يزال النازحون يرتجفون كلما تحدّثوا بذلك وتجمد أبصارهم وكأنهم لا يزالون يرون بأعينهم أولئك المقاتلين الشّقر المدرّعين المعتمرين الخُوَذ وقد انتشروا في الشوارع شاهرين سيوفهم، ذابحين الرجال والنساء والأطفال، ناهبين البيوت، مخرّبين المساجد.
وعندما توقّفت المذبحة بعد يومين لم يكن قد بقي مسلم واحد داخل الأسوار. فقد انتهز بعضهم فرصة الهَرْج فانسلّوا إلى الخارج من الأبواب التي كان المحاصرون قد خلعوها. وأما الآخرون فكانوا مطروحين بالآلاف في مناقع الدم عند أعتاب مساكنهم أو بجوار المساجد، وكان بينهم عدد كبير من الأئمة والعلماء والزهّاد المتصوّفين الذين كانوا قد غادروا بلادهم وجاءوا يقضون بقيّة أيامهم في عزلة ورعة في هذه الأماكن المقدّسة. ولقد أُكره من بقوا على قيد الحياة على القيام بأشقّ الأعمال: أن يحملوا جثث ذويهم فوق ظهورهم ويكدّسوها بلا قبور في الأراضي البور ثم يحرقوها قبل أن يُذبحوا بدورهم أو يباعوا في أسواق النخاسة.
وكان مصير يهود القدس بمثل فظاعة مصير المسلمين. ففي الساعات الأولى من المعركة اشترك عدد كبير منهم في الدفاع عن حيّهم، الحيّ اليهودي القائم شمالي المدينة. ولكن عندما انهارت بقية السور المشرف على منازلهم وأخذ الفرسان الشقر يجتاحون الشوارع جنّ جنون اليهود واجتمعت الطائفة بأسرها للصلاة في الكنيس الرئيسي محتذية بذلك حذو جدودها في أوقات المحن. وعندها سدّ الفرنج جميع المنافذ وكدّسوا أكوام الحطب حول المكان وأضرموا فيها النار. ولقد أُجهِز على الذين حاولوا الخروج إلى الأزقّة المجاورة واحترق الباقون أحياء.
وبعد أيام على النكبة وصل أول اللاجئين من فلسطين إلى دمشق حاملين بعناية فائقة المصحف العثماني، أحد أقدم نسخ الكتاب المبين. واقترب الناجون من أهل القدس بدورهم من عاصمة الشام، وإذ لمحوا من بعيد مآذن المسجد الأموي الثلاث التي لاحت فوق الحرم المربّع بسطوا سجاجيد الصلاة وسجدوا شكراً للعليّ القدير الذي أطال أعمارهم وقد ظنّوا أنها بلغت آجالها. واستقبل أبو سعد الهروي بوصفه قاضي قضاة دمشق اللاجئين بحفاوة بالغة. وكان هذا القاضي، وهو من أصل أفغاني، أكثر شخصيات المدينة تمتّعاً بالاجلال والاحترام،؛ وقد بذل للفلسطينيين النصح والعزاء، فما كان ينبغي في رأيه أن يخجل المسلم من الفرار من منزله. ألم يكن النبي محمد نفسه أول مهاجر في الإسلام إذ اضطرّ إلى ترك مسقط رأسه مكة التي ناصبه أهلها العداء واللجوء إلى المدينة المنوّرة التي تقبّل أهلها الدين الجديد أحسن قبول؟ ألم ينطلق من مهجره هذا للجهاد من أجل تحرير موطنه من الوثنية؟ وعلى المهاجرين أن يعلموا علم اليقين أنهم خير المجاهدين، وأن الإسلام أكرمهم بجعله هجرة الرسول مبدأ العصر الإسلامي.
صفحة 2
حتى إن الهجرة في رأي كثير من المسلمين فرض واجب في حال الاحتلال. ولسوف يهُولُ الرحالةَ العربي الأندلسي الكبير ابن جبير الذي زار فلسطين بعد حوالي قرن من الزمن على بدء الغزو الفرنجي أن يرى بعض المسلمين ممن «استهواهم حبّ الوطن» (3) وقد قبلوا العيش في البلاد المحتلّة. ولسوف يقول: «وليست له [أي المسلم] عند الله معذرة في حلول بلدة من بلاد الكفر إلا مجتازاً. وهو يجد مندوحة في بلاد المسلمين لمشقّات وأهوال يعانيها في بلادهم [أي الكافرين] (...) ومنها سماع ما يفجع الأفئدة من ذكر من قدّس الله سرّه وأعلى خطره [أي النبي] لا سيما من أراذلهم وأسافلهم، ومنها عدم الطهارة والتصرّف بين الخنازير وجميع المحرّمات (...) فالحذرَ الحذرَ من دخول بلادهم. والله تعالى المسؤول حسن الإقالة والمغفرة من هذه الخطيئة (...) ومن الفجائع التي يعانيها من حل بلادَهم [أي الكافرين] أسرى المسلمين يرسِفون في القيود ويُصرَّفون في الخدمة الشاقّة تصريف العبيد، والأسيرات المسلمات كذلك في أَسْوُقِهِنَّ خلاخيل الحديد فتنفطر لهم الأفئدة ولا يغني الإشفاق عنهم شيئاً» (4).
وإذا كان في أقوال ابن جبير غلوّ من الوجهة العقديّة فإنها تعكس على كل حال تصرّف أولئك الألوف من النازحين من فلسطين وشمالي سوريا وقد تجمّعوا في دمشق في ذلك الشهر (تموز/يوليه) من عام 1099م. إذ إنهم، وإن انفطرت قلوبهم بالطبع لتركهم منازلهم، مصمّمون على عدم العودة إلى ديارهم قبل رحيل المحتلّ إلى غير رجعة، وعلى إيقاظ ضمائر إخوتهم في جميع بلاد المسلمين.
وإن لم يكن كذلك فلماذا جاءوا إلى بغداد بقيادة الهروي؟ أليس على المسلمين أن يقصدوا إلى الخليفة، خليفة النبي، في الساعات العصبية؟ أليس عليهم أن يرفعوا شكواهم وظلامتهم إلى أمير المؤمنين؟
ولسوف تكون خيبة النازحين في بغداد بقدر ما كانت آمالهم. فقد أخذ الخليفة المستظهر بالله يعبّر لهم عن أعمق تعاطفه معهم وأبلغ عطفه عليهم قبل أن يكلّف ستة من أصحاب المناصب الرفيعة في البلاط التحقيق في تلك الأحداث المفجعة. ترى هل ينبغي التأكيد بأن شيئاً لم يُسمع على الإطلاق عن لجنة الحكماء هذه؟
ولم يكن غزو بيت المقدس، وهو بداية حرب قديمة العهد بين ديار الإسلام والغرب، ليثير على الفور أية انتفاضة. وكان لا بد من الانتظار قرابة نصف قرن قبل أن يتحرك الشرق العربي لمواجهة المجتاح والاحتفاء بدعوة قاضي دمشق إلى الجهاد في ديوان الخليفة بوصفها أول عمل مشهود من أعمال المقاومة.
وقليلون هم العرب الذين سبروا على الفور في ابتداء الغزو هول الخطر الوافد من الغرب كما سبره الهروي. بل سرعان ما تكيّف بعض الناس مع الوضع الجديد. ولم يكن همّ السواد الأعظم سوى البقاء على قيد الحياة مستسلمين لقدرهم وإن على مضض. واتخذ بعضهم موقف المراقب شبه الواعي محاولين فهم الأحداث التي كانت غير متوقّعة بقدر ما كانت جديدة. وأكثر هؤلاء إثارة وتشويقاً مؤرخ دمشق ابن القلانسي، وهو شاب مستنير من أسرة وجيهة. ولقد كان رقيباً للأحوال منذ الساعة الأولى، فعمره في سنة 1096م عندما وصل الفرنج إلى الشرق ثلاثة وعشرون عاماً، وقد انصرف بانتظام إلى تقييد الأحداث التي كانت تبلغه، وتاريخه يروي بأمانة ومن غير إفراط في الهوى مسيرة الغزاة كما شوهدت في مدينته.
وكانت بداية الحكاية بالنسبة إليه في تلك الأيام المفعمة بالكرب التي سرت فيها إلى دمشق أول الشائعات...
صفحة 3

القسم الأول

الغزو (1096 ـ 1100م)

انظروا إلى الفرنج! انظروا بأية ضراوة يقاتلون في سبيل دينهم في حين لا نبدي نحن المسلمين أية حميّة للجهاد في سبيل الله.
صلاح الدين

الفصل الأول : الفرنج قادمون

«وفي هذه السنة (5) كان مبدأ تواصل الأخبار بظهور عساكر الافرنج من بحر القسطنطينية (6) في عالم لا يُحصى عدده كثرة. وتتابعت الأنباء بذلك فقلق الناس لسماعها وانزعجوا لاشتهارها. وصحت الأخبار بذاك عند الملك (داود بن) سليمان بن قتلمش (7) وكان أقرب إليهم داراً» (8).
لم يكن الملك قلج أرسلان الذي يتحدّث عنه ابن القلانسي هنا قد بلغ بعدُ السابعة عشرة من عمره عند قدوم الغزاة. ولسوف يكون هذا السلطان التركي الشابّ ذو العينين المائلتين قليلاً، وهو أول قائد مسلم يبلغه خبر اقترابهم، أول من ينزل بهم هزيمة وأول من يدحر فرسانهم العتاة.
لقد علم قلج ارسلان منذ تموز/يولية 1096م أن جمهوراً غفيراً من الفرنج في طريقه إلى القسطنطينية. ولم يلبث أن خشي أسوأ العواقب، فهو لا يعرف بالطبع الأهداف الحقيقية التي ينشدها هؤلاء القوم، ولكن قدومهم إلى الشرق لا يبشّره بخير.
كانت السلطنة التي يحكمها تمتدّ على جزء كبير من آسيا الصغرى، وهي أرض انتزعها التركمان حديثاً من الروم. والواقع أن سليمان أبا قلج أرسلان كان أول تركي استولى على هذه الأرض التي ستعرف بعد عدّة قرون باسم تركيا. ولقد بقيت الكنائس البيزنطية في نيقية عاصمة هذه الدولة الإسلامية الفتية أكثر عدداً من المساجد. وإذا كانت حامية المدينة تتألف من فرسان تركمان فإن غالبية الشعب هم من الروم. ولم تكن الأوهام لتساور لحظة أفكار قلج أرسلان بشأن مشاعر رعاياه الحقيقية: لسوف يبقى في نظرهم زعيم عصابة من البرابرة. والملك الوحيد الذي يعترفون به ويتردّد اسمه بصوت خافت في صلواتهم هو «ألكسي كومنين» (9) امبراطور الروم. وألكسي هو بالحري امبراطور اليونانيين الذين يعتبرون أنفسهم ورثة الامبراطورية الرومانية. وهذه الصفة هي التي يعترف لهم العرب بها على أي حال ـ في القرن الحادي عشر (الميلادي) كما في القرن العشرين ـ إذ هم يُطلقون على اليونانيين اسم «الروم» أي «الرومان» حتى إن الأرض التي غنمها أبو قلج أرسلان من الأمبراطورية اليونانية تعرف باسم سلطنة الروم.
كان ألكسي في ذلك الحين أحد أكثر الوجوه إشراقاً في الشرق. وكان هذا الخمسيني القصير القامة، ذو العينين الناضحتين بالمكر، واللحية المشذّبة، والحركات الأنيقة، المحلّى على الدوام بالذهب والنسائج الزرقاء النفيسة، يثير في قلج أرسلان سحراً حقيقياً. فهو الذي يهيمن على القسطنطينية، بيزنطة الأسطورية، الواقعة على مسيرة أقلّ من ثلاثة أيام من نيقية. وإنه لجوار يهيج في نفس السلطان الشاب مشاعر متباينة. فهو يحلم، شأنه شأن كل المحاربين البدو، بالغزو والسلب، ولا يسوؤه أن يشعر بثروات بيزنطة الأسطورية في متناول يده. ولكنه يشعر في الوقت نفسه أنه مهدّد. فهو يعلم أن ألكسي لم يفقد الأمل يوماً في استرجاع نيقية، لا لأن المدينة كانت على الدوام يونانية وحسب، وإنما على الأخصّ لأن وجود المحاربين الأتراك على مثل هذه المسافة القصيرة من القسطنطينية يشكّل خطراً دائماً على سلامة الامبراطورية.
ولا يخفى على أحد أن في وسع ألكسي على الدوام الاستنجاد بمَدَد أجنبي، حتى عندما يغدو الجيش البيزنطي المنهوك من سنين بفعل الأزمات الداخلية عاجزاً عن أن يخوض وحده غمار حرب لاسترجاع البلاد. ولم يسبق قط أن تردّد البيزنطيون في الاستنجاد بالفرسان الوافدين من الغرب، وما أكثر الفرنج القادمين لزيارة الشرق مرتزقةً مدرعين بشِكّات الحرب الثقيلة أو حجّاجاً إلى فلسطين. وما كان أمرهم عام 1096م ليخفى قطّ على المسلمين. فقبل عشرين سنة ـ ولم يكن قلج أرسلان قد وُلد ولكن أمراء جيشه المسنّين رووا له الخبر ـ زحف إلى القسطنطينية أحد أولئك المغامرين ذوي الشعور الشقراء، واحد اسمه «روسيل دو بايّول» كان قد تمكن من إنشاء دولة مستقلة في آسيا الصغرى، فما كان من البيزنطيين الذين جنّ جنونهم للنبأ إلّا أن استنجدوا بأبي قلج أرسلان الذي لم يصدّق أذنيه عندما توسّل إليه مبعوث خاص من قيصر الروم أن يخفّ لنجدتهم. ويومها سار الفرسان الأتراك بالفعل إلى القسطنطينية وأفلحوا في دحر «روسيل»، الأمر الذي كوفيء عليه سليمان بسخاء ذهباً وخيولاً وأراضي.
ومنذ ذلك الحين أخذ البيزنطيون يَحْذَرون الفرنج، ولكن الجيوش الامبراطورية التي كانت تفتقر إلى جنود محنّكين ظلّت تطوّع جنوداً من المرتزقة. ولم يقتصر الأمر في ذلك على الفرنج بأي حال، فالمحاربون الأتراك كُثُر تحت ألوية الامبراطورية المسيحية. وبفضل المجنّدين الأتراك في الجيش البيزنطي علم قلج أرسلان بالتحديد أن ألوفاً من الفرنج كانوا في تموز/يولية 1096م يقتربون من القسطنطينية. ولقد أوقعه ما وصفه مخبروه في الحيرة والانزعاج، فهؤلاء الغربيون لا يشبهون كثيراً المرتزقة الذين أَلِفَ الناس رؤيتهم. إن فيهم بضع مئات من الفرسان وعدداً كبيراً من المشاة المسلّحين، ولكنّ فيهم أيضاً آلافاً من النساء والأطفال والشيوخ بالأسمال، حتى لكأنهم جماعة من البشر طردهم من ديارهم غازٍ مجتاح. ويقال أيضاً إن على ظهورهم جميعاً شريطين من قماش مخيطين بشكل صليب.
صفحة 4
ويطلب السلطان الشاب الذي شقّ عليه أن يقدّر مدى الخطر المحدق به أن يضاعف عيونُه من يقظتهم ويطلعوه باستمرار على حركات الغزاة الجدد وسكناتهم، ويعاين بدوره كيفما اتفق تحصينات عاصمته. إن مئتين وأربعين برجاً تعلو أسوار نيقية التي يبلغ طولها أكثر من فرسخ، وتؤلف مياه بحيرة «اسكانيوس» الهادئة حماية طبيعية ممتازة.
ومع ذلك فقد توضّحت معالم الخطر المتربّصِ في الأيام الأولى من شهر آب/أغسطس، فالفرنج يجتازون البوسفور تواكبهم سفن بيزنطية، وهم يتقدمون على طول الساحل بالرغم من حرارة الشمس المحرقة. وكانت هتافاتهم بأنهم جاءوا لإبادة المسلمين تُسمع في كل مكان. مع أنهم شوهدوا ينهبون في طريقهم أكثر من كنيسة روميّة. وكان قائدهم على ما يبدو ناسكاً يُدعى بطرس. وقد قدّر المخبرون عددهم ببضع عشرات من الألوف، ولكن أحداً لم يستطع أن يقول إلى أين تقودهم أقدامهم. والظاهر أن الأمبراطور ألكسي قرّر إيواءهم في «سي؟يتوت»، وهو معسكر كان قد أقامه من قبل لغيرهم من المرتزقة على مسيرة أقلّ من يوم من نيقية.
سادَ قصرَ السلطان هَرْجٌ جنونيّ، فالفرسان متأهبون لامتطاء جيادهم الخفيفة السريعة في كل لحظة، والعيون والكشافة يروحون ويجيئون بلا انقطاع لنقل أدق التفاصيل عن تحرّكات الفرنج. وقد نُقل أن هؤلاء يغادرون معسكرهم كل صباح في حشود من بضعة آلاف فيعيثون في الجوار فساداً ناهبين بعض المزارع مضرمين النار في أخرى قبل أن يعودوا إلى «سي؟يتوت» حيث تتنازع عشائرهم ثمرات السلب. والحقّ أنه لم يكن في هذا ما يمكن أن يثير حفائظ جنود السلطان ولا ما يمكن أن يقضّ مضجع سيّدهم. وقد ظلت الحال على هذا المنوال شهراً كاملاً.
ولكن كان يوم في حوالي منتصف أيلول/سبتمبر غيّر فيه الفرنج عاداتهم بغتة. وإذ لم يبق في الجوار ما يلتقطون فقد اتجهوا على ما يقال صوب نيقية واجتازوا ببعض القرى، وكلها مسيحية، ووضعوا اليد على الغلال التي كانت قد خزنت في الأهراء بعد الحصاد ذابحين بلا شفقة كل من حاول مقاومتهم من الفلاحين. ولعلّ أولاداً يافعين قد أُحرقوا أحياء.
أحسّ قلج أرسلان أنه أُخذ على حين غرّة. فعندما ترامت إليه الأخبار الأولى كان المحاصرون قد أصبحوا تحت أسوار عاصمته، ولم تكن الشمس قد حاذت بعدُ خطّ الأفق عندما رأى أهل الحصن دخان الحرائق يتعالى في السماء. وفي الحال أرسل السلطان دورية من الفرسان فاصطدمت بالفرنج. وإذ سُحق التركُ تحت وطأة الكثرة العددية فقد مزّقوا أشلاء ولم يعُدْ منهم إلى نيقية سوى نفر قليل جداً مسربلين بدمائهم. وأراد قلج أرسلان وقد شعر أن هيبته باتت في الميزان خوضَ المعركة في الحال، ولكن أمراء جيشه ثنوه عن ذلك، فالليل يوشك أن يحلّ والفرنج يعودون سراعاً إلى معسكرهم، ولا بدّ للانتقام من الانتظار.
ولم يطل الأمر كثيراً فقد أعاد الفرنج الكرّة بعد أسبوعين مدفوعين بفوزهم في المرة الأولى. وابن سليمان، وقد أعلم بأمرهم في حينه هذه المرة، يتابع تقدمهم خطوة بخطوة. إن جيشاً من الفرنج يضم بعض الفرسان، وعلى الأخصّ آلافاً من النهّابين في أسمالهم، يسلك الطريق إلى نيقية ويتوجّه بعد الالتفاف حول أرباضهم نحو الشرق فيستولي فجأة على حصن «كزيريغوردون».
حزم السلطان الشاب أمره فكرّ بجواده على رأس رجاله باتجاه الحصن الصغير حيث كان الفرنج يسكرون احتفالاً بنصرهم عاجزين عن التصوّر بأن مصيرهم كان قد تقرّر، وذلك لأن «كزيريغوردون» يشكّل فخّاً يعرفه جنود قلج أرسلان جيداً ولم يقدّر لأولئك الغرباء اكتشافه: إن تزويده بالماء يتم من خارج على مسافة غير قليلة من الأسوار، وقد أسرع الترك فحالوا بينهم وبين بلوغه، ولم يكن الأمر يتطلب منهم أكثر من التمركز حول الحصن وعدم الانتقال من مراكزهم، فلسوف يحارب العطش بالنيابة عنهم.
وبدأ ينتاب المحاصَرين عذاب أليم: بلغ بهم الأمر أن شربوا دماء مطاياهم ثم شربوا أبوالهم هم. وقد شوهدوا ينظرون بقنوط إلى السماء في هذه الأيام الأولى من تشرين الأول/أوكتوبر مترقّبين بضع قطرات من المطر، ولكن بلا جدوى. وبعد أسبوع رضي قائد الحملة، وهو فارس يُدعى «رينو» بالتسليم إذا ضُمن بقاؤه حيّاً. ولشدّ ما كانت دهشة قلج أرسلان حين طالب الفرنج بالارتداد علناً عن دينهم أن يقول «رينو» إنه مستعدّ لا لاعتناق الإسلام وحسب، بل لمقاتلة رفاقه بالذات إلى جانب الأتراك. ولقد أُرسل عدد كبير من رفاقه الذي قبلوا بالمطالب نفسها أسرى إلى مدن الشام وآسيا الوسطى، وأُعمل السيف في الباقين.
زها السلطان بما قدّمت يداه، ولكنه احتفظ برباطة جأشه. فبعد أن منح رجاله مهلة لتحقيق ما جرت عليه العادة من اقتسام الغنائم لم يلبث أن دعاهم منذ اليوم التالي إلى الانضباط، فالفرنج وإن خسروا بلا ريب ستة آلاف رجل فإن الباقي منهم هو ستة أضعاف ذلك العدد، وهذه هي الفرصة للخلاص منهم وإلّا فلا. واختار الحيلة لبلوغ مرامه: يرسل جاسوسين من الروم إلى معسكر «سي؟يتوت» فيعلنان أن رجال «رينو» في خير حال وأنهم نجحوا في الاستيلاء على نيقية نفسها وقرّروا بما لا رجعة فيه عدم السماح لإخوتهم في الدين بمشاركتهم ما غنموه من خيراتها، وفي هذه الأثناء يجهّز الجيش التركي كميناً ضخماً.
صفحة 5
والحق أن الشائعات التي بُثّت بعناية كبيرة أثارت في معسكر «سي؟يتوت» ما كان مقدّراً لها من الحماسة فاحتشد القوم وكالوا الشتائم لـ «رينو» ورجاله، ولم يلبث أن انعقد العزم على المسير بلا إبطاء للمشاركة في نهب نيقية. ولكن وصل أحد الناجين من الحملة على «كزيريغوردون» من غير أن يدري أحد كيف تمّ له الوصول وكشف حقيقة المصير الذي لقيه رفاقه. وخُيّل إلى جاسوسي قلج أرسلان أنهما أخفقا في مهمتهما إذ قام أحكم رجال الفرنج يبشّرون بالتزام الرويّة. ولكن ما إن انقضت لحظة الذهول حتى عاد الهياج سيرته. فقد ماج حشد الناس صائحاً. إنه يريد الانطلاق على الفور لا للاشتراك في النهب، بل لـ «الانتقام للشهداء». ونُعت المتردّدون بالجبن، وانتهى الأمر بانتصار أكثر الناس سُعراً، وحُدِّد المسير في الغداة. وكانت الغلبة للجاسوسين، فهما وإن طاشت حيلتهما فإنها قد حقّقت الغاية منها. وهكذا فقد أرسلا للسيد يقولان له أن يستعدّ للقتال.
وغادر الفرنج معسكرهم في الحادي والعشرين من تشرين الأول/أوكتوبر 1096م. ولم يكن قلج أرسلان بالبعيد عنهم، فقد أمضى الليل في التلال القريبة من «سي؟يتوت»، ورجاله في أماكنهم مستورون تماماً عن الأنظار. وأما هو ففي وسعه أن يرى من موضعه جحفل الفرنج القادم من بعيد في غيمة من العجاج. وكان في طليعة ذلك الجحفل بضع مئات من الفرسان أكثرهم بلا دروع، وفي أثرهم حشد من المشاة يسيرون بلا نظام. وكان قد مضى على مسيرهم أقل من ساعة حينما سمع السلطان ضجيجهم يقترب منه والشمس المتعالية خلفه تلفح وجوههم بأشعتها. وحبس أنفاسه وأومأ إلى أمرائه أن يتأهبوا فاللحظة المقدّرة قد اقتربت. وصدرت حركة مكتومة وبعض الأوامر المهموسة من هنا وهناك فوتّر النبّالة أقواسهم على مهل. واندفعت فجأة ألوف السهام في صَفْرة واحدة طويلة، وسقط أكثر الخيّالة منذ الدقائق الأولى، ولم يلبث أن هلك القسم الأكبر من المشاة بدورهم.
وعندما تمّ الالتحام بين الجيشين كانت الهزيمة قد كُتبت على الفرنج، فتقهقر من كانوا في المؤخرة راكضين صوب المعسكر الذي كان القاعدون فيه عن القتال قد استيقظوا لتوّهم، وكان كاهن عجوز يُحيي قدّاساً صباحياً وبعض النساء يُهيّئن طعاماً. وأشاع وصول الهاربين والأتراك في أثرهم الهلع فراح الفرنج يفرّون من كل صوب. وما لبث أن قُبض على بعضهم ممّن حاولوا بلوغ الغابات المجاورة، بينما كان بعضهم الآخر أحسن إلهاماً فتمترسوا في حصن مهجور كان من حسناته أن البحر من ورائه. وإذ لم يشأ السلطان أن يقتحم ما لا طائل تحته من أخطار فقد عدل عن محاصرتهم لعلمه بأن الأسطول البيزنطي الذي لم يلبث أن يدري بأمرهم سوف يأتي لتخليصهم، وبذلك يكون ألفا رجل أو ثلاثة قد نجوا، ونجا كذلك بطرس الناسك هو الآخر لوجوده منذ بضعة أيام في القسطنطينية. وأما حظّ مناصريه في النجاة فأقل من حظه، فقد خطف فرسان السلطان الشوابّ من النساء لتوزيعهن على الأمراء أو بيعهن في أسواق النخاسة، ولقي بعض الفتيان المصير نفسه. وأما سائر الفرنج، أي قرابة عشرين ألفاً، فقد أبيدوا عن بكرة أبيهم بلا ريب.
وتكاد الدنيا تضيق بقلج أرسلان من فرط السرور. فلقد أباد ذلك الجيش الفرنجي الذي طالما قيل إنه مرهوب الجانب، وخسائر عسكره هو لا تكاد تذكر. وإنه لتراوده الأفكار وهو يتأمل أكداس الغنائم الضخمة عند قدميه بأنه يعيش أجمل انتصار.
ومع ذلك فإنه نادراً ما حدث في التاريخ أن كلّف انتصارٌ من حازه قَدْرَ ما كلّف هذا الانتصار.
كان قلج أرسلان المنتشي بنصره يسعى إلى تجاهل الأنباء التي تتابعت في الشتاء التالي عن وصول حشود جديدة من الفرنج إلى القسطنطينية. فلم يكن هناك في رأيه، ولا حتى في رأي أحكم امرائه، ما يشغل البال. وإذا حدث أن تجرأ فوج آخر من مرتزقة ألكسي على عبور البوسفور فسوف يمزّقون إرباً كما مُزّق سابقوهم. وفي خَلَد السلطان أنه آن أوان العودة إلى مشاغل الساعة الكبرى، وبعبارة أخرى إلى العراك الذي طالما خاضه بلا هوادة مع جيرانه من الأمراء الأتراك. فبهذا وحده دون غيره يتقرّر مصيره ومصير ملكه. ولن تكون المواجهات مع الروم أو أتباعهم الشذّاذ من الفرنج إلا فاصلاً للترويح عن النفس.
والسلطان الشاب في منزلة تؤهله جيداً لمعرفة ذلك. ألم يودّع أبوه سليمان الحياة عام 1086م في معركة من تلك المعارك التي لا نهاية لها بين الزعماء؟ لقد كان عمر قلج حينذاك سبع سنين، وكان من الممكن أن يخلف أباه بوصاية بعض الأمراء المخلصين، ولكنه أُبعد عن السلطة واقتيد إلى فارس بحجة أن حياته كانت في خطر. وكان مدلّلاً محوطاً بالعناية تقوم على خدمته طائفة من العبيد المخلصين، وإن مراقَبين أشدّ المراقبة، يرافق ذلك حظر قاطع لزيارة مملكته. ولم يكن مضيفوه، أي سجّانيه، سوى أفراد عشيرته بالذات: السلاجقة.
صفحة 6
وإذا كان من اسم غير مجهول من أحد في القرن الحادي عشر (الميلادي) من تخوم الصين إلى أقصى بلاد الفرنج فهو ذاك الاسم. فقد استولى الأتراك السلاجقة الوافدون من آسيا الوسطى بصحبة ألوف من الفرسان البدو ذوي الشعور الطويلة المضفورة على المنطقة الممتدّة من أفغانستان إلى البحر المتوسط خلال بضع سنوات. ومنذ عام 1055م لم يعد الخليفة في بغداد، خليفة رسول الله ووارث الامبراطورية العبّاسية الذائعة الصيت، إلا دمية في أيديهم. وامراؤهم يحكمون من أصفهان إلى دمشق، ومن نيقية إلى بيت المقدس. ولقد توحّد الشرق الإسلامي كله للمرة الأولى تحت حكم سلالة فذّة تجاهر برغبتها في أن تُعيد إلى الإسلام تالد مجده. ولم تقم للروم الذين سحقهم السلاجقة عام 1071م قائمة مذّاك. فقد اجتيحت آسيا الصغرى أكبر ملحقاتهم؛ وعاصمتهم نفسها لم تكن في أمان؛ ولم ينفك أباطرتهم، ومنهم ألكسي نفسه، يوفدون البعثات إلى بابا روما الرئيس الأعلى للغرب يرجونه الدعوة إلى الحرب المقدّسة في وجه الظهور الإسلامي المباغت.
ولم يكن اعتزاز قلج أرسلان بالانتماء إلى أسرة بمثل هذه الشهرة بالقليل، ولكنه ليس بالمغفّل لينخدع بمظهر وحدة الامبراطورية التركية. فأبناء العمومة السلاجقة لا يعرفون بينهم أي تكاتف: إن على المرء أن يَقْتُل ليبقى على قيد الحياة. ولقد غزا أبوه آسيا الصغرى ـ الأناضول المترامي الأطراف ـ بلا مساعدة من إخوته، وإذ أراد أن يتوسّع إلى الجنوب، نحو بلاد الشام، فقد قتله أحد أبناء عمومته. وفي الوقت الذي كان فيه قلج أرسلان محتجزاً بالقوة في أصفهان كانت أوصال مملكة أبيه قد تقطّعت. وعندما أُطلق سراح الفتى اليافع آخر عام 1092م بفضل عراك نشب بين سجّانيه لم يكن سلطانه يمتدّ إلى أبعد من أسوار نيقية. ولم يكن عمره إذّاك سوى ثلاثة عشر عاماً.
ثم إنه بفضل نصائح أمراء الجيش تمكّن بالحرب أو القتل أو الحيلة من استعادة جزء من ميراثه من أبيه. وفي وسعه اليوم أن يباهي بأنه أمضى من الوقت على صهوة حصانه أكثر مما قضى في قصره. ومع ذلك فقد وصل الفرنج ولمّا يُحسم شيء. فمنافسوه في آسيا الصغرى لا يزالون أقوياء حتى وإن كان أبناء عمومته من سلاجقة الشام وفارس غارقين لحسن حظّه في منازعاتهم الخاصّة.
وفي الشرق بشكل خاص، فوق المرتفعات المقفرة في الهضبة الأناضولية، يهيمن في أيام الشدّة هذه شخص عجيب اسمه الدنشمند، «الحكيم»، وهو أفّاق من أصل غير معروف، ولكنّه، بخلاف سائر الأمراء الأتراك الغارق معظمهم في الأميّة، متفقّه في شتّى العلوم. ثم إنه لن يلبث أن يصبح بطل ملحمة شهيرة عنوانها «انتصار الملك دنشمند» تصوّر فتح مالطية، وهي مدينة أرمنية في جنوب شرق أنقرة يرى مؤلفو الملحمة أن سقوطها منعطف حاسم إلى اعتناق تركيا الإسلام فيما بعد. وعندما بلغ قلج أرسلان نبأ وصول حملة فرنجية جديدة إلى القسطنطينية في الأشهر الأولى من عام 1097م كان قد مضى بعض الوقت على نشوب معركة مالطية. فدنشمند يحاصر المدينة والسلطان الشاب يرفض أن يتمكّن هذا المنافس الذي استغلّ موت أبيه فاحتلّ شمال شرق الأناضول برمّته من الفوز بنصر في مثل هذه الأهمية. وإذ كان قد قرر منعه من ذلك فقد توجّه على رأس فرسانه إلى نواحي مالطية وأقام معسكره بحذاء معسكر دنشمند لإرهابه. ولقد اشتد التوتّر وتعدّدت المناوشات التي أخذت حصيلة القتلى فيها تزداد يوماً بعد يوم.
وفي نيسان/أبريل 1097م بدا أنه لا مناص من المواجهة، فأخذ قلج أرسلان يستعدّ لها. وكان قد حشد معظم عساكره تحت أسوار ملطية حين وصل إلى خيمته فارس خائر القوى وأخذ يبلّغ رسالته لاهثاً: الفرنج بين ظهرانينا؛ لقد عبروا البوسفور من جديد بأعداد تفوق أعدادهم في السنة الماضية. وظلّ قلج أرسلان رابط الجأش، فليس ما يسوّغ مثل هذا القلق. الفرنج، لقد سبق له أن عجم عودهم، وهو يعرف ما ينبغي فعله. وانتهى به الأمر إلى أن طلب من بعض فرق خيّالته الذهاب لمساندة حامية العاصمة لا لشيء إلا لطمأنة أهالي نيقية، ولا سيما زوجته السلطانة الشابة التي توشك أن تضع حملها. أمّا هو فسوف يعود عندما يُنهي شأنه مع دنشمند.
وكان قلج أرسلان مشغولاً من جديد جسداً وروحاً في معركة ملطية عندما وصل في الأيام الأولى من شهر أيار/مايو رسول آخر وهو يرتعد من التعب والخوف. ولقد نشر حديثه الذعر في معسكر السلطان، فالفرنج على أبواب نيقية وقد بدأوا بحصارها. وهم ليسوا كما كانوا في الصيف عصابات من النهّابين بالأسمال، بل جيوش حقيقية مؤلفة من آلاف من الفرسان مزوّدين بأحصن الدروع وأكمل العُدد، ومعهم جنود القيصر هذه المرة. وحاول قلج أرسلان تهدئة خواطر رجاله، ولكنه كان هو نفسه نهباً للقلق. أيترك مالطية لمنافسه ويعود إلى نيقية؟ أهو موقن من أنه لا يزال في وسعه إنقاذ عاصمته؟ تُرى ألن يخسر على الجبهتين؟ وبعد أن تشاور طويلاً مع أخلص أمرائه لاح له حلّ، نوع من تسوية: يذهب لمقابلة دنشمند، وهو رجل ذو مروءة، فيطلعه على محاولة الغزو التي يبيّتها الروم ومرتزقتهم ويصوّر له الخطر المحيق بمسلمي آسيا الصغرى جميعاً ويقترح عليه وقف القتال. وقبل أن يقدّم دنشمند ردّه كان السلطان قد أرسل قسماً من جيشه إلى العاصمة.
وأُبرمت بالفعل هدنةٌ بعد بضعة أيام وسلك قلج أرسلان غرباً بلا أبطاء. ولكنّهُ ما إن بلغ المرتفعات القريبة من نيقية حتى جمد الدم في عروقه من هول ما ارتسم أمام ناظريه: المدينة الرائعة التي أورثه إياها أبوه محاصرة من كل صوب؛ وهناك حشد من الجنود المنهمكين في تركيز الأبراج النقّالة والدرّاعات والمجانيق التي ينبغي استعمالها في الهجوم الأخير؛ ورأي الأمراء قاطع: ما باليد حيلة، وينبغي الانكفاء إلى داخل البلاد قبل فوات الأوان: ومع ذلك فإن نفس السلطان الشاب لا تطاوعه على التسليم بترك عاصمته على هذا النحو. إنه يلحّ على محاولة اختراق أخيرة من ناحية الجنوب. حيث يبدو المحاصرون أضعف تحصيناً. ودارت رحى المعركة فجر الحادي والعشرين من شهر أيار/مايو، فخاض قلج أرسلان غمارها مُحْنَقاً وظلّت مستعرة إلى الضحى. وكانت خسائر الفريقين فادحة، ولكنّ كلاً منهما بقي محافظاً على مواقعه. وتخلّى السلطان عن إصراره إذ أدرك أن ليس هناك ما يتيح له فكّ الطوق، وأنّ العناد في دفع قواه كلّها إلى معركة أُسيء أمر الإعداد لها إلى هذا الحدّ قد يطيل أمر الحصار عدّة أسابيع، بل عدّة أشهر، ولكنّه يعرّض وجود السلطنة نفسها للخطر. وإذ كان قلج أرسلان سليل شعب أخصّ خصائصه الفداوة فإنه يعرف أن مصدر سلطانه هو في بضعة آلاف المحاربين الذي يدينون له بالطاعة، لا في امتلاك مدينة مهما يكن مقدار التعلّق بها. وبعدُ فإنه لن يلبث أن يختار عاصمة جديدة له مدينة قونية، وهي أبعد كثيراً إلى جهة الشرق، فيحتفظ بها خلفه حتى بداية القرن الرابع عشر (الميلادي)، ولن يرى نيقية بعدُ أبداً...
صفحة 7
وبعث قبل أن يبتعد برسالة وداعية إلى حُماة المدينة لإخطارهم بقراره الأليم بأن يتصرّفوا «وفاقاً لمصالحهم». ومعنى هذا الكلام واضح للحامية التركية والشعب الرومي على السواء: ينبغي تسليم المدينة إلى ألكسي كومنين لا إلى مساعديه الفرنج. وعلى هذا جرت المفاوضات مع القيصر الذي كان قد تمركز على رأس جيشه غربي نيقية. وقد حاول رجال السلطان كسب الوقت آملين ولا ريب في إمكان عودة سيّدهم مصحوباً ببعض المَدَد. ولكن ألكسي على عجلة من أمره: إنه يهدّد بأن الغربيين يستعدّون للهجوم الأخير، وعندها لن يكون في وسعه أن يفعل شيئاً. وإذ تذكّر المفاوضون ما فعله الفرنج في العام الماضي في نواحي نيقية فقد دبّ الذعر إلى أفئدتهم وهم يتصورون مدينتهم منهوبة ورجالها مذبوحين ونساءهم مهتوكة أعراضهن، وقبلوا بلا تردّد أن يسلّموا أمرهم إلى القيصر الذي سيحدّد بنفسه طرق التسليم وشروطه.
وفي الليلة الثامنة عشرة من شهر حزيران/يونية أُدخل إلى المدينة جنود من الجيش البيزنطي معظمهم من الأتراك بواسطة قوارب اجتازت بهدوء بحيرة «اسكانيوس» فاستسلمت الحامية من غير قتال. وما إن انبلج الصباح حتى كانت رايات الإمبراطور الزرقاء والذهبية تخفق فوق الأسوار فعدل الفرنج عن شنّ الهجوم. وهكذا سيكون لقلج أرسلان عزاء عن حظه العاثر: لسوف يُعفى عن أعيان السلطنة وتُستقبل السلطانة الشابة بصحبة وليدها في القسطنطينية استقبال الملوك وسط حنق الفرنج واستنكارهم.
كانت زوجة قلج أرسلان الشابة بنت «تشقا»، وهو مغامر خارق الذكاء وأمير تركي كان قد ذاع صيته عشيّة الغزو الفرنجي. وقد سجنه الروم إذ كان يغزو غَزاةً في آسيا الصغرى فبهر سجّانيه بالسهولة التي أبداها في تعلّم اللغة الرومية، فما كادت تنقضي بضعة شهور حتى كان يتكلّمها بطلاقة وإتقان. ولما كان متوقّد الذهن ماهراً شيّق الحديث فقد أخذ يتردّد بانتظام على البلاط الإمبراطوري الذي ما لبث أن أغدق عليه أحد ألقاب الشرف. ولكنّ ذلك الإنعام العجيب ما كان ليكفيه. فقد كان يصبو إلى أعلى، أعلى بكثير: كان يريد أن يصبح إمبراطور بيزنطة!
وكانت للأمير «تشقا» بهذا الصدد خطة مُحْكَمَةٌ جداً، فقد ذهب للإقامة في ميناء إزمير على بحر إيجة حيث ابتنى بمساعدة سفّان رومي اسطولاً حربياً حقيقياً ضمّ شِراعيّات خفيفة، وسفناً بمجاذيف، ودَرامِد، ومجذافيّات بصفّين من المجاذيف، وأخرى بثلاثة صفوف، فبلغ مجموعها نحو مئة قطعة. واحتلّ في المرحلة الأولى عدداً من الجزر، ولا سيما رودس وكيوس وساموس، وبسط سلطانه على ساحل الإيجيّ بأسره. إذ تمّ له أن يصطنع إمبراطوريةً بَحْرِيةً فقد أعلن نفسه قيصراً منظّماً بلاطه في إزمير على شاكلة البلاط الإمبراطوري، وأطلق أسطوله لمهاجمة القسطنطينية. ولقد بذل ألكسي جهوداً مضنية كي يتمكّن من صد الهجوم وتدمير جزء من السفن التركية.
* * *
ولم يفتّ ذلك في عضد والد الفتاة التي ستكون يوماً زوجة السلطان قلج أرسلان فجدّد بمضاء عزيمة بناء سفنه الحربية، وكان ذلك حوالي عام 1092م، أي في الوقت الذي تمت فيه عودة قلج أرسلان من المنفى. ولقد قال «تشقا» في نفسه إن ابن سليمان الشاب سوف يكون له نِعْمَ الحليف في قتال الروم فقدّم له يد ابنته. ولكن حسابات السلطان الشاب كانت مختلفة جداً عن حسابات حميه، فقد كان غزو القسطنطينية يبدو له أمراً غير معقول، ولم يكن أحد من بطانته يجهد في مقابل ذلك إنه كان يسعى إلى القضاء على الأمراء الأتراك الذين كانوا يحاولون اقتطاع أرض لأنفسهم في آسيا الصغرى، وعلى رأسهم دنشمند و«تشقا» الذي لا حدّ لطموحه. ولم يتردّد السلطان، فقبل وصول الفرنج ببضعة أشهر دعا حماه إلى مأدبة وأسكره وقتله بطعنة من خنجره، وبيده بالذات على ما يبدو. وكان لـ «تشقا» ابن فتولى بعد أبيه، ولكنه لم يكن يملك ذكاءه ولا طموحه. ولقد اكتفى أخو السلطانة بإدارة شؤون الإمارة البحرية حتى ذلك اليوم من صيف 1097م الذي وصل فيه أسطول الروم فجأة إلى مياه إزمير وعلى متنه رسول غير متوقَّع: أخته.
ولقد أبطأت هذه في إدراك أسباب اهتمام الإمبراطور بها، ولكن ما إن أُرسل موكبها إلى إزمير التي قضت فيها صباحاً حتى اتضح لها كل شيء. إنها مكلَّفة أن تشرح لأخيها أن ألكسي استولى على نيقية، وأن قلج أرسلان هُزم، وأن جيشاً قوياً من الروم والفرنج لن يلبث أن يهاجم إزمير يسانده أسطول ضخم، وأن ابن «تشقا» مدعوّ إذا أراد إنقاذ حياته أن يوصل أخته إلى زوجها في مكان ما من الأناضول.
وإذا لم يُرفض العَرضُ فقد زال وجود إمارة إزمير. وهكذا خرج ساحل بحر إيجه برمته، وكل الجزر، والجزء الغربي من آسيا الصغرى بأسره، من يد الأتراك غداة سقوط نيقية. وبدا أن الروم يعاونهم مساعدوهم الفرنج قد قرَّروا الذهاب إلى أبعد من ذلك.
ولكن قلج أرسلان القابع في ملاذه الجبلي لا يلقي السلاح.
صفحة 8
وما إن انقضت وهلة الأيام الأولى حتى جدّ السلطان في التحضير للانتقام، «فشرع في الجمع والاحتشاد وإقامة مفروض الجهاد» (10)، كما يقول ابن القلانسي. ويضيف مؤرخ دمشق أن قلج أرسلان «استدعى من أمكنه من التركمان للإسعاد عليهم والإنجاد فوافاه منهم (...) العدد الكثير» (11).
والواقع أن هدف السلطان الأول هو عقد حلف مع دنشمند، إن مجرّد هدنة غير كافية، ومن الملحّ في الوقت الحاضر أن تتّحد قوّات آسيا الصغرى التركية كما لو كانت جيشاً واحداً. وقلج أرسلان واثق من استجابة منافسه. ولما كان دنشمند مسلماً ورعاً بقدر ما هو مخطّط حربيّ واقعيّ فقد قدّر أنه مهدّد من جرّاء توغّل الروم وحلفائهم الفرنج. وإذ كان يفضّل لقاءهم على أراضي جاره على أن يلقاهم على أراضيه فإنه لم يتلكّأ في الوصول إلى معسكر السلطان يحفّ به ألوف من فرسانه. وتآخى الفريقان وتشاورا ووضعا الخطط. وأدخل منظر ذلك الحشد من المحاربين والخيول وقد غطّى التلال الطمأنينة إلى قلب الزعيمين، فلسوف ينقضّان على العدو ما إن تسنح الفرصة للانقضاض.
وأخذ قلج أرسلان يتربّص بفريسته وقد زوّده عيونه المنبثّون بين الروم بمعلومات نفيسة. فالفرنج يجاهرون بقرارهم متابعة طريقهم إلى أبعد من نيقية وبرغبتهم في بلوغ فلسطين. وحتى خط سيرهم بات معروفاً: سوف ينحدرون نحو الجنوب الشرقي باتجاه قونية المدينة المهمّة الوحيدة التي لا تزال في يد السلطان. وعليه فسوف يعرّض الغربيون جُنوبهم للهجمات على امتداد هذه المنطقة الجبلية التي لا مناص لهم من اجتيازها. وجماع الأمر هو في اختيار موقع الكمين. والأمراء الذين يعرفون المنطقة جيداً لا يتردّدون. فهناك بالقرب من مدينة «دوريله» على مسيرة أربعة أيام من نيقية موضع ينحدر فيه الدرب إلى وادٍ قليل العمق، وإذا تجمع المحاربون الأتراك خلف التلال لم يكن عليهم سوى الانتظار.
وعندما بلغ قلج أرسلان في أواخر شهر حزيران/يونية من عام 1097م أن الغَربيين يرافقهم جيش صغير من الروم قد غادروا نيقية كان قد تمّ تجهيز الكمين في موضعه. ولاحت طلائع الفرنج في الأفق في اليوم الأول من شهر تموز/يولية، وكان الفرسان والمشاة يتقدّمون بهدوء، ولم يكن يبدو عليهم قطّ أنهم يرتابون بما ينتظرهم. وكان أخشى ما يخشاه السلطان أن يكتشف روّاد العدو أمر خديعته، ولكنّ شيئاً من ذلك لم يكن على ما يظهر. أمرٌ آخر أثلج صدر الملك السلجوقي هو أن الفرنج يبدون أقل عدداً مما كان قد بلغه. فهل يكون جزء منهم قد بقي في نيقية؟ إنه ليجهل ذلك. ومهما يكن فإنه يتمتّع للوهلة الأولى بالتفوّق العددي. وإذا أضيف إلى ذلك امتياز المباغتة فلا بدَّ أن يعود اليومُ عليه بالخير. وقلج أرسلان متوتّر الأعصاب، ولكنه واثق. وكذلك هو دنشمند الحكيم الذي يزيده بعشرين سنة من الخبرة والتجربة.
كانت الشمس قد بزغت لتوّها من خلف التلال عندما صدر الأمر بالهجوم. وتعبئة المحاربين الأتراك حسنة التنظيم، وهي التي كفلت لهم التفوّق العسكري في الشرق منذ نصف قرن، وجيشهم مؤلف كلّه تقريباً من فرسان خِفاف يحسنون استعمال الأقواس بشكل يثير الإعجاب. إنهم يتقدّمون ويمطرون أعداءهم بوابل من السهام القاتلة ثم يبتعدون بأقصى سرعة تاركين المجال لصفٍ جديد من المهاجمين. ولقد أدخلت بضع موجات متلاحقة منهم فريستهم بعامّةٍ في طور الاحتضار، وعندها بدأوا يستعدون للالتحام بها والإجهاز عليها.
ولكن السلطان القابع فوق ربوة هو وأركان جيشه كان قد لاحظ بقلق في يوم معركة «دوريله» تلك أن الطرق التركية القديمة لم تعد لها فعاليتها المألوفة. والحق أن الفرنج لا يتمتّعون بأية رشاقة، ولا يبدو أنهم على عجلة للردّ على الهجمات المتكرّرة. ولكنهم يُبدون مهارة فائقة في فنّ الدفاع، وتكمن قوّة جيشهم الرئيسية في تلك الدروع الصفيقة التي يغطّي بها الخيّالة أجسادهم، وحتى أجساد مطاياهم أحياناً. وإذا كان تقدّمهم بطيئاً متثاقلاً فإنهم محميّون بشكل تامّ من السهام. ولقد أسقط منهم النبّالة الأتراك في ذلك اليوم عدداً كبيراً من الضحايا، ولا سيما في صفوف المشاة، بعد عدة ساعات من العراك، ولكن معظم الجيش الفرنجي سَلِم. فهل يلتحم بهم وجهاً لوجه؟ إن ذلك ليبدو ضرباً من المخاطرة: إنه في المناوشات الكثيرة التي جرت حول ساحة المعركة لم يكن فرسان السهوب قطّ أكفاء لتلك القلاع البشرية الحقيقية. هل يمدّ أجل مرحلة الإرهاق إلى ما لا نهاية؟ من المحتمل جداً، وقد زال الآن فعل المباغتة، أن تصدر المبادرة عن معسكر الخصم.
وكان قد سبق أن نصح بعض الأمراء بالانكفاء عندما لاحت من بعيد غيمة من الغبار. إنه جيش فرنجي جديد يقترب، وهو بمثل عدد الجيش الأول، ولم يكن أولئك الذين كانت تدور معهم رحى الحرب منذ الصباح إلا الطليعة، وليس أمام السلطان من خيار، فعليه أن يأمر بالانسحاب. وقبل أن يتمكن من التنفيذ بلغه أن جيشاً فرنجياً ثالثاً يُشاهَد خلف الخطوط التركية على تلّة مشرفة على خيمة القيادة العامة.
وأسلم قلج أرسلان قياده إلى الخوف هذه المرة فوثب على صهوة جواده وكرّ صوب الجبال تاركاً حتى خزنته الشهيرة التي كان يحملها معه على الدوام لدفع رواتب عساكره. وتبعه دنشمند عن قرب، وكذلك فعل معظم الأمراء. وتمكّن فرسان كُثُرٌ من الابتعاد بدورهم مستفيدين من الامتياز الوحيد الباقي لهم، وهو السرعة، فلم يقدر الغالبون على اللحاق بهم. وأما معظم الجنود فلبثوا على أرض المعركة محاطين بأعدائهم من كل جانب. وقد كتب ابن القلانسي فيما بعد أن الفرنج «كسروا عسكره (أي عسكر قلج أرسلان) فقتلوا منهم وأسروا ونهبوا وسَبَوْا» (12).
والتقى قلج أرسلان في أثناء فراره زمرة من الفرسان كانوا قد قدموا من الشام للقتال إلى جانبه فباح لهم بأن الأوان قد فات. فأولئك الفرنج كُثُرٌ أشدّاء، ولا سبيل لصدّهم. وإذ كان السلطان المهزوم قد قرر انتظار انقضاء الإعصار فقد قرن القول بالفعل وتوارى في رحب الهضبة الأناضولية. ولقد كان عليه أن ينتظر أربعة أعوام كاملة قبل الانتقام.
وبدت الطبيعة وحدها قادرة على الصمود في وجه الغازي المجتاح. فجفاف الأراضي وضيق الدروب في الجبال وحرارة الصيف على طرق غير ظليلة تعوق بعض الشيء تقدم الفرنج، وهم بحاجة بعد «دوريله» إلى مسيرة مئة يوم لاجتياز الأناضول في حين أن شهراً واحداً كان يكفيهم. وكانت انباء الهزيمة التركية قد طبّقت آفاق الشرق في تلك الأثناء. ويقول مؤرخ دمشق في ذلك: «وتواصلت الأخبار بهذه النوبة المستبشعة في حقّ الإسلام فعظم القلق وزاد الخوف والفَرَق» (13).
وسرت شائعات متلاحقة عن وصول الفرسان المرهوبين الوشيك. وفي آخر شهر تموز/يولية ورد الخبر بقربهم من قرية «البلانة» الواقعة في أقصى شمال الشام. وتجمّع ألوف الفرسان لمواجهتهم، ولكنه كان إنذاراً كاذباً ولم يَلُحِ الفرنج في الأفق، فأخذ أكثر الناس تفاؤلاً يتساءلون عما إذا لم يكن الغزاة قد عادوا أدراجهم، ويردّد ابن القلانسي صدى ذلك عبر واحد من تلك الرموز الفلكية المحبّبة إلى قلوب معاصريه فيقول: «وفي شعبان (سنة 490هـ) ظهر الكوكب ذو الذؤابة من الغرب وأقام طلوعه تقدير عشرين يوماً ثم غاب فلم يظهر» (14). ولكن سرعان ما تبدّدت الأوهام فأخذت الأنباء تزداد دقّة، وأصبح بالإمكان منذ منتصف شهر أيلول/سبتمبر متابعة تقدّم الفرنج من قرية إلى أخرى.
وفي الحادي والعشرين من شهر تشرين الأول/أوكتوبر 1097م تعالت الصيحات من أعالي حصن أنطاكية أكبر مدينة في الشام «إنهم هنا!»، واندفع بعض المتسكّعين صوب الأسوار، ولكنهم لم يروا سوى غيمة مبهمة من الغبار بعيداً جداً في طرف السهل قرب بحيرة أنطاكية، فما يزال الفرنج على مسيرة يوم، وربما أكثر، وكل شيء يدعو إلى الاعتقاد بأنهم راغبون في التوقّف لنيل قسط من الراحة بعد رحلتهم الطويلة. ومع ذلك فإن الحيطة تقضي بالإسراع في إقفال أبواب المدينة الخمسة المتينة.
وهدأت جلبة الصباح في الأسواق، وسكن الباعة والشارون، وقامت بعض النسوة يتلون الأدعية، وران الخوف على المدينة.
صفحة 9

الفصل الثاني : زرّاد ملعون

«حين بلغ ياغي سيان صاحب أنطاكية نبأ اقتراب الفرنج خاف أن يتمرّد نصارى المدينة، وعليه فقد قرّر طردهم» (15).
والمؤرخ العربي ابن الأثير هو الذي سيروي الحادثة، بعد أكثر من نصف قرن على بدء الغزو الفرنجي، بالاستناد إلى الشهادات التي خلّفها المعاصرون:
«في اليوم الأول أمر ياغي سيان المسلمين بالخروج لتنظيف الخنادق المحيطة بالمدينة. ولم يرسل في اليوم التالي للعمل نفسه إلا النصارى. وجعلهم يعملون حتى المساء، وحين أرادوا العودة منعهم منها قائلاً: «أنطاكية لكم ولكنْ عليكم أن تتركوها لي حتى أُنهي أمري مع الفرنج». وسألوه: «ومن يحمي أولادنا ونساءنا؟» فأجاب الأمير: «أنا أتولى الأمر عنكم». وقد حمى بالفعل عائلات المطرودين ولم يسمح بأن تُمسّ شعرة في رؤوسهم» (16).
في ذلك الشهر، تشرين الأول/أوكتوبر من عام 1097م، كان ياغي سيان العجوز الذي قضى أربعين عاماً في خدمة السلاطين السلاجقة يعيش في هاجس الخوف من خيانة. فهو مقتنع بأن عسكر الفرنج المحتشدين أمام أنطاكية لن يتمكّنوا أبداً من دخولها إلا إذا اطمأنوا إلى وجود تواطؤ داخل أسوارها لأنه لا يمكن الاستيلاء على مدينته باقتحامها، والحظّ للاستيلاء عليها بالحصار والتجويع أقلّ من ذلك أيضاً. والصحيح أن ما يملك هذا الأمير ذو اللحية التي خّطها الشيب من عسكر لا يتعدّى ستة آلاف أو سبعة، في حين يحشد الفرنج قرابة ثلاثين ألف مقاتل، ولكنّ أنطاكية موقع حصين لا يمكن عملياً الاستيلاء عليه، وطول سورها فرسخان وعليه ما لا يقلّ عن ثلاثمئة وستين برجاً مبنية على ثلاثة مستويات مختلفة. والسور المبنيّ بشكل متين من حجارة منحوتة ولبن فوق دعامة مرصوصة يرتفع إلى الشرق فيبلغ جبل حبيب النجّار وتتوّج قمّته بقلعة حصينة. وهناك في الغرب النهر الذي يدعوه أهل الشام العاصي، «النهر المتمرّد»، لأنه يوحي في بعض الأحيان بأنه يجري بعكس ما تجري الأنهار، أي من البحر المتوسط إلى داخل البلاد. ويحاذي مجراه أسوار أنطاكية مشكّلاً عقبة طبيعية ليس من اليسير اجتيازها. وفي الجنوب تشرف التحصينات على وادٍ شديد الانحدار حتى ليبدو مُنْحَدَرُه وكأنه امتداد للأسوار. ومن هذا الواقع يستحيل على المحاصرين حصار المدينة حصاراً كاملاً، ولا يجد المدافعون عنها أي بأس في الاتصال بالخارج والتموّن.
ومدّخرات المدينة الغذائية من الوفرة بحيث تسيّج أسوارها، علاوة على الأبنية والحدائق، مساحات شاسعة من الأراضي المزروعة. وقد كانت أنطاكية قبل الفتح الإسلامي مدينة رومانية سكّانها مئتا ألف نسمة؛ وعدد سكّانها في عام 1097م لا يتجاوزون أربعين ألفاً، وقد حُوِّل كثير من أحيائها التي كانت مأهولة قديماً إلى حقول وبساتين. وعلى الرغم من فقدانها أبهتها الماضية فإنها لا تزال مدينة تثير الإعجاب. وجميع المسافرين ـ حتى وإن قدموا من بغداد أو القسطنطينية ـ يبهرهم من النظرة الأولى مشهد هذه المدينة المترامية على امتداد البصر بمآذنها وكنائسها وأسواقها المقنطرة وداراتها الفخمة الملتصقة بالسفوح المحرجة، المائلة المصعّدة نحو القلعة.
لم يكن ياغي سيان يبدي أي قلق إزاء متانة تحصيناته ولا بشأن مُؤَنه. ولكنّ جميع وسائل دفاعه تغدو عديمة الجدوى إذا توصّل المحاصرون إلى العثور في موضع ما من السور الطويل على متواطيء يفتح لهم باباً أو يسهّل لهم أمر الوصول إلى برج، كما سبق أن حدث في الماضي. ومن هنا كان قراره بطرد معظم رعاياه من النصارى. ونصارى الشرق من الأروام والأرمن والموارنة واليعاقبة، في أنطاكية أو في غيرها، يخضعون منذ مجيء الفرنج إلى اضطهاد مزدوج: اضطهاد إخوتهم في الدين من الغربيين الذين يتهمونهم بالتعاطف مع العرب ويعاملونهم على أنهم رعايا من رتبة أدنى، واضطهاد مواطنيهم المسلمين الذين كثيراً ما يرون فيهم حلفاء طبيعيين للغُزاة. والحدّ الفاصل بين الانتماءات الدينية والوطنية معدوم عملياً في الواقع. فلفظة «روم» نفسها تطلق على البيزنطيين ونصارى الشام الذين يمارسون الطقوس الرومية ويعتبرون أنفسهم من جهة ثانية على الدوام من رعية القيصر؛ وكلمة «أرمني» تُطلق في وقت معاً على كنيسة وعلى شعب، وعندما يتحدّث المسلم عن «الأمّة» فإنما يعني جماعة المسلمين بالذات. وفي خَلَد ياغي سيان أن طرد النصارى ليس من قبيل التمييز الديني، وإنما هو إجراء يشمل في زمن الحرب رعايا قوّةٍ معادية هي القسطنطينية التي كانت أنطاكية تابعة لها زمناً طويلاً ولم تتخلَّ قط عن فكرة استرجاعها.
لقد كانت أنطاكية آخر مدينة من كبريات مدن آسيا العربية تقع تحت سيطرة الأتراك السلاجقة، ففي عام 1084م كانت لا تزال تابعة للقسطنطينية. وإذ أتى الفرسان الفرنج لحصارها بعد ثلاثة عشر عاماً فقد كان من الطبيعي أن يقتنع ياغي سيان بأن الأمر محاولة من السلطات الرومية لاستعادتها بتواطؤ من السكّان المحليين الذين هم في معظمهم من النصارى. وأمام هذا الخطر لم يتحرّج الأمير من طرد «النصارى» ـ أتباع النصاريّ، كما يسمّيهم العرب ـ وأشرف بنفسه على تموين الناس بالقمح والزيت والعسل، وكان يتحقّق يومياً من التحصينات فارضاً أشدّ العقوبة لقاء أيّ إهمال. فهل كان ذلك كلّه كافياً؟ ليس ما هو أدنى إلى الريب، ولكنّ التدابير المتّخذة لا بدّ أن تسمح بالصمود بانتظار وصول المَدَد، فمتى يصل؟ إن من يقيم في أنطاكية يلحّ في طرح هذا السؤال، وليس في وسع ياغي سيان أن يجيب عنه بأكثر ممّا في وسع رجل الشارع. ومنذ بدء الصيف، وكان الفرنج ما يزالون بعيدين، أوفد ابنه إلى قادة الشام لإعلامهم بما يتربّص بمدينته من خطر. ويخبرنا ابن القلانسي أن ابن ياغي سيان قد تحدّث في دمشق عن الجهاد. ولكنّ الجهاد لم يكن في بلاد الشام في القرن الحادي عشر (الميلادي) سوى شعار يرفعه الأمراء الواقعون في ضيق. ولكي يقبل أميرٌ بأن يُنجد أميراً آخر فلا بدّ أن يجد في إنجاده بعض النفع لنفسه، وعندها فقط يتجلّى له أن يتذرّع بالمبادىء الكبرى.
والحقّ أن أيّ مسؤول غير ياغي سيان نفسه لم يكن في ذلك الخريف من عام 1097م يشعر بأنه مهدّد مباشرة بالغزو الفرنجي. وإذا كان مرتزقة الإمبراطور راغبين في استعادة أنطاكية فليس هناك ما يخرج عن المألوف لأن هذه المدينة طالما كانت بيزنطية. وكان الاعتقاد السائد أن الروم لن يذهبوا إلى أبعد من ذلك على كل حال. ولأن يكون ياغي سيان في ضيق فليس ذلك حتماً بالأمر المزعج لجيرانه. فلقد عبث بهم منذ عشر سنوات زارعاً التفرقة، مؤجّجاً التحاسد، قالباً موازين التحالفات. وإذ يطلب إليهم الآن أن ينسوا صراعاتهم ويسعفوه فهل يدهش لرؤيتهم يتخلّفون عن النهوض لنجدته؟
صفحة 10
إن ياغي سيان، بوصفه رجلاً واقعياً، يعلم أنهم سيجعلونه ينتظر عبثاً، وأنهم سيجبرونه على استجداء العون، وأنهم سيحملونه على دفع ثمن مهاراته ودسائسه وخياناته. ولكنه يتصوّر مع ذلك أن الأمر لن يبلغ بهم حدّ تسليمه مغلول اليدين والقدمين إلى مرتزقة القيصر. وبعدُ فإنه لم يَسْعَ إلى أكثر من ضمان بقائه حيّاً وسط وكر لا يرحم من الزنابير. والصراعات الدامية لا تعرف التوقّف في العالَمِ الذي يتخبّط فيه صاحب أنطاكية، عالم الأمراء السلاجقة، وهو مضطر، شأنه شأن أمراء المنطقة الآخرين، إلى اتخاذ موقف. فلو حدث أن كان في الصفّ الخاسر فالموت في انتظاره، أو على الأقل السجن والنكبة. وإذا حالفه الحظّ وكان في المعسكر الفائز فإنه يتمتّع بنصره إلى حين ويكافأ ببعض السبايا الحسناوات قبل أن يتورّط من جديد في صراع يخاطر فيه بحياته. وعلى المرء لكي يحافظ على وجوده أن يراهن على الجواد الصالح، لا أن يعاند في المراهنة على الجواد نفسه باستمرار. وأي خطأ كفيل بأن يودي بصاحبه، وقلّة قليلة هم الأمراء الذين ماتوا في أسِرَّتهم.
والحياة السياسية في بلاد الشام كانت تسمّمها لدى وصول الفرنج «حرب الأَخَوَيْن»، وهما شخصيتان عجيبتان كأنهما أفلتتا للتوّ من مخيّلة قصّاص شعبي: رضوان ملك حلب، وأخوه الأصغر دُقاق ملك دمشق، وكلاهما يضمر للآخر بُغضاً مُقيماً لا يسمح لهما معه شيء، ولا حتى خطر يتهدّدهما معاً، بالتفكير في التصالح. وعمر رضوان في عام 1097م أكثر من عشرين سنة بقليل، ولكنْ تحيط به مع ذلك هالة من السحر وتشيع من حوله أشدّ الحكايات إثارة للرعب. وقد كان قصير القامة نحيلاً حادّ النظرات وإن نمّت نظراته أحياناً عن خوف. وربما كان قد وقع، كما يقول لنا ابن القلانسي، تحت سلطان «حكيم منجّم» ينتمي إلى فرقة الحشاشين التي كانت قد أبصرت النور منذ عهد قريب، وسيكون لها دور مهمّ على امتداد زمن الغزو الفرنجي، وتتجّه أصابع الاتهام ـ وليس ذلك من غير سبب ـ إلى ملك حلب باستخدام أولئك المتعصّبين للتخلّص من خصومه. ولقد أيقظ رضوان بجرائم القتل وانعدام التقوى وتعاطي أمور السحر الحذرَ في نفوس جميع الناس، ولكنّ أشدّ البغضاء وأقواها كانت التي أثارها كنف أسرته بالذات. فلدى ارتقائه العرش عام 1095م دبّر خنق اثنين من إخوته الصغار خشية أن ينازعاه السلطان ذات يوم؛ ولم ينجُ ثالث إلا بالهرب من قلعة حلب في الليلة التي كان مقدّراً فيها أن تُطبِق أيدي العبيد القوية على خناقه. وكان هذا الناجي دُقاق الذي نذر لأخيه الأكبر مذّاك كرهاً أعمى. وقد التجأ بعد هربه إلى دمشق فأعلنته حاميتها ملكاً. وعاش هذا الشاب الضعيف الإرادة، الشديد التأثّر بالآخرين، السريع الغضب والعطب، يساوره هاجس رغبة أخيه في قتله. وإذ كان مقدّراً لياغي سيان أن يجد نفسه بين هذين الأميرين نصف المجنونين فإن مهمّته لم تكن باليسيرة. فجاره المباشر هو رضوان الذي تقع عاصمته حلب، إحدى أقدم مدن الدنيا، على مسيرة أقل من ثلاثة أيام من أنطاكية. وكان ياغي سيان قد زوّجه ابنته قبل وصول الفرنج بعامين، ولكنّه سرعان ما أدرك أن هذا الصهر يطمع في ملكه فأخذ بدوره يخشى على حياته منه. وفرقة الحشاشين تقضّ مضجعه كما تقضّ مضجع دُقاق. وإذ كان طبيعياً أن يقرّب الخطر المشترك بين الرجلين فقد توجّه ياغي سيان أوّل ما توجّه إلى ملك دمشق حين كان الفرنج يزحفون على أنطاكية.
ولكنّ دُقاق لا يقرّ له قرار. لا لأن الفرنج يخيفونه، وهذا ما يؤكّده، ولكنْ لأنه لا يرغب في سَوْق جيشه إلى جوار حلب متيحاً بذلك لأخيه فرصة الانقضاض عليه من خلف. ولقد أرسل إليه ياغي سيان ـ وكان يعرف مقدار صعوبة انتزاع قرار من حليفه ـ ابنه شمس الدولة، وهو شاب نابه مندفع مشبوب العاطفة لا يعرف التراخي. ورابط شمس في البلاط الملكي يلحف في الطلب من الملك ومستشاريه مخاتلاً تارة ومهدّداً طوراً. بيد أن صاحب دمشق لم يقبل المسير على مضض بجيشه نحو الشمال إلا في كانون الأول/ديسمبر 1097م، أي بعد شهرين من بدء معركة أنطاكية. ورافقه شمس لأنه كان يعلم أن أمام دُقاق متسع من الوقت للعدول عن رأيه خلال أسبوع من المسير. والحقّ أن الملك الشاب كان يبدو أكثر ضيقاً كلما أوغل في الطريق. وفي الحادي والثلاثين من كانون الأول/ديسمبر، وكان جيش دمشق قد قطع ثلثي الرحلة، التقى زمرة من الفرنج كانوا قد جاءوا يعيثون فساداً في تلك الناحية. وعلى الرغم من تفوّق دُقاق العددي والسهولة النسبية التي نجح بها في تطويق العدو فإنه رفض إعطاء الأمر بالهجوم. وقد أتاح ذلك للفرنج الذين كانوا قد فقدوا صوابهم في وقت من الأوقات فرصة الثواب إلى رشدهم والتخلّص من الطوق المضروب. وعندما شارف النهار على الانتهاء لم يكن هناك غالب ولا مغلوب، ولكنّ الدمشقيين كانوا قد فقدوا من الرجال أكثر ممّا فقد خصومهم: وما كان دُقاق بحاجة إلى أكثر من ذلك لِتَهِنَ عزيمته، فإذا به يأمر رجاله على الفور بأن يعودوا أدراجهم على الرغم من توسّلات شمس المفعمة بالقنوط.
وفي أنطاكية أثار ارتداد دُقاق أشدّ المرارة، ولكنّ حُماتها لا يستسلمون. وفي تلك الأيام الأولى من عام 1098م دبّ الاضطراب، ويا للعجب، في معسكر المحاصرين. فقد أفلح كثير من جواسيس ياغي سيان في الانسلال إلى صفوف العدو. وكان بعض أولئك المخبرين يتصرّفون بدافع الكره للروم، ولكنّ معظمهم كانوا من نصارى المدينة الآملين في الحُظوة لدى الأمير جزاء ما يفعلون. فقد تركوا أُسَرَهم في أنطاكية وهم يَسْعَوْن إلى ضمان سلامتها. والمعلومات التي ينقلونها تُدخِل الطمأنينة إلى قلوب السكان: فبينما لا تزال مؤن المحاصَرين وفيرة فإن الفرنج فريسة للمجاعة. ولقد أُحصي منهم مئات الموتى، ومعظم مطاياهم ذُبحت. وكانت غاية الحملة التي اصطدمت بجيش دمشق هي بالضبط العثور على بعض الخِراف والماعز ونهب الأهراء. وكانت تنضاف إلى الجوع نكبات أخرى تحطّم كل يوم مزيداً من معنويات الغُزاة. فقد تساقط المطر بلا انقطاع مؤكداً اللقب الزقاقي الذي يُطلقه أهل الشام على أنطاكية وهو «الشخّاخة» وغرق معسكر المحاصِرين في الوحل. ثم إن هناك هذه الأرض التي لا تنفكّ تُزَلْزَل. إن أهل المدينة قد أَلِفوا أمرها، وأما الفرنج فلا ينفكون يرتعدون منه فَرَقاً؛ وجلبة صلواتهم عندما يجتمعون للابتهال إلى السماء معتقدين أنهم ضحايا عقاب إلهي تتعالى فتُسمع في المدينة. ويقال إنهم قرّروا لكي يهدّئوا من غضب الله تعالى أن يطردوا من معسكرهم البغايا ويغلقوا الحانات ويمنعوا القمار بالنرد. وكثيرة هي حالات الفرار، حتى في صفوف القادة.