eKtab
EN ع
الحرية الاقتصادية في العالم - التقرير السنوي 2007
اقرأ عينة مجانية

الحرية الاقتصادية في العالم - التقرير السنوي 2007

بقلم مجموعة باحثين

صفحة 1

إهداء إلى ميلتون فريدمان

أعظم اقتصاديي القرن العشرين
أذكر أنني تلقيت دعوة للمشاركة في مؤتمر عام 1989 يركز على كيفية تطوير مقياس للحرية الاقتصادية. لقد أذهلتني الفكرة لأنها مهمة مستحيلة ولكن الدعوة كانت من ميلتون فريدمان. وبناء عليه أجبت بسرعة على خطاب الموافقة. في النهاية، أدى هذا إلى تركيز الأضواء بشكل رئيسي على مهنتي: الفرصة للعمل مع ميلتون فريدمان على تطوير مقياس يشمل الحرية الاقتصادية للبلدان.
يعتبر ميلتون فريدمان الأب الروحي لمشروع الحرية الاقتصادية في العالم، ولم يكن لهذا المشروع أن ينفذ لولا قيادته وتوجيهه. وخلال مؤتمرات الإعداد الأولية، كان هنالك أمران تركا انطباعاً حياً عليّ شخصياً. أولاً، كان ميلتون مقتنعاً أنه على الرغم من الطابع المعقد والمتعدد الأبعاد للحرية الاقتصادية، إلا أنه يمكن قياسها. وعلاوة على ذلك، كان القيام بذلك أمراً مهماً. وأبلغ المشاركين في المؤتمر أن علماء الاجتماع في جامعة شيكاغو غالباً ما جادلوا بالقول أنه «إذا أردت قياس أي شيء، عليك بذلك بأية طريقة كانت.» لقد قدمت رؤاه الإلهام بأنه يمكن تطوير مقياس جيد إلى حد معقول للحرية الاقتصادية.
ثانياً، كان ميلتون يذكرنا دوماً بأن هدفنا كان تطوير أداة علمية. وإلى أقصى حد ممكن، كان ينبغي أن يرتكز المقياس على بيانات موضوعية. ولم نكن نريد أن يكون لوجهات نظرنا الشخصية أن تؤثر على تصنيف أية دولة. لقد أردنا تطوير مؤشر يمكن للآخرين محاكاته، وحتى أولئك الذين لا يتفقون معنا يمكنهم استخدامه كأداة بحثية.
قبل فترة طويلة من المشروع، كان لميلتون فريدمان تأثير كبير على وجهات نظري الشخصية. كنت قد بدأت بدراسة الاقتصاد في أوائل ستينيات القرن الماضي. ومن الصعب لأي شخص تحت سن 50 عاماً أن يتخيل الهيمنة الأكاديمية لعالم الاقتصاد جون مينارد كينز خلال تلك الحقبة. وإذا أردت الحصول على وظيفة أكاديمية أو ترقية أو منصب في أبرز الجامعات الأمريكية، لم تكن فكرة جيدة تلك المتمثلة في تحدي وجهة النظر المهيمنة. وعلى ضوء هذه الخلفية، كان ميلتون فريدمان صوتاً في البرية، وتلقى إهانات معتبرة بسبب ذلك. فبحسب وجهة النظر السائدة خلال ستينيات القرن الماضي، فإن:
 فترات العجز المخطَّطة خلال فترات الركود، والفائض خلال فترات التضخم، سوف يعززان استقراراً لم يسبق له مثيل.
 السياسة النقدية كانت عاجزة وغير قادرة على الإطلاق على محاربة الركود.
 كانت هنالك مقايضة بين التضخم والبطالة: فإذا كنا على استعداد لتحمل القليل من التضخم، يمكن المحافظة على مستوى البطالة عند نسبة 3 في المائة أو أقل.
علاوة على ذلك، لم يكن خبراء الاقتصاد الكلي الوحيدين الذين يعشقون التخطيط الحكومي. فقد فضل معظم علماء الاقتصاد ذوي الاتجاه السائد لأعوام ستينيات القرن الماضي التخطيط المركزي على نطاق أكبر حجماً بكثير. وقد قيل للطلبة أنه إذا أرادت اقتصادات الولايات المتحدة واقتصادات السوق الأخرى مواكبة الاتحاد السوفييتي، فعليها الاعتراف بجاذبية التخطيط الحكومي، وربما بلمسة أمريكية، مضاهاة النجاحات التي حققها النظام السوفييتي.
وفيما عدا أماكن قليلة مثل جامعة شيكاغو، هيمنت وجهات النظر هذه على مهنة الاقتصاد في الجامعات. لقد تحدى ميلتون فريدمان التيار السائد في سياق العقدين التاليين من الزمن، وغيرّت قوة مهاراته الفكرية وأعماله العلمية، منفرداً على الأغلب، مهنة الاقتصاد برمتها. وقدم كتابه (التاريخ النقدي للولايات المتحدة) (1963)، الذي ألفه بالتعاون مع آنا شوارتز، دليلاً قوياً على أن السياسة النقدية السليمة ليست مهمة فقط، إنما أيضاً المصدر الرئيسي للاستقرار الاقتصادي. ووضح الفصل الذي يحمل عنوان «الانكماش العظيم»، أن الركود العظيم كان سببه الرئيسي، إن لم يكن الحصري، السياسة النقدية المعاكسة لمجلس الاحتياط الفيدرالي وليس عيباً في اقتصاد السوق. وفي خطابه الرئاسي الذي ألقاه عام 1967 أمام جمعية الاقتصاديين الأمريكيين، لخص فريدمان الصلة بين السياسة النقدية المعاكسة وعدم الاستقرار بالطريقة التالية: «إن كل انكماش رئيسي حدث في هذه البلاد إما أحدثته الفوضى النقدية أو تفاقم إلى حد كبير بسبب الفوضى النقدية. وقد حدثت كل حلقة من التضخم الرئيسي بسبب التوسع النقدي.»
ووجدت أعمال فريدمان التجريبية مع ديفيد ميسيلمان أن التغييرات في السياسة النقدية لها تأثير على الطلب والنمو الإجمالي أكبر من تأثير العجز في الميزانيات. وبعبارة أخرى، أشارت أعمالهما أن السياسة النقدية كانت أكثر قوة من السياسة المالية كمصدر لتحفيز الطلب. في البداية، أدرك فريدمان تفاهة نظرية منحنى فيليبس، التي تقول أنه يمكن استخدام التضخم لتخفيض معدل البطالة. وأشار على نحو صحيح بأنه حالما يتوقع البشر التضخم، فإن المقايضة المزعومة بين التضخم والبطالة سوف تتلاشى. علاوة على ذلك، فإن أي اقتصاد يتبع السياسات التضخمية في محاولة لتقليص البطالة سرعان ما يبتلى بكليهما. لقد وضح ما يطلق عليه «التضخم المصحوب بالركود» في سبعينيات القرن الماضي نقطته هذه.
لقد أثبت التاريخ صلاحية وجهات نظر فريدمان بشأن قدرة النقود، وغياب المقايضة بين التضخم والبطالة، وعدم فاعلية السياسة المالية كأداة للاستقرار. وحتى نقاده، مرغمون في بعض الأحيان، يعترفون الآن أن فريدمان كان على حق.
لدى ميلتون فريدمان قدرة لا تضاهى على الاتصال مع الجمهور العام والألمعيين في حقله. لقد عرف كيف يصرح عن موقفه بوضوح وحماس ودبلوماسية. وكان قادراً على الاختلاف دون أن يكون بغيضاً. كان فريدمان محاوراً رائعاً ورفض السماح للآخرين باستخدام الكلمات المشحونة عاطفياً لكسب الشهرة. وعندما كان فريدمان عضواً في الهيئة الرئاسية بتعيين من الرئيس نيكسون عام 1969، من أجل دراسة كيفية إلغاء التجنيد العسكري، قال الجنرال ويليام ويستمورلاند، والذي كان قائداً للقوات في فيتنام ورئيس هيئة الأركان للجيش الأمريكي في ذلك الوقت، للهيئة أنه لا يريد أن يكون قائداً على جيش من المرتزقة. أوقفه فريدمان وسأله: «هل تفضل أن تكون قائداً على جيش من العبيد؟» فأجاب الجنرال ويستمورلاند بحدة، «لا أحب الإشارة إلى مجندينا الوطنيين بصفتهم عبيداً.» رد عليه فريدمان أنه لا يحب أن يسمع أن يشار إلى جيش من المتطوعين كمرتزقة: «إذا كانوا مرتزقة، عندها أكون أنا يا سيدي أستاذ اقتصاد مرتزقة، وأنت يا سيدي جنرال مرتزقة، ويخدمنا أطباء مرتزقة، ونستعين بمحامين مرتزقة، ونحصل على اللحم من لحامين مرتزقة.» وكانت تلك هي آخر مرة سمعت فيها الهيئة من الجنرال عن المرتزقة.
من الصعب المبالغة في تأثير ميلتون فريدمان. لقد كان المهندس الرائد لقضية الالتحاق الطوعي بالقوات المسلحة. وفي السنوات الأخيرة، اتبعت عدة دول أخرى ريادة الولايات المتحدة وألغت التجنيد الإجباري. تركز السياسة النقدية في شتى أرجاء العالم في وقتنا الحاضر على ضبط العرض النقدي وتحقيق استقرار الأسعار. إن اقتصادات تشيلي، والصين، والهند، وبلدان أوروبا الشرقية تعتبر الآن أكثر حرية بشكل ملحوظ عما كانت عليه قبل عقدين من الزمن. وأكد مارت لار، رئيس إستونيا الشاب، أنه قرأ كتاب واحد فقط في علم الاقتصاد وهو (حرية الاختيار)، وذلك عندما تولى قيادة بلاده. واعتقد أن الكتاب مثّل وجهات نظر جميع علماء الاقتصاد، واستخدم الأفكار كخارطة طريق لمبادراته السياسية. والنتيجة: لدى استونيا الآن أسرع اقتصاد نمواً بين بلدان الاتحاد السوفييتي السابق. إن العالم أكثر ازدهاراً وحرية بسبب أعمال ميلتون فريدمان.
كان فريدمان «عالم العلماء»، ولكنه كان قادراً أيضاً على نقل الأفكار المعقدة بطريقة مفهومة. وبرأيي الشخصي، كان أعظم اقتصاديي القرن العشرين - وربما أعظمهم على الإطلاق.
جيمس غوارتني
جامعة ولاية فلوريدا
صفحة 2

من أجل تغيير العالم

عندما انتشر نبأ وفاة صديقي [ميلتون فريدمان] في شتى أرجاء العالم، سعى الناس إلى التركيز على تأثير آرائه وأفكاره على العالم: صحفيون يبحثون عن أفضل 700 كلمة تعبر عن جوهر هذا الرجل؛ قنوات تلفزيونية تتخبط- كما تفعل دائماً - لإيجاد وسيلة «مرئية» لتقديم الحدث لمشاهديها. بطبيعة الحال، بالنسبة لمعظم الناس في العالم، فإن أفضل وسيلة لرؤية تأثير ميلتون فريدمان هي ببساطة أن تنظر حولك. من منغوليا إلى مانيتوبا، ومن ريكيافيك إلى كيب تاون، ومن سيدني إلى بكين، وفي كل منطقة من مناطق الاتحاد السوفييتي السابق، فإن افكار ميلتون فريدمان تحفّز السياسات الاقتصادية التي تغير العالم وتقضي على الفقر بوتيرة غير مسبوقة. (حرية الاختيار)، الكتاب الذي نشأ عن سلسلة تلفزيونية تحمل الاسم ذاته، ألفه ميلتون وزوجته الذكية روز، كان الدليل للإصلاحيين بعشرات اللغات.
آخر مرة كنت فيها مع ميلتون وروز، قبل أسبوعين من وفاته واليوم الذي دخل فيه المستشفى لهبوط في وظائف القلب مما أدى إلى وفاته، كان كعادته دوماً، فضولياً، ومرحاً، ومولعاً بالقتال وموطد العزم. كانت المناسبة اجتماع حول مؤسسة ميلتون وروز التي يشرفني أن أكون مديرها. كان يتم التعامل مع عمل المؤسسة بكفاءة وبشكل جيد غير أن سير العمل لم يمنعنا من الجدال أحياناً حول استحقاقات «بيع الأسهم لأجل قصير بهدف الربح قبل أن يهبط سعرها.» ودار الجدل حول ما إذا كان ينبغي على أولئك الذين يبيعون الأسهم أن يغطوا عمليات البيع قصيرة الأجل تلك باقتراض الأسهم. وحول ما إذا يجب أن تكون أسواق الأسهم في هذا الخصوص كأسواق العملات والسلع.
ذكرني النقاش بأن إحدى مساهمات ميلتون إلى العالم كانت إسداءه النصيحة إلى مؤسسي بورصة شيكاغو، التي تعتبر الآن واحدة من أكبر أسواق الأسهم والسلع. فوّض مؤسسُ البورصة ميلتون لإعداد بحث عن أسواق العقود الآجلة، ولعبت الأفكار التي وردت في ذلك البحث الذي أنجز عام 1971 دوراً رئيسياً في إقناع المؤسسين والمسؤولين الحكوميين باستحقاقات تأسيس مثل تلك البورصة. في الواقع، فإن مؤسس سوق العقود الآجلة في البورصة، ليو ميلاميد، لاحظ أن المسؤولين الحكوميين الذين كانوا في البداية متشككين من الفكرة، تخلوا عن شكوكهم عندما اكتشفوا أن ميلتون فريدمان كان مؤيداً للفكرة.
لم يكن من المدهش أن ميلتون كان ودياً مع الجميع، مع العديدين ممن كانوا يعارضون أفكاره، ومع القلة الذين كانوا يقبلونها. هكذا بقي صامداً طوال 30 عاماً بينما كان العالم يتشرب الأفكار الاشتراكية بغباء. وفي حين لم يتفق الناس معه، كان عليهم أن يعترفوا أنه كان شخصاً لطيفاً.
إحدى أكثر السمات المحببة لهذا العملاق الفكري اللطيف كانت إنسانيته: اهتمامه بعدم إحراج أي شخص يطرح أسئلة سخيفة، وعنايته لمعاملة كل شخص باحترام، حتى من يهاجمه بسبب وجهات نظره. وكان لاعب تنس عظيم إلى أن وصل إلى منتصف الثمانينات من العمر، كما كان متزلجاً ماهراً على الجليد. كما كان يقوم بتحليل خط اليد كخدعة أثناء الالتقاء في المناسبات الاجتماعية، ويبادر في الحديث ليجعل الآخرين يشعرون بارتياح في المناسبات الاجتماعية.
إن مساهمات فريدمان في فهم الاقتصاد كان يدفعها طموحه إلى تغيير العالم. وقد كان طالباً يدرس التاريخ فضلاً عن كونه صانعاً له، ويدرك تماماً مدى معاناة البشرية، ومدى قلة الإنجازات التي حققتها النتائج غير المقصودة للسياسات طيبة النوايا، إنما غير الصحيحة. ومنذ أوائل خمسينيات القرن الماضي، بدأ بإلقاء المحاضرات حول الصلات بين الانجازات البشرية والحرية الاقتصادية. وكان كتابه الذي ألفه بمشاركة روز (الرأسمالية والحرية) بياناً مبكراً لما كان سيصبح وجهة النظر العالمية الشاملة للاقتصاديين الليبرتاريين. وكان ذلك هو ما قاد ميلتون وروز وأنا إلى المبادرة في عام 1984 بالعملية التي أوجدت مؤشر الحرية الاقتصادية.
وبينما كان ميلتون وروز يوصفان في أغلب الأحيان على أنهما مناصران للسوق الحر، كانا قبل ذلك باحثين في الطريقة التي تعمل فيها العملية الاقتصادية. لقد أرادا معرفة الطريقة التي تعمل فيها أسواق التعليم والعناية الصحية، مما أدى بهما إلى تفضيل القسائم للتأكد من التوصيل الفعال لهذه الخدمات المهمة.
إن دعمهما لاختيار التعليم من خلال القسائم يتم التعبير عنه حالياً في الأنشطة التي تقوم بها مؤسسة ميتلون وروز فريدمان.
لقد لاحظا عدم فعالية وعدم جدوى الإنفاق العام، وشح الحلول للمشاكل التي كانت أهداف الإنفاق العام. واستنتجا أنه من الأفضل تخفيض الضرائب وجعل الناس ينفقون أموالهم على أشياء اعتقدوا أنها كانت مهمة بالنسبة لهم. واليوم، تؤخذ هذه الأفكار بشكل واضح في الوقت الذي تقترب فيه الحكومات من نموذج أسلوب ميلتون للتمويل العام. ولكن قبل أربعين عاماً، كانت تعتبر غريبة وغير واقعية. علاوة على ذلك، ومع معتقدات كينز الكاملة المنتشرة في عواصم البلدان البارزة، كان فريدمان يعتبر منبوذاً. لحسن الحظ، لم يكن لذلك أي تأثير على تصميمه لإثبات أن الرأي الجماعي كان غير صحيح وغير فاعل.
في حين أن ميلتون سوف يرفض استخدام المصطلح، إلا أن الزعماء الوطنيين، من رئيس الوزراء زاو زيانغ في الصين، إلى رئيس الوزراء دافيد أودسون في آيسلندا سيشهدان أن ميلتون كان رسولاً عظيماً. وقد قام برحلات عديدة إلى كندا لتحويل الاشتراكيين الشماليين. وقد أوشكت رحلته الأولى مع روز في عام 1940 أن تكون الأخيرة عندما انقلبت سيارته المكشوفة التي كان يسافر فيها عن الطريق السريع بين بانف وجاسبر ألبيرتا. وساعدته رحلته التي قام بها في عام 1982 مع روز لمقابلة رئيس الوزراء آنذاك وليام بينيت، على إحداث برنامج جذري للإصلاحات الاقتصادية يضاهي أداء روجر دوغلاس في نيوزيلندا ومارغرت ثاتشر في بريطانيا، وهو برنامج اكتسح كافة أرجاء كندا. وخلال رحلته الأخيرة التي قام بها قبل عام مضى، التفت حوله جماهير الشباب وكأنه نجم غناء يريدون توقيعه. غير أن نفوذه في كندا لم يكن يقتضي القيام بالزيارات دائماً. في عام 1971، عندما كنت أقدم الاستشارة إلى محافظ البنك المركزي الكندي حول سياق السياسة النقدية، كانت فعلياً أفكار ميلتون هي التي وجهت جهودنا إلى التقرير بشأن كيفية قراءة ساعة السياسة النقدية.
ولكونه يهودياً، كان ميلتون فريدمان مدركاً تماماً بأن حرية المشاركة في التجارة، على الأخص بالنسبة للأقليات، وأولئك الذين كانت الحكومات تفترسهم، هي الحق الذي يحافظ على الحياة ذاتها. لقد كان مندهشاً من حقيقة سوء تصرف العديد من اليهود إزاء السوق على الرغم من حقيقة أن ذلك كان يشكل الفرق بين الحياة والموت بالنسبة للعديد من أسلافهم. وفي النهاية، فإن أولئك الذين كانت ديانتهم، أو لون بشرتهم، أو عرقهم هدفاً للمذابح الحكومية من أي نوع كانت، يمكنهم العيش لو أنهم يستطيعون إيجاد الملاذ في حقيقة أن حريتهم في التجارة، والشحن، والمقايضة لم يتم تقليصها. هذه هي الحرية الاقتصادية التي اعتبرها فريدمان الأساس لجميع الحريات الأخرى.
وبينما استمر ميلتون فريدمان بطبيعة الحال في المساهمة في الجدل العام في نطاق واسع من المجالات إلى النهاية تماماً، كان مشروع سياسته الرئيسي الأخير هو المساعدة في تأسيس مؤشر الحرية الاقتصادية. وبصفته رئيساً مشاركاً مع روز فريدمان وأنا شخصياً لجميع المؤتمرات الأكاديمية التي خلقت معاً الرأسمال الفكري الذي يعتمد عليه المؤشر، شارك ميلتون بنشاط في بناء منهجية المؤشر. ولن أنسى المؤتمر الذي عقدناه بكاليفورنيا بالقرب من موطن فريدمان، والموثّق في كتاب (تصنيف الحرية الاقتصادية في العالم)، تحرير ستيفان إيستون وأنا.
وخلال سياق اجتماع يوم واحد، عين ميلتون لكل مشارك مهمة تصنيف مجموعة من البلدان من واحد إلى عشرة من حيث الحد الذي كانت فيه حرة اقتصادياً. التزمنا جميعاً باحترام، وأنتج ذلك سلسلة من التصنيفات للبلدان. وكنت أقيم في منزل فريدمان، وفي الصباح الباكر من اليوم التالي، نهضتُ لأجد ميلتون يطبع باجتهاد التصنيفات على كمبيوتره ليستطيع إنجاز تقرير للمجتمعين ذلك الصباح حول النتائج. وبطبيعة الحال، لم تكن تلك هي المرة الأولى التي يشمر فيها ميلتون عن ساعديه ويعمل في تفاصيل بناء قاعدة بيانات، غير أن ما كان يذهلني هو الحيوية والحماس اللذين كان يضفيهما على المهمة رغم طبيعتها الرتيبة. ثمة أمرين يفسران ذلك الحماس. الأول هو عطشه الذي لا ينتهي لمعرفة الأسباب، والحاجة المرافقة الضرورية للقياس. بيد أن السبب الثاني كان أن ميلتون فريدمان، مثلما كانت روز، يحرص بشغف إلى تحقيق أعلى مستويات الحرية الاقتصادية، وفي كل مكان في العالم. وكان يعتقد أن إحدى الوسائل الرئيسية لتحقيق ذلك التوسيع والتعميق للحرية الاقتصادية كانت بواسطة برنامج دقيق لقياسها.
بطريقة ما، لن نفتقد ميلتون فريدمان. والسبب الرئيسي هو أنه حاضر دوماً في الأفكار والسياسات التي تحيط بنا. في واقع الأمر، من الصعب أن نتفاداه. وبالنسبة لأولئك الأشخاص بيننا المنخرطين في دراسة تأثير الأفكار، فسوف يكون رفيقنا الدائم-يشجعنا أن نثبت في دفاعنا عن الحرية الاقتصادية، وينصحنا بأن نكون أكثر احتمالاً لأولئك الذين لم يمتلكوا نعمة فهم هذه الأفكار، ويجادلنا لننشر الكلمة حول القوة العظمى للأسواق والعواقب غير المقصودة التي تنتج عن تجاهل أو محاولة تدمير القوة الراسخة لحوافز السلوك.
ولكنني سأفتقده رغم ذلك. سوف أفتقد مشورته الحكيمة التي أعطاها بسعادة، وسوف افتقد تشجيعه وحماسه اللذين لا يعرفان حدوداً، وكذلك تفاؤله الحيوي، الذي كان مطمئناً مثلما هو معدياً! ولكن أكثر من كل ذلك، سوف أفتقد أحاديثنا حول القضايا الاقتصادية والحرية الاقتصادية التي تعلمت منها دوماً شيئاً جديداً، والتي شعرت خلالها على الدوام بشرف اشتراكي فيها.
شكراً لك، ميلتون، لكل ما أعطيتنا إياه، وللأجيال العديدة المقبلة التي لم تولد بعد، والتي ستستفيد من حكمتك وتعليمك.
وأعتقد شخصياً أن الجهد المتواصل لقياس الحرية الاقتصادية في العام، والذي يعتبر هذا الكتاب الحالي أحدث إثبات له، يقف كذكرى حية لميلتون فريدمان.
مايكل والكر
رئيس معهد فريزر الكندي
صفحة 3

ملخص تنفيذي

الحرية الاقتصادية في العالم

يقيس مؤشر الحرية الاقتصادية الدرجة التي تدعم بها السياسات والمؤسسات الحرية الاقتصادية لبلد ما. إن أحجار الزاوية للحرية الاقتصادية هي الاختيار الشخصي، والتبادل الطوعي، وحرية التنافس، وحماية الممتلكات الخاصة. وتُستعمل اثنان وأربعون نقطة بيان لبناء مؤشر تلخيصي، ولقياس درجة الحرية الاقتصادية في خمسة مجالات: (1) حجم الحكومة؛ (2) الهيكل القانوني وحماية حقوق الملكية؛ (3) إمكانية الوصول إلى الأموال المشروعة؛ (4) حرية التجارة دولياً؛ و(5)، تنظيم الائتمان، والعمالة، وقطاع العمل. يتضمن مؤشر هذا العام عدداً من العناصر الجديدة اعتماداً على تصنيفات البنك الدولي التي تحمل عنوان: «سهولة القيام بالأعمال».
في العام الماضي، أصبح المزيد من البيانات متاحاً، وبناء عليه، تمت إضافة 11 بلداً إلى البلدان البالغ عددها 130 بلداً في مؤشر العام الماضي. وهي: أنغولا، والبوسنة والهرسك، وبوركينا فاسو، وإثيوبيا، وكازاخستان، وقيرغستان، وليسوتو، وموريتانيا، ومولدافيا، ومونتنيغرو، وصربيا.

ازدادت الحرية الاقتصادية بشكل ملحوظخلال العقود الزمنية الأخيرة

* يتيح مؤشر الملخص المرتبط بشكل تسلسلي (المستند 1.5) المقارنة عبر مرحلة زمنية. ارتفع متوسط مؤشر الحرية الاقتصادية من 5.4 (من 10)، في عام 1980، إلى 6.6 في عام 2005، وهي أحدث سنة توفرت فيها البيانات.
* ومن بين 102 بلداً، توجد مرتباتها في مؤشر عام 1980 المرتبط بسلسلة وفي المؤشر الأكثر حداثة، أظهر 90 بلداً منها زيادة في النقاط بينما تراجعت 9 منها في نقاطها وبقيت ثلاثة منها بنفس عدد النقاط، وذلك عند تقريب التغييرات إلى نقطة عشرية واحدة.
* زادت خمسة بلدان نقاطها بأكثر من 3 نقاط منذ عام 1980: هنغاريا (3.0)، بيرو (3.0)، غانا (3.6)، وإسرائيل (3.7). وهناك ثلاثة بلدان فقط انخفضت نقاطها بأكثر من نقطة واحدة: زيمبابوي (-1.7)، فنزويلا (-1.7)، وماينمار (-1.3). والبلدان الأخرى التي شهدت انخفاضاً هي: نيبال (-0.7)، والبحرين (-0.3)، وهونغ كونغ (-0.2)، وماليزيا (-0.2)، وجمهورية الكونغو (-0.2)، وهايتي (-0.1).
* وفي المؤشر الرئيسي لهذا العام، تحتفظ هونغ كونغ بأعلى تصنيف للحرية الاقتصادية، 8.9 من 10، والنقاط الأعلى الأخرى احتلتها سنغافورة (8.8) ، ثم نيوزيلندا (8.5)، وسويسرا (8.3)، وكندا (8.1) والمملكة المتحدة (8.1)، والولايات المتحدة (8.1)، وإستونيا (8.0)، وأستراليا (7.9)، وإيرلندا (7.9).
* أما مراتب الاقتصادات الكبيرة الأخرى فهي ألمانيا 18 (7.6)، اليابان 22 (7.5)، المكسيك 44 (7.1)، فرنسا 52 (7.0)، إيطاليا 52 (7.0)، الهند 69 (6.6)، الصين 86 (6.3)، البرازيل 101 (6.0)، وروسيا 112 (5.8).
* غالبية البلدان التي احتلت أدنى خمس مراتب هي إفريقية، كما أن جميع البلدان التي تحتل أدنى 10 مراتب هي إفريقية، باستثناء فنزويلا وماينمار. وهذه البلدان هي: زيمبابوي (2.9)، ماينمار (3.8)، جمهورية الكونغو الديمقراطية (4.0)، أنغولا (4.2)، جمهورية الكونغو (4.3)، جمهورية إفريقيا الوسطى (4.6)، فنزويلا (4.9)، بوروندي (5.0)، تشاد (5.1)، النيجر (5.1). أما ترتيب بوتسوانا التي تحتل المرتبة 39 بنقاط بلغت 7.2، فهي الأفضل بين بلدان شبه الصحراء الإفريقية القارية.

البلدان الحرة اقتصادياً تتفوق في أدائها علىالبلدان غير الحرة في مؤشرات الرفاهة

* بلغ معدل الناتج المحلي الإجمالي للفرد في البلدان التي تحتل المراتب الأربع الأعلى فيما يتعلق بالحرية الاقتصادية، 26.013 دولاراً، مقارنة بنحو 3.305 دولارات لتلك البلدان التي تحتل أدنى أربع مراتب (المستند 1.6).
* بلغ متوسط نسبة النمو الاقتصادي للفرد في البلدان التي تحتل المراتب الأربع الأعلى 2.25 في المائة، مقارنة بنحو 0.35 في المائة للبلدان التي تحتل أدنى أربع مراتب (المستند 1.7).
* في البلدان التي تحتل المراتب الأربع الأعلى، بلغ متوسط دخل أفقر 10 في المائة من السكان 7334 دولاراً، مقارنة بمبلغ 9.5 دولار لتلك البلدان التي تحتل أدنى أربع مراتب (المستند 1.10).
* أما متوسط طول العمر المتوقع فبلغ 78.7 عام في البلدان التي تحتل المراتب الأربع الأعلى، مقارنة بنحو 56.7 عام في البلدان التي تحتل أدنى أربع مراتب (المستند 1.11).
* بلغ معدل الحرية الاقتصادية في البلدان الأربع الأعلى مرتبة 1.8 نقطة فيما يتعلق بالحقوق السياسية على مقياس من 1 إلى 7، حيث يشير الرقم 1 إلى أعلى مستوى، بينما تلك البلدان التي تحتل المراتب الأربع الأدنى تملك معدل نقاط بلغ 4.4 (المستند 1.18).
* والبلدان التي تحتل المراتب الأربع الأعلى من الحرية الاقتصادية لديها معدل نقاط بلغ 1.7 بالنسبة للحريات المدنية على مقياس من 1 إلى 7، حيث يشير الرقم 1 إلى أعلى مستوى من الحريات المدنية. بينما البلدان التي تحتل المراتب الأربع الأدنى لديها معدل نقاط بلغ 4.1 (المستند 1.18).
* والبلدان التي تحتل المراتب الأربع الأعلى من الحرية الاقتصادية لديها معدل نقاط بلغ 81.0 (من مائة) بالنسبة للأداء البيئي، بينما البلدان التي احتلت المراتب الأربع الأدنى لديها معدل نقاط بلغ 58.9 (المستند 1.19).
 
صفحة 4

انتشار الحرية الاقتصادية عالمياً

لقد تجذرت السياسة الخارجية العالمية بقوة في فكرة أن الحرية، بما فيها الحرية الاقتصادية، تنتشر بين البلدان. ويبحث راسل سوبل وبيتر ليسون في الفصل الثاني عن التبعية المكانية في الحرية الاقتصادية بين الدول المتجاورة جغرافياً والشركاء التجاريين، وذلك باستخدام عيّنة إحصائية تضم أكثر من 100 بلداً بين الأعوام 1985 و2000. وتؤكد نتائجهما أن الحرية الاقتصادية تنتشر بالفعل من خلال الجغرافيا والتجارة: تتأثر كل من مستويات الحرية الاقتصادية والتغيرات في الحرية الاقتصادية لبلد ما بالمستويات والتغيرات في البلدان المجاورة وشركائها التجاريين.
* كلّ من مستويات الحرية الاقتصادية والتغيرات في انتشارها، هي تقريباً بنفس المعدل جغرافياً وتجارياً. و«تلتقط» البلدان نحو 20 في المائة من متوسط مستويات الحرية الاقتصادية والتغير الذي يطرأ عليها من البلدان المجاورة جغرافياً ومن الشركاء التجاريين. إن هذه النتيجة قوية بشكل ملفت للنظر قياساً للمواصفات البديلة وأساليب التقدير.
* رغم أن هذه النتائج توفر دليلاً قوياً بأن الحرية تنتشر، فإنها تشير أيضاً إلى أن الحرية لا تنتشر بالقوة التي أشارت بها «نظرية الدومينو» التي ميّزت السياسة الخارجية الأمريكية والسوفييتية خلال سنوات الحرب الباردة. ولا تبدو الفكرة بأن الإصلاحات داخل عدد قليل من البلدان الرئيسية سوف تغيّر بشكل أساسي حالة الحرية الاقتصادية في باقي منطقة ما، لا تبدو أنها صحيحة.

تداعيات السياسة العامة

في حين أنه من المهم أن نكون حذرين في رسم تداعيات السياسة العامة من التحليل، إلا أن النتائج تشير إلى استنتاجات مهمة:
* بينما للتغيرات في الحرية الاقتصادية في بلد ما تأثير متواضع على البلدان المجاورة، لكن عندما تمر بلدان مجاورة بتغيرات مضاعفة متزامنة في الحرية الاقتصادية، يكون التأثير أكبر.
* وعند تحرير تجارتها مع البلدان الأجنبية، يمكن للبلدان الحرة اقتصادياً أن تمارس على الأقل تأثيراً إيجابياً متواضعاً على الحرية الاقتصادية في البلدان الأقل حرية. وفي حين أن تأثير تحرير التجارة مع أي بلد معين هو صغير نسبياً من حيث التأثير الأوسع نطاقاً على البلدان المجاورة الأخرى، إلا أنه يمكن لاتفاقيات التجارة الحرة التي تتيح لعدد من البلدان أن تنسق بشكل متزامن تحرير تجارتها، أن يكون لها تأثير معتبر على نشر الحرية الاقتصادية.

 
 
صفحة 5

الفصل الأول

الحرية الاقتصادية في العالم 2005

منذ أكثر من عقدين من الزمن، بدأ معهد فريزر الكندي سلسلة من المؤتمرات التي ركزت على تحديد وقياس الحرية الاقتصادية لعدد كبير من البلدان. قاد ميلتون وروز فريدمان ومايكل والكر المشروع الذي أدى إلى نشر تقرير «الحرية الاقتصادية في العام 1975-1995». لقد مرت إحدى عشرة سنة لغاية الآن منذ نشر التقرير المبدئي، ولكن الهدف بقي ذاته: قياس الحرية الاقتصادية بطريقة دقيقة وشاملة وموضوعية. ينشر التقرير الآن سنوياً من قبل شبكة من المعاهد في أكثر من 70 بلداً.
ما هي الحرية الاقتصادية؟
إن المكونات الرئيسية للحرية الاقتصادية هي:
* الاختيار الشخصي،
* التبادل الطوعي الذي تنسّقه الأسواق،
* حرية دخول الأسواق والتنافس فيها،
* حماية الأشخاص وممتلكاتهم من الاعتداء من قبل الآخرين.
باستخدام النقاط الأساسية الأربع هذه كوسيلة توجيه، فإن مؤشر الحرية الاقتصادية مصمم لقياس اتساق مؤسسات وسياسات الدولة مع الحرية الاقتصادية. ومن أجل تحقيق تصنيف عالٍ فيما يتعلق بالحرية الاقتصادية، يجب أن توفر الدولة الحماية للممتلكات الخاصة وتطبيق متساوٍ للعقود، وبيئة نقدية مستقرة. عليها أيضاً أن تبقي الضرائب متدنية، وتمتنع عن خلق العوائق أمام التجارة المحلية والدولية، وتعتمد أكثر على الأسواق بالكامل وليس على العملية السياسية لتوزيع السلع والموارد.
تكون المؤسسات والسياسات متسقة مع الحرية الاقتصادية عندما توفر البنية التحتية للتبادل الطوعي، وتحمي الأفراد وممتلكاتهم من المعتدين. إن الملكية الشخصية هي أمر مسلّم به مهم للحرية الاقتصادية. وبسبب هذه الملكية، فإن للأفراد الحق في الاختيار - لتقرير الطريقة التي سوف يستغلون بها وقتهم ومواهبهم. من ناحية أخرى، لا يملكون الحق في وقت ومواهب وموارد الآخرين. وبناء عليه، لا يملكون الحق في أخذ الأشياء من الآخرين أو الطلب من الآخرين تقديم أشياء لهم.
صفحة 6

الحرية الاقتصادية والديمقراطية

غالباً ما يستخدم الناس «الديمقراطية» و«الحرية الاقتصادية» بطرق غير صحيحة. وفي بعض الأحيان قد يعكس استخدامهما غير الصحيح سوء فهم. إن الحرية الاقتصادية والحرية السياسية ليس الأمر ذاته. في واقع الأمر، إنهما مختلفتان بشكل أساسي.
أولاً، إنهما مختلفتان فيما يتعلق بمساحة التفاعل الإنساني المشمول. وببساطة، تتعلق الديمقراطية بصنع القرار السياسي، بينما تتعلق الحرية الاقتصادية بالتفاعل من خلال التبادل والأسواق. تكون الديمقراطية حاضرة عندما يكون جميع المواطنين الناضجين لهم مطلق الحرية في المشاركة في العملية السياسية (الانتخاب، التجمع وممارسة الضغط، الاختيار من بين المرشحين)، وعندما يتم تحديد النتائج السياسية بالتصويت عن طريق انتخابات عادلة وصريحة. أما الحرية الاقتصادية فهي تتعلق بحرية الأفراد في تقرير طريقة تطوير واستخدام قدراتهم الإنتاجية، وتبادل السلع والخدمات مع الآخرين، والتنافس في الأسواق، والاحتفاظ بثمار عملهم. والقيود السياسية التي تعيق الأعمال الطوعية والاختيار الشخصي في هذه المجالات تتعارض مع الحرية الاقتصادية، حتى عندما يتم اعتمادها بطريقة ديمقراطية. قد يكون بلد ما ديمقراطياً ويقيّد مع ذلك بشكل شديد الحرية الاقتصادية لمواطنيه. إن تجارب الهند وإسرائيل خلال الفترة من عام 1960 إلى عام 1990 توضح هذه النقطة. وبالمثل، من الممكن أيضاً لبلد ما بقدر ضئيل من الديمقراطية أن يكون فيه درجة مهمة من الحرية الاقتصادية رغم ذلك. توفر هونغ كونغ خلال بضعة العقود الأخيرة مثالاً على ذلك.
ثانياً، إن الأساس للعمل الحر اقتصادياً يختلف بشكل جوهري عن الفعل الديمقراطي سياسياً. فالاتفاق والكسب المتبادل يوفران الأساس للأنشطة الحرة اقتصادياً. وما لم يتفق طرفان على التبادل، فإن العملية لن تحدث. من جهة أخرى، يعتمد الفعل السياسي الديمقراطي على «حكم الأغلبية». فالأغلبية تقرر سواء بشكل مباشر أو من خلال ممثليها، وعلى الأقلية أن تخضع.
إن الأمر سيشكل اختلافاً كبيراً ما إذا كان الاتفاق المتبادل أو حكم الأغلبية هو الذي يؤكد الأنشطة الاقتصادية. فعندما يشكل الاتفاق المتبادل الأساس للنشاط الاقتصادي، فإن كلاً من المشترين والبائعين سيكونون «رابحين» وسوف يكون هنالك ميل قوى لكي تستخدم الموارد بطريقة منتجة - أي لإنتاج سلع يقيمها الناس أكثر من الموارد المطلوبة لإنتاجها. في المقابل، لا يوجد مثل هذا الميل بموجب حكم الأغلبية. عندما يتم أخذ مشروع ما بطريقة سياسية، حتى لو كانت العملية ديمقراطية، فعلى الأقلية أن تدفع الضريبة حتى لو أن المشروع سيجعلهم أسوأ حالاً. إن العملية السياسية تخلق «خاسرين» بالإضافة إلى «رابحين.» علاوة على ذلك، لا توجد ضمانة بأن مكتسبات الرابحين سوف تتجاوز التكاليف المفروضة على الخاسرين. وفي واقع الأمر، ثمة عدة ظروف تنطوي على وجود سبب منطقي للاعتقاد بان التكلفة المفروضة على الخاسرين ستكون اكبر من المزايا التي يستنبطها الرابحون.
تميل العملية السياسية أن تكون قصيرة الرؤية. وتنحاز صوب اعتماد برامج توفر مزايا فورية جلية بدرجة كبيرة على حساب التكاليف المستقبلية الصعب تحديدها. علاوة على ذلك، عندما تنخرط الحكومة بقوة في الأنشطة التي توفر الفوائد للبعض على حساب الآخرين، يتشجع الناس إلى تحويل الموارد بعيداً عن الأنشطة الإنتاجية، وباتجاه ممارسة الضغوطات، ومساهمات التأييد، وأشكال أخرى من السعي نحو التأييد السياسي. وعلى نحو متوقع، فإن تحويل الموارد بعيداً عن الإنتاج وباتجاه السعي نحو التأييد السياسي سوف يولد العجز الاقتصادي.
إن «تأثير المصلحة الخاصة» هو الذي يوفر السبب الأكثر أهمية بان العملية السياسية غالباً ما تخفق - والسبب في أنها غالباً ما تؤدي إلى سياسات تحدث ضرراً أكثر مما تجدي نفعاً. وفي أغلب الأحيان، يجد المسؤولون الحكوميون أن دعم مواقف المجموعات الخاصة المنظمة جيداً على حساب المستهلكين ودافعي الضرائب أمراً مغرياً. وسوف يكون ذلك صحيحاً حتى عندما تكون المكاسب المستنبطة من مجموعة المصالح أقل بشكل أساسي من التكلفة المفروضة على الناخبين الآخرين. إن مجموعات المصالح المنظمة جيداً توفر للسياسيين بمصدر متاح فوري من مساهمات التأييد والموارد السياسية الأخرى التي تساعدهم على الفوز في الانتخابات اللاحقة. في المقابل، فإن أولئك المتضررين من سياسات المجموعات الخاصة من غير المتحمل أن يقدموا الكثير من المساعدة السياسية لأنهم غير منظمين إلى حد كبير وعادة ما يكون اطلاعهم ضعيفاً.
بناءاً عليه، تتميز العملية السياسية الديمقراطية بوجود السياسيين الذين «يقايضون» البرامج التي تفيد مجموعات المصالح الخاصة على حساب الجمهور العام مقابل المساهمات السياسية التي سوف تساعدهم على الفوز بالانتخابات التالية. في المقابل، بوجود أعمال السوق التي تعتمد على الاتفاق المتبادل، لا توجد ضمانة بأن العمل السياسي سوف يكون منتجاً، وبأنه سوف يوسع الإنتاج، ويعزز مستويات دخل المواطنين.
إن الديمقراطية غير المقيدة ليست النظام السياسي المكمل أكثر ما يكون للحرية الاقتصادية؛ بينما الحكومة المحدودة دستورياً هي كذلك. فالقيود الدستورية، والإجراءات الهيكلية المصممة لتعزيز الاتفاق، وتقليص قدرة المجموعات الخاصة على استغلال المستهلكين ودافعي الضرائب، والمنافسة بين الوحدات الحكومية يمكن أن تساهم في تقييد نزوات الأغلبية وتعزيز العمل السياسي الأكثر توافقاً مع الحرية الاقتصادية. ومن المعروف على نطاق واسع أن حماية الحريات المدنية تقتضي وجود قيود سياسية قادرة على ضبط تجاوزات الأغلبية.
بناءً عليه، لا نعتمد على قانون الأغلبية لحماية الحريات المدنية مثل حق حرية التعبير، حرية الصحافة، الحق في التجمع، والحرية الدينية. بدلاً من ذلك، تم الإدراك بان الحماية الدستورية والهيكلية لازمة لتأمين تلك الحريات. والأمر ذاته صحيح فيما يتعلق بالحرية الاقتصادية. فالحريات الاقتصادية الأساسية مثل (أ) الحق في التجارة مع الآخرين، بما في ذلك الأجانب وفق شروط متفق عليها بشكل متبادل، (ب) الحق في الدخول والمنافسة في التجارة أو الوظيفة التي تختارها، (ت) الحق بالاحتفاظ بما تكسبه، و(ث) الحق في حماية ملكيتك من مصادرتها من قبل الآخرين بمن فيهم الحكومة، هي حريات مهمة جداً لتترك لتقدير «حكم الأغلبية». ومثل الحريات الأساسية الأخرى، فإنها تستحق الحماية الدستورية والإجرائية والهيكلية.
صفحة 7

مؤشر الحرية الاقتصادية

منذ البداية تماماً، كان يعتمد بناء مؤشر الحرية الاقتصادية في العالم على ثلاثة مبادئ منهجية. أولاً، يفضل أن تكون العناصر الموضوعية تلك التي تنطوي على دراسات أحكام بشأن القيمة. وعلى أية حال نظراً للطابع متعدد الأبعاد للحرية الاقتصادية وأهمية العناصر القانونية والتنظيمية، فمن الضروري في بعض الأحيان استخدام البيانات التي تعتمد على دراسات ولجان من الخبراء. لكن، وإلى أقصى حد ممكن، سوف يستخدم المؤشر عناصر موضوعية. ثانياً، جميع البيانات المستخدمة لبناء تصنيفات المؤشر هي من مصادر خارجية مثل صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، والمنتدى الاقتصادي العالمي الذي يقدم بيانات لعدد أكبر من البلدان. وهكذا، نادراً ما كان يتم استخدام البيانات المقدمة مباشرة من مصدر من داخل الدولة، ويتم ذلك فقط عندما تكون البيانات غير متوفرة من مصادر دولية. وعلى نحو مهم، لا يتم استخدام أحكام القيم سواء تلك الخاصة بالمؤلفين ولا بالآخرين في شبكة مؤشر الحرية الاقتصادية، لتغيير البيانات الأساسية في تصنيف أية دولة. ثالثاً، يتميز التقرير بالشفافية الحاضرة في جميع صفحاته. ويقدم التقرير معلومات حول مصادر البيانات، والمنهجية المستخدمة لتحويل البيانات الأساسية إلى عناصر التصنيفات، وكيف تستخدم عناصر التصنيفات لبناء مجال وملخص التصنيفات.
المستند 1.1 يشير إلى هيكل مؤشر الحرية الاقتصادية في خمسة مجالات رئيسية:
1. حجم الإنفاق، والضرائب، والمشاريع الحكومية
2. الهيكل القانوني وحماية حقوق الملكية
3. الوصول إلى الأموال المشروعة
4. حرية التجارة دولياً
5. تنظيم الائتمان، والعمالة، وقطاع العمل
وضمن هذه المجالات الخمسة الرئيسية، هناك 23 عنصراً في مؤشر هذا العام، والعديد من تلك العناصر تتألف بحد ذاتها من عدة عناصر فرعية. ولدى حساب العناصر الفرعية المختلفة نجد أن مؤشر حرية العالم الاقتصادية لهذا العام يتألف من 42 قطعة مميزة من البيانات. وكل عنصر، وعنصر فرعي يوضع على مقياس من صفر إلى عشرة يعكس توزيع البيانات المتضمنة. ويتم أخذ معدل تقييمات العنصر ضمن كل مجال لتحديد كل عنصر؛ ويتم أخذ متوسط تصنيفات العنصر لاشتقاق تصنيفات لكل مجال من المجالات الخمسة؛ وفي المقابل، فإن ملخص التصنيف هو متوسط تقييمات المجالات الخمسة. وتقدم الأقسام التالية نظرة شاملة للخمسة مجالات الرئيسية.
صفحة 8

1. حجم الحكومة: الإنفاق، والضرائب والمشاريع الحكومية

تشير العناصر الأربعة للمجال الأول مدى اعتماد البلدان على العملية السياسية في تخصيص الموارد والسلع والخدمات. فعندما يزداد الإنفاق الحكومي بالنسبة إلى إنفاق
المستند 1.1: مجالات وعناصر مؤشر الحرية الاقتصادية
1. حجم الحكومة: الإنفاق، والضرائب، والمشاريع الحكومية
‌أ. الإنفاق الاستهلاكي الحكومي العام كنسبة من إجمالي الاستهلاك
‌ب. التحويلات والإعانات كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي
‌ج. المشاريع والاستثمارات الحكومية
‌د. المعدل الأعلى للهامش الضريبي
1. المعدل الأعلى للهامش الضريبي على الدخل
2. المعدل الأعلى للهامش الضريبي على الدخل والرواتب

2. الهيكل القانوني وحماية حقوق الملكية

‌أ. استقلال القضاء
‌ب. محاكم حيادية
‌ج. حماية حقوق الملكية
‌د. التدخل العسكري في سيادة القانون والعملية السياسية
هـ. نزاهة النظام القانوني
‌و. التطبيق القانوني للعقود
‌ز. القيود التنظيمية على بيع الملكية الفعلية
3. إمكانية الوصول إلى الأموال المشروعة
‌أ. متوسط النمو السنوي للعرض النقدي
‌ب. الانحراف المعياري للتضخم
‌ج. التضخم: في السنوات الأخيرة
‌د. حرية امتلاك حسابات بنكية بالعملات الأجنبية

4. حرية المتاجرة دولياً

‌أ. الضرائب على التجارة الدولية
1. العائد من الضرائب على التجارة الدولية كنسبة من الصادرات والواردات
2. متوسط نسبة التعرفة الجمركية
3. الانحراف المعياري لنسب التعرفة الجمركية ‌ب. العوائق التنظيمية أمام التجارة
1. العوائق أمام التجارة غير المتعلقة بالتعرفة الجمركية
2. تكلفة الامتثال للتصدير والاستيراد
‌ج. الحجم الفعلي لقطاع التجارة مقارنة بالحجم المتوقع
‌د. أسعار تبادل العملات في السوق السوداء
هـ. ضوابط أسواق رأس المال الدولية
1. الملكية الأجنبية/القيود على الاستثمار
2. الضوابط على رأس المال
صفحة 9

5. تنظيم الائتمان، والعمالة، وقطاع الأعمال

‌أ. تنظيم أسواق الائتمان
1. ملكية البنوك
2. المنافسة من جانب البنوك الأجنبية
3. الائتمان من القطاع الخاص
4. الضوابط على معدلات الفائدة
‌ب. تنظيمات سوق العمل
1. الحد الأدنى للأجور
2. تنظيمات التعيين والفصل
3. المفاوضات الجماعية المركزية
4. التكلفة الإلزامية للتعيين
5. التكلفة الإلزامية لصرف العامل من العمل

6. التجنيد الإلزامي

‌ج. تنظيمات قطاع الأعمال
1. ضوابط الأسعار
2. المتطلبات الإدارية
3. التكلفة البيروقراطية
4. بدء عمل جديد
5. الدفعات الإضافية/الرشاوى
6. القيود على الترخيص

7. تكلفة الامتثال للضريبة

الأفراد، والأسر، والشركات، فإن اتخاذ القرار من جانب الحكومة يحل محل الاختيار الشخصي وينخفض مستوى الحرية الاقتصادية. يعالج العنصران الأول والثاني هذه القضية. فالاستهلاك الحكومي كنسبة من الاستهلاك الإجمالي (1أ) والتحويلات والإعانات كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي (1ب) هما مؤشران لحجم الحكومة. عندما يكون للاستهلاك الحكومي الحصة الأكبر في إجمالي الاستهلاك، يحل الاختيار السياسي محل الاختيار الخاص. وبالمثل، عندما تفرض الحكومات الضرائب على بعض المجموعات من أجل توفير التحويلات لآخرين، فإنها تقلل مستوى حرية الإفراد بالاحتفاظ بما يجنونه. وبناء عليه، كلما كانت حصة التحويلات والإعانات أكبر في اقتصاد ما، كلما كانت الحرية الاقتصادية أقل مستوىً. والعنصر الثالث (1ج) في هذا المجال يقيس مدى استعمال البلدان المشاريع الخاصة بدلاً من الحكومية لإنتاج السلع والخدمات. تعمل الهيئات الحكومية بموجب قوانين تختلف عن تلك التي تخضع لها المؤسسات الخاصة. فهي لا تعتمد على المستهلكين لعوائدها، أو على مستثمرين لمخاطر رأس المال. إنها غالباً ما تعمل في أسواق محمية. وبناء عليه، تنخفض الحرية الاقتصادية في الوقت الذي تنتج فيه المؤسسات الحكومية حصة أكبر من إجمالي الناتج. والعنصر الرابع (1د) يعتمد على: (د1) المعدل الأعلى للهامش الضريبي على الدخل و(د2) المعدل الأعلى للهامش الضريبي على الدخل والرواتب، وبداية الدخل الذي ينطبق عليه المعدل الأعلى للهامش الضريبي على الدخل. ويتم أخذ متوسط هذين العنصرين الفرعيين لحساب (1د). كما أن المعدلات الأعلى للهوامش الضريبية التي تنطبق على مستويات الدخل المتدني نسبياً هي أيضاً مؤشرات للاعتماد على الحكومة. ومثل تلك المعدلات تحرم الأفراد من ثمار عملهم. وبناء عليه، فإن البلدان التي لديها معدلات عالية من الهوامش الضريبية، وبدايات دخل متدنية يتم تقييمها في المستوى الأدنى.
ولدى أخذها جميعاً بعين الاعتبار، فإن العناصر الأربعة للمجال الأول تقيس درجة اعتماد دولة ما على الاختيار الشخصي والأسواق، وليس على الميزانيات الحكومية واتخاذ القرار السياسي. بناء عليه، فإن البلدان التي لديها مستويات متدنية من الإنفاق الحكومي كنسبة من الإجمالي، وقطاع مؤسسات حكومية أصغر حجماً، ومعدلات أدنى للهامش الضريبي، تحصل على أعلى تقييم في هذا المجال.
صفحة 10

2. الهيكل القانوني وحماية حقوق الملكية

إن حماية الأشخاص وممتلكاتهم التي اكتسبوها بحق هي عنصر أساسي لكل من الحرية الاقتصادية ووجود مجتمع مدني. بالفعل، إنها أهم وظيفة للحكومة. يركز المجال 2 على هذه القضية. والمكونات الرئيسية لأي نظام قانوني متناسق مع الحرية الاقتصادية هي سيادة القانون، وحماية حقوق الملكية، وقضاء مستقل، ونظام محاكم حيادي. وتم تجميع العناصر التي تشير إلى جودة أداء الوظيفة الحمائية للحكومة من ثلاثة مصادر رئيسية: الدليل الدولي لمخاطر الدولة، وتقرير التنافسية العالمي، ومجموعة بيانات «القيام بالأعمال» الخاصة بالبنك الدولي.
إن حماية حقوق الملكية، المحمية بسيادة القانون، هي أمر أساسي للحرية الاقتصادية. فحرية التبادل على سبيل المثال، هي بدون معنى إذا لم يملك الأشخاص حقوقاً آمنة لممتلكاتهم، بما في ذلك ثمار عملهم. كما أن فشل النظام القانوني لبلد ما في توفير الحماية لحقوق الملكية، وتطبيق العقود، والتسوية العادلة والمسالمة للنزاعات، سوف تقلل من شأن عملية نظام تبادل الأسواق. وإذا افتقر الأفراد والشركات إلى الثقة بأن العقود سوف تطبق، وأن ثمار جهودهم الإنتاجية ستكون محمية، فإن حوافزهم للمشاركة في النشاط الإنتاجي ستتضاءل.

3. إمكانية الوصول إلى الأموال المشروعة

إن الأموال بمثابة الزيت لعجلة التبادل. وغياب الأموال المشروعة يقلل من شأن المكتسبات من التجارة. وكما قال لنا ميلتون فريدمان قبل وقت طويل مضى، إن التضخم ظاهرة نقدية ناجمة عن الكثير من الأموال التي تطارد عدداً قليلاً جداً من السلع. والمعدلات العالية من النمو النقدي تؤدي بشكل ثابت إلى التضخم.
وبالمثل، عندما يزداد معدل التضخم، فإنه أيضاً يميل لأن يصبح أكثر تقلباً. إن المعدلات العالية والمتقلبة للتضخم تشوه الأسعار النسبية، وتغير الشروط الأساسية للعقود طويلة الأجل، وتجعل من المستحيل فعلياً بالنسبة للأفراد والشركات أن يخططوا بشكل منطقي للمستقبل. والأموال المشروعة أساسية لحماية حقوق الملكية، وبالتالي، الحرية الاقتصادية. ويمحي التضخم قيمة الملكية المحتفظ بها على شكل أدوات نقدية. وعندما تستخدم الحكومات عملية خلق النقود لتمويل نفقاتها، فهي في الواقع، تصادر الملكية وتنتهك الحرية الاقتصادية لمواطنيها.
ولا تشكل مسألة من يوفر النقود المشروعة اختلافاً كبيراً. إن الأمر المهم هو أن الأفراد لديهم إمكانية الوصول إليها. وبالتالي، بالإضافة إلى البيانات حول التضخم في الدولة والسياسة النقدية لحكومتها، فمن المهم الأخذ بعين الاعتبار صعوبة استخدام عملات بديلة، أكثر مصداقية. وإذا كان بإمكان المصرفيين تقديم حسابات توفير وحسابات مصرفية في عملات أخرى، أو إذا كان بإمكان المواطنين فتح حسابات بنكية أجنبية، عندها تزداد إمكانية الوصول إلى النقود المشروعة وتتوسع الحرية الاقتصادية.
هناك أربعة عناصر في مؤشر الحرية الاقتصادية في العالم في المجال 3. وجميعها عناصر موضوعية، ومن السهل نسبياً الحصول عليها، وتم شملها جميعاً في طبعات سابقة من المؤشر. والثلاثة عناصر الأولى مصممة لقياس اتساق السياسة النقدية (أو المؤسسات) مع استقرار الأسعار طويل الأجل. إن العنصر (3د) مصمم لقياس سهولة استخدام العملات الأخرى بواسطة حسابات بنكية محلية وخارجية. ومن أجل الحصول على تقييم عالٍ في هذا المجال، يجب على الدولة أن تتبع سياسات، وتتبنى مؤسسات تؤدي إلى معدلات متدنية (ومستقرة) من التضخم، وتفادي التنظيمات التي تحد من استعمال العملات البديلة إذا ما أراد المواطنون استخدامها.

4. حرية المتاجرة دولياً

في عالمنا المعاصر عالي التقنية وتوفر تكلفة اتصال وتنقل متدنية، فإن حرية التبادل عبر الحدود الوطنية هي عنصر أساسي من عناصر الحرية الاقتصادية. إذ أن العديد من السلع والخدمات إما يتم إنتاجها حالياً في الخارج، أو تحتوي على مصادر يتم توريدها من الخارج. وبالطبع، فإن التبادل الطوعي هو نشاط جماعي إيجابي: إذ أن كلاً من شركاء التجارة يكسبون، والسعي وراء الكسب يوفر الحافز للتبادل. بناء عليه، فإن حرية التجارة دولياً تساهم أيضاً بشكل أساسي في مستويات معيشتنا المعاصرة.
واستجابة إلى نقاد الحمائية التجارية، وسياسة المصالح الخاصة، تتبنى جميع البلدان فعلياً قيوداً تجارية مختلفة الأنواع. والتعرفات الجمركية ونظام الحصص هي أمثلة واضحة على العوائق التي تحد التجارة دولياً. ولأنها تقلل قابلية تحويل العملات، فإن الضوابط على سعر الصرف يعيق أيضاً التجارة دولياً.
كما أن حجم التجارة يقل أيضاً إذا تم تأخير مرور السلع عبر الجمارك. فأحياناً، تكون هذه التأخيرات نتيجة عدم الكفاءة الإدارية، بينما تعكس في حالات أخرى أعمال المسؤولين الفاسدين الذين يسعون إلى انتزاع الرشاوى.
إن العناصر في هذا المجال مصممة لقياس نطاق واسع من القيود التي تؤثر على التبادل الدولي: التعرفات الجمركية، ونظام الحصص، والقيود الإدارية المستترة، والضوابط على سعر الصرف ورأس المال. ومن أجل الحصول على تقييم عالٍ في هذا المجال، يجب أن يكون للدولة مستوى منخفض من التعرفات الجمركية، وقطاع تجارة أكبر من المتوقع، وإدارة فعالة للجمارك، وحرية تحويل العملة، وضوابط قليلة على حركة رأس المال.

5. تنظيم الائتمان، والعمالة، وقطاع الأعمال

عندما تحد التنظيمات من القدرة على الدخول إلى الأسواق، وتتدخل في حرية المشاركة في التبادل الطوعي، فإنها تقلل الحرية الاقتصادية. والمجال الخامس للمؤشر يركز على هذا الموضوع.
لقد تم تضمين القيود التنظيمية التي تحد من حرية التبادل في أسواق الائتمان، والعمل، والإنتاج في هذا المؤشر. العنصر الأول (5أ) يعكس الشروط الموجودة في سوق الائتمان المحلي. والعنصران الفرعيان الأول والثاني يوفران دليلاً على مدى سيطرة الشركات الخاصة على قطاع الأعمال المصرفية، وما إذا كان مسموحاً للبنوك الأجنبية التنافس في السوق. وتشير العناصر الفرعية الثلاثة الأخيرة إلى مدى توفر الائتمان للقطاع الخاص، وما إذا كانت الضوابط على معدلات الفائدة تتدخل في سوق الائتمان. والبلدان التي استخدمت نظاماً مصرفياً خاصاً لتوزيع الائتمان على الأطراف في القطاع الخاص، وأحجمت عن ضبط معدلات الفائدة، تلقت تقييماً أعلى لهذا العنصر من المجال التنظيمي.
هناك أنواع عديدة من تنظيمات سوق العمل التي تتعدى على الحرية الاقتصادية للموظفين وأصحاب العمل. ومن بين أبرزها الحد الأدنى للأجور، وتنظيمات الصرف من العمل، والتحديد المركزي للأجور، وامتداد عقود النقابات لتشمل الأطراف غير المشتركة، ومنافع البطالة التي تقلل من شأن الحوافز لقبول الوظيفة، والتجنيد الإلزامي. إن عنصر سوق العمل (5ب) مصمم لقياس مدى وجود هذه القيود على حرية الاقتصاد عبر البلدان. ومن أجل الحصول على مؤشرات عالية في العنصر الذي يقيم تنظيم سوق العمل، ينبغي على الدولة أن تسمح لقوى السوق أن تحدد الأجور، وتضع شروط الصرف من العمل، وأن تتفادى الإفراط في منافع البطالة التي تقلل من شأن حوافز العمل، وأن تمتنع عن تطبيق التجنيد الإلزامي.
وكما هو الحال في تنظيم الائتمان وأسواق العمل، فإن تنظيم أنشطة قطاع الأعمال (العنصر 5ج) يكبح الحرية الاقتصادية. إن العناصر الفرعية لعنصر (5ج) مصممة لتحديد النطاق الذي تحد من خلاله القيود التنظيمية والإجراءات البيروقراطية المنافسة وعملية الأسواق. ومن أجل الحصول على نقاط عالية في هذا الجزء من المؤشر، ينبغي على البلدان أن تسمح للأسواق أن تحدد الأسعار، وأن تمتنع عن الأنشطة التنظيمية التي تعيق الدخول إلى قطاع الأعمال وتزيد تكلفة إنتاج المنتجات. وعليها أيضاً أن تمتنع عن «المحاباة»، أي، استخدام سلطتها لانتزاع الدفعات المالية، وتكافئ بعض الشركات على حساب شركات أخرى.