eKtab
EN ع
الحصاد الماتع في ندوة اليوم السابع
اقرأ عينة مجانية

الحصاد الماتع في ندوة اليوم السابع

بقلم جميل السلحوت

صفحة 1
تقديم
 
بعد غياب عن متابعة "ندوة اليوم السابع" الثقافية الأسبوعية إصدار مداولاتها النقدية، وقراءات أعضائها للمنتج الأدبي، الذي يكون على مائدتها الأسبوعية في المسرح الوطني الفلسطيني (الحكواتي)، تعود مع هذا الإصدار إلى إطلاع جمهورها من القراء والمهتمين على جانب من أنشطتها مما يحتمله إصدار بهذا الحجم.
 
لقد سبق لنا في الندوة المستمرة منذ آذار 1991، أن أصدرنا أربعة كتب احتوت على المتوفر من المداولات، والآراء النقدية، ووجهات النظر لأعضاء الندوة في الكتب التي تمت مناقشتها، فكانت كتب "يبوس" كانون ثان 1997، و"إيلياء" تموز 1997، و"قراءات لنماذج من أدب الأطفال" كانون أول 2004، و"في أدب الأطفال" تموز 2006.
 
واليوم، يأتي هذا الحصاد محتويًا على المداولات النقدية، والقراءات الأدبية، لما أبدعه عدد من روّاد الندوة ذاتها.
 
ونحن إذ نطلق على كتابنا التوثيقي هذا عنوان "الحصاد الماتع لندوة اليوم السابع"، إنما نرسل رسائل نود لو وصلت سريعًا:
 
أولها: إننا مستمرون في مسيرتنا الثقافية الأدبية بلا انقطاع، يدفعنا حب الكتاب، والسعي إلى تنمية زوايا القراءة، والبحث عن الجمال في الإبداع.
 
ثانيها: إننا نفتخر بهذا التقليد الذي بدأ ينتقل إلى مدن أخرى في وطننا، ونتمنى أن يكون لندوتنا شقيقات في زوايا الوطن جميعها.
 
ثالثها: إن حراكًا ثقافيًّا يجب أن يستمر بعيدًا عن أي غايات لا تصب في صالح الحركة الثقافية الفلسطينية، سيثمر ويطرح حصاده المتمثل في إرساء قاعدة القراءة، وإبداء الرأي، وتعزيز قيمتي الحوار والإصغاء.
 
رابعها: إرساء القراءة كثقافة يعتاد عليها القارئ ويشعر بأهميتها، وموعد اللقاء (الندوة) كفقرة ثابتة في البرنامج الأسبوعي لكل مساهم فيها.
 
خامسها: إن العمل الثقافي المستند إلى إيمان بقيمة الثقافة، وأهمية القراءة، والنشر، والمتابعة، يجب أن يكون على سلّم أولوياتنا الثقافية في وطننا بشكل عام، وفي قدسنا بشكل خاص.
 
ها نحن نقول، من خلال تواصلنا الدائم، وندوتنا المتواصلة بلا انقطاع: لتصدق النوايا أولاً، ولنتحلّ بقيمة المعرفة والسعي لاكتسابها.
 
هذا جهد امتد وطال ليقول شيئًا في ميدان الأدب والثقافة، وهو ينبع من قدس العرب والمسلمين.
 
نأمل أن نكون قد وُفّقنا في التعبير عن حبنا لهما (القدس والثقافة)، وأن نقدّم لمن يقرأنا هنا، وكان يود لو أتيحت له فرصة مشاركتنا نقاشاتنا توثيقًا مفيدًا. كما نأمل أن يستفيد طلبتنا من نظراتنا في الكتب التي قرأناها.
 
إبراهيم جوهر
 
(القدس، 5/1/2012)
صفحة 2
محمود شقير
 
"قالت لنا القدس"
 
ناقشت الندوة كتاب "قالت لنا القدس" للأديب محمود شقير، والكتاب من منشورات وزارة الثقافة الفلسطينية هذا العام 2010.
 
موسى أبو دويح:
 
قسم الكاتب كتابه إلى أقسام ثلاثة: نصوص، يوميات، شهادات. فالقسم الأول: تمهيد حول القدس كما كانت وكما هي الآن، وشبابيك بناياتها القديمة على الأخص، ومقاهيها وتبدلات شوارعها وهكذا، وجاءت في ثمانين صفحة. والقسم الثاني: المدينة كما هي في المشهد اليومي، وهي يوميات كتبها الكاتب بدأت من يوم 22/4/1996 إلى يوم 9/9/2009، وهي ثمانية وتسعون نصًّا يوميًّا، جاءت في ثلاث وسبعين صفحة. والقسم الثالث: سماه "المدينة كما هي في الشهادات"، وجاءت في خمسة مواضيع هي: بيت السكاكيني، وشتات العائلة، ومفارقات الحصار، ومن القدس إلى برلين، وأنا والقدس والكتابة، وجاءت في تسع وعشرين صفحة.
 
الكتاب كله إبداع، وأروع الإبداع فيه عنوانه: "قالت لنا القدس". القدس عند كاتبنا تقول، وتشكو، وتبكي، وتندب حظها، وتلوم أهلها فلسطينيين وعربًا ومسلمين، والقول هو قول الكاتب على لسان القدس، والكلام كلامه، والوصف وصفه، والكتابة كتابته. لكنه أبدع كل الإبداع حين سماه "قالت لنا القدس". فقال: قالت لنا القدس، ولم يقل قالت لي القدس، وهذا غاية في التواضع، وترك الأنا وحب الذات، والذوبان في الجماعة، والاعتراف بأن المجتمع هو المؤثر والفاعل، وليس الفرد. والمرء كثير بإخوانه.
 
والكتاب يؤرخ للقدس ويصفها-شوارعها وشبابيكها- وصفًا دقيقًا، وعلى الأخص قبل حرب حزيران وبعدها إلى هذه الأيام.
صفحة 3
لغة الكتاب لغة سهلة سلسة، لا تكلف فيها ولا تعقيد، تنساب انسيابًا رقيقًا، وتمتاز بالرقة والبساطة. استمع إلى قوله: "في القدس شبابيك مقموعة لا ترى الشمس، ولا تراها الشمس" (الصفحة 25). وقوله: "قد تنجح حينًا، ولا تنجح في كثير من الأحيان" (الصفحة 29). ويصف هدم المحتلين للبيوت العربية بقوله: "تنهار الحيطان التي انبنت بالجهد والعرق، وتتكوم الشبابيك بما فيها من زجاج وألمنيوم وحديد فوق الركام" (الصفحة 30). وقوله في وصف شبابيك القدس: "وقد تبدو منطوية على نفسها، كما لو أنها تتوقع مفاجآت غير سارة، ذات صباح أو ذات مساء" (الصفحة 30). وغير هذا كثير.
 
اختلف عن الأستاذ والصديق الكاتب في نظرته إلى إمكانية العيش مع يهود والتصالح معهم، فهذا أمر لن يكون، ولا يريد له اليهود أبدًا أن يكون، ولا يقبل يهودي بالعيش مع الآخر، وإن وجد من يقبل ذلك من يهود، فإنه يكون قد تخلى عن يهوديته. وصدق الله العظيم: "أم لهم نصيب من الملك، فإذًا لا يؤتون الناس نقيرًا" (سورة النساء الآية 53). هذا هو وصف الله ليهود، ووصف الله لا يتخلف.
 
فلا حل وسطًا لقضيتنا، ففلسطين كلها لنا أو لهم، ولن تكون لنا ولهم، فهم لا يقبلون بذلك، وإن قبله أمثال كاتبنا الكريم الذين يحسنون الظن ببعض يهود.
 
جاء في التمهيد الأول في الصفحة السادسة: "وهم يجتازون درب الآلام نحو المكان الذي صلب فيه السيد المسيح". كان الأجدر بالكاتب أن يقول: "نحو المكان الذي صلب فيه المصلوب"، فالسيد المسيح لم يصلب، ولم يقتل، بدليل قول الله سبحانه: "وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله، وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم، وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه، ما لهم به من علم إلا اتباع الظن، وما قتلوه يقينًا" (الآية 157 من سورة النساء).
 
يكاد الكتاب يخلو من أي خطأ في اللغة، خلا كلمتين فيهما خطأ في الطباعة، صوبهما الكاتب بقلمه وذلك في النسخة التي أهدانيها، الأولى في الصفحة 61، والثانية في الصفحة 97. وخلو الكتب من الأخطاء نادر في هذه الأيام.
 
وأخيرًا، الكتاب وثيقة من الوثائق النادرة التي تناولت القدس وأرخت لها ووصفتها- شوارعها وأزقتها وبناياتها- وعلى الأخص الشبابيك فيها، يستحق القراءة، وحري بكل فرد أن يقرأ هذا الكتاب وأن يقتنيه، وأن يرجع إليه كلما أراد أن يستزيد معلومات عن القدس.
صفحة 4
جميل السلحوت:
 
محمود شقير كاتب متميز بطريقة لافتة، كتب القصة القصيرة، والقصة القصيرة جدًّا، وقصة الأطفال، ورواية الفتيان، وأدب السيرة، وأدب الرحلات، والمقالة النقدية، والمقالة السياسية، والمسرحية، والمسلسلات التلفزيونية، وصدر له حوالي أربعين مؤلفًا. ومحمود شقير أبرز كاتب قصة فلسطيني، ومن كتاب الصف الأول في القصة القصيرة على مستوى العالم العربي. ترجمت بعض أعماله إلى أكثر من لغة أجنبية.
 
وأديبنا محمود شقير المولود في العام 1941 في جبل المكبر أحد أحياء القدس، مسكون بمدينته، هو يعيش ويسكن فيها، لم يفارقها إلا في سنوات إبعاده عن أرض الوطن ما بين 1975-1993، لكن المدينة وهمومها تسكنه، تسكن وجدانه وعقله وفكره: "هي مدينتي الأولى، لم أعرف أية مدنية قبلها" (ص5)، وهي، أيّ القدس: "بالنسبة لي حاضنة الروح ومهد الطفولة والشباب، لا يكمن أن أتصور تجربتي في الحياة دون أن تكون القدس حاضرة فيها تمام الحضور" (ص5). والقدس بالنسبة لأديبنا ليست مدينة كسائر المدن، "هي مدينتي التي تعلمت منها، وهي التي ألهمتني كثيرًا مما كتبت، وما زالت تلهمني، لها المجد والحرية والخلاص" (ص7).
 
ويظهر ارتباط أديبنا بعروس المدائن، ومدى سطوتها عليه من خلال كتاباته، فمجموعته القصصية الأولى "خبز الآخرين" كل أحداثها وحكاياتها تدور في القدس، لكن أديبنا ما أن عاد إلى مدينته بعد إبعاد قسري دام ثمانية عشر عامًا، حتى أبدع لنا رائعته "ظل آخر للمدينة"، اعتبرها سيرة للمكان، في حين يراها آخرون- وأنا منهم- أنها كانت جانبًا من سيرة المكان، وجانبًا من سيرة الكاتب نفسه في المدينة، جاءت على شكل روائي إبداعي .
 
ثم ما لبثت أن صدرت له في العام 2010 مجموعة قصص قصيرة جدًّا تحت عنوان "القدس وحدها هناك"، فيها استلهام أدبي لتاريخ المدينة وحاضرها، جاءت قصصًا قصيرة جدًّا، منفصلة عن بعضها البعض، يربطها خيط دقيق لتشكل رواية القدس، فهل جاء إصداره الجديد "قالت لنا القدس" ليشكل ثلاثية عن جوهرة المدائن؟ أم أنها جاءت عفو الخاطر؟ وفي تقديري أن الكاتب لم يخطط لكتابة ثلاثية عن القدس، لكن القدس التي تسكنه، تدفعه وتحرضه للكتابة عنها، خصوصًا وأنه معاصر لأحداث يرى فيها ضياع المكان، ويري كيف يجري سرقة تاريخ المدينة بعد أن سرقت جغرافيتها، فيؤرقه ذلك، فيجمع أفكاره، ويحاول أن يكتب تاريخ المكان كشهادة على مرحلة يجري فيها تزوير ماضي المدينة وحاضرها، ومحاولة بناء مستقبل زائف لها.
صفحة 5
ومحمود شقير في كتابه هذا "قالت لنا القدس" ابتعد عن الأسلوب الروائي والقصصي، ولجأ إلى المقالة، وأسلوب المقالة هذا لا يخلو من التأريخ تمامًا مثلما لا يخلو من الأدب، وهذا ديدن الأدباء، فعندما يكتبون حتى المقالة السياسية، فإنها لا تخلو من الأدب.
 
والباحث في تاريخ القدس الحديث لا يمكن أن يقفز عن دور المفكر والمربي المقدسي خليل السكاكيني، الذي عاش في القدس القديمة وخارج أسوارها، وبني بيتًا في حيّ القطمون في القدس الغربية، حيث كان يلتقي كبار الأدباء الفلسطينيين والعرب، ومن خلال يوميات السكاكيني يروي لنا الأديب شقير كيف "تشكلت الجمعيات الإسلامية المسيحية... إلى جانب تشكيل الأحزاب السياسية، وتأسست تجمعات للمرأة الفلسطينية إلى جانب تأسيس النوادي، وإصدار الصحف والمجلات"(ص15)، وكانت الحياة عامرة في القدس منذ بدايات القرن العشرين حيث الحفلات الغنائية والعروض المسرحية ودور السينما.
 
ولا يغيب عن بال الكاتب دور المرأة المقدسية، حتى أنه خصص له عنوانًا "في مديح بنات القدس"، ويذكر أسماء بعض الناشطات منهن مثل: شهندا الدزدار رئيسة جمعية النساء العربيات في القدس، وزليخة الشهابي التي أصبحت فيما بعد رئيسة الإتحاد النسائي في القدس، وسلطانة عبده زوجة خليل السكاكيني، وفاطمة البديري أول مذيعة ومعدة برامج، والشهيدة رجاء أبو عماشة، وحياة المحتسب، ولا أعلم كيف غاب عن الكاتب اسم هند الحسيني مؤسسة دار الطفل العربي.
 
واللافت هو حديث أديبنا عن شبابيك القدس، فالقدس مدينة تاريخية، أبنيتها يطغى عليها فن العمار الإسلامي المُطعم بالفن البيزنطي والفارسي والروماني، فوظيفة الشبابيك "تمرير الهواء إلى داخل البيت، وكذلك أشعة الشمس، أو تمرير شحنة من نور حيثما تكون الشبابيك واقعة في مدى أشعة الشمس" (ص25).
 
وللشبابيك مهمة نضالية أيضًا، منها "سكب الزيت المغلي وإسقاط أصص الورد المليئة بالتراب على جنود الاحتلال الذين يتعقبون شباب الانتفاضة " (ص27).
 
ويتحدث الكاتب عن "ترييف" المدينة ، من خلال هجرة أبناء الريف وأبناء المخيمات إليها، وما يترتب على ذلك من إضعاف الحياة المدينية والاقتصادية، ما أدى إلى هجرات من المدينة، خصوصًا هجرة الفلسطينيين المسيحيين، حيث كان يصل عددهم في العام 1967 إلى اثني عشر ألفًا، والآن عددهم خمسة آلاف فقط (ص39).
 
ويعرج الكاتب على مقاهي القدس التي "تشكل مع النوادي ودور السينما والمكتبات والفنادق والمطاعم مظهرًا من مظاهر النزوع المدني المرافق لنهوض الطبقة الوسطى" (ص42).
 
والمقاهي التي كان يرتادها المثقفون والوجهاء والمتقاعدون، لم تعد قائمة في غالبيتها، مثلما أغلقت دور السينما أيضا، وقد عرفت المقاهي المقدسية "الحكواتي" الذي كان يحكي السير الشعبية القديمة، وهذا ما لم يتطرق إليه الكاتب.
 
ويبدي الكاتب أسفه لعدم ازدهار المؤسسات والأنشطة الثقافية في القدس، ويصفها بأنها في حال لا تسُرّ البال" (ص46)، ويبدي الكاتب حزنه لأن الإبداع الفلسطيني في القدس وعن القدس قليل، ولا يتناسب وحجم المدينة التاريخي الحضاري، هذا الإبداع الذي يجب أن يتواصل وينمو، خصوصًا وأن المدينة تشهد حالة حصار يمنعها من التواصل مع محيطها الفلسطيني وامتدادها العربي، وأن القوانين الإسرائيلية تحد من البناء العربي في المدينة، وتعمل على تهجير مواطنيها الفلسطينيين، إضافة إلى تشتيت العائلات كما هو حال الشعب الفلسطيني. وهذا الكتاب بنصوص ويوميات وشهادات مؤلفه يشكل إضافة نوعية للمكتبة الفلسطينية والعربية عن مدينة تضرب جذورها في التاريخ، وتأبى أن تكون إلا عربية.
صفحة 6
نسب أديب حسين: القدس تهمس.. محمود يتذكر
 
المدن المحتلة تحتاج دومًا إلى أبنائها كي يدافعوا عن حقها في البقاء، ويزيلوا الغبار والشوائب التي يحاول المحتل إلصاقها بالمدينة ليغير من تاريخها وذاكرتها.
 
نلاحظ، وعلى مدى السنوات الأخيرة، أن العدوان الإسرائيلي بات يتخذ أشكالاً أخرى، فاليوم نشهد حربًا ثقافية يحتاج فيها الأديب والفنان والموسيقي الوقوف جنبًا إلى جنب لإثبات وجودهم وبقائهم للمحافظة على قضيتهم. كان ذلك بارزًا بشكل خاص في العام المنصرم عند الاحتفاء بالقدس كعاصمة للثقافة العربية العام 2009، فقد حاولت سلطات الاحتلال منع كافة التظاهرات الاحتفالية، ما أدى إلى عدة مناوشات، وتم إغلاق معرض للفن التشكيلي للفنان أحمد كنعان في المسرح الوطني الفلسطيني، رغم أن المعرض لم يكن مرتبطًا بالاحتفالية، لكن وجوده أقض مضجع المحتل، فقرر إغلاقه.
 
ومن الحوادث الأخرى الكثيرة التي حصلت في ذلك العام محاولة لإفشال افتتاح احتفالية فلسطين للأدب في دورتها الثانية في المسرح الوطني الفلسطيني، وبعد سجالات مع الجنود، تم نقل الحدث إلى المركز الثقافي الفرنسي. وطوال العام حاول المحتل التصدي ومنع إقامة أيّ مناسبة ثقافية تقام ضمن (الاحتفاء بالقدس كعاصمة الثقافة العربية 2009) .
 
في المقابل، تقام المناسبات الثقافية في القدس الغربية على مدار العام، فالقدس تحظى باهتمام واسع من قِبل الأدباء اليهود، والاحتفالات الموسيقية والفنية كالمسرح والسينما ومعارض الفن التشكيلي، وفي الوقت الذي يُغلق فيه معرض في القدس الشرقية، يفتتح معرض في القدس الغربية.
 
هنا، وأمام كل هذه التحديات، نحتاج إلى التكاتف جميعنا أدباء وفنانين للوقوف في وجه المحاولات لتهويد المدينة ثقافيًّا.
 
وفي خضم هذا، يأتينا الكاتب المقدسي محمود شقير بكتابٍ يرصد ذاكرة وحسّ المكان، ليطلعنا على ما قالت له المدينة، ويعنون كتابه بعنوان "قالت لنا القدس"، الصادر عن وزارة الثقافة الفلسطينية، العام 2010. يروي الكاتب قصة عشقه للمدينة التي ما انقطعت رغم نفيه القسري عنها مدة ثمانية عشر عامًا، في تمهيدٍ أول وثانٍ.
صفحة 7
يقسم الكاتب كتابه إلى ثلاثة أقسام :
 
القسم الأول (المدينة كما كانت وكما هي الآن). يقع هذا القسم في 74 صفحة. في هذا القسم يحاول الكاتب الوقوف على جوانب عديدة من جوانب الحياة وخصائص المدينة، فيتحدث عن أشخاصٍ كان لهم أثر كبير في ذاكرة المدينة مثل خليل السكاكيني، وفرانسوا أبو سالم، وعادل الترتير. كما ويتحدث الكاتب عن بنات المدينة، فيذكر دورهن في النضال من أجل النهضة والتنوير والتحرر من الاحتلال، فيرصد الكُتب التي أتت على ذكر دورهن، وكذلك الروايات التي حظيت البنات المقدسيات بدور البطولة فيها.
 
يقف الكاتب وقفة طويلة أمام شبابيك القدس ليتأمل فيها، ويتحدث عن مبناها، وشكلها الهندسي، والهدف منها، الذي تغير مع الزمن، والتبدلات التي حصلت على الصعيد الاجتماعي والصعيد السياسي، كتحول الشبابيك لمواقع لسكب الزيت المغلي، وإسقاط أصص الورد المليئة بالتراب على جنود الاحتلال أيام الانتفاضة الأولى (ص27). ويدافع الكاتب عما آلت إليه الشبابيك من وضع مزرٍ من صدأ وانخلاع أباجوراتها، فيقول إن هذا يعود إلى اهتمام المقدسيين بالمشهد من داخله الذي يتسع لهم ولأبنائهم نظرًا للضائقة السكانية التي يعيشها سكان البلدة القديمة.
 
تحت عنوان آخر، يتطرق الكاتب إلى ظاهرة ترييف القدس، ويعزو هذا لانتقال الريفيين إلى المدينة، ونزعة البيروقراطية التي مارستها قيادة منظمة التحرير في الخارج أثناء التعاطي مع الانتفاضة. (فأصبحت القرى والمخيمات وامتداداتها السكانية في المدن هي صاحبة الدور الأبرز في نضال الحركة الوطنية الفلسطينية، وأصبح الترييف وما يمثله من قيم محافظة هو السمة الأكثر وضوحًا في المجتمع الفلسطيني، وتراجع في الوقت ذاته دور المدينة ونخبها السياسية والثقافية، وما تمثله من قيم عصرية (ص37). يعبر الكاتب عن رأيه في هذا بعتبه على القوى الفلسطينية قائلاً إنه كان بإمكانها إنعاش المجتمع المدني المقدسي بإعادة بعث النقابات والمؤسسات غير الحكومية والنوادي، وتشجيع النشاط الثقافي والأدبي والفني. لكن بدلاً من ذلك نجد قيم الريف الداعية إلى التقوقع والانغلاق تستفحل فيها، وحدث تحول في القيم، فلم تعد للعقلانية وللتنوير واحترام العلم والثقافة والفن حظوة ذات أثر ملموس. وازداد الميل إلى التزمت والتعصب، وتضييق الأفق والتضييق على النساء. وكان لكل هذا آثار سلبية على المدينة، وتضافر غير مباشر مع السياسة الإسرائيلية، على حد قول الكاتب، لتصفية الأنشطة الاقتصادية الحيوية في المدينة، كالسياحة، إذ تم إغلاق مطاعم وفنادق ودور سينما وأماكن أخرى، الأمر الذي أثر سلبًا على الحركة السياحية وعلى مواطني المدينة وبالذات المسيحيون منهم.
صفحة 8
ويصف محمود شقير من خلال القسم ذاته التبدلات التي طرأت على شارع الزهراء الذي كان به مكاتب لصحف عديدة كالمنار والجهاد، وكان مَعلمًا من معالم الحياة الثقافية في القدس. والتبدلات التي طرأت على شارع صلاح الدين، وعلى مقاهي القدس.
 
يتحدث الكاتب عن وضع الثقافة في القدس تحديدًا إلى تردي الاهتمام بها، وما طرأ من تغيير في هذا المجال مثل إغلاق دور السينما بعد أن أصبح الذهاب إلى السينما عادة غير مألوفة عند المقدسيين، وتدني نسبة القراء إلى أقصى حد ممكن، وعدم توفر سوى كتب غير حديثة الصدور. لكن، بالرغم من هذا، يوجد في القدس عشرون مؤسسة ثقافية، والعديد من الأنشطة التي تنظمها هذه المؤسسات، فالمسرح الوطني الفلسطيني (الحكواتي) يقيم ندوة اليوم السابع الأسبوعية، وعروضًا مسرحية. ومؤسسة يبوس تقيم العديد من البرامج أهمها احتفالية فلسطين للأدب، والعديد من الأنشطة الأخرى، إلا أنه في معظم الأحيان تشهد هذه الأنشطة فقرًا بالجمهور.
 
القسم الثاني (المدينة كما هي في المشهد اليومي): يقع هذا القسم في 73 صفحة، ويشمل مذكرات شخصية للكاتب من نيسان 1996 وحتى أيلول 2009. يتميز هذا الفصل بمصداقية ومعايشة الذاكرة الشخصية للمكان وللحدث، ووجدت في هذا الفصل عفوية وجرأة في نشر هذه المذكرات الشخصية.
 
القسم الثالث (المدينة كما هي في الشهادات): يشمل هذا الفصل مذكرات للكاتب، لكن دون التقيد بالتاريخ والتسلسل الزمني للأحداث، فيتحدث الكاتب عن مكامن نفسه وارتباطه بالمدينة.
 
من خلال الاطلاع على الوضع الشخصي للكاتب نأخذ فكرة عن الوضع العام.
 
في البداية يحدثنا الكاتب عن بيت خليل السكاكيني الواقع في حي القطمون في القدس الغربية، وقد احتله اليهود فغدا الطابق الأول منزلاً لعجوزين، والطابق الثاني روضة لأطفال إسرائيليين، وهذا الواقع يعمم على العديد من البيوت الفلسطينية التي تم احتلالها وسكنها من قبل المستوطنين في الحي ذاته، الذي صار اليوم من الأحياء اليهودية الفقيرة نسبيًا، بعد أن كان أحد الأحياء الذي تسكنه النخبة المقدسية المثقفة. ونجد المعاناة والتشتت الذي يحل بتركيب العائلة الفلسطينية والمقدسية بشكل خاص في ما كتب أديبنا عن عائلته الشخصية تحت عنوان "شتات العائلة".
صفحة 9
ضمن عنوان "مفارقات الحصار" يتطرق الكاتب إلى واقع عصيب عسير على التفسير، فعندما أراد المشاركة في ورشة أدبية في هونغ كونغ في العام 2005، أرسل وثيقة سفره إلى الجامعة هناك، فوجدوا تناقضات في كون الكاتب وُلد قبل أن تولد إسرائيل بسبع سنوات، وفي أوراقه مسجل أنه وُلد في إسرائيل، وجنسيته أردنية، فطلبوا منه أن يفسر كيف يمكن أن يكون كاتبًا فلسطينيًا.
 
في خاتمة الكتاب يراجع الكاتب كتاباته، ويبحث عن القدس فيها، وينظر إلى الخلف مليًّا باحثًا كيف تغيرت وتبدلت علاقته بها، وكم يحاول التقرب منها، ونجده ينهي كتابه مطمئنًا إلى أنه كتب وسيستمر في الكتابة عن هذه المدينة "التي لا تستنفدها الكتابة، لأنها لا تشبه أية مدينة أخرى في العالم، ولا تشبهها أي مدينة".
 
في الختام رأيت في الكتاب مؤلفا قيّمًا عن مدينة القدس، وعن الأديب محمود شقير الذي وجدته يربط سيرته بسيرة المدينة، فيحاول التقرب منها والتحدث عنها في مجالات عدة، لتكون محاولة منه للتصدي لتهويد المدينة من خلال ذاكرتها وذاكرته.
 
الكتاب يساعد القارئ المحب للمدينة في التقرب منها، والوقوف على كثيرٍ من الأمور، خصوصًا لمن لم يتسن له معرفة المدينة سابقًا، فهناك معلومات عن تحولات طرأت على المكان في النصف القرن المنصرم لا نعثر عليها في كتب التاريخ.
 
يوجد في الكتاب بعض التكرار في ذكر معلومات أو حوادث معينة، قد يكون الكاتب اضطر إليها لذكر حوادث في ذات الفترة، لكن في مواقع مختلفة من الكتاب، وقد يعود السبب إلى أن الكاتب قد كتب كتابه في فترات متباعدة، لكن هذا لا ينتقص من قيمة الكتاب الذي يبعث بالقارئ الكثير من الحب والحنين إلى مدينة حالما تقع في عشقها تسكنك، ويصعب أن تجد لهذا العشق من تفسير.
صفحة 10
نزهة أبو غوش:
 
يحتوي الكتاب على (195) صفحة من القطع المتوسط، أَبرز فيها الكاتب نواحي وأَوضاعًا مختلفة لمدينة القدس، حيث بدا واضحًا في كتاباته الناحية الاجتماعية بكافة تفاصيلها، كذلك أَبرز الناحية الثقافية، والسياسية تحت ظل الاحتلال، كما تطرق إِلى تاريخ القدس ما بعد ستينيات القرن العشرين حتى يومنا هذا، إضافة إلى جغرافية المدينة داخل الأسوار وخارجها.
 
إِن قلق الكاتب على أَوضاع مدينة القدس الراهنة والمستقبلية يعكس بوضوح قلق مواطنيها، وقلق الشعب الفلسطيني بأَسره، حيث أَنها مدينة معزولة مكبَّلة، ومهوَّدة ومحاصرة بأَسوار إسمنتية، وأَسوار نفسية أَشدّ قسوة، وضراوة .
 
لقد أَبرز المؤلف محمود شقير في هذا الكتاب دور المرأَة بصورة إِيجابية، فهي المرأَة المثقفة، المناضلة، كما أَنها المرأَة القائدة للمؤسسات النسوية والاجتماعية والتربوية ومواقع عليا في السلطة الفلسطينية. كما أَن المرأة في نظره مصدر من مصادر الرفعة والجمال." ومما له دلالته أَن أَولّ تظاهرة جرت في القدس ضد الاحتلال الإسرائيلي بعد عدوان 1967 قامت بها نساء المدينة وبناتها، كاسرات بذلك حاجز الرهبة والخوف من عسكر المحتلين" (ص21). لقد أَبدى المؤلف قلقه على نساء القدس وخصوصًا في المرحلة الراهنة حيث التهويد، وانهيار القيم، وكثرة الالتباس.
 
إِن المذكرات، أَو اليوميات التي دوّنها المؤلفُ عن حياته اليومية في مدينة القدس عبارة عن مذكرات سريعة، موجزة وهادفة، نتعرف من خلالها إلى شخصية الكاتب كإنسان يعيش صراعات مختلفة، وخصوصًا صراع الهوية المجزّأَة، والغامضة للآخرين في أوروبا وغيرها، وهي تعكس هوية كل مقدسي وصراعه حول هذه الهوية: "كان مسجلاً في الوثيقة أَنني إسرائيلي، وأَما فيما يتعلق بجنسيتي فقد كانت أُردني، وذلك لإخفاء أَنني فلسطيني" (ص179). إِن أَسماء الشخصيات التي ذكرت في اليوميات كان معظمها غير معرَّف للقارئ، ربما يعود ذلك بأَن الكاتب لم يهدف نشرها مسبقًا.
 
إِن لغة الكتاب سلسة بسيطة ومعبرة بأُسلوب تقريري مباشر.
 
يعتبر الكتاب مصدر توثيق لمدينة القدس: حضارتها، وتاريخها، وثقافتها، وجغرافيتها، لذلك فهو يستحق القراءة.
 
وبعد ذلك جرى نقاش مطول شارك فيه كل من: الكاتبة نزهة أبو غوش، والأستاذ خليل سموم، والأديب إبراهيم جوهر.
 
(القدس 16/9/2010)