eKtab
EN ع
الحياة في بيوت فلسطين
اقرأ عينة مجانية

الحياة في بيوت فلسطين

بقلم ماري إليزا روجرز

صفحة 1
مقدمة
 
بقلم الدكتورة / مي صيقلي
 
جامعة وين ستيت،
 
ديترويت، ميتشغن
 
سبتمبر 2012
 
دبّت الحياة في أوصال التاريخ الاجتماعي لفلسطين خلال العقود القليلة المنصرمة، إذ شهد هذا المجال خروج مطبوعات مهمة للنور على يد جيل جديد من الباحثين العرب والفلسطينيين؛ فعظيم الشكر حقيقٌ بأهله من الأفراد والمؤسسات مثل مؤسسة الدراسات الفلسطينية وداعميها الخيّرين على مستوى العالم وغيرهم من أهل العرفان (1)·
 
وبالرغم من الإسهامات سالفة الذكر، ما زالت المراجع التي تتناول الأوضاع في فلسطين خلال القرن التاسع عشر غير كافية، فضلاً عن القلة الملموسة في الدراسات المفصلة عن الأوضاع المعيشية اليومية للمجتمعات الفلسطينية في تلك الحقبة، باستثناء القدس؛ ذلك بأن تلك الدراسات - سواءً أكانت مستوحاة من تجارب شخصية أم نتاجاً للاستقراء من وثائق قانونية أو رسمية أو قنصلية أو وثائق عائدة لما تحتفظ به الأسر الفلسطينية من أوراق للأباء والأجداد - إنما هي قليلة العدد، بل وتظل فائدتها مقصورة على كونها مصادر إرشادية او إيضاحية· ومن ثمّ، فإن ما سُبر من أغوار التاريخ الاجتماعي لفلسطين، أو ما قد يسميه البعض المعيشة اليومية في البيوت لعموم الناس القاطنين في مدن فلسطين وقراها إبان الفترات السابقة على الانتداب البريطاني (1917 / 1918)، ما زال محدوداً، لا سيما ما يتعلق منه بالفترة التي رافقت نهاية القرن التاسع عشر وسبقت ومهدت للتحول الكارثي الذي أصاب فلسطين في مستهل القرن العشرين·
 
بيد أن الأدهى هو عدم إطلاع جمهور القراء العرب على هذا التاريخ والأحداث التي يزخر بها، وهنا تبرز أهمية هذا الكتاب وترجمته إلى العربية كونه إضافة مهمة صوب تحقيق الغاية المنشودة؛ فبفضل الجهود الفردية للمترجم جمال أبو غيدا - النابعة من عقل صاف وبصيرة نافذة - بات بين أيدينا هذا الكتاب: حياة البيوت في فلسطين بدقته الظاهرة وترجمته الوافية لمؤلفته ماري إليزا روجرز، وهي سيدة إنجليزية خبَرت بنفسها الحياة اليومية لمعظم شرائح المجتمع الفلسطيني إبان خمسينيات القرن التاسع عشر، عندما رافقت أخاها إدوارد توماس روجرز، الموظف الدبلوماسي الإنجليزي الذي خدم في عدة مناصب قنصلية ودبلوماسية في البلاد العربية وتحديدا في القدس وحيفا وبيروت ودمشق والقاهرة، في العام 1855 لدى عودته لفلسطين لمزاولة مهام منصبه الدبلوماسي الجديد كنائب للقنصل البريطاني في حيفا، فأقامت بمعيته هناك حتى العام 1859؛ وها هي تجربتها بين أيدينا باللغة العربية الآن·
صفحة 2
كان المجتمع الفلسطيني في تلك الفترة - شأنه شأن الشرق الأوسط بأسره - على شفا التغيير والتطور والاتصال بالعالم الخارجي· ومع أن هذا الكتاب يسلط الضوء على تفاصيل عملية التحول التي شهدها المجتمع الفلسطيني آنذاك، الا أنه يتناول ذلك من منظور يشب عن طوق المحلية· لقد تعرضت المنطقة في تلك الحقبة إلى موجة عاتية من الانكشاف على الآخر، والاستغراق في التحولات بل والاضطرابات التي نتجت عن احتلال نابليون لمصر في العام 1798، فأميط اللثام عن بُعد جديد حمله القرن الوافد في صورة صراعات أوروبية سياسية واقتصادية عنيفة شاءت الأقدار أن تكون فيها فلسطين وغيرها من بلدان الشرق الأوسط مسرحاً لتلك الصراعات· لقد أفضت السياسات الغربية الخاصة بفلسطين خلال نهاية القرن التاسع عشر إلى ما يعرف باسم وعد بلفور وإلى تحديد مصير فلسطين وشعبها طوال العقود التي تلت الحرب العالمية الأولى· أما داخل البلد نفسها فقد تضافرت هذه السياسات الدولية مع الفساد والإفلاس السياسي الذان ميّزا أداء الإدارة العثمانية في مراحلها الأخيرة، فأشاعت أجواء وأوضاع تركت أثرا بالغا على كافة أطياف المجتمع الفلسطيني·
 
سطرت المؤلفة هذا الكتاب خلال منتصف القرن التاسع عشر (1855 - 1859)، كاشفةً عن تفاصيل ودقائق الأنماط المعيشية للفلسطينيين آنذاك، مع بعض التركيز على المناطق الشمالية من فلسطين،لا سيما حيفا والبلدات والقرى الشمالية، لكن الكتاب غطى معظم مناطق فلسطين وتحدث عنها·
 
وتجدر الملاحظة في هذا المقام أن هذه الفترة تميزت بالتأثير الذي تركه النشاط الزراعي وصناعة الصادرات الفلسطينية القائمة على المنتجات الزراعية، وخصوصاً في مناطق الشمال الفلسطيني على حياة المجتمع والشرائح والطبقات الاجتماعية المكونة لهذا المجتمع كما تبين التجارب التي خبرتها السيدة روجرز وساقتها في كتابها هذا·
 
لقد أجادت المؤلفة توثيق صور النفوذ الغربي، لا سيما البريطاني والفرنسي، وتعاظم حضوره في فلسطين، مؤكدةً ومرسخةً ما أصبح حقيقة سياسية وطّأت لها الإتفاقيات التجارية التي كانت تركيا العثمانية قد بدأت بإبرامها مع القوى الأوروبية العظمى كاتفاقيات تجارية في القرن السادس عشر، والتي تحولت لاحقا الى إستسلام (2) للنفوذ الغربي مكّن هذه الدول العظمى من التسلل تدريجيا إلى الإمبراطورية العثمانية· وجاءت الأثار التي تركتها هذه الأحداث على المجتمع الفلسطيني بانكشافه البطيء على أنماط الحياة والأفكار الغربية والنفوذ الغربي واضحة المَعالم· فاتجه الفلسطينيون الأكثر ثراء في تلك الحقبة إلى محاكاة الغرب والأخذ بالابتكارات الغربية المستوردة في حياتهم·
صفحة 3
كانت ماري إليزا روجرز نتاجا لمجتمعها وزمنها، وكانت ذات خلفية إنجيلية أصولية وأفكار تتناسب وهذه العقلية عند تفسير وفهم التاريخ والأحداث· ورغم نهجها الاستشراقي إزاء المجتمع العربي بمسلميه ومسيحييه، الا أنها كانت راوية صريحة وأمينة للحقائق التي تظهر مدى رسوخ المجتمع الفلسطيني وتمسكه بأركان ثقافته وثباته على تراب أرضه· بل إنها - باستقراء الكثير من الاوجه - عالمة مثقفة بعلوم الإنسان وباحثة غير متكلفة، تقيم صلة شخصية وثيقة بما تتناول من مواضيع، فضلاً عن استعدادها لخوض الصعاب من أجل الحصول على القصة بتفاصيلها·
 
وعلى الرغم من الأوضاع الاجتماعية الاقتصادية المزرية التي سادت تلك الحقبة (كانعدام النظافة العامة، وتفشي المرض والجهل والإنقسامات الإجتماعية الصارخة) في فترة اصطبغت بالفساد وبتداعي أركان المؤسسات الرسميه للدولة العثمانيه، فإن السيدة روجز تكشف بكتابها هذا عن أصول المظاهر الاجتماعية والثقافية التي أقام عليها الفلسطينيون وما يزالون (من تقاليد وعادات في الطعام والتضامن والتراحم)·
 
لقد اطلعت السيدة روجرز خلال الأحاديث الحميمة التي كانت تتبادلها مع الذين عرفتهم من الفلسطينيين، على مؤشرات مهمة ودقيقة عن مقدار الوعي الفكري والسياسي المبكر للمجتمع· ومن الجليّ أن تلك الفترة شهدت بزوغ البدايات الأولى لنشوء الوعي القومي العربي، وما صاحبه من مد انتشاري وتنامٍ للإحساس بالعروبة كهوية قومية واضحة المعالم على المستوى الشعبي· وجاءت تعقيبات المؤلفة على الآثار الهدّامة للنظام العثماني على مسار التنمية والتطور التي يتوق المجتمع اليها، ومدى لهفة هذا المجتمع إلى الخروج من تلك الشرنقة الموغلة في التخلف طلباً للحرية في أماكن عديدة من الكتاب؛ علماً بأن هذا المنحى الفكري جاء على أيدي أفراد انحصرت تجربتهم في الداخل المحلي، وكانوا يتحلون ببعض القدرات الفكرية - إذ بدا وجود دوائر من مجموعات النقاش المنظمة التي لم يغب عنها العملاء الغربيون،-كالقناصل، بالحضور والمشاركة! - فكان ذلك - إن شئنا التعليل - إيذاناً بتطور الرأي العام المحلي المناصر لفكرة العروبة وما لاقته هذه الفكرة من اعتراضات والمسار الذي اتخذته في طريق تشّكلها كأيديولوجية منظمة!
 
تقدم ماري قصصا تنبض بالحيوية والدقة عن حياة المرأة داخل أجنحة الحريم المغلقة في البيوت في المدن والقرى الفلسطينية وتستعرض الأنماط الإجتماعية التي كانت تحكم حياة النساء ومعيشّتهن في تلك الفترة، وهو ما يمنح القارئ فرصة للتعرف عن كثب على الظروف المعيشية للنساء في كافة أطياف المجتمع الفلسطيني، مّسلطة الضوء على حياة النسوة الريفيات في قراهّن وبلداتّهن، وعلى سيدات المجتمع في المدن الأكبر والأكثر تعرضا للتأثير الغربي· وبالمجمل، فأن الصورة التي تقدمها ماري للحياة داخل أجنحة الحريم الخاصة بالنسوة فلسطينيات من شتى الخلفيات الإجتماعية والعرقية والدينية، تساعدنا على التعرف عليّهن وعلى سلوكّهن في الأفراح والأتراح والعديد من الأحداث الحياتية الأخرى التي كنّ يعشنها في تلك الفترة· كما تطرقت ماري بكثير من الإسهاب الى موجة الحداثة التي كانت تجتاح بعض الأوساط النسوية الفلسطينية خصوصا في البلدات والمدن· وفي الوقت الذي نتعرف فيه عبر صفحات الكتاب على سيدات ونساء بدأن بالتأثر بالنمط الغربي في المعيشة والسلوك الإجتماعي، نرى أيضا نسوة متمسكات بعاداتهن وموغلات في الإيمان والتشبث بالخرافات والأساطير والتفكير المحافظ الذي يتماشى وطبيعة المجتمع الفلسطيني خصوصا والشرقي عموما، في تلك الفترة الزمنية·
 
إن هذا السِفر لهو كنز من المعلومات عن الكثير من المواضيع التي كانت حاضرة في تلك الحقبة· وإذا شئنا ذكر بعضها في هذا المقام فسنجد أن الكتاب يرسم خارطة طريق توضح تضاريس فلسطين ومناطقها للقراء العرب: أي المدن والقرى التي طُمِست بفعل السياسة الإسرائيلية / الصهيونية القاضية بمحو وطمس الذاكرة الفلسطينية· كما أحيت المؤلفة بكتابها مناحي حياتية لم تجر العادة بسبرها أو دراستها دراسةً وافية على أيدي الباحثين والمؤرخين· وفي حين استأثرت القدس باهتمام وعاطفة الكثير من الكتّاب ذوي الميول السياسية والفكرية، غُض الطرف عن البلدات الصغيرة والكفور والقرى والحواضر الشمالية في تلك الحقبة المبكرة من التاريخ الفلسطيني الحديث· لذلك يعتبر هذا الكتاب مصدراً ممتازاً للمعلومات في هذا الخصوص·
صفحة 4
ومن واقع جولاتها وتجوالها الكثيف في البلد، قدمت المؤلفة للقارئ الكثير من جوانب المجتمع الفلسطيني بجالياته وطوائفه وعلاقاتهم وعاداتهم وقضاياه الجدلية المتعلقة بوجوده· وتواكب هذا الجهد الوافر مع إشارات المؤلفة إلى أسماء وذريات العائلات في البلدات والقرى التي زارتها، ما يقدم سجلاً طيباً للمؤرخين ويثري خزائن مراجعهم·

إن هذا الكتاب - مع ترجمته العربية الممتازة بأسلوبها الرشيق وعباراتها الدقيقة وصياغتها الرائقة للعين واللسان - إنما يقدم مورداً عظيماً من المعلومات في هذا المجال للقارئ والباحث العربي والفلسطيني؛ فهو مصدر حافل بالمعلومة وشائق في الأسلوب· وإنني على يقين من اعتبار القارئ العربي هذا الكتاب كنزاً من المعلومات ومنطلقاً لمعرفة تلك الحقبة التاريخية البالغة الأهمية عن كثب· وعلاوة على ما سبق، يستعرض الكتاب تفاصيل وجزئيات دقيقة لأنماط الحياة في أوساط الفلسطينيين، التي قد يبدو بعضها الآن بالياً أو متقادماً، لكن ذلك المهجور أو المتقادم - أو جوهره إن شئت - ما زال حياً في الذاكرة الجمعيّة لكل الفلسطينيين حيثما كانوا، في الوطن وفي الشتات·

الدكتوره مي صيقلي
صفحة 5
من لندن إلى حيفا
 
قد لا يكون المقام ملائما هنا للحديث عن لحظات الفراق وتحيات الوداع المتبادلة على متن سفينة الراين، التي رست بالقرب من جسر لندن ليلة الرابع عشر من حزيران/يونيو 1855·
 
كان المد مواتيا عند انتصاف الليل؛ فقرع جرس السفينة وانطلق البخار وسارع الأصدقاء المتبقون لمغادرة السفينة، فوجدت نفسي وحيدة مع أخي، الذي كان قد أمضى إجازة امتدت لبضعة أشهر في إنجلترا، بعد أن عمل لأكثر من ست سنوات بوظيفه قنصلية في سورية، وقد وافقت بسرور على السفر معه لدى عودته للالتحاق بوظيفته من جديد·
 
رست السفينة في اليوم التالي في مرفأ بولون الفرنسي، قبل أن ننطلق من هناك إلى ميناء مرسيليا لنبلغها في الوقت المحدد، من أجل ركوب سفينة إيجبتوس في صبيحة الحادي والعشرين من حزيران/يونيو، ثم عبرنا مضيق بونيفاشيو في ظهيرة الثاني والعشرين من الشهر، أما يوم الأحد في الرابع والعشرين من حزيران/يونيو فقد أمضينا بضع ساعات على شاطئ مالطا·
 
وصلنا الإسكندرية صبيحة يوم الخميس، وبعد أن زرنا قصر سعيد باشا ومسلة كليوباترا وعمود السواري، صعدنا على متن الباخرة تايج في مساء التاسع والعشرين من حزيران/يونيو، حيث كانت تعج بالركاب اليونانيين والسوريين والأتراك واليهود، الذين اضطروا لمغادرة الإسكندرية نتيجة لانتشار الكوليرا فيها، وقد انطلق مدفع الغروب من قلعة المدينة في الوقت نفسه الذي كانت سفينتنا تغادر فيه المرفأ·
 
بقينا على سطح السفينة حتى وقت متأخر من الليل ونحن نستمع إلى أغاني البحارة اليونانيين، الذين كانوا يحتفلون بعيد القديس بولص، شفيع سفينتهم وحاميها، بينما كان الركاب المسافرون على سطح السفينة يهيئون أماكن نوم مناسبة لقضاء الليلة، وسرعان ما بدا الرجال والنساء والأطفال من المسلمين والمسيحيين واليهود، الذين ناموا متدثرين بعباءاتهم وسجاجيدهم وشراشفهم، وكأنهم أصداف عملاقة اصطفت بجانب بعضها البعض في ضوء القمر·
صفحة 6
اتجهنا في فجر اليوم التالي إلى الصالة الصغرى المريحة الكائنة على سطح السفينة ، وشعرت بالرثاء لما حل بالركاب الذين كانوا نياما وقد فاجأتهم مياه البحارة الذين شرعوا بتنظيف سطح السفينة، فصاروا يتراكضون جيئة وذهابا في محاولات يائسة للنأي بأنفسهم عن البلل، ولإبعاد متاعهم وحقائبهم عن المياه المتدفقة·
 
كنا نستمتع بمشاهدة منظر شروق الشمس فوق البحر الذي تحول لونه فجأة من الرمادي إلى الذهبي، بينما اكتست السماء بلون قرمزي على امتداد الأفق، إلا أنني لم أكن قد رأيت اليابسة التي كنت أتوق لمشاهدتها بعد·
 
في اليوم التالي، الأول من تموز، نهضت من فراشي وقد غمرني السرور لسماعي نبأ اقترابنا من الشاطئ، فصعدت إلى سطح السفينة في الحال، لأنظر وبفيض من مشاعر الفرح والعواطف الغريبة، من فوق البحر الأزرق إلى شاطئ فلسطين الممتد شمالا وجنوبا في خطوط متعرجة منخفضة·
 
أما بلدة يافا ذات الأسوار الرائعة - جوبا القديمة- فقد كانت أمامي مباشرة بمنازلها الحجرية البيضاء، التي تكاد تلامس مياه البحر، والتي يعلو بعضها البعض على هضبة مستديرة تنحدر نحو البحر·
 
بادرني أخي قائلا: انظري بعيدا نحو الجنوب الشرقي، حيث أشرقت الشمس للتو، تلك التلال البعيدة التي تكاد تختفي في الضباب هي مرتفعات يهوذا - التلال المحيطة بالقدس، ويمكنك من قممها رؤية أول مشاهد المدينة المقدسة، حيث تفصلها عن هذه التلال التي ترين، السهول الساحلية الشمالية والجنوبية الخصبة لفلسطين وذكرني أخي بالطريقة التي جلبت بها أشجار الأرز والصنوبر من لبنان بواسطة القوارب عبر البحر إلى يافا لكي تنقل من هناك إلى القدس لبناء الهيكل!·
 
هذا الميناء القديم الذي يمتاز بمرفئه الدائم الازدحام، والأديرة الكبيرة والمآذن الشاهقة وأشجار النخيل والحدائق الغنّاء، يكاد يكون البقعة الزاهية والوحيدة المفعمة بالحيوية، على امتداد الساحل الفلسطيني الرتيب، الذي يمتد كخط متصل من القمة الجرداء لجبل الكرمل على بعد خمسين ميلا شمالا إلى أطلال غزة، أربعين ميلا للجنوب·
صفحة 7
سرعان ما رسونا خارج الحزام الصخري الشبيه بالهلال بانحناءته، والذي تبرز بعض صخوره القاتمة اللون فوق سطح الماء، بينما غمر بعضها الآخر بالكامل تحت الماء، ولم يكن ثمة ما يدل على وجودها هناك سوى ارتداد الأمواج عنها· يمتد هذا الحزام الصخري كحاجز أمام البلدة، ويشكل ميناء طبيعيا بعمق يبلغ الخمسين قدما تقريبا، لا يمكن عبوره سوى بواسطة القوارب الصغيرة، ولا يوفر ولا حتى الحد الأدنى من الحماية خلال الظروف الجوية السيئة· ترتبط هذه الصخور الجرداء تقليديا بأسطورة بيرسيوس وأندروميدا (الملك الإغريقي الذي تزوج ابنة ملك الحبشة حسب الميثولوجيا الإغريقية-المترجم)·
 
كانت بارجتان حربيتان نمساويتان راسيتين على مقربة منا بانتظار اصطحاب الأرشيدوق ماكسميليان وحاشيته الذين كانوا يزورون مدينة القدس آنئذٍ، علاوة على بعض السفن التجارية الفرنسية واليونانية وبعض الزوارق العربية الصغيرة التي كانت تبحر في الأنحاء·
 
وفي هذه الأثناء، اقترب منا قارب الحجر الصحي الذي كان يقل رجل أمن وموظفا من موظفي الحجر الصحي في المدينة، لتزويدنا بسلال من البرتقال والمشمش والليمون· وقُدم لي غصن برتقال جميل يزهو بأوراقه النضرة وحبات البرتقال الطازجة· واجهنا صعوبة في الانتقال إلى قارب الحجر الصحي الصغير المخصص لنقلنا للشاطئ، نظرا لهبوب رياح خفيفة أدت إلى تشكيل أمواج ساهمت في اضطراب المياه، وكان البحارة العرب على متن القارب المخصص لقطر قارب الحجر الصحي يرفضون مجرد لمسه، حتى ولو اقتضت الضرورة ذلك، خوفا من احتجازهم في المحجر الصحي كإجراء احترازي لمنع الانتشار المحتمل للعدوى· بعد العديد من المحاولات اليائسة، نجحنا نحن واثنان من الرهبان الفرنسيسكان والمتاع الذي كان بمعيتنا، وبعد أن شارفنا على السقوط في مياه البحر بالنزول بشكل فوضوي إلى قارب الحجر الصحي، ثم جررنا بواسطة الزورق الصغير بعنف عبر الأمواج التي كان يختفي خلفها تماما بين الحين والآخر عندما تفصلنا عنه إحدى الأمواج المرتفعة، وعندما دنونا من الحزام الصخري شعرت بأنه من المستحيل أن لا يتعرض قاربنا للارتطام بالصخور وأن يتحول إلى حطام، فالتزمت الصمت وانتابني الخوف طوال الوقت الذي استغرقناه لعبور الممر المائي الضيق، ولكن سرعان ما تلاشى الخطر المحدق بنا، فقد كانت المياه داخل الحزام هادئة جدا كمياه البحيرات، حينها فقط، عدت للتأمل بالمشهد الأخاذ المحيط بي· كان للحاجز الصخري فتحتان، إحداهما صوب الشمال بينما الأخرى باتجاه الغرب، وهي التي دخلنا منها، حيث أحسست خلال عبورنا باحتكاك القارب بالصخور من تحتنا·
صفحة 8
كانت الساعة قد شارفت على الثامنة والنصف، وكان المرفأ قد بدأ يزدحم بالناس الذين ارتدت الغالبية العظمى منهم أزياء محلية زاهية الألوان، كما تواجد بعض الغربيين الذين كانو يرتدون الملابس الدارجة في بلاد الشام، التي تمتاز بلونها الأبيض من الرأس حتى أخمص القدم· كما رفرفت الأعلام والرايات من على السواري التي تعلو مباني القنصليات الأجنبية والأديرة، ومن على السفن أيضا، ونظرا لأن اليوم كان يوم أحد، فقد سادت في الأنحاء أجواء العطلات·
 
عبرنا المدينة في طريقنا إلى مركز الحجر الصحي، الذي كان عبارة عن مبنى معزول يقع على مسافة قريبة من الأسوار الجنوبية للبلده·
 
تعالت صيحات الترحيب الودية الموجّهة لأخي من الشاطئ بالعربية والإيطالية والفرنسية والإنجليزية، وعندما شارفنا على الوصول إلى وجهتنا، سحب القارب نحو الرمال، وقام موظف الحجر الصحي الذي اقتصر لباسه على ثوب طويل وحزام للوسط، بالقفز إلى المياه التي وصلت حتى ركبتيه، ليحملني بذراعيه القويتين ركضا عبر المياه نحو الشاطئ الرملي، ثم على اليابسة ليطلق سراحي، بعد أن تركني في عهدة موظف صحي آخر كان يقف على أسفل الدرجات المؤدية إلى مركز الحجر الصحي، وما لبث أن عاد مسرعا للقارب من أجل الركاب الآخرين، الذين عاد بهم حملا على ذراعيه أيضا واحدا تلو الآخر نحو اليابسة·
 
كثيرا ما كنت أتساءل عن المشاعر التي ستنتابني عندما تطأ قدمي تراب فلسطين، ولكن الأحداث التي مرت بنا لدى وصولنا تكفلت بالقضاء على رومانسية الموقف، فقد نسيت أو كدت أن أنسى بأنني في الأراضي المقدسة، بينما ازداد شعوري بأنني سجينة في واقع الأمر، وبعد أن انضم الي شقيقاي والراهبان المرافقان لنا، تم اقتيادنا عبر الدرجات الحجرية إلى باب يؤدي إلى ساحة داخلية مربعة تتكون أضلاعها من جدران مبان حجرية ذات أسقف مستوية وواطئة تمتاز بحالتها المزرية· كان في منتصف الساحة بئر عميقة تعلوها مظلة خشبية، وتحف بها أشجار توت مكسوة بأوراق كبيرة نسبيا ترتفع نحو السماء لتترك حولها ظلالا وارفة ومريحة، وكان مركز الحجر الصحي مكتمل العدد على غير العادة بسبب انتشار وباء الكوليرا في مصر·
 
أما رفاقنا، راهبا الفرانسيسكان، فقد تم إيواؤهما مع مجموعة من الحجيج في غرفة ضمت ثمانية منهم·
 
الغرفة الوحيدة الشاغرة كانت ذات باب يفتح على ساحة صغيرة في الزاوية اليمنى من المجمع، وقد تم تخصيصها لنا، ومع أنها لم تمتلك ما يؤهلها لتكون سكنا ملائما إلا أننا عقدنا العزم على استغلالها بأفضل شكل ممكن، مساحتها كانت 12 قدما مربعا تقريبا وذات أرضية حجرية، وقد طليت جدرانها باللون الأبيض، أما بابها الذي لم يكن أكثر من ألواح خشبية متراصة كيفما اتفق، فلم يكن مزودا بمصاريع من الداخل، كما احتوت الغرفة على نافذة شمالية ذات زجاج بارز، تطل على البحر الأزرق والشاطئ الصخري والسور الشمالي ليافا، مع ما يجاوره من مشهد جميل للبيوت ذات الأسطح المستوية التي يعلو بعضها البعض، وتتصل فيما بينها بأدراج تفصلها عن بعضها شجرة نخيل هنا أو مئذنة جامع هناك، وكانت مجموعات من الصبية ترتع وتلعب تحت الأشجار القريبة منا، بحيث عوضت حسنات المشهد خارج الغرفة الكآبة التي كانت طاغية في داخلها·
صفحة 9
خلت الغرفة من أي شيء باستثناء حقائبنا وحارس الحجر الصحي المرافق لنا بعصاه الطويلة، والآلاف من الحشرات الطائرة وبيت للنمل ونحن!
 
جلست بصعوبة على المقعد الضيق المحاذي للنافذة، بينما ألقى شقيقي بنفسه على الحقائب وصناديق الأمتعة، ولم يكن بوسعنا سوى الضحك على بعضنا البعض، وعلى الأوضاع السخيفة التي وجدنا أنفسنا فيها، ولولا أننا كنا نتمتع بصحة جيدة ومعنويات مرتفعة لاختلفت خطورة الموقف تماما·
 
من حسن الطالع أن أخي لم يكن غريبا عن المنطقة وهذا ما وفر لنا الكثير من المساعدة، فقد قام السيد خياط، القنصل الإنجليزي- وهو من بلاد الشام أساسا- بإرسال مترجمه الخاص لمساعدتنا، حيث سارع بتوفير حصير وفرشات للنوم ولحافات؛ وهو الأمر الذي مكننا من تهيئة مجلس أو ديوان مؤقت·
 
بعد وقت قصير، جاء السيد جراهام، صديقنا العزيز من القدس لزيارتنا، حيث وقف خارج نافذتنا بوجود الحارس الذي وقف هناك لمراقبتنا، فلو حدث أن لامست أيدينا أيدي الضيف الزائر، فسوف يتعين عليه الانضمام إلينا في الحجز المفروض علينا، وقد قام السيد جراهام بإعارتنا شيئا من أثاث خيامه وبعضا من أواني الطبخ وغيرها من اللوازم الضرورية، ما جعل إقامتنا أكثر راحة واحتمالا·
 
عندما اضطررنا لارسال من يشتري لنا الطعام من السوق، وجب علينا أن نضع النقود في كوب مليء بالماء لمنع انتشار العدوى، والطريف أننا كنا نتمتع بصحة أفضل بكثير من مظهر أي من السُّعاه القذرين وشبه العراة، الذين قاموا على خدمتنا وشراء احتياجاتنا من الدجاج وحليب النعاج والبن والأرز والفاكهة والخضراوات من السوق بأسعار معقولة جدا·
 
كانت الساحة تضم غرفتين أخريتين إضافة إلى غرفتنا، كان في إحداهما مجموعة من المسافرين المسلمين بينما احتل الحجاج الفرنسيسكان الغرفة الأخرى، ولما كانت الساحة التي تتوسط المكان تنعم بظلال الأشجار الباسقة، فقد كانت الحرارة فيها أبرد بكثير من حرارة الغرف، ما دعانا جميعا لتناول طعام الإفطار سوية فيها·
 
توضأ جيراننا المسلمون وفرشوا سجاجيد الصلاة الخاصة بهم وأدوا صلاتهم، ثم تحلقوا حول طبق من الأرز والسمن والبندورة، وأكلوا جميعا بأيديهم من الصحن نفسه، كانوا يأكلون بسرعة وبصمت ثم غسلوا أيديهم وشرعوا بتدخين غلايينهم وأراجيلهم، وفي تلك الأثناء دعانا الرهبان، الذين كانوا يجيدون الفرنسية والإيطالية والإسبانية، إلى تناول شيء من المأكولات المحفوظة والعصائر التي كانت بحوزتهم·
 
سُمح لنا بعد أن مالت حرارة النهار للاعتدال بالخروج لنتمشى، برفقة أحد حراس مركز الحجر الصحي الذي كان مكلفا بمنعنا من الاحتكاك بالناس·
صفحة 10
هبطنا الدرجات المؤدية إلى سجننا بسعادة بالغة، ووصلنا رمال الشاطئ مع غروب الشمس التي صبغت السماء والبحر وجدران يافا البيضاء باللون الأحمر المتوهج· مشينا بمحاذاة الشاطئ باتجاه الجنوب، فكانت التلال الرملية المكسوّة بالأعشاب على يسارنا، وأمواج البحر المتقاذفة باتجاهنا على ميمنتنا، وصادفنا هيكلا عظميا لجمل غمرت أجزاء كبيرة منه بالرمال، كما عثرنا على العديد من الأصداف وعظام لأسماك متنوعة بما فيها الحبار، وعلى بعد حوالي الميل من مركز الحجر الصحي كان الشاطئ يعج بالأصداف التي كانت غالبيتها العظمى قد تحطمت، أما الصخور التي شكل بعضها أرصفة بحرية طبيعية، بينما ارتفع بعضها الآخر فوق الشاطئ، فقد بدت وكأنها رواهص صخرية مكونة من الرمال والأصداف التي تتفاوت درجات صلابتها، وعلى الرغم من تشابه هذه الكتل الصخرية من حيث المظهر العام، إلا أن بعضها كان بصلابة الرخام، بينما كان من السهل تفتيت البعض الآخر منها، وكان من السهل أيضا فصل الأصداف المطمورة داخل الرمال بقليل من الجهد·
 
عندما اختفت الشمس تماما وراء الأفق، استدار الحارس عائدا إلى مركز الحجر الصحي فتبعناه بطاعة وإذعان، كانت أنوار البلدة قد سطعت، وانعكست الأضواء المنبعثة من السفن الراسية في الميناء على المياه الهادئة، وكانت النجوم تُشع في السماء؛ لأن الليل يحّل سريعا عقب النهار في هذا الجزء من العالم، ما يجعل من تكّون الشفق امرا نادر الحدوث·
 
أعد الصبي الذي تولى دور الطباخ والنادل الخاص بنا وجبة العشاء ووضعها على الأرض تحت أشجار التوت، وكان السراج الموضوع على حجر أسود كبير يلقي بنوره المترجرج على أطباق الطعام، أما الملح الذي كان خشنا ولاذع المذاق، فقد قام الصبي بوضعه في صدفة فارغة وملساء، وهو ما حاول لفت انتباهنا إليه، أملا بأن نبدي إعجابنا بأفكاره الخلاقة، ثم جلسنا على حصير من القصب ونحن محاطون بنمل أحمر يبلغ طول الواحدة منها ثلاثة أرباع الإنش، وهرعت القطط من مخابئها في الظلام وهي تتوق لمشاركتنا وجبتنا·
 
نام العديد من الحجاج والبدو على الأرض في الهواء الطلق، وتوزعت فرشات النوم على الأسطح المستوية وشرفات المباني المحيطة بالساحة·
 
لم يكن هناك نساء ضمن طاقم العاملين في مركز الحجر الصحي، كما لم تكن هناك نساء بمعية رفاقنا المحتجزين، وبينما كان شقيقي مستلقيا في الساحة وهو يدخن في ضوء النجوم، قمت أنا بتجهيز وإعداد غرفتنا لتكون مريحة قدر الإمكان في ظل الظروف المتاحة، وبالرغم من الأوضاع المزرية المحيطة بنا، فقد حاولنا الترويح عن أنفسنا، في الوقت نفسه الذي حصلنا فيه على دروس مفيدة في كيفية التمييز بين الضرورات والكماليات في الحياة المتمدنة·