eKtab
EN ع
القاضية والعفر
اقرأ عينة مجانية

القاضية والعفر

بقلم أبو العباس برحايل

صفحة 1
العُفر في المكتبة

ذات يوم خريفي صقيعي من أيام تشرين الثاني/ نوفمبر، وفي الصباح الباكر تلقيت ـ أنت يا أبا الرضوان أيوب الصابوري ـ مكالمة من أحد أقاربك الأبعدين تفيد بأن الدرك الوطني طرقوا عليك الباب ليسلموك استدعاء مستعجلاً في بيتك الصيفي الذي هجرته في السنوات الأخيرة مرغماً والكائن بمرجة ضبيعة أيميس؛ تلك القرية البعيدة عن المدينة السهبية التي تقيم بها بنحو أربعين كيلو متراً. مرجة ضبيعة أيميس هذه تسميتها الكاملة، لكن المواطنين يختلفون في تسميتها، فمنهم من يسميها المرجة ومنهم من يقول الضبيعة ومنهم من يدعوها الضبعة ومنهم من يقول أيميس فقط؛ ولن تلتزم أنت بتسمية واحدة، وستكون كل تسمية تذكرها صحيحة في موضعها.. قال لك في حشرجة الهاتف النقال مستغرباً: لقد جاءوا في رتل رسمي من عربتين فطوقوا البيت أولاً، ثم راحوا يطرقون الباب بعنف، وتبين أن العنوان الوحيد الموجود في الوثائق لديهم عنك، هو عنوان هذا البيت شبه المهجور. شبه المهجور لأنك كنت تزوره من حين لآخر، تستريح فيه من ضجيج الكتب في ورّاقتك الشهيرة وصخب الزبائن وتسقي ما في حديقته من نباتات وأشجار قبل أن ينفـّرك منه العُـفر..

ركبك الخوف والهلع وتشاءمت من هذه المكالمة الصباحية غير المبشرة، فهيئات الأمن لا تبحث عن أحد أو تستدعيه إلا لأمر جلل وخطب مدوّ خطير. ركبت الرونو إكسبريس؛ مطيتك الآلية البيضاء بياض لحيتك المتدلية وبياض قندورتك المترجرجة، وهرعت إليهم في ثكنتهم تلبي النداء العاجل. لقد كنت هناك منذ أسبوعين مع طاووس الحنان رفيقة درب حياتك وعجوزك المستكينة الصبور تتريضان في جنينة البيت القروي، وتتذاكران طرائف الأيام والسنين الخوالي خصوصاً في عطل الربيع مع باديس، ذلك الصبي الملاك الذي ربيتماه كما لو كان ابنكما صليبة.. باديس أو غسان؛ سيان لديك.. لما تفتحت عيناه على الدنيا التحق بأسرته الأصلية.. كنتما تسوقان الأحاديث الشائقة والموجعة في القلب عن تلك الأيام المتنائية، وتلتقطان في الآن نفسه حبات الزيتون اللؤلؤية المتساقطة بفعل الرياح.. كانت شجرة الزيتون العملاقة التي يُجهل عمرها في الجنينة مثقلة بثمارها السوداء النيرة الوقادة.. القطف يستدعي الجهد ولا أنت ولا الطاووس لكما من الجهد والنفـَس الطويل ما يكفي لقطف المنتوج المغري في هذه السن التي تولت فيها قوتكما، وألبستكما الطبيعة من بعد قوة ضعفاً، وأورثكما تتالي السنين وتعاقب الليالي، بحلوها ومرها، من بعد رشاقة وَهْناً ورخاوة، ومن بعد صلابة ترهلاً وعجزاً، ولا بد من استئجار عامل شيق رشيق قادر على تسلق الأغصان المتعالية السامقة لقطف هذه اللآلىء النيرة..

أنت مضطر إذن، لتعود إلى تلك القرية الصاخة التي طبعت وجدانك في الطفولة بطابعها الحر المنطلق الصريح في هذه الصبيحة رغم الصقيع، وقد بتّ تكرهها الآن وتتلكأ في زيارتها ويا للعجب والأسف، بعد أن كان الذهاب إليها طوال حياتك بمثابة عودة للروح، وكانت زيارتها مصدراً للراحة والاستجمام.

بعد نحو ساعة من السير الحثيث وصلت إلى الثكنة، أطل عليك من الشباك الظليل ذلك الدركي الأسمر البشرة سمرة داكنة، والمزروعة ببثور مهيجة مقيحة في وجهه، ذو الملامح الجهمة، وقال لك بحزم مشوب بالتهديد والوعيد من وراء كوة الشباك المقتضبة:

ـ تدفع الغرامة أو تساق إلى السجن يا حاج..

حدد لك الأجل بصفة قاطعة، وأمرك أن تتجه فوراً للخزناجي بالمدينة إن رغبت أن تتجنب الحبس، وأن تنجو من وضع الأصفاد في معصميك المعروقين.
صفحة 2
لم تكن مديناً أمام الدولة بالغرامة، إلا لأن جارك العُفر؛ هكذا درجت على تسميته منذ يوم المحاكمة باسم كتاب صغير كان بين يديك، وإلا فإن اسمه هو؛ الغندور بن قزوان؛ المحترف قصاباً، لكنه المطبوع على فنون الإجرام من الغش والتطفيف في الكيل والميزان والخصام والعراك والشنآن.. فاجأك بضربة عاتية من رفش على كاهلك ذات مساء رمضاني، فلما شكوت أمرك مستنجداً بمن ظننتهم حماة أمن المواطن وضمانة سلامته من الاعتداءات، وجدت نفسك تدخل في متاهة، وتسير تائهاً في رواق مظلم طويل من الإجراءات التي أفضت بك إلى الوقوف متّهَما أمام تلك المرأة العانس؛ القاضية عيشوشة بوسطلة التي طالما ردد عليك المحامي البليد مرواني ماء الدفلى الذي أكل مالك بالمجان والحرام قوله: إن أصلها من مدينة سور الغزلان التي هي المدينة التي تنحدر منها أمه هو أيضاً، فهي خالته بشكل ما!.. إنها بنت العتال الشهير بوسطلة الذي كان يعرفه كل من يرتاد هذه المدينة المحافظة بغرض الزنا والفسوق والزهو والعياذ بالله، فهو لعنه الله ولعن أمثاله وأخزاهم جميعاً كان يتخذ من مكان قريب من باب دار البغاء مركناً لعربته التي كان يجرها حمار سقيم، والذي لا تنزع المخلاة من شيفرانه في أوقات الخدمة أبد العمر، وهو لذلك يتحتم أن يكون الدال لكل باحث عن تلك الدار، باعتبار مدخلها مموهاً ولا يحمل أي لافتة، رغم أنها كانت داراً رسمية للبغاء؛ لقد كان السكان المحيطون المغلوبون على أمرهم يطمسون ويتلفون آلياً كل لافتة أو شارة توضع لتنبئ عن المكان الموبوء، لذلك كانت صاحبة الدار تنفحه في نهاية كل شهر بجعالة، هي بمثابة أجر جزل يفوق ما يستوفيه من كراء العربة عن تلك الخدمة الجليلة المسداة، ولذلك لا يتورع عن أن يسأل مبادراً كل الذين يحومون حول المكان، وكل من يعبرون مجرد عبور، إن كان يبحث عن بيت الزهو؟.. ويشير فوراً إلى الباب المعلّى مع غمزة وقحة من حاجبه المشعر الكثيف، حتى ولو كان العابر لا يعينه شيء من هذا المحل المريب الموبوء.. ابنة هذا القواد القديم كما يروي المحامي التافه هي التي تحكم عليك أنت يا أبا الرضوان العلامة الشيخ أيوب، ابن الإمام محمد الطاهر الصابوري اللذين لا تسمع هي باسمهما قطعاً.. أنت أيها الشاكي الذي تحولت بقدرة قادر من ضحية إلى متهم بالضرب والجرح وباستعمال السلاح الأبيض، تحكم عليك هذه القاضية المنحدرة من الوباء بغرامة مالية ثقيلة وبمدة من الحبس، مع وقف التنفيذ لحسن الحظ، ضمن قائمة طويلة من الأحكام العشوائية في قضايا متباينة مضحكة ومبكية في آن واحد؛ من طلاق وإخلال بالحياء وفسوق ونفقة وسرقة ونشل وشجارات وقذف وتزوير... والتي كانت تتلوها هذه القاضية العانس من أعلى نظاراتها المنحدرة إلى أرنبة أنفها المقوس كالمنجل بلا مبالاة. كانت تتلو أحكامها في بداية الجلسة من بين ركام من الملفات التي كدست فوق المكتب عن يمينها وعن يسارها أهراماً، حتى ليظن الرائي بأن المدينة والمنطقة كلها متخاصمة وقد دخلت في سباب وعراك وقتال، ولم تسمع حكماً واحداً بالبراءة.. لقد ترك في نفسك يوم المحكمة جرحاً لا يندمل وإن طال المدى، ولقد رأيت الظلم يمشي متبختراً على قدم راسخة قادرة.. وكان الظلم الصريح هو الظافر القاهر..

لدى الخزناجي وجدت مبلغ الغرامة تضاعف بدعوى التأخر عن الدفع رغم أنك لم تتلق يوماً إشعاراً بحلول أجل الدفع الواجب.. ولم يكن لديك الخيار سوى التخليص الفوري حتى لا توضع كماشات القيود في معصميك كما قال الدركي العبوس ذو البثور الدامية من وراء شباكه الكابي..

أنت يا أبا الرضوان أيوب الصابوري ورّاق معروف في المدينة السهبية المشهورة لا برجالاتها الكرام الأسخياء ولا بعلمائها الأفذاذ ولا بأبطالها الأمجاد مع كثرتهم وإن تغافلت الدنيا عنهم، بل بكباشها الذائعة الصيت.. أجل أنت كـُتبيّ شهير، انطلقت في مستهل الاحتراف بائعاً متجولاً تبيع وتشتري الكتب القديمة في الأسواق الأسبوعية، واستقر بك المقام حين توافر لك محل غير منتظر، صار مع تتالي السنين معلماً مشهوراً في زنقة سبالة الوضوء، المقابلة للمسجد الجديد، وهي الزنقة المتفرعة شرقاً عن شارع جبل القعدة الذي هو الشارع الاستراتيجي الذي يشق المدينة إلى نصفين تقريباً، وبعضهم يسميها زنقة سبالة الضوء بسبب قيام العمود الكهربائي الوحيد على رأسها، والذي يعلوه مصباح فينيرها وينير الزنقة كلها، التي كانت في الستينيات مختصة في حرف عديدة؛ من صبغ للأصواف الخام والأصواف المغزولة المهيأة لحمة أو سدى، إلى دبغ للجلود وصنع لسروج الجياد وبرادع للبغال والحمير، ورشم لأجلة الخيل، إلى خياطة لبرانيس الصوف والوبر للأعيان والوجهاء وقشاشيب القطن والكتان للعوام والرعاء، إلى بيع لمصنوعات الحـَلفاء المختلفة؛ من أفرشة وزراعات وأجران وزنابيل وحبال دون أن تعدم محلاً لمصوغات الفضة وسط هذه الفوضى.. لكنها اليوم زنقة تقتصر على بيع الخردوات وحطام الأثاث القديم ومواد التنظيف، وقد تهدمت بعض البنايات ذات السقوف القرميدية فأزيلت وبقيت فراغات قرعاء صلعاء، أشبه بأنياب مغروزة في كتلة البناء المتراص المتلاصق العتيق..
صفحة 3
تقع الزنقة إذن بقصبة هذه المدينة السهبية أو شبه الصحراوية بالأحرى. لقد استهللت مهنتك النبيلة وأنت في السادسة عشرة من العمر حين أخرجت مكتبة والدك ـ ما إن صعدت روحه الطاهرة إلى بارئها ـ إلى السوق الأسبوعية وبعت ذخائرها النفيسة كما تباع الخضراوات التافهة في نهاية يوم السوق الأسبوعي.. كنت في المستهل تبيع الكتب حسب حجمها وحسب ما تزن المجلدات الصفراء في كفة الميزان. كان في ظنك يومئذ أن قيمة الكتاب تتجلى في ضخامة حجمه وثقل وزنه.. لم تستثن من البيع غير مصحف مهلهل لكنه نفيس في غلافه الجلدي المذهّب اللامع.. كانت المرحومة أمّ زهور ضرة أمك وزوجة والدك التي تركتك تعيث في البيت خراباً وفساداً، هي التي نهرتك بحزم عن بيع المصحف، وأقسمت عليك إن أنت بعت المصحف أن تذهب في وجه الأرض منكبة على وجهها تؤلب عليك الخلق ليتفرجوا على فعلتك الشائنة الشانئة، وتدعو عليك بالخسران اللاحق والبوار المقيم وقد عققت والدك المتوفى، وتوغلت في العقوق ببيع برانيسه وأغراضه ثم خزانة كتبه ثم تجرأتَ ومددت يدك لآخر ما تبقى من ذكراه العطرة؛ مصحفه الشريف الذي اقتناه بأعز ما في صرته يوم أن كان طالباً في الزيتونة لتعرضه أنت للبيع البخس في السوق النكدة مع أتفه الأغراض..

كانت رغم كراهية أمك لها وحقدها عليها حقداً أعمى، ومن غير مبرر ما عدا باعث الغيرة، امرأة حنوناً تقية القلب نقية اليد عفيفة اللسان، حزنت حزناً شديداً على وفاة والدك بخلاف المرحومة أمك المدعوة الخامسةـ سميت الخامجة فلما أدركت الدنيا، صارت تخجل من هذا الاسم اللامز المهين، فصحف لها أولو الألباب اسمها، بأن صاروا يدعونها الخامسة تعففاً من توهم اللمز والإهانة، لكنها في أوراق الهوية لا تزال تحمل اسمها الرسمي: الخامجة.. أمك التي لم تستطع أن تكتم زهوها وعاطفة التشفي التي غمرتها أثناء وفاة زوجها الذي هو والدك الذائع الصيت؛ الشيخ محمد الطاهر الصابوري وبعد غيبته الأبدية..

ضرة والدتك وتدعوها أمّ زهور، الأصيلة المحتد، الطهور، التي تذوب حياء وسماحة وتقوى، وتقطر سمعتها عطراً و تسمو روحها عفة وتنضح يدها كرماً.. المسكينة لم تحتمل الوحدة فذبلت قبل الأوان مثل ورقة الخريف وتهاوت صحتها، ولحقت بزوجها الذي كان أحد فطاحل العلم والجاه في المدينة بعد عامين من ذهابه في رحلته الأبدية للقاء ربه، وبموتها هي استعادت لجنة المسجد الذي كان يؤمه والدك السكن الوظيفي المريح الذي شغله، ووجدت نفسك حين تنزل بالمدينة مع صناديق كتبك تضطر للمبيت في الحمام الشعبي بجوار محل بوشناق، ذلك المسن الذي يترك شعره الأشيب المنبعث من قفاه ينساب مع لحيته بعناية في غدائر رمادية، فيضفي عليه ذلك كثيراً من الهيبة التي رسمها جبران خليل جبران في لوحته الشهيرة لابن خلدون ومن طابع الغموض وكأنه فيلسوف زمانه..

من هذه الواقعة المشينة ـ بيع مكتبة والدك ـ تعلمت حرفة بيع الكتاب القديم والتجوال به عبر الأسواق الأسبوعية، قبل أن تتوطد مكانتك وسمعتك حين مكنك ذلك المسن الغريب في شكله وملبسه وشعره المنساب إسحاق بوشناق من محله هذا الذي تشغله الآن؛ لقد كنت تنشر كتبك المصفرة في فسحة تحت الشجرة الخضراء على مدار السنة، التي لا تعرف حتى اسمها والتي تقف في الرصيف قبالة الحمام الذي كنت تضطر للمبيت فيه، وقبالة محل بوشناق الذي كانت لافتته تشير إلى أنه وكيل عبور، وهو نشاط مبهم لم تكن تفهمه كما ينبغي يومئذ وأنت في يفاعتك دون أن يدفعك الفضول أن تسأل أحداً مع ذلك عن معنى العبور..

تقدم إليك ذات يوم وسألك عن سعر كتاب عنوانه فيما تذكر «برتوكولات حكماء صهيون»؛ اشترى الكتاب ودفع الثمن دون مساومة مع أنك كنت دوماً ترفع السعر الأولي تحسباً لتلك المساومات البغيضة العنيدة التي لا فكاك منها، والتي تحدث دوماً أثناء عملية البيع مع الزبائن، وتلك حالة نادرة؛ فزبائنك الكرام منهم واللئام على السواء، قلما يشترون حتى يشبعوك مفاوضة ويوهنوك مساومة، أما هو فقد اشترى الكتاب من أول وهلة بالسعر الذي انزلق به لسانك، وذلك ما ارتحت له ومالت إليه نفسك.. وظل السؤال في رأسك عن طبيعة نشاطات بوشناق الفعلية عالقاً، فمحله كان خاوياً ولا يوجد فيه هذا الشيء الذي يسمى العبور، وقد كان المحل قبل ذلك معداً لنشاط غير النشاط الذي يمارسه هذا المسن الآن، بدليل واجهته الزجاجية الخاوية التي لا يُعرض فيها شيء ما عدا صورة لسفينة ضخمة محملة بمكعبات الحاويات..وقلما يدخل إليه المتعاملون، لكن ما لفت انتباهك أن المسن الغامض كان يتكلم في الهاتف كثيراً.. وشيئاً فشيئاً وجد فيك تسلية، وصار يتحدث إليك ويسألك عن مقدار مدخولك اليومي من هذا النشاط البسيط؛ بيع وشراء الكتب، ثم صار الرجل الشهم يسمح لك بإيداع صناديقك الكرتونية حين يحل الليل في محله الواسع بمقابل معتدل، بعد أن شكوت له جشع جاره صاحب الحمام، وأحياناً يتنازل إذا لاحظ أنك لم تكد تبيع شيئاً، وتبيت بضاعتك لديه دون مقابل بالمرة، بشرط أن تغدو باكراً لتحرير المحل من صناديقك.. كل هذا دون أن تعلم في البدء بأنه يهودي الديانة.. وأنىّ لك أن تعلم ذلك وسحنته لا تختلف عن سحنة سكان المدينة في سمرتها الفاتحة وتناسق سمتها، وكيف لك أن تدري وأنت قروي عشت كل طفولتك في قرية مرجة أيميس القابعة في السفح الغربي من جبال القعدة المتفرعة من جبال عمور، ولم تقدم إلى المدينة إلا بعد وفاة والدك الإمام العالم الذائع الصيت محمد الطاهر الصابوري مع مطلع الاستقلال.. لقد كان والدك في شهو حياته ومستهل انخراطه في حفظ القرآن متوسط الحال، وكان أجداده من العربان الرحل بقطعانهم وجمالهم، ولا تزال خيمة الترحال إلى اليوم مطويّة وموضوعة في ركن من بيت المؤونة مع أدوات الزراعة وأدوات نسيج والدتك الخامجة؛ عفواً الخامسة.. حفظ القرآن في جامع القرية المتواضع، وانحدر إلى زاوية بطولقة للتفقه في الدين، ثم تزوج بأمك في التاسعة عشرة من عمره، وما لبث أن عنّ له أن يلتحق بجامع الزيتونة، فلما أن عاد استصغر قرية مرجة أيميس واحتقر شأن جامعها الصغير المتواضع، وربما لم يعد في دخيلة نفسه راضياً بأمك في طباعها البدوية الشرسة، وغير مولع ببشرتها السمراء الداكنة، ولا مرتاحاً لهزال بدنها وضحالة عجـُزها، فأكثر من التردد على المدينة وتلقى عرضاً ليؤم القوم فيها بمسجدها العتيق، بحي فيض القطوط، في أعقاب وفاة الشيخ أبي قرة السنوسي، وسرعان ما زوجه وجهاؤها بأبهى بنت في المدينة؛ أم زهور ابنة أحد وجوه المدينة من آل ذياب أصهار الشيخ المتوفى، يردد الجميع قائلين: إنه ذهب لأهلها يخطبها لصديقه سي الشريف بن زراع، فقال له وجيه العائلة المرموقة السمعة:
صفحة 4
ـ سي الشريف بن زراع رجل كاسمه شريف، ما عندنا شيء نؤاخذه عليه لكن إذا حضر الماء ترك التيمم، وأنت ذلك الماء، لا الماء الطاهر فحسب بل الماء الطاهر المبارك المؤتى به من بئر زمزم المباركة، نحن لا نصاهر إلا الشيوخ، ويشرفنا أن تكون الشيخ المنتظر؛ خاطباً لنفسك أنت، وأنت الشيخ الخطيب في مسجدنا يا سيدنا وعالمنا ويا شيخنا محمد الطاهر الصابوري، ويرضينا أن يتصل عرقنا بعرقك النبيل ويمتزج دمنا بدمك الشريف، وأن تكون لنا الصهر المأمول كما كان المرحوم الشيخ أبو قرة السنوسي ونكون لك الأنسباء الأكرمين كما كنا له..

خضع والدك للعرض الكريم الجزيل غير المنتظر، وغضب منه صديقه ابن زراع وقاطعه الدهر وغادر الصديقان اللدودان الحياة دون أن يلتقيا أو يتصافحا أو يتصالحا رغم أن الحياة كانت من السعة والأريحية أن وفرت لابن زراع امرأة في جمال أم زهور بنت آل ذياب أو يفوق، وإن كانت لا تضارعها في السمعة والجاه، ذلك أن قضاء الله كان قد مضى، وكان والدك يردد على الخلق من غير كلل حين يلومونه في خيانته لصديقه ابن زراع آية زواج الرسول الكريم بطليقة زيد بن حارثة: «وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن تكون لهم الخيرة من أمرهم..».

كانت أم زهور بنت آل ذياب تملأ، بصيت بهائها وحسن تربيتها جنبات المدينة، وتستحق التضحية بالصديق ابن زراع، وبالخامسة الزوجة العجفاء في قرية ضبعة آيميس وبكل شيء.. كان الأمر بالنسبة إلى والدك قدراً مقدوراً ونعمة من الله أقبلت عليه من غير أن يسعى إليها، فكيف يجحد نعمة الله أو يرفض قدره وهو الذي يردد في صلواته سراً أو جهراً أمام المأمومين خلفه «وأما بنعمة ربك فحدث»..

كان والدك بعد الزواج بأم زهور يأتي قرية أيميس كل يوم أحد تقريباً يتفقد القطيع ويحاسب خالك محمد الشريف الصغير الراعي، ويسقي بنفسه متعاوناً مع أم زهور أشجار الجنينة المحدقة بالبيت في دأب وعناد مع أنها كانت قد سقيت منذ أسبوع فقط، وإذا حل موسم الغرس غرس شتلات أخريات يزاحم بها الأشجار الأخرى؛ فحيز الجنينة قد اكتظ بالأشجار والغرسات ولم يبق مكان شاغر صالح لمزيد من هوس الغرس، ويتشاجر في قلب الليل مع والدتك الرؤوم ويطول بينهما الجدال في الغسق البهيم، وقد تنام أنت وتترك صدى جدلهما يتوارد عليك في غرفتك ويؤلمك ويخيفك حين تشتط الوالدة، وتصرخ في وجه والدك تطالبه في غضب يقطعه عويل بالطلاق، وقد يمتد تخاصمهما في أحلامك فتستيقظ مذعوراً على كوابيس فظيعة.. هما يتجادلان فيما لم تكن تفهم له سبباً وجيهاً يومئذ؛ لقد كان والدك، والحق يقال، قائماً، ويأتي بكل جديد قشيب من لباس لك ولها وحتى للراعي خالك محمد الشريف، المدعو محمد الصغير والذي لا يعرف إلا بالصغير، ويرفه عن البيت بكل لذيذ من مأكل ومشرب، ويهب لها المصروف الكافي عن الحاجة، بل والضافي، فما سبب هذا الخصام الأهوج الأبدي؟.. ثم يعود الغداة إلى مسجده في المدينة مودعاً بالسباب المشفوع بالعبارات العدوانية من والدتك التي كان لا يعطي لسبابها كبير بال، بمجرد أن يركب بغلته الشهباء، وربما ردفته عليها أم زهور زوجته الحسناء في عجارها الأبيض اللماع، أم زهور التي كان يأتي بها أحياناً ليتباهى بكمالها وأناقتها أمام العشيرة وليزيد من حنق أمك، فيلهب كاهل البغلة وعنقها بعصب الثور المبرح، فتنطلق في خبب أشبه بالرقص الموقع على أحسن آلة من آلات الموسيقى الريفية: الربابة. لكنه في الصيف، وحين مُهدت الطريق وعبدت بالإسفلت، وكانت قبل ذلك مجرد ممر مترب، كان يأتي بأم زهور في سيارة يكتريها قبل أن يشتد أوار الثورة، ويمكث في القرية أياماً كثيرة طويلة، قد تمتد إلى الشهر تقريباً، وحينئذ تستقيم له الحياة مع أمك الشموس، وتفرض أم زهور شخصيتها بلباقتها المعهودة وتسامحها وتسامي أخلاقها وتفانيها في الخدمة، فلا تجد أمك منفذاً تنفذ منه إليها، وكثيراً ما يحدث والدك بعض الترميمات أو الطلاء في البيت الموروث عن الجد وتنخرط هي معه في العمل كالفراشة في طواعية وحبور وحدب، كما لو كانت رجلاً.. وتعرف أمك تفوّق ضرتها عليها في دخيلتها دون أن تعترف بذلك.. كانت ذات عجز كالبرميل وصدر مفعم، ومع ذلك كانت ذات يدٍ تتقن كل شيء، وذات ساقٍ مشمرة تسعى في كل شأن، وكانت ذات همة عالية وأخلاق لا تجارى..

لقد تنازل لك الفيلسوف المسن إسحاق عن المحل أولاً، ثم عن السكنى التي فوقه لما قرر أن ينهي نشاطاته في الجزائر ويغادر البلد نهائياً، دون أن تدري وجهته بعد حرب 5 حزيران/ جوان 1967.. الغريب أنه لم يكن مالكاً لا للمحل ولا للسكنى، بل كان مجرد مكتر، وقال لك في آخر مرة رأيته يصارحك على غير العادة شاكياً بمرارة مفصحاً عما كان يختزنه في ضميره، وكنت تراه بسطحيتك وقلة انتباهك يذهب في حياته مذهب كل الناس؛ قال إنه قد درج منذ الاستقلال أن يجد كل صباح كتابات عنصرية على باب بيته الذي لا يبعد كثيراً عن سور دار البلدية القديمة تشتمه في دينه وتهدده، وتدعوه إلى الرحيل إن أراد أن يبقي على حياته ليعيش ما بقي له من العمر، وكأنه هو الذي احتل فلسطين في عام 48 ثم بقية القدس والضفة، وهو من اجتاح سيناء، وهو من استولى على الجليل في 67.. الناس يا أيوب في بلدك الجزائر قلما يفرقون بين الديانة الموسوية التي يقرها القرآن ويمجدها وبين الكيان الاستعماري الاستدماري الصهيوني في فلسطين والحركة العنصرية الصهيونية ذات النزعة الاستعمارية المنحطة.

هل آثرك لظنه أنك تعرف حقيقته اليهودية ومع ذلك كنت تركن إليه في شؤونك وتستشيره أحياناً، في حين أنك لم تكن، في الواقع، تعرف حقيقته اليهودية بالمرة؟..تحصلتَ على وصل كراء العقار من محل وسكنى باسمك بعد أن دفعت للمسن الطيب إسحاق عشرين ألف فرنك قديمة ـ كان مبلغاً باهظاً يومئذ في نظرك وكانت أمك كريمة معك متفهمة حين سمحت لخالك الصغير أن يجلب إلى السوق عدداً من رؤوس الأغنام حتى يوفر لك ذلك المبلغ الباهظ ـ قال لك اليهودي بأنه سيدهن بذلك المبلغ السير ليسير لدى أعوان تسيير الأملاك الشاغرة لأنك لم تبلغ يومئذ تمام السن القانونية التي تسمح بتدوين عقد كراء المحل والسكن باسمك.. وأنت لا تدري على الحقيقة ما كان الأمر، لكنك سعدت كثيراً بالمحل وبالسكنى التي فوقه.
صفحة 5
لم تطل بك الأيام حتى اشتهرت في المدينة باسم العلامة الشيخ أيوب الصابوري مع أنك كنت شاباً، وإن كنت تتكلف وضع طربوش أحمر مائل على رأسك تنزلق من أعلاه على أحد جوانبه شرابية سوداء مثل عرف، وهذه الشهرة جاءت بفضل إرث اسم والدك بالمدينة، وبفضل الاستقرار في هذا المحل المحترم الذي ورثته عن المسن المغادر إلى وجهة غير معلومة إسحاق بوشناق.. لقد سماك عملاؤك ورواد محلك باسم العلامة لا لعلمك ولا لفقهك؛ فتعليمك لا يسمح لك بأي لقب ولا يتعدى حفظ الربع الأول من كتاب الله في الجامع بمرجة أيميس، إذ حين أراد والدك أن يلحقك بالمدرسة في المدينة اعترضت والدتك بشدة بدعوى أنك أنت رجلها في القرية تؤنسها وتقضي لها مآربها اليومية مع أن «الصغير» أخاها هو الذي كان يقوم بكل شيء تقريباً، ورأى والدك أنها كانت على صواب، فترك الحبل على الغارب، ولم يول اهتماماً لمصيرك رغم أنك كنت وحيدهما.. فأنت اليوم علامة لتبحرك في معرفة أسماء الكتب العربية؛ قديمها والحديث وفي كل العلوم العقلية والنقلية والأدبية، وتعلمت منها ما لم يخطر لك ببال يوم بدأت الحرفة، لكن واأسفا!.. ها هي هذه الحرفة التي قلّ من يعرف قيمتها قد أخذت تبور في السنوات الأخيرة، وها أنت شرعت خطوة بعد أخرى تستبدل بيع الكتب بأشياء أخرى، فتبيع العطور الطبيعية، وعطور المسك المغشوش، وأعواد السواك المهربة من منطقة الساحل ومن نيجيريا خصوصاً، وبعض أشرطة خطب رجال الصحوة المزعومين ودروس زعماء جماعات الهجرة والتكفير القتلة، وشيوخ الجماعات السلفية، وأشرطة المنشدين.. وتتخلص شيئاً فشيئاً من الكتاب العصري الجدي والمثقف، رفيق العمر، وخير أنيس في الدنيا وخير جليس في الأنام؛ ويتغيب بخاصة الكتاب الفكري النقدي والمثقِّـف المنمّي للعقل والذكاء، وقد غدا الكتاب اليوم على وجه العموم في بلدك بضاعة كاسدة باستثناء بعض كتيبات البلاهة والغباء من كتيبات الشعوذة والرقية والسحر، وبعض الكتب المنذرة بأهوال يوم القيامة، أو المبشرة بالحور العين، وفي أحسن الأحوال بعض الكتب التي تتحدث عن الطب النبوي أو التداوي بالأعشاب، ولم يبق من الكتب الحية المرتبطة بالناس وتجاربهم وخبرتهم وعلمهم في هذه الحياة الدنيا سوى بعض كتب البطن أو الطبخ التي تقتنيها النساء خصوصاً في شهر رمضان أو في المواسم والأعياد والأعراس..

أجل، أنت لم تضع قدمك في أي مدرسة ما عدا ما حفظت من سور من القرآن في الجامع.. لكنك تثقفت بفضل المكتبة وصرت تجادل وتناقش رجالاً متعلمين أمثال المرحوم برهوم بن إبراهيم الذي طلب منك بلباقة أن تتخلى عن الطربوش وأن تواجه الحياة عاري الرأس حراً، واستجبت له وودعت الطربوش إلى غير رجعة، والأستاذ السوري الأصل الذائع الصيت حيدرة الخولي والد الصبي باديس الذي قضى طفولته في حجر طاووس الحنان زوجتك.. كنتَ في الستينيات تشتري وتبيع بعد أن تقرأ قصص جرجي زيدان التاريخية مثل العباسة ،غادة كربلاء، عذراء قريش، عروس فرغانة، فتاة القيروان، شجرة الدر... وغيرها من القصص التي يدس فيها الرجل، كما يقول صديقك، الذي هو بطريقة ما أستاذك أيضاً: برهوم بن إبراهيم.. « زيدان يمرر بيد فنان قدير بعض الارتياب ويغمس بعض الشكوك في تاريخ المسلمين، فيقوم حيناً بتضخيم بعض الأحداث الصغيرة أو الثانوية وتمطيطها.. يكشف المستور وينتهك الحرمات والعورات.. يُكري حيناً بعض الأحداث الجسام ويوجزها في سطور، ويخفي الإنجاز الحضاري أو يتفّه وجاهته أو يحيل فضله أو أصله إلى غير المسلمين..»، ولكنها بالنسبة إليك رغم هذه الهنات التي عددها الأستاذ برهوم إن صحّت، قصص في الحصيلة النهائية تثري لغتك وتحيلك على الأصول من الكتب، فتوسع معرفتك بما أومأ له في قصصه. هو ـ جرجي زيدان ـ الذي وجّهك إلى قراءة سيرة ابن هشام وكتاب الأغاني، وكتاب مروج الذهب للمسعودي وكتاب تاريخ الطبري... لقد كان ذا يد بيضاء على اللغة العربية..

كما كنت تشتري وتقرأ ثم تبيع كذلك مؤلفات جبران خليل جبران مثل دمعة وابتسامة، والنبي، وكتب ميخائل نعيمة من بيادر، ومن نور وديجور، ومن غربال. وأشعار إيليا أبي ماضي، في جداولها وخمائلها. ومعربات روايات المنفلوطي العاطفية من ماجدولين إلى العبرات إلى الفضيلة إلى الشاعر.. وعبقريات العقاد وأيام طه حسين، وعصفور من الشرق لتوفيق الحكيم فضلاً عن مسرحياته الخالدة، وفجر الإسلام وضحاه وظهره لأحمد أمين...

ومع السبعينيات صرتَ يا أيوب إضافة للمؤلفات السابقة تعرض للبيع مؤلفات من الأدب العالمي من قبيل: الأم لغوركي، والحرب والسلام لدويستوفسكي، والمفتش لغوغول. ولمن تقرع الأجراس، والعجوز والبحر لهمنغواي والأم فيرتر لغوته... والبحث عن الزمن المفقود لبروست، ودروب الحرية لسارتر، وإميل لروسو، والأسرة المقدسة لأنجلز.. ومؤلفات من الفكر الإنساني مثل العقل المجرد (المحض) لكانط، ورأس المال لماركس، وثروة الأمم لآدم سميث، وهكذا تكلم زرادشت لنيتشه واللامنتمي لكولن ويلسون...

لكن مع الثمانينيات صار المتعاملون معك يأتونك، وبصفة مفاجئة، بمؤلفات ابن تيمية وكتب الغزالي الكبير، والغزالي الصغير وكتب القرضاوي وتفسير سيد قطب للقرآن، وكتب الألباني وشتى كتب المذهب الوهابي الصادرة في السعودية، وكثير من الكتب الجهادية الدينية من عصور الانحطاط التي تطبع في إسطنبول وتوزع مجاناً، فيبيعها لك المستفيدون منها بأبخس الأثمان.. وقد أعطيت عناوين الناشرين لها إن شئت أن تتحصل على ذلك السيل من المطبوعات والمطويات بالمجان، لكنك فهمت المسألة كلها.. فمن الجلي والبديهي أنها مؤلفات منتقاة من عملاء المخابرات الأمريكية وممولة من عائدات نفط الخليج السائب المسيب، والقصد من نشرها على نطاق العالم الإسلامي ليس حباً في العقيدة الإسلامية أو في الحضارة الإسلامية، بل هو محاربة المد الشيوعي في بلاد الأفغان وغيرها بتمديد السبات العقلي وتعميقه في جسم الأمة إلى أجل غير مسمى، بدفع الشبيبة المسلمة إلى العيش في سراب بقيعة، وفي غيتوات الماضي المنحط، وصرف عقول الشباب عن شؤون العصر وضروراته وصيرورته..
صفحة 6
مساء الأمس بعد العصر أي يوم 14 تشرين الثاني/نوفمبر 011 2 جاءك والد باديس، الأستاذ حيدرة الخولي، وهو ليس مجرد صديق بحكم قرابة بين زوجته وزوجتك، بل صاحب قلم شهير ينشر مقالاته وإبداعاته في مجلات مشرقية سواء في بغداد قبل أن ينخرط العراق في الحرب العبثية المدمرة، الحرب بالوكالة ضد الثورة الإيرانية، أو ينشر في بيروت، وله مقالات منشورة باسم جزائري مستعار في مجلة «الثقافة» الجزائرية حتى منتصف الثمانينيات من القرن الماضي.. كما صدرت له بعض الكتابات الإبداعية التي لم تحقق الرواج الذي كان يأمله.. جاءك وقد رأى بوادر الدمار، وشام الخراب الذي تسير فيه بلاده الأصلية سوريا، والأرواح التي تسقط يومياً بالرصاص القومي!.. جاءك يتوكأ على عصا بيد، وبأخرى يحمل حقيبة مثقلة.. هو مثقف سوري الأصل كان يحتل منصباً سامياً في الدولة السورية أبعده حافظ الأسد الذي انقلب على الرئيس الأتاسي، فآوته الجزائر كما آوت إبراهيم ماخوس وزير خارجية حكومة الأتاسي، وما عتّب أن التحق بالتعليم ونام عن المعارضة المباشرة، وتوارى في هذه المدينة الداخلية بعيداً عن الأنظار وعيون الاستخبارات التابعة لبلده الأصلي، وتجنس بالجنسية الجزائرية بعد أن طال به المقام وطابت له الحياة، وبعد أن تزوج بمعلمة؛ امرأة جزائرية من هذه المدينة وأنجب منها أبناءه زنوبيا وبشارة وغسان (باديس). وزوجته جهيدة ترتبط بصلة قرابة نسوية، مع زوجتك طاووس الحنان..أنت لم تفهم قط تلك القرابة مع أن طاووس اجتهدت مراراً في شرحها لك، ولهذا تتبادل العائلتان الزيارات وتستقبل في بيتك الأستاذ حيدرة مع حرمه جهيدة استقبالك لأصهارك، كما يستقبلانك في مسكنهما بحي فيض القطوط المقابل للمسجد العتيق الذي كان يؤمه والدك.. بل إن طاووس حين أنجبت قريبتُها جهيدة ـ خطأ في الحساب ـ ابنها الثالث غير المرغوب فيه الذي سماه والده غسان، وسمته أمه جهيدة باديس قد استقبلته بسرور، مصممة أن تتبناه وأن تتخذه ولداً لولا أن صدر في تلك الآونة القانون الذي يمنع التبني ويؤسس لقانون التكفل بديلاً.. وحينئذ تراجعت طاووس الحنان عن التكفل عقلياً على الأقل؛ فالولد لا يحتاج إلى التكفل في رأيها، إذ أبوه حيدرة أستاذ مرموق وأمه معلمة.. والتحق الولد فعلاً بأسرته الأصلية بعد التحاقه بالتعليم المتوسط، لكنه ظل يزور خالته التي يناديها أمّه طاووس من حين لآخر حين تلح عليه أن يناديها بذلك، وإن كانت طاووس دخلت في حالة من الهياج الوجداني، ومن تفكك وحدة الشخصية والشرود كلفتها بعد ذلك أسقاماً بدنية. لقد نظرت إلى المسألة كما لو أن الطفل عزل عنها بالقوة مع أن الصبي ذاته وجد راحته التامة في عودته إلى أسرته الطبيعية والفعلية التي ظل على اتصال معها ولم يحرم منها في الأصل، وبالتأكيد وجد في العيش مع أخويه بشارة وزنوبيا الجو المناسب له.

حيدرة الخولي لهذه الصلة العائلية، ورغم مقامه أستاذاً ناجحاً وكاتباً شهيراً لا يستنكف أن يزورك في هذا المحل أحياناً لمجرد الجلوس، وليتناول معك فنجاناً من القهوة التي غُمِّس فيها فرع ندي من الشيح وفق العرف المحلي، والذي يزيد القهوة نكهة مرة إلى مرارتها الأصلية، ولتتبادلا الأفكار والهموم والتعليق عن الأحداث الجارية.. كانت الحقيبة مرصوصة بالكتب والمجلات، حتى إنه لم يستطع أن يجر سحّابها الغليظ، بهدف إغلاقها، فبرزت بعض الأغلفة الفاقعة اللون التي تنبئ عما في الحقيبة.. لقد أراد الخولي التخلص منها ببيعها ولو بأبخس ثمن بعد أن قرأها مراراً واستهلك مادتها، لا الفكرية فحسب، بل وحتى الورقية تقريباً؛ كانت كتباً ومطبوعات مهلهلة كثرت الخربشة والتعاليق بمختلف الألوان في حواشيها، بل وحتى في متونها أحياناً. لقد كان يضع ملاحظات أو يدوّن على متنها رؤوس الأقلام التي يدبجها فيما بعد في مقالات، وهي غالباً ما تكون رد فعل لما يقرأ.. لكنه لم يشأ التخلص منها لمثل هذه الأسباب الموضوعية، بل لأن هذه الكتب فقدت اليوم كل طعم، وفقدت وجاهة الوجود ذاته وقد هبت هذه العاصفة على البلدان العربية والتي يسميها بعضهم بالربيع العربي، وراحت تفرز أوضاعاً فكرية ووجدانية غير الأوضاع التي تهتم بها هذه الكتب، فهو في الواقع، ومن حيث يشعر، أو لا يشعر يريد أن يعدم في فكره ووعيه مضامينها الحالمة.. وضع الحقيبة المثقلة على الطاولة ومد لك يداً متغضنة راجفة ليصافح، وقال في نبر حزين يائس يستقطر الدمع:

ـ أين كنت طوال الصبيحة يا أبا الرضوان؟..

(..بالمناسبة هو الذي أطلق عليك هذه الكنية؛ أبا الرضوان، من هذه الكنى التي يتكنى بها أهل المشرق وهو الذي كنى زوجتك بأم الرضوان)، وأضاف دون أن يمهلك لتجيب عن استفساره:

ـ لقد جئتك بهذا الحمل الثقيل، واضطررت أن أستودعه لدى جارك بائع الخردوات.. ولم يكن هاتفك النقال يرن؟..

ـ كنت يا أبا بشارة في منطقة خارج التغطية.. كنت في ضبعة أيميس!..

أشار إلى الحقيبة التي بالكاد وضعها على حافة طاولة المحسب الغليظة وقال متأففاً:

ـ خلصني منها يا صديقي أيوب، إنها آخر ما يربطني ببلاد الشام التعيسة، وقد استبيحت دماء أهلنا من جديد هناك، وهتكت أعراضهم ودمرت البيوت على رؤوسهم، وانتهبت أموالهم في ربوعها.. الكل يريد أن يقتل الكل..

ـ ليس عليك يا أخي حيدرة.. هو ليل تعيس وتحدّ كبير، لكنه ربما يسفر عن صبح مشرق جديد؟..
صفحة 7
سكت عنك الشيخ المهموم حتى ظننت أنه لا يجد ما يقول في الهم الذي تتحدث عنه من شروق أو غروب.. مرر يده المتغضنة على جبينه الذي ارتسمت فيه انكماشات الشيخوخة وتجاعيد التعاسة واليأس وخيبة الأمل المريرة قبل أن يضعها ثانية على الحقيبة الحبلى، ثم أنشأ يقول مسترسلاً في حزن عميق:

ـ أنا ممن ظل يطالب بتغيير النظام بقلبي وبقلمي، لا لأني كنت أحد ضحاياه فحسب بل منذ أن تخلى عن الجولان المحتل، ثم راح يدخل في صراعات هامشية ولكنها مدمرة.. وقف ضد المقاومة الفلسطينية بشراسة في لبنان في منتصف السبعينيات، وارتكب هناك في تل الزعتر وفي سهل البقاع وفي غيرهما مجازر ينفطر لها ضمير الكون، ويندى لها جبين الأرض، لكني بصراحة لا تعجبني هذه الطريقة البدائية في الاحتجاج والتي تفتح الأبواب بكل مصاريعها على كل احتمالات الانهيار، ولأنهار الدماء وبراكين الدمار.. تحريض الجند في الجيش النظامي على الانشقاق أخطر خيانة ترتكبها المعارضة المشبوهة المقيمة في الفنادق ذات الخمسة نجوم.. نعم من الضروري الاحتجاج على الاستبداد في الحكم، لكن يجب أن يكون احتجاجاً مدنياً صرفاً خالياً من جميع مظاهر العنف المسلح وغير المسلح، ومن كل العنتريات العسكرية أياً كانت، وخالياً بصفة مطلقة من السلاح مهما كان بسيطاً.. من المستفيد من تخريب مؤسسات الدولة مثل المؤسسة العسكرية من خلال الدعوة للانشقاق؟..طريقة الخميني ماثلة في تغيير الحكم، وطرق إزاحة الدكتاتوريات في الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية سابقاً معلومة.. وقبل ذلك طريقة غاندي في مقاطعة الوجود الاستدماري الإنكليزي مشهورة.. الصدور العارية الشجاعة هي الوحيدة التي تسقط الأنظمة الديكتاتورية المستبدة دون أن تدمر البنية التحتية للدولة في مختلف مؤسساتها.. المقاومة السلبية هي السبيل الصحيح لقهر أولئك المتجذرين الراسخين في الكراسي.. لكن الشهوة إلى السلطة لدى جميع الأطراف سلطة ومعارضة لا تترك للإنسان عقلاً ولا منطقاً.. لقد رأينا ملامح التجربة الدموية الليبية تتكرر في سوريا. وما الفائدة من قلب نظام حكم مستبد، من أجل قيام نظام الفوضى إذا صح أن للفوضى نظاماً، وما الجدوى من قيام الحكم الذي ينهض على الانتماء القبلي والعشائري العصبي بدل الحكم القائم على رعاية مصالح الوطن العليا وقيم العصر من حرية وعدالة ومساواة وتضامن وتداول على السلطة.. ثم إن الصبح لا يأتي إلى المشرق من الغرب المكبل بعقد الماضي الاستدماري يا صديقي أبا الرضوان.. رأينا صبح عميل أمريكا كرزاي المتعفن في أفغانستان، ورأينا في العراق صبح عميل الغرب شلبي المدمر، وعميل إيران المالكي الحاقد وصنيعي الشوفينية الضيقة: البارزاني والطالباني المشرذمين.. كل أولئك الذين جاؤوا بغداد على ظهر الدبابة الأمريكية مؤسسين لميليشيات قاتلة ومتناحرة.. من يقوم بأغلب التفجيرات اليومية في العراق؟.. إنهم هم أنفسهم أولئك الذين جاؤوا على ظهر الدبابة الأمريكية.. أنظر إلى ما آلت إليه ليبيا التي قيل إن الناتو حررها من جنون القذافي.. نحن اليوم نلمس باليد صبح بالحاج الحارق في العزيزية، ونتقرى بأصابعنا صبح عبد الجليل الخانع في طرابلس، ونتفرج على دمى ساركوزي القوادة في بنغازي..

أفرغتَ يا أيوب الحقيبة ونشرت مع الأستاذ حيدرة البضاعة على طول الطاولة التي لم تكفِ، فظلت بعض الكتب مكومة؛ كانت مجلدات وكتباً ومجلات تنتمي إلى عقود الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن الماضي؛ يا لها من بضاعة كاسدة!.. مؤلفات تبشر بالعروبة وتمجدها.. من يشتري اليوم من القراء في الجزائر أو غير الجزائر مؤلفات الحصري وميشال عفلق عن القومية العربية، ومؤلفات دعاة الوحدة العربية في العهد الناصري عن الحرية والاشتراكية والتقدم، وعن العروبة والنهضة العربية ودور أمة العروبة الطلائعي في ريادة البشرية؟.. من يشتري مثل هذه الأحلام الطوباوية التي تنكرت لها الأيام، وفندتها الأحداث، وقد صار واضعو العقال العربي على رؤوسهم في جزيرة العرب هم المتحمسون لاستجلاب القوات الأجنبية لحماية إلياتهم المترجرجة، وحماية ممالكهم الكرتونية، ولتسييج إماراتهم الغارقة في التهام زهر اللوتس والقات والحشيش بالعَمَلة الأسيويين صوناً لها من شعوبهم، ثم الاستئساد والتحرش تحت حماية جند المارينز الأمريكيين على إخوتهم المتردين في وهدة تقليد الممالك الغبية في توريث الأوطان لأبنائهم أو التحرش بجيرانهم العجم ممن يملك مشروعاً مستقبلياً، ويتطلع إلى إرساء البناء الوطني على أسس العلم والتكنولوجيا كما في إيران، وإلى الديمقراطية والاستقلال والتقدم وفق مقتضيات العصر وضروراته بعد ذلك كما في بلاد أتاتورك وأردوغان..

صارت كلمة البعث في العراق تهمة وشتيمة من أقبح الشتائم وأحط الرذائل، لا لشيء سوى لأن صدام استعملها تكأة ووجاء لعورات حكمه المستبد، وصارت عبارات القومية العربية، أو الأمة العربية أو الوحدة العربية نوادر ساخرة من نوادر جحا المضحكة أو المبكية سيان...

كان الأستاذ حيدرة قد استولى عليه الغضب الأسود فتدفق يخطب بلهجته السورية ولا يريد أن يسكت، وقد نسي تماماً تلك الكلمات والألفاظ من اللهجة الجزائرية التي يتعمد استعمالها ليثبت تأقلمه ورسوخ قدمه في البلد بحيث لا يستنكف عن استعمال بعض الكلمات المقلوبة من قبيل «معهم» التي تغدو «عماهم»! ومن قبيل الغين التي تنقلب إلى قاف وتصبح عبارة مثل «غير هنا» قد تحولت إلى «قي هنا»!.. ولم تعد يا أيوب قادراً على الإصغاء إليه ولا أن تفهم ما يهدر به، وقد صرفت عقلك عنه فكان منشغلاً مركزاً على هذه الموجودات فوق طاولة المحسب، وقد نسي هو ذاته ما جاء من أجله، فقاطعتَ هزيم رعده الراجف وقلت تشكو:

ـ أعرني أذنك لحظة يا أستاذ حيدرة، يا أبا بشارة.. وماذا تريدني أن أفعل بهذه الرمم البالية؟..

تنفس على واقع الحاضر المحايد، وقد اكتشف أن خطابه الصاخب المنفعل كان في فراغ بئر جوفاء ليس بها ماء، فعاد لتقع عيناه الغائرتان على كومة كتبه وقال في خيبة مسار حياة بكاملها ومصير فكر بكماله وتمامه:

ـ جئت بها إليك يا أبا الرضوان لتصلح وترمم ما يمكن ترميمه وتعرضه برسم البيع.. لا أريد منك الآن شيئاً.. بع بالمزاد..ولا تتردد في البيع للمزايد الأول لا الثالث، ولو بالدينار الرمزي!..
صفحة 8
ـ يا أستاذ حيدرة!.. من تظنه يزايد على خردة أشبه بنفاية؟..

لم يكن الأستاذ حيدرة يفهم ما تعنيه، فقال في جدّ وقد اشتط غضباً:

ـ في قلب النفاية قد تجد ماسة تلمع!..

ـ وقد تجد خــ... يصفع!..

ولم تكمل اللفظة الخبيثة احتراماً للمادة الفكرية للكتاب أياً كانت طبيعة الكتاب.. فأنت تقدس الكتاب تقديساً يفوق تقديس الخبز.. وخرج بكما الحديث عن عالم الكتب إلى جوانب شتى من الشؤون، وشكا إليك سلوك ابنه الذي يسميه هو غسان، وتسميه أمه جهيدة وطاووس الحنان عجوزك الطيبة؛ باديس..

ـ إنه مدمن!..

باديس عاش شطراً من حياته الأولى في بيتك، أيكون هذا الحديث نوعاً من اللوم المبطن على سوء التربية التي تلقاها الصبي عنك، وقلتَ توصي في حرج:

ـ هو خريج جامعة، عالجه بالحسنى، سواء لدى النفسانيين أو في المستشفى إن اقتضى الحال..أو سرّع في أمر زواجه، سمعت خالته تتحدث عن صبية تلازمه.. أخطبها له واربطها به، هذا الحل المثالي.

ـ لا أعني هذا يا صديقي، إنه منغمس في ملاحقة مواقع الشبكة العنكبوتية المتاجرة بأفيون الغافلين:الديانة، وتدعو إلى سفك الدماء تحت ستار إحياء الركن المغيب من الإسلام:الجهاد!.. المشكلة أن جهادهم المزعوم يريدون أن يخوضوه في البلدان الإسلامية ذاتها.. أن يعيدوا أسلمة من هم مسلمون أصلاً وفق فهمهم المحنط للإسلام الساكن..

****

في الغد بعد العصر، وقد عدت يا أيوب من قرية مرجة أيميس بعد أن دفعت الغرامة لدى الخزناجي في المدينة، وبلّغت الوصل بالدفع للدرك الوطني في القرية، رفعت ستارة الزنك الرمادية عن واجهة المحل وشرعت تفرز بقية كتب الأستاذ حيدرة التي تركتها البارحة مكومة تقريباً على طاولة المحسب. لقد تخلى باديس بن جهيدة، أو بالأحرى غسان بن حيدرة عن مساعدتك منذ أن تم توظيفه في ما يسمى بالشبكة الاجتماعية، ألحقوه بإدارة مؤسسة مالية، وهو لا يكاد يعمل شيئاً مفيداً، لأن تكوينه تقنياً سامياً في البترول لا يناسب البتة وجوده في تلك المؤسسة، ثم إن المستخدمين لا يسندون إليه المهام المجدية.. إنه في بطالة مقنّعة ومفتوحة، أغلب ساعات الدوام لديه يقضيها مبحراً معربداً في الشبكة العنكبوتية، ويقبض مقابل ذلك الحضور الشكلي والدوام المقيت، الذي هو أقرب إلى قتل العمر هباء، منحة بـ1500دينار. كان قبل ذلك هو الذي يداوم في الوراقة أثناء غيابك، وهو الذي سعى لتزويد محلك بخط الإنترنت.. وفي الواقع فإن الإنترنت هي التي رغبته في المحل وجعلته يداوم لك ساعات متطاولة عند اضطرارك للغياب، يزعم أنه يتصل بحثاً عن منصب عمل في حقول البترول والغاز بالخليج.. الأجور هناك خيالية لمن يبتسم له الحظ.. أنت لا تفقه شيئاً في ذلك العالم الإلكتروني المعقد، ولم تكن تستطيع حتى مجرد الدخول إلى المواقع، فما بالك بالإبحار في تلك العوالم الصاخبة.. باديس نفسه هو من لقنك بعض المبادئ، وصرت تتصفح بعض المواقع الخاصة بالمكتبات وعالم الكتب..الفتية والشبان أمثال باديس يتحكمون في هذه التقنيات ببساطة متناهية.. ويستوعبون بسرعة وذلك ما يفتقر إليه الشيوخ أمثالك وأمثال صديقك الأستاذ حيدرة الذي لا يزال يعبر ما يكتب بالقلم ولا يستعمل الحاسوب البتة.. لكن الشبان غالباً ما يتيهون في ذلك العالم الافتراضي الصاخب، وها هو الأستاذ حيدرة يشكو إليك ضياع ابنه بين المواقع الداعية للكراهية والتشرذم المذهبي، والقتل باسم الجهاد!..

لمحتَ يا أبا الرضوان ظلاً يقف أمام الواجهة متلصصاً كما لو كان يتفحص المعروضات من وراء الزجاج، لكنه كان من حين لآخر يشرئب بخطم مفرطح هو جل رأسه نحو الداخل ليرمقك ويرمق كل ما في داخل المحل، ومع ذلك يتوارى مثل اللص ولا يريد أن يدخل.. رفعت عن عينيك نظارات القراءة التي كنت تتصفح بها كتب الأستاذ حيدرة، بدا لك بوضوح كاف من زجاج الواجهة الداخلي المقعر خطمُ عفر بنابيه البارزين.. اندهشت للأمر وسعيت نحو الواجهة تستجلي الأمر، لم يكن هناك شيء ما عدا أحد الأشخاص أعطاك ظهره وراح يخطو بسرعة ويتخفى بجذع الشجرة الهرمة التي تزين الرصيف الضيق الذي لا تزال أشغال تبليطه قائمة.. لكن المئزر القصير المتسخ الملطخ بلون الدم الأسود أنبأك عن هوية صاحبه؛ إنه جارك اللدود هناك في مرجة أيميس، العُفر الغندور بن قزوان.. ما الذي جاء بالغندور العُفر من القرية النائمة؟.. هل تتبعك طوال مشوارك على مسافة أربعين كيلو متراً دون أن تنتبه له، وما الذي يريد منك الآن بعد أن أشبعك ضرباً برفشه في تلك الأمسية الرمضانية، ثم ألحق بك أضراراً مادية ومعنوية فادحة ومنها أنه سوّد لك، بذلك الحكم القضائي التعسفي، صحيفة السوابق العدلية التي تخصك وأمسيت في رتبته الوسخة، صاحبَ سوابق عدلية قذرة مثله؟..
صفحة 9
عدت إلى الكتب تفرز وترمم بالغراء بعضها، هذا كتاب ساطع الحصري «الإقليمية جذورها وبذورها». عاد شبح خطم العُفر يملأ الواجهة في عناد، ويسد على المارين مشاهدة المعروضات من بضاعتك.. كيف لك وأنت الشيخ في السبعينيات أن تزيح هذا العُفر بخطمه القرمزي المترب المسلح بنابين معقوفين كالمدرى؟.. بعض الأوراق في الكتاب منفصلة ومنفلتة من مكانها لا بد من إعادتها وترتيبها في مكانها وتثبيتها بالغراء اللاصق.. تلاشى شبح الخطم من الواجهة كما لو تبخر بمجرد أن دلفت امرأة مجللة بالسواد منقبة كأنها في حداد أبدي تقود صبية وضعت بدورها الحجاب على رأسها الصغير وهي لا تتجاوز السادسة، وكل هذه المظاهر الهمجية التي تفرض الاختفاء على الأنثى وافدة من البلدان الموغلة في التخلف الفكري والحضاري، والتي قفزت فجأة من فقرها المادي المدقع لتتبوأ مكان الريادة في العالم العربي والإسلامي بسبب امتلاء خزائنها حتى التخمة بأوراق البترو دولار المشحمة الملطخة بالزيوت الملوثة للبيئة القاتلة لكل حياة وجمال.. وسألتك المرأة بشيء من النجو المصطنع والهمس المرائي، وكأنها تخشى أن يسمعها أحد مع أنك كنت وحيداً:

ـ العلّامة أيوب ابن العالم محمد الطاهر الصابوري.. كيف حال الطاووس؟..

ولما لم تجبها مباشرة، ورحت قبل ذلك تركب النظارات على عينيك تحاول أن تتعرف إلى هذه المناجية، مع أنك لا ترى شيئاً من بدنها، قالت لك بلهجة مفخمة:

ـ ذاكرتك معطوبة..أنا تماضر بنت صديقك الشيخ برهوم بن إبراهيم العموري مدرّسة سابقة في مدرسة البشير الإبراهيمي، صديقة زوجتك الطاووس في الثانوية.. كيف حالها؟..لا أظن أنك نسيتني؟..

لو أخلصت مع نفسها لقالت: «تماضر التي عرضت عليك للزواج ورفضتها..»؛ حاولتَ أن لا تجاري المرأة وقلت:

ـ كيف أتعرف إليك وأنت بهذا التنكر؟..طاووس الحنان في صراع مع السكري تغلبه حيناً ويغلبها تارة..

ـ شفاها الله، قل لها تماضر.. تماضر بنت الشيخ برهوم تحييك.. و..

ـ مرحباً بك يا تماضر.. ما الخدمة؟..

سكتت لحظات وأضافت مستمرة في نجواها مع لهجتها المفخمة، وفي تردد غير معهود من تماضر التي عرفتها ذات يوم:

ـ قصدت مكتبتك دون سائر المكتبات، لأنك.. لأنك.. ولأقلْ صديق المرحوم والدي ومكتبتك هي الأصل.. طيب..هل أجد عندك كتاباً قيماً قديماً يتحدث عن الرقية الشرعية التي تزيل آثار السحر؟.. لا أريد الكتب الجديدة.. هذه كلها مزيفة ومؤلفوها يشبهون الرقاة التجار الذين يتحدثون في القنوات المتاجرة بالدين، وأنا أبحث عن كتاب أصيل..أبحث عن كتاب يبطل السحر!..

تماضر، كثيراً ما ترددت على المكتبة أيام زمان مع طاووس الحنان ودخلت في نقاش معها.. وكان كثيراً ما حدثك عنها والدها سي برهوم ملمحاً لك بما يريده كل أب لابنته عندما تبلغ سن الزواج، مع أنك كنت تقترب من سن الثلاثين يومئذ، ولم يكن يعلم أن ابنته كانت تتردد على المحل. لكنك تلعثمت، لقد بدت لك الفتاة جريئة جراءة زائدة مثل جراءة أمك مع أبيك، بخلاف صاحبتها الحيية طاووس التي كانت ملامحها هي التي تشبه ملامح أمك.. وترددت لهذا السبب بالذات، فلم يلح حين لم تجبه فوراً، هو يعلم بعد أن ابنته النبيهة المليحة يتمناها ألف عريس وعريس ولا يخشى عليها البوار، وتلميحاته لك المتكررة كانت لمجرد تنبيهك إليها وترغيبك فيها لا أكثر، وكان الرجل الطيب قد كون عن شخصك فكرة حسنة باعتبارك ذلك الشاب العصامي الذي لم يدخل مدرسة، المثابر الذي حقق مصيره بنفسه من لاشيء تقريباً، وها هو يقيم في وسط المدينة في سكنى فاخرة، وبمحل لائق يدير فيه تجارته المحترمة.. وعندئذ وقد آثرت الصمت مراراً، وحتى يبرهن لك عن صداقته التي لا يزحزحها شيء، عرض عليك صديقة ابنته وتلميذته الطاووس، أجل كانت الصديقتان تماضر وطاووس الحنان تزوران المكتبة وتقفان أمام الرفوف طويلاً تقرآن العناوين وتتفرجان على الكتب، وكنت تعلم أن زياراتهما لم تكن عفوية، وكنت تبادلهما أحياناً بعض الحديث عن تلك الكتب التي تتفرجان عليها لكن في اقتضاب وجد. غير أن تماضر كانت تسترسل وتخرج عن مضامين الكتب لتنتقد الأشخاص بألفاظ عنيفة ساخرة؛ وحين عرض عليك والدها طاووس قبلت بلا تردد لأنك تفاهمت معها بالنظرات المتطاولة دون حاجة لكلام بخلاف تماضر الثرثارة.. على كل حال هي الأقدار تسوق مصائر الناس من غير أسباب حقيقية أحياناً.. لقد كانت تماضر بيضاء البشرة ولكنها كانت تبدو لك قصيرة القامة بعض الشيء، فضلاً عن شخصيتها القوية الجريئة الشموس الشبيهة بشخصية والدها، مع أنها تصغرك بثلث العمر تقريباً، ففيما كانت هي في العشرينيات، كنت أنت تستشرف الثلاثين، لكن الطاووس يتيمة الأب، هي بنت الشهيد مسعد نايلي، استشهد قبل أن تولد، ورغم أنها تربت في أحضان بيت رجل عالي السمعة هو سي عبد الرحمن عابد، إلا أنها ستظل مفتقدة لعاطفة الأبوة، ورجل مثلك سوف لا تتخذه مجرد زوج، بل سوف تتخذه بشكل من الأشكال أباً طالما افتقدته، كأنما لم يستطع سي عبد الرحمن عابد زوج أمها تعويض العطش للأبوة وملء الفراغ رغم كل أريحيته. إنه ذلك العطش الذي يستمر طوال الحياة.. كانت طاووس الحنان سمراء البشرة، لمياء الشفتين، وكانت لها عينا غزال، وكانت حيية كعادة بنات البادية اللواتي يتخذن الخفر شيمة والحياء سمة.. وكنت أنت في قيم الجمال تميل إلى السمراوات الوضاءات، وعرفتَ سبب ميلك اللاشعوري إليها فيما بعد، حين قرأت بعض كتب علم النفس، إنه لسببٍ بسيط، وهو أن أمك الخامسة كانت سمراء كما أن أنفيهما كانا متشابهين جداً.. عقدة أوديب أم عقدة إليكترا؟.. البنت تميل لا شعورياً إلى أبيها والابن يميل في عقله الباطن إلى أمه..

تماضر سماها صديقك الكبير الشيخ برهوم باسم الشاعرة المخضرمة الخنساء التي رثت في جاهليتها أخاها صخراً بكاء مراً يفتت الصخر والجلمود قبل الكبد والفؤاد!.. لكن الإسلام بعد ذلك هذب من وجدانها وصقل من مشاعرها فتقبلت شهادة أبنائها الأربعة في سبيل العقيدة الجديدة قبولاً حسناً ولم تبكهم ولا رثتهم، واحتسبتهم عند ربها فضلاً وذخراً..
صفحة 10
تماضر؛ ترى لو تزوجت بها، هل كانت تنجب لك؟.. لا ريب أن هذه الصبية التي تصاحبها هي حفيدتها، يستحيل أن تكون ابنتها؛ هي الآن لا بد أن تكون في سن السبات الرحمي الذي يسمونه سن اليأس.. مسحتَ على لحيتك البيضاء بعرض كفك، وعدلت من نظارتك وقد تفرستها من غير فائدة. كانت مجلببة منقبة، رحبتَ بها في شيء من البرود بسبب هذا الجلباب الحاجب الممقوت الذي لم يكن له أثر في يوم من الأيام في بيئتكم الجزائرية، نعم إذا كان لابد للمرأة من حجاب فيجب أن يكون على الأقل هو ذلك العجار الأبيض الذي كانت المرأة في هذه البلدة المحافظة تتلفع به أيام الاستعمار ولم يختف إلا مع الثمانينيات حين وقع انقلاب حاد في مظهر اللباس في سياق انتصار الإمام الخميني في إيران على الشاهنشاه محمد رضا بهلوي، وانبعاث التدين الوهابي المتزمت وانتشار الجدل الإخواني المتبجح، وانحسار المد التقدمي الاشتراكي في العالم..

كان لون العجار الأبيض يبعث على التفاؤل والحياة، ولم يكن هناك نقاب يحجب الوجه بالمرة، إنما كانت المرأة هنا حين تضطر أن تتخفى من معارفها، تجذب طرفاً من العجار الأبيض نفسه لتغطي به إحدى عينيها، وصديقك برهوم بن إبراهيم كان رجلاً تقدمياً منفتحاً على القيم الإنسانية، يبشر بالاشتراكية بمضمونها في العدالة الاجتماعية، في نطاق القيم الوطنية الجزائرية في أبعادها الحضارية والإسلامية، رغم انتمائه إلى جمعية العلماء، لو يخرج من قبره اليوم ويرى ابنته التي رباها على الحق وعلى الصراحة إلى حد الوقاحة.. لو يراها على هذه الحال من تفسخ الشخصية والخضوع لأفكار عصر الانحطاط والظلمات لندم على جهاده من أجل الاستقلال ثم جهده الذي ضاع من أجل الاشتراكية ضمن بعدي الأصالة والمعاصرة، وقد قضى كل حياته في الثانوية ينير طلابه من خلال النصوص الأدبية التي كان يقدم فيها بعناية أفكار العصر وأنوار حقائق العلم الحديث التي كان يجب أن تصوغ الإنسان الجزائري الحديث، ويدرّس قيماً إسلامية إنسانية بعيداً عن ترهات عصر الانحطاط التي كانت قد أسلمت قبل ذلك البلاد والعباد للاستعمار..

بدأت الصداقة معه حين جعل مراسلاته تأتي على عنوان محلك بما في ذلك عنوان حسابه الجاري البريدي..لم يكن يشتري منك هذه الكتب المستعملة إلا في النادر، بل كان يستعيرها لقراءتها ويعيدها، وينفحك مقابل ذلك ببعض الدنانير في نهاية كل شهر حين يسحب من دار البريد أجرته الشهرية، كما لو كانت تلك الدنانير اشتراكاً قدره هو بنفسه تقديراً من غير مفاوضة ولا اتفاق.. وتوطيداً للصداقة كان الأستاذ المرحوم برهوم هو من دلك على تلميذته الأثيرة النجيبة الفاتنة الحيية طاووس الحنان، وحضر الخطبة والعرس رغم أنها صديقة ابنته على حد تعبيره، بعد أن يئس من أن يلفت نظرك لابنته الشموس تماضر، هذه التي تقف الآن أمامك في هذا الكفن الأسود من غير هوية، ما عدا هوية الانغلاق والشؤم والموت..

الطاووس كانت بنتاً لأحد رفاقه النابهين في الصبا مسعد نايلي رغم أميته، وكان يزمع أن يجنده معه في صفوف الكتيبة التي كان يقودها لولا أن سقط مسعد ضحية قبل أن يجند؛ أجل، كان هو السبب في تزوّجك منها، وهي لم تكن من الفتنة كما كان يصفها لك مبالغاً ظاناً أنك لم ترها.. كانت ملامحها السمراء تشبه ملامح الخامسة أمك، ما عدا أن أمك الخامسة عجفاء القوام وطاووس ممتلئة، وكانت الخامسة ذئبة شرسة عنوداً، أما طاووس الحنان فكانت نعجة سلسة كاسمها.. كانت فتاة من ذهب، وعلى كل، تركت أنت في قلبها غصة خفية إذ لم تنجب.. ومع ذلك أنت مستغن بها عن كل نساء العالم، راض بها، وهي تراك شمسها المشرقة على الكون كله، راضية بك، لولا ما ظهر عليها في السنوات الأخيرة من داء السكري، نعم أنت سعيد معها، غير حافل بالولد والخلف.. حتى ذلك الولد غسان أو باديس الذي عاش سنوات تحت كنفكما ودللته طاووس الحنان ما شاء له أن يتدلل، عاد لذويه حين شدا وفهم أن أمه الفعلية إنما هي جهيدة، ورغب أن يحيا مع أخويه، وقال ذات صباح يخير خالته التي يدعوها أمّه الطاووس:

ـ أريد أن أكون مع بشارة وزنوبيا.. إما أن يأتيا للعيش هنا، وإما أذهب للعيش هناك.. وبالكاد فطمت طاووس الحنان عن الصبي، وألفت الحالة الجديدة من شبه الوحدة، رغم أن باديس ما برح يتردد على بيتكما خصوصاً في العطل والمناسبات، وربما كان الخواء الروحي، والفراغ العاطفي، والقلق الوجودي المرتبط بوهم الخلود البيولوجي من خلال الإنجاب وثمن ذلك الفطام، هو داء السكري المستحكم اللعين الذي تعانيه اليوم والذي داهمها مبكراً، وهو الداء الذي ماتت به أمها جوهرة ومات به صاحب الأريحية زوج أمها عبد الرحمن عابد في السبعينيات وفي السنوات الأولى من زواجكما.. ما تعجب له الناس أن جوهرة أم طاووس لم تمكث غير شهرين بعد وفاة عبد الرحمن، ولحقت به إلى دار البقاء حيث يمرح أبناؤهما الخمسة الذين قضوا جميعاً صغاراً بعلة لم يفهمها الأطباء.. ماتت جوهرة صغيرة السن، وكان الأستاذ برهوم الأرمل ينتظر استكمال عدتها ليستر بها عرضه ويكمل بها دينه، ومن مفارقات الحياة أنه وهو الذي خطب لك ابنتها طاووس الحنان قد كلفك، وهي حماتك التي أمست تنظر إليك بعين الريب وعدم الارتياح، بأن توحي لها بنيته في الزواج بها، لكن القضاء كان بالمرصاد.. في الحق أنت سررت بموتها، كانت حماة بدت طيبة في الشهور الأولى من زواجك بابنتها، فما تزوجتْ من سي برهوم ولا طلقت طاووس؛ أجل لقد تأخرت طاووس عن الإنجاب، وخلال مساعيها للمتطببين الشعبيين من أجل أن تنجب ابنتها تحولت عنك برأيها وأظهرت لك كرها صامتاً ومقتاً مكتوماً.. لقد أوحوا لها وأفهموها أن العائق في عدم إنجاب طاووس الحنان قد يكون بسبب أيوب بن محمد الطاهر الضبيعي لا بسبب ابنتها طاووس، وحينئذ شرعت توسوس في أذن طاووس الحنان في شأن الإنجاب، ودخلتَ أنت يوماً على حين غرة فسمعتها تقول:

ـ إما أن تدفعيه للذهاب إلى الحكماء للعلاج وإما يتركك لحالك..ما حاجتك في رجل لا ينجب؟..أستاذك الأرمل سي برهوم والد حبيبتك تماضر أنفع لك منه!..