eKtab
EN ع
القضاء والقدر في حياتنا
اقرأ عينة مجانية

القضاء والقدر في حياتنا

بقلم د. كامل جميل ولويل

صفحة 1
دعاء
 
قال رسول الله :
 
"لا يـقــولــن احــدكــم اللـهـم اغــفــر لي إن شـئـت، اللــهــم ارحـمـنـي إن شـئـت، لـيـعــزمْ المسـألـة، فــإنــه لا مُــكــره لـــه".
 
شكر وتقدير
 
أشكر ولدي اللذين حملا إلي كتابا في القضاء والقدر لمؤلفه الشيخ محمد سلامة جبر، وأقدر فيهما معرفة فكرة الكتاب، وأقدر حيرتهما في تلك الفكرة، وكثرة تساؤلاتهما فيها.
 
أشكرهما لاهتمامهما بدراســات الوالد كما يهتمان بصحته وعافيته وسائر شأنه، أشكر المهندسين الكريمين وأوصيهما بالإستمرار على هذا النهج الذي اخذا نفوسهما فيه بالجد والحزم، بل وأوصيهما بالحق والصبر ما استطاعا إلى الحق والصبر سبيلا.
 
ما أجمل أن يقتبس القلم قوله سبحانه في سورة الفرقان (ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما)، فإن الآية في موضعها قبس وأي قبس.
 
لقد لمست قرة العين هذه في كتابي هذا، فإن طباعته المتأنقة ونشره وتداوله ثمرة من ثمرات جهودهما اليانعة أي جهود جميل وماهر، أليس هذا مؤشرا من مؤشرات قرة العين؟ إني اظن أن كل أب يدرك هذه الحقيقة؛ وأظن أن كل أب يشعر بالإستحياء إذ يشكر ولده فهو كأنما يشكر نفسه.
 
أدعوه سبحانه مخلصا له الدين فأقول: اللهم بارك لنا فيما اعطيتنا.
 
المؤلف
صفحة 2
سبب تأليف الكتاب
 
من يقـرأ السبب يعـرف خـطـر المـوضوع الـذي بين يـديـه ويفـرض على نـفـسه التـأمـل والتأني وإليك بيان ذلك:
 
حمل إلي ولداي من الكويت إلى الأردن كتابا اسمه "المذهب الحق في القضاء والقدر" لمؤلفه الشيخ الصديق محمد سلامة جبر كما ذكرت قبل قليل؛ وهو كتاب صغير الحجم ولكنه واضح الرأي، وفكرته في القضاء والقدر محددة بصورة كبيرة ومؤثرة.
 
ألف الشيخ هذا الكتاب عام 90، ثم الف كتابا آخر في القضاء والقدر بعد سنتين وسماه القضاء والقدر عند الأئمة والأعلام؛ والكتاب الثاني لتقوية الأول وتعزيزه.
 
اجتمع الكتابان عندي وقرأتهما قراءة المشوق، وأعدت قراءتهما بتعلق وحذر ووجدت أن سر حذري وتعلقي بهما هو مخالفتهما أو قل نقضهما لما اطمأننت إليه من أسرار القضاء والقدر، ولما اطمأن إليه خلق ممن صحبتهم أو جادلتهم أو استمعت إليهم، أو قرات لهم.
 
كنت أرى أن القضاء والقدر هما أمور واعمال وحوادث لا نستطيع التصرف بها، إنها لله فالله يخلق والله يحيي والله يميت والله يرزق ويوسع الرزق أو يضيقه والله يهب ذكورا لمن يشاء أو إناثا لمن يشاء أو يجعل بعض الناس عقيما، والله يبتلي عبده بالمرض ثم يخفف عنه ويمنحه العافية، كل هذه الأمور فيما كنت أظن وأمثالها هي القضاء والقدر، وكنت أعلم أن الله تعالى أمر الملائكة أن تكتب ما يصيب كل إنسان من خير أو شر قبل خلق الناس بألوف السنين وقد كتبت، وإن الله تعالى يعلم ما يفعل عباده من خير أو شر قبل ان يخلقهم ولم يجبر أحدا على فعله، بل علمه وأذن به؛ لكن هل هذه الرؤية هي التي يقول بها الشيخ؟ لا ليست هذه الـرؤية عنـد الشـيخ الصـديق ولا يـوافـق عليها بحـال، ويـرى أنها تقـرب للكفـر، قال الشيخ: [الإيمان بالقدر خيره وشره هو الركن السادس من أركان الإيمان ومن أنكره فقد كفر، ومن تأوله على غير وجهه الصحيح فقد ابتدع في دين الله ما ليس فيه]( ) ، وقد استند إلى طائفة كبيرة من العلماء تقول كما يقول.
 
ما الوجه الصحيح لديه؟ لا بد من معرفة الوجه الصحيح الذي يراه الشيخ حتى لا نقع في البدعة، ولا نتأول الوجه الذي يراه حقا، فنقع في الكفر.
 
يقول: [إذا خلق الله خلقا للنار ويسرهم لعمل أهل النار فبعدله اللائق بجلاله والمناسب لذاته المنزهة المقدسة عن الشبيه والمثيل، وإذا خلق الله سبحانه وتعالى بفضله خلقا وأدخلهم في رحمته فبمحض جوده وفضله يسرهم لعمل أهل جنته، ولو كشف عنا الغطاء لعلمنا أسرار الإختصاص والتمييز في هذا المنع والعطاء] ( ). فالله خلق والله يسر، وليس لإرادة الإنسان نصيب.
 
واستدل الشيخ بخطبة لعمر بن الخطاب في الجابية قرب دمشق قال فيها: [إن الله خلق أهل الجنة وما هم عاملون وخلق أهل النار وما هم عاملون]( )، أي خلقهم وخلق أعمالهم، وليس لإرادة الأنسان نصيب.
 
واسـتشـهد الشيخ بآيات عديدة وفسرها وفقا لرؤيته، وهي أن الله تعالى
 
هو خالق أفعال العباد، ففي الآية (ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ) ( )، ينقل تفسير ابن عباس وهو: لا يطيعه إلا من وفقته لذلك؛ وبالمثل يفسر الآيات الكريمة: (ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ)، وآية (ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ)، وآية (ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ)، وآية (ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ)، وآية (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ) ، كلها تدل على أن الإنسـان فاقد الإرادة والإختيار فيما يرى الشيخ الصديق وطائفة من أهل الرأي معه.
 
واسـتشـهد أيضـا بعدة أحاديث شريفة منها قوله : "من كان من أهل السـعادة فـسيصير إلى عمل أهل السـعادة ومن كان من أهل الشـقاوة فـسيصير إلى عمل أهل اهل الشـقاوة اعملوا فكل ميسـر"
 
فـالآيـات والأحــاديث كمـا فهمـها الشيخ تشير إلى أن الإنسـان لم يبتدع أعماله ولم يوجـد أفعـاله، بل خلقـها الله تعالى كمـا خلقـه وأوجـده كمـا أوجـده، وليـس لإرادة الإنسـان نصيب؛
 
وانتـقل الشيخ بعد ذلك إلى آراء العلمــاء الـذين يقـولون بخلـق الله تعـالى أفعـال العبـاد، ويقـولون أن ليـس للإرادة الإنسـان نصيب في أفعـاله؛ أي ليس له حرية اختيـار أفعالـه، لأن افعـاله مخلـوقة كمـا خلق رأسـه ووجهـه ويـديه وقلبـه ومعـدتـه وسـائر اعـضـائه.
صفحة 3
قـال الشيخ ينقـل رأي الإمـام ابن القيـم: [يعني خلق الله فلانـا من الناس وجبـله على الخير حـتى لا يصدر منه إلا الخير كالصديق رضي الله عنه، وخلـق آخـر مجبـولا على الشـر حتـى لا يصـدر منـه إلا الشـر كـأبي جهـل، هـذا الأمـر من أسـرار القـدر التي لا نعلمـها ولا يــسأل عمـا يفعـل وهـم يسـألون]( ).
 
هـذا ابن القيـم، وأما الإمـام الغـزالي فكـان أحسـم بكثيـر من غيـره، فهو يرى (أن كـل إنسـان مـربوط بخيـط رفيـع جـدا لا يـدرك بالأبصـار، ولكـل خيـط مربـط بيـد ملـك يحـرك به الإنسـان، وقـد رأى العـارفـون – ويقصـد بهـم الغـزالي أصحـاب المـراتب العليـا في التصـوف – رأوا مرابـط الخيـوط كمـا رأو الخيـوط أيضـا)، ويقول الغـزالي والعلمـاء يعلمـون أنهـم محـركـون إلا انهـم لا يعـرفـون كيفيـة التحـريـك وهم الأكثرون، إلا العـارفـون وهـم العلمـاء الراسـخون، فإنهـم أدركـوا بحـدة أبصـارهم خيـوطا دقيـقة عنكبـوتيـة بل ادق منـها بكثيـر معلقـة من السـماء متشبـثة الأطـراف بأشـخاص أهـل الأرض)( ).
 
وينصح الإمام الغزالي العلماء ألا يشـرحـوا القضـاء والقـدر أمـام الناس العـاديين، لأن هـذه المعـرفة أنـوار بـاهرة فتبهتر المـؤمنين العـاديين فيقعـون في الضـلال؛ قـال الغـزالي: [لا تكشـفوا حجـاب الشـمس لأبصـر الخفـافيـش، فيكـون ذلك سـبب هـلاكهـم]( ).
 
وقال بمثـل قـول ابن القيـم والغـزالي علمـاء آخـرون مثل ابن حـزم والـدهـلوي والـدكتورعمـر الاشـقر، واقتطف العبـارات الآتية من أفكـار الـدكتور عمـر الأشـقر وهي قـوله: [لا يخـرج العبـاد وأفعـالهم عن غيرهم من المخلـوقات، فقـد علـم الله ما سـيخلقـه من عبـاده وعلـم ما هـم فاعلـون، وكتب كل ذلك في اللوح المحفـوظ. وخلقـهم الله كمـا شـاء، ومضى قـدر الله فيهـم، فعملـوا على النحـو الـذي شـاءه فيهـم، وهـدى من كتب له السـعادة وأضـل من كتب عليـه الشـقاوة، وعلـم أهـل الجنـة ويسـرهم لعمـل أهلهـا، وعلـم أهـل النـار ويسـرهم لعمـل أهلهـا]( ).
 
ثم يذكـر الـدكتـور الأشـقـر عــدة آيـات تـدل فيمـا يـرى أنهـا صـريحـة واضحـة المعـاني في أن الإنسـان مخلـوق وأفعـاله مخلـوقة، مثـل قـوله تعـالى: (والله خلقـكم وما تعملـون).
 
ويتســـاءل بعـد ذلك كلـه بقـوله: (فـإن قـال قـائل لا ننكـر مقتضى هـذه الآيـات الصـريحـة، ولكـن كيف يتـفق أن يكلـف الله بالطـاعة والإيمـان من أراد لـه من عبـاده الكفـر والعصيـان؟ الجـواب: وكشـف السـر عن هـذا الإشـكال العظيـم لـو كـان ممكنـا، وكـان من طـاقة العقـول البشـرية قبـوله لوجب على رسـول الله  أن يبينـه ولا يكتمـه، ولكـن لمـا ثبت في الحـديث الصـحيح أن رسـول الله  غضب من أصحـابه لمـا سـمعهم يتجـادلـون في القـدر واحمـر وجهـه كـأنمـا فقئ فيه حب الـرمـان وقال: [أبهـذا أمرتم أم بهـذا أرسـلت، إنمـا هلـك من كـان قبلكـم حين تنـازعـوا في هـذا الأمـر عـزمت عليكـم ألا تنـازعـوا فيه]( ).
 
إذن يسـتند شـيخي إلى آيـات كـريمة واحـاديث شـريفة وآراء علمـاء عـديـديـن، وقـد اسـتوى الأمر لـديهم جميعـهم أن الإنسـان مخلـوق وأن افعـاله مخلـوقة، وإن الكشـف عن هـذا السـر محـال والجـدال فيه بـاطـل، تلك الفئـة خلقـت للجنـة فييسـرها الله لعمـل أهـل الجنـة، وتلك الفئـة خلقـت للنـار فييسـرها الله لعمـل أهـل النار، بل ذكـر الـدكتـور عمر الاشـقر أن الناس كسـائر المخلـوقات، فالشـجر مسـخر والحيوان مسـخر والنجـم مسـخر والإنسـان مسـخر لأن الله تعـالى خلقـه وخلـق عملـه؛ وشـاهـد بعض العـارفين خيـوطـا تـربـط الناس وتسـخرهـم.
 
ولـو كنت متفقـا مـع شـيخي فيما ذكـر، أو متفقـا مع العلمـاء الأفـاضل فيمـا ذهبـوا إليـه لما قمت بتأليف هـذا الكتـاب، وسيـكون لي مـوقف من آرائهـم ومـوقف آخـر مع مختلف الآيـات والأحـاديث التي اسـتـشـهدوا بها لأبين أن المعـاني التي اخـذوها من الآيـات لم تكـن صحيـحة، وإنمـا للآيـات معـان اخـرى وللأحـاديث معـان اخـرى، لقـد اسـتـشـهـدوا بآيـات كـريمـة وهي لا تشـهد لهـم، واسـتـشـهـدوا بأحـاديث شـريفـة وهي لا تشـهد لهم أيضـا، وسـأبين ذلك بحثـا وتفصيـلا في الصفحـات التـاليـة، ولكنـي أشـكر كـل مفكـر تـؤدي أقـواله إلى حث الهـمم على البحث، لأن البحث لن ينتهي في كتـاب الله حتى تنتـهي الحيـاة ذاتهـا.
صفحة 4
بـدايـة الإختـلاف في القـدر
 
لم تجتمـع آراء العلمـاء على فهـم واحـد للقضـاء والقـدر، كـان هنـاك آراء، ولكن انقسـمت الآراء إلى طريقين بـارزين واضحيـن، وقـد عـزز كل منهمـا رايـه بـآيـات كـريمـة وأحـاديث شـريفة ومفـاهيـم في تلك الآيـات والأحـاديث وتفـاسيـر يقبلـها النص الـذي يسـتـشـهد به؛ والذي يهمنـا الآن معـرفة شـئ عن هـذا الإختـلاف ومظـاهره.
 
لم يبدأ الخـلاف بانتقـال الرسول  إلى الرفيـق الأعلى، وإنمـا بدأ في حيـاته وسـمع خـلاف أصحـابه، واستمر بين أصحـابه بعـد وفـاته. واختلفت الآراء واختلفت تفـاسـير المـواقف، ولكن ظـل المـؤمنون مـؤمنين، وظل المسـلمون مسـلمين، ولم يكفـر النبي أحـدا؛ وهـذا هـو البيـان:
 
أ – الإختـلاف في عهـد النبي :
 
1. روى التـرمـذي وروى ابـن مـاجـة أيضـا أن رسـول الله () سمـع أصحـابه يتجـادلـون في القضـاء والقـدر فغضب منهـم واحمـر وجهـه كـأنما فقئ فيه حب الرمـان فقـال: " أبهـذا امـرتم، أم بهـذا أرسـلت إليكـم، إنما هلـك من كـان قبلكم حين تنـازعـوا في هـذا الأمـر، عـزمت عليـكم ألا تنـازعـوا فيـه ".
 
2. وروى مسـلم في صحيـحه: عـن أبي الأسـود الـدئـلي قـال: قـال لي عمـران بن حصيـن رضي الله عنـه: أرايت مـا يعمـل الناس اليوم ويكـدحـون فيـه أشـيء قضي عليـهم ومضـى عليهـم من قـدر ما سـبق أو فيمـا يسـتقبلون بـه ممـا قـد أتـاهم بـه نبيهـم () وثبتت الحجـة عليهـم؟ فقلت بـل شـيء قضي عليـهم ومضى عليـهم، قال: فقال: أفلا يكـون ظلمـا؟ قال: ففـزعت من ذلك فـزعا شـديـداً وقلت: كل شيء خلق الله وملك يده فلا يسـأل عمـا يفعـل وهـم يسـألـون، فقال لي: يـرحمـك الله إني لم أرد بما سـألتك إلا لحـرز عقلك. إن رجلين من مـزينة أتيـا رسول الله () فقـالا يا رسول الله أرأيت ما يعمـل الناس اليـوم ويكـدحـون فيـه أشيء قضي عليـهم ومضى فيهم من قـدر قـد سـبق أو فيمـا يسـتقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم، فقال: لا بل شيء قضي عليهم ومضى فيهم وتصديق ذلك في كتـاب الله (ﭨ ﭩ ﭪ ﭫﭬ ﭭ ﭮ).
 
(ونفس وما سـواها فألهمـها فجـورها وتقـواها)
 
ب – الإختــلاف بعـد وفـاتـه :
 
1. أراد عمر بن الخطـاب رضي الله عنـه أن يـدخل بـلاد الشـام وكـان قـد أصـابها الطـاعـون في ذلك العـام ولم يعـلم عمر بـذلك، فلمـا اقتـرب من دمشـق علم بخبـر الطـاعـون من الصحـابة الأجــلاء كمـا ذكـر ابن عبـاس وكان عمر عنـد ذاك في مكـان إسـمه سـرغ، فاستـشار أمير المـؤمنين الصحابة أيـدخلـها أم لا، فـرأوا جميعـا ألا يـدخلهـا فقـال لصحبـه: إني مصبـح على ظهـر فأصبحوا، فقـال أبو عبيدة افـرارا من قـدر الله إلى قـدر الله؟ فقـال عمر: لو غيـرك قـالها يا أبا عبيـدة، وكـان عمر يكـره خلافـه، ثم قال: نعم نفـر من قـدر الله إلى قـدر الله أرأيت لـو كان لي إبـل فهبطـت واديـا له عـدوتـان إحـداهمـا خصبـة والأخـرى جـدبـة أليـس إن رعت الخصبـة أو الجـدبة رعتـها بقـدر الله)( ).
 
إذن الخـلاف بين قطبـين من اقطـاب الإسـلام، ولهمـا في الصـحبـة بـاع طـويـل وتـاريـخ حـافـل، وهمـا الآن على خـلاف في القضـاء والقـدر وشـرحـه وتفسـيره، ولم يـرفع احـدهمـا صـوته أو درتـه أو سـيفه، ولم يتـراشـقا التهـم، إنـه فهـم لمـوقـف.
 
وجـاء عبد الـرحمن بن عـوف وعـرف ما يتجـادل الناس فيه، فقال: (إن عندي من هذا علما، سمعت رسول الله  يقول: إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بـها فلا تخـرجـوا فـرارا منه، فحمـد الله عمر بن الخطاب وأثنى عليه)( ).
 
2. مـعـبــد الجهنـي: يرد ذكر هذا الرجل في كتاب صحيح مسلم بشرح النووي، قال النووي انه هو اول من تكلم في البصرة بالقدر فسلك اهل البصرة بعده مسلكه، وفسر ابو السعيد التميمي عبارة (اول من تكلم بالقدر) بقوله: انه من نفى القدر وخالف الصواب الذي عليه اهل الحق، وقال النووي (واعلم ان مذهب اهل الحق اثبات القدر ومعناه ان الله تبارك وتعالى قدر الأشياء في القدم وعلم سبحانه انها تقع في اوقات معلومة عنده سبحانه وتعالى وعلى صفات مخصوصة فهي تقع على حسب ما قدرها سبحانه وزعمت القدرية انه سبحانه لم يقدرها ولم يتقدم علمه سبحانه وتعالى بها)( ).
صفحة 5
إنها آراء متضاربة جدا، وإذا قلت فسلك أهل البصرة مسلكه، من هم أهل البصرة؟ هم رواد العلم في ذلك العصر، فليس أهل البصرة مجموعة من الجهلة، لا بل كان فيهم الفقهاء والعلماء والحفظة وأصحاب القراءات ورواة الحديث، وهذه الرواية من معبد الجهني هي من روايات التاريخ، وتدور وقائع الكلام في القدر في صدر الإسلام الأول. فعبد الله بن عمر من الصحابة الصغار، وقد ذكرت روايات أخرى أن عبد الله بن عمر سـئل عن أقوال معبد الجهني فأنكرها عليه وقال: (إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني منهم بريء وأنهم مني برءاء والذي نفسي بيـده لو أن لاحدهم مثل أحـد ذهبـا فانفقه في سبيل الله ما قبل الله منه شـيئا حتى يؤمن بالقدر خيره وشره)( ). مـا زالت الـرواية من روايـات التاريخ، ولا نسـتطيع أن نكفر أحـدا بروايـة تاريخيـة، ولو صدقت الرواية التي ذكرت عن ابن عمر لما تباطأ الخليفة عن كف أذاهم ولحاسبهم على الردة التي وقعوا فيها، فإن أحدهم فيما يقول ابن عمر لو أنفق مثل أحـد ذهبا لمـا قبل منه؛ إنها رواية تاريخيـة ولا تصلـح لأن نتبنـاها كعقيـدة إسـلامية؛ ولا تصلـح لأن يأخـذ المـؤمنون بها ولا أن نقيـس عليهـا.
 
جـ -الخـلاف في كتـابي الصحيـح للبخـاري ومسـلم:
 
روى الإمـام مسـلم في كتـابه الصحيـح ثمانيـة عشـر حـديثـا في القـدر، وروى الإمام البخـاري في صحيـحه خمسـة أحاديث في القـدر، ولم يتفقا إلا بعض اتفـاق في حديث واحد هو قوله () كمـا في صحيـح مسـلم: " اللهـم مصـرف القلـوب صـرف قلـوبنا على طـاعتك "، وقوله () كمـا في صحيح البخاري: " لا ومقلب القلـوب " إذن لم تثبـت لـدى العـالميـن تلك الـروايات العديدة في القـدر، ولا اتفـق اطمئنـانهمـا الى عشـرات الـروايات في القـدر، برغـم وجـود الحـديث في القـدر على أشـده في عهـدهمـا، إذ كـانت قـوة المعتـزلة في أوجهـا، وقد اسـتنصـرت ببعض الخلفـاء فأيـدوها، برغم كل ذلك الحـديث أو الجـدال الحـاد في القـدر إلا أن الإمـاميـن المحـدثيـن لم يـذكرا ما تطمئـن به النفـوس في هـذا الموضـوع؛ لأن نفـوسـهما لم تطمئـن لتلك الـروايات الجارفة في القضـاء والقـدر ولا اتفقـا فيمـا بينهمـا على ما رويـاه.
 
إن هـذا يعني أن المسـلمين لم يكن لهم خـط واضـح في القضـاء والقـدر، ولم تكن الـروايـات مجمعـة على شـيء محـدد فيـه، ولم تكن الآراء فيـه اجمـاعية ولا جمـاعيـة، إنـه بحث إسـلامي وفيهـا عـدة آراء، وعلى المسـلم أن يجتهـد إن اسـتطاع أو يسـأل قـدر المسـتطاع من غير أن يـؤدي ذلك إلى تنـاحر أو تصـادم أو تكفيـر أو اتهـام، فإن الآراء الخـلافيـة في بعض القضـايا كثيرة، ولكنه البحث الذي يؤجر صاحبه أصاب أم أخطـأ.
صفحة 6
أبرز رأيين في القدر
 
رأى بعض العلمـاء ولا سـيما السـابقـون منهـم أن الله تعالى خلـق الإنسـان وخلـق أفعـاله، ورأى آخـرون من العلمـاء ولا سـيما المعـاصرون منهم أن الله تعالى خلق الإنسـان، وتـرك له حـرية التصرف، وأنـزل الـرسـل للتـوجيه والإرشـاد فيظهـرون للناس ما يحسـن أن يأخـذوا به من الأعمـال، ويظهرون لهم جميـع الأفعـال التي ترضي الله وينهـونهم عن الأفعـال التي تغضبـه، ويـأمرون الناس أن يصبـروا على أمـور يبتليهـم الله تعـالى بها كـضيـق في الـرزق أو نقص في المـال والثمـرات، أو نقص في الأنفـس، فـهي من الله تعـالى ولا أثـر للناس فيها، كما يأمـرونهم أن يصبـروا على مظـالم قـد يتعـرضون لها من أنـاس ظالميـن أقـوى منهم، وعليـهم ان يحـاولوا إزالـة الظلم ما امكنهـم وأن يـدعـوا الله أن يعينـهم في جميـع شـؤونهـم.
 
لـقد اسـتخلصت الآراء من اقـوال العلمـاء، وأسـتبق الآن أقـوالهم لأيسـر معـرفتهـا وليكـون لـدى القـارئ فكـرة واضـحة محـددة عـن القضـاء والقـدر قبـل أن تـذكر كلمـاتهم حـرفا حـرفا:
 
أ – الـرأي الاول:
 
خـلاصـة هـذا الـرأي أن الله تعـالى خلـق الإنسـان وخلـق أفعـاله، فإذا آمن فـبـفضـل من الله وتوجيـه منه، وإذا كفـر فلأن الله سـبحانـه أشـربه في قلبـه الكفـر. وإذا رأيـنا الإنسـان مسـتقيما أو شـاء أن يكون مسـتقيما، فليـس له في ذلك فضـل أو تأثير لأنـه سـبحانه وتعـالى يقـول في سـورة التكويـر: (ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ)، والمعنى أن مشـيئة الله أولا ثم تشـاء أنت بأثر من مـشـيئة الله عليك. إنك مـرتبط بخيط بيـد ملك يديـرك ولا تـرى الخيـط، حتى لو أراد المشـرك أن يؤمن فإنـه لا يسـتطيع لأن الله تعالى يقـول: (ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ) فهـو يمنـع المشـرك من الإيمان ويمنع المـؤمن من الكفر.
 
ويـرون أن كل إنسـان يـريد أن يقـوم بعمل لا بـد أن يتـوفر له شـيئان أولهمـا: النيـة أو ما يسـمى أحيـانا العـزم والإرادة. وثـانيهمـا: إنهـاض الجـوارح للعمـل، وهذان الأمـران لا يملكهمـا الإنسـان، بل همـا لمـن يختصـهما الله بـرحمتـه، ويمنعـا عمـن حـرمه الله تعـالى من هذه الرحمـة.
 
ويقـولون قد علمتـم قوله سـبحانه: (والله يختـص بـرحمتـه من يشـاء)( )، والإختصـاص لا يـكون لسـائرالأمـم والفئـات بل لفئـات دون فئـات.
 
ويسـتشـهدون بآيات عـديدة واحـاديث متعـددة تعـزز موقفهم وفهمـهم للقضـاء والقدر بأنه خلق أفعـال العبـاد، فيتـلون قـوله سـبحانه: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ) ( )، وتـجد من كتب التفسـير ما يؤيـد وجهـة النظر هذه بشـدة، قال ابن كثيـر: قال ابن عباس: يوسع قلبه للتوحيـد والإيمان به، ويتـلون قوله تعالى: (ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ)( )، يقول ابن جرير في شـرح هذه الآية: وما يذكرون هذا القـرآن فيتعظون به ويسـتعملون ما فيه إلا أن يشـاء الله أن يذكروه لأنه لا احد يقدر على شـيء إلا بأن يشـاء الله فيعطيه القدرة عليه؛ ويتلون قوله تعالى: (ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ)( ). قال ابن جرير يفسـرها: لا تـزغ قلـوبنا، لا تملـها فتصـرفهـا عن هـداك بعـد إذ هـديتـنا له فوفقتـنا للإيمـان بمحـكم كتابـك ومتشـابهه، وهب لنا يا رب من لدنك رحمة، هب لنا من عندك توفيقـا وثبـاتـا للذي نحن عليـه، إنـك انت الوهـاب المعطي عبـادك التـوفيـق والسـداد والثبـات على ديـنك؛ ويتـلون غيـر ذلك.
 
ولهذا الراي استشهادات من الأحاديث الشـريفة عـدد وافـر، وتـدل مخـتلف هذه الأحـاديث ان الإنسـان ملـزم في أقـواله وافعـاله، لأنهمـا كلاهمـا أوجدهما الله سـبحانه وتعالى وليـس للإنسـان في ذلك أي قـدر من التصرف ولا أي حظ من التغيـير والتبـديل، قال رسول الله  "اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " وفي رواية لعبد الله بن عمرو بن العاص قال سـمعت رسول الله  يقول: "كتب الله مقـادير الخـلائـق قبل أن يخـلق السـموات والأرض بخمسـين الف سـنة، وقال وعـرشـه على الماء؛ وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: كنا في جنازة في بقـيع الغرقد فأتانا رسول الله  فقـعد وقعـدنا حـوله ومعه مخصرة فـنكـس فجعـل ينكت بمخصـرته ثم قال: " ما منكم من أحد ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار وإلا قد كتبت شـقية او سـعيدة، قال رجل يا رسول الله أفلا نمكث على كتـابنا ونـدع العمـل؟ فقـال النبي  من كـان من أهـل السـعادة فسـيصير إلى عمـل أهـل السـعادة ومن كان من أهل الشـقاوة فسـيصير إلى عمل أهل الشـقاوة وقال: اعملـوا فكل ميـسر، أما اهل السـعادة فيـيسـرون لعمـل أهل السـعادة وأما أهل الشـقاوة فيـيسـرون لعمل أهل الشـقاوة " ثم قـرأ: (ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚﯛ ﯜ) .
 
كما اسـتـندوا إلى أحـاديث أخـرى ولكنـها تحمل المعـاني المـذكورة في الأحـاديث السـابقة؛ أي تحمل الرأي القـائل أن الله تعالى خلق الإنسـان جسـما وروحـا وخلق أفعـاله خيرها وشـرها.
صفحة 7
ب – الـرأي الثـاني:
 
هذا الرأي مختلف جـدا عن الـرأي الأول، له تاريخه الخاص به، ولكنا لسـنا بصدد تاريخ أو فرق معينة، ولكننا نريد الرأي الذي له غلبة قوية ويقف بارزا بقوة أمام الرأي الاول. وخـلاصـته هي: إن الله تعـالى خلـق الخـلق، وأسـكنهم في الأرض ليـعبـدوه ويعمـروها، وأعطى الإنسـان الحـرية في اختيـار أفعـاله لا قهـر في ذلك ولا اجبـار، وأمـره بأوامر ونـهاه بنـواه وهذا هو التكليف. وقد بني على ذلك الثـواب والعقـاب، فمن آمن فقـد اختـار لنفسـه الإيمـان، ومن كفـر فقـد اختـار لنفسـه الكفـر، وكل ذلك يقـع ضمـن السـنن الكـونية التي وضعهـا الله تعـالى لخلقـه، ولا خـروج عن أي سـنة منها.
 
ويحــدد أصحــاب هـذا الـرأي معنـى القضــاء والقـــدر بمــــا يــلي:
 
يقـولون إنـه الأشـياء التي ليـس لك فيهـا يـد ولم تفـرضها لنفسـك ولا تتحـكم بهـا، وإنمـا فـرضـت عليـك فـرضـا. فصـورتك الحـالية من طول أو قصـر من بيـاض أو سـواد، من لسـان طليـق أو متعـثر، من الـذكـاء الخـارق أو الـذكـاء المتـوسـط، من طـول في العمـر أو توسـط أو قصـر، من رزق واسـع أو مقطـوع، إنـه كلـه سـبحانه وضـعه وقـدره ولا نملـك فيـه التغيـير والتبـديل، إنـه هـو القضـاء والقـدر.
 
ورأي أصـحـاب هذا المـذهب في القضـاء والقـدر، أن الله كتب مقـاريـر الأشـياء قبل خلـق السـموات والأرض تعبيـراً عن علمـه تعالى بكل ما سـيحدث إلى قيـام السـاعة. فلا يحـدث شـيء في الملكـوت إلا بعلمه، وقـد علم سـبحانه ما سـيكون من الإنسـان باختيـاره من هـدى أو ضـلال، وخير أو شـر، وليـس في علمـه تعـالى أي معنى من مـعاني الإلـزام والقـهـر والإجبـار. ويتـرتب على افعـال الإنسـان محاسـبته، فإن كـان خيـرا فـخير، وإن كـان شـرا فشـر، فيـدخل الإنسـان الجنـة بعمـله أو يـدخل النار بعمـله.
 
وهنـاك آيـات كثيـرة وأحـاديث كثيـرة يسـتند إليهـا أصحـاب هـذا المـذهب، فيتـلون قوله تعالى: (ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ)، ويتلون قوله تعالى: (ﮠ ﮡ ﮢﮣ ﮤ ﮥ)، ويتلون قوله تعالى: (ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ)؛ ويتلون قوله تعالى: (ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ) وقوله سـبحانه: (ﯓ ﯔ) ، وقوله سـبحانه: (ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ) ، وقوله سـبحانه: (ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ) ، وقوله سـبحانه: (ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ).
 
ويتـلون الأحـاديث الشـريفة التي تـرتب على العمـل الجـزاء، قال رسـول الله : "إن أبـواب الجنة تحت ظـلال السـيوف"، وذلك يعني أن من يقاتل في سـبيل الله يدخل الجنة، وقـال أبو هـريرة: قال رسول الله : " تضمن الله لمن يخـرج في سـبيله لا يخـرجه إلا جهـادا في سـبيلي وإيمـانا بي وتصـديقا برسـلي فهو علي ضـامن أن أدخلـه الجنة، أو أرجعـه إلى مسـكنه الذي خـرج منه نائلا ما نـال من اجـر أو غنيمـة " ( )... إلى آخر الحديث.
 
يقـولون إن هذه الآيـات وتلك الأحـاديث تـدل على التكليف المبـاشـر للإنسـان، وإن الإنسـان هو الذي يفـعل أو يتـرك، ومثـل ذلك مئـات الآيـات ومئـات الأحـاديث التي يبـدو فيهـا بجـلاء لا يقبـل الجـدال أو الحـوار أن الله تعالى يأمر أو ينهى البشـر ويـرتب على أعمـال الناس الجـزاء، يأمـر الناس بالصـلاة والزكـاة وحسـن الجوار وصلـة الرحم، فمنهم من يسـتجيب ومنهم من لا يستجيـب، ويرتب سبحـانه بأقـواله الكريمـة أو اقـوال نبيـه  الجـزاء على الأعمـال، فكيف يجـوز أن يفكـر مسـلم بان كل هذه الآيـات قابلة للتأويل، أو لا بد من تأويلها ليصـح التقـاؤها مع الـرأي الأول القـائل بأن الله تعالى خلق أفعال العـباد، ويقـولون إذا حسـن أن نؤول في الشـيء النـزر اليسـير فلا يحسـن التأويل في القـرآن في معظمـه، إذن الإنسـان مأمـور ومنهـي وله حـرية الإختيـار بين الطاعة أو المعصية، والله سـبحانه وتعالى أكرم الإنسـان بهذا الإختيـار، وقال تعالى: (ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ)، فإذا كانت المخلوقات جميعـها لا تملك الإختيـار والإسـتجابة أو عـدم الإسـتجابة فإن الإنسـان فضـل على جميـع المخـلوقات بركـوبه ورزقـه الطيب وتفكيره واختيـاره أفعـاله؛ فإن الـدواب مسـخرة في اتجـاه واحـد، ولكن الإنسـان يؤمن ويكفـر، يفعـل ويتـرك، فلأعمـاله اتجـاهان وهذا مميـز عام له في سـائر حيـاته وسـائر عملـه.
 
الخـلاصـــــه:
 
إن الـرأيين متعـارضـان جـدا، متنـاقضـان تمـام التنـاقض، ولكـل مسـوغاته، ولكني أتسـاءل لماذا لم يأخـذ كل طـرف حجـج الطـرف الأخـر ليحـاوره فيهـا. إن الآيـات التي تـدل على إلـزام الإنسـان بأفعـاله متعـددة، فيجب دراسـتها وكشـف معـانيها، وبيـان أنهـا لا تطـابق الفكـرة المسـتخلصة، وأنهـا آيـات فهمـت على غيـر الـوجه الحـق. وعلى الفـئة الاخـرى مثـل ذلك، اي عليـها أن تسـتحضر تلك الآيـات التي يسـتـشـهدون بهـا لتـبـين أن مـعانيها وتفسـيراتها لا تعـزز آراءهم، لو توقف كل فـريق عنـد الآيـات كلـها التي يــستـشهد بها عند هـؤلاء وهـؤلاء لما وقـع هذا الخـلاف، لـكن الفـريق يـسـتند إلى بعض الآيـات ويترك الأخـرى فيـقع الإشـكال.
 
إن هذه الصـفحات تتـناول جميـع الآيـات المتعـلقة بالإختيـار أو خلق افعـال العبـاد التي وردت عنـد الفريقيـن، وتسـتخلص النتائج من النظر إليهـما جميعـا؛ ولا تتغـاضى عن آيـات قـد تـؤدي لنقض الـرأي كمـا لا تتغـاضى عن آيـات تـؤدي إلى تـعزيـز الـرأي. عليـك بهـذه الصفحـات تـدرسـها جميعهـا، ولـدى البـاحث ثقـة أن هـذه الـدراسـة الشـاملة سـتؤدي إلى رأي واضـح له علتـه ووجـاهتـه ويتنـاسـق مع قـوله : " تـركتـكم على المحجـة البيضـاء ليلـها كنهـارهـا ".