eKtab
EN ع
القضاء وبنيته في النص النقدي والروائي
اقرأ عينة مجانية

القضاء وبنيته في النص النقدي والروائي

بقلم بلسم محمد إبراهيم الشيباني

صفحة 1
مقدمة

دخل النقد العربيّ مرحلة صار فيها الاتجاه نحو تغيير أفق التعامل مع النصّ سردياً كان أم شعرياً حاجة لازمة، وأهم مظاهر هذا التغيير تتبدَّى في الاهتمام بما يطلق عليه (الشكل)، وعدم الفصل بين الشكل والمضمون، وإضاءة الأسرار الداخلية للنصوص، ولكن لا يكون ذلك إلاّ بإحداث تنوّع قرائيّ وبالاهتمام بالنظريات النقدية الحديثة السائدة وغير السائدة.
لأجل هذا، فإن الدخول في الممارسة النقديّة لمساءلة النصوص نفسها، والسعي نحو استنطاقها ذاتها، وليس فيما يدور حولها من مرجعيّات تاريخيّة، أو أطر اجتماعيّة وما إليها أو فيما له علاقة بتحليل شخصية الكاتب ونفسيته أو منظومته الفكريّة كان الهاجس الذي انبثقت منه فكرة هذا البحث.
ثم كان اتجاهنا إلى إبراهيم الكوني، ليس لأنه يمثّل علامة مضيئة في المشهد الروائيّ العربيّ والعالميّ على حدٍّ سواء، وإنما لقيام أعماله الإبداعيّة برمتها على مشروع سرديّ يجسِّد المكان/الفضاء سطوتَه الأولى، وفكرتَه الأساس، وحتى يمكن الإمساك بجوانب هذا المشروع السرديّ كان لابدّ من الاشتغال على أول عمل روائيّ للكاتب، وهو (رباعية الخسوف) التي أظهرت المتابعة النقديّة ضعف الاهتمام والعناية بها، كما أن التصوّر الذي دخلنا به لاستنطاق بنية فضاء النص بدا متوائماً مع طبيعة هذا العمل الروائيّ؛ ولذلك اخترنا رباعيَّة الخسوف متناً روائيّاً لمقاربة مقولة الفضاء.
وفي هذا الإطار، فإن ما يهدف إليه البحث باشتغاله على رباعيَّة الخسوف يظلّ محصوراً في تقديم قراءة يمكن أن توصف بأنها إحدى القراءات الممكنة، وإحدى أوجه التلقّي التي يُسْتَنْطَقُ من خلالها الفضاء في الرباعيَّة ليكون الفضاء فيها قابلاً لأن يُقْرَأ بأشكال أخرى مخالِفة أو حتى مغايِرة.
وهنا، وَقَع اختيارنا على البنيويَّة منهجاً، غيرَ أننا نزعنا عنها صرامة المنهج، واستبعدنا قيودَه حتى لم نُبقِ إلا على ما يجعلنا نتمسك بالمرونة التي تسمح بأن يكون المنهج في خدمة البحث، وليس البحث في خدمة المنهج، وحتى غدت البنيويَّة أُفُقاً لقراءة النصّ الروائيّ، ولم تَعُدْ منهجا ملزِماً بذاته، وبذلك هيَّأْنا لها إمكانات توظيف ما يُعِينُ تصوّرنا في تلقِّي فضاءات النص لنجد أنفسنا قادرين على أن نستمدَّ من البنيويَّة الشكليَّة ما نشيّد به منظورنا النقديّ الطامح نحو إخراج صورة إحدى القوانين الداخليَّة المتحكِّمة في صياغة مقولة الفضاء في الرباعيَّة، ومن البنيويَّة الهيكليَّة ما لا تناقضَ فيه مع التصوّر الذي انطلقنا منه.
وعلى مثل هذا النحو من تطويع المنهج، جاء اشتغالنا على الأدوات الإجرائيَّة التي اخترناها سبيلاً لتقديم فضاء الرواية وصورة البحث معاً، وبذلك كان الاتجاه نحو العمل بمقتضى رؤية خاصَّة، ومفهوم محدَّد، وهي الرؤية التي يمكن تلخيصها فيما اصطُلِح عليه بـ(التقاطبات الضدّيَّة) التي كانت مساراً للبحث واستنطاقاً للنصّ.
وبصورة عامة، تحقَّق حضور مبدأ التقاطبات الضديَّة في هذا البحث بشيئين:
أولاً: بوصفه غاية أساسيَّة يجري البحث عنها في أعماق الرباعيَّة.
ثانياً: بوصفه مساراً تنظيميّاً يحقق نسق العمل النقديّ في مقاربته للرباعيَّة.
كل ذلك، في إطار وثيق لا يفصل بين معنى التقاطبات الضديَّة ومعنى البنية ليكون نسيج التقاطبات الفضائيَّة المستنطَقة هو البنية التي تمَّ الوقوف عندها في موضوع (بنية الفضاء في الرباعيَّة).
وإلى جانب ذلك، جَهَدنْا أنفسنا في الاهتمام بالمستوى الدلاليّ، وعدم إقصائه عن اشتغالات البحث؛ إذْ لمَّا كانت البنيويَّة منهجاً لا يهتم بموضوع الدلالة، وكانت عناصر النصّ الروائيّ متضامَّةً غيرَ مفصولةٍ عن بعضها بدا الخَيَارُ نحو ربط البنية بالدلالة لازماً، فربطنا البنية بالدلالة، ووصلناها بكل مراحل المقاربة النصّيَّة.
ومع كل هذه المرونة التي اتّخذناها كان التصوّر الدقيق والرؤية الخاصة اللذيْن وضعناهما لمقاربة فضاء الرباعيَّة يُلقيان بنا في دائرة العوائق والصعوبات التي تتطلب منا أن نحاذِرَ الوقوع ضمن أي خطوة نخطوها في مزالق التلفيق والفوضى، ومن أخطرها الاقتراب من تُخوم منهج أو مناهجَ أخرى تبدو مناقِضة لما انطلقنا منه أو كانت بُغْيَتُنا فيه.
وكان لزاماً علينا ونحن نشكِّل صورة هذا البحث، ونؤسسُ لها أن ننطلق من الوقوف عند أبرز شيئين:
أولاً: محاولة ضبط مفهوم الفضاء ومفهوم البنية، والتمييز بين مصطلحيْ (الفضاء) و(المكان).
ثانياً: تحديد نمط المقاربات النقديَّة السابقة حول مقولة (الفضاء/المكان).
صفحة 2
ومن هنا، وضعنا البحث في بابين رئيسيْن؛ فخصَّصنا الباب الأول الذي أسميناه المنحَى النظريّ لمعالجة العنصرين السابقين مع موضوع (المكان في الحوار النقديّ) وموضوع (التقاطبات الضديَّة ومقاربة الرباعيَّة)، ووزّعنا كل هذا المادة بين فصلين؛ الفصل الأول (تأطير)، والفصل الثاني (عرض).
ثم انتقلنا إلى مستوى آخر من التحليل، وهو مستوى مقاربة فضاءات النص متن الدراسة والتحليل، فجاء الباب الثاني الذي أطلقنا عليه المقاربة النصّيّة ليكون في قسمين بأربعة فصول، كلّ قسم يضم فصلين، يقارب في فصله الأول من القسم الأول (بنية الفضاء في الرباعيّة)، وهي البنية التي جرى استنطاقها من النص، وفي فصله الثاني موضوع (الأصوات والروائح)، وموضوعة (الموت والفضاء في الرباعيَّة) وكلها قضايا طرحت علاقات الأفضية وسماتها في الرباعية.
أما القسم الثاني فأردناه أن يكون نقلة أخرى ضمن مسار المقاربة النصيَّة، ليقف في الفصل الثالث عند موضوع (مستلزمات الوصف البصريّ وعوائقه)، وموضوع (أنواع الوصف ووظائفه)، وفي الفصل الرابع والأخير اخترنا الوقوف عند ثنائية وصفيَّة قاربنا من خلالها حركيَّة الوصف التي استنطقناها من طبيعة الفضاء نفسه، وهي ثنائيّة الثابت والمتحرّك، ثم انتقلنا إلى آخر الموضوعات، وهو وصف الأثاث والتأثيث، وهما فصلان معنيّان بتقنيات وصف (الفضاء ـ المكان).
وبعد نهاية كل فصل من هذه الفصول الأربعة قمنا بوضع (محاولة تركيب) جمعنا فيها ما فكّكناه.
وختمنا البحث بخاتمة رصدنا فيها أهم النتائج التي انتهينا إليها.
ثم أرفقنا به مُلحقاً تضمَّن تعريفاً بأهم الأعلام الأجانب المستعان بآرائهم وتحليلاتهم في كل أجزاء البحث، وتعريفاً آخر بأبرز الشخصيات الإنسانية الواردة في المقاربة النصيَّة، وقائمة بالمؤلّفات العربيَّة للكاتب إبراهيم الكوني حتى سنة 2001، وقائمة أخرى بعناوين بعض الدراسات النقديَّة المتعلقة بالفضاء أو المكان في الخطاب الروائيّ العربيّ ممَّا لم نوظفها في بحثنا؛ لابتعاد اتجاهها عن مسار البحث، أو لغياب المادة النظريَّة التي يمكن أن نفيد منها فيه، فلعلّها تخصّ باحثين آخرين أو تُعينُهم في شيء.
وأخيراً قمنا بإثبات المصادر والمراجع المعتمدة في البحث.
وقبل هذا وذاك، كنا افتتحنا البحث بمفتتح جمعنا فيه جزءاً من الأقوال التي تعرض آراء النقّاد والباحثين في تجربة الكاتب إبراهيم الكوني الإبداعيَّة، وأثره في المشهد الروائيّ، وبعض الآراء الأخرى ذات الصلة برباعية الخسوف.
إنّ إنجاز البحث على صورته هذه لم يكن ليخلو من مصاعب وعقبات، بل إنه كان طريقاً محفوفاً بالصعوبات، غارقاً في المتاهات التي ظلّت تلازمه وتمارس عليه سطوتها بلا فِكاك، لعلّ أولها: حداثة الموضوع المُتوجَّه إليه.
وثانيها: قلة المراجع العربيَّة المعنيَّة بمقولة الفضاء بما جعل الحصولَ على مرجع أساسيّ واحد من مراجع البحث يمثِّل رحلة عناء لوحدها ظلّت تستلّ من جهد الباحثة ومن زمنها ما لا يمكن ردّه أو القبض عليه.
وثالثها: ندرة المراجع المتعلقة بالكاتب إبراهيم الكوني، وضعف الإفادة من تلك الدراسات المتفرّقة التي كتبت عنه وحول أدبه، فحتى مجلة (الجديد) في عددها العاشر- ربيع سنة 1996 التي خصّصت محورها للكاتب إبراهيم الكوني وقدَّمت دراسات لبعض إبداعاته والتي تُعَدُّ من أوائل الدوريات التي عُنِيَتْ به لم نجد ما يمكن أن نوظفه منها في بحثنا.
ورابعها: صعوبة الحصول على المراجع الأجنبيّة، وهو ما تطلّب البحث عن أهمها في البلدان الغربيَّة.
وخامسها: الاضطراب في فهم المصطلحات النقديّة المعاصرة، والاختلاف في ترجمتها للعربيَّة باختلاف المترجمين أنفسِهم، وباختلاف الاتجاهات النقديَّة ومناهجها.
وسادسها: ضيق موضوع البحث، وانحصاره في مقاربة عنصر واحد من عناصر الخطاب الروائيّ، ومن خلال رواية واحدة فقط.
وسابعها: طبيعة موضوع الفضاء، القريبِ من المحسوس والماديّ والمجرّد، والبعيدِ عماَّ سواه من تخيّل وخيال.
وثامنها: أنّ الفضاء المعنيّ بالمقاربة والتحليل هو فضاء مسكون ببشر وشخصيّات، مكتظٌّ بالأحداث، عامر بالزمن، فكل تعامل نقديّ مع هذه المكوّنات الأخرى للنص الروائيّ لابدّ أن يكون بحضور الفضاء نفسه، وليس بمعزلٍ عنه؛ لأننا ندرس الفضاء أساساً.
وتاسعها: ضيق أفق الرؤية المتوخّاة في استنطاق فضاءات النصّ.
وعاشرها: عدم حصول التراكم النقديّ المؤهِّل لسهولة التعامل مع المناهج الحديثة وإدراك كيفيّة توظيفها.
وحادي عشرها: ندرة أهل الخبرة والاختصاص في الدراسات السرديَّة، وفي الطرح النقديّ الجديد الذين يمكن الإفادة منهم أو حتى الاستئناس بشيء من فكرهم وآرائهم.
صفحة 3
وثاني عشرها: تدنّي مستوى الإفادة من شبكة المعلومات الدوليَّة.
وثالث عشرها: سفر الأستاذ المشرف للعمل خارج الجماهيريّة طيلة فترة البحث، وهو ما أفقدَنِي تواصلاً كنتُ بحاجة مُلحَّة إليه.
ورابع عشرها: انعكاس كل هذه العقبات - وأخرى كثيرة غيرها - على نفسيَّة الباحثة، وتعرّضها لفترات من الشعور بأوهام الإخفاق التامّ، وعدم جدوى البحث والرؤية والتصوّر.
ويبقى أن نشير إلى أننا استعملنا مصطلح الفضاء في المقاربة النصيَّة، - أي في الباب الثاني من البحث - فيما لجأنا إلى استعمال مصطلح (المكان) في الباب الأول منه (المنحى النظريّ) والاكتفاءِ به، وقد يرى المتلقّي أن في هذا ما يشبه الحياد عن المسار العلميّ الذي اتخذناه حين جعلنا (الفضاء) عنواناً للبحث، أو أنه الخلط بين المصطلحات، أو حتى الفصل الحادّ بين النظرية والتطبيق، ولكنْ ليس لأي من هذه الاحتمالات شيء فيما كان من ذلك، وتفسيرنا في الآتي:
أولا: مصطلح (الفضاء) مفهوم إجرائيّ أكثر منه مفهوم نظريّ.
ثانيا: عدم إرباك القارئ فيما بين مصطلحيْ (الفضاء) و(المكان) من أوجه تشابه واختلاف.
ونشير أيضا إلى أننا اعتمدنا على الطبعة الثانية للرباعيَّة، تلك الصادرة عن دارَي تاسيلي والتنوير، التي وُصفت بأنها طبعة مقوّمة، ومع ذلك، لم تَخلُ هي أيضاً من أخطاء لغوية ونحوية ومطبعية، فقمنا في الهامش بتصويب ما وجدناه منها عند النقولات الحرفيَّة من الرباعيَّة.
وبعدُ، فإنّ هذا البحث حريّ به أن يقدِّم الشكر لمن كانوا أهلاً له، وهنا أتوجه بإسداء جزيل الشكر إلى أستاذي الفاضل، الأستاذ الدكتور محمد مصطفى بن الحاج، الذي تفضّل بقبول الإشراف على هذا البحث، الذي أفاض عليَّ من روحه الطيّبة، وكلماته المشجّعة، ومعاملته الإنسانية الراقية، فجازاه الله عنّي بخير ما يُجازَى به العلماء
كما أتوجه بعظيم الشكر والتقدير إلى الأستاذ الدكتور عبد الحكيم الأربد الذي عهدتُ إليه بترجمة بعض الدراسات الفرنسيّة إلى العربيّة فاستقبلني بأريحيَّة ومحبَّة، وتولَّى عنِّي عبء ذلك.
وأقدم الشكر كلَّه إلى الشاعر لطفي عبد اللطيف الذي قصدته بعد سفر الدكتور عبد الحكيم الأربد للعمل بالخارج، وبعد محاولة مع أحد مكاتب الترجمة قادت إلى الحصول على ترجمة سيّئة ورديئة، ليعيد لي ما كان من أمر تلك المحاولة التي كانت في بعض موضوعات كتاب (L’espace romanesque) لمؤلِّفه (Jean Weisgerber)، وبعضِ ترجمات لموضوعات أخرى، فكان نِعم ما يقوم به، يقلِّب الكلمة بفكره في احتمالاتها الشتَّى، حتى تستقيم في سياقها المقصود، دون أن تغيب عنها كثافة الحضور الشعريّ لديه، حتى جاءت ترجمته ممزوجة بنفس شعريّ عميق، فله منّي صادق الشكر والتبجيل.
وهنا أشكر عمّي الدكتور مصطفى إبراهيم الشيباني، الذي يعود له الفضل في تمكّني أساسا من الحصول على هذا الكتاب.
كما أقدِّم خالص الشكر إلى النّاقدة فاطمة سالم الحاجّي، التي أمدّتني بثلاثة كتب هامة ممّا كنت أبحث عنها ولا أجدها، وزَوَّدتني بكتاب رابع ممّا لا عهد لي به، فيما كنت أمدّها أو أدلّها على ما أعثر عليه من دراسات أو كتبٍ حول موضوع الزمن.
والشكر أيضاً أنثره على الإذاعيّ الأستاذ عبد الله سالم مليطان، الذي أبدى استعداده للبحث عن أيّ كتاب أراني بحاجةٍ إليه، حتى صحِبَتْهُ عناوينُ كتبي المفقودة في أسفاره، من بيروتَ إلى مصر إلى بغداد إلى تونس، وفي كل مرّة كان يجد الكتب المطلوبة نافدة من دور النشر ومن كثير من مكتبات هذه الدول، إلى أن تمكَّن من الحصول على آخر ما طلبت، وهما كتابا (شعريّة الفضاء) لحسن نجمي، و(ملحمة الحدود القصوى) لسعيد الغانمي اللذان يُعَدَّان من أحدث الكتب التي خصِّصت كلّ متونها لموضوع الفضاء، ولعالم الكاتب إبراهيم الكوني.
وأشكر صديقتي محبوبة أحمد الريَّاني على رفقة كانت فيها شاهداً على كل صغيرة أو كبيرة من عذابات هذا البحث.
وأشكر أيضاً زميلتي وصديقتي إيمان محمد هامان التي كانت تبادلني التشجيع على إنجاز البحث وتجاوُز صعوباته.
وأشكر الدكتور علي برهانة أمين مركز التراث بسبها، الذي طلبت منه كتابي (شعرية دستويفسكي) و(تقنيات السرد الروائي)، قبل أن أعثر على ثانيهما في طبعته الثانية من إحدى معارض الكتاب، فلم يَتَوَانَ عن الاهتمام بي، حتى مَدَّني بهما مصوّرَيْن.
وأخيراً فإني أقدّم أسمى آيات الشكر والعرفان إلى المركز الثقافي التونسيّ الليبيّ، الذي احتضن ولادة هذا البحث ورعاه، حتى صار إلى هذه الصورة، فأشكر الأستاذ أحمد السالمي مدير المركز، وأشكر الأخ مختار الحمداوي أمين مكتبة المركز، الذي كان له الفضل في إمدادي بأعداد مميَّزة وحديثة من بعض الدوريات التونسيَّة، ولا سيما مجلة (الحياة الثقافية)، ومجلة (المسار).
وإلى جانب كل هؤلاء، أشكر كلَّ من كان له عليَّ أثرٌ أو بعض أثر من كلمة طيّبة ودعم جميل. وإن وُفّقت في شيء فَمِن الله، وإنْ أخفقت فذلك منِّي.
صفحة 4
الباب الأول المنحى النظريّ

الفصل الأول : تأطير

الفضاء والمكان لغة

يمثل الرجوع إلى المعجمات اللُّغويَّة انطلاقة أساسيَّة لا غنىً عنها لبعض البحوث العلمية التي تسعى إلى الدقةِ في تحديد المصطلحات، والوضوحِ لإيصال المفهومات.
ويُعدُّ (لسان العرب) نموذجاً لُغويًّا لتحقيق ذلك. فعند بحثنا عن مادة (فضا) في هذا المعجم نجد تحتها (الفضاء : المكان الواسع من الأرض ... والفضاء: الخالي الفارغ الواسع من الأرض ... والفضاء: الساحة وما اتسع من الأرض)(1).
كما نجد قولاً آخر وهو : (الفضاء ما استوى من الأرض واتسع، قال: والصحراء فضاء)(2).
ويستوقفنا ما جاء في هامش هذه المادة نفسها من أن (الفضاء مشترك بين الحدث والمكان)(3).
وإذا ما انتقلنا إلى المعجمات المعاصرة لنرى ما قدّمته الاكتشافات العلميَّة والعلوم التطبيقيَّة من إضافاتٍ ومعانٍ وجدنا (المعجم الوسيط) مثلاً يذكر: (الفضاء ما بين الكواكب والنجوم من مسافات لا يعلمها إلاَّ الله)(4).
ولمّا كان مصطلح (الفضاء) ذا صلة وثيقة بمصطلح (المكان)، كان لابد من متابعة ما أوردته المعجمات اللغوية من معانٍ حول هذه المادة.
فـ (المكان الموضع ، والجمع أمكنة، وأماكن جمع الجمع)(5).
ومما تقدم ندرك المفهومات الآتية:
1- الفضاء مكان، ولكنه غير محدّد، إنّه متسع، وفارغ وخالٍ.
2- المكان شيء محدّد، ولا يتعدى مفهومه (الموضع).
3- إطلاق مفهوم (الفضاء) على الصحراء يشير إلى تنبّه العرب قديماً إلى التمييز بين المفهومات، وبلوغهم الدقة في توضيح المعاني حتى اكتسبت (الصحراء) صفة (الفضاء) وتجاوزت لفظ (المكان).
4- إطلاق مفهوم (الفضاء) على المسافات الواقعة بين الكواكب والنجوم يشير إلى انتقال الدلالة بكل معانيها السابقة إلى حيِّزٍ جديد أضافته الاكتشافات العلميَّة الحديثة.
5- صفة (الفراغ) و(الخلو) التي يحملها مصطلح (الفضاء) لا تعني عدم احتواء الفضاء على الحدث أو الحركة أو الحياة، وإنما عدم غلبة الأشياء الماديَّة المحسوسة التي قد يحملها الفضاء.
* * *
صفحة 5
(الفضاء) و(المكان) اصطلاحاً أدبيّاً ونقديّاً

لا يستطيع الباحث وهو يتصدَّى لدراسة (الفضاء) في الخطاب الروائيّ أن يهملَ مصطلح (المكان) سواءٌ أكان ذلك بالإشارة إليه أم بتوظيفه في المقاربة. ويرجع ذلك لتلازم المصطلحين في الدرس النقديّ، والتصوُّر الفكريّ المعاصر.
ويتوزع مفهوما (الفضاء) و(المكان) في الاصطلاحات الأدبيّة والنقديّة بين ما جاء في المعجمات الأدبيّة والموسوعات العلميّة، وبين ما طرحته الممارسات النقديّة من تصوُّراتٍ وإشارات.
والحق فإن محاولة إيجاد تعريفٍ واحدٍ متَّفقٍ عليه في الكتابة الأدبيّة والنقديّة ولاسيما العربيّة، أمرٌ صعب المنال - في وقتنا الراهن - إذ مازالت أغلب المصطلحات النقديّة المعاصرة تشكو من عدم اتفاق النقاد على تحديد مفهوماتها.
و(الفضاء) و(المكان) من المصطلحات التي لم تحظَ بالدقة العلميّة اللازمة والمطلوبِ توافرها في أية ممارسة نقديّة، كما أن الألفاظ المتعلقة بموضوع الفضاء والمكان لا تَقْصُرُ البحث على وجود مصطلحي (الفضاء) و(المكان)، بل تتعداهما إلى طرح مصطلحات أخرى كثيرة، تضع الدارس أمام مواجهةٍ غير متزنة لهذا العدد الكبير من المصطلحات، وذاك الاضطراب في فهمها، والاختلاف في استعمالها وتوظيفها.
ويمكن ذكر أغلب هذه المصطلحات ذات الصلة بموضوع الفضاء كما يلي:
الفضاء - المكان - البيئة - الإطار - الحيِّز - المكان الروائيّ - المكان في الرواية - الفضاء المكانيّ - المكان الحكائيّ - الفضاء الجغرافيّ - الفضاء الواقعيّ - الكرونوتوب - الزمكان - الفضاء الروائيّ - الفضاء الزمكانيّ - الفضاء منظوراً - الفضاء الدلاليّ - الفضاء الموضوعيّ للكتاب - الفضاء النصيّ - الفضاء الطباعيّ - فضاء النص - الفضاء الكتابيّ - الفضاء الحكائيّ.
وأشدُّ هذه المصطلحات التصاقاً وتواتراً هما مصطلحا (الفضاء والمكان)، وإذا كانت الباحثة قد جعلت عنوان هذه الرسالة موجهاً إلى الفضاء وبنيته في النص الروائيّ، فإنها لا تستطيع أن تشرع في بيان مصطلح الفضاء على المستوى الاصطلاحيّ قبل أن تطرح مفهوم المكان وذلك لسببين:
الأول: يتعلق بالترتيب الزمنيّ لظهور هذين المصطلحين؛ فمصطلح المكان أسبق نقديًّا في الظهور من مصطلح الفضاء.
الثاني: ينبثق من مفهوم المصطلحين نفسيهما وأفق العلاقات والالتباسات القائمة بينهما(*).
فما المقصود بالمكان في النص الروائيّ؟
لمّا كانت اللغة قد حدّدت مفهوم المكان بالموضع، فإن أول ما يقال عن المكان في النص الروائيّ إنه الموضع الذي تتحرّك فيه الشخصيّات، غير أن اختلافاً وقع بين النقاد في تحديد المكوِّنات والمساحات التي يشتمل عليها هذا الموضع ، إذ يفسّر طه وادي المكان بمعنى البيئة حين يقول (المكان - في الحقيقة - هو البيئة التي يعيش فيها الناس)(6).
ويجعل عبدالفتاح عثمان للمكان دلالتين؛ الأولى دلالة جغرافيّة مرتبطة بمساحة محدودة من الأرض في منطقة ما، والثانية دلالة أوسع تشمل البيئة بأرضها، وناسها، وأحداثها، وتقاليدها، وقيمها، وهمومها وتطلعاتها(7).
وعلى عكس هذا القول تذهب الباحثة سعاد القراضي إلى التمييز القاطع بين البيئة والمكان ، فتشير إلى أن (البيئة هي الظروف الاجتماعية والاقتصادية والروابط الاجتماعية والعادات والتقاليد)(8) في حين ترى أن المكان هو (ذلك الحيز المحدود بمساحة معينة مثل المقهى والطائرة ومحلالعمل)(9).
وبصرف النظر عن الاختلافات القائمة حول تعريف المكان، فليست هناك حاجة إلى توسيع مفهوم المكان ليشمل البيئة، أو إلى الخلط بين مفهوم المكان ومفهوم البيئة، إذ تظلُّ البيئة شيئاً آخر غير المكان، وهو ما ذهبت إليه الباحثة سعاد القراضي، وما تؤكده هذه الدراسة أيضاً.
وهناك تصورٌ أكثرُ تفصيلا وتحديداً يرى أن المكان يشير إلى البيئة الطبيعية أو الاصطناعية من بنايات بمختلف أنماطها ووظائفها ومن شوارع وسيارات .. تعيش فيها الشخصيات الروائية وتمارس وجودها ، كما يضم المكان قطع الأثاث والديكور والأدوات بمختلف أنواعها واستعمالاتها ، ويشمل أيضاً الوقت من اليوم وما يترتب عليه من أضواء أو ظلمة ، والطقس بكل أحواله ، والأصوات والروائح(10).
صفحة 6
ويذكر روبير في معجمه (Le Petit Robert) أن المكان جزء من الفضاء محدد، ينظر إليه بشكل عام ومجرّد(11).
أما مصطلح (الفضاء) فقد اختلفت الآراء في تعريفه وتوظيفه اختلافاً كبيراً. وقد جاء في معجم (روبير الصغير) أي (Le Petit Robert) الإشارة إلى وجود تطور في المصطلح مفهوماً وكتابة؛ فكانت حوالي سنة 1160 إلى سنة 1190 (Spaze)، وتعني حين أو لحظة أو برهة،ومتعلقة بالزمن بالخصوص، وغالباً مؤنثة(12).
ولعل محاولة للنظر فيما جاء في (معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة) من تحديد لمصطلح (الفضاء) تقودنا إلى مواجهةٍ غيرِ متزنة أو مقبولة، فالمعجم يقدم مصطلحات أخرى ترتبط بالفضاء، وهي(13):
الفضائيّة، والفضاء الإدراكيّ، والتحديد الفضائيّ، والتفضية، والتفضية الإدراكية، والفضاء الصغير، والفضاء الإتيوبيّ.
وتقرّ الباحثة بأنه لم يتسنَّ لها استيعابُ شيءٍ جاء لإيضاح هذه المصطلحات، وترى أن التواء وتعميةً يسيطران على أغلب هذا الكتاب.
ويجيء في معجم روبير: الفضاء مكان متفاوت التحديد، يمكن أن يقع فيه شيء. وهو مساحة معينة. يقال فضاء فارغٌ، حرٌّ، مليء، مشغول. وقد تستعمل اللفظة للزمن(14).
أما الموسوعة الفرنسية (La Grande Encyclpedia) فتذكر أن الفضاء مرتبط بإدارة الاتجاهات، أي أن (إدراك الفضاء يعني القدرة على وضع الأشياء بعضها إلى بعض، كما أنه يعني أيضاً تقدير العلاقات القائمة بينها، والطرق التي تتموقع بالنسبة لبعضها. فالأمر يتعلقإذنبإدارة الاتجاهات، وبتقييم المسافات والامتدادات)(15) وتشير هذه الموسوعة إلى أن هناك عدة أنواع من الفضاء، كالفضاء السمعيّ، والفضاء النفسيّ، والفضاء البصريّ(16).
وتترجم سيزا قاسم المصطلح الفرنسيّ (Espace) إلى العربيّة فتعطيه مفهوم (الفراغ)(17) وفي مجال النقد السينمائيّ يُقَابَلُ معنى الفراغ باستحياء حين يعلن فاضل الأسود عدم ارتضائه مصطلح الفراغ بقوله (والبحث يتحفظ على استخدام كلمة (الفراغ)(*) والتي تعني لا شيء موجود)(18).
أما غالب هلسا فيترجم المصطلح الإنجليزي (space) للعربيّة إلى المكان وذلك من خلال ترجمته لكتاب غاستون باشلار (La poetique de l’espace) المكتوب - أساساً - باللغة الفرنسية عن اللغة الإنجليزية إلى (جماليّات المكان)(19).
وإذا كان الإنجليز أنفسهم يروْن أنّ كلمة (space) (من الكلمات الشائعة التي تحمل من المعاني ما قد يجعلها تلتبس على الأذهان)(20) فإن ترجمة غالب هلسا لمصطلح (Space) إلى المكان قد جنت على الأدب العربي. وهنا نتفق مع حسن نجمي في إثبات المزالق التي وقعت فيها ترجمةالكتاب(21).
ويعرّف محمد سويرتي الفضاء بأنه ( كل ما يحيط بالإنسان، أي كل ما قد يوجد تحت قدميه أو فوق رأسه أو على يمينه وشماله، أو تجاه ناظريه ووراء ظهره)(22).
ونستخلص أن هذا التعريف غير موجّه لما يشتمل عليه النصّ السرديّ، ولاسيّما الروائيّ من مساحاتٍ ومواقع وأمكنةٍ، تجري فيها الأحداث الروائيّة، وتتحرك عليها الشخصيات، وأنه غير موصول بالتصوّر النقديّ في ممارساته الجديدة.
ويقوم الناقد حسن بحراوي باختيار مصطلح (الفضاء) في مقاربته لنصوص روائية مغربية جاءت في كتابه (بنية الشكل الروائيّ)، ولكنه لا يذهب إلى تقديم تعريف محدَّدٍ أو متكامل لمفهوم الفضاء(23).
وهنا نجد الباحث مختار الأدهم يصف الناقد بحراوي في كتابه المذكور بأنه لم يحرص على إعطاء المتلقي تحديداً دقيقاً للمصطلحات، وأنه أسرف في استعمال مصطلح (الفضاء) في كل ما يتعلق بالرواية بما جعل الباحث يسوق فرضيّة مفادها أن بحراوي استعمل مصطلح الفضاء بمعنى المكان داخل العمل الروائيّ، ومصطلح المكان للمظهر الماديّ أي المكان خارج النص الروائيّ(24).
ولا توافق الباحثة الباحث فيما آل إليه من استنتاجٍ، وتفنِّد هذا القول بأن الناقد حسن بحراوي كان يسرف في استعمال مصطلح الفضاء في كل ما يتعلق بالرواية بسبب منطلقاته الفكريّة التي كانت تستند إلى المفهوم الفرنسيّ الذي ضاق عن استخدام مصطلح (المكان)، واتّجه إلى مصطلح (الفضاء). كما أنّ مصطلح (المكان) لم يكن يعني لدى بحراوي المظهر الماديَّ الكائن خارج النص؛ لأنه كان يستعمل مصطلح المكان في أثناء ممارسته النقديّة للمتن الروائيّ المدروس ، قاصداً به مظاهر ماديّة موجودة داخل النص.
وتأتي محاولة الناقد حميد لحمداني لوضع حدود فاصلة بين الفضاء والمكان محاولة جادة في التأسيس لمفهوم المصطلحين، والتمييز بينهما(25)، يخلُص من خلالها إلى القول بأن (الفضاء في الرواية هو أوسع ، وأشمل من المكان، إنه مجموع الأمكنة التي تقوم عليها الحركة الروائيةالمتمثلة في سيرورة الحكي، سواء تلك التي تم تصويرها بشكل مباشر، أم تلك التي تدرك بالضرورة، وبطريقة ضمنية مع كل حركة حكائيّة. ثم إن الخط التطوريّ الزمنيّ ضروريّ لإدراك فضائية الرواية بخلاف المكان المحدد، فإدراكه ليس مشروطاً بالسيرورة الزمنية للقصة)(26).
صفحة 7
وعلى غرار هذا يأتي تعريف الناقد سعيد يقطين، حين يصرح باتفاقه مع حميد لحمداني في تمييزه بين الفضاء والمكان، ولاسيّما في عمومية مفهوم الفضاء، وخصوصية مفهوم المكان(27)، ثم يقول: (إن الفضاء أعم من المكان، لأنه يشير إلى ما هو أبعد وأعمق من التحديد الجغرافيّ، وإنكان أساسياً. إنه يسمح لنا بالبحث في فضاءات تتعدى المحدّد والمجسَّد، لمعانقة التخييليّ، والذهنيّ، ومختلف الصور التي تتسع لها مقولة الفضاء)(28).
أما الناقد (أوستن وارين) فيستخدم مصطلحين آخرين غيرَ (المكان) و(الفضاء) فيطلق على المكان مصطلحي الإطار والبيئة فيقول: (الإطار هو البيئة، والبيئات وبخاصة البواطن البيتية، قد تصور على أنها تعبيرات مجازيّة عن الشخصية. إنّ بيت الإنسان امتداد لنفسه. إذا وصفت البيت فقد وصفت الإنسان)(29).
ويضيف عبدالملك مرتاض مصطلحاً آخرَ معادلاً لمصطلح (الفضاء)، وهو مصطلح (الحَيِّز)(30). ففي تحليله لحكاية حمّال بغداد من ألف ليلة وليلة نصاً سردياً يُوظَّف مصطلح (الحيِّز) ثم يقابلنا في موضع آخر من هذا التحليل وهو ينقل مصطلح (الحيِّز) من مفهومه المباشر الدال علىالحدود الجغرافيّة التي ينطوي عليها، ويتوقف عندها إلى دلالة مجازيّة فيطرح مصطلح (الحيِّز الزمانيّّ)، مثلما يجمع بين الحيِّز والمكان في مصطلح واحد فيقدم مصطلح (الحيِّز المكانيّ)(31).
وفي مقاربته لقصيدة (أشجان يمانية) يلجأ عبدالملك مرتاض إلى المصطلح ذاته تاركاً استخدام مصطلح (الفضاء) لنجده يقول: (نريد أن ننبِّه إلى أننا لا نميل إلى اصطناع مصطلح (الفضاء) الذي لهج باستعماله المشارقة والمغاربة، لأنَّا نراه مجرد ترجمة فطيرة للمصطلح الغربي (ESPACE)؛ وإنما نؤثر اصطناع مصطلح (الحيِّز) معادلاً لذلك)(32).
ويذهب إلى وضع تمييز بين (الفضاء) و(الحيِّز) فيرصد قوله: (الفضاء يجب أن ينصرف إلى الدلالة على الفراغ الذي يحيط بالأرض ... بينما (الحيِّز) (وهو مصطلحنا) شديد التسلط بحيث يستطيع أن ينصرف إلى اليابس والمائيّ، وإلى الملموس من المكان، وإلى مجرد الممتلئ بالهواء والغاز. كما يجب أن ينصرف إلى كل الخطوط والأبعاد، والأحجام، والأثقال، والقامات، والامتدادات، والأشكال على اختلافها)(33).
وفي كتابه (في نظرية الرواية) يعقد مقالة خاصة بموضوع المكان تحت عنوان (الحيِّز الروائيّ وأشكاله)(34) يؤكد فيها انتصاره لمصطلح الحيِّز واستبعاده لمصطلح الفضاء. كما يرى أن للحيِّز مظاهر يَمْثُلُ فيها، ويحصرها في مظهرين؛ واحد جغرافيّ، وآخر خلفيّ(35).
ويقارن بين الحيِّز والمكان فيرى بأن للمكان حدوداً تحدّه ونهاية يقف عندها، وأن الحيِّز ليس له حدود ولا انتهاء، وأنه من بين العناصر التي يتشكل منها البناء الروائيّ كاللغة والزمان والشخصية وغيرها، وهو يمكن أن يرتبط بالشخصية واللغة والحدث ارتباطاً عضوياً ليغدو بذلك عنصراً مركزياً في تشكيل العمل الروائيّ(36).
وترى الباحثة هنا أنّ ما يضعه مرتاض من تمييز بين المكان والحيِّز لا يأخذ حكماً فاصلاً بينهما، ولا يمكننا أن نجعله في صورة قطعيّة ثابتة، فقد يكون للحيِّز حدوده ونهايته كما يكون للمكان ارتباطه العضويّ بين سائر مكونات البناء الروائيّ بما يجعله عنصراً مركزياً فيها.
ويستعمل الناقدان سمر روحي الفيصل(37) وحسن بحراوي(38) مصطلح (المكان الروائيّ) مرادفاً لـ(المكان في الرواية)، أي المكان الذي تجري فيه أحداث الرواية.
أمّا مختار الهادي الأدهم فيخصّص للمكان الروائيّ مفهوماً غيرَ ذلك، إذ يقول: (المكان الروائيّ: ونعني به تلك الصفات الماديّة والمحسوسة للمكان في النصّ الروائيّ)(39).
ويتوسع الناقد حميد لحمداني في تحديد عنصر الفضاء، فيطلق مصطلح (الفضاء الحكائيّ) الذي يقصد به كل التصورات والآراء المتعلقة بموضوع الفضاء في الرواية بشكل خاص، سواء أكان الفضاء موصولاً بما تجري فيه الأحداث وتتحرك عليه الشخصيات أم كان مرتبطاً بكيفية ظهور النص على صفحات الكتاب، ومستوى طباعته(40).
وواضح أنّ هذا المصطلح وهو (الفضاء الحكائيّ) ليس من وضع الناقد نفسه، بل هو مستمد من سلسلة الإنجازات النظريّة والممارسات النقديّة التي قدمتها البنيوية.
وفي الوقت نفسه نرى الناقد حسن بحراوي يستخدم مصطلح (الفضاء الحكائيّ) دون أن يقصد به كل التصورات والآراء المتعلقة بموضوع الفضاء، وإنما يميزه عن الفضاء النصيّ، والفضاء الواقعيّ(41).
كما يقدم حسن بحراوي مصطلحاً آخر، وهو (المكان الحكائيّ) الذي اكتفى بإيراده مرة واحدة في كتابه (بنية الشكل الروائيّ)، وقد جاء هذا المصطلح في سياق مصطلحات أخرى، وهي الفضاء النصيّ، والفضاء الطباعيّ، والفضاء الروائيّ الذي اقترن بالإشارة إلى تمتّعه بالمظهر التخيُّلي أو الحكائيّ(42).
وينتقل حسن بحراوي إلى مصطلح آخر وهو (الفضاء المكانيّ) الذي يستعمله مرادفاً آخرَ للمكان الذي تجري فيه أحداث الرواية، مساوياً في ذلك بين المكان الواقعيّ المحسوس والمكان الذي يمثل مجرّد حلم أو رؤية(43).
أما (ميخائيل باختين) فنراه يستخدم مصطلح (الفضاء المكانيّ) لآداء مفهوم غيرِ المفهوم السابق، وقد فسَّر تزفيتان تودوروف هذا المفهومَ لديه بأنه أحد العنصرين المكوّنين لنموذج العالم الذي يقدمه النص، وهذان العنصران هما الفضاء المكانيّ والزمان(44). وفي هذا الإطار يمكن القولبأنّ هذا المصطلح (يدور حول مفهوم (احتمالية وقوع حدث) والقدرة على قياسه)(45).
ويستخدم الناقد حميد لحمداني مصطلح (الفضاء المكانيّ) لوصف الفضاء النصيّ(*). كما يشير إلى وجود تصوُّر يرى في الفضاء معادلاً للمكان من حيث إن ما يطلق عليه الفضاء الجغرافيّ المتمثل في هذه الإشارات الجغرافية يعدُّ معادلاً لمفهوم المكان الذي تصوّره الرواية(46).
كما يعرّف (الفضاء الجغرافيّ) بأنه (مقابل لمفهوم المكان، ويتولّد عن طريق الحكي ذاته، إنه الفضاء الذي يتحرك فيه الأبطال، أو يفترض أنهم يتحركون فيه)(47).
صفحة 8
وهنا يقع التأكيد على اختلاف الضوابط المرجعيّة وعدم الدقة في تحديد المصطلحات المتعلقة بموضوع الفضاء؛ فما نستخلصه من التعريف ثلاثة أشياء:
الشيء الأول: إن الناقد لم يكن دقيقاً من حيث الاستعمالُ اللغويُّ في تعريف هذا الشكل من أشكال الفضاء؛ فاقتباس القارئ لهذا التعريف من غير العودة إلى ما سبقه من تحليل وشرح يُوقع في التباسات عدة؛ لأن الناقد قَصَد من كلمة (مقابل) أداء معنى (المعادل) وأبان عن ذلك - مثلما أوضحنا في الصفحة السابقة - وليس بِخَافٍ على المختصين ذلك التحديد البلاغيّ الذي يرى في كلمة (المقابل) أداء معنى (المعاكس) أو (الضد). والغاية هنا أن الفضاء الجغرافيّ هو مرادف لمعنى المكان وليس ضدًّا له.
الشيء الثاني: إن الفضاء الجغرافيّ هو نفسه الفضاء الذي يضعه الروائيّ لأبطاله للحركة فيه، سواء تضمن ما يمكن الرجوع إليه، أو تلمسه حقيقة خارج النصِّ، أو ما يمكن عدُّه من صنع الروائيِّ نفسه.
الشيء الثالث: إن الناقد استقى مفهومه للفضاء الجغرافيّ من حدود عنصر الإيهام والتخييل الذي يتولّد من استخدام الفضاء داخل النص.
فالضابط المرجعيّ، وهو الإيهام الذي اعتمده الناقد حميد لحمداني في هذا الإطار لم يفصل القول بين الاختلافات القائمة حول مصطلحي (الفضاء الجغرافيّ) و(المكان).
وما تراه الباحثة أن الفضاء الجغرافيّ لا يعادل المكان، وأن ما يجب أن يتخذَ معياراً في تحديد هذا المصطلح هو اللجوءُ إلى تلك الإيحاءات التي يمنحها المصطلح نفسه، فالجغرافيا تعطي انطباعاً لذهن القارئ بوجود صفات طوبوغرافية، ومواضع محسوسة يمكن الرجوع إليها والتماسها خارج النص. وبذلك يصبح الفضاء الجغرافيّ جزءاً ممّا قد يتضمنه الفضاء داخل النص، وليس هو المكان نفسه.
وإلى جانب هذه المصطلحات يوجد مصطلح آخر ذو مفهوم محدّد ومحصور؛ إذ يربط (ميخائيل باختين) بين الزمان والمكان ضمن رؤية دقيقة متأملة في خصائص النص فيأتي بمصطلح (الكرونوتوب Chronotope) الذي انتقل استعماله إلى بعض المقاربات النقديّة العربيّة(48)ويعرِّف الكرونوتوب بأنه (نوع زمانيّ - مكانيّ ويتضمن طقماً من المظاهر المحددة بالزمان والمكان في النوع الأدبي. ويرادف الكرونوتوب لدى باختين كلمة النوع الأدبي)(49).
ويذهب تزفيتان تودوروف إلى القول بأن(باختين لا يستخدم فكرة الكرونوتوب بشكل حصريّ، ولا يحدّها بتنظيم الزمان والمكان فقط، بل يوسّعها ويمدّها باتجاه العالم (حيث يمكن دعوة العالم بأنه كرونوتوب مادام الزمان والمكان مقولتين أساسيتين لأي عالم متخيّل))(50).
وفي كل الأحوال، فمصطلح الكرونوتوب يمثل رؤية فلسفيّة وأداة إجرائية أَثْرَتْ الدرس النقدي بما منح النصوص الروائية إضاءات جماليّة ظلت مخبوءة بتأثير التصور القائم على عزل الزمان عن المكان والاعتراف بمطلقيته. وبذلك يعبّر أحد النقّاد عن هذا الرأي بقوله:(يجيء مصطلح (الكرونوتوب) الذي نحته باختين عن وعي علميّ، ودافع نقديّ يبحث عن دفع الخلط وتجاوز تقنيات الفكر التقليديّ الذي يؤمن بمطلقيّة الزمن وانفصاله عن الفضاء - المكان)(51).
ويلجأ كثير من نقاد العرب إلى حذف مصطلح الكرونوتوب واستبدال مصطلح (الزمكان) به؛ فيشيع لدى بعضهم استخدام الزمكان للإشارة إلى علاقة الزمان بالمكان دون أدنى اتفاق في مستوى التحليل، ويتوجه بعضهم الآخر إلى الاهتمام بما يترتب على استعمال هذا المصطلح من أدوات إجرائيّة محّددة، ومرجعيّة فكريّة بأصول المصطلح، والبحث في موضوعه.
ويشيع لدى نقاد آخرين استعمال مصطلح (الفضاء الروائيّ) الذي لم يُعْطَ هو أيضاً مفهوماً محدّداً أو متفقاً عليه بين سائر المقاربات النقدية بحيث يمكن تمييزه عمّا درج من استخدام للمصطلحات المتعلقة بموضوع الفضاء.
فالناقد حسن بحراوي يجعل للفضاء الروائيّ مهفومات متعدّدة، فهو تارة يقصد به المكان الموجود في النصّ، ويخصُّه بـ(الروائيّ) لأداء معنى المكان الموجود في النص الروائيّ، أي ذاهباً إلى فصله عن المكان الموجود في الخطابات السرديّة الأخرى(52)، وتارة يستخدم(الفضاءالروائيّ) مشيراً إلى المنظور الذي تتخذه الشخصية، فيخلق للفضاء الروائيّ أبعاداً ودلالات(53)، ويذهب مرة أخرى إلى النظر إلى المكان الروائيّ على أنه بناءٌ يتمُّ إنشاؤه، فتتحدّد من خلاله خطوط المكان الهندسية والصفات الدلالية معاً(54).
أما الناقد محمد سويرتي فيستعمل مصطلح (الفضاء الروائيّ) مرادفاً لمصطلح (الفضاء) فيجمع في مقاربة واحدة بين المصطلحين لإثبات مفهوم واحد ، إذ نراه يطرح سؤالاً يقول فيه:(كيف يتعامل النقاد العرب مع أشكال الفضاء الروائيّ)(55) بعد أن استند إلى ذكر مصطلح الفضاء. وما يرجّح أن الناقد محمد سويرتي لم يكن يقصد الوقوع في هذا التنويع اللفظيّ، وأنّ تخصيص المقاربة للخطاب الروائيّ هو الذي قاده لاستخدام هذا المصطلح.
ويقدم الباحث مختار الهادي الأدهم تعريفاً محدّداً للفضاء الروائيّ ليعني لديه (تلك الحياة التي تبعث في المكان الروائيّ بخصوصه وغير منفصلة عنه)(56).
ويتوسع منيب محمد البوريمي في تحديد مفهوم الفضاء الروائيّ ليشمل المساحات الورقية التي تظهر عليها الكتابة الروائية، فنراه يعرِّف الفضاء الروائيّ بأنه (يحتوي أشياء متباينة ومتعددة، لا حصر لها، بدءاً من المساحة الورقية التي يتحقق عبر بياضها جسد الكتابة، إلى المكان / الزمان / الأشياء / اللغة / الأحداث / التي تقع تحت سلطة إدراكنا عبر أنماط السرد، والتي تجسد عالم الرواية)(57).
صفحة 9
وفي الموضع نفسه نراه يعرِّف الفضاء الروائيّ بصيغة أخرى فيقول: (أما في الاصطلاح ، فالفضاء الروائيّ [L’espace romanesque] هو الحيز الزمكاني :[Spatio – temporeles]، الذي تتمظهر فيه الشخصيات والأشياء متلبسة بالأحداث تبعاً لعوامل عدة تتصل بالرؤياالفلسفية وبنوعية الجنس الأدبيّ وبحساسية الكاتب (أو الروائيّ))(58).
ويذهب حسن نجمي إلى إثبات خصوصيّة الفضاء الروائيّ وتميّزه عن الفضاءات الجمالية الأخرى كالفضاء السينمائيّ، والفضاء المسرحيّ، ولكنه - مع ذلك - يجعل الفضاء الروائيّ جزءاً من المكوّنات الأخرى للخطاب الروائيّ(59) كما يجعله المادة الجوهريّة لكل كتابة أدبيّة(60).
ومن جهة أخرى يذهب إلى وضع تمييز مهم بين الفضاء الروائيّ والفضاء، (فالفضاء الروائيّ في النهاية لن يكون إلا فضاءً وهمياً وفضاءً إيحائياً)(61). فإن أمكن أن يبدو الفضاء وهمياً أو إيحائياً أو ذهنياً فإنّ الفضاء الروائيّ لا يكون إلاّ بهذه الصورة.
وعلى خلاف هذا يُلاحظ أن حسن نجمي عادَلَ بين الفضاء والفضاء الروائيّ فاستعمل مصطلح الفضاء الروائيّ مرادفاً ومعادلاً للفضاء(62) في النصّ الروائيّ، أي لفضاء النصّ الروائيّ.
وترى الباحثة أنه يمكن حصر مفهوم الفضاء الروائيّ في ذلك المدى والجو العام الذي ينشأ من خلال ترابط كل عناصر الرواية من مكان وزمان وشخصيات وزاوية نظر ولغة وحوار ... ليكون الفضاء الروائيّ هو النسيج الذي يلفُّ المكونات الروائيّة كلها وليس المكان الذي تجري فيه الأحداث أو الحياة بمفهومها المعهود.
ويجعل البوريمي من المكان شيئاً متصلاً بالزمان، فيسير على نهج من جمعهما في مصطلح واحد تاركاً مصطلح (الحيّز)، ومعوّلاً على مصطلح (الفضاء) لنراه يستخدم مصطلح (الفضاء الزمكاني) فنستشفُّ أنه يعني به تلك الحركة الروائية التي تتحقق في إطار الزمان والمكان معاً ، وأن الفضاء الروائيّ يختلف عن الفضاء الزمكانيّ باحتواء الأول على الفضاء الذي تشغله الكتابة الروائيّة وعدم احتواء الثاني على ذلك(63)، مشيراً إلى أن ميخائيل باختين يخالف هذا المفهوم فيضمِّن الفضاء الزمكانيّ موضوع الفضاء الكتابيّ(64).
ويأتي مصطلح (الفضاء كمنظور أو كرؤية) شكلاً آخر من أشكال الفضاء، وقد أطلقت الناقدة جوليا كريستيفا على هذا الفضاء مصطلح (الفضاء النصيّ للرواية)، وقالت بأن هذا الفضاء محوَّل إلى كلٍّ، وهو واحدٌ مراقبٌ بواسطة وجهة النظر الوحيدة للكاتب بحيث يتجمّع الأبطال الفاعلون في العمق وتنسج الملفوظات بواستطهم المشهد الروائيّ(65).
ويلفت الناقد حميد لحمداني نظر القارئ إلى أن ما تحدّثت عنه جوليا كريستيفا في هذا الإطار يشبه إلى حدٍّ كبير ما يسمّى بزاوية رؤية الراوي(66). وتتفق الباحثة مع هذا التنبيه لما يحمله موضوع (الفضاء كمنظور) من إشارة إلى وجود تصوّر فكريّ أو موقف عام أو رؤية.
أما مصطلح (الفضاء الدلاليّ) فيأخذ منحى آخر في الإشارة إلى موضوع الفضاء؛ لأنه لا يتشكل من المواضع التي تتحرك فيها الشخصيات أو من المساحة التي يأخذها النصّ من الورق، وإنما يصاغُ بناءُ هذا الفضاء من اللغة نفسها. ويعد جيرار جينيت أحدَ أبرزِ النقّاد الذين تناولوا هذا المصطلح بالعرض والتنظير والإيضاح، فنراه يهتم بموضوع الدلالة التي تنشأ من التعابير، ويؤكد أنّ (التعبير ليس دوماً أحادي المعنى فهو على العكس من ذلك ما ينفكُ يتضاعف، أي أن الكلمة مثلاً يمكن أن يكون لها مدلولان، كأن تقول البلاغة عنهما أن أحدهما حَرْفيٌّ والآخر مجازيٌّ، والدلاليّ الذي يتجوَّف بين المدلول الظاهريّ والمدلول الحقيقيّ يلغي في ذات الوقت خطيّة الخطاب)(67) ثم يذهب إلى إطلاق اسم (صورة) على هذا الفضاء ليعرِّفها بقوله: (الصورة هي في ذات الوقت الشكل الذي يتخذه الفضاء، والشكل الذي تعطيه اللغة لنفسها، وهي رمز فضائيّة اللغةالأدبيّة ذاتها في علاقتها بالمعنى)(68).
وفي إطار المفهوم ذاته نجد جيرار جينيت يذكر مصطلحاً آخر وهو (فضائية التعبير) الذي يفسّره بأنه (الكلام في كل شيء بألفاظ الفضاء)(69) ولا يفوت القارئ اتفاق هذا المصطلح مع مصطلح (الفضاء الدلاليّ) في الإشارة إلى موضوع المجاز، وما المجاز إلا حضور لمعنى وغياب لآخر حسب وجود أساليب البيان ومستوى ذائقة المتلقي في استخلاص المقصود.
صفحة 10
ولئن انفرد هذا المصطلح بالنظر إلى اللغة، وجاءت المصطلحات السابقة متعلقة بالعالم المتخيَّل الذي يصنعه الكاتب، فإن المصطلحات الأخرى التي أفرزتها المقاربات النقديّة في حدود الاشتغال على موضوع الفضاء لا تتوجه بشكل مباشر إلى متن النص الروائيّ، وإنما تُعْنَى بالكيفيّة التي يظهر بها النص على صفحات الكتاب بعد طبعه، وتنظر إلى صورة الغلاف الخارجيّ وما هو موصول بالسمات الشكليّة للكتاب.
ولعلنا نلاحظ أن الأمر هنا لم يختلف عمَّا كان مع المصطلحات ذات الصلة بالعالم الروائيّ للنص، حيث تعدَّدت المصطلحات وكثرت - كذلك - بل إنها أفادت في بعض تعدّدها مفهوماً واحداً. فمن الواضح في الدراسات النقديّة العربيّة التي أوردت هذه المصطلحات أنها قدمت تنوعاً كبيراً في التركيب اللُّغويّ للمصطلح، ويتجلّى سبب ذلك التنوع في اختلاف المراجع الغرْبيّة، والمرجعيَّة الفكريّة التي استند إليها النقّاد في دراساتهم.
فالناقد حسن بحراوي أورد مصطلح (الفضاء الموضوعي للكتاب) وأشار إلى أنه استمدَّه من الناقد جون ويجربر(70)، وعرّفه بأنه الفضاء الذي ينتج من التقاء فضاء الألفاظ بفضاء الرموز متمثلة في الإشارات وعلامات الوقف التي يضعها الكاتب لتقوية سرده(71).
ومن خلال اهتمام الناقد حميد لحمداني بما كتبه هنري ميتران في هذا الموضوع استعمل مصطلح (الفضاء النصيّ) ونقل تعريفه إلى دراسته، فذكر أن الفضاء النصيّ هو (الحيِّز الذي تشغله الكتابة ذاتها - باعتبارها أحرفاً طباعيَّة - على مساحة الورق. ويشمل ذلك طريقة تصميم الغلاف، ووضع المطالع، وتنظيم الفصول، وتغيرات الكتابة المطبعيَّة وتشكيل العناوين، وغيرها)(72).
بيد أن الناقد حميد لحمداني ذهب في موضع آخر من هذا الكتاب إلى حذف أل التعريف من هذا المصطلح ليصبح لديه هكذا (فضاء النص)(73).
وللباحثة أن تقول إن هذا التعبير لا يدخل في إطار إحداث التنويع اللفظيّ، وإنما يمثل دقة كبيرة ومحاولة جادّة من جانب الناقد حميد لحمداني في التمييز بين المصطلحات، وكأنه يريد أن يُبعد ما قد يحدث من التباس بين الفضاء المتعلق بما تأخذه الكتابة الروائية من مساحة على الورق، وبين الفضاء المرتبط بزاوية النظر، وهو ما جعلت له جوليا كريستيفا اسماً مطابقاً للمفهوم السابق فأطلقت عليه مصطلح (الفضاء النصيّ للرواية).
أما منيب محمد البوريمي فقد أطلق على الفضاء الذي تشغله الكتابة الروائية داخل مساحة الورق مصطلح (الفضاء الكتابيّ)(74).
ودرس (ميشال بوتور) التفاصيل المتعلقة بهذا الفضاء تحت عنوان (الكتابة كمادة)(75).
ومع كل ذلك، فإن الناقد حميد لحمداني يجمع كل هذه المفهومات في مصطلح واحد وهو (الفضاء الحكائيّ)(76) قاصداً به كل الآراء المختلفة والأشكال المتعددة للفضاء، غير فاصل بذلك بين ما تعلَّق منها بالنص نفسه، وبين ما اتصل بكيفية ظهور النص على صفحات الكتاب.
وإزاء تعدد كل هذه المصطلحات، يمكن أن نقوم بتوزيعها إلى ثلاث مجموعات أساسيّة:
المجموعة الأولى: تشير إلى المصطلحات ذات العلاقة بالرواية نصًّا إبداعيّاً له وسائله وتقنياته، وتنقسم بدورها إلى أقسامٍ ثلاث:
‌أ) قسم تمثله المصطلحات المقتصرة على وجودها في النص دون إحالة إلى ما عداه، وهذه المصطلحات هي: الفضاء، والمكان، والحيِّز، والبيئة، والكرونوتوب، والزمكان، والفضاء الروائيّ، والمكان الروائيّ، والمكان في الرواية، والفضاء المكانيّ، والفضاء الزمكانيّ.
‌ب) قسم تبرز فيه المصطلحات التي توجد في النص مع إحالتها إلى وجودها الحقيقيّ خارج النص، ويمثله المصطلحان التاليان، وهما: الفضاء الجغرافيّ والفضاء الواقعيّ.
‌ج) وقسم تصوغه رؤية الكاتب لفضاء نصه، ويجسده مصطلح الفضاء منظوراً.
المجموعة الثانية: تتعلق مصطلحاتها بكيفية ظهور النص على صفحات الكتاب، وما يأخذه من مساحات على الورق، وهذه المصطلحات هي: الفضاء الموضوعيّ للكتاب، والفضاء النصيّ، والفضاء الطباعيّ، وفضاء النص، والفضاء الكتابيّ.
المجموعة الثالثة: يتصل مفهومها بموضوع اللغة، فيستلّ وجوده المجازيّ من اللغة نفسها، وليس من النص أو من خارجه، ويطرحه مصطلحا: الفضاء الدلاليّ، وفضائيّة التعبير.
وتجمع كل هذه المظاهر المكانيّة في مصطلح واحد، وهـو الفضاء الحكائيّ.