eKtab
EN ع
القدس ملامح جيل يتشكل
اقرأ عينة مجانية

القدس ملامح جيل يتشكل

بقلم محمد عدنان سالم

صفحة 1

مقدمة

يضمُّ هذا الكتاب عدداً من المقالات المتعلقة بالقضية الفلسطينية، قدّمها المؤلف تباعاً بين أعوام 2004 و2009 وفي مناسبات شتى ألقيت فيها خلال لقاءات ومؤتمرات عديدة.. وهي تنساق في إطار واحد يجمعها، هو إطار القضية الفلسطينية في ظروفها الراهنة ومستجدات الأعوام المذكورة.. لتتكامل في رؤية ذات أبعاد تتناولها على ضوء التطورات الأخيرة المتسارعة على الساحة العربية والدولية؛ منذ مشروع الشرق الأوسط الكبير لإدماج إسرائيل ضمن منظومة دول المنطقة، فمروراً بأحداث العدوان الإسرائيلي على جنوب لبنان في تموز من عام 2006 وتصدي المقاومة اللبنانية له، وانتهاء بالمحرقة التي جرت على أرض غزة هاشم ما بين 27/12/2008 و17/1/2009 فاستنـزفت المجزرة الإسرائيلية مزيداً من الدم الفلسطيني؛ قتلاً وتجريحاً بالآلاف، وأسقطت منازل فوق رؤوس أصحابها، وأحدثت دماراً هائلاً.. ومع هذا فقد قاومت البطولة الفلسطينية العدوان الشرس بما تستطيع خلال أيام مرعبة؛ زادتها قوة وصلابة وخبرة.

هذه الأحداث الكبيرة المتتالية فتحت الذهنية العربية على حقائق جديدة ظهرت على الساحة، قدمت للمفكرين الجادين منعطفات هامة في القضية الفلسطينية خصوصاً والعربية عموماً وفي علاقة الشرق والغرب، ورسمت خطوطاً بيانية مختلفة عن المرسوم السابق.

وهذه المقالات ربما تلخص المعطيات الجديدة بروح من الفكر المتعمق الذي يستنبط استنتاجات دقيقة قائمة على التحليل، ويستشرف مستقبلاً واعداً بناء على الواقع الراهن من خلال معايشة هذه الأحداث في السنوات المشار إليها.

من هذه الاستنتاجات:

1 - رسوخ ثقافة المقاومة المنبثقة من ضمائر الشعوب وحرية اختيارها وحركتها؛ بمعزل عن ضرورات الأنظمة، وجيوشها النظامية وارتباطاتها الدولية.

2 - تمرس المقاومة، وتطورها ونموها؛ مستفيدة من تجارب حركات التحرر العالمية، وتجاربها الخاصة، ومرتكزة على الشباب وما يتمتع به من روح الإقدام والتضحية.

3 - الانعطاف التاريخي الملحوظ- منذ جنين وحرب جنوب لبنان وصمود غزة- من حالة العشوائية وردود الأفعال الآنية المفككة، إلى حالة التخطيط والمبادرة والفعالية؛ انعطافاً لا يزال في بداياته، يؤمل منه أن يبلغ مستوى التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى.

وأخيراً فلئن كان في المقالات بعض أفكار مكررة في جزئياتها، فذلك بسبب ما اقتضاه سياق الكلام وبُعْد الزمان بين مناسبة وأخرى ألزمت المؤلف التأكيد على ما يريد.

وبعد

فإن دار الفكر تغتنم أيام الاحتفال بالقدس عاصمة للثقافة العربية عام 2009 لتقدم هذا الكتاب علامة على طريق التحولات الطارئة.

الناشر

صفحة 2

القدس : ملامح جيل يتشكل !!

(1)

عشية يوم جمعة من صيف عام 1966، اقترح أحد الأصدقاء، وكنا ثلةً نسمُر، أن نصلي الجمعة في المسجد الأقصى، فما هي إلا دقائق حتى عقدنا العزم على أن ننطلق فجراً..

ثلاث مئة كيل كانت تفصل القدس عن دمشق؛ قطعناها أثلاثاً؛ مئة إلى درعا، فمئة إلى عمان، فمئة ثالثة أوصلتنا إلى باحة الأقصى؛ لم تستغرق رحلتنا أكثر من أربع ساعات، متضمنة إجراءات الحدود.. لم تكن الحدود قد أدركتها التعقيدات والهواجس الأمنية بعد، وكان النسيجُ العربي الواحد، ما يزال السمةَ البارزة التي تطبع التصرفات كلها؛ لا فرق فيها بين رسميٍّ وأهليٍّ، ولا بين شعبي وحكوميٍّ، ولا بين سوري ولبناني وأردني..

وفي باحة الأقصى، بين المسجد وقبة الصخرة، تحلق السوريون جماعات، يتناولون فطورهم ويحتسون شايهم، بينما كانت مجموعات من اللبنانيين تقوم بأداء الدبكة على وقع (الدربكات).. يقضون سويعات الضحى بانتظار أذان الظهر وصلاة الجمعة.. كل شيءٍ حولنا كان عربياً لا أثر فيه ليهود..

وتساءلت: ترى لو تاقت نفس ولدي وأصدقائه إلى شد الرحال إلى الأقصى؛ أولى القبلتين وثاني المساجد التي لا تشد الرحال لغيرها، فمتى يمكن أن تتحقق أمنيتهم؟!

فكرة قفزت إلى ذاكرتي، وأنا أشاهد على التلفاز أهلنا في حي البستان في القدس؛ يطردون من بيوتهم لتتولى الجرافات هدمها، ضمن مسلسل إجراءات تهويد القدس، وتغيير النسيج السكاني والديموغرافي فيها.. يجري ذلك على مرأى ومسمع من العالم العربي والإسلامي والدولي كله.. تنبري له أصوات استنكار خافتة خجول؛ لا تردُّ أسرةً مطرودة من مسكنها إلى العراء، ولا توقف جرافةً عن هدمها، وتمضي إسرائيل في قضم القدس حياً بعد آخر، وسط عجز عربي وإسلامي مُخز، وصمت دوليٍّ مبارِك ومشجِّع.. تحاصر الأقصى على سطح الأرض؛ ولا تتورع عن إضرام النار فيه، ثم تحفر تحته؛ تروم هدمه وإزالة معالمه لبناء الهيكل على أنقاضه، وفي الطريق إلى تحقيق مأربها ما فتئت تصعِّد القيود على المصلين، تختلق لها مختلف الذرائع.

فكرة أخرى قفزت إلى ذهني استدعاءً من التاريخ؛ رأيت الخليفة عمر فيها بعدما أعطى العهدة العمرية لأهل القدس، وقد حضرته الصلاة، ينظف أرضاً للقمامة ليصلي فيها، يرفض أن يصلي في الكنيسة؛ مخافة أن يُتخذ ذلك ذريعة لتحويل الكنيسة إلى مسجد.

ثم تداعت الخاطرات والتساؤلات..

1- هل ستظل القدس ميدان الصراع الأبدي بين حضارة القيم وحضارة المصالح والتعصب الديني؟!

لقد كان عمر- يوم دخل القدس؛ محرراً لها من تسلط المحتلين الرومان- يمثل حضارة في عنفوان شبابها ومدها الصاعد، وكانت جيوشه تجوب الآفاق نحو الشرق والغرب؛ وكان بإمكانه أن يجوس خلال الديار كما يفعل الفاتحون؛ ما الذي دفعه ليحترم كنائسهم وصلبانهم وعقائدهم؟ وهل كان يُدرك أنه بوثيقة الصلح (العهدة العمرية) إنما يرسي نظاماً أبدياً؛ نموذجه القدس، تتعايش فيه الأديان، ويعيش فيه الغالب مع المغلوب جنباً إلى جنب، في ظل نظام تعددي يحترم الآخر المختلف ويتساوى فيه الجميع أمام القانون، وتسود فيه العدالة والأخوة الإنسانية، فلا يتفاضل الناس فيه إلا بالتقوى والعمل الصالح؟!

لم تَسْلم القدس لنهج عمر المتسامح، فقد كانت هدفاً لحملات أطلق المؤرخون الغربيون عليها عنوان الحروب الصليبية، وأطلق مؤرخونا العرب المسلمون عليها اسم حروب الفرنجة كراهية منهم لإقحام البعد الديني في هوية الصراع، ورداً له إلى أبعاده الاستعمارية الاستغلالية الغربية الحاقدة.. استمرت حروب الفرنجة سجالاً قرابة مئتي عامٍ، إلى أن استأصل جيل صلاح الدين شأفتها، وردها على أعقابها، ضارباً أروع الـمُثل التي تنطوي عليها حضارته؛ حضارة القيم؛ «.. وبعد أن فتح الله عليه بالنصر والظفر، جلس السلطان صلاح الدين الأيوبي، في دهليز الخيمة، فإنها لم تكن قد نصبت، والناس يتقربون إليه بالأسرى، ثم استحضر الملك جفري وأخاه والبرنس أرناط، وناول الملك شربةً من جلاّب بثلج، فشرب منها، وكان على أشد حال من العطش، وكان من جميل عادة العرب وكريم أخلاقهم أن الأسير إذا أكل أو شرب من مال من أسره صار آمناً، فقصد السلطان بذلك الجري على مكارم الأخلاق» . (2)

2- هل العدوان الصهيوني الجديد على فلسطين، المدعوم كلياً من الغرب إلا صورة جديدة من حروب الفرنجة (الصليبيين)؟!

بل هو الأعتى والأكثر وحشية وخبثاً ودهاءً، فلئن لم يدخل الغرب المعركة بجيوشه وحملاته الصريحة، لقد أوكل بها عصاباتٍ من الصهاينة، يسَّر لهم التسلل إليها لواذاً، وأزجى وعوده لهم منذ بلفور، واختلق لهم الذرائع المضلِّلة تحت وهم أرض الميعاد، وزوّدهم بكل أدوات القتل والتدمير، وأطلق أيديهم في ارتكاب أبشع جرائم الإبادة الجماعية والمذابح الوحشية، بدءاً بدير ياسين وكفر قاسم، ليحمل أهلها على هجر بيوتهم فراراً بأطفالهم ونسائهم من الذبح؛ فيتحول أهل الأرض إلى لاجئين في المخيمات، ويتحول شذاذ الآفاق وعصابات الإجرام إلى أصحاب حق أطلقوا عليه عنوان ( حق إسرائيل في الوجود )، وراحوا يروِّجون له ويرددونه حتى انطلقت به ألسنةٌ من بني جلدتنا. ولعمري إنها لأكبر أكذوبة في التاريخ؛ لصٌّ يسطو على منـزل؛ يقتل من أهله من يقتل ويطرد من يطرد، ثم يذهب إلى محكمة الشيطان مصطحباً معه من شهود الزور من يشهد له بأنه واضع اليد على المنـزل، ويطلب منحه شهادة الملكية استناداً إلى وضع اليد الغاصبة.. الشيطان ذاته يعرف يقيناً بطلان الدعوى، فهل يقتنع المالك المطرود بصحتها إلا أن يكون مغفلاً معتوهاً أو صنيعة للشيطان؟!

عجائز اللاجئين مازلن يحتفظن بمفاتيح بيوتهن ينتظرن أجيال نور الدين وصلاح الدين يعيدونهن إليها!!

صفحة 3

إنه جيل يتشكل الآن بأسرع مما نتصور، بدأت طلائعه في جنين 2002، ولقّن إسرائيل دروساً في أطول مواجهة ما تزال تعيش هول صدمتها منذ 2006 في جنوب لبنان، وها هو ذا يصمد في غزة صموداً أسطورياً، لم تكن تتوقعه بعد كل ما أعدت له من حصار وتجويع.

إن إسرائيل تدرك تماماً أنها لا تحتمل أكثر من هزيمة واحدة كما بشرها بذلك زعيمها بن غوريون، وأن هزيمتها الأولى ستكون بداية السقوط، وأن جذورها بقيت طافية على السطح لم تستطع أن تتغلغل إلى الأعماق، وأن غرسها في الأرض العربية نشاز؛ لن يلبث الجسد العربي أن يطرده، كما يطرد الجسد كل جسم غريب؛ فهي لذلك تروم فرض نفسها باستخدام القوة المفرطة، والإبادة الجماعية، واستهداف النساء والأطفال، واستبدال الهوية الشرق أوسطية بالهوية العربية الإسلامية، بكل وسائل الضغط والتآمر.. وهيهات!!

4- ولكن أين المجتمع المتماسك الذي دعم صلاح الدين؟!

إنه مجتمع أراه رأي العين يتشكل، يحاول أن ينتقل من حالة العشوائية التي واجه بها الغزو الصهيوني والاستيطاني، إلى حالة التخطيط بعيد المدى للتخلص من آثاره واسترداد الحقوق المستلبة.. ومن حالة الانفعال وردود الأفعال الآنية، إلى حالة الفعل والمبادرة.. ومن حالة التواكل والانسحاب وإلقاء الأعباء كلها على عاتق الدولة، إلى حالة المشاركة والفعالية والمسؤولية.. ومن حالة المطالبة بالحقوق ومدّ اليد لأخذها، إلى حالة أداء الواجبات وبسط الكف لإعطائها.. ومن التغني بأمجاد الماضي وما صنعه الآباء، إلى استشراف المستقبل وصُنْعه للأبناء.. ومن حالة الغثاء التي لا تَثْقُل في كِفة ميزان، إلى حالة الوزن التي تشكل رقماً مجدياً يظهر على شاشة الميزان.

بمثل هذا الوعي الاجتماعي الذي ظهرت ملامحه أيام غزة، لن تقف مجتمعاتنا العربية والإسلامية مكتوفة الأيدي أمام محاولات تهويد القدس التي لا تقل خطراً عن محرقة غزة..

لا بد أن ننتقل بخطابنا من التهامس الداخلي فيما بيننا إلى الصراخ بأعلى أصواتنا نحو الخارج، لنسمع أصواتنا إلى العالم..

لا بد أن نقنع العالم أننا أصحاب الحق في الوجود، وننسيه أكذوبة حق إسرائيل المعتدية في الوجود..

لابد أن نملأ دواوين المحاكم الدولية بمذكرات الادعاء على مرتكبي جرائم الحرب والإبادة الجماعية؛ مدعومة بالوثائق الدامغة والبراهين..

لا بد أن يخترق إعلامنا الحدود، ويعبر القارات، لإبطال التضليل الإعلامي الذي يمارسه عدونا الصهيوني..

لقد وضع عصر المعلومات في أيدي شبابنا أجدى وسائل الاتصال وأيسرها استخداماً وأقلها كلفة، فليتحرك شبابنا لإيضاح حقوقنا إلى كل شباب العالم.. فقد أصبح العالم كله قرية صغيرة، يتبادل سكانها المعلومات..

بهذا سيدعم شبابنا إخوانهم المقاومين في ساحات المواجهة، وبمثل هذا التحرك الفاعل في الداخل والخارج سوف تستعاد القدس..

صفحة 4

القراءة على وميض: صواريخ غزة

(3)

لقد فرضت غزة في مواجهتها للعدوان ما بين 27/ 12/ 2008 و17/ 1/ 2009 واقعاً جديداً؛ لن يكون العالم بعده كما كان قبله.

كان الغرب قد استغل غفوةً ألمت بنا، تراخت فيها أيدينا عن الكتاب ليدسَّ بيننا صهاينةً مَلَّ عشرتهم، ثم راح- على مدى ستين عاماً- يروِّج لأكذوبة حق إسرائيل في الوجود، ويربِّت على أكتافنا مردداً- كما يفعل الشيطان بالنائم فيقول له-: عليك ليل طويل فارقد..

لم يكن الغرب الاستعماري يجهل حفاوتنا بالكتاب ، ولا اعتلاءنا صهوة الحضارة، عندما راح المأمون على حداء نداء {اقْرَأْ} يشتار الكتب لبيت الحكمة من كل فجٍّ عميق، ويستخرج كتب الفلسفة الإغريقية من المخازن التي أحكمت الكنيسة أقفالها خوفاً على رعاياها من الضلال؛ يتقبلها غرامةً عينية بعد غزوه لقبرص، وكان فريقه برئاسة حنين بن إسحاق بانتظارها، يتلقفها بالترجمة ليضعها بين أيدي العلماء؛ يكبون عليها دراسة وتحليلاً وصهراً في بوتقتهم، ثم ليعيدوا إنتاجها خلقاً جديداً مطبوعاً بطابعهم، مذخوراً بقيمهم.

وعندما كانت شمس حضارتنا تسطع نوراً وعلماً في قرطبة وغرناطة؛ كان الجهل والظلام يلف الغرب من أركانه الأربعة، كما تشهد بذلك رسالة جورج الخامس ملك بريطانية إلى هشام بن الحكم:

من جورج الثَّاني ملك إنكلترة والغال والسُّويد والنروج، إلى خليفة المسلمين في الأندلس، صاحب العظمة هشام الثَّالث الجليل المقام.

بعد التَّعظيم والتوقير فقد سمعنا عن الرُّقي العظيم الذي تتمتع بفيضه الصَّافي معاهد العلم والصِّناعات في بلادكم العامرة، فأردنا لأبنائنا اقتباس نماذج هذه الفضائل، لتكون بداية حسنة في اقتفاء أثركم، ولنشر أنوار العلم في بلادنا التي يحيط بها الجهل من أربعة أركانها، وقد وضعنا ابنة شقيقنا الأميرة ديوبانت على رأس بعثة من بنات أَشراف الإنكليز، لتتشرف بلثم أهداب العرش، والتماس العطف لتكون مع زميلاتها موضع عناية عظمتكم، وفي حماية الحاشية الكريمة والحدب من قبل اللواتي سيقمن على تعليمهن، وقد أرفقت الأميرة الصغيرة بهديَّة متواضعة لمقامكم الجليل، أرجو التَّكرُّم بقبولها، مع التَّعظيم والحبِّ الخالص من خادمكم المطيع (4) . جورج م.أ .

ثم كان من أمرنا أن غلبنا النعاس، وأدركتنا سِنة من النوم- طال أمدها- هجرنا فيها الكتابَ ، وعزفنا عن القراءة عزوفاً أمعنا فيه إلى درجة الخزي والفضيحة، حتى بتنا مضرب المثل، وحجزنا لأنفسنا أول درجة من أسفل سلَّم إنتاج الكتاب وقراءته في العالم. وتكفل (تقرير التنمية البشرية لعام 2003) بتوثيق ذلك استناداً إلى إحصائية اليونيسكو التي سجلت للعالم العربي كلِّه إنتاج 6500 عنوان في عام 1991 مقابل 42000 عنوان في أمريكة اللاتينية، و102000 عنوان في أمريكة الشمالية.

وراح التقرير بعد ذلك يتفنن في أساليب عرض هذه الفضيحة، فيسجل للإسرائيلي الواحد قراءته 40 كتاباً في العام، و35 للأوربي، مقابل كتاب واحد يقرؤه واحد من كل ثمانين عربياً. ويستخلص من ذلك أن ما يقرؤه الإسرائيلي الواحد يحتاج إلى 3200 عربي ليقرؤوه؛ وذلك هو حاصل ضرب 40×80= 3200، وأن ثقافة الإسرائيلي الواحد = ثقافة 3200 عربي.

وبعيداً عن إحصاءات اليونيسكو، فإن بؤس الثقافة العربية، والعزوف العربي عن القراءة يبدو جلياً من عدد النسخ التي يطبعها الناشر من كل عنوان، والتي هبطت إلى أقل من خمس مئة نسخة؛ مما يعني أن الناشر يطبع من كل عنوان ينشره نسخة واحدة لكل مليون عربي.

لقد فتحت غزة أعيننا على مكمن الداء، الذي أدركه عدوُّنا وكنا عنه غافلين، فعندما لامَ موشيه دايان قوْمُه على نشره مخططات إسرائيل لشن عدوانها علينا؛ طمأنهم إلى أننا لا نقرأ السطور؛ فضلاً عن قراءة ما بينها وما وراءها.

وبالداء ذاته خضنا حربي الخليج الأولى والثانية؛ دون أن نفطِن إلى أننا خضناهما لمصلحة أمريكة؛ تمهيداً لاحتلالها أرضنا في العراق، طبقاً لمخططاتها التي نشرتها قبل عشرين عاماً؛ كتباً ومقابلات صحفية، مررنا بها مرور المغفلين كأنها أضغاث أحلام لا تعنينا، ولسنا موضوعها.

الكتاب الذي هجرناه- غفلةً عنه واستهانةً به - هو الدواء.. والعودة إليه والإمساك به والنهم لقراءته؛ مفتاح كل نهوض وتحضر وانتصار.

فالكتاب هو المعيار الذي يوزن به الإنسان فرداً كان أم مجتمعاً، فيكون وزنه بمقدار ما يقرأ، وتكون قراءته دليلاً على إنسانيته؛ يقال للإنسان: اقرأ وارتق فإن منـزلتك عند آخر كتاب تقرؤه، وكلما ابتعد الإنسان عن الكتاب فقد شطراً من إنسانيته؛ حتى إذا سقط الكتاب كلياً من يده خسر رتبته الإنسانية، ودخل في عالم انعدام الوزن، ليعود فيه إلى الجانب الحيواني المسخر للإنسان؛ فإنما الإنسان حيوان قارئ. وحده الإنسان من بين الكائنات الحية يكتب معلوماته ويختزنها، ويضيف إليها ويراكمها، ثم يعيد قراءتها لينمو بها ويتطور.. هل رأيت كبشاً أقرن يقرأ أو قطّاً يكتب؟!

للنحلة هندسة رائعة تبني وفقها خلاياها، ونظام معقد تنتج بموجبه عسلها، لكن نظامها لا يتطور، هو ذاته كما كان قبل عشرة آلاف عام، وسيكون ذاته بعد عشرة آلاف عام. وعسلها لا تنتفع به، إنما تقدمه هدية للإنسان مثلها مثل البقرة الحلوب.. كلاهما لا يقرأ.. وحده الإنسان يقرأ.. وبالقراءة يكون إنساناً.. ومن دونها يصبح غثاءً كغثاء السيل؛ لا وزن له، ولا قيمة، ولا حوْل ولا طوْل.

صفحة 5

لم يكن للاستعمار أن يجوس خلال ديارنا، ولا لدولة إسرائيل أن تقوم على أنقاض بيوتنا، ولا للصهاينة أن يستوطنوا فلسطين على أشلاء أطفالنا وبعد تشريد أهلنا، ولا للأمم المتحدة على الظلم أن تتجاهل قضايانا العادلة، ولا لعالمَ النفاق أن يسمي حقنا بمقاومة الاحتلال إرهاباً، ويسمي إرهاب الدولة الصهيونية وجرائمَها الوحشية ضد الإنسانية دفاعاً عن النفس.. لو لم نكن غثاءً كغثاء السيل.. ولا كنا غثاءً كغثاء السيل لو لم نترك القراءة، ونحن أبناء الحضارة التي بدأت أولى خطواتها على حداء {اقْرَأْ}.

أطفال غزة علمونا كيف نتحول من حالة انعدام الوزن - حالة غثاء السيل- إلى حالة الفعل التي يثقل بها الميزان. العالم كله شاهدهم على الشاشات؛ يهبّون من تحت الرماد؛ يتأبطون حقائبهم وكتبهم إلى خيام نصبت على أنقاض مدارسهم المهدمة، لتكون مدارسَ جديدة لهم يلقنون العالم من خلالها دروس العزة وقوة الذات.. العالم كله أصغى إلى أطفال غزة يتحدثون بلغة أكبر ونبرة أعلى وطمأنينة أكثر وثقة بالنفس وبالمستقبل أعظم؛ من لغة الكبار.

غزة!! لم تكن المجزرة الأولى التي ترتكبها إسرائيل، ولم تكن الأعنف.. فقد عودتنا على المجازر والمذابح بدءاً بدير ياسين وكفر قاسم وصبرا وشاتيلا وقانا.. وغيرها كثير.

القتل، والإبادة الجماعية، والتدمير الشامل، ونسف المنازل وإهلاك الحرث والنسل، وقضم الأراضي، واغتصاب الحقوق، وموت الضمير، وذبح القيم الإنسانية، ومخالفة النواميس الكونية.. كل ذلك أساس يقوم عليه كيانها، ودستور يرسم لها سبل وجودها..

لكن سنة الله في نشوء الأمم وهلاكها، وقيام الحضارات وزوالها، لا تسير وفق أهواء الطغاة؛ فها هو ذا القرآن الكريم يحدثنا عن قارون الذي أوتي من الكنوز {الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ} [القصص: 28/76] ، كيف خسف الله به وبداره الأرض، فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله، ليكون في التاريخ عبرة لمن يعتبر، وليذكِّر الناس {أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلاَ يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} [القصص: 28/78] .

دأبت إسرائيل - مشكورة - منذ قيامها قبل ستين عاماً؛ على أن توجه إلينا الصدمة تلو الصدمة، تجرعنا في كل منها ألوان العذاب؛ فكنا نصحو قليلاً على وقع الصدمة، ثم ما نلبث أن نغط في سباتنا العميق، لتعود إلى تعذيبنا من جديد؛ تروم ترويضنا - كما يروَّض العبد، أو الحصان الشموس- أو تروم إلهاءنا كسباً للوقت، لممارسة المزيد من قضم الأراضي، وتهجير أهلها؛ تمهيداً لاستكمال تحقيق شعارها (دولة إسرائيل من الفرات إلى النيل)، الذي رمزت له في علمها بنجمة سداسية بين خطين أزرقين.

لكن غزة هذه المرة، خيبت ظنها، وأبطلت سحرها، وواجهتها بصحوة لن يكون بعدها غفوة..

لم تدرك إسرائيل التحول الكبير الذي تنعطف فيه الإنسانية من عصر الصناعة المرتكز على الأشياء إلى عصر المعرفة المرتكز على الأفكار.

لم تدرك إسرائيل ما فعلته ثورتا المعلومات والاتصالات من تكسير الحواجز، وتفجير المعارف، وإسالة المعلومات، واختراق الخصوصيات، وكشف الأسرار، ورفع الأستار، وتجاوز الأحاديات؛ حتى بات الإنسان في أعمق الأدغال، يعيش أحداث العالم لحظة بلحظة؛ يشارك فيها، ويسهم في إدارتها كأنه فيها.

لم تدرك إسرائيل أن ضمير العالم لم يعد يحتمل كذبها وتلبيسها، ولم يعد ينخدع بأحابيل المنافقين المتواطئين معها، المتحدثين بلسانها، الساكتين كالشيطان الأخرس عن جرائمها، فإذا بشوارع العالم كله تمتلئ بالمحتجين الساخطين، وإذا بأحرار العالم يهبون مطالبين بمحاكمة إسرائيل؛ قد دونوا لها كل ما ارتكبته من جرائم حربها المجنونة على شعب أعزل، أولاً بأول، وكأني بمجرمي الحرب من قادة إسرائيل ؛ سياسيين وعسكريين، ومن متواطئين معهم قد كُبِّلت أيديهم، وسيقوا إلى المحاكم زمراً، وفي عنق كل منهم سجل جرائمه موثقاً بالصوت والصورة: ينادى عليه أن {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا *} [الإسراء: 17/14] . {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُون ياوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا *} [الكهف: 18/49] .

أما نحن؛ فهل أدركنا أننا نعيش الآن عصر الكتاب ، وأن الكتاب فيه قد أصبح هو الإنسان، والإنسان هو الكتاب، وأن الإنسان أصبح يوزن بمقدار ما يقرأ، فإن لم يقرأ شيئاً فقد إنسانيته، وفقد معها مسوِّغ وجوده؛ ليصبح غثاءً كغثاء السيل؛ بلا وزن ولا طعم ولا جدوى؟!

فلنقرأ جميعاً على وميض صواريخ غزة !!

صفحة 6

أطلق يديْك

لستَ مكبلاً.. لستَ رقماً مهملاً..;لستَ غثاءً .. (5)

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: أوَمِن قلة نحن يومئذ؟! قال: بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينـزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوَهَن، فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت» . (6)

هل كان ما تنبأ به الرسول صلى الله عليه وسلم لنا قدراً لا فكاك لنا فيه يصحبنا إلى يوم القيامة، تتضاءل فعاليتنا في اطراد عكسي كلما ازداد عددنا؟ أم هو سنة من سنن الله تعالى وقوانينه في تداول الحضارات بين الأمم؛ بزوغها وصعودها، فاسترخائها وأفولها..

وهل في سنن الله تعالى وقوانينه فرصة لاستئناف أمة خرجت من دورة الحضارة أن تعود إليها، فيستعيد كل فرد فيها قيمته وقدرته ليصبح رقماً موجباً فوق الصفر، بعد أن كان غثاءً كغثاء السيل؟!

وها هو ذا الجواب يأتينا في قانون آخر من قوانين الله تعالى التي تتعاضد لتؤكد لنا ترتيب الأسباب على المسببات، واعتماد النتائج على المقدمات {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 13/11] ، {فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ *} [الأنبياء: 21/94] .

أنت تعيش الآن عصر المعرفة وثورة المعلومات والاتصالات، تستطيع من خلالهما أن تخاطب الملايين وتتواصل معهم..

تستطيع من موقعك أن:

1- تَدرس قضيتك بعمق، بكل أبعادها؛ جذورها، ومآلاتها..

كيف بدأَت؟ وكيف تسللت؟ وأين كان الخلل؟!

2- تُنظم وتشارك في حلقاتِ دراسة ومناقشة، في أي مستوى تقدر عليه:

الأسرة، الأصدقاء، المراكز الثقافية، الوسائط الإعلامية..

3- تبقى على صلة بالمعلومات المتعلقة بقضيتك، وتحيط الآخرين علماً بها، فمعرفتك تقابل الجهل واللامبالاة..

4- ترتدي زياً أو ترفع شعاراً يرمز إلى قضيتك..

5- توجه رسائل احتجاج أو تأييد معدة بعناية؛ لمرتكبي الجرائم بحق قضيتك، أو للمدافعين عنها، وبلغاتهم، إن كنت تتقنها، أو تستعين بمن يتقنها..

6- تغتنم أي فرصة للتحدث عنها، ولإثارتها في كل لحظة، ومن دون مناسبة، ومع كل إنسان.. لتكن قضيتك هاجسك..

7- تحث أصدقاءك على فعل ما تفعله؛ كُلاً بأسلوبه، تأكيداً لصدقية التنوع والتعدد وتجنباً للتكرار الممل..

8- تصومَ تضامناً مع المجوَّعين، فتوفِّر ثمن وجبةٍ؛ تتبرع بها لإطعامهم..

9- تمتنعَ عن شراء حاجةٍ، مشاركةً للمحرومين؛ تتبرع بثمنها لسد حاجاتهم..

10- تُقاطع، وتحرضَ من يلوذ بك على مقاطعة بضائع المعتدين ومن يناصرهم ويواليهم..

11- تنظم استفتاءات حول قضيتك، بالوسائل المتاحة لك؛ شفهياً، أو كتابياً، أو إلكترونياً.. لترصد وتقيس مدى نجاحك في جمع التأييد والنصرة لقضيتك..

12- تجهز أرشيفاً، وتفتح ملفات؛ ورقية أو إلكترونية، تعينك على الوعي بقضيتك..

13- تكتب مذكراتٍ ويوميات لمراقبة تطور قضيتك، ولقياس ما تحقق لك من أهدافك..

14- تبقي على قضيتك حاضرة في ذهنك، وفي أذهان الآخرين، ولا تدعَ عدوَّك يرتاح ويضلِّل.

15- لا تستخف أو تستصغر جُهدك، فإنما الأعمال بالنيات، وسيبارك الله جهد المقلين، ويجعل منه الكثير المؤثر بإذنه..

16- تستخدم مواهبك الخاصة لدعم قضيتك: فإن كنت قانونياً فلتحرك دعاوى ضد المجرمين أعداء القانون الدولي، وإن كنتَ ممثلاً فأنشئ مسرحاً متنقلاً في الشوارع يفضح العدوان، وإن كنت شاعراً نثرت قصائدك، وإن كنتِ تحوكين الملابس فأرسلي قبعات لأطفال غزة..

صفحة 7

غزة بين قِمَّتين

(7)

«أن تصل متأخراً خير من ألا تصل»..

بهذه العبارة - المشحونة بقدر كبير من الحزن والأسى- اعتذر الرئيس بشار الأسد للشعوب العربية عن انتظارها الطويل؛ لموقفٍ، لكلمةٍ، لردة فعلٍ، لحركة، لإجراءٍ، لإنكارٍ، لطرد سفير، لإنزال علم عدوّ ٍ، لقطع علاقةٍ، لفتح معبر، لنجدة مظلوم، لتضميد جرح مكلومٍ، لإغاثة ملهوف، لوقف نزيف دمٍ غزير عزيز يراق، لصرخةٍ مدوّية تخترق جدار الصمت..

وددت أن أقول للسيد الرئيس المهموم بقضية أمته: لا تحزن!! لئن كانت القاعدة العامة أن الوجود خير من العدم، وأن التأخر خير من الغياب، فإن غياب النفاق خير من وجوده {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ *} [التوبة: 9/47] .

عشرون يوماً قبل القمة الطارئة، والجرح الفلسطيني في غزة الصامدة ينـزف، والأطفال يُقتلون ويروَّعون، والبيوت تدمر فوق رؤوس ساكنيها، والقتل الجماعي لأسر برمتها يستعر.. والمستشفيات والمدارس والمساجد، والملاذات الآمنة، ومراكز الأونروا، وطواقم الإسعاف.. كلها تُقصف بأعتى أسلحة الدمار الشامل، وبالمواد الحارقة المحرمة، على مرأى ومسمع منكم أيها الغائبون المخذِّلون..، وأنتم تراوغون وتماطلون، وتستقبلون العدو بالأحضان وتقبِّلون، وتفاوضون، وتتلعثم ألسنتكم بانتحال المبررات والأعذار، وتُلقون باللوم على الضحية وتعذرون الجلاد، وأنتم تتفرجون على سياطه تلهب ظهور أبنائكم على شاشات التلفاز.. ما الذي كنتم تنتظرون وأنتم تتابعون العدد المتزايد باطراد من الدماء النازفة، والمساحات المحروقة في غزة؟! ما عدد الشهداء الذي كنتم تعدونه كافياً للموافقة على عقد قمة، فضلاً عن التحرك في كل اتجاه لوقف نزيف الدماء؟! ما التفسير الذي كنتم تنتظرونه من شعوبكم لتخاذلكم وصمتكم وقعودكم عن نصرة أهلكم؟!

لقد التمست شعوبكم لكم العذر لإسكاتكم أسلحتكم؛ التي وفرت لكم أثمانها من أقواتها؛ لتتكدس وتصدأ في مخازنكم؛ مدركة أن للحروب العصرية حساباتها واعتمادها على التفوق التقني؛ الذي لم تسمح مصادر التسليح الأمريكية للعرب مجتمعين أن يحققوا فيه تفوقاً على إسرائيل، وأن لا سبيل للشعوب المقهورة بالاحتلال إلا المقاومة التي توفر أسلحتها ذاتياً من الحجر الذي تلتقطه من ركام بيتها المهدم، والصاروخ الذي تصنعه في ورشة الحدادة، والسلاح الذي تنتـزعه من يد عدوها.

فما العذر الذي يمكن لشعوبكم أن تلتمسه لكم في التواطؤ مع عدوّها لتصفية المقاومة؛ ملاذها الأخير وخيارها الوحيد؟!

صفحة 8

«كلما تناسينا أو نسينا مذابح دير ياسين وكفر قاسم وجنين وقانا وكل المجازر التي ارتكبتها إسرائيل بحق أهلنا في فلسطين، أصرت إسرائيل على تذكيرنا بحقيقتها.. نَعِدُها أن ذاكرتنا قد استيقظت على وقع المحرقة في غزة، وسنبقى نتذكر، ونذكر أبناءنا، وسنخبئ لهم صور أطفال غزة ودمائهم النازفة في ألعابهم، وسنخبرهم عن الشهداء والثكالى والمعاقين، وسنعلن شعار لا تنسَ على جدران غرفهم.. جرائمكم ستنتج أجيالاً عربية قادمة أشد عداءً لإسرائيل.. مناعتها تتطور، وإراداتها تتصلب بوتيرة أسرع من مخططاتكم، وبشدة أكثر فتكاً من تطور ترسانتكم.. إنكم تحفرون بأيديكم قبور أبنائكم وأحفادكم».

كانت هذه خاتمة كلمة الرئيس بشار الأسد في قمة الدوحة.. خاتمةً مفعمة بالتحدي وبالأمل بالمستقبل، مذخورةً بطاقة الشباب وحيوية الشباب، فلتستعِدْ القيادات العربية الهرِمة شبابها على وقع هذه الكلمات، ولتعد إلى صفوف شعوبها، فشعوبها أحنى عليها من عدوها المراوغ الذي يغرر بها..

أيتها القيادات الفلسـطينية والعربية الهَرِمة، كفاكـم (ردحاً) بالمعنى العامـي للكلمة، و(نفاقـاً) بالمصطلح القـرآني لها؛ {لاَ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ} [النساء: 4/148] لقد رحتم تتشدقون بوحدة الصف، وترومونها وحدة إقصاء وتفرد لتتوحَّدوا مع أنفسكم وتتوحد أنفسكم مع عدوِّكم.. لقد فضحتْ تسيبي ليفني وزيرة خارجية العدو أمركم، فأعلنت حربها على غزة من عواصمكم، وأعلنت من باريس أنها تقاتل غزة بالنيابة عنكم، وأن المقاومة مشكلة لكم مثلما هي مشكلة لإسرائيل.

{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ *} [الصف: 61/4] أَفْهَمُ وحدة الصف أن يكون لجسد المقاومة الواحد يدان: يد سياسية تمثل المقاومة الناعمة، ويد عسكرية تمثل المقاومة الخشنة.. يدان متعاونتان لجسد واحد تدعم إحداهما الأخرى.. وجهان لعملة واحدة.. هكذا انتصرت المقاومة وحررت أرضها وشعوبها في فيتنام وفي جنوب إفريقية، وفي كل مكان قاوم فيه الشرفاء من أهل الأرض محتليهم..

ما الذي فعلَتْه دبلوماسيتكم الرخوة منذ مدريد وأوسلو وأنابوليس، غير المزيد من التنازلات تلو التنازلات، تزجونها دون أن تكسبوا لأمتكم نقطة واحدة تحسب لكم؟! ماذا حصدت فلسطين من مفاوضاتكم على أيدي كبار مفاوضيكم غير جدران الفصل العنصري، والمزيد من المستوطنات، والحصار الخانق، وكفّ اليد من طرف واحد هو طرفكم، وإطلاق العنان للمطرقة الثقيلة تدك بيوت أهلكم، والاغتيالات الجبانة من الجو، تقتل صفوة مجاهديكم؟!

أيتها القيادات الفلسطينية والعربية الهَرِمة، آن أن تعودوا إلى صف شعوبكم؛ استقيموا فيه، سوُّوا صفوفكم خلف المقاومة، فإن الله لا ينظر إلى الصف المعوج!! إن دماء النخوة والمروءة والعزة والكرامة ما زالت تفور في عروق أمتكم؛ شبابها وشيوخها.. لا تشوهوا تضحيات أهلكم في غزة، وتهدروا دماءهم الزكية التي صعدت إلى بارئها تشكو ظلمَ عدو غاشم، يقف من ورائه عالَـمٌ مَرَدَ على النفاق.. بذلك فقط تتحقق لشعوبكم وحدة الصف، وتكون وحدته كالبنيان يشد بعضه بعضاً..

صفحة 9

ترقيم دولي ;لتوثيق جرائم الصهيونية ضد الإنسانية

(8)

باسمك اللهم يا جبار، يا منتقم!! يا غيور، يا ذا القوة المتين!! نفتتح هذا اللقاء حول الترقيم الدولي المعياري ISBN ..

باسمك اللهم!! يقيم الناشرون هذا الملتقى؛ وقد كان لاتحادهم في سورية شرف أن يكون أول اتحاد في الوطن العربي، وثالث اتحاد في العالم كله؛ يتولى شأن الترقيم الدولي المعياري للكتاب ISBN ..

هل يستطيع إنسان، في هذا الزمن العجيب، وتحت دويِّ القنابل، وبين ركام المنازل المهدمة، وعلى هدير طائرات العدوان ودباباته، وأزيز رصاصاته.. وأنّات أطفال غزة من تحت الأنقاض، وعويل أمهاتهم الثكالى، ووشوشات المقاومين الأبطال في خنادقهم وأنفاقهم؛ يُملون بها على ضمير الإنسانية أروع صفحات البطولة، يواجهون بأجسادهم أشرس عدوان في التاريخ الإنساني كله، دفاعاً عن الأرض والعرض؟!

هل يستطيع إنسان في هذا الجو الخانق الذي يعبق برائحة البارود ودخان القنابل وأضواء الفوسفور وكل أدوات القتل المحرم والإبادة الجماعية.. أن ينأى بلسانه وقلمه ووجدانه عن فظاعة المجزرة التي نصبت لأطفالنا في غزة، وعن سعير النار الملتهبة في محرقة غزة، ليتحدث عن الترقيم الدولي المعياري، لولا أن يكون هذا الترقيم توثيقاً لملحمة غزة.. لأشنع حصار فرض على غزة.. لأبشع عدوان همجي في التاريخ البشري يُصب على غزة.. لأنصع سطور فداء يكتبها أهلنا في غزة؟!

لقد أسفرت المعركة، في يومها العشرين، عن حقائق لا بد أن تعلن ، وتكشف، وتنشر على الملأ؛ دروساً يختتم بها سدنة الحضارة الغربية، قيمَ عصر صناعة التراب الآخذ بالأفول، لتصوغ الأجيالُ الصاعدة- على ضوئها- قيم عصر المعرفة القادم، ومؤهلات الأمم المرشحة لقيادته، في حركة التقدم الإنساني الحضاري؛ التي لا تكف عن محاسبة العابثين بقيمها؛ الحسابَ العسير:

1- سقوط أقنعة السلام الخادع، الذي لهث المتخاذلون من أمتنا وراء سرابه، عدد سنين..

صفحة 10

2- افتضاح أكذوبة حق إسرائيل في الوجود؛ الحق الذي تروم فرضه عبر المذابح الجماعية المتلاحقة بدءاً بدير ياسين، ولن تكون غزة نهاية لها..

3- نفاق النظام الدولي بشقيه القديم والجديد، وبأممه المتحدة على الظلم والعدوان؛ تقرر حق الشعوب المحتلة أراضيها في المقاومة، فإن هي مارست حقها بالمقاومة وضعتها على لائحة الإرهاب..

4- خروج الجيوش العربية النظامية من المعركة تلقائياً، بعد حرب 1973، لمجرد أن مصدر التسليح التقني قرر ألا يسمح للجيوش العربية مجتمعة أن تحقق تفوقاً على إسرائيل.. وحربُ الجيوش النظامية إنما تعتمد على التقنية..

5- رسوخ حق المقاومة بوصفه الخيار الوحيد في مقارعة العدو المحتل، فالمقاومة تصنعها الشعوب، انطلاقاً من قيمها، غير مقيدة بأنظمة النفاق الدولي، ومصدرُها للتسلح ذاتيٌّ يبدأ من الحجر الذي تلتقطه من بقايا بيتها المهدم، والصاروخ الذي تصنعه في ورشة الحدادة، والسلاح الذي تنتزعه من عدوها..

6- التواطؤ الدوْلي الرسمي المنظم الذي لا يتحرك لوقف إطلاق النار المستعرة، والقتل الجماعي العشوائي، إلا عندما يشعر الجزار الصهيوني بالتعب، أو يصطدم بصخرة المقاومة.

7- العجز العربي الفاضح؛ حتى عن عقد قمة لا تسمن ولا تغني من جوع، والذي أسفر عن ظهور ساسة يحملون هوية العرب، ويتواطؤون مع أعدائهم، وقتلة شعوبهم؛ لتصفية المقاومة آخر صخرة في مواجهته، تحت ستار الاعتدال.

8- سقوط ورقة التوت عن أنظمة عربية ما زالت تحتضن سفراء إسرائيل وترفع أعلامها؛ اعترافاً وتسليماً بشعار (إسرائيل من الفرات إلى النيل) الذي رمزت إليه بخطين أزرقين، ونكوصاً عن واجب قامت به فنـزويلا وبوليفيا من وراء البحار فطردت سفراء إسرائيل احتجاجاً على جرائمها.

9- ثبوت دور التخطيط والفعالية في تحقيق الأهداف ولو كانت ظالمة باطلة، وعجز ردود الأفعال العشوائية عن المواجهة والدفاع عن حقوقها وشرعيتها..

10- الحاجة الماسة إلى خوض معركة ثقافية مع العدو الصهيوني؛ لن تكون أقل ضراوة من المعركة العسكرية؛ تكشف للعالم خداعه وباطله وجرائمه ضد الإنسانية، من جهة.. ومع الإنسان العربي والمسلم المحبط العاجز؛ لفك قيوده وإطلاق طاقاته المختزنة المكبوتة من جهة أخرى..

ومن لهذه المعركة الثقافية المنشودة؛ التي أمدتها ثورتا المعلومات والاتصالات بإمكانات اختراق وإيصال مذهلة؛ غير صانعي الثقافة من المفكرين والكتّاب والأدباء والإعلاميين،وغير مصانع الثقافة من الناشرين؛ الذين يتأهبون لكي يتجاوزوا حالة الانفعال والعشوائية والعزوف القرائي والاستلاب والاسترخاء الحضاري؛ ويخططوا لإنتاج جيل جديد واعٍ جدير بحمل قضية استرداد الأرض والشرف والكرامة؟!

فإلى معركة الثقافة؛ أيها الزملاء الناشرون!!

خططوا لها بإحكام!!

لتعزيز ثقافة المقاومة..

ولبناء جيل قارئ؛ تُطلق الكلمةُ الحية طاقاته المختزنة؛ وتحمله قضية استرداد الأرض والانخراط في الحضارة الإنسانية بجدارة..

وللمحافظة على قضيته حية في ضميره، لا يغفُل عنها لحظة، ولا تفتُر همته عن متابعة خطوات تحقيقها..

فإلى الترقيم الدولي المعياري الذي سيسجل نبض نشاطكم، ومدى فعاليتكم..