eKtab
EN ع
الخداع الإسرائيلي
اقرأ عينة مجانية

الخداع الإسرائيلي

بقلم بلال الحسن

صفحة 1
مدخل
 
قام الصحافي الإسرائيلي عكيفا الدار بزيارة إلى الرئيس ياسر عرفات في مقره المحاصر في رام الله يوم 12/6/2002، وأدار معه حديثا سياسيا حول العديد من الأمور، ثم نشرت صحيفة هآرتس في اليوم التالي ما وصفته بأنه مقتطفات من مقابلة أجراها مراسلها مع عرفات، وتم الترويج للمقابلة حسب عنوان أساسي يقول إن عرفات أعلن قبوله بخطة الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون (ورقة كلينتون) التي عرضها على الفلسطينيين والإسرائيليين في 23/12/2000 في البيت الأبيض· وأوحى العنوان الذي نشرت به الصحيفة مقتطفات المقابلة أن عرفات كان يرفض اقتراح كلينتون وهو الآن يقبل به متأخرا، ويتم الاستنتاج من سياق الخبر والظروف المحيطة به أن عرفات يقبل خطة كلينتون تحت الضغط الإسرائيلي، وبسبب الحصار (الأسر) المضروب عليه· وقد جرى الترويج لهذا النبأ بالارتباط مع نبأ آخر يقول إن عرفات أسقط مطالبته بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة·
 
وإذا عدنا إلى وقائع ما هو منشور من مقتطفات المقابلة، نجد أن الصحافي وجه لعرفات سؤالا محددا: هل تقبل خطة السلام التي طرحها كلينتون؟وكان جواب عرفات: نعم· أقبل· هل يمثل هذا القبول موقفا سياسيا جديدا؟ وهل ينطوي هذا الموقف على تراجع من عرفات؟ الوقائع تنفي ذلك، فعرفات أبلغ الرئيس الأميركي بيل كلينتون عندما استقبله في البيت الأبيض (2/1/2001 ) أنه يقبل خطته مع بعض التحفظات، والرئيس كلينتون نفسه أعلن قبل انتهاء ولايته بأيام أن عرفات (وباراك) قبلا مبادرته مع بعض التحفظات لكليهما· واستنادا إلى ذلك لا نستطيع أن نوافق مع الصحيفة على تصويرها للأمر بأنه تراجع من عرفات، أو قبول تحت ضغط الحصار المفروض عليه، على عكس ما برز في هذه الحملة الإعلامية·
 
أما بشأن النبأ الآخر القائل بأن عرفات تنازل عن مطلب حق العودة للاجئين، فإننا لا نعثر في مقتطفات المقابلة على أي قول رسمي لعرفات بذلك، إنما نعثر على استنتاجات من الصحافي أو من الصحيفة· استنتاج من الصحيفة يقول إن قبول عرفات خطة كلينتون التي طرحت قبل 18 شهرا، يعني تحولا رئيسيا في موقفه، لأن الخطة تسقط حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم في إسرائيل واستنتاج ثان من الصحافي نفسه والذي قال إن عرفات لم يشر إلى حق العودة، لكنه قال إن التوصل إلى حل لمشكلة 350 ألف لاجىء في لبنان له أولوية واستنادا إلى ذلك، لا نستطيع أيضا أن نوافق مع الصحيفة على ترويجها بأن عرفات تراجع عن مبدأ حق العودة، وعلى عكس ما برز في الحملة الإعلامية·
 
إن هذه الحملة الإعلامية ليست جديدة، وهي حملة شرسة ومتواصلة، تعود بشكل محدد إلى اليوم الذي تلا فشل مفاوضات كامب ديفيد (26/7/2000)، فمنذ ذلك اليوم برزت ثلاث اساطير إعلامية مترافقة مع الظروف والمتغيرات:
 
الأسطورة الأولى: أن الفلسطينيين هم الذين أفشلوا مفاوضات كامب ديفيد، برفضهم للعرض السخي الذي قدمه لهم الوفد الإسرائيلي برئاسة إيهود باراك، عرض الإنسحاب من 95% من الأرض حسب الترويج السائد·
 
الأسطورة الثانية: أن الفلسطينيين رفضوا ورقة كلينتون التي عرضها بعد مفاوضات كامب ديفيد، وأن الإسرائيليين قبلوها·
 
الأسطورة الثالثة: أن المفاوضات التي جرت في طابا، بعد تخلي الرئيس الأميركي عن منصبه، حققت اختراقا لا سابق له، ولكن سقوط باراك في الانتخابات أمام آرييل شارون زعيم الليكود، ضيع فرصة ذلك النجاح·
 
إن هذه الأساطير الثلاث لا تزال تعيش معنا حتى اليوم، وآخرها حملة صحيفة هآرتس، الأمر الذي يقتضي دراسة هذه المحطات الثلاث، واستكشاف الحقيقة حولها، ونزع الزائف منها، وذلك من أجل تأكيد ثلاث حقائق:
 
الحقيقة الأولى: إن إسرائيل هي المسؤولة عن فشل مفاوضات كامب ديفيد، لأنها رفضت التعاطي جديا مع المطالب الفلسطينية الأساسية، وتعاملت مع المفاوض الفلسطيني بطريقة: إما القبول أو الرفض·
 
الحقيقة الثانية: إن الموقف الفلسطيني من ورقة كلينتون كان شبيها إلى حد كبير بالموقف الإسرائيلي، القبول مع التحفظ، وإذا كان لا بد من القول بأن ورقة كلينتون قد رفضت، فإن ذلك يصح على الإسرائيليين مثل الفلسطينيين، ولا يمكن حصره بالفلسطينيين وحدهم· يقول جلعاد شير مستشار باراك في كتابه حول مفاوضات كامب ديفيد، إن نقاشا جرى في المجلس الوزاري في 27/1/2001 حول ورقة كلينتون، وأن باراك قال في تلك الجلسة لست أنوي التوقيع على وثيقة تنقل السيادة على الحرم (القدسي) إلى الفلسطينيين
 
الحقيقة الثالثة: إن مفاوضات طابا لم تتضمن أي اختراق، ولم تتطور نحو تغيرأساسي في الموقف الإسرائيلي، أو نحو تراجع أساسي في المطالب الفلسطينية، وهي لا تستحق ما اثير حولها من ضجة، إلا من زاوية الصراحة التي تميزت بها المفاوضات، صراحة الطرفين في التخاطب، وفي الاستعداد لبحث كل مشكلة، من دون أن يعني ذلك الوصول إلى حلول أو اتفاقات فعلية·
صفحة 2
ما قبل مفاوضات كامب ديفيد
 
أعلن إيهود باراك منذ توليه السلطة، أنه لن ينفذ مزيدا من الانسحابات المقررة في اتفاقات أوسلو، وحجته في ذلك أن تسليم الأرض للفلسطينيين يفقد المفاوض الإسرائيلي ورقة المساومة الأساسية لتحقيق المطالب التي يريد موافقة الجانب الفلسطيني عليها· وبعد أشهر من المفاوضات حول الحل المرحلي التي كان يتولاها المفاوض الفلسطيني صائب عريقات، وبعد أشهر من المفاوضات حول الحل النهائي التي كان يتولاها المفاوض الفلسطيني ياسر عبد ربه، أسفرت المفاوضات عن اقتراح إسرائيلي للحل النهائي، تم تدعيمه بخارطة إسرائيلية هي الأولى من نوعها، أبرز عناوينها:
 
ــ ضم ما يقارب 40% من أرض الضفة الغربية إلى إسرائيل·
 
ــ تقسيم الضفة الغربية إلى ثلاثة كانتونات بواسطة ممرين يصلان بين إسرائيل وبين أراضي المستوطنات التي تريد ضمها، وبين إسرائيل ومنطقة الغور التي لا تريد إسرائيل الإنسحاب منها·
 
ــ إحاطة الأراضي التي ستسلم إلى الفلسطينيين بشريط عريض من الأرض، تسيطر عليه إسرائيل، ويفصل بين الدولة الفلسطينية المقترحة عن محيطها العربي في مصر والأردن·
 
ــ تبقى إسرائيل مسيطرة على المعابر الحدودية التي تتحكم بحركة الناس وبحركة التجارة·
 
وقد رفض الوفد الفلسطيني قبول هذه الخارطة من حيث المبدأ، ورفض حتى مجرد مناقشتها، لأن القرار التفاوضي الفلسطيني انطلق في هذه المرحلة من قاعدة التفاوض حول الأسسس ورفض التفاوض حول التفاصيل كما جرى في مفاوضات اتفاق أوسلو· ثم جرت محاولة أخرى للتفاوض السري في ستوكهولم تولاها أحمد قريع (أبو علاء) رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني، ولم تسفر عن أي تغير جوهري في الموقف الإسرائيلي· وفي كل هذه المفاوضات كان الإسرائيليون يرفضون الحديث عن موضوع القدس، ويقولون إن هذا الموضوع يجب أن يترك للقادة من أجل البت فيه·
صفحة 3
وفي مواجهة تشاؤم فلسطيني حول مصير هذه المفاوضات، برز إصرار إسرائيلي على ضرورة متابعتها من خلال قمة ثلاثية بين الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ورئيس وزراء إسرائيل إيهود باراك والرئيس الأميركي بيل كلينتون· وما لبث الرئيس الأميركي أن تبنى هذا الموقف وبدأ يضغط باتجاه عقد قمة تفاوضية، وقد انعقدت هذه القمة فعلا في منتجع كامب ديفيد الأميركي في الحادي عشر من شهر تموز (يونيو) عام 2000·
 
حسب شهادة فلسطينية (ياسر عبد ربه) ، لم يكن الرئيس عرفات يريد القمة الثلاثية في كامب ديفيد، ذهب إليها مرغما بناء على طلب وإلحاح الرئيس كلينتون الذي كان ينسق جهوده مع باراك الذي كان يرغب بشدة في انعقاد القمة، معتقدا أن العرض الذي سيحمله سيقنع عرفات بالموافقة· كانت طريقة عرفات في رفض القمة قوله لكلينتون إن القمة تحتاج إلى تحضير، وتحتاج بشكل محدد إلى تطبيق إسرائيلي للإنسحاب الثالث من الضفة الغربية (اتفاق أوسلو)· ولكن أمام إلحاح كلينتون المتواصل وافق على الذهاب دون رغبة·
 
بعد مغادرة غزة، توقف عرفات في القاهرة والتقى مع الرئيس حسني مبارك، وأبلغ مبارك أنه لا ينوي بحث موضوعي القدس واللاجئين في قمة كامب ديفيد، وسيركز على بحث قضايا المرحلة الإنتقالية المؤجلة، لأن البحث في قضيتي القدس واللاجئين لا يمكن أن يتم إلا على اساس تفاهم فلسطيني ــ عربي· وقدر عرفات مدة أسبوع لقمة كامب ديفيد، واتفق مع الرئيس مبارك أن يكون هذا الأسبوع أسبوع اتصالات تجريها مصر مع الأطراف العربية المعنية، وبهدف عقد قمة مصغرة ترسم موقفا عربيا موحدا في قضيتي القدس واللاجئين، وقال للرئيس مبارك إنه سيعود بعد أسبوع ليتشاور معه في نتيجة اتصالاته· وقد أجرت مصر اتصالات علنية وسرية مع أكثر من طرف عربي، وبحثت في إمكان عقد قمة للتشاور، ولكن الولايات المتحدة التي علمت بهذه الاتصالات ما لبثت أن دخلت على الخط كعادتها وطلبت إعطاء فسحة كافية للمفاوضات التي ستجري في كامب ديفيد·
 
وبسبب هذا التصور الذي ذهب عرفات إلى القمة على أساسه فإنه لم يطلب أن يأخذ معه الملفات الخاصة بقضيتي القدس واللاجئين، وحتى الأشخاص الذين يتابعون هذه الملفات مثل الدكتور إيليا زريق والدكتور سليم تماري لم يتصل بهم عرفات ليلتحقوا بالوفد(1)·
صفحة 4
وفي شهادة فلسطينية ثانية تؤكد الموقف نفسه (محمود عباس ــ أبو مازن) قال: كنت توقعت فشل القمة قبل انعقادها، لماذا؟لأن القضايا معقدة جدا وتحتاج إلى مفاوضات طويلة· التقيت باراك في بيته في كوخاف يائير بناء على طلبه، وحضر يوسي غينوسار(2)، وقلت له إن الوقت ليس ناضجا بعد للقمة · · · · · لست أعرف من الذي قرر القمة باراك أم كلينتون، ولكني كنت قد نصحت رئيس الحكومة بأن من الأفضل الانتظار · · · · · ووضعت أمامه تصورنا الدقيق لقضايا الحدود والأمن والقدس واللاجئين، وهذا ما كررناه في القمة لاحقا· لقد جلست في بيته ساعتين تقريبا، وكان أحمد قريع (إبو علاء) أعلمني أنه لم يحدث تقدم حقيقي في المفاوضات السرية التي أجراها في ستوكهولم مع شلومو بن عامي وزير خارجية إسرائيل·
 
كما أن عرفات ، يتابع أبو مازن، كان قال للأميركيين والإسرائيليين إننا نريد تحضيرا مسبقا للقمة الثلاثية، ثلاثة أو أربعة أسابيع على الأقل· وعندما قدم شلومو بن عامي لإطلاع عرفات على محادثات ستوكهولم قال له عرفات: إن كنتم تريدون التوجه للقمة فعليكم أن تعدوا لها · · · · · ولكن البدء من الصفر في كامب ديفيد صعب جدا·
 
وعندما هاتفت مادلين أولبرايت (وزيرة الخارجية الأميركية) الرئيس عرفات (لتقترح عليه انعقاد القمة) قال لها: يجدر أن تكون هناك 2 ــ 3 أسابيع تحضيرية ووافقت معه· وعندما اتصل الرئيس كلينتون قال لعرفات: للأسف سيكون هناك يومان ــ ثلاثة للتحضير قبل القمة· يومان أو ثلاثة ليست كافية، يقول أبو مازن، ذهب بن عامي وأبو علاء إلى واشنطن حقا (للتحضير) ولكنهما لم يفعلا شيئا(3)·
 
وفي شهادة ثالثة (أكرم هنية) نجد تأكيدا للمعلومات نفسها· تقول الشهادة: أبلغ عرفات الأميركيين قبل حوالي شهر من انعقاد كامب ديفيد، أن الظروف لم تنضج بعد لعقد قمة، إن شيئا لم يتحقق في إيلات (المفاوضات حول الوضع النهائي بقيادة ياسر عبد ربه)، كما أنه لم يتم إحراز أي تقدم في محادثات قناة ستوكهولم (بين أحمد قريع وشلومو بن عامي),وأننا نحتاج لأسابيع من المفاوضات المكثفة قبل أن نتقدم لعقد قمة ثلاثية· وقيل للأميركيين:
 
ــ إن قضية فلسطين أشد تعقيدا من أن تحل في قمة لم يعد لها جيدا·
 
ــ إن الفشل مؤكد ما دامت المواقف الإسرائيلية كما هي حتى الآن·
 
ــ إن هناك خطوطا حمراء فلسطينية لا يمكن تجاوزها على الإطلاق·
 
ــ لا تتورطوا في جنيف جديدة (إشارة إلى فشل قمة جنيف بين كلينتون والرئيس حافظ الأسد)·
صفحة 5
ويروي أكرم هنية أن مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأميركية اجتمعت مع إيهود باراك رئيس وزراء إسرائيل، وخرجت من الإجتماع لتوصي الرئيس كلينتون بالدعوة لعقد القمة· وهنا أبلغ الرئيس عرفات النصيحة نفسها إلى الرئيس كلينتون بعد عودة أولبرايت إلى واشنطن· وردا على النصيحة عاد كلينتون إلى الاتصال مع عرفات يوم 4/7/2000 وأخبره أنه لا يوافق على عقد مفاوضات تمهيدية، وأن باراك لديه اشياء جديدة سيطرحها في القمة(4)·
 
ولكن بالمقابل كان هناك تحليل إسرائيلي للحالة الفلسطينية، ويتبناه بعض أفراد الطاقم الأميركي يقول: إن حالة منظمة التحرير الفلسطينية ضعيفة للغاية، وهذه الحالة بحاجة إلى إنجاز يتمثل في قيام الدولة الفلسطينية، والقيادة الفلسطينية مستعدة لدفع أثمان غالية مقابل الحصول على الدولة، وأن منظمة التحرير لا تحظى بدعم عربي كاف لمواجهة الضغوط المنتظرة· ولم يلتفت الأميركيون إلى الرأي الفلسطيني الذي قيل لهم وورد فيه: إنكم ترتكبون خطأ فادحا إن اعتقدتم أن ياسر عرفات يمكن أن يقبل توقيع اتفاق يعجز عن تلبية الحد الأدنى من الحقوق الوطنية الفلسطينية، وإن ثورة فتح جاءت من مخيمات اللاجئين في المنافي، وأية اتفاقية لا تضمن حلا عادلا لمشكلة اللاجئين ستكون دعوة لانطلاق ثورة أشد من مخيمات اللاجئين، وكانت ردود الأميركيين مزيجا من نظرات متشككة، وابتسامات تدعي الثقة والمعرفة والقدرة على الإنجاز، ورفض الإستماع لما بني عليه منطقهم·
 
ويسأل هنية: لماذا قبل عرفات الذهاب إلى القمة؟ويجيب: ذهب بسبب العلاقة المتميزة التي نمت بينه وبين كلينتون، ولأنه لم يكن يريد أن ينشا خلاف مع الإدارة الأميركية حول مسالة إجرائية كانعقاد القمة، وكان يفضل أن يدخر قواه لمواجهة حول المضمون(5)·
 
ولدينا حول الموضوع نفسه موقف رسمي ، قدمه محمود عباس (أبو مازن) بصفته أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير أمام المجلس المركزي الفلسطيني، وقال فيه:
 
لم يكن من السهل علينا قبول الدعوة إلى المشاركة في هذه القمة لما كان لنا عليها من تحفظات أهمها عدم التحضير الجيد لها· وجرت قبل القمة الثلاثية مفاوضات مكثفة ومعمقة سرية وعلنية····· وظهر لنا في الأيام الأخيرة (التي سبقت القمة) أن الجانب الإسرائيلي قرر ألا يتحرك إلى الأمام وفي ذهنه أنه متوجه إلى قمة ثلاثية···· لهذا كانت المفاوضات تراوح مكانها ···· وأصبحت عبثية ولا طائل منها· وبتنا جميعا نتساءل عن الأسس والحيثيات والمعطيات التي جعلت الإسرائيليين والأميركيين واثقين كل الثقة بأنهم قادرون على عقد صفقة أو اتفاق في قضايا المرحلة النهائية إذا عقدت قمة ثلاثية· وزادت الضغوط لعقد القمة سواء بالإتصالات المباشرة كزيارة مادلين أولبرايت ودنيس روس، أو عبر الهاتف مع الرئيس كلينتون، وكان رد القيادة الفلسطينية ضرورة التحضير والإعداد الدقيق لقمة على هذا المستوى، وحذرت من احتمالات فشلها، خصوصا أن باراك أعلن أنه ذاهب بلاءاته الخمس(6)·
صفحة 6
والغريب أن الأميركيين كانوا يقرون بضرورة التحضير ···· والإعداد الجيد والمكثف، ولكنهم يصرون على عقد القمة، كأنهم كانوا يحاولون استدراجنا إليها، إلى أن جاءت أولبرايت واتفقنا معها على أسبوعين للتحضير الجيد، وبعدما وافقت فوجئنا بهاتف من الرئيس كلينتون يدعو إلى قمة خلال أسبوع، وعندما سئل عن الإعداد قال يمكن القدوم قبل يومين من أجل التحضير، عندها أدركنا أن للأميركيين حساباتهم وأنهم يريدون الذهاب إلى القمة بأي ثمن· وأصبحنا أمام خيارين: إما أن نوافق ونحن نعرف سلفا أن الفشل سيكون حليف هذه القمة وربما حملنا الإميركيون نتائج هذا الفشل، وإما أن نرفض فنتهم بتعطيل المفاوضات وعرقلة عملية السلام، وفضلنا الخيار الأول(7)·
 
إزاء هذا التردد الفلسطيني كان هناك اندفاع إسرائيلي للتوجه نحو القمة، تم التمهيد له بحملة إعلامية إسرائيلية مكثفة تتحدث عن اتفاقات تم الوصول إليها بشأن كافة القضايا، وأثارت هذه الحملة بلبلة في الشارع الفلسطيني إلى أن تبين بعد القمة أن كل ما كان يقال وينشر هو العروض والإقتراحات الإسرائيلية حتى لو كان الفلسطينيون قد رفضوها·(8) وقد أدلى شلومو بن عامي وزير الخارجية بتصريحات متفائلة تروج لانعقاد القمة قال فيها مواقف الطرفين لم تكن ذات مرة أقرب منها مثل اليوم باتجاه إيجاد أساس لقمة ثلاثية···· نحن نقوم بكل ما يلزم لإزالة سوء الفهم من أجل تمكين الأميركيين من عقد القمة، وبرر تفاؤله بنجاح القمة بقوله إنالقمة الثلاثية ستخلق طاقة سياسية جديدة تدفع الزعماء إلى الحسم···· لا أريد القول إن الطرف الفلسطيني سيوقع···· ولكن مع جهد كاف يبدو الوصول إلى هذه النقطة ممكنا(9)·
صفحة 7
انعقاد القمة أسلوب كلينتون في إدارة المفاوضات
 
فرض الأميركيون عزلة على الوفد الفلسطيني في مفاوضات كامب ديفيد، وفرضوا بشكل خاص عزلة على الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات· ومارسوا أثناء العزلة التي استمرت خمسة عشر يوما ضغوطا وإغراءات، ضغوطا معنوية مارسها الرئيس كلينتون شخصيا بما له من وزن معنوي، وإغراءات لعرفات بأنه يعرض عليه دولة مستقلة سيكون هو رئيسها· وكانت الضغوط والإغراءات تستند إلى أن الوفد الإسرائيلي وإيهود باراك بالذات يعرض على عرفات حلا كريما ومتساهلا ويقدم له ما لم يقدمه رئيس إسرائيلي من قبل· ولكن الرئيس الفلسطيني صمد أمام تلك الضغوط، وبقي متمسكا بالثوابت التفاوضية الفلسطينية، ولم يقبل حلا يمس بسيادة الدولة الفلسطينية، أو بالسيادة على مدينة القدس، أو بالسيادة على المسجد الأقصى، ولم يقبل أيضا تجاهل الإتفاق على حق العودة في أي حل مقترح· وتسجل المواقف الفلسطينية ملاحظة أساسية بشأن الموقف الأميركي أثناء المفاوضات، خلاصتها أنه يرفض التمسك بقاعدة الشرعية الدولية كأساس للحل حسب المطلب الفلسطيني، ويسعى إلى إيجاد حل وسط بين قرارات الشرعية الدولية وبين ما تطالب به إسرائيل، وتركزت الضغوط الأميركية على الجانب الفلسطيني باتجاه قبول هذا التوجه في البحث عن صيغة حل(10)·
 
توجد ثلاث حقائق حول مفاوضات كامب ديفيد:
 
الأولى: أن القمة عقدت على أساس اقتراح أميركي وافق عليه الطرفان، ينص على أن أية قضية لا تعتبر منتهية إلا بعد الإتفاق على القضايا الأخرى العالقة·
 
الثانية: اتفق على أن تطلق صفة تفاهمات (وليس اتفاق) على المواقف التي يقدمها طرف ويوافق عليها الطرف الآخر· أي أنها لا ترقى إلى مستوى الإتفاق الرسمي·
 
الثالثة: إن الإتفاق لا يعتبر رسميا إلا بعد تدوينه في صيغة معاهدة···· وهذا ما لم يحصل في كامب ديفيد(11)
 
وأكد هذا المنهج في التفاوض ساندي بيرغر مستشار الأمن القومي الأميركي فقال تم الإتفاق على أن لا يعتبر أي شيء منتهيا حتى التوصل إلى إنهاء كل الأمور العالقة(12)
 
وبعد انتهاء المفاوضات وإعلان فشل القمة، أوضح المسؤولون الفلسطينيون أن الأميركيين فرضوا نهجا على جوهر المناقشات في القمة، خلاصته الفجة، أن الفلسطينيين ليسوا شعبا لديه مقدسات وثوابت ورأي عام، بل هم مجموعة من الناس لهم زعيم، وتحل المشكلة حين يوافق هذا الزعيم على ما يطلب منه، ويكفي استخدام التهديد أو الإغراء للوصول معه إلى هذه النتيجة· واعتقد الأميركيون أن وضع عرفات في حالة نفسية معينة، بعد خمسة عشر يوما من العزل، ووصوله إلى مرحلة من الضيق النفسي، يجعلانه مهيئا للرضوخ للتهديد أو الإغراء، أي أنهم كانوا يرسمون حلا شخصيا لعرفات وليس للشعب الفلسطيني، وكثيرا ما قالوا له: إننا نعطيك دولة· وحتى حين صاغوا بعض الإقتراحات جاءت صياغتهم شخصية، فقالوا له سنعطيك مكتبا في القدس، ومكانا لاستقبال زوارك، ولكنه صمد أمام كل هذه الضغوط النفسية، ولم يقبل بالمنهج الشخصي في الحلول والإقتراحات، وكثيرا ما غضب ورفض بعنف ما اقترح عليه، وكرر لكلينتون أكثر من مرة: هل تريد أن تسير في جنازتي(13)؟
صفحة 8
وفي ملاحظات مفصلة حول أسلوب عمل كلينتون، أوردها أكرم هنية عضو الوفد الفلسطيني، يرد حول الجانب الإجرائي ما يفيد بان كلينتون لم يسع لعقد اجتماعات تجمع القادة الثلاثة سوى في الليلة الأولى للقمة، ولمناقشة قضايا إجرائية، وكذلك صبيحة اليوم الأخير للقمة للإتفاق على مضمون البيان الذي سيصدر معلنا فشلها كما حاول كلينتون جر المفاوضات نحو القضايا التفصيلية لمناقشة قضايا الإقتصاد والمياه وغيرها على مستويات أخرى خارج القمة، وفي المباني التي يقيم فيها الخبراء، واعترض الفلسطينيون ورأوا ضرورة التركيز على القضايا الأساسية: القدس، اللاجئون، الأرض، الحدود، الأمن ويبرز هنية في شهادته اعتماد كلينتون على ممارسة نفوذه الشخصي في التأثير على سير المفاوضات من خلال:
 
1ــ اجتماعات يعقدها بشكل منفرد مع عرفات وباراك بشكل يومي، وأحيانا تتعدد هذه اللقاءات في اليوم الواحد·
 
2ــ الذهاب إلى قاعة هولي (قاعة اجتماعات اللجان، حيث أقام السادات عام 1978) لحضور جانب من اجتماعات اللجان الثلاث التي انقسم إليها المتفاوضون وهي: اللاجئون، الحدود والأرض، والقدس·
 
3ــ لجأ كلينتون في مرحلة لاحقة إلى استدعاء مندوبين من كل لجنة إلى إسبن (وهي الشاليه التي كان يقيم بها كلينتون) لمناقشتهم في ملفاتهم، وهي صيغة كررها بشكل مكثف في اليومين الأخيرين للقمة، حيث شارك مرة في نقاش استمر من الحادية عشرة ليلا حتى الخامسة صباحا حول قضايا الأمن بحضور شخصين من كل طرف·
 
وفي هذه الإجتماعات كان كلينتون يستمع لوجهات نظر الطرفين، ويناقش في التفاصيل، ويحاول في بعض الأحيان توجيه النقاش نحو مسار معين، كما حدث خلال حضوره اجتماعا للجنة الأرض والحدود، حيث حاول دفع الطرف الفلسطيني لمناقشة خريطة قدمها الطرف الإسرائيلي حول رؤيته للمناطق التي يريد ضمها بسبب اهتماماته الأمنية، فرفض أبو علاء ذلك بحسم قاطع، فخرج كلينتون من قاعة الإجتماع غاضبا(14)·
 
أما من حيث المضمون، فقد مثل أسلوب عمل كلينتون انحيازا نحو الجانب الإسرائيلي، انطلاقا من ثوابت وتقاليد العمل السياسي الأميركي، والتي يمكن تحديدها في ثلاث نقاط:
 
1ــ الإنطلاق من حاجات ومتطلبات وهموم الحكومة الإسرائيلية القائمة (يجب التوصل لاتفاق وإلا سقطت حكومة باراك)، وفي الأيام الأخيرة للقمة اصبحت الحجة (يجب التوصل لاتفاق وإلا لجأ باراك إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية)· (أي حكومة بمشاركة الليكود واليمين المتطرف الذي يرفض التسوية)·
صفحة 9
2ــ قبلت واشنطن المطالب الإسرائيلية كمسلمات غير قابلة للنقاش، فلم ينقض كلينتون وفريقه أي مطلب إسرائيلي في أية قضية من قضايا التفاوض، وإذا ما حاول كلينتون التدخل فمن أجل تعديل ثانوي لا يغير من القاعدة الأساسية·
 
3ــ طالبت الإدارة الأميركية الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي بنفس القدر من المرونة والتنازلات، بمعنى أن أية خطوة إسرائيلية يجب أن تقابل بخطوة فلسطينية، وهي بذلك تقفز فوق حقيقة أن الطرف الفلسطيني هو ضحية لاعتداء الطرف الإسرائيلي، وأن الأرض التي يتكرم الجانب الإسرائيلي بالتنازل عن أجزاء منها هي أرض فلسطينية احتلت عن طريق القوة العسكرية(15)·
 
وكان من نتائج أسلوب كلينتون في التفاوض تثبيت ثلاث حقائق:
 
1ــ نسفت الإدارة الأميركية خلال القمة مرجعية عملية السلام المتمثلة في قراري مجلس الأمن 242 و 338 ومبدأ الأرض مقابل السلام·
 
2ــ التزم الفريق الأميركي بتعهد هنري كيسنجر (وزير خارجية أميركا السابق) الشهير للحكومة الإسرائيلية، والذي يلزم الإدارة الأميركية بعدم تقديم أو أتخاذ أية مواقف تتعلق بالصراع العربي ــ الإسرائيلي دون التنسيق المسبق مع إسرائيل، فلم يطرح أي إقتراح من الجانب الأميركي يمكن الإفتراض للحظة أنه لم يمر عبر المصفاة الإسرائيلية· وقد قدم الفريق الأميركي مرتين أفكارا خلال القمة، تم رفضها على الفور فلسطينيا، ورفض الرئيس عرفات تسميتها أفكارا أميركية، وقال لمحادثيه الأميركيين: عفوا، هذه ليست أفكارا أميركية، إنها أفكار إسرائيلية، وقد تلقيتها بشكل غير رسمي من الإسرائيليين قبل تسلمها منكم بساعات·
 
3ــ وجه الفريق الأميركي، ومنذ اليوم الأول، ضغوطه نحو الوفد الفلسطيني، أما الوفد الإسرائيلي فلم تبذل أي محاولة لممارسة أية ضغوط عليه، بل كان يعامل كالطفل المدلل، مثلا في قضية القدس والأماكن المقدسة، كان الموقف الأميركي يتبنى الموقف الإسرائيلي، ويحاول إيجاد الأطر القانونية المخادعة لتمريره، دون إعطاء كبير اهتمام للحساسيات العربية والإسلامية والمسيحية، ودون إدراك للخطورة المتفجرة للطروحات الإسرائيلية· كان أعضاء الوفد الفلسطيني يشعرون أنهم يفاوضون وفدا إسرائيليا ــ أميركيا موحدا(16)·
 
وفي شهادة أخرى حول ممارسة الضغوط يقول أحمد قريع (أبو علاء) عضو الوفد الفلسطيني توالت الضغوط الأميركية على الجانب الفلسطيني····· منذ بداية القمة، كلينتون قال لي شخصيا في اليوم الثاني من القمة إنني أحملكم مسؤولية انهيار القمة، وقد افتعل كلينتون المشاكل مع الجانب الفلسطيني وقال إنكم لا تتفاوضون بشكل جدي (إشارة إلى الخلاف حول الخارطة الإسرائيلية)، واستعمل أسلوب الإغراء فقال للجانب الفلسطيني أنه سيطلب من الدول الصناعية في اجتماع إكيناوا(17) دعما ماليا كبيرا للسلطة إذا سارت الأمور نحو اتفاق، وسيذهب إلى الكونغرس لنفس الغرض، واتسمت لقاءات عرفات بالرئيس كلينتون بالحدة والسخونة، وقد استخدم الجانب الأميركي عامل الوقت للضغط على الجانب الفلسطيني عندما قال المسؤولون الأميركيون إن كلينتون لن يكون مستعدا للبقاء بعد 81/7 (موعد قمة إكيناوا) وستؤجل القضية إلى مدة طويلة، وستضيع الفرصة التاريخية الراهنة، وسيكون الجانب الفلسطيني هو المسؤول عنذلك(18)·
صفحة 10
أعمال اللجان
 
اشترط الأميركيون أن لا يزيد عدد أعضاء كل وفد على 12 عضوا، وإذا أراد أي وفد إضافة أعضاء آخرين فيمكنهم أن يقيموا في أماكن قريبة من كامب ديفيد، ويمكن الاستعانة بهم أو الاتصال بهم عند الضرورة·
 
وتقرر أن تجري المفاوضات عبر أربع لجان اصبحت في بعض المراحل ثلاثة بعد أن تداخل بحث لجنتي الحدود والأمن· وكان توزع اللجان كما يلي:
 
أولا: لجنة الحدود والأمن (الأرض والمستوطنات)، وترأسها من الجانب الفلسطيني أحمد قريع (أبو علاء) ومعه محمد دحلان وحسن عصفور، يقابلهم أمنون شاحاك والجنرال شلومو يناي·
 
ثانيا: لجنة القدس، وترأسها من الجانب الفلسطيني ياسر عبد ربه ومعه صائب عريقات، يقابلهما دان ميريدور وجلعاد شير·
 
ثالثا: لجنة اللاجئين، وترأسها من الجانب الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) ومعه نبيل شعث وأكرم هنية، يقابلهم الياكيم روبنشتاين وعوديد عيران· (19)
 
الأرض والحدود والأمن:
 
شاع في الإعلام الإسرائيلي والأميركي أن الإسرائيليين قدموا في كامب ديفيد عرضا سخيا يقوم على أساس الإنسحاب من 95% من الأرض وضم 5% فقط إلى إسرائيل، وأن الفلسطينيين رفضوا هذا العرض السخي، الأمر الذي يبرز رفضهم لفكرة السلام· ولكن حين ندقق في المواقف الإسرائيلية، وحين ندقق في الشروحات الفلسطينية، نجد أن إسرائيل كانت تعرض الاستيلاء على 25% من أراضي الضفة الغربية تحت تسميات الضم أو السيطرة أو الاستئجار، وحين نضيف إلى ذلك مساحة مدينة القدس التي لا تعتبرها إسرائيل جزءا من الضفة الغربية، والمنطقة الحرام الموروثة منذ اتفاق الهدنة في العام 1984 والتي ترفض إسرائيل البحث بها وتعتبرها جزءا من أراضيها، والمساحات التي تريد الاستيلاء عليها من البحر الميت ومن نهر الأردن، وكذلك حين نضيف القواعد العسكرية التي تريد الاحتفاظ بها، والطرق المؤدية إليها، نصل عمليا إلى نسبة تصل إلى حدود 40%· كما نجد في التصريحات الإسرائيلية تناقضا في تحديد النسب المقترحة للضم· وسنستعرض هنا المواقف الإسرائيلية والفلسطينية التي توضح ذلك·