eKtab
EN ع
الخلعاء
اقرأ عينة مجانية

الخلعاء

بقلم خليل النعيمي

صفحة 1
الخلعاء
 
كنا نقترب بسرعة من البحر عندما قلتِ لا تظل ساكتًا وقبل أن أجيب أحسستُ بيدكِِ الصغيرة تتحسسني بحركات متوترة لَهْفاء ولَمْ أُعرْها انتباهًا كنتُ أتشبّث بالضوء أُلاحق تحوّلاته الحُمْر الصّفْر البرتقالية وهي تتخالط فوق الأوتوستراد مخترقة جدار الليل الوليد ليل الكون الآتي من هن
 
وباشمئزاز شديد استدرتِ عني بعيدًا دون أن تقولي شيئًا ولم أقل أنا كذلك عاد الصمت يملأ الفضاء المظلم بيننا يُبْعِد أحدنا عن الآخر ذلك الصمت الخبيث الذي اختصر حياتنا الأولى كلها صخبها وعنفوانها وحبها وكرهها وتمردها واستسلامها مَنْ يستطيع أن يقاوم ذلك الصمت الآن أن ينجمنأن يجتاز حواجزه الميتة وكأنكِ لَمْ تعودي راغبة في الوصول قلتِ بلا مبالاة ألا نستريح قليلاً وانتفضْتُ أنا نستريح ولمّا نصل بعد والليل يستقر من حولنا والظلام يأتي شرقًا ينبع من أعماق الأرض يرقى إلينا من أسفل ومن خلف ومن أمام يشوّش رؤيتنا يحدّها حدًّا وكمحاولة يائسة لاختراقه غيّرْتُ الضوء فورًا فامتدّ طويلاً عاليًا أنار الكون حتى الأفق وبدتْ بفعله الأشياء بيضًا بيضًا لا شكل لها ولا لون ولا حجم وبانتباه شديد صرْتُ أبحث عن البحر الذي ضاع ذات يوم وأثار ذلك سخطك ِالمزمن وهياجكِ المخيف وأنتِ تقولين حتى البحر تريد أن تُلْغي وجوده· ودون أن أقول شيئًا جررْتُكِ من بعض أجزاءكِ جرًّا وكأن شيئًا لم يكن· حَثَثْتِ الخُطى بمرح لاحقة بي وأنتِ تتجنبين بأناقة حُفَر الماء الموحلة بين الأحجار التاريخية البَرْشاء وأمام ساحة الحجاز توقفنا معًا ونظرنا معًا ومعًا لَمْ نَرَ شيئًا سوى الحيطان كان التاريخ يقبع في مكان ما من العالم ولكن لِمَ أيقظنا بأصواته النحاسية العذبة بائع العرقسوس وهو ينغِّم شامي يا حلو شامي يااسمر بورِدْ على قلبك يا حلو بورد ولِمَ انحرفْتُ أنا انحرافًا أزليًا وأنا أُلاحق تمتمات الحواف المعدنية المنَقَّشَة الرقيقة وهي تُنَقِّطُ دَقّاتها البديعة من على ظهره دقَّة دَقَّة وهذه المرة أنتِ التي هجمتِ عليَّ كدتَ تخرج عن الطريق وكالبرق استعدتُ سيطرتي على الحركة والمسافة والليل وبدا الأوتوستراد خاليًا من كل شيء إلا منا والشمس تسكن جوف الكون العلوي بحماقة قاتلة تلك الشمس الحمراء السوداء البنفسجية التي مزجتْ نفسها بالذباب والبعوض وأدخنة الباصات العتيقة الراجفة وأبخرة الروث الطازج وطنين الدبابير وأزيز الطائرات الحائمة فوق الأرض ودقّات العرقسوسي المعدنية الصدئة ولُحوحاتكِ أسرِعْ اسرِعْ هاهي ذي الحميدية وصلناها وبفضول يائس مكسور رفعتُ رأسي عاليًا ورأيتُ الأشياء السماوية في حالتها الهوجاء العنيفة واشتَدَّ عليَّ الـْحاحكِ اشتدادًا سوقيًّا مقيتًا من جديد اسرِعْ ومن بعيد سمعتُ صدى الخَشَّة في السوق خَشَّة 
صفحة 2
 جسدي المنتهك المَدْعوك المُمَرْغَل بالتراب والعَرق والغبار والخراء وتلَفَّتُّ إليكِ لَـمْحًا كنتِ مأخوذة حتى شُعيْراتكِ بالليل والحركة والأوتوستراد الأسود الطويل الذي نام بإعياء على بطنه نومة أبدية وعندما انزلَق الضوء عليه فجأة وتدريجيًا رأيتكِ تلا حقين انزلاقه الساطع بقلق وفضول ولكي استفزّكِ أكثر اطفأتُ الضوء عمدًا وسِرْنا ظلامًا وصرختِ بخوف أشعل الضوء أشعل الضوء· كنتُ أُريد أن أرى الكون ظلمة ونورًا من هنا ومن هناك وأرعبَتْكِ تلك النزوة الطارئة رعبًا حيوانيًا عميقًا لَمْ أكن أتوقّع مثله منكِ ولكي أهدّىء من روعكِ سحبْتُ يدي من جسدي وأعطيتها لكِ دون حماسة مُلْقيًا بها مثل يد الميت في المسافة الفاصلة بين جسدَيْنا وكأن ذلك الحياد الفيزيائي كان إهانة جديدة لكِ قذفتِ في وجهي قُذوفاتكِ قذْفًا وأنتِ تؤكدين لن أسكت بعد الآن على شيء لن أسكت· سرّني ذلك منكِ وساءني معًا أنْ تعلني غضبكِ فهذا عظيم وأن تعلنيه عليَّ أنا فذلك ما يدهشني كنتُ أتصوّر أن ما بيننا لم يكن يصلح أصلاً موضوعًا لمثل هذا ومن جديد خطَرَ لي أن أُطفىء النور وأن أسير ظلامًا في عتمة الأوتوستراد عتمة الليلة الأخيرة تلك وبأقصى ما أستطيع من السرعة ومنذ أن أحسستِ بنزوتي العنيفة مددْتِ كفَّكِ إليَّ وثَبّتِّ بها كفي قبل أن تصل إلى هناك وبرجاء متواطىء قلتِ انتظرْ قليلاً وأمرْتِني أُنظُرْ· كان الأموي يفتح ذراعيه للعابرين مسترخيًا في حرارة القيظ الباهظة مثل رجل قذفَ للتوّ وبائعو الكتب العتيقة يطنّون حوله كذباب المراحيض وبخبث رجَوْتُكِ لا تقولي انتظر بعد الآن فالانتظار هو الاحتضار اسحبي يدي اسحبيها دعيها تمرُّ على أحشائكِ العظمى وجلدكِ البصير أعذب الحركات الحركة الحميمة وأصدق الكلام الشتيمة أتوسّل إليكِ اسحبيها إلى المحروس أنا لا أريد أن أمسّكِ بسوء كل ما أريد هو أن ألتصق بكِ كما يلتصق الثعلب بالثعلبة وهذه المرة ضحكنا معًا ونحن نلج الحميدية من الباب ومن أين تريد أن نلجها قلتِ متغاوية وأجبتُكِ بتلاطُف طبعًا من هناك كنتُ أريدكِ أن تعرفي رأسًا ما ستعرفينه بعد قليل ففي العجلة السلامة وفي التأني الندامة· وقبل أن أفعل ارتجفْتِ كما ارتجف أنا في كل مرة أبول فيها على جذوع شجر الصالحية النحيل وفجأة صرخْتِ هيهْ شوف الطيّارة فوقنا وقبل أن أتحلّق فوقكِ كان حطامكِ ينتثر حولي كحطام المفرقعات الطفولية الهشّة وتلَقَّفْتُكِ واقفًا وقاعدًا وبلا أوضاع وأعدْتُ صنعكِ كما يحلو لي من هنا شيء ومن هنا شيء آخر وأشياء لم تمسها يد ولم ترها عين ولم يعرفها إنس ولا جان وكالفرس النَّفور شَبَبْتِ إلى عنقي وألقَيْتِ بي أرضًا وأنتِ تهدرين مجنون تريد أن تموت وصرختُ بكِ لنخرج من الحميدية فورًا لنخرج من هذه القرية الظالم أهلها والله إن الصبْر 
صفحة 3
على هذا لعظيم· ومن الرصيف إلى الرصيف شاهدنا خارجين علب السكاكر والحلوى والأثواب الرخيصة الملوّنة والأحزمة الصُفْر اللامعة وعيون التجار البليدة الفارغة وبطونهم الملأى وأساطيل مطاطية معلقة بخيوط من القنّب الأصفر المتين الذي جدلَتْه أيدي العمّال المتآكلة من كثْرة الَغزْل وفي الفضاء تتدلّى أحذية الغش التي لا تقي الحفْيان حتى من الحَفى والبشاكير الرقيقة الرخيصة التي لا أحتاج إلى أي منها· ولماذا سألتِ باهتمام لأني لا أغتسل وقهْقهتِ كذاب حقير وقهْقهْتُ أنا كذلك كانت ضربتكِ غير قاضية وهل يسوؤني أن أكون كذابًا حقيرًا لا شك لا ومع ذلك كنتُ صادقًا مثل بطن أمي الذي حملني من ظهر أب لا أعرف له اسمًا ولا رسمًا ومن جديد قهقهتِ كذاب حقير كذاب حقير وكل كذب يكتَبُ كذبًا إلا ثلاث كذب الرجل لامرأته يعدها وكذب الرجل في الحرب يتوعّد ويتهدد والكذب في الصلح بين الرجلين· هكذا ترين أن المرأة هي الكائن الوحيد الذي لا يكذب ولم تضحكي هذه المرة فقد لَدَغكِ الحَمّال بطرف حمْله الثقيل مارًا فملأ الاشمئزاز نفسكِ وصار الغضب يتفجّر منكِ وفي مكانكِ وقفتِ دون حراك وأنت ترمينه بسهام عينيكِ الشهوانيتين ولَمْ يركِ على هذه الحال إلا أنا وظهره العريض الذي ارتكز على حدوده الدنيا حِمْله الباهظ الثقيل وهو يبتعد وئيدًا ينقل فخذًا بعد فخذ وبين النَقْلَة والنقلة تنفرج اِلْيتاه انفراجًا عجيبًا ويتقوّس بدنه ويسوخ ونبَّهْتُكِ باعتداد آسر هذا هو الخارجي انظري انظري مَنْ كانت به حاجة لا تحق مطالبته بالفضيلة ومع شعاع عينيكِ انحدر الضوء عميقا ًوغاب وظل الليل ينبع من مسام الأرض التي لا تحصى كما ينبع النَزّ من الجسد والبحر لا زال بعيدًا والعروق تنتفخ انتفاخًا وأعضاؤنا يقترب بعضها من بعض لو تُضيفين اختلافكِ إلى اختلافي لصنعنا ائتلافًا مجيدًا فالعدل قد عفا والجور قد فشا ولا تزداد هذه الولاة على الناس إلا غلوًّا وعتوًّا وعلى مد البصر الصقيل امتدت ألوان الحميدية ودكاكينها ومستغِلّّّوها ومستَغَلّوها وأشياؤها الأخرى وكأني أراها للمرة الأخيرة شعرتُ بالانحلال وأنا أذوب في بُقع الضياء الساقط من شقوقها التوتيائية الغبراء بقعة بقعة ومن طرف كُمّي جررتِ هيكلي المتباطىء جرًّا حنونًا متحاشية تحاشيًا انجيليًا صارمًا أن يلامس جلدي جلدكِ وتعثَّرْتُ أنا بحالي· ولئلا أُلامس الأرض لمستُ بعناية فائقة كتفكِ اللدنة لمسًا مشوقًا وتحمَّلْتِ بنشوة أدهشتْني ثقلي المفاجىء وأنا أستند إلى بطنكِ وظهركِ والخاصرتين وقلَّبْتِ وجوهي وجهًا بعد وجه وأنتِ تجرينني لنعدْ فورًا لنعد وقلتُ ساخطًا نعود وندع الطائرات تحوم فوقنا كالزنابير كزنابير الجزيرة الحُمْر المحشوّة مؤخراتها سمًّا وها هي ذي حمير الشام تنقل الكمثرى بهدوء والمشمش والخيار والخس الجميل ذا الأوراق الطويلة العريضة الشديدة الخُضرة المروية من دمنا رَيًّا وتنقل أشياء أخرى كثيرة من دُمَّرْ والهامةْ والقابونْ والسِتْ وكفَرْ سوسةْ المنحوسة ومن الغوطة ومن الغوطة الأخرى تنقل ذلك كله إلى هنا إلى قلب هذا المكان ليسطوا عليه ولَمّا يبلغ سِنّ الوعي بعد وتعجّبْتِ يسطون على مَاذا يسطون على مَنْ وأنتِ تتابعين جرّي إلى النقطة أسرِعْ أسرعْ لنعُدْ فورًا لنعدْ وبغضب تخلَّصْتُ منكِ لا لا أريد أن أعود إلى قواعدي حتى ولا سالمًا وأحسستُ بمخالبكِ الحادة تنغرز في لحمي وصوتكِ المستثار إياه يحثُّنا معًا 
صفحة 4
تعال تأخرنا تعال هل كان علينا حقًا أن نقطع الحميدية من أولها إلى آخرها من الحجاز إلى الأموي ومن الأموي إلى الحجاز مرة على هذا الرصيف ومرة على الرصيف الآخر وبأقصى ما لدينا من الوعي والانتباه أم كانت تلك مجرد خطة بائسة لرجل مستاء يقضي يومه الأخير هنا· ورأيتكِ تتململين في مقعدكِ القريب وفهمتُ أنكِ تلفتين انتباهي إلى الطريق الذي كنتُ على وشك أن أُحيد عنه وأحسستُ بي محتارًا لم أعد أعرف كيف أتصرف والمأساة هي اهتراء الأشياء التي لا زالتْ في حوزتكَ محسوبة عليكَ وتحت ناظريكَ وأنت لا تستطيع أن تفعل لها شيئًا ولا لنفسكَ· قلتِ بشكل قاطع وصريح وأضفتِ سريعًا المأساة هي أن هذه الكلمة السخيفة صارتْ هي نفسها مأساة ونظرتِ باحتقار إلى يدي الملقوحة مثل يد الميت في المسافة الفاصلة بين جسدينا ونحن نلتهم الطريق التهامًا البحر البحر وبدا المتوسط معكوسًا مكسور الماء والرذاذ وألسنته الحادة تلحس حفاف السفينة البيضاوية المتطاولة إنها المرة الأولى إذن ومع ابتعادنا ابتعد هو الآخر عن ضفافه التي تكوَّرتْ وغدتْ فضاء منحنيًا بعيدًا غارقًا في الماء ولم يعد يُرى من البَرّ القديم إلا مقامه وفوقه الغمام الذي يوصل البحر باليابسة واليابسة بالبحر والرجل يقود رجلاً يقدمه إلى الأمير أصلح الله الأمير إن هذا عاصٍ فقال له الرجل أنشدكَ الله أيها الأمير في دمي فوالله ما قبضتُ ديوانًا ولا شهدتُ عسكرًا وإني لحائك أُخذتُ من تحت الحَفّ فقال اضربوا عنقه فلما أحس بالسيف سجد فلحقه السيف وهو ساجد وبحدة وانفعال غيّرْتُ الضوء بعد أن كنت قد غيّرتُه للتوّ فامتدّ طويلاً عاليًا وبدا آخره بعيدًا بعيدًا جدًا يكاد يلامس ظهر البحر وبان الأوتوستراد تحته شريطًا أدهَمَ من العتام· ومن جديد سألتكِ بحقد لماذا فعلتِ هكذا؟ وأجبتِ هادئة وبتصميم قلتُ لكَ ألف مرة وأحسستُ بجسدي يرتعش ارتعاشًا وأنا أدفع من عينيَّ إلى عينيكِ بأشعة الشام الحامية المملوءة بالرغبة قائلاً بتواطؤ لم يبقَ إلا القليل ونصل هذا هو المالكي أعرفه· قلتِ وهذا هو الجسر الأبيض أعرفه وهذا هو عرْنوس أعرفه وهذه هي الصالحية· وشهقتِ إنها المرة الأولى يلعنك وهذا هو سوق ساروجة أعرفه وهذا هو سوق التبن أعرفه وهذا هو سوق البيض أعرفه وهذه هي قهوتهم· وقلتِ بغموض أشكالهم غريبة· وملأ الامتعاض نفسي كدتُ أقبض عليكِ قبضًا لا نقيض له أُبادل كيانكِ بكياني إلا أن قيدًا ممضًّا كان يلجم أحشائي يفصل بيني وبينكِ يحميكِ مني ولا يحميني منكِ ودُسَّت الجواسيس إلى عسكر الخوارج فأتوا بأخبارهم ومَنْ في عسكرهم فإذا هم حشوة ما بين قَصّار وصَبّاغ وداعر وحداد· إنها الليلة الأخيرة إذن إنها الليلة الأخيرة وسألتِني باندهاش وأشعة الشمس الحمراء تتسلّط على فستانكِ الحريري الأملس وهو يتزالَقُ على جسدك الجميل ماذا قلتَ ودون أن أجيب أمسكتُ كفكِ بحزم وجررتكِ حتى الباب وبصمت صعدتِ معي الدرجات السود العتيقة· 
صفحة 5
وفي منتصف الطريق وقفتِ مثلما وقفتُ أنا ونظراتكِ المصعوقة تسقط في نظراتي كنتُ أمسك بكِ بيد وبالأخرى أُحاول إخراجه بأسرع ما يمكن وانتفضْتِ مرعوبة وهو يقترب منكِ بتصميم وبقدر ما يسمح به ذلك التوتر العظيم من دقة واتزان رفعتُ ثوبكِ الحريري الأملس حتى الخصر ودفعتُ بسروالكِ الصغير الذي كان يخنق جوفكِ خنقًا إلى البعيد وبحركة لا زمن لها ولا تفسير انفرج بدنكِ واستويتِ عليه وفي اللحظة نفسها جاءت الطقّة تتبع الطقّة انفتح الباب انغلق الباب ودون أن ينفكّ أحدنا عن الآخر تساءلنا معًا نصعد الدرج نهبط الدرج ومعًا صعدنا ولم نهبط حتى الآن كان عليَّ أن أذهب بعيدًا بعيدًا جدًا في كرهي لكِ أن أحبكِ كما لم أحب أحدًا من قبل وخطر لي أن أقول لكِ ذلك ونحن نركب الأوتوستراد إلا أنني فضّلْتُ الصمتَ والتجاهل كما هي العادة وأخذت أُزيد السرعة بدلاً من أن أفعل العكس وكالسهم اقترب الضوء من الضوء وتماررنا بَرْقًا· وبأقصى انتباهي التوَيْتُ طويلاً أتبع انحناءة الأوتوستراد الذي ولج الفوهة الغامضة في ثنايا الجبل المهيب وكأنكِ أردتِ ازعاجي· قلتِ بنوع من التشنّج انتبه إذا أردتنا أن نصل وسخرتُ أنا بلا مبالاة أن نصل أو لا نصل تلك هي المضحكة وأضفت ُبابتذال المهم أن نعي أن الحياة لعبة وأن نلعبها بمرح العبْها وحدكَ قلتِ وكالمجنون ظللتُ أُتابع بأقصى السرعة خطوط الأوتوستراد البيض الصامتة وأنا أتشَرَّبُ بشغف حَسيس العجلات المطاطية اللدنة وهي تنسحق على الإسفلت والصوت الساخط يتردد داخل رأسي قَتْلُ رجل في صلاح الناس غير منكر وللحاكم أن يحكم بما يراه صالحًا وليس للرعية أن تعترض عليه· عاد الصمت يحل بيننا من جديد صمت الليلة الأخيرة ذاك أعرفه عندما يجيء صمت الفراق الذي لا لقاء بعده ولا التقاء· ودون إنذار خففتُ السرعة فجأة وأضأتُ غمّازات الخطر الأربع وتوقفتُ على اليمين وقبل أن أخرج تطلعتُ في المرآة السوداء العاكسة شمالاً كانت الأضواء تلمع في الأرض بعيدًا كالنجوم وما تلبث أن تحاذينا وتغيب تاركة رذاذًا أبيض من الضوء سرعان ما يذوب في سَواد الأوتوستراد· وكالحبيس الذي استرد طلاقه دفعة رميتُ نفسي في ليل الكون بلا قيود وأنا أنفث الحسرة تلو الحسرة· وشهيق عميق يحل في رئتي دون انتظار وسمعتكِ عبر زجاج السيارة المعتم تسألين بنفاذ صبر ما خلصت؟ قلتُ لا قلتِ بلى وأجبتكِ صارخًا لكأنك أنتِ التي تبولين وباحتقار قلتِ لمْ يبقَ فيك غير الصراخ ودون اهتمام بما قلتِ أدرْتُ ظهري لكِ ولليل وابتعدتُ بتؤدة إلى الأمام ومن وراء رأيتكِ تهزّين رأسكِ هزات متتالية ودون أن أسمع صوتكِ اللجوج كنت أعرف أنكِ تقولين كما هي العادة قرارات قرارات وكأن ذلك النقد لا يمكن أن يوجَّه إلا إليَّ وحدي في هذا العالَم وبتحدّ قلتِ فعلاً لا يمكن أن يوجّه إلا لكَ لكَ وحدكَ في هذا العالم ولأول مرة تقريبًا أحسستُ بنفسي عاجزًا عن الإمساك بكِ وملأ نفسي شعور غامض بتسَرّبكِ من بين أصابعي كالزئبق كيف حدث ذلك خلسة وكيف صار ومَنْ سلطكِ عليَّ والسلطة قَهّارة وقال والله لأُمَهّدَنّكَ ثم لاحملَنَّكَ أين المال قال عندي فهل للحياة من سبيل قال لا قال فأخرجني إلى الناس حتى أجمع لكَ المال فلعل 
صفحة 6
 قلبكَ يرق عليَّ ففعل فخرج فأحلّ الناس من ودائعه وأعتق رقيقه وتصدّق بماله ثم رُدّ إليه فقال شأنك الآن فاصنعْ ماشئت فشُدَّ في القصب الفارسي ثم سُلّ حتى شُـرِّح ثم نُضح بالخل والملح فما تأوّه حتى مات ودون أن تقولي شيئًا اختلطتْ في ظلام الجنوب الرطب عيناكِ السليطتان بعينيَّ وأنتِ تحدقين في وجهي العابس المسكون بالجُهمة وتسألينني مدهوشة جئتَ من الجبهة ومن أين يمكن لي أن أجيء وترنّ في الفضاء الصغير ضحكتك الشبقة القاهرة وأنت تزحفين على طيزكِ نحوي إلى أن تلتصقي بي وأحس حركية تشممكِ العميق تشْفُط شفْطًا رائحة جسدي الخليط من العرق والنَزّ والزنخ والغبار وكأنكِ كنتِ تعرفين تمامًا مانويتُ فعله أمرْتِني لا تستحم وتعجبتُ أنا أظل بوسخي وهجمتِ علي أحب أن نفعلها هكذا كان أنفكِ قد صار في أكثر من مكان وصرتِ تملأين منخريك بعبير الرائحة الحيّة الواخزة التي كنتِ تلاحقينها في ثنايا جسدي الخبيئة تحت الإبط وفي المغبن وحول الخصيتين ودون توقف بدأ التهامكِ لي كان الحر في أوجه وخلَتْ دروب نَوَى وزواياها من الناس ولمْ يبقَ من العالم إلا الأحياء الداشرة المحتمية من الشمس بالحيطان وبعض الكلاب التي ضَوَتْ لاهثة في أفياء الدور المتلاصقة دون انتظام والتَحَم الأسود بالأسود وسمعتكِ تَعنّين تَعنّين وخطر لي أن أسألكِ ولكن بمودة هذه المرة لماذا لا يكفُّ بعضنا عن تعذيب بعض إلا أن ما حدث فجأة أبعَدَني عن ذلك بعيدًا بعيدًا جدًا وعندما استقام المسار لم أجد على لساني إلا تلك الكلمة السخيفة لقد سئمتُ وكررتُها لقد سئمتُ ودون انتظار قلتِ منذ عرفتُكَ وأنت كذلك وأعدتِ عليَّ دون رحمة كل ما تحفظينه عن ظهر قلب من سؤوماتي وأنتِ تتابعين بامتعاض تحوّلاتكِ الهائجة منقلبة من حال إلى حال كنتُ أتمنّى أن تقومي بحركة لا انضباط لها تدفع بنا جميعًا خارج الحياة تُلغي الزمن وتمحو التاريخ إلا أنكِ بقيتِ ساكنة في مكانكِ وظل الليل يمر حولنا كالفيضان وأضواء السيارات العالية تجرّنا نحو البحر جرًّا ومُنادي الحجاج ينادي مَنْ أتى برأس فيروز فله عشرة آلاف درهم ففصل فيروز من الصف وصاح بالناس مَنْ عرفني فقد اكتفى ومنْ لَمْ يعرفني فأنا فيروز حصين وقد عرفتم مالي ووفائي مَنْ أتى برأس الحجاج فله مائة ألف وأحسستُ بحركة غامضة من الشك والحب تخترق أحشائي ولستُ أدري كيف قلتُ لكِ بحنان نامي الدنيا ليل والدرب طويل واستنْكرْتِ ذلك بشدّة تتدخل حتى في نومي وكأني لم أسمعْكِ أدرْتُ خافض الزجاج بسرعة وهجَمَتْ برودة الليل فورًا فاحتَلّ الارتعاش البارد أجزائي وأحسستُ بكفي تريد أن تجيء إليكِ أن تتمسّح بكِ أن تلمس بعض أجزائكِ الحميمة إلا أنكِ ظللتِ تنظرين دون اهتمام في سواد الليل الممتَدّ شرقًا إلى آخر الكون ومع ذلك لم أتمالك نفسي فلمسْتُ ظهركِ برقة ورأيتكِ تنتفضين جافلة لا تلمَسْني لا تلْمَسْني جفلْتُ أنا الآخر وجفل معي العالم كله وكدنا نقع على الطريق ومن سواد الليل البهيم انتزعتِ عينيكِ الملعونتين لتصوّبيهما بعدائية نحوي ودون أن أهمل مراقبة الطريق 
صفحة 7
والليل قلتُ لكِ بلؤم قريبًا سنصل وأنا أُسرع أكثر فأكثر لأُخيفكِ كان الظلام خارج الكون الصغير الذي يحتوينا عذبًا وساحرًا يُغري النفس بالحركة والانتصار وزاد في هيبته وغموضه النزَقُ الذي أخذ يثبت أركانه في أعماقي وتمنّيتُ أن يطول الليل إلى آخر الطريق كانت تملؤني رغبة مبهمة في أن أُحطّم كل شيء تطوله يدي أن أؤذي أحدًا أن أظل في حركة لا تهدأ أبدًا كان يكفي القليل من الخَلَل لتصير الحياة غير قابلة للاحتمال وحتى ألاّ تعود موجودة وكنتُ أقوم بجهد عال لأحافظ على توازني المشؤوم كنتِ تعرفين ذلك جيدًا ومع ذلك كنتِ تريدين أن تدفعي بالمركب الجانح إلى أعماق الماء وسألتكِ بغباء وماذا ستربحين قلتِ أربح نفسي ولم تفاجئني تلك الراديكالية الزائفة فمنْ لا يستطيع كسْب الآخر في عالم يقوم أصلاً على الكسب لن يستطيع أن يكسب نفسه أيضًا ولكن العَجَب أن يكون الرأي لمن يملكه دون مَنْ يبصره وأحسستُني أتهاوى كان ذلك مريعًا حقًا ولأول مرة خطر لي أنني أمسك برأس الخيط وأن ما يحدث الآن وهنا كان قد حدث من قبل في الشام ووجدتُ نفسي أغلظ في الكلام لي ولكِ وللصدفة التي جمعتنا وضحكتِ ساخرة مني وأنتِ تقولين لمْ تكن صدفة لم تكن صدفة قلتِها مرتين وانحرف الطريق يسارًا قبل أن أرد عليكِ انحرف وتلوّى صاعدًا نحو السماء واستعنتُ بنباهتي كلها لئلا أفقد المسار وكنتِ تحدقين بلا مبالاة في الفضاء المعتم حولنا وتتساءلين بلا رغبة في الإجابة إلى أين تصعد؟ وبتحَدّ قلتُ إلى أعلى نقطة في قاسيون وأطلقْتِ همهمَة لم أفهمها حتى الآن· وعلى رأس الجبل الأجرد استدرْنا جنوبًا ورأينا معًا هذه المرة كل شيء وكالمأخوذة مددتِ يدكِ إلى الباب دون روية ونحن في أقصى حالاتنا توترًا وهياجًا وأمسكْتُ بها في اللحظة الحاسمة وأنا أصرخ ماذا تفعلين هل تريدين أن تموتي؟ قلتِ بهدوء لا أُريد أن أقيء وعلى طرف الأوتوستراد جثَوْتِ بإعياء آخذة بملء وجهكِ الأرض وسبابتكِ تلج الحلق عميقًا تُحاول عبثًا إخراج الأشياء المدفونة في بواطنكِ ومع تخامُد تلك النوبة المريبة تقاومْتِ بكسل وتَراخ واقتربْتِ مني دون حماسة لاقِحَة جسدكِ المنهك عليَّ وللحظة نسيتُ فيها كل شيء أحطْتُ بيدي اليسرى رأسكِ وباليمنى غطّيْتُ جذعكِ المتهالِك وسَهَّل التصاقنا المباشر هذه المرة انتقال الرعشات منكِ إليَّ وبدأتُ أنا الآخر أبكي وكمن يفيق من إغماءة طويلة رفعتِ رأسكِ متمهّلة ونظرتِ إليَّ بحقد وقلتِ باتّهام واضح لقد خرّبْتَ كل شيء لقد خرّبْتَ كل شيء· وكالمذعور دفعتُ برأسكِ بعيدًا عني وأنا ارتجفُ وبدلاً من أن تقولي شيئًا جديدًا استدرْتِ إلى اليمين وحضنْتِ نفسكِ بنفسكِ ورحتِ تبتعدين وتشبّثْتُ أنا بالمقود الأسود ذي الملمس الليّن والبطيء وشعور بالوحدة والخوف يستولي عليَّ وأنا أُتابع حزم الضوء الأصفر الأبيض وهي تشقّ الظلام أمامنا دون توقف· كان علينا أن نصل البحر قبل الصباح ومن أجل ذلك كان علينا أن نستعمل ما تبقّى لنا من 
صفحة 8
الزمن استعمالاً جديدًا أن نقوّمه تقويمًا آخر وبدلاً من أن أحس بارتعاشات جسدكِ المسجّى لصقي صرتُ أحس بحفيف العجلات المطاطية المنتفخة بشدة وهي تَدْرج على الأوتوستراد ولسبب لا زلتُ أجهله حتى اليوم صرتِ تتحركين في مقعدكِ الأزرق حركات غريبة مفاجئة ولم أُعِرْكِ اهتمامًا كان احتكاك العجلات الصاخب والمستمر بالأوتوستراد يثير في نفسي قلقًا خفيًّا وبدا لي أنها ستنفجر بعد قليل وتملّكتْني رغبة صارمة في أن أتلمّس أعضائي واحدًا بعد الآخر أن أتحسس جسدي من نواحيه كلها أن أتعرّف عليه بعمق بعد أن حملْته كل هذه السنين وحاولْتُ أن أقترب منك قليلاً إلا أنكِ ابتعدتِ مشمئزّة مرة أخرى ولم أشأْ أن أقول لكِ إنها الليلة الأخيرة وإننا إذا ما افترقنا فستخسرين مَنْ كنتِ تحبينه وسأخسر من كان يحبني ومع ذلك ليس لديَّ ما ألوم نفسي به أو ألومكِ عليه كل ما لديّ من اللوم يقع على الآخرين وصرختِ بوجهي الآخرون دائمًا الآخرون وبتحَدّ قلتِ ولِمَ لا إذا كانوا يستحقون ذلك فعلاً هكذا حرمتِني من متعة كانت قريبة من القلب متعة الانفراد برأي ولو للحظات وشعرتُ بَغْتة أني فقدتُ الرغبة في كل شيء تقريبًا ولم يعد على لساني إلا كلامي العتيد أُريد أن أذهب بعيدًا ومن غير رجعة أريد أن أعود من حيث أتيتُ وبلؤم قلتِ اذهب ليقتلوك كان واضحًا هذه المرة أيضًا أننا كنا نتقاطع وأن أية محاولة لدرء القطيعة صارت مثيرة للاشمئزاز وبذلْتُ جهدًا عميقًا لئلا أقول لكِ ذلك قبل أن نصل البحر لقد أردتُ مرة أخرى أن أتعامل معكِ عقلاً ولم أكن أدرك بعد أن العقل ليس شيئًا آخر سوى العاطفة الآن صرتُ أعرف أنكِ تريدين إخضاعي إلى أقصى حدّ ممكن وأنَّ عليَّ أن أُقاومكِ بكل ما أملك من قوى ووسائل ولم تكن تلك مهمة سهلة بعد أن تغلْغلْتِ في كياني يومًا بعد يوم أنتِ الأخرى صرتِ سلطة أخطر من السلطة الأم وأشقّ منها على النفس وبدا لي واضحًا أنني إذا ما أردتُ أن أخلع العذار فما عليَّ إلا أن أبدأ بكِ بكِ أنتِ التي تسومينني سوء العذاب وكل ذلك باسم الصداقة والحب والمعايشة والمساكنة والمجامعة والأشياء الأخرى التي لا تعد ولا تحصى الأشياء التي تقوم عليها أُسس الوطن كله من المحيط إلى الخليج ما عليَّ أن أفعله إذن هو أن أُحرر نفسي من المستعمِرين المباشرين لها المقيمين فيها المشاركين لها في حياتها اليومية منكِ أنتِ قبل أي أحد آخر وليس عندما نصل البحر وإنما الآن ولم أكن أتوقّع أن يثير فيكِ هذا الكلام نوبة من العداء والنفور إذْ صرتِ تصرخين بهبال اسكتْ اسكتْ واعتمادًا على معياري الخاطىء القديم نفسه كبحْتُ رغبتي العميقة في تعنيفكِ وزجْركِ وأظهرتُ لكِ وجهي الآخر وجه الرصانة البائسة والتعقّل الغبي والبرود المهادن وهيّأتْ غفلتي التاريخية هذه هيّأتْ فضائي الشخصي لتراكم النقيضين خطأي وصوابكِ ورأيتكِ في سواد الأوتوستراد الراكض تبتسمين ابتسامة غامضة وطلبتُ منكِ أن تقولي شيئًا ولم تفعلي سوى إخماد ابتسامتكِ الصفراء اللئيمة وارتجف قلبي ارتجافًا لم أعرفه من قبل كدتُ أقبض على عنقكِ بيديَّ وأشدّ القبضة عليه أخنقكِ خنقًا كما كان أبي يخنق الثعالب قبل سَحْلها من الغيران وأُلقي بكِ بعد ذلك بعيدًا ومن دونكِ أُتابع السير وحيدًا حتى الحياة كنتُ أحسُّ بالسمّ يجري في أوصالي المشدودة كالأقواس سمّ النزْوة الخبيثة التي تلوّن 
صفحة 9
العالَم بألوانها المخيفة كان عليَّ أن أُواجه في لحظات قليلة من الزمن ما تراكَمَ خلال قرون ومع أن ذلك كان شبه مستحيل في تلك الليلة الراكضة على الأوتوستراد إلا أنني بطبعي المتوتر والفائر مثل مياه القُدور المصلية بالنار شعرتُ بأني قادر على فعل كل شيء لا على إنجاز ذلك فحسب وإنما على تجاوزه أيضًا وشيئًا فشيئًا امتَصّ الأوتوستراد الطويل حنقي الطافح وآزره الظلام المتلاطم الذي كان يقف حاجزًا بيننا ولم أجد أمامي إلا أن أُسرع أن أُسرع أسرع ما يمكن أن أصل البحر قبل الصباح وأحسستُ بالسيارة تبتلع الهواء العاصف تكاد تغص به وتموت وعرفتِ أنتِ بذلك فبدأتِ تنظرين إليَّ نظرات مشبوهة وأنت تتنهّدين لكأن ما يدور في رأسي أيقظ خوفكِ العميق وقال أمّا لأُمثّلَنّ بكَ قال له اختَرْ لنفسكَ من القصاص ما شئت فأُمر به فقطعوا يديه ورجليه ثم قال له كيف ترى قال أفسَدْتَ عليَّ دنياي وأفسَدْتُ عليكَ آخرتكَ ثمّ أُمر به فقُتل ثم صُلِب على باب داره ومع ازدياد السرعة المجنونة ازدادتْ تنهّداتكِ الكظيمة شدّة وبشكل عفوي سألتكِ إنْ كان كل شيء على مايُرام ودون أن تهتمّي بسؤالي استدرتِ عني بعيدًا وأنتِ تتصنّعين الصمت· كانت بي رغبة حادة لأن أُحكي لكِ من جديد عني أن أضمّكِ إلى صدري أن أقول لكِ أشياء كثيرة لم أقلْها لأحد من قبل أن أستفيض معكِ في شرح تصوّراتي وأحلامي وعواطفي أن أكسر ذلك القيد التافه قيد الصمت البغيض الذي حرمني متعة الكلام الحميم والذي سمم حياتي يومًا بعد يوم كنتُ أريد أن أنتهي أنا نفسي من نفسي أن أنزع المسْمار الصدىء الذي انغرز في قلبي عميقًا مسمار الحذر السخيف والحسابات الكاذبة والحياد البليد كنتُ أريد أن أقول لكِ كل شيء عن كل شيء وبدا لي واضحًا أنه إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من حديد وأننا منذ أن نحسب حسابًا لأحد أو لشيء نقبل بالتنازل ومنذ أن نقبل بالتنازل نرضى بالخضوع وليس للخضوع حدود إلا أن عنادكِ القاطع وتحدّيكِ المستمرالواضح لي أفقداني الحماسة وجعلاني أنظر إلى الأمر نظرة أُخرى وتبيّن لي في تلك اللحظة الكاشفة مقدار ما تحويه أفعالكِ من العقل ومن مُلْحقاته وكنتُ لا أرى فيها من قبل إلا الوجد والعاطفة والجموح كان التوازن يختلُّ بيننا من جديد ولصالحك ِهذه المرة وبدأ الألم يصعد في أحشائي عميقًا يدفع بي إلى التقيّؤ والكلام يُخالط في رأسي الكلام مَنْ خِفْتَه على المعصية ممّنْ قِبلكَ فاقتلْه فإني قاتل مَنْ قِبلي ومنْ كان عندي مِن وَليّ مَنْ هرب عنكَ فاعلمني فإني آخذ الوليّ بالوليّ والسَمِيّ بالسَميّ لم يكن أمامي إذن إنْ أردتُ أن أقاوم أطول مدة ممكنة إلا أن أضع نفسي في أحسن الشروط وأفضلها ولم أ جد الفرصة لفعل ذلك فمن أين إلى أين ومن كيف إلى كيف وجدتُ نفسي محصورًا بين نارين وكياني يتهدّم من الضرب والأعضاء تتشابك فوق جسدي الحسير 
صفحة 10
وكالنمر المجروح ألْقَتْ نفسها فوقي فاصلة بيني وبين الخيزرانات التي صارت ترتمي هذه المرة على إليتيها محدثة صوتًا َلحْميًّا غريبًا وشَبَّتْ من الألم إلى أعلى ما يمكن وهي تحضنني أكثر فأكثر وتصيح اتركوه اتركوه وبتلذذ ساديّ عجيب تعاقبتْ خيزراناتهم عليها وعليَّ معًا وأحدنا يدخل في الآخر دخولاً لا خروج بعده كانت تركض بي بعيدًا وأطراف مطارقهم تنوش أردافها ومن خلل ثوبها النيليّ الأزرق الذي لم يعرف الغَسْل منذ أن حطَّتّه على جلدها رأيتُ أهل الطويلة يجتمعون سِراعًا ويتفرّقون فُزاعى كطيور مكشوفة هاجمها جمع من الغُلاة كانت عساكر الدرك تحفُّ بهم من هنا ومن هناك تَلُمّهم وتفرقهم على هواها ومع صيحة حاملتي المستغيثة ياويلاه انبثقتْ هاجر من الجمع وبيدها الدلو الأسود المليء ماء ومسامير ورُقَعًا ونفايات وبلمح البصر استقَرّ الدلو بمائه ومساميره وعُراه في رأس العريف الأحمق الذي لم يكف عن ضربي واختلط صوت ارتطام الدلو برأسه بصوتها وهي تَنْتَخي وآني أختك يا خليل· وكالعصفور الضئيل تطوّح العريف فورًا وخرّ صريعًا على الأرض وبدأ الحابل يختلط بالنابل ولم يعد يحمي العالمين حماهم كان عنف السلطة لا حدود له ولا رادع ولا قانون وعَقَد مِرْداس العزم على الخروج ورفع يديه وقال إن كان ما نحن فيه حقًا فَأرِنا آية قال فرَجَفَ البيت وقال آخرون فارتجف السقف وكان في القوم كَهْمَس وكان من أبَرّ الناس بأمه فقال لها يا أمة لولا مكانكِ لخرجت فقالت يا بني قد وهبتُكَ لله وكان فيهم عمْران بن حَطّان فقال لمّا عزمت على الخروج فكّرْتُ في بناتي فقلتُ لأمسكن عن تفقدهم حتى أنظر فلمّا كان جوف الليل استسقتْني بُنيّة لي فقالت ياأبت اسقني فلم أجبها فأعادت فقامتْ أُخَيّة لها أسَنُّ منها فسقَتْها فأتممْتُ عزمي على الخروج ورأيتكِ تمسكين صدغكِ بانفعال كبير وأنت تصرخين كفى كفى ولم تكن تلك إلا مرة من مرات كثيرة ننْخَضُّ فيها انخضاضاَ وتأكّد لي أننا لم نكن نبحث منذ المرة الأولى إلا عن الخلاص تلك المرة التي لم نخلص فيها ولم نخلص منها بعد لقد تعقَّدت الأمور كثيرًا وكانت تتعقّد أكثر فأكثر في كل مرة نعيد فيها الكلام نفسه والسلوك نفسه والارتكاسات نفسها الآن صرتُ أُريد أن أفهم بعمق كيف يتحوّل الإنسان دون إرادة منه ودون أن يعي إلى مجموعة من العرات أو التيكات إذا أحببتِ أو السُلوكات التي تتكرر متماثلة في أوانها وشدّتها وهيأتها وقوامها وكيف يغدو سريعًا وبأسرع مما يتصوّر كائنًا لا محتوى له ولا معنى ولا مآل وكَمْ صار يخيفني أنكِ صرتِ تعرفين تمامًا وبدقة خارقة دقائق حياتي اليومية كلها تعرفين متى أنام ومتى أستيقظ ومتى أبول ومتى أتغوّط ومَنْ أحب من الناس ومَنْ لا أحب وأكثر من ذلك تعرفين متى أُفضِّل أن ألبس قميصي الأسود أو الأبيض أو الخمري أو لا ألبس شيئًا على الإطلاق وتعرفين أيضًا متى يقوم ومتى لا يقوم ومتى أكون صادقًا وكاذبًا وبين بين ومن أول نظرة إلى الناس صرتِ تعرفين أنني سأحب هذا وأحقد على ذاك وسأتواطأ مع الآخر وتعرفين تمامًا وبمقدار ما أعرف أنا نفسي أنني أُفضّل وجه إحداهنّ أو عيونها أو نهودها أو طيزها أو لا شيء منها على الإطلاق وأنني وأنني وأكثر من ذلك صرتِ أبرع مني