eKtab
EN ع
الخليل بن أحمد الفراهيدي شاعرا - حياته وشعره
اقرأ عينة مجانية

الخليل بن أحمد الفراهيدي شاعرا - حياته وشعره

بقلم د. سعود محمود عبد الجابر

صفحة 1
المقدمة
 
الخليل بن أحمد الفراهيدي لغوي وعالم وأديب عبقري، عاش في أواخر العصر الأموي وأوائل العصر العباسي. وهو واضع أسس علم النحو في اللغة العربية، ومبتكر علم المعاجم، وعلم العروض. وله بالإضافة إلى ذلك شعر هادف متناثر بين أمهات كتب الأدب والتراجم والتاريخ.
 
وكان شعره محط اهتمامي منذ عهد بعيد، وكنت أعلم أن الباحثين الفاضلين الدكتور حاتم الضامن وضياء الحيدري قد جمعا شعره، ونشراه موزعاً على ثلاث حلقات في مجلة البلاغ التي كانت تصدر بالعراق سنة 1973م. وتضمن ما نشر أربعة وخمسين نصاً، ثبت عندهما صحة نسبتها إلى الخليل. وتقع في مائة وخمسين بيتاً، وخمسة نصوص من الشعر المنسوب إليه وإلى غيره من الشعراء، وعدد أبياتها أربعة عشر بيتاً.
 
ولقد قام الدكتور حاتم الضامن بنشر هذا الشعر المجموع مرة أخرى في كتابين وهما: كتاب "شعراء مقلون" سنة 1987م، وكتاب "عشرة شعراء مقلون" سنة 1990م.
 
وكنت أعلم أيضا أن الدكتور أحمد البدوي قد قام بجمع شعر الخليل في كتابه "الخليل بن أحمد الفراهيدي؛ سيرة ونصوص"، ونشره سنة 1994م وبلغ عدد النصوص التي جمعها اثنين وثلاثين نصاً تقع في ثلاثة وثمانين بيتاً، وهي مما صح نسبته للخليل، بالإضافة إلى ستة نصوص أخرى من الشعر المنسوب له ولغيره من الشعراء تقع في خمسة عشر بيتاً.
 
والجدير بالذكر أن الدكتور أحمد البدوي قد غلب على جمعه لشعر الخليل عدم الاستقصاء والشمول، وهو يبرر ذلك بسبب عدم تمكنه من الوقوف على بعض المصادر والمراجع الضرورية فهو يقول أثناء حديثه عن عمل الدكتور حاتم الضامن وضياء الدين الحيدري: "ونحن نتفق مع الباحثين الفاضلين صاحبي السابقة والفضل في أكثر النصوص. ولكننا نختلف معهما في بعض الجوانب، بإيراد شعر للخليل لم يرد في عملهما الرائع، وقد نتحفظ في قبول بعض ما أورداه من شعر استبعدناه، لأننا لم نتحقق من الأمر، ولأن بعض المصادر التي اعتمد عليها الباحثان الفاضلان لم تصل إلى أيدينا، أو بالأحرى لم نعثر عليها، وإن بذلنا في ذلك جهداً كبيراً"( ) .
 
ومع مضي السنوات لم يقل اهتمامي بشعر الخليل، ووقفت على عدد جديد من النصوص الشعرية التي وردت في بعض الكتب المخطوطة أو المطبوعة حديثاً، والتي لم ترد في الشعر المجموع والمنشور سابقاً، ولذلك عقدت العزم على جمع شعره من جديد وتحقيقه ودراسته دراسة فنية. وقد تسنى لي بحمد الله أن أجمع تسعة وستين نصاً شعرياً له، وثمانية نصوص تنسب له ولغيره من الشعراء، ويقع هذا الشعر في ستة ومئتي بيت وبه زيادة كبيرة على الشعر المجموع والمنشور سابقاً.
 
ولقد اعتمدت على هذا الشعر المجموع وأجريت من خلاله دراسة فنية لشعر الخليل. هذا بالإضافة إلى الاعتماد على كثير من المصادر التي نشرت حديثاً والتي لم يسبق الاعتماد عليها في تخريج شعره.
 
وأخيراً أسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد إنه نعم المولى ونعم النصير.
 
أ.د. سعود عبد الجابر
صفحة 2
الخليل أحمد الفراهيدي
 
حياته وشعره
 
حياته
 
هو أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمر بن تميم الفراهيدي أو الفُرْهودي الأزدي من أزد عُمان، من أئمة اللغة والأدب( ) .
 
لا نعلم للأسف الشيء الكثير عن حياته ونشأته وصباه، ولا تسعفنا المصادر الأولى في هذا المجال، ولذا سنحاول رسم صورة حياته من خلال الأخبار القليلة التي وردت عنه، ومن خلال قراءة شعره.
 
ولد الخليل بن أحمد حسب أغلب الروايات في البصرة سنة 100 هـ وترعرع وعاش فيها، وفي إحدى الروايات أنه ولد في عُمان في قرية من قراها ثم انتقل إلى البصرة( ) .
 
وتجمع المصادر على أنه كان مثالاً للعفة والصدق، وكان من أزهد الناس، وأعلاهم نفساً، وأشدهم تعففاً، وعاش حياة الفقر والتقشف، وكان يسكن في البصرة" ويعيش من بستان خلفه عليه أبوه"( ) .
 
وكان متقللاً من الدنيا، صبوراً على العيش الخشن الضيق( ) .
 
فكان شعث الشعر، شاحب اللون، متخرق الثياب( ) لا يقدر على فلس، وأصحابه يكتسبون بعلمه الأموال( ) وقال فيه سفيان الثوري: من أحب أن ينظر إلى رجل خلق من الذهب والمسك فلينظر إلى الخليل بن أحمد( ) .
 
وكان الخليل زاهداً في حياته، لم يتطلع إلى شهرة أو ثروة أو جاه، وما ضره ذلك، فقد بقي أبد الدهر زاهياً زاهراً.
 
ويبدو أنه أقام بالبصرة ولم يغادرها إلا للحج أو الغزو، ومشافهة الأعراب في الجزيرة، وقد غادرها مرة – كما يبدو – لزيارة تلميذه الليث ابن المظفر في خراسان( ) .
 
وكان الخليل على قسط وافر من الذكاء والعبقرية، ولقد بهر الأقدمون بذكائه وعبقريته، ومما قالوا في هذا المجال، لم يكن للعرب بعد الصحابة أذكى من الخليل بن أحمد ولا أجمع( ) . ويذكر أبو الطيب اللغوي أنه قد اجتمع مرة بمكة أدباء من كل أفق؛ فتذاكروا أمر العلماء. فجعل أهل كل بلد يرفعون علماءهم، ويصفونهم ويقدرونهم، حتى جرى ذكر الخليل، فلم يبق أحد إلا قال: الخليل أذكى العرب، وهو مفتاح العلوم ومصرفها( ) . ولم يكن في علماء البصريين من قطع عليه أنه منقطع القرين مثل الخليل بن أحمد( ) وكان يقول تلميذه النضر بن شميل: أكلت الدنيا بعلم الخليل وكتبه، وهو في خص لا يُشْعر به( ) . وقال ابن المعتز: كان الخليل بن أحمد أعلم الناس بالنحو والغريب، وأكثرهم دقائق في ذلك، وهو أستاذ الناس، وواحد عصره. وأول من اخترع العروض وفتقه، وجعله ميزاناً للشعر( ) .
 
وكان الخليل في بداية أمره على مذهب الإباضية، وتحول عنه إلى مذهب أهل السنة نتيجة لاقتناعه بآراء أيوب السختياني( ) .
صفحة 3
شيوخه:
 
عاش الخليل في أواخر العصر الأموي وأوائل العصر العباسي، وشهد ذلك العصر حركة فكرية زاهرة وأدبية نشطة فنهل من الثقافة السائدة في عصره، حيث كانت البصرة آنذاك موئلا لثقافات متعددة، منها ما هو من أصل عربي، ومنها ما جاء من ثقافات الأمم الأخرى التي امتزجت مع الثقافة العربية وجاءت عن طريق الترجمة النشطة آنذاك.
 
ولقد تلقى الخليل العلم على عدد وافر من شيوخ عصره وعلى رأسهم أعلام اللغويين البصريين، بالإضافة إلى من لقيه من الرواة وأخذ عنه.
 
ولقد تلقى النحو عن عيسى بن عمر الثقفي المتوفى سنة 149هـ( ). وضروباً أخرى من العلم عن عاصم الأحول، والعوام بن الحوشب، وأبي عمرو بن العلاء، وأيوب السختياني( ) .
 
وتبدّى الخليل غير مرة، وخالط الأعراب، وسمع منهم، وأخذ شيئاً كثيراً عنهم، فنبغ في اللغة والنحو، وكان له براعة في تصحيح القياس واستخراج المسائل النحوية وتعليلها. وعنه أخذ سيبويه واستمده لكتابه الشهير في النحو( ) .
 
تلاميذه:
 
كان الخليل عبقرياً فذاً، وعالما لغوياً، وأديباً شاعراً، وفقيهاً محدثاً، "قرأ عليه كثير من الناس، وعالم لا يحصى( ) والتف حوله عدد من تلاميذه الذين عدوا فيما بعده من قادة العلم واللغة، ومنهم سيبويه شيخ النحاة في عصره، والنضر بن شُمَيْل، وأبو فَيدٍ مُؤَرِّج السدوسي، وعلي بن نصر الجهضميُّ، وسعيد بن مسعدة الأخفش، وحنين الطيب النصراني الذي لازمه في بيته لا يبرحه حتى تعلم العربية، والأصمعي، والليث بن المظفر، وأبو محمد اليزيدي، وغيرهم( ) .
 
ولا شك أن الخليل قد أثر تأثيراً كبيراً في علوم اللغة العربية، بمصنفاته العديدة القيمة التي أثرى بها اللغة، وبتلاميذه الأفذاذ الذين ساروا على نهجه.
 
مصنفاته:
 
كان الخليل إماماً في علم اللغة والنحو، وهو واضع معجم العين الذي هو أول معجم في العربية، لا بل لعله أول معجم في بابه في الحضارة الإنسانية، كما أنه كان على معرفة ودراية بالموسيقى، ووضع أول كتاب فيها، ولا شك أنه قد ساعده بصره بالنغم على اختراع علم العروض لما بين الإيقاع في النغم والتقطيع في الأجزاء من الشبه.
 
ولقد ذكرت المصادر التي ترجمت له عدداً من مصنفاته ومنها: كتاب العين في اللغة، وكتاب الإيقاع، وكتاب الجمل، وكتاب الشواهد، وكتاب العروض، وله فائت العين، وكتاب النغم، وكتاب النَقط والشكل وغير ذلك( ) .
 
وفاته:
 
توفي الخليل بن أحمد – رحمه الله – سنة سبعين ومائة للهجرة حسب أغلب الروايات. وقيل: إنه توفي سنة خمس وسبعين ومائة وسنة ستين ومائة. وكان سبب موته أنه قال: أريد أن أقرب نوعا من الحساب تمضي به الجارية إلى البقال فلا تظلم. ودخل المسجد وهو مشغول الفكر، فصدمته سارية، فكانت سبب موته، وقيل: بل كان يقطع بحراً من العروض( ) .
 
وسواء صحت هذه الرواية بحذافيرها أم لم تصح، فمن المؤكد أن سبب وفاته لا ترجع لعلة اعتل بها، وإنما لصدمة سارية المسجد، وذلك لانشغال فكره، فشغل عن أن يبصر ما بين يديه.
صفحة 4
شعره:
 
لم يرد في المصادر أن للخليل بن أحمد ديوان شعر، ولم يذكر أحد من الأقدمين أنه صنع ديواناً لشعره، أو أن أحداً قد قام بجمع شعره بعد وفاته. ولقد انفرد الشيخ آغا بزرك برواية ذكر فيها أن للخليل ديواناً من الشعر وأنه توجد نسخة منه في باريس( ) .
 
ولقد بحثت عن هذا الديوان بحثاً دؤوباً في دور الكتب الكبرى وفي كتب الفهارس القديمة وقوائم المخطوطات الحديثة، ولكن للأسف دون جدوى أو طائل، كما أن كوركيس عواد الذي أورد هذه الرواية قد ذكر من قبل أنه قد رجع إلى كل ما يعرف من فهارس المخطوطات العربية في باريس، فلم يقف على ذكر لهذا الديوان.
 
لكن المصادر وإن لم تذكر ديواناً للخليل إلا أنها قد ذكرت أن له قدراً جيداً من الشعر، وأن شعره قد تناثر في كتب الأدب والتراجم والتاريخ، ولذا عقدت العزم على أن أجمع شعره من مظانه المختلفة، وأن أقوم بتحقيقه ودراسته، ولقد تمكنت بحمد الله من أن أجمع له سبعاً وسبعين مقطوعة شعرية تتراوح بين تسعة أبيات وبيت واحد، وتحتوي على ستة ومئتي بيت.
 
ولقد اختلف الأقدمون في شعر الخليل وشاعريته، فمنهم من كان يرى أن الخليل عالم، وأن شعر العلماء ليس بالشعر الجيد، لأن هذا اللون من الشعر تغلب عليه السمة العقلية أكثر من وهج العاطفة. فهذا ابن قتيبة يقول: "أشعار العلماء ليس فيها شيء جاء عن إسماح وسهولة، كشعر الأصمعي، وشعر ابن المقفع وشعر الخليل"( ) .
 
ولقد ذكر الجاحظ أنه قد قيل للخليل: "مالك لا تقول الشعر، فقال: الذي يجيئني لا أرضاه، والذي أرضاه لا يجيئني"( )
 
ولقد أورد ابن عبد ربه الرواية نفسها ولكن بألفاظ مختلفة حيث قال: "قيل للخليل: مالك لا تقول الشعر؟ فقال: الذي أريده لا أجده، والذي أجده لا أريده"( ) .
 
ولقد ذهب ابن أيدمر إلى ما ذهب إليه الجاحظ وابن عبد ربه حيث أورد الرواية نفسها وقال: "قيل للخليل بن أحمد: مالك لا تقول الشعر؟ فقال: الذي أريده لا أجده، والذي أجده لا أريده"( ) .
 
ولقد رأى الحصري القيرواني أن شعر الخليل شعر قليل ضعيف( ).
 
وهذا العسكري يرى أن شعر الخليل وشعر العلماء بصورة عامة ليس شعراً جيداً فهو يقول: "وهذا الخليل بن أحمد وحماد الراوية، وخلف الأحمر، والأصمعي، وسائر من يقول الشعر من العلماء، ليس شعرهم بالجيد من شعر زمانهم، بل في عصر كل واحد منهم خلق كثير ليس لجماعتهم علم واحد من هؤلاء، وكلهم أجود شعراً، فقد يقول الشعر الجيد من ليس له المعرفة بنقده، وقد يميزه من لا يقوله"( ) .
 
وهناك فئة كبيرة أخرى من الأدباء والنقاد القدامى قد نال شعر الخليل استحسانها وأعجبت بشاعريته، ورفعت من مستوى شعره، فهذا ابن المعتز يقول عنه: وكان فطنا عالما بأيام الناس وأخبارهم، وكان مع ذلك شاعراً مفلقاً وأديباً بارعا. ويشير ابن المعتز إلى أن شعره قليل لأن شغله بالعلم أكثر منه بقول الشعر( ) . وذهب الزبيدي إلى القول: وكان الخليل فطنا شاعراً، واستنبط من العروض، ومن علل النحو، ما لم يستنبط أحد، وما لم يسبقه إلى مثله سابق( ) 
صفحة 5
وقال الثعالبي: "وكان يقال أربعة لم يلحقوا ولم يسبقوا: أبو حنيفة في فقهه، والخليل في أدبه، والجاحظ في تأليفه، وأبو تمام في شعره"( ) .
 
ويرى السيوطي: أنه ثقة ثبت صاحب غريب وشعر( ). وأورد ياقوت الحموي: أن الخليل كان يقول الشعر فينظم البيتين والثلاثة ونحوها( ) .
 
وذهب ابن أيبك الصفدي إلى أن الخليل من الشعراء العلماء وشعره كثير( ) . ويقول الخوانساري عنه: وله أشعار رائعة كثيرة( ) .
 
ويتضح لنا مما سبق أن آراء الأدباء والنقاد الأقدمين قد تباينت في شعر الخليل تبايناً كبيراً، فهناك من قلل من قيمة شعره لاعتماده– كما يرى – على العقل، والفكر، أكثر من اعتماده على الطبع والسجية. وهناك من رأى أن شعر الخليل وإن كان قد ارتكز على العقل واهتم بالمعنى إلا أنه عبر عن تجربة صادقة وأحاسيس عميقة.
 
وخلاصة القول فإن شعر الخليل وإن كان قد غلب عليه الجانب العقلي والاهتمام بالمعاني إلا أنه في كثير من جوانبه احتوى على عاطفة صادقة وإحساس عميق وصدر عن سجية وطبع فهو وإن كان لم ينقطع لقول الشعر لأنه بالأصل عالم والعلم شغله الشاغل إلا أنه اتخذ من الشعر مجالا للتعبير عما يجيش في نفسه من انفعالات وأحاسيس دون تكلف أو افتعال. وبأسلوب جميل رشيق. وجاء شعره سهل بسيط بعيد عن الغموض والتعقيد.
 
ومن الملاحظ أن الخليل مقل في الشعر، وأن شعره تعبير عن خواطره الوجدانية التي تجيش في نفسه فينفثها في عدد محدود من الأبيات. ولقد تنبه بعض الأدباء والنقاد القدامى لذلك.
 
فقال الزبيدي: وكان يقول الشعر، فينظم البيتين والثلاثة ونحوها( ) . وأكد ذلك ياقوت الحموي( ). وابن الأنباري( ). وعلل السيوطي ظاهرة المقطوعات في شعر الخليل بعدم تفرغه للشعر، فهو كما لاحظ بالأصل صاحب لغة ونحو ومعاجم وضابط لأوزان الشعر( ) . وشعر الخليل كله يتسم بالسمة الدينية والأخلاقية ولا غرابة في ذلك فهو العالم اللغوي والفقيه الحافظ والمحدث الثقة، وأغلب شعره في الزهد والحكمة والقيم الإسلامية.
صفحة 6
أولاً: شعر الزهد:
 
يحتل هذا اللون من الشعر مجالاً واسعاً من شعر الخليل. وهو من أهم المحاور الشعرية التي دار شعره حولها. فهو زاهد في الدنيا غير آبه بها فهي دار زوال وليست دار قرار، حيث يقول:
 
يعيش المرء في أمل
 
يردده إلى الأبد
 
يؤمل ما يؤمل من
 
صنوف المال والولد
 
ولا يدري لعل المو
 
ت يأتي دون بعد غد
 
فلا يبقى لوالده
 
ولا يبقى على ولد
 
وهو يصرح بأنه عاكف في بيته، بعيد عن الاتصال بحكام عصره، زاهد في الدنيا وما فيها:
 
أنست بوحدتي ولزمت بيتي
 
فطاب الأنس لي ونما السرور
 
فأدبني الزمان فلا أبالي
 
هُجرت فلا أزار ولا أزور
 
ولست بسائل ما دمت حياً
 
أسار الجيش أم ركب الأمير
وجاء شعره زاخراً بذكر الحياة والموت. فالدنيا مذمومة لا تدوم على حال. ولن تلبث أن تزول وتمضي. والموت سيلم بكل إنسان، ولن يصحب الإنسان معه من هذه الدنيا إلا صالح عمله:
 
غرّ جهولاً أمله
 
حتى يوافي أجله
 
ومن دنا من حتفه
 
لم تُغنِ عنه حيله
 
لا يصحب الإنسان من
 
دنياه إلا عمله
 
وهو لا يرى من الموت فوتاً مهما عاش الإنسان في هذه الدنيا:
 
عش ما بدا لك فقصرك الموت
 
لا مرحل عنه ولا فوتُ
 
بينا غِنى بيتٍ وبَهجَتهُ
 
زال الغِنَى وتقوَّضَ البيتُ
 
يا ليت شعري ما يُراد بنا
 
ولقلما تُغْني إذا ليتُ
 
وهو يؤكد أن الغناء غناء النفس لا غناءَ المال، وأن المال من عند الله عز وجل، فهو يخاطب سليمان بن حبيب والي فارس والأهواز الذي قطع راتبه قائلاً:
 
أبلغ سليمان أني عنه في سعةٍ
 
وفي غنى غير أني لست ذا مال
 
الرزق عن قدر لا الضعف ينقصه
 
ولا يزيدك فيه حول محتال
 
إن كان ضنَّ سليمان بنائله
 
فالله أفضل مسؤول لسؤال
 
والفقر في النفس لا في المال نعرفه
 
ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال
 
ولا شك أن هذه الأبيات تنبئ عن نفسٍ عزيزة، لا تأبه إلا بالله عز وجلَّ، ولا تنتظر من البشر شيئاً. وهي تصدر عن تجربة صادقة، وأحاسيس قوية عميقة.