eKtab
EN ع
الخواجا
اقرأ عينة مجانية

الخواجا

بقلم فدى جريس

صفحة 1

مقدمة

عزيزي القارئ،
تعود بعض هذه القصص إلى حقبة زمنية انقضت قبل نصف قرن أو أكثر، كانت خلالها قريتي، فسوطة، كسائر قرى الجليل، شمال فلسطين، تتكون من عدد قليل من البيوت ويقطنها بضع مئات من السكان، يعيشون حياتهم في الزراعة وتربية المواشي، متصلين اتصالاً وثيقاً بالطبيعة ودورة الحياة.
لا نكاد نتخيل تلك الحياة في عالمنا اليوم، فهي قاسية، متعبة، تتطلب ساعات طويلة من الكدح الجسدي لضمان العيش، وتأخذ من محيطها زاداً ومأوى، وتتسم بالبساطة الشديدة. لم يكن الماء والكهرباء قد وصلا إلى القرية، فكان الناس يقطعون مسافات طويلة سيراً على الأقدام أو مستخدمين الدواب لإحضار الماء من الينابيع، ويستخدمون ‘اللوكس’ بفتيلة الزيت للإنارة، ويخافون من الأفاعي والعقارب والحيوانات البرية المؤذية، ويهجعون بعد المغيب بقليل، إذ أن عليهم الاستيقاظ قبل بزوغ الشمس لمواصلة أعمالهم في الحقول قبيل قيظ النهار. كان قوتهم من مواشيهم والأرض المحيطة بهم، والثياب والأحذية تقتنى مرة أو مرتين كل عام، ولا وجود للمعلبات أو للأطعمة الجاهزة. أما الذي يمرض مرضاً شديداً، فعليه السفر إلى مدينة عكا حيث الطبيب، وذلك في الحافلة أو إحدى السيارات القليلة التي بدأت تصل القرية في أواخر الأربعينيات. وكثيراً ما كان الناس يهلكون إثر حمّى أو سقطة أو مرض، لعدم وجود التطعيم أو الدواء.
في هذه الظروف القاسية، نمت أجيال وترعرعت، غير متخيلة عصرنا هذا بثورة المعلومات، والإنترنت، والتنقل حول الكوكب في غضون ساعات، وعمل المكاتب، والرفاهية الجسدية التي لم يحلموا بها، وسلسلة أمراضنا المعاصرة الناجمة عن كل هذا. فقد توفي جدي عن عمر يناهز التسعين، لا يشكو من شيء سوى الشيخوخة. لم يكن قد تناول طعاماً مصنّعاً قط في حياته، وقد مشى بما يعادل عشر كيلومترات في اليوم على امتداد سبعين عاماً، سارحاً بمواشيه. إن حياتنا اليوم، لا بد أن تكون مذهلة وغير مفهومة لجيل آنذاك.
لكن نسيجاً مجتمعياً قوياً كان يربط الناس، فغريزة البقاء تستدعي الكفاح الجماعي والتعاون ونجدة الغير، وهذه القصص تنبع من الحياة اليومية البسيطة، الغنية بالتوافق والتكاتف والإنسانية. وهي سمات فقدنا الكثير منها، للأسف، منذ ذلك الحين، في زمننا هذا المرتكز على الفردية وسرعة الحياة.
طالما تساءلت عن سبب السحر الذي أشعر به، والشعور الحالم الذي ينتابني وأنا أنصت باستغراق إلى بعض هذه القصص من قريتي، ومن هذه القصص ما وجدت طريقها، بعد تعديل بسيط، إلى هذا الكتاب. ربما هو شعوري بالحنين لماض افتقدته، وأمنية صغيرة للهروب إلى أجواء تتسم بالبساطة والطيبة القروية الوادعة، في زمن كان الإنسان يقف فيه على أعتاب القرن العشرين، بقفزاته المذهلة.
أتمنى أن تنجح هذه القصص في نقل صورة صغيرة عن حياة أجدادنا، والمحافظة على ذكراها بين هذه السطور.
فدى جريس
كانون الثاني 2014
صفحة 2

نام كلبك

جلس أسعد وسعيد في ضيافة السيد أبي كرم وهما يستمعان باهتمام إلى ما يقوله. فهو تاجر معروف في المنطقة وشخصية ذات نفوذ كبير وعلاقات كثيرة، تخدمه في تجارته الواسعة التي اغتنى منها ونعم برغد العيش. يسافر كثيراً في أعماله إلى أماكن مختلفة، يعود منها محملاً بهدايا عديدة لأهل قريته، هو الزعيم المحلي في السابق المتدرب على هذه السمة، التي بقيت في نفسه كأداة إستراتيجية لكسب الود وضمان الولاء. يستعمل هداياه بترتيب مدروس، وفقاً لمقتضيات الزعامة أو المصلحة.
أخرج السيد إحدى هداياه وأعطاها لابن خاله، الذي كان بين الجالسين وهمّ بالإنصراف. فابتسم في حرج: ‘يا أبو كرم، دايماً غامرنا بلطفك... مش عارفين وين نروح بجمايلك هاي؟!’
ضحك أبو كرم وهو يربت على كتفه بودّ: ‘ما تقولش هيك يا رجل... هاي بس علبة حلقوم معطرة وطيبة كتير. ان شاء الله تعجبكم...’
بعد قليل استأذن أبو جلال، ساعي البريد. فتناول أبو كرم رزمة صغيرة من الكيس الموضوع بجانبه. ‘تفضل يا أبو جلال...’ وابتسم الرجل في حبور متمتماً بالشكر.
تبادل أسعد وسعيد النظرات. لم يريا من أبي كرم هدية واحدة طيلة أسفاره. وهما يعملان في تربية المواشي ويهتمان به، خاصة أنه غير متزوج، فيحضران له ما لذ وطاب من أفضل منتجاتهما، ويدللانه بكميات منتظمة من الحليب الطازج واللبن والجبن واللحوم والبيض... سلة داخلة وأخرى خارجة... وكل ذلك فقط إطراءً للسيد وحفاظاً لمكانته. لكن الهدايا تتوافد من أسفاره ولا ينالهما منها نصيب.
نفخ سعيد في ضيق واستأذن وأخوه بالانصراف، ناظران إلى السيد في ترقب، علّه يفطن بهدية، لكنه اكتفى بابتسامة عريضة. ‘شكراً، شكراً يا جماعة! يا هلا بالأوادم!’
أطبق الصمت عليهما حتى وصلا إلى الشارع. ثم اندفع أسعد في حنق. ‘شو هذا؟! يا أخي كل هالسنين نعطيه، ومستخسر هدية صغيرة فينا؟! شو هالعالم هاي؟!’
نظر سعيد أمامه ساهماً: ‘ولا يهمك. أنا بادبّره...’
‘كيف؟’
بعد أسبوعين كان أبو كرم يستعد للسفر ثانيةً.
‘يعطيك العافية يا كبير!’ قال سعيد وهو يجمع علب الجبن الفارغة. ‘يعني ما نجيبلك شي إلا بعد رجعتك بالسلامة؟’
‘أيوه تمام. يا عيني عليك... والله خيركم مغرّقني يا أبو السعد!’
‘مبيّن...’ تمتم سعيد لنفسه.
في الليل، ارتدى أبو كرم بيجامته باكراً. ما عليه سوى نيل قسط من الراحة لينطلق في الصباح. لمعت عيناه وهو يفكر بالصفقة الثمينة التي سيعقدها، وفرك يديه: ‘زيادة الخير، خير وبركة!’
خرج إلى الصالة لإطفاء النور، فسمع طرقاً على الباب. أف! من ثقيل الظل هذا؟ سيرى من القادم ويتخلص منه بسرعة.
‘مسا الخير يا كبير!’ ابتسم أسعد وسعيد وهما مصطفان على العتبة.
‘أهلاً!’ من أين أتاه هذا الثنائي الآن؟ ماذا يريدان؟ وسعيد يعلم أنه سيسافر باكراً!
‘إن شاء الله ما يكون في إزعاج... بس قلنا نيجي نسلم عليك قبل ما تمشي.’
‘آه... أهلا وسهلا... تفضّلوا... دقيقة أعمل شاي.’
أمل أن يشربا الشاي بسرعة وينصرفا، وحينها يخلد للنوم.’الله بيعينني...’ قال لنفسه وهو يجهز الصينية.
بدأ الأخَوان في ارتشاف الشاي ببطء شديد وطرق موضوع للحديث تلو الآخر، فيما يتعلق بأمور القرية والناس والمواشي. ‘وبعدين؟!’ فكر أبو كرم في حنق. لا يبدو عليهما الاستعجال أو تقدير الموقف!
صفحة 3
حاول أن يرد عليهما بإجابات سريعة ومقتضبة، علهما يشعرا بضيقه وينصرفا، لكنهما استغرقا في الحديث والضحك حتى اقترب الفجر، وهو يتميز غضباً. عليه الاستيقاظ في السادسة صباحاً! لم يسعفه تثاؤبه ولا الدموع التي غمرت عينيه. وكلما أوشك على إغلاقهما، قام أحد الأخوين بحركة أو صوت لإيقاظه. كانا يتندران وكأنه غير موجود!
لم يجد أمامه سوى حلٍ واحد. بدأ يتظاهر بالنوم... ثم أحنى رأسه إلى الأمام وكأنه قد غفا.
ساد الصمت لبضع ثوان، فرح خلالها وهو مغمض العينين. سيذهبان الآن ويتركانه في سلام!
لكنه سمع صوت سعيد يقول لأخيه: ‘نام كلبك!’
ماذا؟!
استشاط أبو كرم غضباً، لكنه لم يستطع الرد، فسيظهر تمثيله! أبقى عينيه مغمضتين وهو في صدمة. ماذا دهاهما؟!
‘شايف؟’ رد أسعد. ‘تركنا قاعدين ونام.’
‘آه. ما إحنا مش ناس زي هالناس... لما يسافر بيجيب هدايا لكل حمار بالبلد، وإحنا اللي كل السنة نعطيه حليب، ولبنة، وجبنة، ما بيطلعلنا حبة ملبّس. هذا البخيل أبو جلدة!’
‘شو تعمل يا سعيد؟ ما إلنا بالطيب نصيب. قوم قوم نروِّح...’
أغلقا الباب وراءهما ومضيا، وما أن ابتعدا حتى أغرقا في الضحك.
‘عامل حاله نايم إبن الـ...’
***
بعد عودة أبي كرم من سفره، أرسل من يستدعي الأخوين على وجه السرعة.
‘أهلاً بكبيرنا! نوّرت البلد!’
‘يا زلمة البلد مش حلوة بدونك! هيك بتحسها فاضية وكئيبة. مش هيك يا أسعد؟’
‘أكيد يا سعيد. والله أخذنا روحنا فيك يا كبير...’
بينما هما يؤديان طقوس المجاملة، هرول السيد إلى الداخل وعاد ومعه رزمة كبيرة، أعطاها لسعيد قائلاً: ‘أهلاً فيكم حبايبي... تفضلوا!’
‘شو هذا؟’ تساءلا بدهشة.
‘حبايبي، ما في شي محرز... شوية حلويات على شوية مكسرات وهيل، عسل، بهارات وفواكه... حلقوم... تمر... قهوة... شوية بسكوت... والله ما في شي من واجبكم!’
ابتسم الأخَوان. وقال سعيد، بعد صمت: ‘لا يا كبير! هيك رح نزعل منك! إحنا بدنا... غير سلامتك؟!’
صفحة 4

إن أغمضت عينيّ

ثارت مشكلة مجدداً بين بعض أهل القرية ومجموعة مشاغبين من القرية المجاورة، وتطورت إلى الصراخ والتهديد ثم الضرب، فتدخل يوسف ‘القبضاي’ كعادته. لكن القتال احتدم، وقرر الخصوم أن يلقنوه درساً. هاجمه أحدهم بعصا، لكن يوسف أحنى رأسه بسرعة بديهية والتقط حجراً، ما لبث أن صوبه إلى وجه المهاجم فأصابه في جبينه وأسال دمه، ففر الجميع من حوله. وقام يوسف بمساعدة الجرحى من أهل قريته والعودة بهم إلى ديارهم.
لكن الأمور خرجت عن المألوف هذه المرة، فقد كانت إصابة الجريح بليغة، ووصل الخبر سريعاً إلى مسامع أهل القريتين ثم إلى الوجهاء، فأتت مجموعة غاضبة من القرية المجاورة إلى قرية يوسف، طارقة باب المختار الذي استقبلهم وهو في حال من الحرج، محاولاً تهدئتهم ريثما يحل الأمور. لكن أصواتهم ارتفعت مطالبة بإنزال أشد العقاب بيوسف.
‘شو عم نستنّى؟ ليقتل حدا منّا؟!’
‘وبعدين شو رح يصير؟ ومين رح يحمينا؟ رح ندبح بعضنا! حلّ هالقصة يا مختار!’
أرسل المختار فوراً في طلب وجهاء القرية وممثلي عائلاتها. وعند وصولهم، انعقد مجلس كبير في بيته يضم حوالي ثلاثين نفراً، للبحث في قضية... يوسف!
‘لازم نجيبه لهون.’ صاح المختار بضيق، والتفت إلى صبي يجلس قريباً ويراقب المشهد. ‘يا ولد، روح ناديه!’
كان يوسف في بيته، يغسل جراحه بالعرق ويضمدها بقليل من البن، حين طرق الصبي بابه وأخبره بما يحدث. نظر إلى الصغير بهدوء، ثم وقف متكأً على عصاه الكبيرة وابتسم وهو يهز رأسه.
‘مجلس كامل عشانك يا يوسف... طلِعت مهم وأنا مش عارف!’
وجه حديثه إلى الصبي، المحدق فيه بخوف وإشفاق. ‘استنى يا إبني... جاي معك.’
كان اللغط الدائر في بيت المختار يعلو دون نتيجة. فغالبية الأصوات تطالب بشدة بإنزال العقاب بيوسف، معتبرة اياه صاحب مشاكل ومتمرداً خارجاً عن السيطرة. أما قلة قليلة من الأصوات، فحاولت التوضيح بأن أهل القرية الأخرى هم المعتدون، وبالتالي يجب عليهم ردع جماعتهم قبل أن يأتوا صارخين بمطالبهم! لكن أحداً لا يستمع إلى هؤلاء، بينما الأغلبية مشغولة في التهجم عليه.
دفع الباب ودخل، ناظراً إلى الجميع بتفحص، فساد الصمت فجأة. وتنحنح المختار قائلاً: ‘يوسف، أقعد. الجماعة جايين بشكوى كبيرة بحقك، وبدنا نحلّ الموضوع.’
‘أي موضوع؟’ سأل عابساً.
‘موضوع هجمتك عالراعي اليوم، لأنك أذيته كثير ولازم نلاقي حل لمشاكلك!’
‘مشاكلي أنا، أو مشاكلهم هم اللي كل ساعة بيهجموا علينا؟’ سأل يوسف بتهكم. ثم احتدّ صوته. ‘كل شوي بيجمعوا شوية زعران وبيهجموا علينا وع غنمنا. كأنه فش زلمة بهالبلد!’
احتقنت وجوه الجالسين غضباً، وسرت همهمة بين مؤيد ومعارض. أما المختار، الذي ضاق ذرعاً بيوسف لأسبابه الخاصة، أهمها أن يوسف لا يوليه اهتماماً كبيراً ولا يعطيه احترامه المفترض، فقرر خوض هذه الحرب ضده، والتي أتت من خلال ذريعة مناسبة. كان يعلم أن يوسف على حق هذه المرة، لكنه ردّ بنبرة قاسية: ‘يوسف، رح نعمل اتفاق صلح، ونتعهد انه ما حدا فينا يهاجم الثاني!’
صفحة 5
‘ما رح أتعهد بشي، لأنكم عملتوا هيك تعهدات من قبل وكسروها قبل ما يمرق شهر.’
نفد صبر المختار وعلا صوته بغضب. ‘شو أنا وكل الجماعة اللي قاعدين هون ما إلنا وزن عندك؟!’
‘إنتوا على راسي...’ تراجع يوسف على مضض، حين لحظ الصمت المطبق، فجأة، وفطن إلى أنه يواجه المعركة منفرداً. فليفعلوا ما شاؤوا، وليذهبوا إلى الجحيم. لن يدافع عن أحد في المرة القادمة!
تناول المختار ورقة كتب عليها، بعد التداول مع الجالسين، التعهد بين القريتين، ووقعه هو وكبار الوفد من القرية الأخرى ومنهم من بصم. نهض يوسف ليغادر المجلس، حيث سئمه وأيقن أنه بلا فائدة، كجميع الاتفاقات التي نُصّت من قبله. لكن المختار استوقفه، موجهاً الحديث إلى الحاضرين من أهل قريته، بعد أن كتب ورقة أخرى: ‘بدنا نوقّع كلنا كمان على تعهد جماعي نكفل فيه يوسف.’
ما هذا؟! بدا وكأن المختار يريد أن يمعن في إذلاله. ضاقت عينا يوسف، وتمالك نفسه بجهد كي لا يصيح به وينصرف. في البداية، اعتقد أن الأمر لا يتعدى القليل من الاسترضاء والتملق لأهل القرية الأخرى، لكن الموضوع خرج عن ذاك الحد، وأصبح متهماً إلى درجة أن المختار طلب من جميع أهل القرية ضمان سلوكه!
نظر إلى المختار بتحدٍ، ثم إلى الآخرين وهو واثق من مساندتهم له، وبأنهم لن يتنكروا لفضله عليهم.
لكن أحدهم تنحنح: ‘متأسف يا مختار، بس أنا عن حالي، باقدرش أكفله... لأني ما باضمن أفعاله.’
اتسّعت عينا يوسف. ما الذي قاله هذا الأحمق؟!
ما لبث آخر أن أردف: ‘وأنا كمان، يا مختار. أعذرني.’
رويداً رويداً، انسحب الجميع، ممن كان يعتقد أنهم أصدقاؤه وحتى من أقاربه، والذين طالما انبرى لخدمتهم ومساعدتهم. كاد يوسف ألا يصدق ما تسمعه أذناه، وعقدت المفاجأة لسانه.
قال المختار وفي صوته نبرة شماتة: ‘طيب، مثل ما بدكم. إن شاء الله يتحسن سلوكه وما نضطر لمثل هالموقف مرة ثانية... يوسف، انت مضطر تكفل حالك. خوذ وقّع لو سمحت.’
نظر الجميع إليه، وقد قطّب غاضباً واحتقنت الدماء في وجهه. وما أن أعطاه المختار الورقة، حتى هب واقفاً ومزقها، مزمجراً: ‘ما أسوأ من الورق، إلا الحبر اللي عليه!’
وخرج صافقاً الباب بعنف، تاركاً البلبلة تتصاعد وراءه.
ساد توتر شديد في القرية بعد تلك الواقعة، وعرف العديد من أقارب وأصدقاء يوسف، الذين لم يُدعوا إلى الاجتماع، بما حدث، فأتى بعضهم مستنكراً ومؤازراً له. لكنه بات لا يصدق أحداً.
‘شو بيعرّفني يا أفاضل؟ لو كنتم محلهم، يمكن عملتوا نفس الشي! لما تقع البقرة، بيكثروا سكاكينها! بس أنا ما رح أقع. رح أفرجي هالبلد مين هو يوسف!’
بعد أسبوعين، كان يرعى مواشيه، وحيداً، ويغني لنفسه مطبطباً على كلبه الأمين الذي يرافقه في تجواله. وبينما هو سارح في الحرش الكبير، سمع صراخاً واستغاثة. ركز سمعه ليعرف مصدر الصوت، وهرول باتجاهه والكلب ينبح من ورائه.
إنه أمين، جاره، يتعرض لاعتداء على يد مجموعة من الغرباء، لم يستطع يوسف التعرف عليهم. لا بد أنهم أتوا من مكان بعيد.
انحنى سريعاً ليلتقط حجراً. لكنه فطن، فجأة، فجفل واقفاً.
لقد كان أمين بين الجالسين في الاجتماع الفائت، الذين تنكروا له ولم يكفلوه.
ماذا يفعل الآن؟
‘إتركه وخلّيه يتربّى!’ قال صوته الداخلي.
لكن تردده لم يستمر لأكثر من ثوان، فقد كانت المجموعة كبيرة، يحمل أفرادها عصياً وأحجاراً، وأطبقوا على أمين بينما بدأ عدد منهم بسحب مواشيه بعيداً لسلبها.
‘وقّف عندك!’ صرخ يوسف بأعلى صوته. ثم تحرك بسرعة مذهلة، قاذفاً إياهم بالحجارة وموقعاً اثنين منهم على الفور، واشتبك في عراك مع اثنين آخرين فأوقعهم أرضاً. إزاء ذلك، خاف الباقون فلاذوا بالفرار، بينما بقي الأربعة الذين وقعوا يئنون ألماً على الأرض. التقط يوسف أنفاسه، وساعد أمين في جمع أغنامه والعودة بها إلى القرية قبل حلول الظلام.
لم يستطع أمين أن ينظر في عينيه. وقال يوسف، وظل ابتسامة خفيفة يلوح على شفتيه: ‘آه... نفسي أغمّض عيوني، وأشوف شو رح يصير فيكم...’
صفحة 6

حل مبتكر

استيقظت فجأة وأصوات مزعجة تقتحم المكان. فتحت عينيها بتعب وارتباك، تشعر بنعاس شديد وتود إكمال نومها، والضوء الخافت المتسلل من النافذة يشير إلى وقت مبكر جداً. لم تنهض الآن؟ اعتدلت في وضعيتها إلى الجانب الآخر وجذبت الغطاء إليها، ثم أغمضت عينيها للاستسلام إلى ما تبقى من نوم ثمين. الحمد لله... الزوج والأولاد لا يزالوا نياماً. لن يقلقوا راحتها.
‘كوكوكوكوكو...!’
الصوت ثانية. إنه الديك في بيت جارهم، أبي عصام. حاولت كريمة أن تتجاهل الصياح وتنام. ‘الله يتوب علينا من هالحارة المزعجة...’ فكرت بانزعاج، ثم غلبها النعاس.
‘كوكوكوكوكو... كوكوكوكوكوووووو!’
فتحت عينيها ثانية. ‘وبعدين؟’ انضم ديوك الحارة إلى الديك الأول وبدأوا جميعاً في سيمفونية الصباح. والنهار. وبعد الظهر. والليل. هذه الديوك لا تسكت. لقد تعلمت كريمة في صغرها أن الديك يصيح في الفجر. لكن هذه الطيور المحيطة ببيتها تنتمي إلى فصيلة أخرى - فصيلة تتسم بالجنون.
غيرت وضعيتها ثانية إلى الجانب الآخر، ناظرة بحنق إلى زوجها الذي كان يشخر بانتظام.
بدأ كلب الجيران في النباح، ثم حذت حذوه الكلاب الأخرى في الحارة، وأخيراً بدأ الحمار المربوط أمام بيت أبي عصام في النهيق وسط استمرار صياح الديوك، فيما بدا أنه مبارزة لتحقيق أعلى صوت.
أيقنت أن الأمر قد انتهى وأن لا جدوى من محاولة النوم، فدفعت الغطاء جانباً وجلست في فراشها بغضب وقهر. لماذا يتوجب عليها، هي الكادحة طول النهار، أن تعيش في إزعاج مستمر وأصوات تقلق راحتها وتمنعها من النوم في بيتها؟ أين تنام إذاً؟ في الشارع؟!
لم تكن كريمة قد استوعبت حياة القرية حتى بعد خمسة عشر عاماً قضتها فيها، فقد نشأت في حيفا وتعرفت إلى زوجها في أحد الأفراح، وتزوجا، ثم ذهبت معه للعيش في قريته البعيدة. حاولت كثيراً أن تقنعه بالانتقال إلى المدينة كي تعود إلى مسقط رأسها، لكنه كان مرتبطاً بقريته ولم يستطع التفكير في النزوح عنها. فابتلعت كريمة ضيقها عاماً بعد الآخر، ووجدت طريقة ما للعيش في البيئة الجديدة.
لطالما فكرت في حلول لهذه المشاكل التي تبدو تافهة لكنها تنغص عيشتها، فليس هناك قانون أو سلطة في القرية باستثناء المختار، ناهيك عن أن طرح الموضوع على مستوى الحارة أو القرية قد يعرّض كريمة لبذاءات وتعليقات ساخرة.
‘أففف...’ قامت بتثاقل وعبرت إلى المطبخ، ناظرة من الشباك إلى بيت الجيران وهي تعد القهوة. خمس دجاجات تهرول في الفناء والديك يعتلي حجراً قديماً وينفش ريشه، صائحاً دون توقف بصوت ثاقب. ركزت نظراتها عليه في غيظ. طبعاً، سيقومون بتربية كل شيء وليس من المستبعد أن ينقلوا مواشيهم من الحظيرة البعيدة أيضاً ويضعوها هنا، فليس هناك من رادع! المختار لا يريد التكلم معهم، حتى بعدما توجهت إليه، وباقي أفراد العائلة وسكان الحارة يشعرون بالحرج، ولا أحد يفهم، أساساً، سبب ضيق كريمة بهكذا موضوع.
بدأ أولادها يستيقظون والحركة تدب في البيت. أشفقت على الصغار وهم يجرون أنفسهم بتثاقل وأعينهم نصف مغمضة، والديك اللعين لا يزال واقفاً قبالتها يصيح بأعلى صوته. أما زوجها فاستمر في نومه هانئاً، وشخيره يُسمع من الداخل.
رأت جارها أبا عصام يخرج من بيته ويتمطى، وهو يقف في الفناء وسط مملكته الصغيرة. فتحت الباب وخرجت إليه على الفور. ‘صباح الخير، جارنا،’ قالت باقتضاب.
صفحة 7
‘أهلاً!’ بدا مستغرباً وكأنه لم يدرك من أين ظهرت فجأة.
‘معلش، بدي أسألك، مش رح تلاقي حل لهذا الموضوع وتريّحنا من هالديك؟’
‘ليش؟’ قال فوراً وبنبرة تحدٍ.
‘لأنه مش عارفين ننام من هذا الأفندي وصياحه عالصبح!’
‘طبعاً رح يصيح الصبح! مش ديك؟!’
‘وأنا شو ذنبي؟ لازم الإزعاج هذا يومياً؟!’
‘يا جارتنا... يعني ما تآخذيني... الواحد بيربّي ديك، دجاجة... شو بدّو يربي...’
‘بتقدر تنقله ع محل أبعد شوي! خلّي راسنا يرتاح!’
نظر إليها وعيناه تتسعان بعدم فهم، ثم احتدم النقاش، واستيقظ زوج كريمة الذي كعادته لم يشارك في الحديث أو يمدّها بأي دعم. فقفلت عائدة إلى البيت وصاحت به: ‘طبعاً! طبيعي الجيران رح يقلّوا أدبهم عليّ! ما هو ما في زلمة بالبيت يرفع صوته!’
‘كريمة، شو بدنا نعمل؟ هذول جيراننا. نتقاتل معهم ونخلّي الناس تحكي علينا؟’
‘شو طايلني من الناس؟! الناس عم تريّحني وتخليني أنام؟ بس أنت شو هامّك؟ ما أنت بتنام وشخيرك واصل للسما!’
ضاقت بالحديث الذي ليس منه طائل. عليها البدء بأعمال البيت، فهو بحاجة إلى تنظيف وترتيب. احتست القهوة وبدأت هي وبناتها في العمل. فجأة تحول المكان إلى خلية نحل. شبابيك تُنظّف، وأغطية تُفكّ لغسل الصوف بداخلها، ومرتبات تُحمل خارجاً للتهوئة، وخزائن تُرتّب، والمياه والصابون في كل مكان.
‘بدّي البيت يضوي!’ هدرت كريمة محذرة، فامتثلت الفتيات للأمر، خاصة أن أمهن كانت معكرة المزاج فلم تشأن استفزازها.
‘مالها؟’ همست إحداهن للأخرى وهي تدعك زجاج نافذة.
‘ما باعرف. يمكن مقهورة من الديوك. امبارح بالليل كانت تعبانة وقالت بدها تنام متأخر اليوم. بس لما قمت الصبح لقيتها قاعدة مكشّرة في المطبخ، وبعدين تقاتلت مع أبو عصام.’
قطع حديثهن قدوم كريمة وهي تحمل أواني وأطباقاً. ‘خلّصوني! لسّه في غرف النوم!’
صفحة 8
‘آه يمّه، فايتين لجوّه،’ قالت الكبرى. ثم تأففت لأختها. ‘علقنا علقة جامدة اليوم...’
بدأت النتائج تظهر وكريمة تنظر حولها في رضا وسرور. الأرض تلمع، والبيت في غاية الترتيب، حتى الستائر قامت بغسلها وتعليقها، وعمّت المنزل رائحة صابون معطر.
‘يعطيكن العافية حبيباتي... بعد الظهر رح آخذكن مشوار...’
ابتسمت الفتيات وغمزت إحداهن للأخرى: ‘مشي الحال. راق المزاج... ’ ثم التففن حول أمهن وطبعن على خدها القبل، وساد جو جميل من الألفة والإنجاز.
تنقلت كريمة بهدوء في أرجاء المنزل وهي تضع اللمسات الأخيرة. تعيد بعض الأشياء إلى أماكنها وتتفقد الزوايا. جميل... الآن ستبدأ بتحضير الطعام.
‘دلال، يمّه، سكّري الباب. خلّصنا...’ نادت على ابنتها.
لكن صوتاً عالياً اقتحم الهدوء، وارتفع صراخ الفتيات في الغرفة المجاورة. هرولت كريمة مذعورة إليهن فرأت كتلة من اللون تتنطط مسرعة في أرجاء الصالة وسط الصياح المتصاعد. ‘إمسكيه! إمسكيه!!’
ماذا...؟! إنه الديك!
لم يستوعب أحد ما جرى. قفز الديك وتعلق بستائر الصالة ثم انزلق، ممزقاً إحداها بمخالبه. صرخت كريمة واتجهت إليه، لكنه قفز إلى المقاعد وبدأ يتنطط مذعوراً من واحد إلى آخر وسط زوبعة من الريش المتطاير، ومخالبه الصغيرة تترك مساراً من الوحل حيثما تدوس.
كادت كريمة أن تفقد الوعي. ‘إمسكوه!’ صرخت متحشرجة. لكن الديك كان في حالة رعب واستمر في قفزه العشوائي في أرجاء الصالة حيث أوقع مزهرية ثمينة، تحطمت بصوت مدوّي وتناثر زجاجها أرضاً، مما زاد من هلعه، فاتجه نحو المطبخ والجميع يجرين وراءه لاهثات، وقفز إلى الحوض فأوقع الأطباق والكؤوس، إلى أن انقضّت كريمة عليه وأمسكته بعنف وهو ينتفض بين يديها.
نظرن إلى الديك في ذهول وأنفاس متقطعة، ثم إلى الدمار الذي لحق بالبيت. ريش متناثر وقطع زجاج في كل مكان، أما الصالة فمغطاة ببقع الوحل، والستارة تواجههن ونصفها السفلي يتدلى منها ممزقاً.
صمتت كريمة لبضع ثوان. ثم صاحت وهي لا زالت تطبق على الديك بقبضة من حديد: ‘منين إجا هذا؟!’
‘يمّه فات من عند الجيران... من بيت أبو عصام... لسّه بدّي أسكّر الباب، ما باعرف كيف فات!’
بعد ساعتين، عاد أبو عصام من مشواره في البلد، وبعد أن ألقى نظرة على الفناء خارج داره، ارتفع صوته وهو ينادي زوجته ويسألها عن الديك. كانت كريمة تعد السلطة في مطبخها وتسمعه دون اكتراث. مشى أبو عصام حول بيته ثم قطع الحارة ذهاباً وإياباً وهو يبحث عن الديك المختفي. قرع أبواب الجيران ليسألهم. لم يفده أحد. عاد ثانية إلى بيته ليبحث، ثم سمعت كريمة طرقاته على الباب.
‘تفضّل...’
بدا مرتبكاً، بعد مواجهة الصباح. ‘مرحبا جارتنا...’ قال فيما يشبه الاعتذار.
‘أهلاً! أهلاً جارنا! تفضّل!’
‘معلش، بدّي أسألك: شفتوا الديك تبعنا؟ مش لاقيه وفتشت كل الحارة عليه.’
نظرت إليه كريمة وابتسامة كبيرة تزين محياها.
‘آه... الديك. نعم، هو هون، جارنا.’
وفتحت باب الفرن، فجحظت عينا أبي عصام وهو يرى الطير المكتف على صينية، محاطاً بقطع البطاطس والجزر، وروائح البهارات الزكية تفوح منه.
أردفت كريمة قائلة بمرح، وهي تكمل عصر الليمون للسلطة: ‘أمانة يا جارنا، خليك اتغدّى معنا...؟’
صفحة 9

يضرّك... ولا يفوتك

‘عالروزنا، عالروزنا... كل الهنا فيها. وشو عملت الروزنا، الله يجازيها...’
ترنم أبو السعد بحبور راكباً على حماره، ماضياً باتجاه قريته، بعد رحلة إلى قرى جنوب لبنان لزيارة صديقه والقيام ببعض المشتريات.
وأبو السعد يحب الحياة، يتمتع بكل ثانية فيها، يقضي أيامه في الطواف ما بين أحبائه وأصدقائه – وهم كثر – والأكل والشرب معهم، أو لعب النرد والورق، أو العزف على عوده والغناء. أما العمل فهو واجب ثقيل، يخصص له الحد الأدنى من الوقت. يجني بعض المال من تجارة صغيرة، ما يلبث أن ينفقه سريعاً.
ولأبي السعد أيضاً عين ‘زائغة’ تفتتن سريعاً بالنساء، ويشاع عنه أنه ذو علاقات كثيرة، رغم أنه لم يُضبط متلبساً كي يثبت عليه هذا الصيت.
أما عائلته، فهمّها الأكبر هو تبذيره للأموال وعيشه ليومه كأنما لا يكترث لأولاده ولمصروف بيته، حتى يئسوا منه واضطرت أم السعد والأولاد إلى استلام مهام الأرض بأنفسهم، وإلا فسوف يموتون جوعاً. فليس من الخائب رجاء!
كان قد تشاجر مع زوجته قبل يومين حين رأته يحزم أغراضه للسفر. تلك عادته دوماً: يتخذ قراراته وينفذها في الحال، غير عابئ بأحد، كأنه يعيش وحده.
‘لوين، يا مسهّل؟’ سألته بصوت حاد.
‘مش شغلك! ضيقانة اخلاقي وبدّي أغيّر جو.’
‘ليش؟ من كثر الشغل اللي عم تشتغله؟ ولوين العزم يا ترى؟ القدس مثلاً؟ أريحا؟ أو لبنان؟’ قالت متهكمة.
رمقها بنظرة عابرة وهو ينهي وضع أشيائه في رزمته الصغيرة. ‘صار لي زمان ما شفت أخوي أبو جواد وبدي أزوره.’
‘ع رميش!’ دقت على صدرها. من يذهب إلى لبنان في هذه الأيام، والحدود لم تعد آمنة، والجيش ينتشر عليها كالنمل؟!
‘آه. شو، غريبة؟’
‘يا زلمة، وبعدين معك! لسه يا دوب بعنا القمحات، بدك تصرف مصريّاتهم! والعسكر مملّي الدنيا حوالينا!’
‘قلتلك ألف مرة ما تنقّي عليّ. حلّوا عني!’ ارتفع الصياح، وسمعه الجيران، كالعادة، فعرفوا أن أبا السعد بصدد مغامرة جديدة.
وفعلاً، لم يأبه بأحد، امتطى حماره وانطلق، وبعد الظهيرة دخل رميش ونزل في ضيافة صديقه، الذي رحب به أشد ترحاب. أكلا وشربا وتسامرا حتى الفجر، وفي اليوم التالي، قاما بجولة في القرى المجاورة، اشترى خلالها أبو السعد ما لذ وطاب من عَرَق ومكسّرات وحلوى. ثم قفل عائداً وهو في غاية الغبطة، دون قرش واحد في جيبته.
فتح إحدى زجاجات العرق وبدأ يرتشف منها وهو راكب على ظهر حماره الذي يمشي الهوينى، وأبو السعد مسرور هادئ يتأمل في الطبيعة حوله. يفكر بإيجاد طريقة لصنع العرق عنده في البيت، فالأمر بسيط. وسيبيع العرق ويكسب الكثير، بدلاً من الكدح الغبي الذي تقوم به زوجته وأولاده في الحقول طيلة السنة وبالكاد يسد قوتهم. ستدر عليه مبيعات العرق ربحاً وافراً فينفق ويشرب ويتمتع. شعر بنشوة الحلم والتخطيط واستمر في غنائه.
‘يا رايحين ع حلب، حبّي معاكم-’
صفحة 10
فجأة لمح جنوداً أمامه. فكر سريعاً في تغيير مساره، لكن بعد فوات الأوان. رأوه وأشاروا إليه بالتوقف. نظر مستاءً إلى الجنديّين اللذين اقتربا منه. سألاه عن وجهته، ثم طلبا منه الترجل عن الحمار.
‘خير؟’
‘بدنا نشوف شو جايب معك. ما بتعرف إنه التهريب ممنوع؟’
‘هذا مش تهريب، هاي الأغراض جايبها إلي.’
‘بدك تدفع عليهم جمارك.’
‘شو؟’
‘انت جايب اغراض من بلد لبلد، فلازم تدفع عليهم جمارك عشان تدخّلهم. هات لنشوف...’ قال أحدهما. ثم هز رأسه إعجاباً. ‘شو... كل هذا إلك؟’
‘آه. كنت في زيارة عند معارفي واشتريت أشياء للبيت...’
كان الجنديان يقلّبان في الأغراض إلى أن رأيا زجاجات العرق، فانقضّ الأول وهو يقول بصوت ماكر: ‘في عليك جمارك كتير لازم تدفعها، لأنك جايب كماليات.’
‘شو يعني؟’
‘يعني الأشياء اللي جايبها هي للكيف والبسط ومش شغلات أساسية.’
‘ها!’
‘بدك تدفع خمس ليرات.’
‘شو! كل حقهم ما بيساوي هالقدّ!’
‘شو الإسم، بلا صغرة؟’
‘أبو السعد.’
‘وكمان إسمك كله بسط؟’ ضحك الجنديان، مما أزال شيئاً من التوتر، لكن الأول أكمل الكلام. ‘يا أبو السعد، هاي الجمارك اللي لازم تدفعها.’
تنهد في استياء. ‘وبعدين مع هالورطة؟’ فكر لنفسه. كان قد بدأ يشعر بخدر لذيذ من العرق، وتبخر الآن من رأسه. تباً لهما!
‘طيب، ما في طريقة نرضيكم يا شباب؟ بقنينة عرق مثلاً؟’
‘شو! بدك ترشينا؟!’ صاح أحدهما.
‘لا سمح الله! بس أنا ما معي مصاري. كل اللي كانوا معي صرفتهم عالاغراض. فإذا في مجال تقبلوا مني هالقنينة بدل الجمرك، ومنكون خالصين؟ شو رأيكم؟’
تبادل الجنديان النظرات. ثم قال الأول: ‘طيب، بس خدمة إلك، وإلا إحنا ممنوع نعمل هيك...’
تهللت أسارير أبو السعد. لقد أيقن أنهما سيقبلان، وهو واثق، أصلاً، من أن هدف كل هذه اللعبة هو أن يحصلا على شيء منه. ‘تشربوا سمّ!’ قال في سرّه.
‘بس بدنا اتنين، لأنك حامل ست قناني. وعلى كل قنّينتين، في جمرك بسعر قنّينة،’ قال الثاني بدهاء.
‘شو!’
‘هيك النظام...’ قال الأول بضجر.
تقلص وجه أبو السعد. إن التضحية بزجاجة واحدة مؤلمة بما فيه الكفاية، لكن أن يعطي زجاجتين من أفضل وألذ العرق الفاخر إلى هذين الصعلوكين، فهذا أمر لا يستطيع احتماله.
‘يعني إذا كان معي خمس قناني بدل ستة، بيطلع الجمرك قنينة واحدة، مش اتنين؟’
‘مزبوط...’ قال الجندي بشيء من الغباء. ثم أردف بابتسامة: ‘بس انت معك ستة.’
‘بسيطة...’ قال أبو السعد. وأمام ارتباك الجنديين، قام بإعطائهما إحدى الزجاجات، ثم رفع الزجاجة المفتوحة، التي كانت لا تزال في يده، إلى فمه، وخلال دقيقة أو اثنتين، شرب جميع محتوياتها.
سادت بضع ثوان من الصمت، والجنديان ينظران إليه في ذهول. ضاقت عيناه قليلاً واحتقن وجهه بالدماء، وبدا غير متوازن بعض الشيء. ثم رمى الزجاجة جانباً وقال بسعادة: ‘وهلّق، صاروا خمسة بس... عن إذنكم يا شباب!’
صعد، بشكل ما، إلى ظهر حماره، وكاد أن يهوي من الجهة الأخرى لولا أن أمسك برسن الحيوان المسكين بشدة، فصرخ الأخير بألم وانتفض، راكلاً حوافره في الهواء. ابتعد الجنديان في خوف. استوى أبو السعد على ظهر الحمار، مطبطباً عليه بأسف، وربّت بيده الأخرى على الجعبة المعلقة، كي يطمئن إلى وجود بقية الغنيمة معه. وبصوت مهزوز قليلاً، صاح: ‘حاااااا...’
تحرك الحمار ببطء، والجنديان لا يزالان ينظران إليه في بلاهة.