الإهداء
إلى..
زهرة البنفسج وحمد الهوى
2010
أنا سعد بن محمد بن ناصر..
بين ظلمة وضوء
لقد أفرط عقلي بعشوائيته التي تشبه نسيج العنكبوت وهو يتنبأ بمسار خيوطه في تحديد نمط حياتي المتأرجح في الهواء الساخن، يحلق بريشة ملساء تدحرجها الذبذبات الهوائية بين طبقات الفضاء الشاسع لتستقر فوق بركة ماء أو على سطح منزلٍ آيل للسقوط أو على سطح سيارة قديمة مركونة في زاوية بأحد الأحياء الفقيرة أو على صارية يختٍ بميناءٍ مطل على بحرٍ أزرق؟
لم أخضع لعواطفي الضبابية المهزوزة، كنتُ كورقة صفراء محتقنة إثر تسلط ضوء الشمس ورطوبة الصيف عليها،إلا لأجل المال والنساء والنفوذ المستمد من بهرجة الوجاهة المثقوبة كبرميل خشبي قديم ظل يقاوم عوامل التعرية للحياة التي يراها البعض نتنة ويراها البعض الآخر كصالونات مخملية تصنع تضاريس الرفاهية المسكونة بسحر الأشياء الثمينة، أما الشرف والكرامة والرجولة والبطولة فهي كألعاب الفقراء حين يسكنهم هاجس الذل، لم أصدق يوماً أنها هدفي من الحياة، لقد تسربت المبادئ كنسمات ساخنة من ثقب بالون تصدعت جوانبه من شدة الحرارة، رأيت الجميع حولي يتقاتلون من أجل المال والنساء، وشاهدت بأم عيني البشر يخضعون للنفوذ والسلطة حتى لو كانوا يسبحون في مستنقع الكذب الأزرق والفساد الناعم الملمس كالحرير، إنه لون الحياة الصعبة المترفة، وفي النهاية فإنهم يستقرون عند قدم امرأة بيضاء ممشوقة القوام أولئك الممثلات الأسطوريات اللواتي يظهرن على هيئة صناعة هوليودية، أو حفنة أوراق مالية بالملايين تجري كنهرٍ من الورق الخشن يصنع المعجزات.. هذه هي حال الناس الطبيعيين من حولي، فلا تلوموني على ما وصل إليه مركبي المثقل بالحراس والمتمردين والمتسكعين العاطلين عن العمل ومعهم أطفال لا يبصرون إلا في الليل، وحين تشرق الشمس يغمرهم العمى، كانوا ملايين الخلايا تتسلل إليّ من الداخل وتندمج في خلاياي لتجعلني مختلفاً عن أقراني، لا يحتقرني بعضكم فأنتم من العشيرة ذاتها ففي أعماق كل منكم جزء ينبض من شغفي الهجين يحاصر كلاً منكم، يحسدني بعضكم على اعتلائي القمة رغم الرتابة التي رافقتني، ومنكم من يتطلع إلى الوصول إلى هامش مما وصلت إليه، فإن كنت سفيراً أو نائباً أو وزيراً فذلك لأني عرفت كيف أستفتي عقلي الباطن ليصطحبني إلى هذا المستنقع الذي يلمع في عيونكم كزلال الذهب، ولو عرف بعضكم وسيلة للوصول إلى ما وصلت إليه فأشك أنه لن يسلكه، لقد شفيت من ألم الضمير! وتم تطهير بيتي من بقايا الكذب والفساد وصرتم تنظرون إليّ كملاك منقذ لأغلبكم، فهذا يطلب صدقة وذاك يحمل رسالة وآخر يريد وظيفة وآخر يطلب واسطة، صرت ملجأكم فامتلكتكم جميعاً من حولي.. لا تزايدوا عليّ لأني فضحتكم بمجرد أن ألتفت عنكم وأدير لكم ظهري، لأسمع سكاكينكم تمزق جثتي وتنبش سيرتي، هذا أنتم قبل العاصفة التي مرت وبعدها.
إن حفيف الموسيقى المنبعثة من حولي تروضني وكأنها تشق السماء وتنهمر كالمطر الغزير، لا تختلف عندي الوجوه والمعادن فكلها في ساعات الليل الوحيدة تتكور فقاعات حينما تشطرني العزلة عند صوت عبد الباسط عبد الصمد وهو يرتل آيات القرآن وكأنه في حلبة مع الرياح النافخة حين يهدر ويمتزج بصوت أندريا بوتشيللي بموسيقاه السماوية في شهوة محرمة كأنها البرزخ، هكذا عقدت العزم على مجاراة العقل ووثقت العلاقة معه في معاهدة ربانية مراسمها الجنة الأرضية من أجل أن أستغل كل ما في الحياة من إمكانيات لم تعرفوها ولن تفهموها ولم تخطر ببالكم كيف تستثمرونها ما دمتم خاضعين لعقلكم الواعي الغاطس في موروث القرون بعد أن حفرتم قبراً دفنتم فيه عقلكم الباطن المستنفر الذي كان بمقدور شفرته المتهدجة وحدها أن تنقذكم من فقركم وعثرتكم، هذا أنتم يا أولاد حيّي السكني.. أحبكم بشغف وأعشق نساءكم السمراوات الممشوقات المشبعات برائحة ملح البحر، وأشفق عليكم من جسارتكم البغيضة وهي تغمركم بنسيان أسماء آبائكم وأجدادكم مما جعل من قوائم الأسماء الثلاثية تجتر الاسم الأول، أود من كل قلبي مساندتكم وإنقاذكم من بؤسكم ولكن يا للمفارقة الساحقة ترفضون الانغماس في الشغف والاتحاد به.
منذ وعيت هذا الحلم المستمر الآسن مطوقاً بساقين طويلتين منذ سنين، تركت تضاريس العقل تنظم لي خطوات العمر السريع القصير الذي رافقني منذ ولدت بالحي القديم من المحرق بمحاذاة ساحل القلعة على منحدر الدرب الضيق الممتلئ بالحفر والمستنقعات، لقد ولدت بيوم قائظ استباحت فيه الحرارة نزعتها للأجساد الصغيرة النحيفة وتجاوزت الخمسين، سطعت فيه الشمس حادة جعلت من الحي كأنه قرية من قرى يوم القيامة، لهثت فيه الكلاب حتى انزلقت ألسنتها التي تقطر باللعاب ولامست الأرض، فاحت روائح الأجساد البشرية واستقرت فيه القطط الهاربة أسفل مكيفات الهواء على طبقات التراب البارد نتيجة انزلاق خيوط المياه العسيرة المقطرة.. كانت الأرض جحيماً لا يطاق حين ساق المخاض والدتي إلى مستشفى بيت حرم الشيخ حمد بن عيسى الخليفة بالمحرق وكانت حدوده تحتويني وسط دوامة زمنية أشبه ببوابة نفق عنكبوتي النسيج لتشبكني بحدود منطقة المطار ومن خلفه المقبرة المقفرة إلا من عشب صحراوي قاسٍ لتتكور صورة الموت والميلاد وهي تحمل المفارقة التي تضع مستشفى الولادة بجوار مقبرة الموتى، ولكني لم أولد هناك ولم أمت بعد، كبرت في كل يوم عشرات السنين وبلغ بي العمر عقوداً مررت خلالها بكل الحقب الزمنية، رأيت الوجوه تشيخ وحجارة البيوت تتداعى والسفن الخشبية تتآكل بعدما صدئت مساميرها بفعل مياه البحر المالحة وهي تقبع فيها منذ أيام الغوص، أخذتني ساحرة البحر إلى قاع سحيق حيث رأيت أنواع الطحالب وأنوار اللآلئ كأنها مدينة زجاجية أسفل الأعماق الكرستالية.
في البداية وظفت العقل الباطن يقودني بعشوائيته الفطرية لدواليب الهواء المفرغة ليتم غربلة ملفات الفرح والحزن والضعف والقوة والفقر والغنى في روح داخلية مشعة بالخلود الأبدي لأقوم بعدها بتحويل تلك الملفات الفارغة إلى خزائن وكنوز بمعارف العصر التي حددت بواسطتها مساري وهو الذي أرشدني إلى القوة والفرح والغنى، ولست نادماً اليوم على عقلي وما جرى معه فقد وعيت على النهر العظيم الذي قايضت به الفقر والضعف والتردد والشكوك وغيرها من عناصر الضعف البشري البائس.
أنا موجود في كل مكان يحتاجني فيه الجميع، وأسيطر على كل ما حولي، أملك كل ما يحلم به الآخرون ولا أتردد في مشاركتهم في ثمرات حديقتي الغناء، وفي الأمسيات الباردة وعند نافذة قصري التي تطل على بحر خليج أزرق من مياه صافية كالثلج الأزرق، أستمع إلى موسيقى برودين وكورساكوف وصوت بوتشيللي النوراني، تاركاً خلفي كل ما يتحدث به الناس عن ثروتي ونفوذي ومصدرهما فأنا أعرف الحسد بمجرد أن تلتقي عيني عيونهم الزائغة لرؤيتهم الأنوار الليلية الحالمة تنعكس على وجوههم الكالحة، فقد وصلت إلى القمة ولا أنتظر بعدها منهم شيئاً إلا الشفقة على فقرهم وبؤسهم.. هذا أنا سعد بن ناصر ولا يهم لقبي ولا أصلي ففي بنوك البلاد وخارجها أعوض كل ما ينقصني من الأسماء والألقاب والمناصب التي أشتريها بالتراب، أملك صحيفتي التي متى أردت نشر أخباري أو صوري أو النكاية بأعدائي أطلقها، ولدي جواسيسي وقوادي وحساني ومزارعي التي أستقبل فيها من أشاء وهي بمثابة الفردوس الذي يزحف الآخرون لمجرد الولوج إليه، ويكفيني لكي أفقأ أعينهم أن لوحات سياراتي مكونة من ثلاثة أرقام ولو اجتذبني الرقمان لاستحوذت على ذلك لكنني حكمت العقل ولا أريد الخوض في حروب الأرقام التي قد تفتح على بوابات الجحيم من المتربصين بي، العقل زينة هذا الشعاع هو ما تدربت عليه.
أنا العابر مع الريح حينما تجتاحني رغبة الهوى ويحملني العقل الواسع والخيال الجامح على تجاوز المنحدر الرمادي، لا أكتفي بالسفوح مثلما تفعلون حين اكتفيتم بتجميد عقلكم الفضفاض في كهف مظلم ولم تسعفوه إلا في السعي لإيذاء بعضكم بعضاً، قرأتم القرآن ولم تتغيروا وغرقتم في الكلام واكتفيتم بالبؤس ينهبكم في مراسم تهرول بكم إلى قاع المدن الخاملة تلك التي استوطنت الكسل والخضوع واستجداء التفاصيل الرثة لحياتكم الرتيبة.
«هذا أنا سعد بن محمد الناصر.. واختصاري سعد بن ناصر.. تذكروني منذ الآن وصاعداً، فقد أسهمت في صنع المحنة التي مرت بالبلاد كما أسهمت في حلها، تذكروا ما فعلته في الماضي وقارنوا بما قمت به اليوم».
قطعت وعداً بمسافات يكتنفها الذهول ألا أترك الحياة بقامتها تمر بأشواكها المتنائية إلا وأعصرها كالليمونة حتى يَهَن العظم مني ويشتعل الرأس شيباً قبل أن أسقط عند رصيف الوقت، فكل شيء من حولي يغريني بامتصاص ما ألتقطه أمامي، أموال، نساء، وحوش وشياطين، ملائكة، كانت المشاعر مفتوحة على الكون والسعادة أصنعها متى أشاء، وكان عالمي الأسطوري تجري فيه الأحداث سريعة الإيقاع ويختلط الألم بالفرح بالحزن فتنقلب الدنيا رأساً على عقب كلما التقيت في طريقي حدثاً دامياً تتغير في إثره خطواتي، فمنذ دأبت في مغادرة السواحل والشواطئ الموبوءة بروائح الأسماك وهجرت الأحياء الفقيرة الكئيبة جرت العادة في البحث عن موسيقى ترتقي بي إلى سموات عليا أشبه ما أكون فيها بالنبي المخطئ الملتجئ إلى بوتقة الغفران لنسيان الماضي وصنع الفردوس الأرضي المتمثل في المال والنساء والسلطة والنفوذ، حيث السيارات والأسهم والعقارات الموزعة بأرجاء البلاد خصوصاً تلك الموزعة على الجزر الصناعية وكانت رقعة أمواج هي مسقط رأسي بعدما تركت أحياء المحرق الصغيرة الضيقة التي لا تجد فيها حتى بقعة لركن السيارة، رحت أختار الأراضي والمناطق بحسب رغبتي في العيش برفاهية تتناسب مع مكانتي الاجتماعية الجديدة، فقد ولد بداخلي نبي جديد وشيطان جديد ودأبت في الضحك من أولئك الذين ما فتئوا يبتسمون للحظ الذي يتوسل عند بوابات المدن العاقرة، ما كنت أنتظر الحظ، فقد غيرت الأحداث بتوجيه الأشرعة لمصلحتي وعبرت الطريق المختصرة التي لم يعد يشبعني فيها منصب الوزير أو النائب ولذلك خططت استراتيجية بموجبها حرضت الكثير منكم على التقاط الطعم الذي ألقيت به نحوكم للوصول إلى المناصب لتسهيل خدماتكم لي من حيث تجهلون، ولن أخبركم الآن فأنا العصي يزهو بسقوف من قرميد السماء لأقص عليكم من آيات المدن المسفوحة بالرجس لتكتمل نبوءة الجنة المحرمة على كل من خذلته فراديس الصيام المجبولة على الكسل، كسرت الطوق وحررت نفسي من القيود المسكونة بالركوع، لم أركع لقيودي، لهذا كله صنعت حكايتي هذه التي تسبح الآن أمامكم في محراب جنة الملذات والعذابات تفوح منها أنفاس ريح المسك ونكهة النبيذ الأزلي.
كنت في سن العاشرة على ما أظن عندما أمسكت بي امرأة غير بهيجة قارب عمرها الستين واشتعل طرفا رأسها شيباً، لا أعرفها ورجتني حمل طفلها الرضيع حتى باب الدار، وقد تجاهلت طلبها ومنذ ذلك الحين عرفت أسرار النجاح، وحتى تكون ناجحاً وتقطع طريقك بوضوح لا يحتاج الأمر منك إلى العاطفة السمجة التي إذا ما امتلكت مشاعرك لن تفلح بعدها في السير بطريقك المرسوم، من يومها عرفت كيف هي القسوة التي تصاغ بها معادن الرجال، بعد تلك الحادثة وكلما امتد بي العمر ازددت رفضاً لنداء العاطفة البغيضة عدوة النجاح حتى تمكنت أخيراً من سحقها بداخلي، ضاجعت عشرات النساء، بين صديقات ورفيقات وعشيقات وعاهرات ومن مختلف الجنسيات، من بيضاء وسمراء وسوداء، إلى مطلّقة ومتزوجة ومن لم تتزوج، من عذراء إلى «مفتوحة»، عاشرتهن من الأمام والخلف لم أترك امرأة رغبت فيها ولم أسمح لامرأة تفطر قلبي، من لم تأتِ بالحب جاءت بالمال وبعد تجربتي مع كل هؤلاء النسوة لم أجد ما يسمى المرأة القبيحة أو الكريهة، كل النساء جميلات وكلهن رائعات في الفراش أو على الأرض وفي السيارة وحتى عند نقاط العبور مصادفة، كانت المرأة أجمل الأشياء التي مرت بحياتي على الإطلاق فهي ملح الأرض وهي المسكِّن للآلام شرط ألّا تقربها أكثر من المسافة الرسمية للعلاقة وأن لا تتركها فوقك فهذا أسوأ ما يحدث لك كرجل، أعرف أني محتقر من بعض النسوة ممن ألقي بأيديهن بعض أوراق النقد ورغم ذلك يعدن إلي، هذا هو السحر الذي يسكن الألم، واحدة فقط من جنسية أوكرانية تدعى «لونا» خرجت على المألوف وكافأتها بإنسانية.
الطقس عنى لي الكثير حينما تنتزعني تغييراته من سكوني وتقذف بي في أجواء تختلط بمشاعر الكره والحب والحزن والفرح، بين وحدة كئيبة وعزلة سعيدة، كنت أختار أوقاتي بنفسي وأفهم حيرتي وأخطو بحسب رغبتي، لقد وجهتني طفولتي الشقية إلى خوض معارك الحياة بجدارة ولا أنسى تلك الرقعة الزمنية التي كانت مثل الطفرة الشيطانية التي خرجنا منها شياطين صغاراً لنصبح فيما بعد الشياطين الحقيقيين الذين يستولون على هذا العالم.
عبث الصغار لا يختلف عن عبث الكبار، البحر كان يغوينا مثلما سيندرج الكبار، تبدأ حملاتنا لصيد الأسماك ونحن في سن العاشرة والحادية عشرة حينما لم تكن أحلامنا سوى صورتنا تنعكس على سطح مياه البحر الساخنة صيفاً أو الباردة شتاءً، فلم تقيدنا الفصول عن الخوض في غمارها الدكناء، كان شغفنا بالبحر والأسماك وشغبنا مع الفتيات بأعمارنا لا يترك لنا شقاوة لم نمارسها، كنا نغوص في الأسفل ونقترب من الفتيات ونسرق النظر من تحت فساتينهن القصيرة حين تقشعها مياه البحر إلى الأعلى فتسرقنا لذة سريعة وفضول لملامسة تلك السيقان والأفخاذ الطرية السمراء والبيضاء، من يومها اكتشفنا أسرار الاستمناء التي فتحت لنا أبواب جنة اللذة الجارفة وهي تصعد بنا إلى رجولة مبكرة تعود إلى سلالة الرجال الشغوفين بنرجسية السندباد.
المحاري اللون وهو يطوف البحار جسوراً بلا فزع من ظلمة أو خشية من غرق تستدرجنا عواصف مقفرة الوجهة فنغوص في عتمة الموج والريح، تتصاعد أنفاسنا كلما اقترب شبح الموت الأزرق مطبوعاً على الوجوه بلا وجل حتى إذا ما لامسنا ضفاف اليابسة تقهرنا بإرادتنا نساء ممشوقات بأجساد لؤلئية فتزيل عنا صدأ البحر والغربة والسكون.
(فلاش باك )
كان صباح يوم جمعة مشبعاً بحرارة شهر سبتمبر الخفيفة، سطعت الشمس منذ الفجر وانبثق ضباب شفاف أشبه بالغيم، كان يوم إجازة مدرسية فاتفقت أنا وعدد من صبية الحي على الخروج إلى البحر وإلقاء السم للأسماك كعادتنا لتقتلها ثم نجمعها ونقوم بشوائها على الساحل محاولين استدراج بعض الفتيات اللواتي في مثل أعمارنا.
أذكر ذلك الصباح المشبع بندى البحر وقد تسربت رائحة حرق جثث القطط والكلاب التي تجمعها سيارات البلدية، كان أفق السماء ينذر بتحول الطقس إلى البرودة عند نهاية فصل الصيف ومجيء فصل الخريف بأوراقه الصفراء بتحذيرها حين تتسلل البرودة إلى الأجسام عندما ننزلق في الماء محدثة قشعريرة، كنا نود اختتام الصيف بآخر الطلعات إلى البحر للاحتفال بصيد الأسماك بتحذيرها قبل هجوم موجة الشتاء التي تحرمنا من متعة صيد الأسماك، كانت صبيحة أحد أيام الجمع وهو واحد من الأيام التي تقوم البلدية بحرقها، فتظل روائح اللحم المحترق عالقة لأيام في الهواء وتتحول إلى نكهة ملوثة الطقس حتى تتساقط الأمطار فتبدأ الرائحة بالانقشاع، كان يوم جمعة حينما خرجنا جميعنا إلى سوق المحرق وهناك اشترينا حبوب «الصرصخ» وهو نوع من السم على هيئة حبات سوداء بحجم الفاصوليا، كنا مجموعة من الأولاد الذين اعتدنا التجوال في الأسواق طوال أيام الإجازات ودأبنا في زيارة مخزن الباعة الكراشية بسوق المحرق قبالة محال الحلوى البحرانية، كنا نذهب إلى هذه المحال لشراء السم ونعود عند الضحى لنقوم بقليه ودقه وتحويله إلى مادة ناعمة ثم نقوم بخلطه مع أنواع من الغذاء مثل العجين والخبز المجفف أو مع ديدان البحر وغيرها من الأغذية التي تغري الأسماك ثم نخرج إلى البحر ونقوم بنثرها على المسافة التي تسمح لنا بالتجوال فيها.
تبدأ رحلة الصيد باجتماعنا على الساحل الناعس كما الطقس ذاته في هذا اليوم الموشح بالسكون إلا من صرخاتنا وأصواتنا المفعمة بالحيوية حينما نبدأ الكلام جميعنا في وقت واحد ولا أحد يسمع الآخر ولكننا نفهم بعضنا بعضاً مثل المصابين بالصَّمم، نقوم بخلع ملابسنا الرقيقة التي تكشف عن أجسادنا النحيفة وكثيراً ما نشاهد عظام بعضنا من وراء القماش الشفاف وهو النوع المنتشر بين صبية الحي ونكتفي بارتداء سراويل السباحة القصيرة التي نرتديها عادة تحت الثياب طوال الوقت ولا نخلعها إلا عند النوم، تأخذنا موجة الحماسة لالتقاط الأسماك الميتة لسحابة من التوتر ونحن نقطع الساحل شمالاً جنوباً منتظرين الدقائق تمضي فيما نظراتنا مسلطة بتركيز مضطرب على سطح البحر خشية فساد السم وهو ما يحدث أحياناً حينما نفشل في صنع الخلطة أو بوجود عطب بالمادة السامة فيأخذ القلق بعضنا لخوض البحر قبل سريان مفعول السم للتأكد من وجود سمكة صغيرة ميتة وهي علامة على بدء مفعول المادة السامة وتظل أبصارنا شاخصة إلى رفيقنا متوجسين من النتيجة ولو حدث أن وجدت خيبة أمل على وجهه فسرعان ما تبدأ الكآبة تتسرب إلى نفوسنا ويضرب الصمت بيننا حتى ينسحب بعضنا تدريجاً ثم نغادر الساحل.
في هذا اليوم الغائم جزئياً مع هبوب تيار من هواء بارد، سرى بيننا شعور بالإخفاق نظراً لأن الأسماك لا تموت إلا في المياه الساخنة وجاءت هذه القناعة من تجاربنا السابقة حين يسخن البحر في أشهر الصيف الحارة فما يكاد سخام السم ينتشر في المياه حتى تتسابق الأسماك إلى لفظ أنفاسها فتشع السعادة على وجوهنا بالحصول على أكبر كمية من الصيد: حيث نشهد مجزرة تطفو على أثرها موجات الأسماك الميتة بأحجام مختلفة متنوعة الأصناف، وكان «الميد» أكثرها وأسرعها بلفظ أنفاسه من الأسماك الأخرى، هذا الشعور الذي انتابنا اليوم تغير فجأة حين لمحت سمكة من نوع «الكركفان» تسبح واهنة حتى لا تكاد تتنفس ثم تترنح على سطح المياه فصرخت في بقية الشلة:
- موت موت..
وتكرار هذه الكلمة يعني أن الصيد وافر، فبدأ بعضنا بخلع ثيابه فيما بقي بعضنا الآخر مستعداً بسرواله، واندفعنا نحو المياه من دون الشعور بلسعات البرد فقد ارتفعت حرارتنا لدى رؤية السمكة المترنحة التي سرعان ما هرولت نحوها ولكنها اختفت، وفي العادة تنزلق إلى أسفل المياه قبل أن تموت ثم تطفو بعد خروج روحها وهكذا بقية الأسماك قبل الموت وبعده، وفي غمرة اندفاعنا في البحر راحت نظراتنا الزائغة تبحث بوحشية الصيادين عن فريستنا من هذه الكائنات الصغيرة الرصاصية اللون في مختلف الاتجاهات، تعلو صرخاتنا هنا وهناك عبر أرجاء البحر من حولنا بحثاً عن مزيد من الأسماك الميتة، وعندما تبدأ سمكة تطفو نتسابق للوصول إليها. ومن يلتقطها تنفجر لديه مشاعر الفرح والزهو بالانتصار ولا تجد هذه الفرح عند الظهيرة حين نترك كميات تلك الكائنات على الساحل تسلقها أشعة الشمس وتعبث بها القطط والكلاب إلى أن تفوح رائحتها فتنفر منها تلك الحيوانات فتتحول مع الأيام إلى سخام كأنه رماد الخشب المحترق، أما السرطانات فنقوم بشوائها على كومة من ورق أكياس الإسمنت بعد أن نخرقها بحربة مسننة في سلسلة مترابطة من دون تنظيف أو تتبيل حيث تتصاعد الأدخنة السوداء الناتجة عن احتراق الأكياس الإسمنتية الملوثة بالتراب والغار، لم تمنعنا هذه الصورة من تناولها بشراهة حيث نقوم بتمزيقها وامتصاص عظامها وتظهر سوائلها عالقة بشفاهنا فتبدو لنا حينها هذه الوجبة وليمة فاخرة رغم احتباس الدخان في صدورنا فيتعالى سعالنا يغطي الساحل ليدرك من يمر هناك من رجال الحي بأننا نطهو السرطانات، ويصادف أن يتوقف بعض كبار السن ليوجهوا إلينا نصائح مصحوبة بشتم أهالينا الذين تركونا بلا مسؤولية على سواحل البحر معرضين صحتنا وحياتنا للخطر، كنت أنا مع عدد من أطفال الحي نرد عليهم ساخرين وننعتهم بالتخريف وبعضنا يقذفهم بحركات صوتية عبارة عن إطلاق ريح وغيرها من الأصوات المقيتة التي تجعل بعضهم يتوقفون ويتأملون وجوهنا ويرجعون هذا التصرف إلى آبائنا الذين لم يجيدوا تربيتنا ثم يمضون في طريقهم متحلين بالصبر ونمضي بدورنا في صراخنا نتجادل حول أتفه الأمور التي كانت بالنسبة إلينا قضايا مصيرية حتى إن آثارها تنعكس في أحلامنا بالليل حين نلقي بأجسادنا النحيفة تفوح منها روائح البحر والأسماك والأدخنة من غير استحمام فتعلق الرائحة بالمكان لأيام عديدة.
كان البحر والأسماك المسممة عالمنا الممتلئ بالسحر حين تتسلل بعض الفتيات في مثل أعمارنا للسباحة وهن يرتدين الفساتين القصيرة فما يكدن ينزلن الماء حتى ترتفع تلك الثياب إلى الأعلى وتنتفخ لتصل أطرافها إلى سطح البحر ويدفعنا الفضول في مستهل اللحظة تلك إلى الاقتراب منهن وعندما لا نجد صداً أو اعتراضاً نبدأ بالغوص أسفل الماء ونسبح حولهن لنتأمل تلك السيقان والأفخاذ الملونة، بيضاء وسمراء وسوداء، بعضها مكتنزة والبعض الآخر رقيقة وأخرى ملتوية ولكنها جميعها تجعلنا نحوم حولهن طوال الوقت من غير أن نلامسهن إلا إذا ابتعدت إحداهن عن السرب، وهذا لا يحدث إلا نادراً، فغالبيتهن يخشين الفضيحة فبعضنا لا يتردد في فضح الفتاة التي يلامسها أو يعبث بها من باب التفاخر والتباهي ولكن الأمر يتحول إلى حديث وشائعات يتناقلها سكان الحي وإذا ما وصل الأمر إلى الأهل فستسجن الفتاة بالدار وتُضرب ويحكم الحصار المنزلي الأشبه بالإقامة الإجبارية عليها وبعضهن يفلتن من العقاب بإلقاء اللائمة علينا نحن ومن يتورط منا مع هؤلاء الفتيات يتوارى فترة عن الأنظار حتى تهدأ الأمور.
عندما نزلنا جميعنا إلى البحر وكانت السماء غائمة والماء بارداً فوجئنا بأسراب الأسماك الطافية التي بصقت لعابها تتدافع ميتة، وبعضها يترنح بسكرة الموت، كنت مأخوذاً بمشهد الموت الجماعي لها، تسمرت عيناي للحظات على بريق الشمس بأشعتها الرصاصية المنبثقة من ثغرات الغيوم التي سطعت على أجساد الأسماك فبدت تلمع وتخطف النظر، فأسرع بالتقاطها وأتجنب الإمساك بالأسماك المترنحة التي ما زالت تبعث بأنفاسها الأخيرة فتلك الصورة تصيبني بالقشعريرة وتبث فيّ الخوف رغم جسارتي المعهودة بين أقراني، كان منظر موتها يبعدني عنها بسرية خشية أن يلاحظ أحد ممن حولي ترددي في التقاطها وهي ما زالت حية، كانت الفتيات بعضهن يراقبن المنظر وبعضهن يبادرن إلى المشاركة في الصيد الذي تتسع دائرته حين يلمح بعض الفتية على الساحل حملتنا فيهرعون إلى النزول للبحر فيقع الشجار مع هؤلاء محاولين صدهم ومنعهم من الصيد لكونهم غير مساهمين معنا في الحملة التي بدأت بجمع المال وتحضير السم ثم نثره في الماء، أما أنا فقد كنت مشغوفاً بالبحث عن الفتيات اللواتي يقتربن منا ويتطلعن للمشاركة معنا وكانت هناك واحدة تدعى فاطمة علي في مثل سني تقريباً سمراء فاتحة اللون، نحيفة القوام مع شعر طويل أسود وعينين واسعتين تستلطفني في كل مرة أصادفها في البحر أو عند خباز الحي حينما تأتي لشراء الخبز فيما أراقبها وأبعث لها بعض الإشارات، ومن نظراتي إليها تيقنت من تفاعلها مع تلك النظرات فرحت أتحين الفرصة عندما تنزل إلى البحر للتواصل معها، كنت أغطس وأقترب منها وأسترق النظر تحت الماء إلى ساقيها وفخذيها حتى إنني عرفت لون سروالها الأسود، كان ردفاها مكتنزين وخصرها نحيفاً مع بطنها الذي برز في الماء مشدوداً، كانت بشرتها عند أطراف السروال أكثر اسمراراً من الأعلى وكان لون البحر يضفي عليها زهواً أشبه بلوح الزجاج الذي يعكس بريقه ضوءاً ساطعاً عندما تسقط عليه أشعة الشمس، ظللت ألفّ وأدور حولها حتى انقطعت أنفاسي فخرجت لأجد نفسي بقربها وأفاجأ بنظراتها مسلطة نحوي مع ابتسامة خبيثة تنبئني بأنها كشفت نيتي، ابتعدت لدقائق وانتظرت الفرصة المناسبة وهي تبتعد عن المكان قليلاً لأعاود الغطس حولها من جديدة وفي هذه المرة تجرأت بجسارة ومتعة، فتركت يدي تمسح فخذيها فأسرعت بوضع يدها على يدي محاولة إبعادها برقة ومن دون إصرار فتماديت بترك يدي تتسلل تحت السروال وتمنيت لو أرى لحظتها رد فعلها على وجهها فوق السطح، وحين انتفضت مبتعدة عني خرجت إلى السطح بعد أن كدت أختنق بعد مضي أكثر من دقيقة تحت الماء لأرى وجهاً أسمر البشرة غليظ القسمات يقف بجانبي ويهمس لي مبتسماً بخبث:
- فعلتها يا لئيم؟ ماذا وجدت تحت الماء؟ كيف كان لونه؟!
التقط سمكة ميتة كانت تطفو حولنا وهي بحجم نصف كف اليد وراح يهزها في وجهي مع ابتسامة قذرة تعكس فضوله البغيض، وفيما هو يهم بالابتعاد ردد والسمكة بيده تلمع:
- هل هذا حجمه؟
أخذت أقذفه بالأسماك الميتة واحدة تلو الأخرى وكلما غطس وأخرج رأسه من الماء رحت أقذفه بالمزيد منها حتى لفتَ أنظار بقية الزمرة، ثم فجأة اقترب مني وبدا وجهه مخيفاً وكأنه شبح جنيّ، كان في مثل سني ولكن وجهه اختلف عن وجوه الأطفال، رأيت الوجه لأول مرة وآخر مرة، ولكنه ظل يلاحقني في أحلامي وكثيراً ما كان ينقذني من أخطار محدقة توشك أن تقع لي، ولهذا قصة أخرى سيأتي زمنها، أما هي فقد تسللت تدريجاً نحو سرب الفتيات من غير أن أدرك ما إذا عرفن شيئاً مما جرى تحت سطح الماء، فقد اختلطت الحوادث بسرعة وسط غمرة المتحمسين لجمع الأسماك وبين المشاجرات التي افتعلها بقية الصبية الذين هرعوا لجمع السمك من دون أن يشتركوا معنا في حفلة السم التي أوشكت على الانتهاء، وقد امتلأ سطح البحر بالأسماك التي كانت في أغلبها صغيرة ولا تؤكل وإنما نكتفي بتسميمها وقتلها وتركها تطفو ثم تجرفها التيارات إلى الساحل فتتغذى بها القطط والكلاب وتلفظها الطيور التي كانت تفضلها وهي حية في الماء حيث تنقض عليها وتلتقطها وتحلق بها حيث نشاهد السمك يرقص من الألم قبل أن يسقط في البحر نتفاً وشظايا.
حالما أخلع ملابسي في بداية النهار وأغطس في الماء ينتابني شعور أشبه بالنعاس يتسلل إلى أطراف جسدي ويخدر بشرتي فلا أشعر سوى بالفراغ الداخلي، أنقطع فيه عن العالم الخارجي فأظل أغطس مرات حتى تنتابني قشعريرة تجرفني نحو إحساس مفعم باللذة التي معها أشعر بالانتصاب وأنا في الماء وقد قادني ذلك مرات لأغفو وأجد نفسي بقرب المياه العميقة حيث الخور الذي يفصل بين ساحل المحرق القريب من بيت عبد النور وساحل عراد المطل من الجانب الآخر ويتم الوصول إليه عن طريق العبارات الشراعية الصغيرة، وحدث أن فوجئت بنفسي بعيداً عن زمرة الأصدقاء الذين لا يبالون بمدى انجرافي مع تيارات البحر لثقتهم بقدرتي على السباحة والسيطرة على الموج ولكن الخوف كثيراً ما تملكني حينما كنت أرفع رأسي فوق السطح فأرى البحر من حولي وكاد الساحل يختفي بدوره عن ناظري، كنت أتحد بالموج وأشعر بروح الخوف تندمج مع اللذة التي تستدرجني من الداخل فأسارع في العودة منهكاً ويطبق عليّ النعاس أثناء سيري نحو الدار وفي الليل حينما أغرق بالنوم تتدحرج الأحلام مكثفة من حولي فتنتابني الصور متلاحقة، خليط من الفتيات والأسماك والقوارب التي تسرح بي وسط افتتاني بغموض البحر الذي يحتويني من خلال الأحلام، فترافقني تلك الصور خلال النهار وفي المدرسة وأثناء اللعب وحتى في عزلتي التي تبدأ مع نهاية الليل بعد أن تهاجمني الأفكار وتلعب برأسي صور الفتيات اللواتي أشاهدهن طوال اليوم في الحي ثم تلتصق بي صورهن آخر الليل حينها أبدأ بتصفح بعض المجلات والروايات وغالبيتها لنجيب محفوظ ويوسف السباعي وإحسان عبد القدوس وبعض الروايات الأجنبية المترجمة التي أقوم بشرائها من مكتبة الشعب بالمحرق، كـانت تلك مرحلة لاحقـة بـدأت معها الولـوج إلى عالم القراءة.
- سَعُود.. ماذا فعلت بالفتاة؟ كل اللواتي معها خرجن من الماء إلا هي، يبدو أنها وجدت ما تبحث عنه عندك، هل نمت لك لحية بالأسفل؟
- إن لم تغلق مزبلة فمك النتن فقد....
- فقد ماذا؟ أعرف أنك جبان ولا تستطيع حتى سلق سمكة حولك، هل تظن أنني لم أراقبك وأنت تهرب من الأسماك المترنحة؟
باغتهُ بلكمة من قبضة يدي قبل أن ينهي كلامه، فسقط في الماء وتجاهلت رد فعله وأنا أغادر المكان لأسبح بعيداً باتجاه نقطة أعمق وقد رحت أتطلع نحو فتاتي التي بدت مصدومة من الموقف بعدما تجمهرت بقية الزمرة حوله بين مندهش ومستنكر وربما في هذه اللحظة يحتدم الجدل بينهم كعادتهم كلما وقع حدث إذ يسردون القصص التي تعكس تشوش العلاقة فيما بينهم، كنا دائمي الجدل أيام جمع الأسماك المسممة ونادراً ما نخرج من الماء دون معركة أو شجار بيننا أو مع الصبية الآخرين المتطفلين علينا، لكني في هذا اليوم بالذات لم أعر البقية انتباهاً حيث كاد يغمى عليّ وأنا أسفل الماء في غمرة انبهاري بتضاريس الجسد النحيف المكتنز الأطراف الذي رحت أختزن تفاصيله في ذاكرتي لأستعيد تصوير المشهد في خيالي قبل النوم لأنهي ما بدأته في الواقع بحلم أستدرجه كعادتي حينما أعصر الخيال وأدمجه بالوهم ليتحول إلى حلم كامل التفاصيل كما تصورته. ولخشيتي من فقدان هذه القدرة السحرية على الحلم بما أريد أن أحلم به قبل النوم، لم أطلع أيّاً من أفراد أسرتي أو أصحابي على هذه الميزة الحسية، لا أصدق نفسي بامتلاك هذه المعجزة التي أستمدها من صلاتي السرية التي لا أتلو فيها أيّاً من شعائر الصلاة المعتادة التي لم أحفظ ولم يلقنني أحد قواعد أدائها فقد كنت أغلق الباب خلفي أثناء نوم الجميع وأتلو الصلاة التي أدعو فيها الله أن يلبي أحلامي التي كانت بحجم أفكاري ورغباتي وأنا في سن الثالثة عشرة.
في هذا اليوم الذي حشرت فيه يدي أسفل فاطمة تحت الماء لم يطرف لي جفن أثناء الليل إذ ظللت في الفراش أتطلع إلى سقف الغرفة بينما غطت والدتي بنوم عميق حتى إنني لم أسمع ليلتها شخيرها الذي طالما دفعني إلى الجنون قبل النوم فأهرب إلى فناء الدار لأنام مع شقيقي الأكبر الذي اعتاد خلال فصل الصيف النوم بالفناء على سرير خشبي فيما كنت أنا أفترش الأرض فوق سجادة قديمة أغطيها بملاءة وأترك رذاذ الرطوبة ينهمر عليّ من دون إحساس بالتعب أو الخمول. كنت هذه الليلة مشوشاً بين النوم بالداخل وتحمُّل صوت شخير الوالدة وبين النوم بالخارج مما يحرمني من الحلم ومداعبة عضوي الصغير الذي كنت دائم التحسس له للتأكد من أنه يكبر كل يوم، كان يشغلني حجمه منذ بدأت أعي اللذة التي تفجرت منذ ملامستي له طوال الوقت حتى بلغت الذروة وأنا أداعبه مستخدماً الزيت. من يومها عرفت الاستمناء الذي استمر معي حتى الزواج والإنجاب وإلى اللحظة التي صنعت فيها الملايين واستحوذت على كل أنواع النساء من صديقات وعشيقات وعاهرات، كانت تلك العادة ترافقني متحدة بالخيال الجامح الذي تثيره فيّ النساء من مختلف الجنسيات وعلى الرغم من السنين التي انقضت على حادثة البحر مع فاطمة إلا أن تلك الومضة لا تزال تسطع كشهاب جانح بذاكرتي. كلما مر بي شريط أحداث تلك المرحلة من حياتي، التي كنت مأخوذاً بنزق الطفولة والمراهقة وأحداثها المتهورة حيث كانت الحدود مفتوحة على العوالم المجنونة والصخب الذي لم يجعلنا نفرق بين الجسارة والخطر. كنت أتصرف بوحي من غرائزي التي كادت تقودني مرات عديدة إلى حتفي ولكنها سَرعت من نضج الرجولة، لم أكن يومها شديد الارتياب واكتفى عقلي الباطن بتحريك شغفي بأجساد الفتيات اللواتي يصادف أن يغطسن في البحر وترتفع ملابسهن إلى الأعلى فتبدو تلك الأجساد الصغيرة النحيفة طرية كزغب مياه البحر الصافي تترقرق موجاته على السطح فتبعث فينا شغفاً مشوباً باللذة من غير أن ندرك حينها أنه الوله بالدنيا البسيطة التي تشبه هذا البحر العفوي الذي لا يمر يوم من دون أن نخوض لجته أو تبهرنا موجاته عند المد فتعلق نسماته الباردة بأجسادنا ويتفاعل هذا الوميض مع تعب النهار ليظهر خلال النوم بالليل على هيئة أحلام جوهرها البحر والأسماك الميتة وفتيات الحي. كانت أحلامي حيناً شفافة رقيقة كنسيم البحر بصباح يوم جمعة يحتوينا حضنه بطعم الملح، وحيناً آخر كوابيس تجرفنا مع الأعشاب والطحالب الخضراء القاتمة، وكثيراً ما كان البحر يبتلعني لأجد جسدي ينزلق إلى القاع فتغمرني طبقات الطين الأسود ولا ينتزعني من هذا الكابوس سوى الفزع الذي يوقظني من نومي مبللاً بالعرق في الصيف أو تمدد شعرات جسدي من البرد بالشتاء فأبحث حولي للتأكد من أنني خارج البحر.
ما زالت أسماك ذاك النهار البارد مع هبوب رياح الخريف تفوح رائحتها وتتغلغل بأنفاسي لولا طيف جسد فاطمة عليّ يهيم بي وينفذ بأعماقي كأنه قضيب ساخن ينزلق على قلبي ويسرع بدقاته المتلاحقة حتى أكاد أختنق كما لو كنت بأسفل الماء حتى هذه اللحظة.
بعد أيام من ذاك الصباح التقيتها صدفة في غرفة عين الماء العذبة على الساحل المطل على البحر التي كنا نغتسل فيها بعد خروجنا من البحر. كانت عين الماء ذات قسمين واحد للرجال والآخر للنساء ويحدث أن نتسلل إلى جهة النساء أو نسقط على الأرض بأجسادنا ثم نتلصص من فتحة صغيرة بالأسفل تطل على القسم الآخر ولكثرة الشجارات التي حدثت بسبب هذا السلوك من جانبنا راحت الفتيات والنساء يحشرن قطعة ملابس أثناء الاغتسال بتلك الثغرة فنقوم بدورنا بنزعها لتنطلق الشتائم من الطرف الآخر. في ذاك المساء وقبل أذان المساء التقيتها عند واجهة عين الماء وكانت برفقة شقيقتها الكبرى فأخذت باللف والدوران حول المكان طوال الوقت، فيما كانت تتسلل من وقت لآخر ونتبادل النظرات والابتسامات الخجولة من جانبها، فأخذت ببعث إشارات من يدي بقصد أن تأتي وحدها إلى المكان، وفيما هي منغمسة في تتبع حركات يدي إذ بصوت شقيقتها يصدح من الجانب الآخر:
- فطوم.. وجع في رأسك.
- ماذا فعلت؟
- تعالي اغسلي أسفل جحرك، لقد مرّ يومان على انتهاء الدورة الشهرية ولم تنظفي، تعالي يا وسخة.
قبل أن أنهي ضحكتي هربت من أمامي لأسمع صوتها الخجل يرد على شقيقتها:
- الله يلعنك يا فضيحة، أنا أنظف منكِ ومن كل الذين أنجبوكِ لو تعلمين.
- جحرك.
كانت تلك الكلمة كافية لإثارة غرائزي وفي الوقت ذاته بعثت فيّ موجة من الضحك المكتوم وأنا أتخيل وجه فاطمة التي سحرتني وقد تضرج وجهها بحمرة الخجل لعلمها بأنني أستمع إلى صوت شقيقتها، وعند هذا الحد حاولت التسلل بعيداً عن المكان لكي لا أسبب لها المزيد من الإحراج، وما كدت أبتعد عن المكان حتى فوجئت بأحد الجيران وقد تدحرج بفضوله المسكون بهاجس التجسس على سكان الحي برمته يستوقفني ويبادرني بالسؤال:
- سنذهب إلى السينما، تعال معنا ومعك خمس روبيات للعشاء والسجائر.
- لا أملك المبلغ.
تعمدت التعلل بالإفلاس لأظل أحوم بالحي منتظراً فرصة التحدث مع فاطمة علي التي شعرت بأن هذا النهار منذ بدايته في البحر وهذا المساء بسكونه، منحني كل ما أريد بعد طول انتظار وسيكون يوم سعدي لو رأيتها مرة أخرى وهذا ما زاد من شغفي بها وتضاعف فرحي خبر نية زمرة الأصدقاء الانسحاب من الحي إلى السينما مما سيترك المحيط هادئاً عن مشاغباتهم التي ستهيئ مناخ ملاحقتها لأستكمل وله النهار بها إثر مشاكسات البحر. عندما كتب لي لقاؤها مرة أخرى قبل مغيب الشمس بمحاذاة خباز الحي الواقع على طريق مرتفع ضيق، فوجئت بها وقد غيرت تسريحتها عن فترة الصباح والظهيرة، كانت تسير وحدها بخطوات بطيئة ناعسة، هكذا بدت لي حينما التفتت خلفها بعينين واسعتين سوداوين، لتفاجأ بي أتبعها فأسرعت الخطى بفستانها الحريري الأصفر وقد ضاق على جسدها النحيف وأظهر تضاريس ردفيها الممشوقين، وكانت تنتعل حذاءً أسود خفيفاً ساعد على رشاقة سيرها على الأرض الترابية رغم ما بدا عليها من توتر اجتاحها لحظة مروري حولها متجاوزاً إياها لألتفت نحوها مبتسماً محاولاً اكتشاف رد فعلها بعدما فعلتهُ بها ظهيرة اليوم في الماء.
- ألا تخاف؟
لم أدرك ما عنته، فخففت من خطواتي متحيناً خلو الطريق من المارة لأسألها بصوت مرتجف يكتنفه قلق عرّى شغفي بها وكشف عن تعلقي بها.
- أموووت بكِ فطوم..
- استح.
- سمرتكِ تقتلني..
انطلقت منها ضحكة رشيقة كمشيتها وفاح منها عطر نفاذ عرفت من لحظتها أنه العطر ذاته الذي تضعه والدتي فأدركت أنه يخص والدتها، لم أكن أطيق هذه الرائحة التي اعتدت أن أتنفسها كل ظهيرة جمعة بعد الصلاة حين ترشها أمي عليها قبل جولتها على منازل شقيقاتها، عرفت أول كذبة لي معها حين جاملتها بقولي:
- رائحتك جميلة فطّوم..
- أعجبتني عندما لكمت صديقك في البحر..
- لم يكن صديقي..
فجأة ظهر عمها أمامي كهرم من الخوف يمشي وقد كادت تنفطر الأرض وتبتلعني، فيما كادت هي تسقط وتتعثر قبل أن يبادرها بالكلام:
- فطّوم..
1968
اقتحم شهر نوفمبر مع ولوج طالع الزبنا وهو عقرب منعطف يحل قبل فصل الشتاء مع آخر نجوم الوسمي مصحوباً برذاذ المطر وبوادر عواصف مباغتة حين شد فيه بوعلي الهوى رحاله إلى البر بحثاً عن الكمأة «الفقع» بعدما تشبع من تسكعه مشياً على امتداد ضفاف ساحل المحرق المحاذي لمرسى السفن منتظراً مراكب أصدقائه البحارة على ظهر تلك السفن لتبدأ لقاءاتهم في المقاهي، كان بوعلي الهوى متعلقاً بالبحر وبالطقس واعتاد الاثنين، كما اعتاد غياب زمرة أصدقائه لثلاثة أو أربعة أيام من الأسبوع وهي الرحلة التي تستغرقها جولة الصيد البحرية على متن السفينة «البانوش الوكري»وقد سمي بالوكري تيمناً بطائر الصقر الجارح.
كان البحر حياة بوعلي الهوى تشاطره شقيقته عائشة التي تعيش حياة تعيسة ملؤها الوحدة والعزلة مع زوج عاطل مثله مثل النجمة في ليلة غائمة، وكان البر طرف العلاقة الثلاثي يظهر ويغيب بحسب المواسم، وعبر السنين التي مرت من عمر المحرق تربع الهوى على قمة مرتادي البحر المحترفين من صيادي السمك وهم خليط من العمانيين والبحرانيين الذين دأبوا في ركوب سفن الصيد من ميناء المحرق القديم «الفرضة» الواقع بمواجهة رصيف الشحن المواجه لمبنى البلدية، يقابله مقهى عبد القادر الشعبي المحاذي لسلسلة المطاعم الفقيرة ومن بينها مطعم عبده المنحدر من جنوب اليمن.
كان بوعلي أحد مالكي السفن وليس مالكها، فهي تعود إلى أحد ملّاك السفن من تجار المحرق وقد درجت هذه السفينة على الإبحار بكل الاتجاهات وهي تغيب عن اليابسة لثلاثة أو خمسة أيام من الأسبوع لتعود محملة صناديقها الكبيرة بمئات الأرطال من الأسماك المختلفة لتنزل إلى السوق باليوم التالي ويتم توزيع ريع البيع باليوم الذي يليه بنصف الغلة للمالك والنصف الآخر يوزع حصصاً متساوية على بقية البحارة، كانت شقيقته تنتظر على الساحل عودته من البحر لتحظى بمبلغ زهيد تبدأ معه رحلة من المتعة مع أسواق المحرق كأسواق السمك والخضار والملابس، كانت تعرف سوق المحرق ومقاهي المدينة من نقطة مركز شرطة المحرق الذي يجاوره مقهى شعبي ويقابله مبنى البلدية.