صفحة 1
إيضاح وتقديم
لم أحاول أبداً ابتكار طريقة جديدة في كتابة الشعر، ولكني تعمّدتُ المشيَ كتابةً عبرَ كلِّ الطرقات المؤدية إلى القصيدة والشعر.. بخاصةٍ في هذين الديوانين:
1- الخروج من المرآة (الصادر في طبعته الأولى عام 1997عن النادي الأدبي بالرياض)
2- التداخلات (الصادر في طبعته الأولى مطلع العام 1999عن مؤسسة إصدارات النخيل)
وقد جمعتهماً معاً في هذه الطبعة الجديدة، الصادرة عن دار الفارابي ببيروت، لأنهما يشكلان تجربة واحدة تدفَّقَ معظمُها في مرحلة (منتصف التسعينيات الميلادية) قبل أن تأخذ شكلها المستقرَّ في دواويني الأخرى..
حاولتُ أن أقتطفَ بعض السطور من مقالاتٍ ودراساتٍ وقراءاتٍ كثيرة تناولتْ هذين الديوانين، ولكن -للطرافة والأسف- كنتُ أحتفظ بمعظم تلك المواد مصوّرة ومرسلة لي بالفاكس (لصعوبة تنقّل المطبوعات العربية في وقتها!) وفوجئتُ الآن أنّ (درزينة السنين) حوّلتْ ورق الفاكس (الكربونيّ الناعم) إلى اللون الأسود الفاحم!
فاكتفيتُ هنا بمقتطفات مما عثرتُ عليه محفوظاً في مصادره، باستثناء مقالة معالي الدكتور غازي القصيبي، التي وضعتها كاملة، لما تمثله من قيمة خاصة كنتُ أحتاجها في تلك المرحلة.. ثم لأنها كانت قصيرة ومعبّرة..
مع اعتزازي بكل الكتابات التي تناولت هذين الديوانين في طبعتيهما الأولى، وتقديري لكلّ ما ستسفر عنه هذه الطبعة الجديدة التي تضمّ الديوانين في كتابٍ واحد.
بقي أن أشير، بشكل خاطف، إلى أشياء قد تكون لها أهميتها عند بعض المتابعين:
إنني لستُ راضياً كلّ الرضا عن بعض القصائد في هذين الديوانين، ولكني لم أجد مبرراً لاستبعاد أيّ نص.. فكلما تذكرتُ قناعاتي حين كنتُ في منتصف العشرينات من عمري خجلتُ من استخدام المقص وممارسة الوصاية على مرحلةٍ من تجربتي متعالياً عليها بعد أن وصلَ بي العمرُ إلى الأربعين!
لذا تركتُ كلّ شيءٍ على حاله؛ وقد تأخرتُ كثيراً في إصدار هذه الطبعة الجديدة.. فالطبعة الأولى من الديوانين قد نفدتا تماماً منذ عدة سنين، حتى أن كثيراً من الدارسين والباحثين والقراء أحرجوني بطلب النسختين الوحيدتين اللتين حرصتُ على الاحتفاظ بهما.. فلولاهما لما استطعتُ أن أعمل على هذا الإصدار..!
كذلك فقد كانت لي (في فترة منتصف التسعينيات الميلادية) قصائد أخرى كثيرة منشورة في الصحف والمجلات، ولستُ أذكر الآن لماذا لم أضمها إلى أيٍّ من هذين الديوانين.. غير أني، وللسبب نفسه الذي منعني عن حذف أيّ نصّ، امتنعتُ كذلك عن إضافة ما لم تتضمنه الطبعة الأولى..
ختاماً أقول: هي فرصة انتهزتها الآن، بعد صدور ديواني الأخير (شربنا من الكون حتى العدم) -عن الفارابي أيضاً- لأضع بين يديْ كلّ مهتمٍ بالشعر العربيّ عموماً، وبالتجربة الشعرية في السعودية خصوصاً، وبتجربتي أنا على الأخص.. هذا الكتاب الذي شكّلتْ قصائدهُ الأساسَ الذي بنيتُ عليه تجربتي التي امتدّتْ.. وتفرّعتْ.. حتى سلبتني ما مضى من عمري، و(تكاد!) تسلبني ما تبقّى..
فيصل أكرم
أبريل 2009
الخروج من المرآة
لم أحاول أبداً ابتكار طريقة جديدة في كتابة الشعر، ولكني تعمّدتُ المشيَ كتابةً عبرَ كلِّ الطرقات المؤدية إلى القصيدة والشعر.. بخاصةٍ في هذين الديوانين:
1- الخروج من المرآة (الصادر في طبعته الأولى عام 1997عن النادي الأدبي بالرياض)
2- التداخلات (الصادر في طبعته الأولى مطلع العام 1999عن مؤسسة إصدارات النخيل)
وقد جمعتهماً معاً في هذه الطبعة الجديدة، الصادرة عن دار الفارابي ببيروت، لأنهما يشكلان تجربة واحدة تدفَّقَ معظمُها في مرحلة (منتصف التسعينيات الميلادية) قبل أن تأخذ شكلها المستقرَّ في دواويني الأخرى..
حاولتُ أن أقتطفَ بعض السطور من مقالاتٍ ودراساتٍ وقراءاتٍ كثيرة تناولتْ هذين الديوانين، ولكن -للطرافة والأسف- كنتُ أحتفظ بمعظم تلك المواد مصوّرة ومرسلة لي بالفاكس (لصعوبة تنقّل المطبوعات العربية في وقتها!) وفوجئتُ الآن أنّ (درزينة السنين) حوّلتْ ورق الفاكس (الكربونيّ الناعم) إلى اللون الأسود الفاحم!
فاكتفيتُ هنا بمقتطفات مما عثرتُ عليه محفوظاً في مصادره، باستثناء مقالة معالي الدكتور غازي القصيبي، التي وضعتها كاملة، لما تمثله من قيمة خاصة كنتُ أحتاجها في تلك المرحلة.. ثم لأنها كانت قصيرة ومعبّرة..
مع اعتزازي بكل الكتابات التي تناولت هذين الديوانين في طبعتيهما الأولى، وتقديري لكلّ ما ستسفر عنه هذه الطبعة الجديدة التي تضمّ الديوانين في كتابٍ واحد.
بقي أن أشير، بشكل خاطف، إلى أشياء قد تكون لها أهميتها عند بعض المتابعين:
إنني لستُ راضياً كلّ الرضا عن بعض القصائد في هذين الديوانين، ولكني لم أجد مبرراً لاستبعاد أيّ نص.. فكلما تذكرتُ قناعاتي حين كنتُ في منتصف العشرينات من عمري خجلتُ من استخدام المقص وممارسة الوصاية على مرحلةٍ من تجربتي متعالياً عليها بعد أن وصلَ بي العمرُ إلى الأربعين!
لذا تركتُ كلّ شيءٍ على حاله؛ وقد تأخرتُ كثيراً في إصدار هذه الطبعة الجديدة.. فالطبعة الأولى من الديوانين قد نفدتا تماماً منذ عدة سنين، حتى أن كثيراً من الدارسين والباحثين والقراء أحرجوني بطلب النسختين الوحيدتين اللتين حرصتُ على الاحتفاظ بهما.. فلولاهما لما استطعتُ أن أعمل على هذا الإصدار..!
كذلك فقد كانت لي (في فترة منتصف التسعينيات الميلادية) قصائد أخرى كثيرة منشورة في الصحف والمجلات، ولستُ أذكر الآن لماذا لم أضمها إلى أيٍّ من هذين الديوانين.. غير أني، وللسبب نفسه الذي منعني عن حذف أيّ نصّ، امتنعتُ كذلك عن إضافة ما لم تتضمنه الطبعة الأولى..
ختاماً أقول: هي فرصة انتهزتها الآن، بعد صدور ديواني الأخير (شربنا من الكون حتى العدم) -عن الفارابي أيضاً- لأضع بين يديْ كلّ مهتمٍ بالشعر العربيّ عموماً، وبالتجربة الشعرية في السعودية خصوصاً، وبتجربتي أنا على الأخص.. هذا الكتاب الذي شكّلتْ قصائدهُ الأساسَ الذي بنيتُ عليه تجربتي التي امتدّتْ.. وتفرّعتْ.. حتى سلبتني ما مضى من عمري، و(تكاد!) تسلبني ما تبقّى..
فيصل أكرم
أبريل 2009
الخروج من المرآة
صفحة 2
مقالة/ د. غازي القصيبي
صوت من الخليج: "الخروج من المرآة" (1)
في لقاء مع مجلة "الفيصل" الغراء، سألني أحد القراء الكرام إذا كان بوسعي أن أحكم على الشعر دون أن أعرف قائله؟
وقلت: إنني لا أستطيع أن أحكم على شعر كهذا فحسب، بل أفضّل، عند الحكم على شعر، ألاّ أعرف قائله!
........
وهذا شاعرٌ لا أعرفه..
ولا أظنه يعرفني..
اسمه/ فيصل أكرم
أصدر ديواناً اسمه "الخروج من المرآة"
شاعر مجهول (لديّ)
وعنوان مثير جداً..
***
كيف يخرج المرء من المرآة؟
إذا كانت المرآة تعكس نفس الإنسان.. فالخروج منها يعني الخروج من النفس..
وإذا كانت المرآة تعكس صورة الإنسان.. فالخروج منها يعني التحرر من الصورة..
وإذا كانت المرآة تقلب اليمين إلى اليسار، والعكس، فالخروج منها يعني الانعتاق من الوهم..
كل هذا وارد..
وقد يكون هذا كله خطأ..
***
في قصيدة "الخروج من المرآة" يوضّح شاعرنا.. ولا يوضّح..!
يتحدّث عن دمعة طفرت من المرآة..
وعن تواريخ التحوّل في المرآة..
وعن سؤال عن الضريح في المرآة..
وعن حكاية حبه الأولى في المرآة..
وكيف خرج شاعرنا من هذا كله..؟
الخروج من المرآة يعني، إذن، الخروج من الأيام الماضية بشرّها وخيرها..
والشاعر أعلم بمراده مني!
***
على أن معنى العنوان لا يهمني كثيراً..
يهمني أني عثرت بين حنايا الديوان على كثير من الشعر الحقيقي..
سبق أن قلت في موضع آخر أن الشعر الحقيقي هو ما تلمح فيه نفسك.. نفسك أنت!
وقد لمحت نفسي في أكثر من موضع في هذا الديوان..
رأيت وجع شبابي المودّع وأنا أقرأ هذا المقطع:
"هي لحظةٌ في العمر ندرك أنها ليست لنا..
لكننا نغفو قليلاً في براءات الطفولة، يا بدايات التفتح - طلسم الحلم المبكّر- عضّة الشفة الرطيبة، يا نوافير الفراش، ويا مناجاة النجوم: لقد مررنا..
أو لقد مرّ الزمانُ وما درينا؟!.."
قال أبو يارا: الاثنان معاً:
مررنا..
ومرّ الزمانُ وما درينا..
وذبلت الشفاه الرطيبة التي كانت تعض!
***
وشعرت بوجع الكهولة وأنا أقرأ:
"لقد مات فصلُ الربيع وماتت
عصافير كانت تضمّ الهواء
فهل يصلح الصيفُ ما أفسدته
رياحُ الخريفِ وبردُ الشتاء؟.."
قال أبو يارا:
لا يصلح الصيف ما أفسد الدهر، ولا العطار..!
***
صوت من الخليج: "الخروج من المرآة" (1)
في لقاء مع مجلة "الفيصل" الغراء، سألني أحد القراء الكرام إذا كان بوسعي أن أحكم على الشعر دون أن أعرف قائله؟
وقلت: إنني لا أستطيع أن أحكم على شعر كهذا فحسب، بل أفضّل، عند الحكم على شعر، ألاّ أعرف قائله!
........
وهذا شاعرٌ لا أعرفه..
ولا أظنه يعرفني..
اسمه/ فيصل أكرم
أصدر ديواناً اسمه "الخروج من المرآة"
شاعر مجهول (لديّ)
وعنوان مثير جداً..
***
كيف يخرج المرء من المرآة؟
إذا كانت المرآة تعكس نفس الإنسان.. فالخروج منها يعني الخروج من النفس..
وإذا كانت المرآة تعكس صورة الإنسان.. فالخروج منها يعني التحرر من الصورة..
وإذا كانت المرآة تقلب اليمين إلى اليسار، والعكس، فالخروج منها يعني الانعتاق من الوهم..
كل هذا وارد..
وقد يكون هذا كله خطأ..
***
في قصيدة "الخروج من المرآة" يوضّح شاعرنا.. ولا يوضّح..!
يتحدّث عن دمعة طفرت من المرآة..
وعن تواريخ التحوّل في المرآة..
وعن سؤال عن الضريح في المرآة..
وعن حكاية حبه الأولى في المرآة..
وكيف خرج شاعرنا من هذا كله..؟
الخروج من المرآة يعني، إذن، الخروج من الأيام الماضية بشرّها وخيرها..
والشاعر أعلم بمراده مني!
***
على أن معنى العنوان لا يهمني كثيراً..
يهمني أني عثرت بين حنايا الديوان على كثير من الشعر الحقيقي..
سبق أن قلت في موضع آخر أن الشعر الحقيقي هو ما تلمح فيه نفسك.. نفسك أنت!
وقد لمحت نفسي في أكثر من موضع في هذا الديوان..
رأيت وجع شبابي المودّع وأنا أقرأ هذا المقطع:
"هي لحظةٌ في العمر ندرك أنها ليست لنا..
لكننا نغفو قليلاً في براءات الطفولة، يا بدايات التفتح - طلسم الحلم المبكّر- عضّة الشفة الرطيبة، يا نوافير الفراش، ويا مناجاة النجوم: لقد مررنا..
أو لقد مرّ الزمانُ وما درينا؟!.."
قال أبو يارا: الاثنان معاً:
مررنا..
ومرّ الزمانُ وما درينا..
وذبلت الشفاه الرطيبة التي كانت تعض!
***
وشعرت بوجع الكهولة وأنا أقرأ:
"لقد مات فصلُ الربيع وماتت
عصافير كانت تضمّ الهواء
فهل يصلح الصيفُ ما أفسدته
رياحُ الخريفِ وبردُ الشتاء؟.."
قال أبو يارا:
لا يصلح الصيف ما أفسد الدهر، ولا العطار..!
***
صفحة 3
وأحسست أن الشاعر يعبر عن تعبي أنا وهو يقول:
".. أنا كتبتُ الشعرَ إيقاعاً يهزّ الأرضَ
لكنّي تعبتُ من الغناء،
تعبتُ من خيلٍ تسيرُ إلى الوراء،
تعبتُ من سفرٍ طويلٍ.. كلّه شجرٌ
ولكنّ الفروعَ ملطخاتٌ بالدماء..
أأنا تعبتُ؟!
أنا خُلقتُ لكي أموتَ من التعب!.."
قال أبو يارا:
الأمر كذلك.. والموت تعباً أفضل -بمراحل- من الموت كمداً!
***
وبعد يا صديقي المجهول..
أحسبك لخّصتَ حياتي كلها حين قلت:
"لقد كان في قبضتي سيفُ أمٍّ أتت كي تموتْ
وأهدتني السيفَ قبلَ السكوتْ
فأسلمْتهُ عمقَ صدرِ السراب،
وصافحتُ وهمي..
وغازلتُ كلّ الزوايا بسهمي،
إلى أن تبخّرتُ حبراً..
على برزخٍ بين صوتٍ وصوت.."
***
هذا باختصار ما حدث لي أنا عندما خرجت من مرآتي:
تبخّرتُ حبراً!
فعسى أن يمطر حبري وحبرك يا صديقي
قطرات من شعر!
مقتطف من دراسة/ د. محمد صالح الشنطي
التجربة الذاتية والتجربة الكيانية (2)
عند (فيصل أكرم)
من دواوين فيصل أكرم الخمسة: قصيدة الأفراد، ومن قبله الخروج من المرآة، التداخلات، مقدمة الكتاب الأخير، آتٍ من الوادي، الصوت الشارع.. تبرز الذات في مواجهة العالم وحيدة.. فالشاعر منشغل بها في احتدامه الداخلي، ولكنه مهموم بالآخر (الوطن - المرحلة والمصير) في تشكيل قريب يلوذ بالصور الكونية في خصوصيتها كمكافئ جمالي للتجربة بآفاقها الذاتية والعامة، ثم بالتقرير الكنائي الذي يبدو قريباً من البوح الخاص الذي يلامس رومانسية كرؤية في حزنها ويأسها وإحباطاتها، فهو يقول:
إلى عالمٍ من فراغٍ..؟
كفى،
قد مللنا الحوار العقيمَ
مللنا السذاجات..
كنا نسيرُ على مهلنا
والطواويس تختال في جرحنا
أيّ وجهٍ سينقع في رملنا؟
.......
(الذات/ المرآة)
في القصيدة الرئيسية (الخروج من المرآة) تتجسد هذه الرؤية الذاتية المعبرة عن الإحباط، فالمرآة هنا هي الذات في عريها وتجردها، فالذات الشاعرة تتأمل نفسها وتحاورها، ولكن المرآة هنا لا تعكس الوجه الظاهر بل تتمثل فيها الأعماق والتاريخ في تجلياته وتحولاته، إنها التجربة الكيانية بكل معطياتها، فالمرآة حيلة فنية يلجأ إليها الشاعر ليستبطن ذاته:
في صورةٍ طُبعتْ على المرآة..
كنتُ أرى تواريخ التحوّل، من سكون الواجباتِ
إلى مفازات السؤال..
وهو إذ يبصر ماضيه في عذريته وطهره وبراءته يتوق إلى الطفولة، إلى الأمس.. ولكنه يضطر إلى مغادرة المرآة التي تعكس الأمس في نقائه إلى حاضر تتجسد فيه الأزمة، فالقصيدة التي تقع في ثلاثة مقاطع تتحول فيها الذات من إظلام الرؤية وإحكام الأغنية إلى تواريخ التحول إلى البراءة الأولى.. حيث التطور معكوس من الحاضر إلى الماضي.. في تحولاته القريبة إلى الطفولة البكر، ثم الخروج النهائي من هذا العري.. فالقصيدة جمالياً مترابطة، ورؤيوياً متطورة تنتهي إلى رصيف الاعتراف باليأس..
.......
".. أنا كتبتُ الشعرَ إيقاعاً يهزّ الأرضَ
لكنّي تعبتُ من الغناء،
تعبتُ من خيلٍ تسيرُ إلى الوراء،
تعبتُ من سفرٍ طويلٍ.. كلّه شجرٌ
ولكنّ الفروعَ ملطخاتٌ بالدماء..
أأنا تعبتُ؟!
أنا خُلقتُ لكي أموتَ من التعب!.."
قال أبو يارا:
الأمر كذلك.. والموت تعباً أفضل -بمراحل- من الموت كمداً!
***
وبعد يا صديقي المجهول..
أحسبك لخّصتَ حياتي كلها حين قلت:
"لقد كان في قبضتي سيفُ أمٍّ أتت كي تموتْ
وأهدتني السيفَ قبلَ السكوتْ
فأسلمْتهُ عمقَ صدرِ السراب،
وصافحتُ وهمي..
وغازلتُ كلّ الزوايا بسهمي،
إلى أن تبخّرتُ حبراً..
على برزخٍ بين صوتٍ وصوت.."
***
هذا باختصار ما حدث لي أنا عندما خرجت من مرآتي:
تبخّرتُ حبراً!
فعسى أن يمطر حبري وحبرك يا صديقي
قطرات من شعر!
مقتطف من دراسة/ د. محمد صالح الشنطي
التجربة الذاتية والتجربة الكيانية (2)
عند (فيصل أكرم)
من دواوين فيصل أكرم الخمسة: قصيدة الأفراد، ومن قبله الخروج من المرآة، التداخلات، مقدمة الكتاب الأخير، آتٍ من الوادي، الصوت الشارع.. تبرز الذات في مواجهة العالم وحيدة.. فالشاعر منشغل بها في احتدامه الداخلي، ولكنه مهموم بالآخر (الوطن - المرحلة والمصير) في تشكيل قريب يلوذ بالصور الكونية في خصوصيتها كمكافئ جمالي للتجربة بآفاقها الذاتية والعامة، ثم بالتقرير الكنائي الذي يبدو قريباً من البوح الخاص الذي يلامس رومانسية كرؤية في حزنها ويأسها وإحباطاتها، فهو يقول:
إلى عالمٍ من فراغٍ..؟
كفى،
قد مللنا الحوار العقيمَ
مللنا السذاجات..
كنا نسيرُ على مهلنا
والطواويس تختال في جرحنا
أيّ وجهٍ سينقع في رملنا؟
.......
(الذات/ المرآة)
في القصيدة الرئيسية (الخروج من المرآة) تتجسد هذه الرؤية الذاتية المعبرة عن الإحباط، فالمرآة هنا هي الذات في عريها وتجردها، فالذات الشاعرة تتأمل نفسها وتحاورها، ولكن المرآة هنا لا تعكس الوجه الظاهر بل تتمثل فيها الأعماق والتاريخ في تجلياته وتحولاته، إنها التجربة الكيانية بكل معطياتها، فالمرآة حيلة فنية يلجأ إليها الشاعر ليستبطن ذاته:
في صورةٍ طُبعتْ على المرآة..
كنتُ أرى تواريخ التحوّل، من سكون الواجباتِ
إلى مفازات السؤال..
وهو إذ يبصر ماضيه في عذريته وطهره وبراءته يتوق إلى الطفولة، إلى الأمس.. ولكنه يضطر إلى مغادرة المرآة التي تعكس الأمس في نقائه إلى حاضر تتجسد فيه الأزمة، فالقصيدة التي تقع في ثلاثة مقاطع تتحول فيها الذات من إظلام الرؤية وإحكام الأغنية إلى تواريخ التحول إلى البراءة الأولى.. حيث التطور معكوس من الحاضر إلى الماضي.. في تحولاته القريبة إلى الطفولة البكر، ثم الخروج النهائي من هذا العري.. فالقصيدة جمالياً مترابطة، ورؤيوياً متطورة تنتهي إلى رصيف الاعتراف باليأس..
.......
صفحة 4
مقتطفات مما نُشر عن (الخروج من المرآة)
الخروج من المرآة ألا تراها.. وألا تراك.. وهنا تبرز عدمية الصورة وضبابيتها.. وما أخال الشاعر فيصل أكرم يعني المرآة الزجاجية.. ولا البلورية.. وانما المرآة الحسية داخل النفس التي تقيس الأبعاد.. وتحدد مفاصل وفواصل الروح الإنسانية داخل الكيان البشري.. مرآة شاعرنا ليست منظورة، إلا أنها بالقطع تملك لاقطة دونها لاقطة التلسكوب، والمجهر.. لأنها تحدد الخيوط، والزوايا، والانفعالات، والافتعالات.. بل والنوايا الغامضة التي لم تترجم بعد كأدوات حركة مستقبلية قابلة أو غير قابلة للحياة.. من هذا المنظور، ومن خلال هذا المنظار نلج معاً مع شاعرنا إلى مرآته التي لا مكان لها في حياته وآثر أن يستبعدها لأنها رافضة.. أو لأنها مرفوضة.. أو لأنها مترددة.. أو لأنها مستنفذة.. الخروج دائماً يفضي إلى المشي.. والمشي يسوق إلى الهرولة.. والهرولة تغري بالجري لمن يملك أقداماً جريئة.. ولمن يملك إقداماً يتحدى الصعاب.. فهل أن شاعرنا تملك في خطواته مقومات الأقدام والإقدام؟! لنرَ!
في منأى عن وعورة الصخر.. اختار أن يجري بين الرمل والشمس.. كي يغتسل بالضوء.. ويتوضأ بنعومة الرمل، وهو خيار مُغرٍ في حد ذاته..
..........
شاعرنا الموهوب فيصل أكرم طوّع مفرداته وأحسن توظيفها.. وأمكن له باقتدار أن يرسم لوحات شعرية تنبض بالحياة، وبالايحاء..
..........
سعد البواردي - الرياضجريدة الجزيرة 1997
.. ولعل هذا الفجر العبقري هو الذي نشر ضياءه الكاسح على كل ما كان مظلماً. من خنادق وفجاج، على الأرض فرد ظلامها ضياء، ورد سوادها بياضاً. وهو الذي سيخضر منه جفن البياض، فيحمر له وجه الرماد:
"سيخضر جفن البياض ويحمر وجه الرماد"
فنحن هنا أمام سمفونية من الألوان المتداخلة المتناسقة طوراً، والمتناشزة المتضاربة طوراً آخر: فمن شفوف المرآة التي كمثل صفحة صقيلة؛ إلى البياض الناصع، الشديد النصوع، الذي ينتشر على الخنادق والفجاج والهضاب والوديان؛ فيكتسحها بضيائه؛ إلى اخضرار جفن البياض، إلى احمرار وجه الرماد. غير ان البياض هو الذي سد القوة اللونية الكاسحة والفاعلة: فالمرآة بياض، والفجر بياض، والبياض المنتشر على الخندق بياض، وجفن البياض بياض؛ فلم يبق معه إلاّ الاخضرار والاحمرار.. وأين لونان من لون واحد لكنه يتكرر أربع مرات، فكأنه بمثابة أربعة ألوان؟! وعلى ان اللون الأخضر الدال على الرخاء والنعيم، يمكن ان يضاف، من الوجهة السيميائية، إلى اللون الأبيض الدال على الأمن والخير، فيتحد معه ويتضافر؛ فلا يبقى إلاّ اللون الأسود الدال على الشقاء والخوف وحده.
وإذا كانت وظيفة البياض هي نشر السعادة، واشاعة السكينة والطمأنينة، فإن السواد يستحيل، لدى نهاية القسم الأول من هذه القصيدة التي نحن بصدد الحديث عنها، وهي: "الجري بين رمل وشمس" إلى أداة تدمير، ومعول اغتيال:
"لفجر يمد البياض على خندق من رماد وبرد
سيخضر جفن البياض ويحمر وجه الرماد
ويفتر نصل السواد إلى لحظة في الغياب
المسائي. يمضي الصباح على ثقة: صدر هذا
السحاب الثقيل سينأى عن الخانعين وهم
يمضغون القشور ويرمون أحلامهم في القبور
ليشتعل الضوء من صحوة الرمل.."
".. هو السر في الحالتين سنبقى مع الرمل نغتاله بالسواد"
كم كنت أود ان أمضي في قراءة هذه القصيدة ذات الشعر الجميل، وصنواتها الثماني عشرة في ديوان (الخروج من المرآة) لولا أني أحرج على احترام المساحة المخصصة في "ثقافة الخميس" من جريدة "الرياض" الغراء، لهذا المقال.
د. عبد الملك مرتاض - الجزائر 1997
الخروج من المرآة ألا تراها.. وألا تراك.. وهنا تبرز عدمية الصورة وضبابيتها.. وما أخال الشاعر فيصل أكرم يعني المرآة الزجاجية.. ولا البلورية.. وانما المرآة الحسية داخل النفس التي تقيس الأبعاد.. وتحدد مفاصل وفواصل الروح الإنسانية داخل الكيان البشري.. مرآة شاعرنا ليست منظورة، إلا أنها بالقطع تملك لاقطة دونها لاقطة التلسكوب، والمجهر.. لأنها تحدد الخيوط، والزوايا، والانفعالات، والافتعالات.. بل والنوايا الغامضة التي لم تترجم بعد كأدوات حركة مستقبلية قابلة أو غير قابلة للحياة.. من هذا المنظور، ومن خلال هذا المنظار نلج معاً مع شاعرنا إلى مرآته التي لا مكان لها في حياته وآثر أن يستبعدها لأنها رافضة.. أو لأنها مرفوضة.. أو لأنها مترددة.. أو لأنها مستنفذة.. الخروج دائماً يفضي إلى المشي.. والمشي يسوق إلى الهرولة.. والهرولة تغري بالجري لمن يملك أقداماً جريئة.. ولمن يملك إقداماً يتحدى الصعاب.. فهل أن شاعرنا تملك في خطواته مقومات الأقدام والإقدام؟! لنرَ!
في منأى عن وعورة الصخر.. اختار أن يجري بين الرمل والشمس.. كي يغتسل بالضوء.. ويتوضأ بنعومة الرمل، وهو خيار مُغرٍ في حد ذاته..
..........
شاعرنا الموهوب فيصل أكرم طوّع مفرداته وأحسن توظيفها.. وأمكن له باقتدار أن يرسم لوحات شعرية تنبض بالحياة، وبالايحاء..
..........
سعد البواردي - الرياضجريدة الجزيرة 1997
.. ولعل هذا الفجر العبقري هو الذي نشر ضياءه الكاسح على كل ما كان مظلماً. من خنادق وفجاج، على الأرض فرد ظلامها ضياء، ورد سوادها بياضاً. وهو الذي سيخضر منه جفن البياض، فيحمر له وجه الرماد:
"سيخضر جفن البياض ويحمر وجه الرماد"
فنحن هنا أمام سمفونية من الألوان المتداخلة المتناسقة طوراً، والمتناشزة المتضاربة طوراً آخر: فمن شفوف المرآة التي كمثل صفحة صقيلة؛ إلى البياض الناصع، الشديد النصوع، الذي ينتشر على الخنادق والفجاج والهضاب والوديان؛ فيكتسحها بضيائه؛ إلى اخضرار جفن البياض، إلى احمرار وجه الرماد. غير ان البياض هو الذي سد القوة اللونية الكاسحة والفاعلة: فالمرآة بياض، والفجر بياض، والبياض المنتشر على الخندق بياض، وجفن البياض بياض؛ فلم يبق معه إلاّ الاخضرار والاحمرار.. وأين لونان من لون واحد لكنه يتكرر أربع مرات، فكأنه بمثابة أربعة ألوان؟! وعلى ان اللون الأخضر الدال على الرخاء والنعيم، يمكن ان يضاف، من الوجهة السيميائية، إلى اللون الأبيض الدال على الأمن والخير، فيتحد معه ويتضافر؛ فلا يبقى إلاّ اللون الأسود الدال على الشقاء والخوف وحده.
وإذا كانت وظيفة البياض هي نشر السعادة، واشاعة السكينة والطمأنينة، فإن السواد يستحيل، لدى نهاية القسم الأول من هذه القصيدة التي نحن بصدد الحديث عنها، وهي: "الجري بين رمل وشمس" إلى أداة تدمير، ومعول اغتيال:
"لفجر يمد البياض على خندق من رماد وبرد
سيخضر جفن البياض ويحمر وجه الرماد
ويفتر نصل السواد إلى لحظة في الغياب
المسائي. يمضي الصباح على ثقة: صدر هذا
السحاب الثقيل سينأى عن الخانعين وهم
يمضغون القشور ويرمون أحلامهم في القبور
ليشتعل الضوء من صحوة الرمل.."
".. هو السر في الحالتين سنبقى مع الرمل نغتاله بالسواد"
كم كنت أود ان أمضي في قراءة هذه القصيدة ذات الشعر الجميل، وصنواتها الثماني عشرة في ديوان (الخروج من المرآة) لولا أني أحرج على احترام المساحة المخصصة في "ثقافة الخميس" من جريدة "الرياض" الغراء، لهذا المقال.
د. عبد الملك مرتاض - الجزائر 1997
صفحة 5
.. وهو في "الخروج من المرآة" استطاع أن يوائم بين شعر التفعيلة وشعر القافية، بل إنه استطاع أن "يمزجهما" مزجاً هو في غاية الإتقان، كما هو الحال في مدخل قصيدته (ترويض على المرآة) ولست أدري كيف استطاع الشاعر المحلّق "فيصل أكرم" أن يخرج من المرآة بظله أو بشخصه أو بهما معاً، ثم يحاول جاهداً أن "يروّض" نفسه ترويضاً يحمل مشقة ظاهرة على الدخول مرة ثانية إلى دائرة مرآته.. أما المزج المتقن فيظهر في مدخله "المموسق":
لا روح في صوتي،
ولا صمتي يقولُ..
وليس لي لحنٌ يذاع
ولا صهيلُ
فكن كما أهوى لكي تبقى معي
لو شئتَ، أو
كن مثلما يهوى الرحيلُ..
وقد جاء "ترويض" الشاعر بعد المدخل لينم عن قدرته الفائقة على مزج اللونين معاً..
......
وها هو في "الخروج" يقول: في دمعةٍ طفرتْ من المرآة كنتُ أخضّب الأجراسَ، أنقعها على حلقي، وأرفعها إليَّ.. ليستفيق الصوتُ من غفواتهِ، أو يستعيد الروحَ في أمواتهِ.. هذا أنا صنمٌ على المرآة مرتعشٌ، ويكفيني من الرؤيا ظلامي.."
......
.. وبعد، فإنني رأيتُ في الميزتين معاً (المواءمة والمزج) أهم ميزات هذه المجموعة، إضافة إلى ما تحمله من ميزات أخرى مثل نصاعة اللغة وسلاسة الأسلوب وعذوبة المعنى ودقة الوصف ووو...
محمد حمد الصويغ - الدمامجريدة اليوم 1997
هو ديوان جديد، يأخذ بتلابيبك ويشدك شداً إليه، بموسيقاه الحادة وإيقاعه الضاغط، وبلغته المجنحة ذات الإيحاءات الدالة، والتي تعبر عن أدق الخلجات النفسية بصورة غير مباشرة تربط بين هذه النفس وبين الأشياء الخارجية برباط سحري، مما يجعل القارئ يستشعر هذه الأشياء دون أن يلمسها أو يراها!
......
ومما لا شك فيه أن المرء إذا نظر من خلف زجاج النافذة فإنه يرى العالم بمن فيه وما فيه، لكنه إذا نظر إلى زجاج المرآة فإنه لا يرى إلا نفسه، رغم أن الزجاج واحد في كلتا الحالتين، لكن طبقة الفضة خلف زجاج المرآة تجعل الرؤية هكذا- في عين الإنسان!
وتلك مشكلة المهمومين، إنهم في غمرة الاستغراق في أمورهم، تنحصر اهتماماتهم في ذواتهم، دون تأمل في أمر الآخرين من حولهم، ودون أن يشاركوا أحداً ممن ارتبطوا بهم، بعض مصاعب الرحلة - وما أكثرها.. من ثم فإنهم بانعدام هذه المشاركة يقعون أسرى حصار نفسي بغيض وقاتل..
من هنا يصبح الخروج من المرآة ضرورياً لمن أدرك أن الشعر تعبير عن المجموع، وبلورة أمينة لما يدور في الكون، وتصوير صادق لتطعات الكل - حتى وإن كان هذا التعبير من خلال الفرد الذي يعاني هموماً تأخذ بخناقه..
وأحسب أن هذا هو ما حمل شاعرنا المجدد فيصل أكرم على الخروج من مرآة الذات المحاصرة بالأنانية، ليعبّر بإيجابية عن واقعنا جميعاً.. وليكون أكثر التحاماً بالموجودات من حوله، أرضاً وبشراً وكائنات.......
بقي أن نشير إلى قدرة الشاعر فيصل أكرم الفنية والعالية في كتابة النص الشعري وتصريف الكلام فيه، حتى ليخيل إلينا أن هذا الشاعر لا يكد ولا يعاني كبقية الشعراء عندما يشرع في إبداع القصيدة، للسهولة البادية، والتي تستعصي على الكثيرين من المجددين، وأيضاً للفكر الذي يسري في ثنايا الكلام يدركه بمجرد أن يمد إليه البال! بينما تعجز عنه الكثرة ممن تراجع الشعر وتبالغ في المراجعة.
كذلك فإن الوزن لدى الشاعر عنصر مؤلف للقصيدة مما يؤكد أنه ينفعل بالإيقاع حين يرد على خاطره أثناء البوح، من هنا فهو يثير انفعالاتنا عند احتضان هذا الطرح الذي يقدمه إلينا في بساطة خارقة، وانسيابية نادرة.. حتى لكأننا شاركنا في خلق هذا الإبداع المتميز..!
يس الفيل - مصرجريدة البلاد 1997
يطلّ فيصل أكرم عبر منشورات النادي الأدبي بالرياض بديوانه (الخروج من المرآة) محتوياً على (18) قصيدة تعتمد على التفعيلة في معظمها وتدخل بعض مقاطعها أبياتاً عمودية كصوت يتقاطع مع النصوص.. مما يؤكّد الاتكاء على الإيقاع الموسيقي الكامن داخل ذات الشاعر الذي انطلق عبر هذا التوجه دون أن تجنح به تجربته إلى الدخول في متاهة أخرى..
جاءت قصائد المجموعة معبرة عن قدرات الشاعر في التعامل الفني (بيتي - مدوّر) ومعطى مختلط بين السطر والتشطير، والعناوين مابين المركّب والبسيط.. إذ غالباً ما كان العنوان هو المفتاح للقصيدة، مثل: الجري بين رمل وشمس - هوامش البيت القديم - أجراس الرمق الأخير - رباط الهشيم - بوابة الغرباء.. وبالرغم من مباشرة العناوين إلا أن شفافيته تلقي بظلالها عليها وتنبئ عن مكنون ومخزون عاطفي يتحرك تجاه الآخر عيونه الحروف والكلمات، وتجيء القصائد المدوّرة كمحك تكتيكي لقدرة الشاعر على التعامل مع لحظة الشعر وآنيته والإمساك بها لوضعها في الإطار الأنسب..
........
سعد الحميدين - الرياضجريدة الرياض 1997
(في كفي اليمنى كفن
وبكفي اليسرى قناع
فبأي كف سوف أحمل جثتي
وبأي مقبرةٍ سأدفن ما يشاع)
مركّب البياض/ كتابة الجمر، تلك مجموعة (الخروج من المرآة) للشاعر فيصل أكرم، تُناغم الفجر والرماد.. لتتجادل مع عتمة اللغة، وظلال العناصر المقتربة من إشعاعها الشعريّ المنساب بين الصور الجانحة حينا عن المألوف، والقابلة لتأويلات محتملة ناتجة عن تزاوج الرؤيا بالكلام، الذات بالموضوع، العاكس بالمعكوس.. والذي تشير إليه حركة الانفلات الناضجة في العنوان (الخروج من المرآة) وما يتبع فعل الخروج من آثار تتمرد على (أنا) الشاعر، لتتحول في بنية القصائد العُمقى إلى تركيبات متراكمة، متقاطعة، ونازحة إلى شكلها عن طريق الملمح المحتدم بين الحدث الشعري والسرد الصوري، والانفتاح المتبادل بن فراغات البياض النصي.. وأيضاً ما ترامز بين المتغيرات المحمولة مبدئياً على الثبات:
سطّر على المرآة ما شاءت (أناكَ)
كبصمةٍ أولى..
لا روح في صوتي،
ولا صمتي يقولُ..
وليس لي لحنٌ يذاع
ولا صهيلُ
فكن كما أهوى لكي تبقى معي
لو شئتَ، أو
كن مثلما يهوى الرحيلُ..
وقد جاء "ترويض" الشاعر بعد المدخل لينم عن قدرته الفائقة على مزج اللونين معاً..
......
وها هو في "الخروج" يقول: في دمعةٍ طفرتْ من المرآة كنتُ أخضّب الأجراسَ، أنقعها على حلقي، وأرفعها إليَّ.. ليستفيق الصوتُ من غفواتهِ، أو يستعيد الروحَ في أمواتهِ.. هذا أنا صنمٌ على المرآة مرتعشٌ، ويكفيني من الرؤيا ظلامي.."
......
.. وبعد، فإنني رأيتُ في الميزتين معاً (المواءمة والمزج) أهم ميزات هذه المجموعة، إضافة إلى ما تحمله من ميزات أخرى مثل نصاعة اللغة وسلاسة الأسلوب وعذوبة المعنى ودقة الوصف ووو...
محمد حمد الصويغ - الدمامجريدة اليوم 1997
هو ديوان جديد، يأخذ بتلابيبك ويشدك شداً إليه، بموسيقاه الحادة وإيقاعه الضاغط، وبلغته المجنحة ذات الإيحاءات الدالة، والتي تعبر عن أدق الخلجات النفسية بصورة غير مباشرة تربط بين هذه النفس وبين الأشياء الخارجية برباط سحري، مما يجعل القارئ يستشعر هذه الأشياء دون أن يلمسها أو يراها!
......
ومما لا شك فيه أن المرء إذا نظر من خلف زجاج النافذة فإنه يرى العالم بمن فيه وما فيه، لكنه إذا نظر إلى زجاج المرآة فإنه لا يرى إلا نفسه، رغم أن الزجاج واحد في كلتا الحالتين، لكن طبقة الفضة خلف زجاج المرآة تجعل الرؤية هكذا- في عين الإنسان!
وتلك مشكلة المهمومين، إنهم في غمرة الاستغراق في أمورهم، تنحصر اهتماماتهم في ذواتهم، دون تأمل في أمر الآخرين من حولهم، ودون أن يشاركوا أحداً ممن ارتبطوا بهم، بعض مصاعب الرحلة - وما أكثرها.. من ثم فإنهم بانعدام هذه المشاركة يقعون أسرى حصار نفسي بغيض وقاتل..
من هنا يصبح الخروج من المرآة ضرورياً لمن أدرك أن الشعر تعبير عن المجموع، وبلورة أمينة لما يدور في الكون، وتصوير صادق لتطعات الكل - حتى وإن كان هذا التعبير من خلال الفرد الذي يعاني هموماً تأخذ بخناقه..
وأحسب أن هذا هو ما حمل شاعرنا المجدد فيصل أكرم على الخروج من مرآة الذات المحاصرة بالأنانية، ليعبّر بإيجابية عن واقعنا جميعاً.. وليكون أكثر التحاماً بالموجودات من حوله، أرضاً وبشراً وكائنات.......
بقي أن نشير إلى قدرة الشاعر فيصل أكرم الفنية والعالية في كتابة النص الشعري وتصريف الكلام فيه، حتى ليخيل إلينا أن هذا الشاعر لا يكد ولا يعاني كبقية الشعراء عندما يشرع في إبداع القصيدة، للسهولة البادية، والتي تستعصي على الكثيرين من المجددين، وأيضاً للفكر الذي يسري في ثنايا الكلام يدركه بمجرد أن يمد إليه البال! بينما تعجز عنه الكثرة ممن تراجع الشعر وتبالغ في المراجعة.
كذلك فإن الوزن لدى الشاعر عنصر مؤلف للقصيدة مما يؤكد أنه ينفعل بالإيقاع حين يرد على خاطره أثناء البوح، من هنا فهو يثير انفعالاتنا عند احتضان هذا الطرح الذي يقدمه إلينا في بساطة خارقة، وانسيابية نادرة.. حتى لكأننا شاركنا في خلق هذا الإبداع المتميز..!
يس الفيل - مصرجريدة البلاد 1997
يطلّ فيصل أكرم عبر منشورات النادي الأدبي بالرياض بديوانه (الخروج من المرآة) محتوياً على (18) قصيدة تعتمد على التفعيلة في معظمها وتدخل بعض مقاطعها أبياتاً عمودية كصوت يتقاطع مع النصوص.. مما يؤكّد الاتكاء على الإيقاع الموسيقي الكامن داخل ذات الشاعر الذي انطلق عبر هذا التوجه دون أن تجنح به تجربته إلى الدخول في متاهة أخرى..
جاءت قصائد المجموعة معبرة عن قدرات الشاعر في التعامل الفني (بيتي - مدوّر) ومعطى مختلط بين السطر والتشطير، والعناوين مابين المركّب والبسيط.. إذ غالباً ما كان العنوان هو المفتاح للقصيدة، مثل: الجري بين رمل وشمس - هوامش البيت القديم - أجراس الرمق الأخير - رباط الهشيم - بوابة الغرباء.. وبالرغم من مباشرة العناوين إلا أن شفافيته تلقي بظلالها عليها وتنبئ عن مكنون ومخزون عاطفي يتحرك تجاه الآخر عيونه الحروف والكلمات، وتجيء القصائد المدوّرة كمحك تكتيكي لقدرة الشاعر على التعامل مع لحظة الشعر وآنيته والإمساك بها لوضعها في الإطار الأنسب..
........
سعد الحميدين - الرياضجريدة الرياض 1997
(في كفي اليمنى كفن
وبكفي اليسرى قناع
فبأي كف سوف أحمل جثتي
وبأي مقبرةٍ سأدفن ما يشاع)
مركّب البياض/ كتابة الجمر، تلك مجموعة (الخروج من المرآة) للشاعر فيصل أكرم، تُناغم الفجر والرماد.. لتتجادل مع عتمة اللغة، وظلال العناصر المقتربة من إشعاعها الشعريّ المنساب بين الصور الجانحة حينا عن المألوف، والقابلة لتأويلات محتملة ناتجة عن تزاوج الرؤيا بالكلام، الذات بالموضوع، العاكس بالمعكوس.. والذي تشير إليه حركة الانفلات الناضجة في العنوان (الخروج من المرآة) وما يتبع فعل الخروج من آثار تتمرد على (أنا) الشاعر، لتتحول في بنية القصائد العُمقى إلى تركيبات متراكمة، متقاطعة، ونازحة إلى شكلها عن طريق الملمح المحتدم بين الحدث الشعري والسرد الصوري، والانفتاح المتبادل بن فراغات البياض النصي.. وأيضاً ما ترامز بين المتغيرات المحمولة مبدئياً على الثبات:
سطّر على المرآة ما شاءت (أناكَ)
كبصمةٍ أولى..
صفحة 6
فالبصمة لا تبقى في المدار ذاته لأنها تتلون بموسيقا الدواخل المتصارعة مع كيفية العبور إلى ما وراء المتضاديات.. الكيفية التي تماوجت بهيئات مختلفة، ظهرت بمعنى مباشر:
".. فليسَ لكْ
إلاّ السؤال، دع الإجابة للفلكْ
واقرأ سؤالكَ مرة أخرى
وحاذر أن تفكر في إجاباتٍ لهُ
مازلتَ تجهل ما عليك وما لهُ.."
المعنى الذي سَكَبَ من جوّانية النص دهشتها....
.........
غالية خوجة - سورية مجلة (الشروق) الإماراتية 1997
يتساءل الشاعر فيصل أكرم في قصيدته (الخروج من المرآة) قائلاً: (هل هذه الدنيا مهيأةٌ لذاكرة الخيال..؟) إنه في هذا السؤال يدمج بين زمنين: زمن الذاكرة (الماضي) وزمن المستقبل (الخيال). هذان الزمنان ينبسطان في الأفق (الدنيا) بكل ما فيها من وقائع، وتوترات درامية تؤثر بشكل أو بآخر في الوعي الشعري الذاتي، حيث تتعانق الأشياء مع الكلمات طالعة على صورة قصيدة..
فيصل أكرم في تجربته الشعرية يتبنى الطابع الغنائي، مع دمج العناصر الرمزية من جهة، والتجريب عبر عناق الأشكال الشعرية من جهة ثانية، وتجلى ذلك على الأخص في ديوانه الشعريّ الأول (الخروج من المرآة) واستمر الحفر الجمالي في هذا النطاق الغنائي الرمزي على مدار دواوينه التالية، حيث طوّر أدواته الشعرية، وسعى إلى رصد هذه الحالة المتسائلة اللا يقينية مابين الذات والعالم. الذات التي تفجّر عالمها الباطني وتشهره في مواجهة الواقع. هي ذات لم تنكسر تماماً، على رغم من استحضار الماضي المؤلم. هي ذات رومانتيكية باحثة عن التغيير، مسكونة بالحراك الدائم صوب ما هو طبيعي وفاتن، بمعنى أن الذات تواجه العالم متخلية عن أفقه الإنساني لصالح أفق الطبيعة والكون، أي البحث عن روح الأشياء ذاتها..
وتمثل (المرآة) دالة رئيسية في شعر فيصل أكرم، هي المرآة التي تواجه الذات فيها نفسها أوّلاً، ربما تسقط الأقنعة أو تفتش عن أسئلتها..
........
كما يهيمن على قصائد فيصل أكرم صوتان أساسيان هما: صوت (الأب) وصوت (الأم) وما يتبعهما من استحضار الماضي، والطفولة (اليتم) والزمن بوجه عام..
........
وهذه الأشياء هي مكمن تجربة أكرم الشعرية؛كما أن لفيصل أكرم تجربته المثيرة في الكتابة والنشر شعراً..
.......
عبد الله السمطي - مصر من كتابه (نسيج الإبداع) الصادر عن دار المفردات 2003
في قصائد (الخروج من المرآة) نمط تفعيلي حديث لا يختلف عن نمط آخر أخذ شكل العمودي وهو قليل، ونمط مزج فيه الشاعر بين التفعيلة والعمودي، كما فعل بدر شاكر السياب في بواكير تجديده وبخاصة قصيدته (بورسعيد) وهذا نمط يتضافر فيه القديم والحديث، وفيه يؤكد الشاعر، كما أكد على ذلك فيصل أكرم، على ارتباط المعاصر الحديث بالموروث جمالياً، في وقت يستبعد فيه بعض الحداثويين النمط العربي الخليلي استبعاداً مريباً ليترجموا عملياً قطع الصلة مع التراث عامة..
وسأقتصر على هذا النوع الثالث لبروز معطيات عديدة اتصف بها انعكست من خلال هذا التجريب المشروع أصالة وحداثة في آن معاً، فالشاعر هنا قادر على الصياغة المتجددة كما هو قادر على التجديد ضمن الأطر العروضية المعروفة، وفي كلا الشكلين يبدع الشاعر على مستوى اللفظة والصورة، ويبدع من خلال غنائية فكرية تنحو إلى الدرامية والتركيب في بعض الأحيان، والقصائد المركبة من الشكلين معاً..
.......
مصطفى النجار - سوريا جريدة الجزيرة 1997
.......
.. وبكل ما للعبة من معنى، حيث يختلط الزمان بالمكان، والشرط التقريري بالهذيان الغنائي: فقصائد (الخروج من المرآة) للشاعر فيصل أكرم، هي إحدى الدفعات الأحفورية - لا الأيقونية وحسب - في الصفحة السعودية للكتابة الشعرية.......
الياس لحود - لبنان مجلة كتابات معاصرة 1997
".. فليسَ لكْ
إلاّ السؤال، دع الإجابة للفلكْ
واقرأ سؤالكَ مرة أخرى
وحاذر أن تفكر في إجاباتٍ لهُ
مازلتَ تجهل ما عليك وما لهُ.."
المعنى الذي سَكَبَ من جوّانية النص دهشتها....
.........
غالية خوجة - سورية مجلة (الشروق) الإماراتية 1997
يتساءل الشاعر فيصل أكرم في قصيدته (الخروج من المرآة) قائلاً: (هل هذه الدنيا مهيأةٌ لذاكرة الخيال..؟) إنه في هذا السؤال يدمج بين زمنين: زمن الذاكرة (الماضي) وزمن المستقبل (الخيال). هذان الزمنان ينبسطان في الأفق (الدنيا) بكل ما فيها من وقائع، وتوترات درامية تؤثر بشكل أو بآخر في الوعي الشعري الذاتي، حيث تتعانق الأشياء مع الكلمات طالعة على صورة قصيدة..
فيصل أكرم في تجربته الشعرية يتبنى الطابع الغنائي، مع دمج العناصر الرمزية من جهة، والتجريب عبر عناق الأشكال الشعرية من جهة ثانية، وتجلى ذلك على الأخص في ديوانه الشعريّ الأول (الخروج من المرآة) واستمر الحفر الجمالي في هذا النطاق الغنائي الرمزي على مدار دواوينه التالية، حيث طوّر أدواته الشعرية، وسعى إلى رصد هذه الحالة المتسائلة اللا يقينية مابين الذات والعالم. الذات التي تفجّر عالمها الباطني وتشهره في مواجهة الواقع. هي ذات لم تنكسر تماماً، على رغم من استحضار الماضي المؤلم. هي ذات رومانتيكية باحثة عن التغيير، مسكونة بالحراك الدائم صوب ما هو طبيعي وفاتن، بمعنى أن الذات تواجه العالم متخلية عن أفقه الإنساني لصالح أفق الطبيعة والكون، أي البحث عن روح الأشياء ذاتها..
وتمثل (المرآة) دالة رئيسية في شعر فيصل أكرم، هي المرآة التي تواجه الذات فيها نفسها أوّلاً، ربما تسقط الأقنعة أو تفتش عن أسئلتها..
........
كما يهيمن على قصائد فيصل أكرم صوتان أساسيان هما: صوت (الأب) وصوت (الأم) وما يتبعهما من استحضار الماضي، والطفولة (اليتم) والزمن بوجه عام..
........
وهذه الأشياء هي مكمن تجربة أكرم الشعرية؛كما أن لفيصل أكرم تجربته المثيرة في الكتابة والنشر شعراً..
.......
عبد الله السمطي - مصر من كتابه (نسيج الإبداع) الصادر عن دار المفردات 2003
في قصائد (الخروج من المرآة) نمط تفعيلي حديث لا يختلف عن نمط آخر أخذ شكل العمودي وهو قليل، ونمط مزج فيه الشاعر بين التفعيلة والعمودي، كما فعل بدر شاكر السياب في بواكير تجديده وبخاصة قصيدته (بورسعيد) وهذا نمط يتضافر فيه القديم والحديث، وفيه يؤكد الشاعر، كما أكد على ذلك فيصل أكرم، على ارتباط المعاصر الحديث بالموروث جمالياً، في وقت يستبعد فيه بعض الحداثويين النمط العربي الخليلي استبعاداً مريباً ليترجموا عملياً قطع الصلة مع التراث عامة..
وسأقتصر على هذا النوع الثالث لبروز معطيات عديدة اتصف بها انعكست من خلال هذا التجريب المشروع أصالة وحداثة في آن معاً، فالشاعر هنا قادر على الصياغة المتجددة كما هو قادر على التجديد ضمن الأطر العروضية المعروفة، وفي كلا الشكلين يبدع الشاعر على مستوى اللفظة والصورة، ويبدع من خلال غنائية فكرية تنحو إلى الدرامية والتركيب في بعض الأحيان، والقصائد المركبة من الشكلين معاً..
.......
مصطفى النجار - سوريا جريدة الجزيرة 1997
.......
.. وبكل ما للعبة من معنى، حيث يختلط الزمان بالمكان، والشرط التقريري بالهذيان الغنائي: فقصائد (الخروج من المرآة) للشاعر فيصل أكرم، هي إحدى الدفعات الأحفورية - لا الأيقونية وحسب - في الصفحة السعودية للكتابة الشعرية.......
الياس لحود - لبنان مجلة كتابات معاصرة 1997
صفحة 7
الخروج من المرآة
كتبتْ هذه النصوص بين عاميْ
1995 - 1997
الجريُ بين رملٍ وشمس
لفجرٍ يمدُّ البياضَ على خندقٍ من رمادٍ وبردٍ
سيخضرّ جفنُ البياضِ ويحمرّ وجهُ الرمادِ
ويفترّ نصلُ السوادِ ابتهاجاً مثلما الابتهالْ
إلى لحظةٍ في الغيابِ المسائيِّ.
يمضي الصباحُ على ثقةٍ: صدرُ هذا
السَّحابِ الثقيلِ سينأى عن الخانعين وهم
يمضغون القشورَ ويرمون أحلامَهم في القبورِ
ليشتعلَ الضوءُ من صحوةِ الرملِ أو من نخاعِ
العظام السحيقةِ. لا أنتَ يا رملُ تهوى
شبابيَ، لكنني قد خلعتُ ثيابيَ، إِن كنتُ
حُلْماً فخذني إليكَ، وإن كنتَ ظُلْماً دمي في
يديك، وإن كنتَ (إن كنتُ) موتاً سنبكي عليكْ:
هو السرُّ في عمرنا أن نموتْ
هو السرُّ في موتنا أن نُعادْ
هو السرُّ في الحالتين سنبقى
مع الرمل، نغتالهُ بالسوادْ
* * *
لقد كان في قبضتي سيفُ أمٍّ أتتْ كي تموتْ
وأهدتنيَ السيفَ قبل السكوتْ
فأسْلَمْتُهُ عمقَ صدرِ السرابِ وصافحتُ
وهمي، وغازلتُ كلَّ الزوايا بسهمي.. إلى
أن تبخّرتُ حِبْراً.. على برزخٍ بين صوتٍ
وصوتٍ تبخّرتُ كِبْراً.. تبخّرتُ مثلَ الرطوبةِ
لو لامَسَتْ خدَّ غانيةٍ من زجاجٍ وساحتْ على
جيدها في احتضارٍ.. هي الآن تمضي
إلى الموت، قد لا تموت، وقد يستبدّ البياضُ
القشيبُ. إلى أين يمضي الكلامُ الغريبُ: إلى
عالمٍ من فراغٍ؟ كفى، قد مللنا الحوار العقيم، مللنا
السذاجات؛ كنّا نسير على مهلنا، والطواويسُ
تختال في جرحنا. أيّ وجهٍ سيُنْقَعُ في رملنا؟
أيُّ ليلٍ سيغفو على حِضننا؟ سوف نصرخ في
رملنا: هل نموت؟ فيسخر من جهلنا: لستُ أدري
ولكننا سوف نجري.. ونجري .....
7/6/1417هــــ
كتبتْ هذه النصوص بين عاميْ
1995 - 1997
الجريُ بين رملٍ وشمس
لفجرٍ يمدُّ البياضَ على خندقٍ من رمادٍ وبردٍ
سيخضرّ جفنُ البياضِ ويحمرّ وجهُ الرمادِ
ويفترّ نصلُ السوادِ ابتهاجاً مثلما الابتهالْ
إلى لحظةٍ في الغيابِ المسائيِّ.
يمضي الصباحُ على ثقةٍ: صدرُ هذا
السَّحابِ الثقيلِ سينأى عن الخانعين وهم
يمضغون القشورَ ويرمون أحلامَهم في القبورِ
ليشتعلَ الضوءُ من صحوةِ الرملِ أو من نخاعِ
العظام السحيقةِ. لا أنتَ يا رملُ تهوى
شبابيَ، لكنني قد خلعتُ ثيابيَ، إِن كنتُ
حُلْماً فخذني إليكَ، وإن كنتَ ظُلْماً دمي في
يديك، وإن كنتَ (إن كنتُ) موتاً سنبكي عليكْ:
هو السرُّ في عمرنا أن نموتْ
هو السرُّ في موتنا أن نُعادْ
هو السرُّ في الحالتين سنبقى
مع الرمل، نغتالهُ بالسوادْ
* * *
لقد كان في قبضتي سيفُ أمٍّ أتتْ كي تموتْ
وأهدتنيَ السيفَ قبل السكوتْ
فأسْلَمْتُهُ عمقَ صدرِ السرابِ وصافحتُ
وهمي، وغازلتُ كلَّ الزوايا بسهمي.. إلى
أن تبخّرتُ حِبْراً.. على برزخٍ بين صوتٍ
وصوتٍ تبخّرتُ كِبْراً.. تبخّرتُ مثلَ الرطوبةِ
لو لامَسَتْ خدَّ غانيةٍ من زجاجٍ وساحتْ على
جيدها في احتضارٍ.. هي الآن تمضي
إلى الموت، قد لا تموت، وقد يستبدّ البياضُ
القشيبُ. إلى أين يمضي الكلامُ الغريبُ: إلى
عالمٍ من فراغٍ؟ كفى، قد مللنا الحوار العقيم، مللنا
السذاجات؛ كنّا نسير على مهلنا، والطواويسُ
تختال في جرحنا. أيّ وجهٍ سيُنْقَعُ في رملنا؟
أيُّ ليلٍ سيغفو على حِضننا؟ سوف نصرخ في
رملنا: هل نموت؟ فيسخر من جهلنا: لستُ أدري
ولكننا سوف نجري.. ونجري .....
7/6/1417هــــ
صفحة 8
اللحظة الحلم (3)
هي لحظةٌ في العمر ندرك أنها ليست لنا
لكننا نغفو قليلاً في براءات الطفولة، يا بدايات
التفتح - طلسم الحلم المبكر - عضة الشفةِ
الرطيبةِ، يا نوافير الفراش، ويا مناجاة النجوم:
لقد مررنا.. أو لقد مرَّ الزمانُ وما درينا: أيها الوقتُ
الأبيُّ أما لنا في حضنك الأزليِّ بعض توسُّدٍ
أو هل لنا بعض المنى؟ أو هل يجيء النوم بعد رحيل
أعوام بلا دربٍ يُعيد لبعضنا بعضاً من الذكرى.؟
لمن نشكو وقد باتت مطامعنا على كفِّ الخرافةِ
يا ثقافات الدماغ، ويا مناورة الكلام، ويا حوار
الليل، يا وجع المفكر لو تجاهل عمرهُ: للعمر واجهتان
واحدةٌ عل شرق الطفولة أو على زمن الضياءْ
لكنَّ للأخرى حديثاً قد يطول ولا يطول وقد يجرّ لنا البكاءْ: قد كان يغرق في الغروب خريفنا، قد كان ينبت في قواربنا
ربيعُ الوقتِ - والوقتُ الذي نختاره يختارنا - نمشي
فرادى أو جماعاتٍ على أطرافهِ فيضمنا. نفترّ منه تفاؤلاً حتى الرياح.. وللرياح مفازتان: مفازة صغرى نجرّبها ونفضح
سرّها، ومفازة كبرى تجربنا وتفضح سرّنا..
هي لحظةٌ مرَّ الزمانُ ولم يزد من عمرها، بل زاد
في أعمارنا..
هي لحظة في العمر ندرك أنها ليست لنا
لكننا نمتصّ من أزهارها عمراً لنعزف لحننا
هي لحظة في العمر ندرك أنها ليست لنا
والماثلون على طريق الوهم يرتعشون من خوفٍ
على أحوالنا. ولأننا جئنا وما جئنا هناك ولا هنا
ولأننا كنّا نغالط ضعفنا: مدَّ الزمانُ لسانَهُ
فتثاءبت أحلامُنا، وتضاءلت كلُّ النوايا وارتوتْ نيرانُنا
قال الذي ظنَّ الرِّهانَ حليفهُ: هي لحظةٌ
في عمق ذاكرتي أنا. والصامت المنسيّ
يرسم لوحةً بملامحٍ كانت لنا. والمتعبون
يفتشون منامنا - بحثاً - ويقتحمون في
عمق الظلام ظلامنا. واللحظة الخجلى تفكُّ
الأسرَ عن أجلٍ دنا
هي لحظةٌ في العمر ندرك أنها ليست لنا.
5/6/1996
هي لحظةٌ في العمر ندرك أنها ليست لنا
لكننا نغفو قليلاً في براءات الطفولة، يا بدايات
التفتح - طلسم الحلم المبكر - عضة الشفةِ
الرطيبةِ، يا نوافير الفراش، ويا مناجاة النجوم:
لقد مررنا.. أو لقد مرَّ الزمانُ وما درينا: أيها الوقتُ
الأبيُّ أما لنا في حضنك الأزليِّ بعض توسُّدٍ
أو هل لنا بعض المنى؟ أو هل يجيء النوم بعد رحيل
أعوام بلا دربٍ يُعيد لبعضنا بعضاً من الذكرى.؟
لمن نشكو وقد باتت مطامعنا على كفِّ الخرافةِ
يا ثقافات الدماغ، ويا مناورة الكلام، ويا حوار
الليل، يا وجع المفكر لو تجاهل عمرهُ: للعمر واجهتان
واحدةٌ عل شرق الطفولة أو على زمن الضياءْ
لكنَّ للأخرى حديثاً قد يطول ولا يطول وقد يجرّ لنا البكاءْ: قد كان يغرق في الغروب خريفنا، قد كان ينبت في قواربنا
ربيعُ الوقتِ - والوقتُ الذي نختاره يختارنا - نمشي
فرادى أو جماعاتٍ على أطرافهِ فيضمنا. نفترّ منه تفاؤلاً حتى الرياح.. وللرياح مفازتان: مفازة صغرى نجرّبها ونفضح
سرّها، ومفازة كبرى تجربنا وتفضح سرّنا..
هي لحظةٌ مرَّ الزمانُ ولم يزد من عمرها، بل زاد
في أعمارنا..
هي لحظة في العمر ندرك أنها ليست لنا
لكننا نمتصّ من أزهارها عمراً لنعزف لحننا
هي لحظة في العمر ندرك أنها ليست لنا
والماثلون على طريق الوهم يرتعشون من خوفٍ
على أحوالنا. ولأننا جئنا وما جئنا هناك ولا هنا
ولأننا كنّا نغالط ضعفنا: مدَّ الزمانُ لسانَهُ
فتثاءبت أحلامُنا، وتضاءلت كلُّ النوايا وارتوتْ نيرانُنا
قال الذي ظنَّ الرِّهانَ حليفهُ: هي لحظةٌ
في عمق ذاكرتي أنا. والصامت المنسيّ
يرسم لوحةً بملامحٍ كانت لنا. والمتعبون
يفتشون منامنا - بحثاً - ويقتحمون في
عمق الظلام ظلامنا. واللحظة الخجلى تفكُّ
الأسرَ عن أجلٍ دنا
هي لحظةٌ في العمر ندرك أنها ليست لنا.
5/6/1996
صفحة 9
الخروج من المرآة
(1)
في دمعةٍ طَفَرتْ من المرآةِ
كنتُ أخضِّبُ الأجراسَ، أنقعها
على حلقي، وأرفعها إليَّ.. ليستفيقَ الصوتُ
من غفواتهِ، أو يستعيد الروحَ في أمواتهِ.
هذا أنا صَنَمٌ على المرآةِ مرتعشٌ، ويكفيني
من الرؤيا ظلامي..
كلّما سطرتُ شطراً في المتاحفِ
شقَّني سيفُ السُّقامِ
وكلّما أطلقتُ أغنيةً
تعود إليَّ.. حاملةً حطامي
(2)
في صورةٍ طُبعتْ على المرآةِ
كنتُ أرى تواريخ التحوّلِ.. من سكون الواجباتِ
إلى مفازات السؤالْ:
هل هذه الدنيا مهيأةٌ لذاكرة الخيالْ؟
***
كان السؤال على الضريحِ
وكانتِ المرآة مائلةً.. وكادتْ أن تطيحَ
وكنتُ وحدي..
في تأملها الصريحْ:
***
لا بُدَّ أن نبقى على حذرٍ من الأمطارِ..
تهطل/ يفرح الأطفالُ، لكنَّ المخافةَ أننا
نحنو على أطفالنا/ نغفو على أمطارهمْ
فنضيع عن أسمائنا؛
ترتدُّ فينا ثورةٌ كانتْ على أعدائنا
(3)
في صورةٍ طَلَعتْ من المرآةِ، كنتُ أرى
حكايةَ حبي الأولى.. وأسمعها صدىً
تهتزّ منهُ جدارُ نفسي
قلتُ للمرآة: صمتاً.. قد أعود غداً لأمسي،
لا إلى أمس البكاء، وإنما
الأمس الذي..
قد علّم الطفلَ الكلامَ
وقد تفتَّقَ من زلازلهِ السلامْ
***
كان البخور على ترائبنا يضوعُ
وكانتِ الأحلامُ تزهر بالعذوبةِ
في بحيراتِ الدموعِ
وكنتَ وحدكَ..
أيها الآتي على طمعٍ.. تجوعْ
***
ما كانتِ المرآةُ كاذبةً،
ولكنّي خرجتُ.. بلا رجوعْ
نوفمبر 1996م
(1)
في دمعةٍ طَفَرتْ من المرآةِ
كنتُ أخضِّبُ الأجراسَ، أنقعها
على حلقي، وأرفعها إليَّ.. ليستفيقَ الصوتُ
من غفواتهِ، أو يستعيد الروحَ في أمواتهِ.
هذا أنا صَنَمٌ على المرآةِ مرتعشٌ، ويكفيني
من الرؤيا ظلامي..
كلّما سطرتُ شطراً في المتاحفِ
شقَّني سيفُ السُّقامِ
وكلّما أطلقتُ أغنيةً
تعود إليَّ.. حاملةً حطامي
(2)
في صورةٍ طُبعتْ على المرآةِ
كنتُ أرى تواريخ التحوّلِ.. من سكون الواجباتِ
إلى مفازات السؤالْ:
هل هذه الدنيا مهيأةٌ لذاكرة الخيالْ؟
***
كان السؤال على الضريحِ
وكانتِ المرآة مائلةً.. وكادتْ أن تطيحَ
وكنتُ وحدي..
في تأملها الصريحْ:
***
لا بُدَّ أن نبقى على حذرٍ من الأمطارِ..
تهطل/ يفرح الأطفالُ، لكنَّ المخافةَ أننا
نحنو على أطفالنا/ نغفو على أمطارهمْ
فنضيع عن أسمائنا؛
ترتدُّ فينا ثورةٌ كانتْ على أعدائنا
(3)
في صورةٍ طَلَعتْ من المرآةِ، كنتُ أرى
حكايةَ حبي الأولى.. وأسمعها صدىً
تهتزّ منهُ جدارُ نفسي
قلتُ للمرآة: صمتاً.. قد أعود غداً لأمسي،
لا إلى أمس البكاء، وإنما
الأمس الذي..
قد علّم الطفلَ الكلامَ
وقد تفتَّقَ من زلازلهِ السلامْ
***
كان البخور على ترائبنا يضوعُ
وكانتِ الأحلامُ تزهر بالعذوبةِ
في بحيراتِ الدموعِ
وكنتَ وحدكَ..
أيها الآتي على طمعٍ.. تجوعْ
***
ما كانتِ المرآةُ كاذبةً،
ولكنّي خرجتُ.. بلا رجوعْ
نوفمبر 1996م
صفحة 10
بيت القصيدة
بيتٌ يفجّر صدرَهُ في هزّة الوتر السحيق، وعجزهُ
في دمعنا يكفي لندرك أين يقبع بيتنا.. في نبرةٍ
من سارقي حبر النخاعة بالهراء ومخمدي
بالنقع بركانَ القصيدةِ.. يا فراغ العالم السفليّ
خُذْ من نومنا صحواً وقم للشعر تبجيلاً فقد كنّا
وما زلنا: بياض السحر في دمنا، وألحان الرياح
تهبُّ من فمنا، وزلزالٌ يشقُّ دماغنا نصفين
نصفٌ للسرابِ وآخرٌ يغفو على صدر الجريدةِ
أيها الجفن المرصع بالنصول وبرزخ الزمنين
كن كالفجر فوق الغابة الجرداء، كن سهماً على
ظهر الخمول وفي البكائيات كن ملحاً بلا ماءٍ
وفي سطح المحيط - على هواء الظنّ - كن كالماء
فوق الملح أو كالأرض فوق الماء. لا يرث
الكلام سوى الصموتِ ولا يعيش الشعر حرّاً
دون أزمنة السكوتِ فكن بلا سمعٍ لكي
نسمعك أو كن دونما بصرٍ: نراك ولا ترى
غير الصدى. لتسير فوق الفقر والدمع
المخضَّب في تراب طريقنا للبيت أو للشمس
في لحظاتها الأخرى، فنارٌ تلفح الوجه الرطيب
وجمرةٌ خلف الضلوع تمدّنا بالدفء كي
نرث الغمى. والشعر من حلقٍ إلى حلقٍ
يجول كما يجول الهمُّ من قلبٍ إلى قلبٍ، ولكنَّ
الحياةَ طويلةٌ والحلم ينمو في المسافات البعيدةِ،
في رحيلٍ قد نكون طريقهُ لنوابغ اللغةِ الجديدةِ.
منزلٌ في الأرض يسكننا ولم نسكن سوى
أطرافهِ الصغرى.. فأوّلها طريقٌ للسدى
لكنَّ آخرَها مدى.
6/6/1417هــــ
بيتٌ يفجّر صدرَهُ في هزّة الوتر السحيق، وعجزهُ
في دمعنا يكفي لندرك أين يقبع بيتنا.. في نبرةٍ
من سارقي حبر النخاعة بالهراء ومخمدي
بالنقع بركانَ القصيدةِ.. يا فراغ العالم السفليّ
خُذْ من نومنا صحواً وقم للشعر تبجيلاً فقد كنّا
وما زلنا: بياض السحر في دمنا، وألحان الرياح
تهبُّ من فمنا، وزلزالٌ يشقُّ دماغنا نصفين
نصفٌ للسرابِ وآخرٌ يغفو على صدر الجريدةِ
أيها الجفن المرصع بالنصول وبرزخ الزمنين
كن كالفجر فوق الغابة الجرداء، كن سهماً على
ظهر الخمول وفي البكائيات كن ملحاً بلا ماءٍ
وفي سطح المحيط - على هواء الظنّ - كن كالماء
فوق الملح أو كالأرض فوق الماء. لا يرث
الكلام سوى الصموتِ ولا يعيش الشعر حرّاً
دون أزمنة السكوتِ فكن بلا سمعٍ لكي
نسمعك أو كن دونما بصرٍ: نراك ولا ترى
غير الصدى. لتسير فوق الفقر والدمع
المخضَّب في تراب طريقنا للبيت أو للشمس
في لحظاتها الأخرى، فنارٌ تلفح الوجه الرطيب
وجمرةٌ خلف الضلوع تمدّنا بالدفء كي
نرث الغمى. والشعر من حلقٍ إلى حلقٍ
يجول كما يجول الهمُّ من قلبٍ إلى قلبٍ، ولكنَّ
الحياةَ طويلةٌ والحلم ينمو في المسافات البعيدةِ،
في رحيلٍ قد نكون طريقهُ لنوابغ اللغةِ الجديدةِ.
منزلٌ في الأرض يسكننا ولم نسكن سوى
أطرافهِ الصغرى.. فأوّلها طريقٌ للسدى
لكنَّ آخرَها مدى.
6/6/1417هــــ