eKtab
EN ع
الخريف يأتي مع صفاء
اقرأ عينة مجانية

الخريف يأتي مع صفاء

بقلم أحمد الملك

صفحة 1
أحمد الملك والواقعية السحرية
 
بقلم : د· الصاوي يوسف
 
بعد أكثر من عشر سنوات من نشر روايته الأولى الفرقة الموسيقية يبدو أن أحمد الملك قد وجد المعادلة المثلى بين العبارات المكثفة المقصودة لذاتها، وبين خيط الأحدوثة الذي يتابعه القارئ بوضوح من بداية الرواية حتي نهايتها· فالعبارة عند أحمد الملك تبدو كأنها تعبير عن موقف أسطوري مليء بالسخرية والمرارة، بمعزل عن سياق القص التقليدي، المعروف في أسلوب الحواديت· كلماته يأخذ بعضها برقاب بعض، تتكرر كثيراً لا لتوضيح المعني بل لتكثيف الرمز· حتى أن القارئ كثيرا ما يشعر أنه قد قرأ هذا النص من قبل في مكان ما، وإن بلغة أخرى· ولكن ما يسهل كثيراً علي القارئ - خصوصاً السوداني- أن رموز أحمد الملك ولغته المبتكرة تستند علي إرث اسطوري وفلكلوري ثر، من ثقافات أهل السودان، قديمه ووسيطه، جنوبه وغربه وشماله وشرقه، فأنت في روايات أحمد الملك تسير ليس فقط عبر فضاء الرواية الزمني، بل أيضاً عبر الأمكنة الموغلة في الواقعية، أمكنة معروفة وشبه معروفة، تعج بأشجار وأطيار وناس تعرفهم بأسمائهم وصفاتهم، وربما بأشخاصهم لحماً ودماً ·
 
وقد كانت لغة أحمد الملك تذكرني بواقعية ماركيز السحرية والشعرية، وتعابيره المفاجئة، المبتكرة، غير المتوقعة في سياقها، تجعلك تغرق في عالم أسطوري شعري، لا هو بالواقع المسطح الذي نعيشه، ولا هو بالخيال الأسطوري الشاطح في متاهات غير المعقول· إنه خليط من هذا وذاك، اكتشاف لطرق وعرة مجهولة (ومأهولة) في غابات إفريقيا وصحاريها ووديانها· أم هي يا تري غابات هذا المجتمع المتشابك المتنوع المتصارع ؟ مجتمع تسحقه الدكتاتوريات العسكرية، وعظمة قادتها المتوهمة والمتآكلة مع مرور الزمان· مجتمع تلوكه الحرب الأهلية بين أضراسها، وتلفظه بقايا محطمة، بينها صراعات صغيرة وكبيرة لم تزل تنتظر دورها في التسوية ·
 
ويبدو أن أحمد الملك قد وجد ضالته المنشودة في واقع أقرب الي الخيال- بل احياناً أغرب من الخيال - في فترة من تأريخ السودان مغرقة في الظلم والظلامية· ولعل الكثيرين من قراء أحمد الملك سيظنون أن شخصية المشير الفاقد للذاكرة هي من صنع الخيال، في حين أن الكثير من السودانيين سيكتمون ضحكات الشماتة وهم يرون مصير المشير، المعتوه، المثير للشفقة· فهم يعرفون المشير حقاً، وهو ما زال بينهم، ليس فقط بلحمه ودمه، وإنما أيضاً بآثاره وما صنعت يداه في البلاد، مما لن يزول في المستقبل المنظور، رغم زوال اسطورة المشير الظافر المنتصر أبدا ·
 
ولكن أحمد الملك نجح بشكل ما في نسج زمان خاص به، يضع في إطاره تلك العجينة العجيبة الثرة، من أشخاص وأحداث عهد المشير· وهو امتلك مقدرة فذة في الإمساك بمفاصل الشخوص والأحداث، وتحريكها بمهارة· ولعله قد تلاعب بها عمداً، ربما انتقاماً من كل ما مثله المشير، من طغيان وتلاعب بمصير البشر· وربما توسيعاً لأفق الرواية حتى تستوعب كل العقداء والعمداء والألوية والفرقاء والمشيرين اللذين وضع الزمان بين أيديهم سلاحاً ورتبة فما استخدموها حين استخدموها إلا ضد شعوبهم المقهورة المسحوقة ·
 
ولفت نظري في هذه الرواية العنصر الجديد تماماً، ذلك الجانب الذي لم يعرفه الناس عن حياة المشير، أي دور الدكتورة صفاء والأميرة مينيساري في حياته، وبالتالي حياة شعبه ومن حوله· ولعل أحمد الملك كروائي رأي أن يطعّم جفاف عهد المشير، الذي انعكس جفافاً على أحداث الرواية، ببعض الندى والنكهة· فخلق بذلك عالما أكثر إثارة وشاعرية· وليس جديداً علي أحمد الملك امتلاكه لكل أدوات الصناعة الروائية· مما ذكره الدكتور بشري الفاضل في مقدمته التي كتبها لرواية الفرقة الموسيقية لأحمد الملك· ولذلك جاءت صفاء قمة جديدة من قمم النضج الفني، لدى شاب نشأ في عهد المشير، ثم ما كاد أن يبدأ رحلته الأدبية حتي تلقفه عهد العميد ثم عهد الفريق، وها هو في المنفي أكثر ارتباطاً بقضايا شعبه، بل بأعمق الجذور الثقافية والأسطورية والفلكلورية، لذلك الشعب الغني بالإبداع·
 
الخريف يأتي مع صفاء ليست رواية للتأريخ، بل هي موقف منه· ولو كان بعض أهل الجنوب والغرب وغيرهم يشعرون بالتهميش من الشمال، سياسة وأدباً، فإن أحمد الملك بموقفه القومي الواضح قد اختصر الكثير من الظلامات الإنسانية· وموقفه النبيل يلخص التجرد المطلوب من كل أهل الأدب والثقافة، بل كل فئات المجتمع، في النفاذ إلى روح هذا المجتمع، التي تكونت عبر العصور، عبر التعايش والتثاقف، لا الصراع الدموي ·
 
تلك الروح القومية، المتوحدة والمتناغمة، والإنسانية، هي النداء الذي يخرج به قارئ أحمد الملك من هذه الرواية ·
 
د· الصاوي يوسف
 
كاتب سوداني - كولمبورخ 01-9-2002
صفحة 2
الأطفال كانوا هم أول من شاهد شبحه الضخم قادماً يتهادى في ضوء القمر، كانت نسمة ليلية حركت رائحة أشجار البان تتبعه، حتى أن الأطفال اعتقدوا في البداية أن هذا الشبح القادم دون ذكريات كان يمتلك سلطة خفية علي الرياح وعلى أشجار البان، وحينما لاحظوا قامته الفارعة وهو يقترب أكثر بخطوات بطيئة مثل هيكل سفينة غارقة، اعتقدوا أنه العجوز منوفل الذي كان يظهر في القرية في الأيام الخوالي ساحباً خلفه جوالاً من الخيش يضع فيه مقتنياته القليلة من مستلزمات التجوال·
 
وفجأة اكتشفوا أنه كان يسير في ضوء القمر دون ظل يتبعه، وبعد لحظات من عبوره بينهم، اكتشفوا أنه يملك أيضاً ميزة العبور ليس فقط دون ظل أو ضوضاء، ولكن أيضا دون ذكريات، فقد شعروا بعد لحظات من مروره أن عبوره بينهم بخطواته الواسعة مثل خطوات جمل لم يخلف لديهم أية وقائع لحفظها في الذاكرة·
 
تسرب الخبر إلى القرية واكتسب صخباً فورياً: عاد الطاهر محمد نور الدين، وفي البداية لم يصدق الكثيرون الخبر، لأنهم لم يصدقوا إمكان ظهوره دون صخب رسمي يصاحب وجوده، لان آخر الأخبار التي وصلت عنه أكدت بأنه يشغل منصباً رفيعاً في المجلس العسكري الحاكم، حتى أن الرجال تداولوا له اسماً أكثر إثارة: السيد المشير، ولأن بعض الشائعات زعمت بأنه يشغل منصباً سياسيًا مرموقاً فقد توفرت الفرصة طوال سنوات لنسج أخبار كثيرة عنه·
 
وتقديراً لأمجاده العسكرية المتخيلة فقد توجوه بطلا في معارك فاصلة غير موجودة في ذاكرة التاريخ وأسبغوا عليه أنواطاً من الدرجة الأولى بسبب التفاني والجدارة وإنكار الذات، حتى أنه أصبح متعذراً في الفترة الأخيرة تخيل صورته الحقيقية بعد اللمسات الكثيرة التي وضعت عليها لجعلها تتلاءم مع كل إشاعة تلازم ارتقائه لسلم أمجاد جديدة·
 
وأكدت النسوة المسنات أنهن سمعن اسمه يتردد في نشرات أخبار الساعة السادسة والنصف مصحوباً بأناشيد عسكرية دون أن يستطعن الجزم إن كان اسمه يرد ضمن قائمة الأحياء أم ضمن قائمة الموتى أثناء محاولتهن البحث عن خيط يقود إلى كشف مصير المفقودين من أيام الحرب الأهلية الأولى·
 
في البداية احدث نبأ ظهوره إحساساً بالقهر لدى أكثر المسنين خبرة حتى أن أحداً لم يجازف برؤيته، لا خوفاً من الشعور بالإحباط بسبب عدم وجود أدنى شبه بينه وبين الصورة التي رسموها له في خيالهم الجماعي، وليس بسبب رغبتهم في استمرار حلم ارتقائه الأسطوري لسلالم المجد، ولكن بسبب خوفهم من احتمال حدوث أخطاء بروتوكولية أثناء استقباله، عدا بعض النسوة اللائى زعمن قرابة غير مؤكدة له·
 
وفي البداية لم يعثرن عليه في الأرض الجرداء التي كانت تخص أسلافه، بل وجدنه هائماً في شوارع القرية وهو منهمك في البحث عن موقع بيت أسرته القديم في خريطة على ورقة صفراء متآكلة الأطراف وبدا منظره شبيهاً بمنظر تلاميذ المدرسة الذين يبحثون عن كنز درس الجغرافيا المدفون في مكان ما، كان موقع البيت محدداً على الخريطة بعد مجموعة من أشجار الحراز والدوم منتشرة في شكل نصف دائرة حول تل رملي يقع في مواجهة غابة السنط التي تحف بخور ارقو، في شارع جانبي كتب على جداره المتهدم بحروف ضخمة: شارع الأرامل·
صفحة 3
في تلك الأثناء قام أهل القرية بتكوين الوفد الأول للترحيب بالسيد المشير، واختاروا أكثرهم خبرة في التحدث أمام ممثلي السلطة الذين كانوا يظهرون في القرية في فترات متباعدة، أحياناً وهم يرتدون ملابس عسكرية خانقة مثقلة بالنياشين وأحياناً وهم يرتدون الزي القومي·
 
واختاروا أكثرهم مداومة علي الاستماع لجهاز الراديو لرصد كل تغيير جديد في السلطة، حتى لا يقوم بالترحيب بممثل عهد بائد، ثم قاموا بترتيب العرائض التي ستقدم للسيد المشير والتي تراوحت بين التماسات للكشف عن مصير مفقودين من أيام انتفاضة شعبان، ومفقودين من قبل توقيع اتفاقية أديس أبابا، وطلبات للحصول علي تصديق لاستثمار أراض زراعية حكومية، وطلبات للحصول على إعانات بسبب العوز، وطلب من أجل تخفيض سعر سلعة السكر، إضافة لطلب قدمته الأرملة سكينة بت حاج أحمد لاستبدال ثلاثة جنيهات بالعملة الجديدة، لأنها كانت قد فقدت ذاكرتها في أيام تغيير العملة الوطنية مطلع العقد الأخير من القرن العشرين·
 
إضافة للعريضة التي قدمتها نورا الفتاة الجميلة المخبولة، طالبة تأخير موعد غروب الشمس يوم السابع و العشرين من شهر أغسطس، لإتاحة الفرصة لوردات صباح الخير لتبقى متفتحة ولإتاحة الفرصة لخطيبها الجندي الذي استشهد في أحراش الجنوب، كما ورد في إعلان رسمي، ليعود لأنها حلمت بعودته مرهقاً من وعثاء الموت في غسق أرجواني تطل من حوافه وردات نبات صباح الخير التي أصبحت الواحدة منها في حجم كرة قدم، في يوم في آخر أيام شهر أغسطس يمتد فيه غروب الشمس إلى ما بعد صلاة العشاء·
 
أثناء ذلك وقبل وصول وفد الترحيب، واصل السيد المشير تتبع إشارات الخريطة رغم صعوبة مطابقتها مع مواقع الأشياء أمامه، كما أن فراغ ذاكرته كان يجبره على بذل جهد مضاعف لمحاولة تثبيت الوقائع الجديدة في ذاكرته، وفجأة تعثرت قدمه بجذر ناتئ وسقط علي وجهه·
 
أدى ارتجاج ذاكرته إلى حركة مفاجئة للذكريات التي رسبت في قاع ذاكرته فرأى صوراً مذهلة في وضوحها ترقى لزمان غابر رأى فيها نفسه جالساً علي مقعد وثير في غرفة واسعة تطل على حديقة استوائية تغص بأشجار التاهيتي والجهنمية وورد الحمير، رأى نفسه غارقاً في حبات ضوء بدا له منتميا لزمان أكثر قدماً وهو يدفن وجهه في صفحات صحيفته الرسمية، وفيما تعالت أصوات ضوضاء المظاهرات في الخارج كان رجال أمنه الفزعون يتدافعون من حوله:
 
سيدي الرئيس، العصيان المدني يشل المدينة، فيكتفي بإبعاد الصحيفة قليلاً عن وجهه ثم يعيدها مرة أخرى، فيشاهد صورته التي ترقى إلى أول أيام الاستيلاء على السلطة، لأنه وخلافا لمزاعم أجهزة إعلامه التي ادعت بأنه جاء إلى السلطةمن خلال انتفاضة شعبية قضت علي حكم الأحزاب· وأن ممثلي الشعب ونقابات العمال ظلوا طوال ثلاثة أيام يتوسلون إليه لتسلم أعباء السلطة من أجل إنقاذ الوطن من الفوضى التي ضربت أطنابها فيه من أقصي جنوبه الاستوائي وحتى أقصى شمال إقليم الصحراء، حيث لا شيء سوي القيظ في نهارات طويلة تتفتت فيها حتى الذكريات وتذبل فيها حتى الأوراق البلاستيكية لنبات العشر·
 
وخلافاً للشائعات الرسمية التي كانت تطلقها أجهزة أمنه بأنه جاء إلى السلطة بوحي قرار إلهي، وأن الوطن كله حلم به ليلة الثورة المجيدة فيما الأولياء الموتى يزفونه علي إيقاع نحاس الشبالنكيت، وأنه نصب مثل الشيخ بدوي أبودليق على ككر من الذهب، في محاولة لردم حقيقة أنه وصل إلى السلطة لأنه كان الشخص الوحيد الذي استيقظ مبكراً صباح ذلك اليوم النائي، والوطن كله في حالة سبات جماعي، لا عن نشاط أو طموح، ولكن لأنه كان الوحيد ضمن كتيبة كاملة الذي تعاطى خمراً مغشوشة في الليلة السابقة لاستيقاظه المبكر التاريخي·
 
ففي الثلث الأخير من تلك الليلة ارتدى ملابسه العسكرية الكاملة وطاف شوارع العاصمة، فاكتشف أن الوطن كله كان نائماً ولم يشاهد سوي بعض اللصوص يتراجعون بغنائمهم بالقرب من كوبري النيل الأزرق، اقتحم القيادة العامة للقوات المسلحة، فوجد الحراس نائمين وقد سقطوا أرضاً علي وجوههم، تفحص وضع سقوطهم ليتأكد أنه كان عسكرياً، وفي غرفة جانبية عارية من الأثاث إلا من منضدة صغيرة وجد الضابط العظيم يخلد إلى نوم احتفالي في بركة من البول وحوله أربعة زجاجات شري فارغة ومنفضة سجائر غاصة بالأعقاب وجهاز راديو ملقى علي وجهه وهو يصدح بأغاني فرنسية من محطة في الكونغو، اعتلى ظهر إحدى الدبابات قطع بها الشوارع الخالية وعبر كوبري النيل الأبيض·
صفحة 4
شاهد صيادي الأسماك نائمين على شاطئ النيل الأبيض وشعر برطوبة النهر الدافئة مختلطة بعفونة السمك الميت تكاد تخنقه، وفجأة شاهد ومضات ضوء غريب تلمع من علي البعد فوق صفحة مياه النيل الأبيض، لم يهتم بها ولم يتسن له أن يلاحظ مطلقاً أنها لم تكن سوى آخر ومضات الحياة في الوطن الواقف علي أعتاب العصر الأول للجفاف·
 
اقتحم الإذاعة دون أدنى مقاومة من الحراس الذين كانوا نائمين في مقاعدهم، في الداخل لم يجد سوي مذيع واحد مستغرق في النوم أزاحه بقدمه وأمسك بالميكرفون فاستيقظ الوطن كله على صوته الأجش: انقلاب عسكري·
 
لحظة أن فرغ من ارتجال بيانه الأول شعر فجأة بفداحة ما فعل: إنه يقوم بانقلاب في الإذاعة دون أية سند من أية وحدة عسكرية، فجأة تناهى إلى سمعه صوت إطلاق رصاص، اقترب منه ثلاثة ضباط برتبة رواد وأدوا له التحية العسكرية، ارتبك لبرهة قبل أن يرد على أول تحية عسكرية بصفته رئيساً للدولة، بادره أحد الضباط الثلاثة : تمام سعادتك، تم تأمين الموقع، وتحركت قوة لتأمين القيادة العامة، وقوة أخرى لتأمين منطقة وادي سيدنا وقوة ثالثة اتجهت نحو مدرعات الشجرة، وقوة رابعة قامت باحتلال القصر الجمهوري·
 
شعر ببعض الاطمئنان رغم أنه عاني شعوراً غامضاً بأنه كان يقوم بدور معد سلفاً، غادر الإذاعة في حراسة الرواد الثلاثة ليستقلوا عربة مدرعة عبرت بهم الشوارع التي بدأت تدب فيها حركة حذرة، شاهد بعض المواطنين يهتفون باسمه وفي أسفل كوبري النيل الأبيض، شاهد صيادي الأسماك الذين تركهم نائمين لدي مروره فجراً، شاهدهم يسحبون شباكهم التي تلمع فيها أسماك البياض والبلطي الفضية، شاهد عشاق الساعة السادسة والربع يتسكعون في شارع النيل، يسيرون بخطى ثابتة كأنهم رجال آليون بمحركات زمبركية·
 
شاهد صورته التي ترقى إلى أول أيام الاستبداد بالسلطة، وقرأ في بريق عينيه المرهق، قرأ إشارات ارتباكه الأول وهو يتلقى أول تحية عسكرية داخل القصر الجمهوري ويتعرف على أفراد المجموعة التي ساندت انقلابه ويستمع إلى آخر تقارير الموقف الذي بات جلياً أنه أصبح في صالحه وبسرعة لم تخطر على بال أحد·
 
وحتى يتفادى احتمال تفاقم ارتباكه وهو يقرأ برقيات التأييد التي بدأت تنهال من كل أرجاء الوطن، وحتى لا تختلط أسماء المجموعة التي ساندته بأسماء آخرين، قام بإحصائهم سراً، لم تكن تربطه بهم معرفة وثيقة فقد كانوا في رتب عسكرية أقل منه كثيراً، كما أنه وبسبب شهرته كملاكم ومحطم أبواب لم تسند له طوال عدة سنوات أية مهام قد تتطلب جهدا ًعقلياً، إلا انه تذكر أنه التقى بعض أفراد المجموعة أثناء مغامرات ليلية: النقيب عثمان محمد زين العابدين، التقاه أثناء عراك ليلي قبل سنوات نجم عن إفراطه في الشراب·
 
فقد كان يعبر بوابة القيادة العامة مساءً أثناء تفتيش روتيني، وفي اللحظة التي عبر فيها البوابة بعد أن أدى له الحراس التحية العسكرية، توقف فجأة وتراجع بخطوات متعجلة إلى الخلف، ثم انهال على الحراس ضرباً، أطاح بضربة واحدة بسبعة من الحراس دفعة واحدة وحطم بندقيتين، ورغم أن الحراس ولوا الأدبار، إلا أنه طاردهم دون هوادة، وفجأة أوقفته قبضة يد قوية على كتفه، توقف رغم أنه كان يعلم أن بإمكانه تحطيم صاحب هذه الكف بضربة إصبع، لكنه شعر بنفوذها الواثق يجتاح كيانه كله، فعرف أنه نفوذ أخلاقي يفوق مقدرته على المقاومة فاستسلم دون شرط، وفجأة فيما كان النقيب يقوده من يده نحو مكتبه جلس أرضاً وانخرط في نوبة بكاء عنيفة·
 
الملازم أكرم محمد نور الدين، التقاه أثناء شجار روتيني في حانة، نشأ لأن النادل تأخر لأقل من دقيقة في تلبية طلبه، بضربة واحدة كان قد حطم سياجاً من القنا يحيط بالمكان، أزاح من طريقه ستة مناضد بزبائنها نصف السكارى وحطم عشر زجاجات ويسكي وكان على وشك تحطيم المكان كله، حينما شعر بقبضة يد واثقة تكبحه· شاهد خلفه شاباً صغيراً: الملازم أكرم محمد نور الدين، كان شاباً صغيراً لدرجة أنه لم يره في البداية بعينه المجردة، حتى أنه اقترب منه قليلاً ليري شاباً وسيماً يمد له يده مبتسماً، تردد قليلاً قبل أن يري المقعد الذي كان يحمله في يده يسقط لا إرادياً ويستسلم لليد التي قادته ببطء إلى الشارع حيث عربته الصغيرة التي كانت تسع بالكاد جسمه الضخم·
 
الرائد حسن عزالدين الطاهر، التقاه في الحفل السنوي للكلية الحربية بمناسبة تخريج دفعة جديدة من الضباط، كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل بكثير حينما توقف المغني فجأة، وبدأ العازفون بالانسحاب، ودون أن يشعر وجد نفسه على المسرح، يحاول منع المغني وعازفيه من مغادرة المكان، لكن أحدا لم يستجب لمحاولاته، واستمر العازفون في جمع آلاتهم حينما أطاح بهم بضربة واحدة فاختلطت الأجساد مع الآلات التي عزفت لحنا نشازاً بعنف مفاجئ، ثم هبط من المسرح وبدأ الضرب في الصفوف الأمامية مراعياً تدرج الرتب العسكرية، حتى وصل طلبة الكلية الحربية الذين لم يهنؤوا بثياب التخرج الجديدة، فاختلطت ملابسهم بالوحل· حينما أوقفته ضربة كف واثقة على كتفه·
 
الخمسة الآخرون تذكر أنه التقاهم في مناسبات أقل أخلاقية : شجار في بيت للدعارة أقدم فيه على تحطيم باب غرفة وثلاثة مقاعد حينما وجد أحدهم سبقه في الدخول على الفتاة التي كان ينوي النوم معها، كمين دبروه لإفزاع زميل بتفجير لغم أرضي أثناء مرور سيارته·
 
شاهد صورته التي ترقى إلى أول أيام الاستيلاء على السلطة، رأى سمات خوف غامض ترتسم في ملامح وجهه فعرف في تلك اللحظة فيما أصوات المتظاهرين تصل إلى أسماعه مختلطة بالخطوات المتعجلة لمستشاريه وهم يجمعون مستندات فسادهم، عرف سخف مقولة أن التاريخ لا تحركه الصدفة والتي ظل يرددها طوال أكثر من أربعة عقود، لأنه بات واضحاً أمامه أن تاريخ حياته كله الذي صنع منه إعلام عصر الجفاف تاريخاً للوطن، كان في الواقع تحركه الصدفة المحضة، الصدفة وحدها هي التي جعلته يتزعم انقلاباً عسكرياً كان معداً سلفاً، وكان سيقع حتماً حتى لو ظل نائماً في ذلك اليوم الأغر كما وصفته القرارات الجمهورية·
صفحة 5
الصدفة هي التي جعلته يشرب في الليلة السابقة خمراً مغشوشة أطفأت في دواخله رغباته الأزلية في العراك والتدمير وحافظت على طاقة أبقته مستيقظاً في وقت أخلد فيه الوطن كله للنوم، الوطن كله بدءاً من مناطقه الصحراوية الجافة شمالا حيث لا شيء سوي الغبار يخيم فوق قفر أشجار السنط وحتى المستنقعات الجافة لآخر خريف منسي في قاع الوطن، حيث لا شيء سوي القحط والدمار الذي خلفته حرب أهلية نشأت في نفس لحظة مولد الوطن، لأنه ومنذ اللحظة التي بدأ فيها استبداده بالسلطة، بدأ الخريف يتراجع حتى اختفى في أدغال القارة السوداء، وأصبح الوطن كله حزاماً للجفاف، وتحولت المجاعة التي حصدت الآلاف في غرب وشرق وأواسط الوطن بفضل أجهزة إعلامه إلى دعاية يطلقها الإعلام الغربي بسبب السياسات الرشيدة للنظام·
 
ورغم أن صلاة الاستسقاء التي أمها بنفسه لم تثر شيئاً سوى الغبار، إلا أن أجهزة إعلامه أكدت أن وصوله إلى منطقة ما في نطاق الجفاف، كان كفيلاً بهطول المطر، حتى تعين علي مرافقيه ارتداء ملابس من المطاط مثل الضفادع البشرية، ليتمكنوا من مواصلة الطواف معه·
 
وأنهم في أحد أيام هذا الخريف المبارك كما وصفته أجهزة إعلامه، ضلوا طريقهم في منتصف النهار حينما حاصرهم المطر الكثيف بالقرب من بابنوسة، واتجهوا إلى الحدود التشادية فيما كان الخريف يتبعهم دون هوادة، وأنه تعين إجلاء ركب السيد الرئيس بفصيل من الدبابات بعد أن غرزت جميع سيارات اللاندروفر في الوحل، وفيما كانت قصص الخريف المبارك تملأ صفحات الجرائد الرسمية كانت فلول النازحين من الجفاف تشكل قرى عشوائية كثيفة حول العاصمة وكان وباء الكوليرا يحصد العشرات كل يوم·
 
بينما كان أهل القرية لا يزالون منهمكين في التشاور لتشكيل الوفد الذي سيقوم باستقبال السيد المشير، كان هو لا يزال مستسلماً لنوبة الذكريات التي رأي فيها مشاهد مختلفة من عصور استبداده الثلاثة تعبر في وضوح مذهل في قفر ذاكرته، رأى نفسه يجلس وحيداً في ضوضاء شفق ناء قبل عدة أشهر من استيلائه على السلطة، حينما فقد كل أفراد أسرته في حادث حركة مشؤوم·
 
كانت أسرته كلها والداه وخالاته وزوجته وإخوته الثلاثة متجهين في حافلة إلى مدينة كوستي لحضور مراسيم زواج أحد معارف الأسرة، حينما انقلبت السيارة واشتعلت فيها النيران· تلفت حواليه فوجد نفسه وحيداً في صحراء قاحلة لا عزاء فيها ولا حتى ومضة سراب، تشبث مثل غريق بقشة الشراب، وحين عرف بخبر الفاجعة بكى للمرة الأولى في حياته، لأن والدته أخبرته أنه لم يصرخ حينما خرج إلى الحياة·
 
استغرق في البكاء آنذاك حتى اعتقد الجميع أنه استنزف كل حصته المدخرة من الحزن المهمل، وطوال عدة أيام ظل باب بيته مغلقاً في وجه كل الذين جاءوا لزيارته، بعضهم جاء يؤدي له واجب العزاء، والجانب الأكبر منهم جاءوا بدافع الفضول لأنهم لم يصدقوا إمكان انخراطه في البكاء بسبب شهرته كملاكم ومحطم أبواب·
 
وفجأة في اللحظة التي اعتقد فيها الجميع أنه لم يعد مؤهلاً لممارسة الحياة بسبب استنزاف الموت، جفف دموعه وارتدى ملابس عسكرية جديدة وتأبط زجاجته واستأنف الحياة، استأنفها بضراوة أشد، لا ليعوض حيوات كل أولئك الذين ماتوا من أسرته كما اعتقد الكثيرون في البداية، ولكن خوفاً من الموت الذي نظف حواليه بدقة مقص جنايني وتركه مكشوفاً جاهزاً لضربة أخيرة·
 
استأنف الحياة بضراوة أشد حتى أن أحداً لم يجرؤ في أيام عودته الأولى على الشراب معه مساءً، ورغم ذلك كان يطاردهم ليلاً، يبحث عنهم دون هوادة، حتى أن معظم أصدقائه كانوا يعينون مرشدين لتنبيههم بوصوله، ليكتشف عند دخوله بعد أن يحطم كل الأبواب التي تقابله أنهم لاذوا بالفرار مستخدمين الجدران، ويكتشف أن كؤوس الشراب الأخيرة التي كانوا على وشك احتسائها لحظة وصول الإنذار لا تزال معلقة في الهواء وأن صحن الفول الضخم لا يزال ممتلئاً وساخناً·
 
كانت تلك المرة الأولى في حياته التي ينخرط فيها في البكاء، وبكي للمرة الثانية بعد أيام من إعدام الرائد عثمان محمد زين العابدين والرائد أكرم نور الدين والمقدم حسن عزالدين الطاهر الذين أدانتهم محكمة عسكرية، لم يستطع مطلقاً وطوال عدة سنوات أن ينسى مشهد تنفيذ حكم الإعدام في المقدم حسن عزالدين الطاهر فى منطقة الحزام الأخضر، شاهده في ضوء الفجر الوليد يسير إلى الموت بخطوات ثابتة رافضا أن تعصب له عينيه بعصابة سوداء قبل إطلاق الرصاص عليه·
 
والرائد أكرم محمد نور الدين الذي كان وسيماً وسامة مفرطة ويملك حضوراً قوياً حتى أن ظهوره في مكان ما كان يلغي وجود كل الآخرين، وكان مهذبا يستحي حتى أن يرفع عينيه في وجه طفل·
صفحة 6
واجهه مخموراً حتى لا يقع في مصيدة الضعف أمامه، ولم يوجه له سوى سؤال واحد لم يعرف حتى كيف واتته القوة ليقوله:
 
ألست نادماً على أنك شاركت في انقلاب ضدي ؟
 
رد الرائد أكرم نور الدين بحسم ودون أن يفارقه أدبه الجم :
 
أنا نادم فقط لأنني اعترضت على إطلاق الرصاص عليك منذ اللحظة الأولى·
 
وبكي للمرة الثالثة بعد أيام من إعدام اللواء الزبير سليمان شيخ الدين، صديق طفولته الذي أنقذ حياته مرتين، المرة الأولى أيام الحرب الأهلية الأولى، حينما كان السيد المشير على وشك السقوط في كمين لبعض مقاتلي الانيانيا بالقرب من أويل، كان هو واقفاً يرقب شمس سبتمبر الباهتة تشرق للمرة الأولى منذ عدة أيام من خلف السياج الذي يحيط بالبيت الصغير، وفجأة فتح شخص ما النار فسقط ثلاثة رجال ·
 
التفت خلفه فزعاً ليجد صديقه الرائد الزبير سليمان الذي تركه نائماً داخل البيت يقترب منه وهو يخفض فوهة بندقيته، وقال وهو يستند على السياج بجانبه: أيقظتني من النوم العناية الإلهية·
 
ورآه في ضوضاء الذاكرة في زمان آخر يتحدث واقفاً، رافضاً الجلوس حتى بعد أن أصدر له أمراً عسكرياً ليجلس:
 
لست هنا لأذكرك بأحداث انتهت سيدي الرئيس، بل لأحذرك من مغبة الطريق الذي تسير فيه، فنصف نساء الوطن أصبحن أرامل والنصف الآخر أصبحن ثكالي، تحول الوطن إلى مقبرة، ومن لم يمت بالتعذيب في معتقلات أجهزة أمنك، مات رميا بالرصاص، أو بسبب المجاعة التي تصر على إنكارها حتى كاد الوطن يخلو من سكانه·
 
إلا أنه لا يمكن خداع كل الناس طوال الوقت، فالناس كلهم يعلمون سخف دعاوى إعلامك بأن حملة الإعلام الغربي ضد الوطن هي رد فعل للتوجهات الرشيدة للحكم، لأن أخبار الوطن لم تحتل نشرات أخبار الإذاعات العالمية إلا لأنه الوطن الوحيد المعروض للبيع بالتقسيط المريح·
 
والناس كلهم يعلمون بأن الحملة التي أرسلتها إلى المديرية الاستوائية لم تكن من أجل القضاء علي دودة الفرنديد، بل كانت تهدف إجبار المتمردين علي التراجع نحو نطاق وباء إيبولا في زائير، ولا تحاول خداع نفسك بالرقص بلباس من ريش النعام مع دينكا بور تحت أشجار الباباي والغناء مع الشلك في احتفالات تتويج الرث :
 
أجاك أقرع الطبل قرعا ليدوي ···
 
على أرواح جدودنا·
 
لأن الحرب الأهلية اندلعت مرة أخرى سيدي الرئيس·
 
اللواء الزبير سليمان الذي حينما أحضر أمامه في المرة الأخيرة، جريحاً وممزق الملابس وحول عينيه هالات سوداء من أثر إرهاق عدم النوم طوال ثلاثة أيام بعد أن تزعم المحاولة الأخطر للإطاحة بالنظام، أمر السيد الرئيس بأن يعطى ملابس جديدة وأن تضمد جراحه ويخلد لراحة تامة قبل محاكمته، وحين صدر الحكم بإعدامه، لم يجرؤ على حضور تنفيذ حكم الإعدام، بقي داخل مكتبه حتى سمع صوت زخات إطلاق النار ثم صوت العربة التي حملت الجثمان تمضي بعيداً إلى الأبد، قبل أن يسلم نفسه طوال عدة أيام لنوبة إعصارية من تعذيب الضمير·
صفحة 7
وبعد بضعة أسابيع أمر بإرسال الفرقة التي نفذت حكم الإعدام في اللواء الزبير سليمان إلى مناطق العمليات في جنوب الوطن لدى تجدد الحرب الأهلية، وأمر بوضعهم في المقدمة، ثم راح بعد ذلك يتسقط أخبار موتهم:
 
الرقيب حمدان النور لقي مصرعه بعد انفجار لغم أطاح به إلى أعلى شجرة مانجو بالقرب من توريت·· والجندي دفع الله سليمان قتل برصاص المتمردين بالقرب من راجا صباح التاسع عشر من سبتمبر بينما كان نائماً، يشعر أن أوجاع ضميره باتت أفضل دون أدنى شعور بالخجل من تشفيه من وقائع الموت · · ·
 
الجندي الحسين نورين خطفه تمساح بينما كان يغسل ملابسه على ضفة بحر الجبل واضطر زملائه إلى الوقوف جامدين فيما التمساح يتلاعب به خوفا من إصابته إذا أطلقوا النار علي التمساح، حتى اختفى به التمساح إلى الأبد وبعد يومين عثروا على بقية عظامه داخل أجمة مهجورة·
 
الرقيب الفاتح محمد أحمد قتلته رصاصة طائشة مساء السابع من أكتوبر حينما كان في المقدمة يستكشف حقلاً للألغام قريباً من الحدود اليوغندية·· والجندي شرف الدين علي النور نفذت ذخيرته أثناء تبادل لإطلاق النار مع المتمردين بالقرب من نيمولي فقام المتمردون بنزع عينيه وتقطيع جسده إرباً··· أرباً، فيشعر بتحسن طفيف في موقف ضميره دون أن يؤرقه يقين اكتشافه أن نار عذاب ضميره لم تكن تطفئها سوى نار الموت·
 
يطرق برهة قبل أن يسأل: وأين الرقيب عبد العظيم التوم ، فيعرف أنه: في مستشفي القوات المسلحة سيدي الرئيس، حالته خطيرة بعد إصابته بطلقات نفذت إلى صدره أثناء كمين بالقرب من قوقريال·
 
تسلل ليلاً بعربته إلى مستشفي القوات المسلحة وصعد بهدوء إلى الغرفة التي كان الجريح يخلد فيها للنوم، اكتشف أن جسمه كان موصولاً بأنابيب التغذية والأوكسجين وأن ممرضة بدينة كانت تنام أرضاً بجانب فراشه·
 
قام بهدوء بسحب الأنابيب من جسد الجريح في نفس اللحظة التي شعر فيها بجسده يبطل شحنة رعدة خوف مفاجئة نبتت في أطرافه لحظة اكتشافه إن الرقيب عبد العظيم التوم استيقظ للحظة أخيرة وحدق فيه بعيون تقطر حزناً وحقداً قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة·
 
كانت أولى العلامات التي ظهرت كمؤشر لبدء نشوء خلل في ذاكرته في أحد أزمنة سلطته، قد ظهرت في شكل بدء خلو ذاكرته من أخطائه الدموية العظيمة، ليس فقط نتيجة لرفضه الباطني الجازم للاعتراف بها ولكن أيضاً لفراغ روحه الذي أتاح له سلطة انتقائية على الذكريات، ولم تكن المشكلة تكمن في خطورة هذا الفراغ الذي يتيح له التنصل من كل منجزات عهده من الأخطاء، بل في احتمال ارتكابه لأخطاء جديدة أكثر دموية لشغل فراغ ذاكرته·
 
رغم أنه أبدى في تلك الأيام وللمرة الأولى منذ استيلائه علي السلطة قبل أكثر من عقدين من الزمان، أبدى مرونة لا تصدق تجاه الموت، لا كواقعة بل كرمز، رغم رفضه المعلن له كمبدأ، حتى أنه استعاض في الأيام الأخيرة عن عصا الشيخ الحسين الضرير التي عصمته من الموت طوال سنوات كما كانت تؤكد شائعات رجال أمنه، استعاض عنها بمسبحة من اللالوب طولها سبعة أمتار أحضرها منافقوه الأقربون وزعموا أنها كانت تخص الشيخ حسن ود حسونة·
 
كما أظهر تسامحاً هادئاً في التعامل مع المنغصات اليومية، فاستمع بصبر إلى وزير المالية وهو يعرض عليه فحوي آخر تقرير لصندوق النقد الدولي عن التدهور الشديد في الاقتصاد الوطني، وفحوى تقرير آخر عن فشل كل محاولات الحصول على قروض من مؤسسات الإقراض الدولية لاعادة تأهيل مشاريع التنمية·
 
استمع بلامبالاة هادئة كأن كل هذه المصائب تحدث في وطن آخر لايخصه، بل أنه طلب نسخاً من جريدة المعارضة الخارجية التي تصدر خارج الوطن والتي تتحدث بالوثائق عن فساد نظامه·
 
وخلافاً لتعليماته السابقة فقد رفض التصديق باستخدام الذخيرة الحية لتفريق مظاهرة كانت تعبر في تلك اللحظة في قلب العاصمة لذوي الضباط الذين أعدموا دون محاكمة في آخر محاولة انقلابية ضده، بعد فشل استخدام الغاز المسيل للدموع، كما أمر بتجاهل مرور مظاهرة لذوي المفقودين منذ أول سنوات استبداده بالسلطة·
صفحة 8
في الساعة الثانية ظهراً كان السيد وزير المالية قد فرغ من تلاوة المقترحات التي وضعها من أجل محاولة إنعاش اقتصاد الوطن، تبدأ بتخفيض الإنفاق الحكومي وإعادة ربط الميزانية المنفصلة المخصصة لجهاز الأمن القومي بوزارة المالية، وإيقاف المطبعة الخاصة التابعة للقصر والتي تطبع النقود خارج إشراف بنك الوطن، لوقف انهيار العملة الوطنية، وتكوين لجنة لمحاسبة المسؤولين الذين تحوم شبهات حول تورطهم في صفقات مشبوهة·
 
وتحدث الوزير بإسهاب مدعم بالأرقام والمستندات عن الشركات المحسوبة علي مسؤولين مقربين منه، والمتخصصة في استيراد سلع كمالية ممنوع استيرادها، ودون دفع أية جمارك عليها، كذلك اقترح وزير المالية إعلان المجاعة حتى تتمكن الحكومة من الحصول على دعم خارجي لمواجهة الكارثة·
 
رافق الوزير حتى باب مكتبه، ووعده بأنه سوف يدرس اقتراحاته ويضعها فوراً موضع التنفيذ، ووجهه بمواصلة مباحثاته مع مندوب صندوق النقد الدولي ومحاولة تخفيف شروط الصندوق من أجل الحصول على قروض جديدة·
 
حيث يشترط الصندوق تخفيض قيمة العملة الوطنية المنهارة أصلاً:
 
لأننا لو خفضنا قيمة العملة مليماً واحداً فلن يكفي جوال من هذه الأوراق لشراء ربطة جرجير !
 
ورفع الدعم عن السلع الأساسية : لأننا ودون أن نرفع الدعم··· وأشار بيده باتجاه ضوضاء مظاهرة النازحين بسبب المجاعة·
 
كانت الساعة الثالثة إلا ثلاث دقائق حينما ودع الوزير بابتسامة وعاد إلى مكتبه، فيما غادر الوزير القصر على عجل للحاق بدعوة غداء يقيمها لمندوب صندوق النقد الدولي بالفندق الكبير، ولحظة توقفه أمام الفندق الكبير دقت الساعة الثالثة في راديو سيارته، لبث قليلاً داخل السيارة ليستمع لمقدمة نشرة الساعة الثالثة وكان أول خبر في موجز النشرة: قرار جمهوري بإقالة وزير المالية·
 
رأى نفسه في متاهة الذاكرة جالساً علي مقعد وثير في غرفة واسعة بها مائدة اجتماعات ضخمة من خشب التيك ولوحات جدارية تصور احتفالات لوضع أحجار الأساس لمشروعات منسية·
 
رأى نفسه غارقاً في ضوء الساعة الرابعة بعد الظهر المتسرب عبر وردات أشجار الجهنمية والتاهيتي واللانتانا وهو يدفن وجهه في رمال صحيفته الرسمية، شاهد نفسه وهو يتفحص تقاطيع وجهه على مرآة صغيرة، لا ليتأكد من أن صورته المنشورة في الصفحة الأولى للصحيفة الرسمية تنطبق على نفس ملامحه وأنها لا تخص شخصاً آخر، بل ليتأكد أنه ظل حياً رغم أن الرصاصات التي أطلقت من أجل موته، كانت تكفي لفناء جيل كامل، وأن المظاهرات التي خرجت تطالب برأسه مع بدء كل عهد جديد للاستبداد بالسلطة ومع كل زيادة جديدة في أسعار الوقود والخبز ومع ازدياد أعداد المفقودين وتجدد الحرب الأهلية، كانت تكفي لإسقاط ألف نظام·
 
شاهد صورته التي ترقى إلى أول أيام الاستبداد، رأى العميد أبا بكر محمد عثمان النور واقفا بجانبه مثلما كان يفعل دائماً منذ الطفولة منذ أن كانا يلعبان سوياً في أزقة أم درمان القديمة التي يتوه فيها حتى ساكنوها القدامى، يتذكر الآن أنه كان يستغرق في الضحك حتى تسيل الدموع من عينيه كلما سمع مقولة أن فأراً هو الذي قام بتخطيط هذه المدينة القديمة·
 
العميد أبو بكر محمد عثمان النور، صديق عمره، صداقة كان مقدراً لها ألا يفصم عراها إلا الموت، العميد أبو بكر الأول في المدرسة، الأول في سباقات الجري، حتى في لعبة الاختباء التي كانوا يمارسونها في الأزقة كان يختفي كأنه شيطان، ولا يظهر من أقل الأماكن توقعاً إلا بعد أن يفقدوا الأمل تماماً في العثور عليه·
 
كان الأول دائماً، ورغم ذلك لم يكن يحقد عليه، رغم أنه كان يرزح في غبار المؤخرة، كان هو الوحيد الذي لا يبذل جهداً للحفاظ على مستوى أدائه، لأن البقاء في المؤخرة لا يتطلب جهداً يذكر: استراحة مطلقة في الفشل·
 
العميد أبو بكر محمد عثمان النور الذي قام بصد القوات الزائيرية التي تسللت داخل حدود الوطن لمطاردة ثوار السمبا أنصار الزعيم باتريس لوممبا، وحينما انتشر وباء الكوليرا بين الجنود وفي أحياء السافنا الفقيرة، قام بإعلان التعبئة لمحاصرة الوباء رغم التهديد المستمر من متمردي حركة الانيانيا، ولم يذق طعم النوم طوال عدة ليال حتى تم احتواء الوباء·
 
العميد أبو بكر محمد عثمان النور الذي لم يعرف مطلقاً سبب موته، ففي حين صدر إعلان رسمي بأنه توفي اثر إصابته بحمى خبيثة عشية عيد الأضحى المبارك أثناء أدائه لمهمة خاصة في جنوب الوطن، أكدت شائعات موثوقة أن الحرس الرئاسي أطلق النار عليه وأرداه قتيلاً حينما أقدم فجأة أثناء نقاش ساخن مع السيد الرئيس على توجيه اللكمات له وإلقائه أرضًا·
صفحة 9
شاهد صورته تطل من صحيفته الرسمية، صورته التي ترقى إلى أول أيام عصر الجفاف الذي تزامن مع استيلائه على السلطة فتراجع الخريف عن الوطن وغارت المياه الجوفية في باطن الأرض حتى استحال الوصول إليها، حتى الطيور المهاجرة اختفت من سماء الوطن·
 
تستغرقه الصورة فيشعر بها تنشيء حواجز من الذكرى حوله فلا يكاد يستمع إلى أصوات رجال أمنه: سيدي الرئيس رجموا وزارة الداخلية بالحجارة وأوسعوا الوزير ضربا بعصي الخيزران حينما خرج ليحاول تهدئتهم، يستمع إلى أصواتهم البعيدة القادمة من قاع الذاكرة ويقول بعد مدة طويلة وكأن الأمر لا يعنيه:
 
لا يستطيع حتى حماية نفسه ·· هذا المغفل ! ···
 
يستمع للأصوات المذعورة من حوله تحولها حواجز الذكرى التي تغرقه إلى مجرد همس متقطع:
 
سيدي الرئيس أحرقوا وزارة المالية، وسحلوا الوزير في التراب، فيشعر ببعض التشفي في قاع لاوعيه، يتمتم: يستحق أكثر من هذا ·· هذا المفلس !
 
تستغرقه الصورة فيشعر بنفسه ليس مجرد رسم ضوئي في واجهة الصورة، بل يشعر بنفس أعراض زمان الصورة، يرى وتيرة المواسم تتحول من حوله لتحكي زماناً يتوافق مع نفس ملامح المكان، ويستمع لصخب قديم يرقى للعصر الأول للجفاف، يري رجال أمنه المذعورين وقد استعادوا ثقة الزمن الغابر حينما كان بمقدورهم اكتشاف المؤامرات حتى قبل أن يفكر فيها منفذوها، يقولون له:
 
الأول عثرنا عليه في مطعم أتينيه سيدي الرئيس، كان يغني بصحبة مجموعة من السكارى أغنية 'لو ما مصدقنا أسأل العنبة الرامية فوق بيتنا' وحينما رفعناه من الأرض وجدناه غارقاً في بركة بول ساخن تفوح منه رائحة الأسيتون·
 
والثاني عثرنا عليه في العرض الثاني في سينما الحلفايا أثناء عرض فيلم هندي لشاشي كابور ووجدنا حوله أربعة زجاجات شري فارغة وكان يغني مع شاب من قبيلة الدينكا أغنية غير معروفة بلهجة غربي جوبا يرددان فيها نبوءات الزعيم قويك قندنق بونق بأن الحرب الأهلية سوف تندلع مرة أخرى·
 
والثالث تبعناه وهو يعبر مجاهل السافنا، متنكراً مرة في زي رعاة الماساي ومرتدياً في مرات أخرى زي قبيلة الذاندي زاعماً أنه حفيد الملك بودوي باسنقبي الذي قتل علي يد الإنجليز في مطلع القرن العشرين، وفقدنا أثره فجأة في منطقة الحدود الكينية ثم عثرنا عليه مرة أخرى بعد ثلاثة أيام بزي سائح أمريكي وكان يستخدم نظارة معظمة يراقب بها أسراب طائر البشروش المهاجر حول ضفاف بحيرة ناكورو·
 
والرابع تبعناه وهو يعبر نطاق موسم الدرت وكان يشارك أثناء مروره في عمليات حصاد الذرة والسمسم ووجدناه مشاركاً في مهرجان رقصة تيوكوبو بزي فقيه من الفولاني، زاعماً لنفسه مقدرة خارقة على شفاء الجروح حتى جروح القلب الأكثر نسياناً·
 
ثم اقتفينا آثاره وهو يعبر مع عصابات التهريب التي تقوم بتهريب السكر والصمغ العربي من داخل الوطن، ثم وهو يتوقف ليشارك في مهرجان لاختيار ملكة جمال بحيرة تشاد وشاهدناه يرقص السنجكا وكأنه ولد وعاش في تلك الأصقاع النائية حيث لا شيء سوي أحراش الصحراء المنسية التي يعبر فيها في أمسيات ضوء القمر قطاع الطرق الذين خلفتهم سنوات طويلة من حروب أهلية لا تنتهي·
 
ثم عبر نهر النيجر على متن قارب صيد صغير وتبعناه وهو يخترق الصحراء الكبرى برفقة قافلة من قبيلة الطوارق وحين أوشكنا علي الوصول إليه بالقرب من مدينة كانو، فقدنا أثره فجأة لدى بدء هبوب رياح الهارمتان الموسمية·
 
والخامس عثرنا عليه في مستشفي التيجاني الماحي وحتى نصدق بأنه مصاب بانفصام الشخصية حاول أن يحدثنا بلسانين مختلفين في وقت واحد، إلا أننا استطعنا تمييزه بسهولة لأنه كان المجنون الوحيد الذي اعترف بأنه مصاب بالجنون·
 
والسادس عثرنا عليه في ملابس شحاذ جوار الجامع الكبير ولم يكن يستجدي المارة بل كان يعظهم، وفي البداية اعتقدنا أنه مجرد واعظ مخبول يستمع له المارة بدافع الفضول، وكان يلوح في يده بنسخة من كتاب بدائع الزهور لابن إياس لولا أننا لاحظنا أنه كان في حديثه يستوحي مقاطع من رأس المال·
 
بعد أن تم الاتفاق على تشكيل الوفد الذي سيقوم باستقبال السيد المشير، نشأت مشكلة أخرى استغرقت وقتاً طويلاً قبل أن يمكن احتواؤها، فقد أصر سليمان ودحاج علي الأعرج على أن يكون رئيساً للوفد، مستنداً في إصراره علي أنه كان أول من رآه وأول من أعلن وصوله للقرية، كما أنه استند إلى واقعة قديمة حدثت قبل سنوات أثناء سمر ليلي فوق كثبان الرمال شرق القرية، فقد اقترح أحد الحضور أن يقوم كل واحد بوضع تصور خاص لصورة السيد المشير وتقوم مجموعة محايدة باختيار أفضل تصور·
 
كان سليمان ود حاج علي الأعرج هو الوحيد الذي نجح آنذاك في رسم صورة للسيد المشير موضحاً فيها سماته العسكرية وإن كان نجاحه بائساً فقد تخيله في صورة مجند في قوات الشرطة الشعبية يتعقب السكارى ويطارد النسوة المسنات لجمع الضرائب على أشجار النخيل·