إهداء
إلى روح والدي الطاهرة في الملكوت الأعلى.
إلى قبس النور والعطاء الرّباني،
والدتي أطال الله عمرها.
أهدي أولى الثمرات.
هاجر
بسم الله الرحمن الرحيم
(ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ...)
)الآية 125 من سورة النحل)
المقدمة
خلق الإنسان وقد ميّزته ملكة فرقته عن سائر المخلوقات، كانت ملكة الكلام والتّخاطب مع أبناء جنسه من البشر، وكما يقال: اللّسان آلة البيان، وبه نحا الإنسان مناحي شتى في كلامه وصفات تخاطبه وما هيّئت له من مواقف تناسبها.
وقد تعدّدت أوجه التّخاطب الإنساني بتنوّعها بين الخطابات الكتابيّة والشّفويّة، وكان الخطاب الحجاجيّ في هذه وتلك؛ إذ يعدّ ركيزة النّصوص الموجّهة المتضمّنة للمقصديّة والنّقاش والنّقد والجدل، والتي منها: النّصوص القرآنيّة، والفلسفيّة، والفقهيّة، والأدبيّة.
ولم تكن دراسة النّص الحجاجيّ حديثة ولا من مستجدّات العصر، إنّما يوغل بها التّاريخ إلى اليونان وما جاء في مؤلّفات "أرسطو"، ولا سيما عن الخطابة، ثم ما توارثه العرب عن أصول الخطابة ومميّزات الخطيب، انتهاء إلى الإرث الفكريّ الضّخم الذي أحاط بكلّ ما يمكن أن يطرأ على هذا النّص من خلال تطبيقات كبار المفكّرين والفلاسفة والفقهاء على مختلف النّصوص: القرآنيّة، والفلسفيّة، والكلاميّة،…
ومن هنا جاءت فكرة البحث في مجال: الخطاب الحجاجيّ بمنظور حديث، كميدان بِكر لاسيما في الدّراسات العربيّة الحديثة، يغري باستطلاع ماهيته، والوقوف على أهمّ أنواعه وخصائصه في الفكر العربيّ الحديث، حيث أنه درس تحت عناوين مختلفة باختلاف توجّهات أصحابها، وهذا الاختلاف بقي قيد مدوّنات معيّنة دون أن يطال المؤلّفات الأدبيّة- التي لا تتضمّن في نظر كثير من الدّراسين خطابا حجاجيّا صريحا- وكان هذا حافزا يبعث على محاولة البحث عن خطاب حجاجي شبه مكتمل المعالم- استنادا إلى بعض الدّراسات- في مدوّنة أدبيّة لعلم من أعلام الحجاج الأدبّي والإصلاح الاجتماعيّ معا، انطلاقا من إشكاليّة تتلخّص في:
-إ ن كان الحجاج فكرة أو تقنيّة متضمنة في الخطابات التّواصلية البلاغيّة والفلسفيّة والتّداوليّة؟
- مميّزات بنية هذا الحجاج تحت هذه العناوين، وأهم خصائص تكوين هذه الخطابات الحجاجية؟
- وهل يمكن لكلّ هذا أن يتوفّر في مدوّنة أدبيّة واحدة (مقاليّة التّأليف)؟
وهذه الإشكالية بتفرّعها شكّلت هيكل الطرح وخطّته:
- في التمهيد كانت محاولة للوقوف على إشكالية أساسية تعترض البحث، وهي الفصل بين مصطلحي النّص والخطاب؛ وذلك بعد ورود مصطلح الحجاج تحت كل منهما في مواضع مختلفة، ولتعذّر تبنّي أحد المصطلحين لتعدّد النّظريات والآراء حولهما، ثم اللّجوء إلى حملهما على محمل واحد وبدلالة واحدة، حيث يكون النّص هو الخطاب والخطاب هو النّص اتّباعا لمنهج تحليل الخطاب في التعامل معهما.
وجاء الفصل الأول نظريا؛ ضم مدخلا تمهيديّا عرّف فيه الحجاج معجميّا في الثّقافة العربيّة والفرنسيّة والإنجليزيّة، ولابدّ للتّعريف المعجميّ من آخر اصطلاحيّ تمثّل في المبحث الأوّل الذي كان بحثا في ماهية الحجاج قديما وحديثا في الثّقافتين الغربية والعربية والوقوف على أهمّ النّظريات والدّراسات لدى أشهر مفكّري ودارسي العصور القديمة الحديثة في الفكرين الغربيّ والعربّي معا. أمّا المبحث الثّاني فتناول أنواع الخطاب الحجاجي استنادا إلى التّقسيمات الحديثة- الغربية والعربية معا- وتمثّلت في أنواع ثلاثة: الخطاب الحجاجي البلاغيّ، والخطاب الحجاجي الفلسفيّ، والخطاب الحجاجي التّداوليّ، أمّا خصائص هذه الأنواع فقد كانت عنوانا للمبحث الثّالث والأخير في هذا الفصل، وتمثّلت في: الخصائص الأسلوبيّة للخطاب الحجاجي البلاغيّ، والخصائص المناظراتيّة للخطاب الحجاجي الفلسفيّ، والخصائص الحوارية للخطاب الحجاجي التّداوليّ.
أمّا الفصل الثّاني فهو تطبيقيّ، يبحث في أنواع الخطاب الحجاجي وخصائصه في ((كتاب المساكين)) لـ:"الرّافعي"، حيث يبتدئ بتمهيد يستعرض تعريف الخطاب الأدبـي كمدخل، ثم تبيين لسمات المقال عند "الرّافعي" وأنواعه، يتلو هذا المدخل المبحث الأوّل الخاصّ بالخطاب الحجاجي البلاغي وخصائصه الأسلوبيّة في هذا الكتاب، انطلاقا من البنية البلاغية للخطاب الحجاجي والمتمثّلة في الصّور البلاغية العامّة للحجاج وصولا إلى الخاصّيتين الأسلوبيّتين للخطاب الحجاجي البلاغي: الاستعارة بنوعيها، والمثل بأنواعه المختلفة، وخصّ المبحث الثاني بالخطاب الحجاجي الفلسفي، بنيته وخصائصه المناظراتيّة: المناظرة (المحاورة القريبة) والتّناص (المحاورة البعيدة). وكان المبحث الثّالث للخطاب الحجاجيّ التّداولي، بنيته وخصائصه: التّشخيص المقام. وفي الأخير خاتمة كانت خلاصة ما أفدناه من نتائج هذا البحث.
هاجر في 1-9-2003
التمهيد
النص والخطاب (إشكالية المصطلح)
يستحوذ مصطلحا "النّص" و"الخطاب" على اهتمام أغلب الدّارسين والنّقاد باختلاف مدارسهم واتجاهاتهم، ولكن لا يكاد المتتبع لهذه الدراسات أن يقف على تعريف شاف لأي منهما، ولا سيما وأن أول ما سيواجهه هو إشكالية تتمثل في:
إن كان النص والخطاب مفهومين منفصلين، أم أن كليهما واحد؟ فعندما نقرأ بعض الدراسات نجد كثيرا منها قد استعملت مصطلح النص (Texte)؛ وهي تقصد الخطاب (Discours)، ونجد كثيرا منها قد استعملت الخطاب وهي تقصد النص، ولذلك نتساءل: ما الفرق بين النص والخطاب؟ أين يلتقيان وأين يفترقان؟.[1]
أ- الّنص:
1- النّص لغة:
تتعدد معاني هذه المفردة في اللغة بتعدد استعمالاتها ونجدها مجملة في ((لسان العرب)) لـ:"ابن منظور" كالآتي: النص: رفعك الشيء، نص الحديث ينصه نصا: رفعه، وكل ما أظهر فقد نص، (…] ونص المتاع نصا: جعل بعضه على بعض، وأصل النص أقصى الشيء وغايته، ونص كل شيء منتهاه[2]. فهي- المعاني- بمعنى الإظهار والتبيين، وكذا بمعنى السبك والترتيب، وترد بمعنى نهاية الشيء وغايته الكلية كالكلام مثلا.
2- النّص في الدراسات القرآنية:
أما عند الفقهاء: نص القرآن ونص السنة؛ أي ما دل ظاهر لفظها عليه من الأحكام[3]. ويعرفه "الشريف الجرجاني": النص ما لا يحتمل إلا معنى واحد أو ما لا يحتمل التأويل[4]. بينما يرى "محمد مفتاح" أن أول المؤسسين لمفهوم النص في الثقافة العربية هو: "الشافعي" الذي عرف النص في ((رسالته))، وقرر أن النص هو: المستغنى فيه بالتنـزيل عن التأويل[5]، وفي هذا التعريف ربط لمفهوم النص بالتأويل على غرار التعريفين السابقين، لكنه ليس بمعنى المرادفة، إنما بمعنى المفارقة؛ أي برفض التأويل واستخراج المعاني المتعددة. وهذا أمر معروف لدى كثير من المفسرين، والمتصوفة، والمؤرخين.
3- النّص في الدراسات اللغوية الحديثة:
أما الدراسات الحديثة، فقد انطلقت في تعريفها للنص من المفهوم الغربـي المأخوذ كما هو معلوم من اللاتينية (Textus) وتعني النسيج[6]؛ أي أنه كما يعرفه "فاولر": بنية في أصلها متوالية من الجمل المترابطة فيما بينها تشكل استمرارا ونسيجا على صعيد تلك المتوالية[7]. وفي لسانيات النص تشكل كل متتالية من الجمل نصا؛ شريطة أن يكون بين هذه الجمل علاقات أو على الأصح بين بعض عناصر هذه الجمل علاقات، تتم هذه العلاقات بين عنصر وآخر وارد في جملة سابقة أو لاحقة:
ويزيد "جان ميشال آدام Jean Michel Adam" على هذا في كتابه: ((مبادئ في اللسانيات النصية Elemants de Linguistique Textuelle))، بأن النصهو وحدة التبليغ والتبادل، ويكتسب النص انسجامه وحصافته (pertinence) من خلال هذا التبادل والتفاعل[8]. أما "محمد مفتاح" فيورد لفظ "التنضيد" كضمان للانسجام في تعريفه للنص بأنه: عبارة عن وحدات لغوية منضدة ومتسقة، لأن التنضيد يضمن انسجام العلاقة بين أجزاء النص، مثل: أدوات العطف، وغيرها من أدوات الربط[9]. فهذه التعريفات حصرت في معظمها ماهية النص في ظاهر الكلام، أو في جانبه الفيزيقي من حيث مكوناته وتراكيبه.
ب- الخطاب:
1- الخطاب لغة:
لم يخرج "ابن منظور" في تعريفه لمصطلح "الخطاب" وتحديد مفهومه عن دلالة الكلام ومعاييره، وهو ما ذهب إليه كثير من علماء اللغة قديما وحديثا، يقول" ابن منظور": الخطاب والمخاطبة مراجعة الكلام، وقد خاطبه بالكلام مخاطبة وخطابا، وهما يتخاطبان، والخطبة مصدر الخطيب، وخطب الخاطب على المنبر، واختطب يخطب خطابة، واسم الكلام الخطبة (…] وذهب أبو إسحاق إلى أن الخطبة عند العرب: الكلام المنثور المسجع، ونحوه، وفي التهذيب: الخطبة مثل الرسالة التي لها أول وآخر[10].
2- الخطاب في الدراسات القرآنية:
ورد الخطاب في القرآن الكريم بصيغة المصدر في ثلاث آيات وهي: قوله تعالى: (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآَتَيْنَاهُ الحِكْمَةَ وَفَصْلَ الخِطَاب) (سورة صالآية 20)، وقوله تعالى: (فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الخِطَاب) (سورة صالآية 23) وقوله عز وجل: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنُ لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا) (سورة النبأ الآية 37).
وورد بصيغة الفعل في آيات ثلاث أيضا وهي: قوله تعالى: (وَإِذَا خَاطَبَهُم الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاًمًا).
(الفرقان الآية 63)، وقال تعالى: (وَلاَ تخُاَطِبْنِي فِي الذِينَ ظَلَمُوا) (هود الآية 37)، وقوله عز وجل: (وَلاَ تخُاَطِبنِي فِي الذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُغْرَقُونَ) (المؤمنون الآية: 27).
تتفق كتب التفسير في ضبط مفهوم الخطاب كما ورد في هذه الآيات، ومنها ما أورده "الزمخشري" في:
((كشافه)) في تفسير كلمة "الخطاب":
ففي قوله تعالى: (وَلاَ تخُاَطِبنِي فِي الذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُغرَقُونَ). وردت بمعنى: لا تدعُني في شأن قومك…[11]. وفي قوله تعالى: (لاَ يَملِكُونَ مِنهُ خِطَابًا)؛ أي لا يملكون أن يخاطبوه بشيء من نقص في العذاب أو زيادة في الثواب[12]. وقوله عز وجل: (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآَتَينَاهُ الحِكمَةَ وَفَصْلَ الخِطَابِ) القصد الذي ليس فيه اختصار مخل ولا إشباع ممل[13]. وفي قوله تعالى: (فَقَالَ أَكفِلنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الخِطَاب). فهذا التفسير شأنه شأن باقي الكتب والمعاجم، قرن الخطاب بالكلام كفعالية فردية ونشاط ذاتي يعتمده المتكلم في تعبيره عن أغراضه.
3- الخطاب في الدراسات اللغوية الحديثة:
يورد "إبراهيم صحراوي" في كتابه: ((تحليل الخطاب الأدبـي))، إحاطة شبه تامة بهذا المصطلح؛ حيث يرجع ظهوره في حقل الدراسات اللغوية إلى الغرب، أين نما وتطور في ظل التفاعلات التي عرفتها هذه الدراسات، ولا سيما بعد ظهور كتاب "فرديناند دي سو سير Ferdinand de Saussure": ((محاضرات في اللسانيات العامة))؛ الذي تضمن المبادئ الأساسية التي جاء بها هذا الأخير، وأهمها: تفريقه بين الدال والمدلول؛ واللغة كظاهرة اجتماعية، والكلام كظاهرة فردية، وبلورته لمفهوم "نسق" أو "نظام" الذي تطور فيما بعد إلى بنية[14].
وقد خضع مفهوم هذا المصطلح للتعدد بناء على تعدد مدارس واتجاهات الدراسات اللسانية الحديثة، وتضمن بهذا كل خصائص هذه الاتجاهات حتى استشكل تعريفه أو الوقوف على ميزات خاصة به لا تجمعه بالنص، ولا تتيح فرصة تميزه عن لسانيات النص، والجملة وتحليل الخطاب، ولسانيات الخطاب كذلك "Linguistique de discours"، لكن هذا التشتت سيمنح فرصة التعرف على شتى هذه الاتجاهات بتعدد التعاريف، والتي منها ما يشير إليه "دومينيك مانقينو
D. Maingueneau" في كتابه: ((الاتجاهات الجديدة في تحليل الخطاب))، حيت يعزو تعدد دلالات الخطاب إلى خروج تحليل الخطاب عن المجالات اللسانية أحيانا وينتهي إلى تعريفه كما يلي:
1- الخطاب مرادف للكلام عند "دي سوسير"، وهو المعنى الجاري في اللسانيات البنيوية.
2- هو الوحدة اللسانية التي تتعدد الجملة فيها وتصبح مرسلة كلية أو
ملفوظا.
3- الخطاب ملفوظ طويل أو هو متتالية من الجمل تكون مجموعة منغلقة يمكن من خلالها معاينة بنية سلسلة من العناصر بوساطة المنهجية التوزيعية وبشكل يجعلنا نظل في مجال لساني محض[15].
وفي المجال نفسه يعرف "بيار جيرو p. Guiraud" الخطاب، فيقول: الخطاب يفرز أنماطه الذاتية وسننه العلامية والدلالية فيكون سياقه الداخلي هو المرجع، ليقيم دلالاته حتى لكأن الخطاب هو معجم ذاته[19].
غير أن للنقد مفهومه الخاص الذي تجاوز به المفهوم الألسني البحت، وهو ما تجلى في كتابات بعض المفكرين المعاصرين وفي طليعتهم الفرنسي "ميشال فوكو M. Faucault" الذي استطاع أن يحفر لهذا المفهوم سياقا دلاليا اصطلاحيا مميزا عبر التنظير والاستعمال المكثف في العديد من الدراسات، وفي هذه الأعمال يحدد "فوكو" الخطاب بأنه: شبكة معقدة من العلاقات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي تبرز فيها الكيفية التي ينتج فيها الكلام كخطاب ينطوي على الهيمنة والمخاطر في الوقت نفسه[20]. والخطاب في البحث النقدي هو فعل النطق أو فاعلية تقول، وتصوغ في نظام ما يريد المتحدث قوله،…. هو كتلة نطقية لها طابع الفوضى، وحرارة النفس، ورغبة النطق بشيء ليس هو تماما الجملة، ولا هو تماما النص بل هو يريأن يقول، هو فاعلية يمارسها مخاطب يعيش في مكان، وفي زمان تاريخي تسود فيه العلاقات الاجتماعية بين الناس[21]. فهذه التعريفات النقدية تحرر الخطاب من قيد التعريف الشكلي، ليذوب في شبكة العلاقات الاجتماعية بأنواعها، ويرتبط بالممارسة الفعلية المرتبطة بالتداول دائما لكن للخطاب تعريفا شاملا ووظيفيا أجمله "سعد مصلوح" في قوله إن الخطاب هو: رسالة موجهة من المنشيء إلى المتلقي تستخدم فيها الشفرة اللغوية المشتركة بينهما، ويقتضي ذلك أن يكون كلاهما على علم بمجموع الأنماط والعلاقات الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية التي تكون نظام اللغة؛ (أي الشفرة) المشتركة، وهذا النظام يلبـي متطلبات عملية الاتصال بين أفراد الجماعة اللغوية، وتتشكل علاقاته من خلال ممارستهم كافة ألوان النشاط الفردي والإجتماعي في حياتهم[22]. ولربما كان في هذا التعريف جمع بين قسمي الخطاب الذين أوردهما "فان دايك Van Dijk" في كتابه: ((النص والسياق))، وهذان القسمان هما: الدلالي والتداولي، واللذان يردان في كتاب "محمد خطابـي"
ج- بين النص والخطاب:
إذا كان هناك من الدارسين من فصل بين النص والخطاب؛ بأن أفرد لكل منهما مفهومه الخاص، وحدّه الذي يميزه، وعلاقة كل منهما بالآخر وفق ما يؤديه أولهما إلى الثاني أو العكس، فإن منهم كذلك من لم يفصل بينهما وساقهما في تعريف موحد وعلى محمل واحد كذلك متجاوزا جهود الفصل التي يعانيها غيرهم، وفريق آخر وضع حدا لهذه الإشكالية بأن ميز كلا منهما بما يحسمه وينهي الخلاف حوله، ما يسمى بـ"الكرافية النصية" و"الأدائية الخطابية أو التواصلية".
1- التعريف الموحّد:
نجده في بادئ الأمر عند "رومان جاكبسون R. Jakobson" الذي يمضي في تعريفه للخطاب الأدبـي إلى أنه: نص تغلبت فيه الوظيفة الشعرية للكلام، وهو ما يفضي حتما إلى تحديد ماهية الأسلوب لكونه الوظيفة المركزية المنظمة، ولذلك كان النص عنده خطابا تركب في ذاته ولذاته[24]. وهو عند "جوليا كريستيفا Julia Kristeva" كذلك؛ إذ تجمع بينهما في كتابها: ((علم النص)) بقولها: فالنص الأدبـي خطاب يخترق حاليا وجه العلم والإيديولوجيا والسياسة ويتنطع لمواجهتها وفتحها وإعادة صهرها. ومن حيث هو خطاب متعدد ومتعدد اللسان أحيانا ومتعدد الأصوات غالبا (من خلال تعدد أنماط الملفوظات التي يقوم بمفصلتها)، يقوم النص باستحضار (Presentifie) كتابة (Graphique) ذلك البلور الذي هو محمل الدلالية، المأخوذة في نقطة معينة من لا تناهيها؛ أي كنقطة من التاريخ الحاضر حيث يلح هذا البعد اللامتناهي[25]. ثم تقوم بنوع من الفصل بينهما، إذا فهمنا اللغة هاهنا على أنها نص، حيث تشير قائلة: هناك حقيقة معينة تحكم وتأسس كل ما هو ملفوظ، وهي أن اللغة دائما علم والخطاب دائما معرفة بالنسبة لمن يتلفظ بالكلام أو ينصت له داخل السلسلة التواصلية.[26] ولـ"رولان بارث R.Barthe" الوجهة نفسها في جمع الخطاب والنص معا، وإن اختلفت مبررات كل منهم؛ إذ يرى أن النصيظل على كل الأحوال متلاحما مع الخطاب، وليس النص إلا خطابا، ولا يستطيع أن يتواجد إلا عبر خطاب آخر؛ أي التناص، وهو يحاول تحديد الميادين المعرفية التي عرفت الخطاب وحاولت تحديده وفق المعطيات التالية: الأول: هو أن كل مظهر خطابـي لبعد أقل من الجملة أو معادل لها ينضوي إلزاما تحت لواء اللسانيات الثاني: هو أن كل ما وراء الجملة يلتحق (بالخطاب) الذي هو علم معياري قديم هو البلاغة[27].
وهناك تعريف يجمع بين النص والخطاب تحت لواء تدريسية النصوص مفاده أن: النص خطاب ذو معنى مثبت بالكتابة؛ أي مثبت بملفوظات مترابطة ومتراصة تتضمن رموزا دلالية على القارئ أن يتعرف عليها ويدرك معناها، أو بتعبير آخر إن النص مجموعة من الملفوظات تشكل بصفة عامة خطابا مسترسلا كما تشكل بنية قابلة للفهم والتحليل[28]. أما "روجر فاولر"، فبالرغم من تداخل مصطلحي النص والخطاب في تحديده لمعالجة ((الأدب بوصفه خطابا))، إلا أن هذا التعريف الوارد به يتضمن فصلا وظيفيا بسيطا بينهما يتجه نحو ما سيأتي. وهو يجمعهما في قوله: ….إن معالجة الأدب بوصفه خطابا معناها النظر إلى النص بوصفه علامات بين مستخدمي اللغة، ليس فحسب علاقات الكلام، بل أيضا علاقات الوعي والإيديولوجيا والمساهمة، والطبقة؛ إذ لايعود النص شيئا، بل يغدو فعلا أو عملية[29].
3- المشافهة والتحرير أو الخطاب والنص:
يتبين لنا التقسيم جليا في هذا الرأي الذي ينطلق من ملاحظة مهمة تربط بين ما سلف من الآراء والتعاريف المتفرعة عن شتى المدارس والاتجاهات، وبين ما استقر عليه أمر الخطاب والنص بعد كل هذا؛ إذ يورده أصحابه كما يلي: ربما كانت الحملة التي شنّت على الطريقة الشكلية الصرفة هي التي جعلت مصطلحي النص والخطاب يتمظهران بشكليهما المتميزين والمختلفين؛ إذ بعد أن كانا عند الشكليين بنفس المعنى، أصبح بعد ذلك مفهوم النص هو الظاهر من خلال الكتابة، هو الذي نقرأ، هو تلك البنية السطحية الخطية، أو ذاك المظهر الغرافي كما هو مسجل على الورق. أما الخطاب فهو صفة النص التي تميزه عندما يتعدى حدوده الشكلية ليقيم علاقة تواصلية مع خارجه…. عندما يتم ربط النص ببنيات خارجية[30].
ويأتي هذا التعريف موافقا لتعريف "فاولر" في كتابه: ((اللسانيات والرواية))، حين عرف النص بأنه: البنية السطحية النصية الأكثر إدراكا ومعاينة،… وعند اللساني هذه البنية هي متوالية من الجمل المترابطة فيما بينها، تشكل استمرارا وانسجاما على صعيد تلك المتوالية، وهو بهذا يجعل الجوانب الفيزيقية أو الشكلية ضمن تشكيل النص مثل التقسيم إلى فقرات وفصول وصفحات[31].
أما "ليتش Leech" و"شورت Short" فيصنفان النص على المستوى الخطي "Graphique"، وبذلك يأخذ معنى متوالية خطية ذات علاقة مرئية على الورق، لأن تجسيده الخطي يمنحه إمكانية أن يحل على صعيد الشفرة لامتلاكه خصائص لسانية ضمنية إلى جانب ذلك الشكل الكتابـي (الخطي) أوالتركيبـي. فالنص عند "فاولر" و"ليتش" و"شورت" مسجل من خلال تجليه (الكتابـي)، فهو ما نقرأ، وهو تلك البنية السطحية الخطية، أو ذلك المظهر الكرافي (الخطي) كما هو متجل على الورق[32].
أما "فان دايك" فيعمد إلى ملاقاة النص والخطاب وظيفيا، حيث يقول: … يبدو (النص) وحدة مجردة لا تتجسد إلا من خلال الخطاب كفعل تواصلي، وهو كذلك مجموع، البنيات النسقية التي تتضمن الخطاب وتستوعبه[33]. وهناك رأي آخر تشكل في نقاط تم التعريف فيها بين الخطاب والنص:
1. يفترض الخطاب وجود السامع الذي يتلقى الخطاب، بينما يتوجه النص إلى متلق غائب يتلقاه عن طريق عينيه قراءة؛ أي أن الخطاب نشاط تواصلي يتأسس أولا وقبل كل شيء على اللغة المنطوقة، بينما النص مدونة مكتوبة.
2. الخطاب لا يتجاوز سامعه إلى غيره؛ أي أنه مرتبط بلحظة إنتاجه، بينما النص له ديمومة الكتابة، فهو يقرأ في كل زمان ومكان.
3. الخطاب تنتجه اللغة الشفوية بينما النصوص تنتجها الكتابة، أو كما قال "روبير إسكاربيت R.Escarpit": اللغة الشفوية تنتج خطابا (des discores)؛ بينما الكتابة تنتج نصوصا (des textes) وكلا هما يحدد بالرجوع إلى القناة التي يستعملها[34]. الخطاب محدود بالقناة النطقية بين المتكلم والسامع، وعليه فإن ديمومته مرتبطة بهما لا تتجاوزهما، أما النص فإنه يستعمل نظاما خطيا؛ وعليه فإن ديمومته رئيسية في الزمان.
بناء على هذا يتعلق الخطاب بالمشافهة، ويتعلق النص بالتحرير؛ أي الكتابة[35].
وهذا مفهوم يكاد يكون عاديا اتخذه "إسكاربيت Escarpit" للتفريق بين النص والخطاب لكن مع ذلك يبقى المشكل مطروحا، والاختلاف قائما، وتبقى وجهات النظر والآراء متعددة، وبتعددها تتعدد الأسئلة التي لابد من أن تطرح نفسها أمام كل دراسة: أي رأي من هذه الآراء هو الأجدى والأقرب إلى الصحة والموضوعية والدقة؟ وفي دراسة كهذه التي سنبدؤها، والتي محورها ((الخطاب الحجاجي))، كيف يمكن التوفيق بين ورود تسميته وتصنيفه ((كخطاب حجاجي)) أو ((كنص حجاجي))؟ ولا سيما وأن دراسات حديثة تسمه بـ((النص الحجاجي)) اتباعا لتقسيمات (إ. ويرلايك)؛ الذي صنف النصوص إلى نماذج وصفية وسردية وعرضية وحجاجية وأمرية[36]. غير أنه يمكن لهذه المزاوجة وعدم التحديد أن تكون حلا يعفي الدارس من الالتزام الشكلي مادام يضع في ذهنه أن أي نوع من هذه النصوص يستقل بمميزاته وخصائصه سواء من ناحية الشكل أو من ناحية الموضوع (المضمون).
تمهيد
تراوحت الدراسات التي تناولت "الحجاج" بين قرنه بمصطلحي: "الخطاب" تارة و"النص" تارة أخرى؛ تجاوزا لما بينهما من فروق تختلف باختلاف المدارس والاتجاهات المتعددة.
وسنعمد في هذا البحث إلى إيراد مصطلح "الخطاب" و"النص" بمعنى واحد مادمنا نتوخى منهج تحليل الخطاب الذي يجمعهما معا ويوردهما بالمعنى نفسه، شأنه شأن "اللسانيات النصية" "Linguistiquestextuelle" التي جهدت في دراسة النصوص وتصنيفها "Typologie"، وإن كان هذا التصنيف لا يزال محل نقاش إلى الآن[37]. وكان النص الحجاجي أو النموذج الحجاجي بين هذه التصنيفات لا سيما عند "جان ميشال آدام Jean Michel Adam"[38]؛ أي باعتباره صنفا مستقلا بميزاته وخصائصه في شكله ومضمونه.
والحجاج مفهوم متشعب ومتلبس على الدارسين لتشعب مجالاته وتعدد استعمالاته وتباين مرجعياته: الخطابة، الخطاب، القضاء، الفلسفة، (…] يستمد معناه وحدوده ووظائفه من مرجعية خطابية محددة، ومن خصوصية الحقل التواصلي الذي يندمج في استراتيجياته (…] ولا غرابة والحالة هذه أن هناك حجاجا خطابيا (لسانيا)، وخطابيا (بلاغيا)، وآخر قضائيا أو سياسيا أو فلسفيا….إلخ[39].
وقبل الخوض في هذا المجال واستجلائه، لابد من العودة إلى معرفة تمهيدية للمعنى اللغوي لهذا المفهوم. تجمع المعاجم اللغوية الأساسية في تعريفها للحجاج على ما جاء في: ((لسان العرب)) لـ"ابن منظور" يقال حاججته أحاجه حجاجا ومحاجة حتى حججته أي غلبته بالحجج التي أدليت بها (…]، والحجة: البرهان وقيل: الحجة ما دفع به الخصم، وقال الأزهري: الحجة الوجه الذي يكون به الظفر عند الخصومة، وهو رجل محجاج أي جدل، وحجه يحجه حجا: غلبه على حجته، وفي الحديث: فحج آدم موسى أي غلبه بالحجة[40].
ويقابل هذه اللفظة في الفرنسية لفظة "Argumentation" التي تدل على معاني متقاربة أبرزها حسب قاموس" روبير Petit Robert":
- القيام باستعمال الحجج.
- مجموعة من الحجج التي تستهدف تحقيق نتيجة واحدة[41].
أما في الإنجليزية فيشير لفظ "Argue" إلى وجود اختلاف بين طرفين ومحاولة كل منهما إقناع الآخر بوجهة نظره بتقديم الأسباب أو العلل "Reasons" التي تكون حجة "Argument" مع أو ضد فكرة أو رأي أو سلوك ما[42] ومن خلال هذه التحديدات المعجمية نجد لفظ الحجاج أو المحاجة متضمنا لدلالة ومعنى مستمدين من طبيعة سياقة أو شرطه التخاطبـي المتمثل في: (التخاصم، والتنازع، والجدل، والغلبة، (…])؛ أي بمعناه الفكري والتواصلي.
وهذا التتبع المعجمي لهذا اللفظ، يدفعنا إلى محاولة تتبعه اصطلاحيا قديما وحديثا في الدراسات الغربية والعربية معا.
المبحث الأول :ماهية الحجاج قديماً وحديثاً
أ- الحجاج في الفكر الغربي والعربي قديما.
ب- الحجاج في الفكر الغربي والعربي حديثا.
اندرج الحجاج قديما في ما يسمى بالبلاغة، والخطابة، وفن الإقناع، وكثيرا ما ورد في الثقافتين الغربية والعربية بمعنى الجدل، والتناظر، والإلقاء، وما إلى ذلك، انطلاقا من مؤلفات اليونان إلى أهم ما ورد عند العرب في هذا الشأن.
أ- الحجاج في الفكر الغربي والعربي قديما
1- الحجاج في الفكر الغربي القديم
- عند "أرسطو":
كان اهتمام اليونانيين القدامى منصبا على فنون الكلام، ولا سيما الخطابة والشعر منها، ولذلك نجد منهم من نظر لهما، وأرسى قواعد هما الفنية والعقلية التي صارت فيما بعد منهجا اتبعه من جاء بعدهم من العلماء يونانا كانوا أو عربا.
وكان "أرسطو" ممن نظر للفنّين معا، وانطلق في تنظيره للخطابة مما وضعه "سقراط"؛ حيث جعل لها خطتين: جدلية ونفسية. ورأى أنه لابد للخطابة الجدلية من أمرين: التركيب الذي يجمع به الخطيب نواحي الفكرة المتفرقة ليتمكن من تحديد الكلام، والتحليل الذي يرد الفكرة إلى آراء جزئية، وسمى أصحاب القدرة على التركيب والتحليل (جدليين)، فالخطابة عنده نوع من الجدل، أو هي الجدل بعينه[43].
بينما ربط "أرسطو" بين خاصة الكلام والتعبير عند الإنسان وبين الإقناع: فالإنسان لأنه متكلم معبر يبحث بطبعه عن الإقناع، ويحاوله، ويحاول أن يصل بكلامه إلى إقناع أكبر عدد ممكن من الناس بوسائل مستمدة من التفكير الذي حوبـي به من الطبيعة[44].
ويجد أن الخطابة والجدل متصلان ببعضهما، ويتحدان في موضوعا تهما لأنها أمور يمارسها كل الناس ويعرفونها في صورها المتحدة في الأقل[45]، وفي سبل اللجوء إليهما؛ إن كل الناس يلجئون للخطابة والجدل بدرجات متفاوتة، وكل إنسان يحاول ما أمكنه الجهد أن يعارض حجة من الحجج أو يدعمها[46] ويميز منهجهما ومهمتهما "بالالتجاء إلى العكس (عكس القضايا)، فهما يفترضان وجود الأضداد، (…) بمعونة القياس المنطقي، (…)، فمهمتهما ليست في الإقناع الضروري بقدر ما هي في كشف المقنعات[47]، وفي هذا تركيز على الحجج لذاتها كوسيلة للإقناع.
وقد أعطى "أرسطو" في درسه للخطابة اهتماما كبيرا لجانبها العقلي والنفسي، محاولا الموازنة بين وسائل الإقناع ووسائل التأثير، بجعل الأولى معينة للثانية، فميز أول الأمر بين نوعين من الحجج (الأدلة)، الأدلة غير المصنوعة التي لا دخل لنا فيها لأنها سابقة على تصرفاتنا: مثل الشهود في القضية والتعذيب، والاتفاقات المكتوبة، وغير ذلك[48]. والأدلة المصنوعة: وهي كل ما يمكننا جمعه بأنفسنا على هدى المنهج الموضوع[49]. وهذه الأدلة المصنوعة التي يسميها (التصديقات) هي جوهر الخطابة لديه، وتقوم على ثلاثة أنواع … ما يتصل بأخلاق الخطيب نفسه، وما يتصل باستعداد السامعين، وما يتصل بالخطبة نفسها إذا كانت استدلالية في حقيقتها أو في ظاهرها[50]. فكان النوع الثالث ما يسمى بالاستدلال المنطقي، وهو وثيق الصلة بالحجاج الآن، كونه خاصا بالحجة نفسها، وبتحقيق الاستمالة والتأثير بالقول[51]. وقد مثل "محمد العمري" لمكونات الخطابة عند "أرسطو" كخطاب إقناعي بهذه الخطاطة[52]: