تــقـــديـــم
إن من يجرد النظر في مسألة الخطاب الصوفي يحصل ملاحظات ثلاث، أولاها تتعلق بالكتابة الصوفية الحديثة، والثانية لها تعلق بالممارسة الصوفية، والثالثة تتعلق بالاصطلاح الصوفي.
1- الملاحظة على الكتابة الصوفية الحديثة
إن من يتأمل الكتابة الصوفية الحديثة يجد أنها كتابة واهمة، وأن الوهم الذي يتطرق إليها على ضربين: أحدهما الوهم التجريدي، والثاني الوهم التزييفي.
أ- وهم التجريد
يتجلى هذا الوهم في كون الدراسات العلمية التي اشتغلت بالتأريخ للتصوف ودخلت في التحليل لخطابه أو تولت التنظير لمضمونه، لم يجد أصحابها لزاماً عليهم أن يخوضوا غمار التجربة الفعلية التي يركبها الصوفي، بحجة أن عملهم لا يستلزم إلا استيفاء المقتضيات النظرية التي توجب الانفصال والانقطاع عن الموضوع المدروس، فإذا كانت هذه الحجة قد تــُسلًّم لهؤلاء في المجالات التي جمدت فيها الحياة، فضلاً عن جمود الروح، فإنها لاتسلُّم لهم في مجال يتدفق حيوية ويفور روحانية، مثل مجال التربة الصوفية، فلا تعرف دراساتهم النظرية في هذه التجربة الثرية الفياضة إلا القشور، أما اللب، فلا تجد رائحته ولا تذوق طعمه، فضلاً عن أن بعض الدارسين يقع في أمحل المحالات، إذ إنهم يقرون بامتناع هذه التجربة الحية على الصياغة النظرية مع بقائهم على التوسل بهذه الصياغة المجردة في طلب الكشف عن الحقيقة الروحية لهذه التجربة.
ب- وهم التزييف
يتجلى في كون بعض الإنتاجات الأدبية التي أخذت تسطو على التراث الصوفي وتخطف منه القبسات تلو القبسات، إحساساً بجمال مبانيه الذي لا يضاهى، وبجلال معانيه الذي لا يسامى، أبى أصحابها أن يكلفوا انفسهم عناء الدخول في التجربة الروحية التي أثمرت هذه القبسات والإشراقات واقعين بذلك في أشنع التناقضات إذ إنهم يدعون طلب الصدق في التجربة الإبداعية التي يخوضون مع بقائهم على رفض التحقق الفعلي بما يغتصبون من رقائق العارفين وحقائقهم. ولو أنهم صدقوا حق الصدق في تجربتهم الإبداعية، لعلموا أن مايجدونه في نفوسهم من شعور جمالي لا صلة له إطلاقاً بالشعور الجمالي الذي ولَّد هذه الإشارات المختطفة واللطائف المغتصبة، فشعورهم الجمالي هو، على الحقيقة، إحساس جسدي مغرق في الهوى، إحساس يبقى دون طور العقل، بينما الشعور الجمالي عند الصوفية هو وجدان روحي مشرق بالمجاهدة، وجدان لابد أن يعلو على طور العقل، وشتان بين جمال هو دون العقل وجمال فوق العقل، فالأول ينزل بالإنسان إلى درك البهبمية، والثاني يرفعه إلى أفق الملائكية، فإذا تجرأ المتأدب وتكلف الجمع في إنتاجه بين لمسات الجمال الحسي وقبسات الجمال الروحي، فهو كمن يجمع بين النقيضين، جاعلاً بذلك من هذا الإنتاج عملاً بلغ النهاية في الزيف والتزييف.
وإذا صح أن الكتابة الصوفية الحديثة كتابة واهمة، وأن هذا الوهم إما أن يكون وهما تجريديا كما هو الشأن في الكتابة الصوفية العلمية، أو وهما تزييفيا كما هو الأمر بالنسبة للكتابة الصوفية الأدبية، صح معه أننا نحتاج إلى صرف هذا الوهم المزدوج حتى تصفو لنا الكتابة الصوفية الحقيقية، وهذا بالذات ما استهدفه الأستاذ محمد المصطفى عزام في كتابه الذي بين أيدينا، فقد أراد إعادة الكتابة الصوفية إلى صلتها بالأسباب العملية والتجريبية، فانطلق في مشروعه التحديدي للكتابة الصوفية من مبدأين أساسين: أحدهما، أن العلم بالتصوف لايقوم بدون عمل. والثاني، أن المعنى الصوفي لا يحصل بغير تحقق.
المبدأ الأول القاضي بارتباط الدرس الصوفي بالعمل: أوجب هذا المبدأ على الكاتب أن ينخرط في سلك التربية الروحية ويتخذ له أستاذاً مربياً يلزمه بوظائف مخصوصة وأعمال مرسومة، فيجلس إليه متلقياً منه الإشارات ومسترقاً إليه النظرات، كما يجلس إلى الذاكرين في حلقهم، مستجلباً لأحوالهم ومستمتعاً بأذواقهم، حتى حصّل من العمل ما يجعل كلامه في التصوف كلام من هو على بينة من الأمر، أو قل كلاماً مسدداً لا كلاماً مجرداً كما نعهده في الكتابة الصوفية العلمية، ولاعجب أن يرد هذا الكتاب مفهوم "التأويل" إلى أصله العملي، فيسميه بـ "التأوّل" ويعرف لنا التأول بأنه «هو التطبيق العملي لأوامر الشرع، عملاً بالأركان أو ذكراً باللسان». فأين من هذا التعريف المجرد الذي كان لاصقاً بالتأويل وما زال وهو أنه النظر الاعتباري في الأحكام الشرعية الذي يخرجها من ظاهرهاً إلى معان خفية فيها.
المبدأ الثاني القاضي بارتباط المعنى الصوفي بالتحقق: أوجب هذا المبدأ على الكاتب أن يعمل وينسى أنه يعمل، بمعنى أن يجاوز مرتبة الدخول في العمل إلى مرتبة الاشتغال بتطهير النفس من التعلقات بما فيها التعلق بالأعمال التي يأتيها، لأن هذا التطهير هو وحده الضامن لتحصيل أسباب صحة القصد وتمام الحضور في الأفعال والأقوال، حتى حصل من طهارة النفس ما يجعل كلامه في التصوف صادقاً لا كلاماً زائفاً كما نعهده في الكتابة الصوفية الأدبية، فلا يكفي في تحصيل الكتابة الصوفية الأدبية الصادقة مجرد الدخول في العمل كما هو الشأن في الكتابة الصوفية العلمية، بل يحتاج صاحبها إلى التجرد من التعلق بهذا العمل حتى تنعكس ثماره في الوجدان نقية لا يشوبها ميل وصافية لا يكدرها هوى؛ ولا بدع إذ ذاك أن نجد الأستاذ محمد المصطفى عزام يثبت إلى جانب "التأوّل" الذي هو التطبيق العملي للشرع، فتكون المعاني الصوفية هي ثمرات التحقق بالعمل.
وبإيجاز فإن المؤلف قد وضع لنا أصول الكتابة الصوفية الصحيحة، فجمع فيها بين ما يجب استيفاؤه في الكتابة الصوفية العملية وهو الدخول في العمل، وبين ما يجب استيفاؤه في الكتابة الصوفية الأدبية وهو تطهير النفس، فجاءت مقاربته للخطاب الصوفي مسددة بالعمل ومؤيدة بالصدق.
2 – الملاحظة على الممارسة الصوفية
إن من يعمل النظر في المواقف الحديثة من هذه الممارسة، يجد أن أغلب هذه المواقف تنسب التصوف إلى الماضي، بدعوى أنه استنفد إمكاناته كلها، وأنه لم يعد قادراً على أن يدفع عن المجتمع الإسلامي آفاته ولا عن المجتمع العالي انحرافاته.
أ- دعوى عجز التصوف عن إفادة المجتمع الإسلامي الحديث
مرد هذه الدعوى إلى هيمنة التوجه التسييسي على الخطابات الفكرية في هذا المجتمع، مع أن الأصل في الحقيقة الإسلامية هو التوجه الأخلاقي، ولا يعيننا كيف وقع نسيان هذا التوجه الأصيل في الإسلام ولا كيف وقع استنقاص شأنه باستحواذ التسييس عليه، وإنما تكفينا الإشارة إلى أن هذا النسيان أثر سلباً في هذه الخطابات الفكرية في المجتمع الإسلامي، فجعلها تقع في النسيج على منوال الخطابات غير الإسلامية، فتبدو بين يديها مهلهلة لا تقوى على مضاهاتها ومضطربة لا تقدر على مواجهتها، لأن التسييس المادي أصيل في الخطابات غير الإسلامية لعلمانيتها وفكرانيتها، بينما هو دخيل على الخطابات الإسلامية لشرعانية الدين الإسلامي وروحانيته، والحق أنه لا يليق بهذه الخطابات الإسلامية إلا التأنيس الأخلاقي، ولو أن هذه الخطابات عملت على تطوير هذا الجانب بإنشاء فلسفة أخلاقية شاملة تبرز الأسباب المعنوية للظواهر المجتمعية التي لم تبرزها إلى الآن إلا الأسباب المادية، فلسفة إنسانية متكاملة تــُشحذ لها الهمم وتــُسخر لها الطاقات، لأتت بصنيع لايستغنى عنه، فضلاً عن أنها تفتح لأهلها طريقاً لتوحيد رؤاهم وتجميع شتاتهم.
ب- دعوى عجز التصوف عن إفادة المجتمع العالمي الحديث
مردها إلى هيمنة التوجه التشييئي على الإنتاجات الصناعية والتقنية في هذا المجتمع، مع أن الأصل في فلسفة هذا المجتمع هو التوجه التأنيسي، ولا أدل على هذه الهيمنة من أن مدلول التأنيس انقلب في هذا المجتمع الكوني إلى نقيضه، فصار يدل في النزعات الإنسانية الغربية على إخلاد الإنسان إلى الأرض والاطمثنان إلى الحياة المادية الصرف؛ وإذا نحن تبينا كيف أن هذه الهيمنة التشييئية بلغت من الرسوخ درجة صارت معها قوانين العقلانية تنعطف بأشد الضرر حيث يظن آتية بأجل النفع، أدركنا كيف أن هذا الرسوخ التشييئي الأقصى الذي أصاب المجتمع العالمي لا تقدر على استئصاله إلا تجربة تأنيسية تبلغ في القوة مبلغه، ولا تجربة أقوى رسوخاً من التجربة الروحية التي يأتي بها التصوف، فتكون هي وحدها القادرة على محو التشييء الذي أحاط بإنسان هذا المجتمع الكوني من كل جانب، فجعله صلب الطبع قاسي القلب؛ أما ما سواها من التجارب الوجدانية التي تتخذ هذا اللون أو ذاك من ألوان الرفض والمخاصمة، فليس لها من القوة ما تغالب به قوة هذا التشييء، فضلاً عن أنها قد تأخذ بأسبابه من حيث لاتدري لخلوها من المدد الروحي، أو تستبدل بهذا التشييء، الذي هو ثمرة العقلانية المجردة، تشييئاً هو ثمرة ما دون هذه العقلانية، ولا غرابة إذ ذاك أن نجد بعض اليقظين من المفكرين المعاصرين يذكّرون العالم بهذه التجربة الإنسانية الأصيلة وبأبطالها، ويدعونه إلى العودة إلى استثمارها في مواجهة أخطار هذا التشييء الجارف.
وإذا ظهر أن الاستدلال على ماضوية التصوف يستند إلى دعوى عدم إفادته للمجتمع الإسلامي الحديث وعلى دعوى عدم إفادته للمجتمع العالمي المعاصر، فإن الأستاذ محمد المصطفى عزام يعمل على إبطال هاتين الدعويين.
ـ أما بصدد الدعوى الأولى، فيبين لنا كيف أننا نحتاج إلى العمل الصوفي لجمع شتات المجتمع الإسلامي، فقد قام بالبحث عن أصول التصوف الإسلامي فيما قبل اتساع الشقة بين الفرق والمذاهب الإسلامية، وذلك باستخراج أصول التأويل القرآني في العصر النبوي وعند الصحابة والتابعين، ذلك التاويل الذي اتسم بتمام الجمع بين العلم والعمل، مبرزاً أبلغ إبراز جانب السمو الخلقي، الذي تجلى في نماذج السلف الصالح، فتبين من خلال تحليلات هذا الباحث الدقيقة لتلك الإشارات الأخلاقية واللطائف النورانية، إرادته بل إصراره على أن يدلنا على الطريق لجمع شمل المسلمين، ألا وهو الرجوع بالخطاب الفكري الإسلامي إلى أصوله الأخلاقية التي ابتدأت مبكراً في الممارسة الإسلامية. فإذا كنا إذن نريد أن نجمع شمل الأمة الإسلامية، فلن يتأتى لنا ذلك بلغة التسيّس لأن الفرقة موروثة عنها، وإنما بلغة التخلق لأنها تخلو من اسباب هذه الفرقة، بل تلغيها.
ـ وأما بصدد الدعوى الثانية، فإن المؤلف يبين لنا كيف أننا نحتاج إلى العمل الصوفي لإخراج العالم من شيئيته، وذلك بأن ننظر إليه لا بوصفه يحتوي أشياء مملوكة نتعامل معها لقضاء مآرب مخصوصة، وإنما بوصفه مجموعة كلمات إلهية أو مجموعة آيات أي علامات دالة، كل علامة تحمل معنى من معاني الألوهية، فإذا خرج العالم عن أن يكون مجرد وسائل لتلبية الحاجات وإشباع الرغبات، وأصبح حاملاً لمقاصد إلهية توجب علينا طلبها والعمل بها، فإن الناظر في أحواله وتقلباته يعتبر بهذه المقاصد، فيقوم إلى استثمارها في توجيه تطوراته، ولا يقف المؤلف عند حد جعل العالم كلمات إلهية، بل يجعل هذه الكلمات بمثابة الكلمات القرآنية، فالعالم والقرآن كلاهما كلمات الله التي لا تنفد، وإذا تساويا في نسبتهما إلى الإله، فقد وجب للعالم من الاعتبار ما يجب للقرآن. ومتى وجب ذلك فقد وجدنا الطريق للخروج من الفساد التشييئي الذي أدت إليه النزعة التقنوية التي سادت العالم.
وبإيجاز، فإن الأستاذ محمد المصطفى عزام وضح فائدة التصوف في جمع شتات الأمة الإسلامية وذلك بتجديد الصلة بالأخلاق الأصلية التي انبنى عليها الإسلام، كما وضع فائدته في رفع التشييء الذي لحق العالم وذلك بتجديد الصلة بالمعاني الإلهية التي أودعها الله في مخلوقاته، فجاءت مقاربته للخطاب الصوفي مبطلة تمام الإبطال لدعوى ماضوية التجربة الصوفية ومثبتة على العكس من ذلك لدعوى "حاضرية" هذه التجربة أو قل بلغة العصر دعوى "آنيتها" أو بلغة الصوفية، دعوى "وقتية" التصوف.
3- الملاحظة على المصطلح الصوفي
إن من ينظر في هذه المصطلح، يجد أن أهل الدرس الاصطلاحي لم يتبنوا قط الخصوصية الإنتاجية التي يتميز بها هذا المصطلح والتي تتجلى في أمرين أساسين هما "قوةالتأثير" و"وقوة التوليد".
أ- قوة التأثير
لا يخفى أن المصطلح الصوفي تمتد جذوره إلى أخص ما في الإنسان، وهو نفسه التي بين جنبيه، فيكون أوفى بغرض تلوناتها التعبيرية وتقلباتها التبليغية، من غيره من المصطلحات التي لا تتعلق بهذا المستوى الباطني من الشعور الإنساني، كالمصطلحات الكلامية والمصطلحات الفلسفية التي تخاطب العقل المجرد ولا تخاطب الوجدان الحي، كما يكون المصطلح الصوفي أقدر على إنهاض الهمم وشحذ القرائح وتشغيل القلوب من غيره من المصطلحات التي وإن تعلقت بالشعور الإنساني فإنها لا تبلغ مبلغ ذلك المصطلح في النفاذ فيه كالمصطلحات الأدبية والمصطلحات الفنية- التي تخاطب الوجدان الظاهر الذي هو دون العقل المجرد، ولا ترقى إلى مخاطبة الوجدان الخفي الذي هو فوق هذا العقل- والحق أنه لا يقدر على تحريك الإرادة نحو مزيد من الإنتاجية ولا على توجيه العزائم نحو مزيد من الإنسانية إلا ما كان يجاوز خلجات الأجساد وخفقات الأحشاء. ولو أن أهل الاصطلاح تبينوا حقيقة القوة التاثيرية التي يتوفر عليها المصطلح الصوفي بموجب تعلقه بأصول الوجدان لا بفروعه، وعملوا على نقل أسبابها النافذة في أعماق النفس البشرية على غيره من المصطلحات، لدفعوا عن بعضها التجريد الموغل الذي يبعث على الجمود والتقليد، وعن بعضها الآخر الضحالة الفجة التي تفضي إلى الانتحال والزيف.
ب- قوة التوليد
لا يخفى كذلك أن المصطلح الصوفي يستثمر الإمكاناًت الصوفية بوجه لا يضاهيه فيه غيره، بالغاً في استعمال آلية المقابلة، إن في المضمون أو الصورة، مبلغاً لا يوازيه فيه مصطلح غيره، حتى إن النظام الاصطلاحي الصوفي يتفرد بشدة التناسق بين عناصره وبقوة التعالق بينها، بحيث تنتظم هذه العناصر الاصطلاحية فيما بينها مثنى أو ثلاث أو رباع، انتظاماً يدل على اختلاف في مراتب المسمى الواحد أو على اختلاف في انواع مسميات الحقل الواحد.
ولما كانت القوة الاشتقاقية التي يتمتع بها المصطلح الصوفي لا تعدلها قوة مصطلح آخر، فقد حصّل أكبر قدر من القوة المنطقية الطبيعية التي تختص بها اللغة العربية، علما بأن الجهاز الاشتقاقي لكل لغة يتضمن جملة المعاني والعلاقات الأصلية التي تميز هذه اللغة، فيكون المصطلح الصوفي أكثر استثماراً لهذه المعاني والعلاقات من غيره، مما يجعله أدل على الخصوصية المنطقية للغة العربية كما يجعله أقدر على التأثير في مختلف طبقات جمهورها.
ولو أن أهل الفكر العربي سلكوا في وضع مصطلحاتهم وتوظيفها الطرق الطبيعية التي سلكها أهل التصوف، لجاءوا في الفكر بوجوه لم يسبقوا إليها، واستقلوا برؤى لم يتكلفوا فيها، ولوجدوا في الجمهور خير من يتقبل افكارهم ويعتنق رؤاهم، لما ذكرناه من صلة هذه الطرق الصوفية في الاصطلاح بالبنيات المنطقية الطبيعية التي يتداولها هذا الجمهور.
لكن هؤلاء المفكرين أبوا إلا أن يبتغوا في اشتقاق مصطلحاتهم طرقاً عشوائية أو طرقاً منقولة، إما جهلاً بالقيمة المنطقية للطرق الاصطلاحية أو نبذاً لكل تشبه بأهل التصوف لسبب أو لآخر فجاءت أفكارهم منتحلة لأفكار غيرهم إن لم تكن مشوهة لها، كما بدت هذه الأفكار مستغلقة على جمهورهم، إن لم تكن مستكرهة لديه.
وإذا ظهر أن أهل الإصطلاح قد فاتهم إدراك الخصوصية الإنتاجية للمصطلح الصوفي التي تتجلى في قوة التأثير وقوة التوليد، فإن الأستاذ محمد المصطفى عزام يخصص أكبر قسط من كتابه لبيان هذا التميز الإنتاجي للمصطلح الصوفي.
أما عن قوة تأثير هذا المصطلح، فهو يوضح لنا كيف أن الصوفي يستثمر القوة التداولية لألفاظه ثم يرتقي بهذه الألفاظ تدريجياً في معارج الدلالة حتى تبلغ النهاية في اللطافة والدقة، معتمداً في ذلك على القوة المعنوية لتجربته الروحية وفضلاً عن هذا الجمع بين الأصول التداولية والمعاني التجربية، يقوم الصوفي باستثمار القوة العملية للأمثال والحكم، جامعا بينها وبين القوة المقصدية للإشارات، فيتمكن بموجب هذا الجمع المزدوج: الجمع بين التداول المشترك والتجربة الخاصة والجمع بين العمل الاقتدائي والمقصد الإشاري، من تزويد مصطلحاته بقوة في التأثير لا يصل إليها المصطلح الفلسفي ولا المصطلح الكلامي.
وأما عن قوة توليد المصطلح الصوفي، فيوضح لنا المؤلف الآليات المختلفة التي يتوسل بها الصوفي لإنشاء معانيه مثل اللجوء إلى المعنى اللغوي ونقل المدلول الحسي إلى المدلول المعنوي والعكس بالعكس، وقلب صيغ الجمل وإضافة اللفظ إلى نفسه ونقله إلى نقيض معناه وتقطيع الحروف وترتيب المعاني والمقابلة بينها، كما يبين لنا المستويات الخطابية التي يندرج فيها هذا المصطلح، فهناك المستوى العباري والمستوى غير العباري، وهناك في المستوى غير العباري مراتب منها الإشارات والرموز واللطائف والحقائق، ثم يوضح لنا كيف أن الصوفي لا يكتفي بالمصطلحات التي ينشئها ابتداء، بل يستمد مصطلحات قطاعات معرفية أخرى فيحملها على وجوه غير وجوهها في هذه القطاعات، وقد يصير إلى أبعد من ذلك، فيلبس مصطلحات العلوم الأخرى في مواضعها من هذه العلوم لباس الإشارات إلى معان روحية لا تخطر على بال أصحاب هذه العلوم.
وبإيجاز، فإن محمد المصطفى عزام يثبت لنا نموذجية الاصطلاح الصوفي، هذه النموذجية التي تتجلى في قوة التأثير التي يتمتع بها، وذلك بفضل استناده إلى التداول المشترك وإلى العمل الراسخ كما تتجلى في قوة التوليد التي تميزه، وذلك بفضل استعماله لمختلف آليات تقليب الصيغ وآليات تنويع المضامين.
طه عبد الرحمن
الرباط في: فاتح جمادي الثانية 1420
موافق 12شتنبر 1999
مقدمة الكتاب
يطرح عملنا هذا إشكالية خاصة هي "التأويل والاصطلاح" وذلك في جانب من الإنتاج الثقافي الإسلامي، وتحديداً هو جانب الخطاب الصوفي؛ وتتمثل هذه الإشكالية في التعارض بين عملية التأويل وعملية الاصطلاح، فالتأويل إبداع ذاتي متحرر، أما الاصطلاح فهو إجراء موضوعي متحدد، والتأويل ينطلق غالباً من نص معين، في حين أن الاصطلاح مكوََّن من مكونات النص. ويكاد يكون هذا التعارض قانوناً عاماً يجري على النص التأويلي والمصطلح التقني معاً، لكننا فيما يخص الخطاب الصوفي، نجد أنفسنا أمام تمازج كامل بين التأويل والاصطلاح، بحيث لايعارض أحدهما الآخر، ولايتميز عنه، تماماً كما يحدث في النص الإبداعي بين المضمون ولغته الخاصة.
وإذا كانت أغلب حقول الثقافة الإسلامية قد قامت حول القرآن الكريم ولخدمته، فأقامت أجهزتها المفهومية والاصطلاحية على لغته وما يفسر هذه اللغة من العرف العربي، وقامت تلك الحقول بتأويل القرآن أحياناً دون أي تعالق بين التأويل والمصطلح، فإن الخطاب الصوفي غلى العكس منها قد تولدت أغلب مصطلحاته من تأويل النص القرآني، هذا التأويل الذي هو عبارة عن تبيان للمقاصد الخُلقية للنص المؤول، أما الوسيط الذي عن طريقه يتحول هذا النص إلى مصطلحات صوفية فتجسده التجربة الصوفية، هذه التجربة بالذات هي التي تحول تلقي القرآن لدى الصوفي من مستوى في الفهم إلى مستوى آخر، فيتحول التأويل تبعاً لذلك من مستوى إلى آخر، باعتبار أن السلوك الصوفي ليس إلا تفاعلاً بين التجربة والقرآن ينتج مزيداً من الفهم عن الله في كلامه كلما تعمقت التجربة؛ فالقاعدة عندهم أنه «لا يفهم إشارات القرآن إلا من طهر سره عن الأكوان وما فيها».
إن القرآن الكريم في الرؤية الصوفية شامل لحقائق الإنسان وحقائق العالم، وعندما يتحقق الصوفي، عبر تجربته، باستكناه حقيقة ذاته، فإنه في الوقت نفسه يفهم كلمات القرآن وكلمات العالم، فتغدو مظاهر الكلمات جميعاً إشارات ورموزاً هي خطاب الحق إلى الإنسان الذي عليه أن يتبين معانيها ومقاصدها عن طريق اتباع أوامر الكتاب المنزل والتحلي بآدابه، وذلك في سبيل القرب من المتكلم الأسمى سبحانه، وهذه هي طريق العرفان الصوفي الذي هو حضور كلي ومتجدد داخل الشبكة الإشارية لكلمات الله في قرآنه وفي أكوانه.
لقد اهتم الصوفية بإشارات القرآن ورموزه (أو باطنه) من أجل استشفاف مقاصده، فضلاً عن الدلالات الظاهرة لعباراته، مستندين إلى ما ورد في الأثر من أن للقرآن ظاهراً وباطناً؛ ولما كان التأويل هو ترجيح أحد الاحتمالات الزائدة على المعنى الظاهر، فإن المرجًّح عندهم إنما هو التطبيق العملي للآيات بعد تدبرها، ثم تدبرها بعد تطبيقها؛ وقد لاحظنا ظهور هذا النوع من التأويل الخلقي منذ عهد الصحابة، مع أنهم كانوا أميل إلى التطبيق العملي لمقاصد الكتاب الخلقية منهم إلى التصريح بمعانيها؛ ثم إن التأويل الإشاري سار إلى جانب التفسير العباري عند التابعين ثم تابعيهم، لا يفرق بينهما إلا شُعب الآراء المتطرفة في هذا الاتجاه أو ذاك.
وتنامت اللغة الصوفية وأخذت تتميز بمصطلحاتها التي اكتملت تقريباً قبل القرن الرابع الهجري، حين جمع أكثرها السراج الطوسي في لمعه، بعد أن كانت متفرقة بين أقوال القوم ومروياتهم، وإن حاول أبو سعيد الخراز (ت. 277 هـ أو 279 هـ) جمع بعض المصطلحات في كتابه: الحقائق. وقد دل الاستقراء على أن تلك اللغة وهذه المصطلحات بدأت تتشكل فيما أثر عن التابعي الجليل الحسن البصري وتلامذته، فضلاً عما روي عن الإمام علي بن أبي طالب وآل بيته، كما أن التفسير القرآني المنسوب إلى جعفر الصادق (ت. 148 هـ) في حقائق السلمي يزخر بالكثير من المصطلحات التي تداولها الصوفية للتعبير عن تجربتهم المتفاعلة مع فهمهم عن الله في القرآن الكريم، وهذا التفسير مبني على أن الخطاب القرآني أربعة مستويات تترتب تصاعدياً في "العبارات"و "الإشارات" و"اللطائف" و "الحقائق"، وأن كل مرتبة تخص صنفاً من المتلقين، وهي في ذات الوقت درجات المتلقي الواحد في الاقتراب من الكلام الإلهي. وينتج عن هذا الاقتراب فهم تأويلي خاص بكل درجة، يتولد عنه مصطلح خاص بذلك الفهم. ومهما يكن من أمر صحة النسبة إلى الصادق (التي اجتهدنا في إثباتها في مكان آخر)، فيكفينا الربط بين التأويل القرآني والمصطلح الصوفي الذي نما بالتدريج منذ عصر التابعين (مأثور الحسن ـ ت. 110هـ ـ وتفسيره) إلى عصر السلمي (ت. 412هـ) مروراً بسهل التستري (ت. 283) وتفسيره المعروف للقرآن العظيم، وابن عطاء الأدمي (ت. 309هـ).
ليس التأويل إذن إلا لغة التجربة حينما تكوًّن لدى المتلقي رؤية خاصة تحدد قراءته وتبلور فهمه لمقروئه، ولما لم يكن هذا الفهم متأتياً إلا بواسطة اللغة الأم الطبيعية التي يرجع إليها تماثل البنية التصورية عند كل مجموعة لغوية، فإن هذا المتلقي/ المؤول لا يمكنه أن يخرج عن "جذور" لغته، ولكنه يمنحها من تجربته الخاصة معاني خاصة حين يريد أن يصوغ تجربته أو قل تأويله، وقد تقتضي منه الصياغة اشتقاقاً جديداً أو نحتاً أو تعريباً (بالنسبة للعربية) أو ترجمة، وهذا نهج الاصطلاح في كل فن من فنون الحياة أو العلم، بل وفي تطور لغة التداول العامة نفسها أو الإبداع فيها، وقد كان للصوفية شأن خاص مع اصطلاحهم الذي تولد من التفاعل العرفاني مع النص القرآني كما قدمنا، ثم استقطب كل مكونات الثقافة الإسلامية، التي استوعبت أيضاً ثقافات أخرى سابقة عليها كما هو معلوم، ومن ثم فإن الصوفي لم يأبه في الغالب عند اختيار مصطلحه إلا بتوصيل المعنى المراد للسالك أو المريد، فكان المربي الصوفي كثيراً ما يضفي ثقافته العلمية الخاصة على خطابه وإشاراته، مستمداً من متداول عصره ما يقرب به المقصود، والصوفية في ذلك مؤمنون بأن المصطلح غير معناه وأن المضامين والحقائق هي من وراء الألفاظ والأشكال والرسوم، فكل ما في العالم مرئياً كان أو غير مرئي، إنما هو إشارات ورموز دالة على الخالق سبحانه.
وقد أخطأ الصواب كثير من الدارسين، في نظرنا، حينما قسم بعضهم التصوف تاريخياً إلى زهد ثم تصوف عملي ثم تصوف فلسفي، أو صنف بعضهم الآخر القوم إلى صوفية سنيين وصوفية فلسفيين، أو جعل بعضهم التصوف أنواعاً بالاعتماد على المواضيع المختلفة التي كتب فيها الصوفية، أو على الألفاظ التي استعملوها وهي تنتمي إلى الحقل الفلسفي أو غيره؛ مع أن "المشترك الاصطلاحي" بين حقول المعارف واقع معلوم عند العلماء، كما للمشترك اللفظي في اللغة الطبيعية تماماً؛ والمنظومة المفهومية في كل حقل معرفي هي بمثابة السياق الموضوعي الذي يحدد معنى كل مصطلح مستعمل داخلها، ولا يبقى لهذا المصطلح من الحمولات العرفية العامة أو الخاصة (المستمدة من حقل آخر) إلا ما أراده واضع المصطلح لخدمة المعنى الاصطلاحي الجديد، وشتان بين المصطلح الصوفي الذي هو مجرد وسيلة لتقريب المعنى الروحي وبين المصطلح الفلسفي الذي هو عين الفكرة (أو الصورة الذهنية) المقصودة.
ولما كانت أصول المصطلح الصوفي واحدة وهي نصوص القرآن والحديث أو تأويل هذه النصوص خاصة، وكانت التجربة القائمة على تلك النصوص والمتجددة بتأويلها واحدة، فإننا لاحظنا توحداً كبيراً بين الصوفية عبر كل العصور والأقطار الإسلامية في نوع المصطلحات المستعملة وعموم معانيها لا يختلفون إلا في مستويات تلك المصطلحات، إذ إن معنى المصطلح السلوكي يتفاوت بتفاوت مقامات السالكين، فيعبر كل منهم عن المستوى الذي عاشه من معاني المصطلح النسبية، ونجد أن هذا التفاوت هو نفسه في كل عصر وعند كل الصوفية بحيث لانستطيع أن نرسم خطاً بيانياً لتطور السلوك الصوفي أو خطابه، ذلك أن التصوف اجتهاد فردي متنوع داخل وحدة عرفانية تبدو كأنها لا زمانية، (وقد يكون اجتهاداً جماعياً لتحقيق آداب معينة). فإذا قارنا بين مصطلحات التصوف في القرن الثالث أو الرابع (عند ذي النون أو الجنيد أو الشبلي أو السراج مثلاً) في الشرق الإسلامي ومصطلحاته في القرن الثالث عشر أو الرابع عشر (مثلاً عند ابن عجيبة أو ماء العينين) في الغرب الإسلامي، فإننا نجد تناقلاً للمصطلحات نفسها مع اختلاف غير قليل في تعريفها، لكن التعريفات المختلفة تجتمع في تكامل وانسجام لشرح المصطلح مستعلية على كل الظروف، وهذا ما يبطل معايير التطور الزمانية و المكانية في دراسة الظواهر الثقافية/ الروحية، وربما كان تفسير ذلك أن التصوف ظاهرة روحية "ما بعد ثقافية" لا تخضع لمعايير الثقافة السائدة أو المتوقعة.
ولا شك أن هذا التوحد الاصطلاحي عند الصوفية راجع إلى وحدة الموضوع والمنهج في الطريق الصوفي، فموضوع التصوف هو "الذات العلية" وأكبر ظهور لها في الكلام الإلهي الذي به يسعى الصوفية إلى الهدف الأسمى وهو المعرفة الإلهية، ومنهجهم في ذلك التجربة الروحية المؤسسة على الكلام الإلهي نفسه، تطبيقاً وتأويلاً، في عملية جدلية مستمرة، وهذا ما يضعنا أمام معادلة طرفها الأيمن تطبيق القرآن وتأويله وطرفها الأيسر الخطاب الصوفي:
تطبيق القرآن (تأوّل/تبيّن)+ تأويل/تبيان= المصطلح /الخطاب الصوفي من هنا كان علينا في هذا العمل أن نتحقق من صحة هذه المعادلة موضوعياً وتاريخياً، نظرياً وتطبيقياً.
وقد استخدمنا في هذا البحث مفاهيم ثلاثة نعدها بمنزلة مفاتيح نظرية أو جهاز تحليلي لمضامينه، أولها مفهوم "البيان" ونقصد به أن القرآن والإنسان والعالم تشترك جميعاً في كونها مجموعة "آيات" بمعنى علامات دالة. وثانيها مفهوم "التبيّن" ونقصد به قدرة الإنسان على إدراك بل استيعاب دلالات هذه العلامات في القرآن والعالم وفي نفسه، أو قل هو القدرة على تحصيل البيان. أما ثالث المفاهيم فهو "التبيان" ونقصد به قدرة الإنسان على توصيل دلالات هذه العلامات بضروبها الثلاثة إلى الغير، أو قل هو القدرة على توصيل البيان، وقد اخترنا استعمال "التبيان" لكي نخصص مفهوم "التبيين" للهدي النبوي دون غيره، نظراً إلى كماله التبليغي وإلى شموله النموذجي لأوصاف "الإسوة الحسنة" وإلى أن التبيين هو المصدر الأشهر للفعل الذي يلخص الرسالة النبوية في قوله تعالى ﴿وأنزلناه إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ (النحل44)؛ (ومصدر التبيان ليس على الفعل عند سيبويه كما أنه بناء شاذ).
وقد جعلنا هذا الكتاب مكوناً من بابين، فخصصنا الباب الأول للتجربة والتأويل وقسمناه إلى فصلين، جعلنا الفصل الأول للكلام عن التجربة الصوفية الحية، وذلك من خلال ثلاثة مباحث هي مبحث البيان ومبحث التبين ومبحث التبيان، وجعلنا الفصل الثاني لتأصيل التأويل في الثقافة الإسلامية، وذلك في ثلاثة مباحث تناولنا الأول منها استعمالات التأويل في اللغة والقرآن والاصطلاح، وفي المبحث الثاني عرضنا لتأسيس التأويل الإسلامي من خلال التبيين النبوي وممارسة الصحابة للتجربة والتأويل، ثم نظرنا في المبحث الثالث إلى التأويل في الفكر الإسلامي، فعرضنا فيه لبعض الاشتغال التأويلي عند كل من المتكلمين والفلاسفة.
واما الباب الثاني فقد تناولنا فيه المصطلح الصوفي بالتأصيل والمقارنة مع غيره فقسمنا الباب إلى فصلين، خصصنا أولهما لقضايا المصطلح عموماً، وللمصطلح الصوفي وتأصيله خصوصاً، أما الفصل الثاني فعقدنا فيه بعض المقارنات بين مصطلحات من الفكر الإسلامي ونظيرها في المعجم الصوفي.
وبعد، فإننا لا ندعي لهذا العمل من الكمال ما ليس له، ولكننا لم نأل فيه جهداً ولا قصرنا في ما يستلزمه من تثبت، ولا ترددنا في تصحيح ما يقتضيه الحق والصواب، إن في المضامين أو البنية أو المنهج، وذلك على الرغم من أهوال طريق البحث العلمي في زماننا وعتو الرياح القاطعة عنه، لكن مايهون من تلك الأهوال والمشاق، ماقد يفتحه هذا العمل من آفاق، أو ما يساهم به في استكشاف مآثر من ثقافتنا المظلومة أو المنسية، وفي استرجاع ملامح من هويتنا المضيعة أو المسبية.
ومهما يكن، فإن صدق القصد كان لنا هادياً، فكانت الكتابة بعضاً من مكابدة التجربة، كما أن جميل الصبر كان لنا حادياً، فكانت أناة الرجاء وجهاً من حكم القضاء، ولئن استغرق إنجاز هذا العمل زمناً، فليس يمثل إلا مرحلة من تجربة حية تقدمته، وأرجو من الله تعالى أن تستمر إلى أن يأتي اليقين، وليس لي فيما تقدم أو تأخر، إلا فضل الله المنان الذي خلق ونسب إليّ.
وعليّ، لأشكر المولى عز وجل، أن أشكر أولاً بكليتي التي لن تفيَ بشكرٍ أستاذي وشيخي العارف بالله والدال عليه، مربي الرجال في مدارج الكمال، سيدي حمزة بن العباس القادري البودشيشي، أدام الله فضله وأطال عمره، وجزاه عنا بأفضل ما يجزي به عباده الصالحين المصلحين، فلولا صحبته والتلمذة عليه لم يكن لهذا العمل أن يوجد، كما أتوجه بالشكر الجزيل إلى أساتذتي الكرام، الأستاذ طه عبد الرحمن والأستاذ عباس الجراري والأستاذ أحمد العلوي، وإلى كل من تحمل معي شيئاً من أعباء هذا العمل، أو عاتبني أو حثني أو دعا لي.
محمد المصطفى عزام
الباب الأول :الـبـيــان والـتـأويـل الصـوفـي
الفصل الأول :الـــبـــيـــان الصــوفــي
1 ـ الرؤية الوجودية عند الصوفية
تتأسس الرؤية الصوفية للوجود (وهي غير التصور العقلي لهذا الوجود) على أنه مكون من ثلاثة موجودات هي: العالم والقرآن والإنسان. ولهذه الموجودات خاصيتان: الأولى أنها متناظرة فيما بينها بحيث إن كلا منها صورة للآخر حسب صيغته الخاصة، والثانية أن كلاً من هذه الموجودات خطاب إلهي، والمقصود بهذا الخطاب هو الإنسان بالذات على اعتبار أن له خصوصيتين، أولاهما: أنه "الكلمة" الإلهية الجامعة لمعاني الخطابين الآخرين (العالم والقرآن)، وثانيتهما أنه مزود باستعداد خاص لتحصيل (أو تبيّن) معاني هذين الخطابين ثم توصيل (أو تبيان) هذه المعاني إلى غيره.
ونطلق على الوظائف المعرفية المشتركة بين العالم والقرآن والإنسان مصطلح "البيان"([1]). فالعالم بيان بمعنى أنه رسالة علامية مقصودة يمكن للإنسان أن يتبين بعضاً من مقاصدها. والقرآن بيان مقالي إذ هو الرسالة الإلهية المخاطبة لكل كيان الإنسان؛ أما بيانية الإنسان فهي مؤسسة على ما خــُص به من وظيفتي التحصيل والتوصيل، ونسمي الأولى وظيفة "التبيّن" والثانية وظيفة "التبيان" اشتقاقاً من البيان.
- وظيفة التبيّن: وهي متوجهة إلى تحصيل الإدراك واكتشاف الموجودات والإحساس بها، وذلك عبر التجارب الحسية والذهنية والوجدانية، وعامة الناس يتعاملون مع الموجودات على أنها مواضيع خارجية منفصلة لا يربطهم بها إلا ما يحسون منها، في حين أن الصوفي يتعامل معها على أنها خطابات إلهية مقصودة تتنوع وتتفاوت بحسب استعداده لتلقيها ([2]).
- وظيفة التبيان ([3]): وهي متوجهة إلى توصيل نتائج التجارب السابقة إلى الغير عن طريق وسائل التعبير المتاحة للإنسان وأشملها الكلام ([4]).
ونعرض فيما يلي بايجاز رؤية الصوفية لكل موجود من هذه الموجودات الثلاثة:
1.1ـ بيان العالم
عند الصوفية عامة أن ما سوى الله من الموجودات بكل مراتبها حديث الظهور وهو في علم الله قديم البطون ([5]). ومن ثم فإن تلك الموجودات لها وجود ظاهر هو صورها في الأعيان الظاهرة ووجود باطن هو معاني الألوهية الباطنة في تلك الصور، فالوجود الأول هو بمثابة جسم لا يقوم إلا بالوجود الثاني الذي هو روحه ([6]). وفي اعتبارهم أن الإيجاد الإلهي مستمر على الدوام، كما أن الإمداد الرباني لا ينقطع عن الموجودات الممكنة لأنها جميعاً (صورة ومعنى) "كلمات الله" التي لا تنفد ([7])،على أن الكلمة كما في اللغة تشمل اللفظ الظاهر والمعنى الباطن، فالموجودات كلمات ناطقة وإن لم يسمعها عامة الناس، إذ ليس في الوجود صامت أصلاً بل الكل بحكم الكشف الصوفي ناطق بالثناء على الله حقيقة، غير أن الموجودات ليست ناطقة بذاتها وإنما من حيث هي مظهر للمتكلم فيها ([8])، وعلى ذلك فالعالم عند الصوفية "مصحف" كبير يحتوي حروفاً «مرقومة في رق الوجود المنشور ولا تزال الكتابة فيه دائمة أبداً لاتنتهي» وليست تلك الكلمات مرقومة لذاتها وإنما هي رسائل موجهة إلى الإنسان «يتلوها الحق علينا تلاوة حال» ([9]).
ولما كانت الغاية من إظهار الحق للخلق أن يعرفوه رحمة بهم ومحبة لهم ([10])، فقد جعل لهم سبحانه ﴿السمع والأبصار والأفئدة﴾ وهيأهم لسماع كلماته وشهود آياته وفهم أسراره، ومن ثم غدت جميع الأعيان الظاهرة بالنسبة للإنسان شواهد دالة على الغيوب الباطنة ([11])، وهذا ما قصدنا إليه حينما اعتبرنا أن العالم بيان.
وتتفاوت بيانية العالم بتفاوت طبقاته أو مراتبه، وقد قسم الصوفية هذه الطبقات إلى ثلاث هي:
أ ـ عالم الملك (أو عالم الشهادة): وهو ما ظهر من حسن الكائنات، ويدرك بالحس والوهم.
ب ـ عالم الملكوت (أو عالم الغيب): وهو ما بطن في العالم من اسرار المعاني، ويدرك بالعلم والذوق.
ج ـ عالم الجبروت: وهو عالم العظمة أو «البحر المحيط الذي تدفق عنه الحس والمعنى... ويدرك بالكشف والوجدان» ([12]).
2.1- بيان القرآن
لما كان القرآن هو الرسالة الإلهية المباشرة إلى الإنسان والمنزلة بلغة هذا الإنسان فلا غرو أن يراد منه تبيّن مضامينها وتفهم مقاصدها، وقد تفاوت الناس منذ بداية تلقيهم لهذه الرسالة في تبينها وفهمها حق الفهم كما اختلفوا في التصديق بأن القرآن كلام الله، ولكن الصوفية اعتبروا دائماً أن الإنسان مهيأ بالفطرة لتلقي الخطاب القرآني وفهم مقاصده، ذلك أنه « برزخ بين الحق والإنسان» ([13]) كما أنه المجلى الجامع للحقائق الإلهية (لأنه كلمات الله القديم وكلامه ذاته عندهم)، هذه الحقائق المتجلية في الموجودات الكونية، (لأنها كلمات الله في العالم) وفي الإنسان (باعتباره كلمة جامعة). ومع أن العالم يشترك مع القرآن في كونهما دليل الإنسان وحجته وأصل استدلاله بحيث لا يعتبر العقل الإنساني إلا فرعاً منهما، فإن القرآن وهو (الخبر القاهر) أحق من الأكوان (وهي العيان الظاهر) في الدلالة على الحق كما يقول المحاسبي([14])؛ ومن ثم فقد اعتقد الصوفية أن القرآن «أصل كل أصل» وأن فيه كل شيء من علوم الدنيا والآخرة. ولم يكن اعتقادهم هذا وليد نظرة ذاتية فقط كما يُنعتون عادة، ولكنهم استندوا في ذلك إلى كثير من النصوص الإسلامية كآيات القرآن الكريم ([15]) مثل قوله تعالى: ﴿ونزلنا عليكَ الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين﴾ (النحل: 89) ونصوص الحديث النبوي مثل:«عليك بكتاب الله عزّ وجّل فإن فيه نبأ من كان قبلكم وخبر من بعدكم، وحكم ما بينكم من دينكم الذي تعبدكم الله عزّ وجل به تصلون إلى المعرفة...)، وقول عبدالله بن مسعود: «... إن فيه[القرآن] علم الأولين والآخرين»؛ لذلك فإن المريد عند الصوفية لا يكون مريداً حتى يجد في القرآن كل ما يريد، فتحت كل حرف من حروفه كثير من الفهم، «ووجوه الفهم لا تنحصر لأن وجوه الكلام [القرآن] لا تنحصر» وتلك الفهوم كلها «من علم الدين والأصول التي بين الخلق وبين الله تعالى» ولكنها مذخورة لأهلها؛ ويعظم قدر القرآن عند الصوفية لأنه المظهر الأكمل لتعرّف الله لعباده من جهة، ووسيلة العباد للتقرب من الله من جهة أخرى، فهو حبل بين الله وبين عباده. ومما اعتقده الصوفية كذلك أن معدن نور القرآن هو قلب النبي صلى الله عليه وسلم. وإذا كانت نصوص القرآن والحديث قد وصفت كتاب الله بأوصاف كثيرة منها أنه هدى ونور وضياء وشفاء ورحمة وبشرى وذكر ومبين وحبل متين ومحجة بيضاء وغير ذلك، فإن الصوفية وجدوا فيه إلى جانب ذلك أو تفريعاً عن تلك الأوصاف ما يناسب أحوالهم مع القرآن فقالوا مثلاً إنه "فهم العقل" و"نور الحكمة" و "ينابيع العلم" و"أدب الله" و"أدب النبوة" و"علم الأولين والآخرين" ([16])؛ ولما كان القرآن جامعاً لكل شيء فهو عند الصوفية "إنسانٌ كامل" ما دام كلاهما مجمع حقائق الحق والخلق، لأنهم يعنون بالإنسان الكامل من كملت صفاته بمعنى أنه «أنزل عليه القرآن من جميع جهاته» ([17])؛ ولكي يبلغ الإنسان هذه المرتبة وجب أن يتطابق ظاهره وباطنه مع ظاهر القرآن وباطنه. ونفهم من مثل هذه الأقوال عند القوم أن النص اللغوي للقرآن له ظاهر وباطن، ولكل منهما دلالاته.
فإذا كان كل نص يمكن أن تتعدد قراءته كلما اتسعت معارف صاحبه، فإن الصوفية رأوا أن القرآن أولى بذلك لأنه الكلام الإلهي الذي لاحد لمعانيه، فأقروا المعاني الظاهرة للقرآن أولاً كما تفيدها عباراته ومبانيه، وفي ذات الوقت وجدوا أن لآياته وكلماته بل وحروفه باطناً أو بواطن هي حقائق دقيقة ومعارف رقيقة تشير إليها معاني العبارات الظاهرة، وهناك مناسبة بين ظاهر العبارة وباطن الإشارة، ولكن فهم الإشارة من العبارة يحتاج إلى تأويل، وليس التأويل عند الصوفية عملية معجمية أو تأملية، وإنما هو تأويل عملي يسعى به الصوفي إلى الارتقاء بذاته ظاهراً وباطناً نحو مقاصد الإشارات القرآنية انطلاقاً من معاني العبارات التي "يعبر" منها إلى تلك الإشارات؛ فالتأويل عندهم تحقق ذاتي بالمعنى الإشاري للعبارة، إنه عملية "وجود" في الإشارة وبها، إنه عملية تحويل مستمر في السلوك العملي والوجداني عبر الإشارة إلى إشارات الإشارة (اللطائف)؛ ومن ثم كان للحروف القرآنية عندهم حدود، وللحدود مطالع لا نهاية لفهمها والعمل بها من أجل مزيد من الفهم والعمل ([18])، فهي كلمات الله التي لا تنفد، وهيهات المتكلم فيها سبحانه.
1.2.1 ـ أقسام القرآن عند الصوفية
وكما أن الصحابة قسموا القرآن إلى المواضيع التي تضمنها ([19])،فإن الصوفية اهتموا كذلك بالتقسيم الموضوعي لكتاب الله مثلما نجد عند سهل التستري الذي قسمه إلى «خمسة أخماس: خمس محكم وخمس متشابه وخمس حلال وخمس حرام وخمس أمثال» ([20]) .وقد نرى أنه يمكن تلخيص هذه الأخماس حسب مقولة الظاهر والإشارة والباطن إلى ثلاثة أقسام (وباعتبار أن الحلال والحرام من المحكم) ([21]):
1- المحكم: وهو حسب علماء الإسلام آيات الأحكام الظاهرة.
2- الأمثال: وتشمل ما قصه الله أو ضربه للاعتبار، وهي لا تــُقصد لذاتها وإنما هي رموز تشير إلى المغزى منها.
ج ـ المتشابه: الذي لايعلمه إلا الله، ولا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء تعالى.
3.1- بيان الإنسان
والإنسان في الفكر الصوفي "كلمة" إلهية من كلمات العالم لكنه يناظره من جهة ويمتاز عليه من جهة ثانية، فمناظرته للعالم تتجلى في أنه نسخة صغرى منه إذ يجتمع في الإنسان (وهو عالم أصغر) ما تفرق في العالم الأكبر من ملك وملكوت (الشهادة والغيب أو الظاهر والباطن) فعالم الملك يناظر جسمانية الإنسان، ومن ثم كان لهذا الإنسان جميع المراتب لأن فيه قوة كل موجود في العالم ([22]).
أما امتياز الإنسان عن العالم فيتمثل في أن الله خلق آدم على صورته وعلمه الأسماء كلها فجمع بذلك بين الحقائق الإلهية وبين حقائق العالم، فالإنسان للعالم بمنزلة الروح من الجسد، وكمال العالم إنما يتحقق بوجود الإنسان الذي هو المقصود من وجود هذا العالم بحكم أن الإنسان خلق ليكون خليفة لله في الأرض ([23]) ؛ومن المعروف أن الصوفية ينطلقون في هذه العقائد (ككل المذاهب الإسلامية) من نصوص القرآن والحديث التي تشير إلى تلك القيمة الإنسانية في التصور الإسلامي، كما في قول الله تعالى:﴿وإذا قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض﴾ (البقرة 30) وقوله: ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها)(البقرة 31) وقوله:﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾ (الإسراء 70) وقوله:﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم﴾ (البقرة 34 والإسراء 61 والكهف 50 و طه 116 وفي آيات أخرى كثيرة بصيغ مختلفة) كما أنهم يستندون إلى بعض الأحاديث النبوية مثل حديث «خلق الله آدم على صورته» ([24]).
ونحن نعجب من قول بعض الباحثين، مستشرقين وغير مستشرقين، بأن أكثر عقائد صوفية الإسلام مستوردة من خارج الأصول الإسلامية مثل إرجاع بعضهم صورة الإنسان في التصوف الإسلامي إلى فكرة الإنسان الكامل التي نشأت في الحضارة الهلينية أو التفكير الإيراني القديم (مثل هانز شيدر)، ورد بعضهم تلك الصورة إلى "الرؤى السامية" التي هي "وثيقة الصلة بالأسلوب النبوي" (مثل ماسنيون) أو محاولة البعض رد الرؤية الصوفية للعالم إلى نظرية المُثل الأفلاطونية، ناهيك عن إرجاع معظم المستشرقين ومن ردد كلامهم ترديداً، نصوص المعرفة الصوفية إلى الفيثاغورية والعقائد الأورفية والأفلاطونية القديمة والمحدثة وإلى القبالة اليهودية وإلى حكمة العراة الهنود ورهبانية النصارى وإلى الزرادشتية وتاوية الصين. وقد وصل الأمر بكثير منهم إلى القول بأن المعرفة الصوفية الإسلامية هي الترجمة العربية للغنوص اليوناني ([25]) ؛وقد حذر ابن عربي مثلاً من تصنيف الصوفية مع الفلاسفة بسبب تشابه الأقوال، كما نبه إلى أن ما قاله الصوفية مشابهاً لأقوال الفلاسفة أو المتكلمين أو أصحاب النظر ليس بالضرورة مأخوذا عنهم، ومن قال بذلك « لاتحصيل له» ثم إن «الفيلسوف ليس كل عمله باطلاً، فعسى تكون تلك المسألة فيما عنده من الحق ولا سيما إن وجدنا الرسول عليه السلام قد قال بها، ولا سيما فيما وضعوه من الحكم والتبري من الشهوات ومكايد النفوس» فإذا كان الأمر حقاً فلا يهم المأخذ. ولكن الادعاء على الصوفي بالأخذ من غيره «وأنت لم تشاهد ذلك منه فهو خروج عن الصدق إلى الكذب» ([26]). ونحن لا نقصد هنا إلى عرض آراء المدعين لتأثر الصوفية بغير الإسلام، ولا إلى عرض الردود عليهم، وإنما غرضنا إبراز الرؤية الصوفية بوجهيها الأنطولوجي والمعرفي كما هي لإبراز العلاقة بين التجربة والتأويل في الخطاب، على أننا نلتزم المنطق الداخلي للرؤية الصوفية وتجربتها التأويلية مع العالم ومع النص القرآني لتبين العلاقة بين تلك التجربة وبين إنتاج العجم الصوفي وتوليده، ونرى في هذا المسلك أمانة منهجية يقتضيها البحث، وذلك بربط النتائج بمقدماتها داخل المنهج الموحد الخاص بالحقل المفهومي دونما إسقاط منهج خارج عن الموضوع المدروس، وقد نبه إلى ذلك أحد أقطاب التصوف قائلاً: «إذا كانت لكل طائفة أصول ومقدمات هم مجمعون على صحتها مسلمون لها، إذ هي من جملة موازينهم التي يبنون عليها ويرجعون إليها، فمتى سلمت له من محققي أهل ذلك الشأن تأتى له أن يركب منها أقيسة صحيحة وأدلة تامة لا ينازعه فيها أرباب تلك الأصول التي هي من موازينهم» ([27]). فكيف بغير أرباب تلك الأصول المختلفين عنهم في المذهب أو في اعتبارها أصولاً.
ولما كانت الغاية من وجود الإنسان، في الرؤية الصوفية، غاية معرفية إذ أنهم يعتمدون كثيراً على تفسير ابن عباس لقوله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ (الذاريات 56) بأن معنى يعبدوني هو «يعرفوني» كما يعتبرون أن العبادة وسيلة للمعرفة، فإنهم يرون أن وسائل تحقيق هذه الغاية هي ما خلق الله في الإنسان من استعداد للتعرف على المظهرين الأكبرين للحقائق (وهما العالم والقرآن)، هذا الاستعداد هو الذي سميناه وظيفة "التبيّن"، وهذه الوظيفة تعتمد على أبعاد الإنسان الثلاثة وهي: البعد النفسي والبعد القلبي (العقلي) والبعد الروحي، وذلك في استثمار التجارب الحسية والعقلية والوجدانية، بحيث إن كل بعد من تلك الأبعاد، يكون هو المشتغل الرئيسي بالتجربة التي تناسبه، ويساعده في هذا الاشتغال البعدان الآخران، ذلك أن التجارب الثلاثة المذكورة متداخلة، فالبعد النفسي هو المشتغل الرئيسي بالتجربة الحسية، والبعد القلبي هو المشتغل بالتجربة العقلية (حسب الاستعمال القرآني في قوله تعالى: ﴿لهم قلوب يعقلون بها﴾(الحج 46) أما البعد الروحي فمجال اشتغاله التجربة الوجدانية.
على أن هذه التجارب المتكاملة مجرد أسباب لا تفعل بنفسها ولا هي المولدة للمعرف، وإنما تفعل بمشيئة خالقها وإرادته التي تخلق المعرفة عند الأسباب، ومن هذه الأسباب التي تهيء الإنسان لتبيّن العالم التناسب الحاصل بين أبعاد الكائن الإنساني ووظائفها من جهة، وبين مراتب الوجود في الموجودات من جهة أخرى.
2- التــبـــيّـــــنأو التجربة الصوفية
1.2- التبيّن الصوفي للعالم
لقد كان استشفاف ما وراء العالم المادي من النوازع الملازمة للتصوف، بل هي مصاحبة للتفكير الإنساني عامة، لكن الصوفي أكثر من غيره تطمح روحه إلى اختراق هذا العالم باعتباره ظلمة كثيفة تحجب البصائر عن درك الحقائق، هذه البصائر التي جُعلت في الإنسان قوة بإمكانها أن تتجاوز عالم الملك الذي هو مجال القوى الحاسة فقط، لتدرك ما وراء هذا العالم من غيوب، ولو أن تشوف الصوفية إلى العيوب النفسية (الباطنية) خير عندهم من التطلع إلى الغيوب الكونية ([28]).
وقد تقدم لنا أن بيان الإنسان يتحقق عن طريق وظيفتين أساسيتين تستندان إلى أهم قوتين من قواه الطبيعية، وهما وظيفة التبيّن ووظيفة التبيان، ولما كان الإنسان في اعتبار الصوفية ظاهرة مناظرة لظاهرتي العالم والقرآن، فإن وظيفة التبين الإنساني لابد أن تشتغل بما يناسب تلقيها من الظاهرتين المناظرتين له، وللصوفية في تبين هاتين الظاهرتين مسلك خاص سنحاول توضيحه.
إن جمع الإنسان للأبعاد الذاتية الثلاثة، (البعد النفسي والبعد القلبي والبعد الروحي) من جهة، ومناسبة تلك الأبعاد للمراتب الوجودية الثلاث (عالم الملك وعالم الملكوت وعالم الجبروت) من جهة ثانية لم يكن في رؤية الصوفية إلا بهدف تحقيق الغاية من الخلق، وذلك بجعل معرفة الإنسان تلك العوالم أمراً ممكن الحصول عن طريق الوسائط السببية المناسبة لمسبباتها، فتحقق الإنسان بمعرفة كل مرتبة وجودية يحصل في لحظة تحققه الذاتي بالبعد المناسب لتلك المرتبة، بل إنه تحقق معرفي واحد ينطلق من الذات ويعود إليها، فبتحقق الإنسان ببعده النفسي يتم إدراكه لعالم الملك، لأن الإنسان نسخة مصغرة لهذا العالم، وبتحققه ببعده القلبي يعقل عالم الملكوت لأن الإنسان برنامج العالم الجامع لفوائده، كما أنه بتحققه بالبعد الإلهي المتجلي في الوجودات كلها ([29]) قد يتاح له شهود عالم الجبروت، بمعنى أن تلك الأبعاد الذاتية للإنسان ليست أدوات مستقلة عن العالم الموضوعي أو ينحصر دورها في أنها وسائل لعمليات الإدراك الخارجي، ولكن معرفة تلك العوالم والوجودات مطوية في فطرة الإنسان بكيفية مسبقة بفضل التعليم الإلهي لآدم عليه السلام، وبذلك صار مجمع حقائق الأسماء التي قامت بها جميع العوالم، ولولا ذلك ما أمكن للإنسان أن يدرك شيئاً ولا أن يعرفه([30]).
فمعرفة الإنسان إذن ليست ناتجة فقط عن التناسب الحاصل بين أبعاده الذاتية ومراتب الوجود تناسباً يتولد عنه استعداد للمعرفة بعد الجهل، ولكن تلك المعرفة كامنة في تكوينه أصلا، ثم إنه في حياته على الأرض يستحضرها ([31]) بواسطة أسباب غالباً ما تكون ظاهرة التسلسل الحسي أو الذهني (مع غموض عمليات الإدراك والتعلم) فحقيقة المعرفة (التبّين) الإنسانية، في رؤية الصوفية، هي إعداد إلهي يتمثل في الهداية والتوفيق لما كان مقدوراً لذلك الإنسان أن يعرفه في حياته، وناتجة في ظاهر الأمر عن الأسباب التي يركبها. وقد انطلق الصوفية في هذا الفهم من الآيات القرآنية التي تفيد بأن الله هو مصدر العلم الإنساني مثل قوله تعالى:﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾ (البقرة 30) و﴿وخلق الانسان علمه البيان﴾ (الرحمن 2) و﴿وعلم الانسان ما لم يعلم﴾ (العلق 5) وغيرها ([32])، وهو تصور لايختلف فيه علماء الإسلام، وأهل السنة منهم خصوصاً؛ ولئن اختلف بعض المفسرين في المقصود من "الأسماء" في الآية السالفة، فجميعهم متفق على أن أصل كل علم هو الله، وأن وظيفة الإنسان أن يكسبه كأي شيء مخلوق، بل إن الإيمان والهدى والمعرفة عطاء من الله وإشهاد لبني آدم على أنفسهم قبل وجودهم على الأرض ([33])، وما دور الرسل إلا التذكير بتلك المعرفة المبثوثة في فطرة الإنسان﴿فذكر إنما أنت مذكر ﴾ (الغاشية 21).
وعندما اعتمد الصوفية تقسيم الوجود إلى ثلاث مراتب: وهي الملك، والملكوت والجبروت (أو الحقائق الإلهية التي لم تدخل عالم التكوين)، فإنهم لم يقصدوا بهذا التقسيم إلى أن هناك ثلاثة أنواع متمايزة من الموجودات، ولكنهم اعتبروا أن محل تلك الموجودات واحد وأن التراتب فيها ليس إلا من حيث أصلية المرتبة أو فرعيتها، فالأمر عندهم اعتباري، تختلف التسمية باختلاف الرؤية كما تختلف الرؤية باختلاف الترقي في المعرفة؛ فالعالم الداخل في التكوين عالم ملك ظاهر بالنسبة لمن بقي مفرقاً فيه بين الموجودات، منحجباً بها عن موجدها، وهذا العالم نفسه عالم ملكوت باطن بالنسبة لمن بلغ "مقام الجمع" فيه وشهد النور الفائض من الجبروت، ولكن من غير أن يضمه إلى أن أصله، أما من تحقق بأصل النور، فلا يبقى العالم في حقه إلا تجلياً لأنوار الجبروت ([34]). فالموضوع واحد ولكن طبقاته متعددة، ويتفاوت إدراك تلك الطبقات بتفاوت قوة المدركين، كما تتفاوت أبصار العيون في تبين شيء بعيد خلف ستر رقيق، بل إن أنوار عالم الملكوت ليست إلا أنوار القلوب المشاهدة لها، كما أن عالم الجبروت ليس غير انوار الأرواح الحاضرة فيها؛ فما سوى الحق، عند العارفين، خيال وهمي لاحقيقة لوجوده في العالم الخارجي ([35])، بمعنى أن الصوفي الواصل يعرف حقائق هذه العوالم من خلال معرفته بذاته، حينما تفيض الأنوار الإلهية من روحه على قلبه، باعتبار أن الإنسان مجلى ومجمع تلك الحقائق في سابق علم الله بالإنسان وتعليمه إياه بعد إيجاده، كما تقدم القول([36]).
لذلك فإن الصوفية المسلمين يضعون أنفسهم داخل رؤيتهم الوجودية الخاصة، فيغدو لعالم الغيب حضور واقعي دائم في شعورهم، بحيث إن تعاملهم معه في كل مدارج سلوكهم مزامن لتعاملهم مع عالم الشهادة باعتبارهما وجهين يدلان على حقيقة واحدة مناظرة لحقائق الانسان، وما على الصوفي إلا أن يفك رموز الظاهر للوصول إلى الباطن متوسلاً بالتجربة الروحية المترواحة بين ظاهر الصوفي وباطنه؛ فالأكوان الظاهرة (عالم الشهادة) عنده علامات تشير إلى حقائق باطنة فيها (أو فيه)، وعليه أن يعمل على تطهير باطنه عبر تجربة شعورية تمكنه من أن يتلقى معاني تلك الإشارات ويفهمها ويؤولها، سواء صرح بهذا التأويل أم لم يصرح ؛ وكلما استغرق عالم الغيب شعور الصوفي ضعفت قيمة عالم الشهادة عنده وتأثيره فيه، إلى أن يندرج هذا العالم في عالم معنوي واحد، ذلك أن روح الصوفي العارف تغــّيب هذا العالم وتتغرب عنه إذ تتحقق بالحضور الإلهي الذي يصير كل موجود مستمداً وجوده من هذا الحضور، فلا يبقى للعالم من وجود أو معنى إلا مايكون به إشارة إلى الموحد أو ما يتعلق بمراحل السلوك الأخلاقي للمتصوف القاصد إلى كمال العرفان.
ولما كان مقصد الصوفي أن يصل إلى معرفة خالق الأكوان، وكانت هذه الأكوان المحسوسة (عالم الملك) شاغلة لقواه الإدراكية في البداية، فإن على الصوفي أن يحد من ذلك الاشتغال وأن يشحذ القوى الداخلية (البعد الروحي) بتوجيهها إلى مكّون الأكوان عن طريق الأعمال التعبدية حتى تنقدح في باطنه الأنوار التي بها يدرك حقائق المكونــّات، وهذه الرحلة من الكون إلى المكون، وهي رحلة معنوية يقوم بها الصوفي عبر ذاته، تتطلب مقاساة أعمال تخلص ظاهره من العادات، ومعاناة أحوال ([37]) تجرد باطنه من التعلقات، فعلى الصوفي أثناء هذه الرحلة أن ينظر في "المكونات" وهو يستند قول الله تعالى:﴿ انظروا ماذا في السموات والأرض﴾ (يونس 151) ولم يقل: انظروا السموات والأرض ([38]) ؛ ولما كانت آيات من القرآن متعددة تأمر بالسير في الأرض والنظر في المبادئ والعواقب ([39])، فإن الصوفية اجتهدوا في أن تعتبر قلوبهم بباطن الأكوان، وأن لا تغتر نفوسهم بظواهرها ([40]) ؛ولايتم للصوفي السير في هذا الاتجاه إلا بالعناية الإلهية التي تعينه على الحد من التعلقات النفسية، والإقبال بإخلاص الكلية على البارئ تعالى في جميع الأوقات دون توقف ولا فتور في الهمة أو توزع في التوجه، حتى تتم له المناسبة بين بعده الروحي وبين الغيب الإلهي، الذي هو «حضرة القدس وينبوع الوجود» ([41])،فتنعكس على صفحة ذلك البعد أنواع العلوم والمعارف التي تتنوع وتختلف باختلاف تجليات الأسماء على الموجودات.
وحينما يحصل للصوفي شهود المكون في نهاية سفره، لا يبقى له شأن مع الأكوان الحسية ولا المعنوية أيضاً،« فلربما وقفت القلوب مع الأنوار [الملكوتية] كما حجبت النفوس بكثائف الأغيار» (المُلكية)، بل تغدو الأكوان عنده ظلمة لا ينيرها إلا ظهور الحق فيها بحيث لا يراها إلا به وبعده، بعد أن كان يراها قبله حين كان يعوزه وجود الأنوار،إذ كان يستدل على المؤثر بالآثار مثل عامة النظار ([42])، ولكن بعد حصول العرفان ينعكس الاستدلال المعروف بالمخلوق على الخالق فيصبح الخالق هو الدليل على كل ماسواه عند العارف الذي يتساءل عند الوجد بعد الفقد: «متى غاب حتى يُستدل عليه؟ ومتى بعد حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه؟». إن الاستدلال بالمخلوق على الخالق عند الصوفي لا يوصل إلى المعرفة الحق، إنه استدلال لا يدل إلا على عدم الوصول إلى العلم بالله يقيناً؛ فكيف يدل عليه شيء وهو الذي أظهر كل دليل؟ بل إن الأكوان لا تثبت إلا بإثباته، وهي مضمحلة بظهور صفاته، كما هي ممحوة بأحدية ذاته، فر غرو أن يصيح العارف بالله منتشياً من فيض وجوده، «شتان بين من يستدل به وبين من يستدل عليه» ([43]).
وبعد أن يثبت الصوفي الأكوان بالمكون، لا يبقى له إلا أن ينظر في أحكامه فيها وحكمه، ويؤدي حقوق الخالق عليه فيها، ويتأدب بأوصافه تعالى وأفعاله مع المخلوقات لعلمه أن علم تلك الأوصاف والأفعال وهب إلهي يلزمه الشكر عليه للاستزاده منه، وهي عملية جدلية تصحب الصوفي إلى منتهى أمره.
ولم يكن قصد الصوفية من سلوكهم معرفة حقائق الأكوان وأسرارها، ولكن مجاهداتهم كانت دوماً من أجل الحصول على رضا الله والاطمئنان إليه، وقد علموا أن ذلك لايتم إلا بمزيد التقرب إليه، وأثناء هذا التقرب يجدون مزيد يقين، فيزيدهم معرفة يزدادون بها مجاهدة وتأدباً. وأثناء السير تهب على قلوبهم معارف تتعلق أحياناً بظاهر الأكوان (عالم الملك) وأحياناً بباطنها (عالم الملكوت)، وقد ضمنها بعضهم كتبه أو خصها بتأليف مستقل، بحيث إننا نجد في بعضها وصفاً دقيقاً للعوالم التي هي خارج المجموعة الشمسية ولأصل هذه المجموعة، (بما يتفق مع نظرية الكتلة الواحدة)، وبدء تكوين أجرامها ومخلوقاتها وموقع الأرض منها وقوانينها الطبيعية من حركة وكسوف وخسوف وأمطار، إلى غير ذلك من المشاهدات التي يُستشهد لها أحياناً بنصوص النقل من قرآن وأثر، وأحياناً أخرى بأدلة العقل والخيال والاحتمال والجدل، وقد يرفق ذلك برسوم لأشكال الموجودات الكونية ومكوناتها[(1)] ؛ ومما يستغرب له أن كثيراً من المعلومات والمصوّرات تضارع ما اكتشفه العلم الحديث مؤخراً.
غير أن الصوفية في معراجهم الروحي اعتبروا أن انكشاف هذه المعلومات الكونية، الظاهرة منها والباطنة، من قبيل المواهب والأفضال الإلهية للتثبيت والتشجيع على المسير، وأنها غير مقصودة لذاتها، وقد تكون في ذات الوقت اختباراً للسالك ومزلقاً من مزالق الطريق حينما يعتد بها ويقف عندها معتقداً أنها المرحلة النهائية المقصودة، فتنقلب فتنة قاطعة عن السلوك، ويعبر ابن عطاء الله عن ذلك بقوله: «ربما وقفت القلوب مع الأنوار، كما حجبت النفوس بكثائف الأغيار» ([2])، وقد يصلح لتصوير خطر هذه المفاوز على المتصوف ما وقع للشيخ أحمد بن عليوة مثلاً مع الواردات الكونية التي كانت تهجم على قلبه وتلاحق أفكاره، إذ تخوف منها وأخذ يحاول إبعادها وعدم الاعتماد على مقتضاها، وعندما استحكمت من فؤاده علم أنه مقصرواعتقد أنه أصبح أسير تلك المعارف، فشكا الأمر أخيراً إلى شيخه الذي أشار عليه بأن يكتبها ليتخلص منها ([3]). لذلك نجد الصوفية يحذرون المريدين من التوقف في تلك المراحل مذكرين بقول الله:﴿وأن إلى ربك المنتهى﴾ (النجم 42)،كما يحذرون من الاكتفاء بمثل تلك الكرامات والاغترار بها « فربما رزق الكرامة من لم تكمل له الاستقامة» كما قال الإسكندري ([44])، فالاستقامة عندهم خير من ألف كرامة، كما أن التشوف إلى العيوب النفسية خير من التطلع إلى الغيوب الكونية، كما أشرنا سابقاً.